← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وإن كانا مشتركين بينهما، فباع أحدهما نصيبه منهما: فلشريكه الشفعة فيهما، إن كانت البئر منقسمة، وإن لم تكن منقسمة، وقلنا: لا شفعة في غير المنقسم: فتثبت الشفعة في المزرعة، وهل تثبت في البئر تبعاً للمزرعة؟ فيه وجهان: الأصح: لا تثبت. ولو باع داراً في سكة نافذة: فلا تثبت الشفعة في الطريق؛ لأنه غير مملوك؛ بل هو ممر لكافة الناس: لا يدخل في البيع، ولا يجوز بيعه. ولو باع داراً في سكة غير نافذة، وقلنا: يدخل الطريق في البيع، أو باع مع الطريق: تثبت الشفعة لشركاء السكة في الطريق، إن كان منقسماً، ولا تثبت في الدار، إن أمكن المشتري فتح باب في سكة أخرى، وإن لم يمكن: فلا شفعة في الطريق؛ لما فيه من إلحاق الضرر بالمشتري. وقيل: لهم الشفعة وللمشتري الاستطراق. وقيل: لهم الشفعة والطريق للمشتري؛ لأنه ضيع حق نفسه حيث أقدم على هذا الشراء، وخرج ابن سريج وجهاً، وبه قال مالك وأبو حنيفة- رحمة الله عليهما-: أنه تثبت الشفعة في الدار؛ لأجل الشركة في الطريق؛ والأول المذهب؛ كما لو باع شقصين من دارين، لأحدهما شفيعٌ: لا يأخذ الشفيع إلا ماله فيه شرك. أما إذا كان الطريق ضيقاً، إذا قسم له: لم يصب كل واحد طريقاً يدخل فيه كل ملكه؛ فلا شفعة فيه؛ على ظاهر المذهب. وحكم الخان إذا كان بيوتها لجماعة، لا على وجه الشركة، والصحن مشترك بينهم: فحكم السكة غير النافذة. وإن كان بين رجلين جدار، فباع أحدهما نصيبه- نُظر؛ إن لم تكن الأرض مشتركة بينهما: فلا شفعة؛ فلأنه كالمنقول، وإن كانت الأرض مشتركة بينهما، فباع أحدهما نصيبه: ثبت للآخر الشفعة في الكل، إن كان منقسماً؛ وكذلك: إذا كانت غرفة مشتركة بين رجلين، والسفل لأحدهما، فباع أحد الشريكين نصيبه من الغرفة: لا شفعة للآخر؛ لأن الشفعة كالمنقول؛ وكذلك: لو كان السفل لواحد، والعلو لواحد، فباع أحدهما ملكه: لا تثبت الشفعة للآخر، ولو كان السفل مشتركاً بينهما، والعلو لواحد، فباع صاحب العلو نصيبه من السفل مع جميع العلو: ثبت لشريكه الشفعة في سهم السفل والأرض، ولا

стр. 1612

يثبت في العلو؛ وكذلك: لو كانت بين رجلين أرض، وفيها لأحدهما أشجار، فباع صاحب الأشجار نصيبه من الأرض مع جميع الأشجار: كان لشريكه أن يأخذ الأرض بالشفعة، وبحصتها من الثمن. ولا شفعة له في الأشجار، قال الشيخ أبو علي السجزي: كنت سمعته من الشيخ القفال في العلو، ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: الشفعة تثبت في نصف العلو، ونصف الشجر تبعاً لنصف الأرض؛ لأن ذلك القدر يدخل في بيع الأرض من غير شرط، وكذلك: يتبع في الشفعة. قال الشيخ أبو علي- ﵀: عندي الأول أولى؛ لأن الشفعة لا تثبت فيما لا شركة فيه للشفيع من الأصول؛ وكذلك: لا تثبت في بناء وشجر لا شركة فيه؛ وإنما يتبع البناء والشجر الأرض، إذا كان في مثل حال الأرض بأن يكون مشتركاً، والله أعلم. فصلٌ في العقود التي تثبت بها الشفعة وما يأخذ به الشفيع إذا اشترى شقصاً مشفوعاً: فالشفيع يأخذه من المشتري بالثمن الذي اشتراه: فإن اشتراه بشيء من النقدين أو بشيء مثلي من حنطة أو شعير أو نحوه: أخذه بمثله؛ إن اشتراه كيلاً أخذه بمثله كيلاً، وإن اشتراه وزناً أخذه بمثله وزناً، وإن اشتراه بشيء متقوم من عبد أو ثوب أخذه بقيمة الثمن. وتعتبر قيمته بيوم استقرار العقد، وهو حالة انقضاء الخيار، لا عبرة بما يزيد وينقص بما بعد. ولو جعل رأس مال السلم شقصاً مشفوعاً: أخذه الشفيع بمثل المسلم فيه، إن كان مثلياً، وإن كان متقوماً: فبقيمته. ولو اشترى بكف من دراهم غير معلوم الوزن، أو بصبرة حنطة غير معلوم الكيل: لا يأخذه الشفيع حتى يصير معلوماً، ولا يبطل حقه بهذا التأخير. ولو صالح عن دين على شقص مشفوع، سواء كان ذلك الدين ثمناً أو بدل إتلاف أو قرضاً أو أجرة، أو إجارة: يأخذ الشفيع بمثل ذلك الدين، إن كان مثلياً، أو قيمته: إن كان متقوماً. ولو حط البائع بعض الثمن عن المشتري في زمان الخيار: إن قلنا: يلتحق بأصل العقد: ينحط عن المشتري والشفيع جميعاً، وإن قلنا: لا يلتحق: ينحط عن المشتري، ولا ينحط عن الشفيع؛ كما لو حط بعد مضي زمان الخيار.

стр. 1613

ولو زاد في الثمن في زمان الخيار: إن قلنا: يلتحق بأصل العقد: فيلزم المشتري والشفيع جميعاً، وإن قلنا: لا يلتحق: فلا يلزم واحد منهما؛ كما لو زاد بعد إبرام العقد. ولو حط البائع جميع الثمن في زمان الخيار: فإن قلنا: لا يلتحق بأصل العقد: فلا يلزم في حق الشفيع، وإن قلنا: يلتحق: فيصير كما لو باع بلا ثمن، وفيه وجهان: أحدهما: يبطل. والثاني: يكون هبة. وعلى الوجهين: لا شفعة للشفيع؛ فلو خط بعض الثمن بعد زمان الخيار: لا ينحط في حق الشفيع. وعند أبي حنيفة: ينحط. ولو نكح امرأة على شقص، أو خالع زوجته على شقص: أخذه الشفيع بمهر مثلها يوم عقد النكاح أو يوم وقع الخلع. ولو أجر داره على شقص أو رد آبقه على شقص: أخذه الشفيع بأجر مثل الدار أو أجر مثل العمل؛ غير أنه في الإجارة يثبت بالعقد، وفي الجعالة: بعد العمل. ولو صالح عن دم العمد الموجب للقصاص أو عن الجراحة الموجبة للقصاص- على شقص: جاز، وأخذه الشفيع بالدية. ولو صالح عن دية الخطأ على شقص: ففي صحة الصلح قولان، فإن جوزنا: أخذه الشفيع بالدية، ولو جعل الشقص متعة في طلاق امرأة: أخذ الشفيع بمتعة مثلها لا بالمهر؛ لأن الواجب بالطلاق المتعة لا المهر. وعند أبي حنيفة: لا تثبت الشفعة في هذه المواضع إلا في البيع. فنقول: مملوك بعقد معاوضة، فأشبه المملوك بالشراء. ولو أوصى له بشقص مملوك مشفوع، فمات الموصي، وقبل الموصى له: لا شفعة فيه؛ لأنه لم يملكه بعقد معاوضة؛ كما لو وهب شقصاً مشفوعاً: لا يثبت للشفيع الشفعة. أما إذا وهب بشرط الثواب، هل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان:

стр. 1614

أصحهما: تثبت؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة؛ كما لو اشترى. وقيل: لا يثبت؛ لأنه ليس المقصود منه المعاوضة. فإن قلنا: تثبت، هل يجوز للشفيع أخذه قبل قبض الموهوب له؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض. والثاني: جاز؛ لأنه صار بيعاً بشرط الثواب. ولو قال لأم ولده: إن خدمت ورثتي شهراً: فلك هذا الشقص، فخدمتهم: ملكت الشقص، وهل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: تثبت؛ لأنها ملكته بالخدمة؛ كالمملوك بعقد الإجارة. والثانيك لا تثبت؛ لأنه وصية في الحقيقة؛ لأنها تعتبر من الثلث، كسائر الوصايا. ولو بيع شقص مشفوع مع عوض بثمن واحد: يوزع الثمن عليهما باعتبار القيمة يوم العقد؛ فالشفيع يأخذ الشقص بمقابله من الثمن، وليس له أخذ العوض. ولا يثبت للمشتري الخيار من فسخ البيع بتفريق الصفقة عليه؛ لأنه دخل في العقد على بصيرة أن الصفقة تفرق عليه. ولو اشترى شقصاً، وفيه أشجار وأبنية: يدخل الكل في البيع، ويجوز للشفيع أخذ جميعها تبعاً للأرض، وكذلك؛ لو اشترى شقصاً من دار: للشفيع أن يأخذ جميع ما يدخل في مطلق بيع الدار من الأبواب والسقوف وغيرها. ولو اشترى شقصاً وفيه نخل عليها ثمرة مؤبرة: لا تدخل الثمرة في ملطق البيع، فلو اشتراها مع الثمرة: للشفيع أخذ الشقص مع النخيل بحصتها من الثمر، ولا يأخذ الثمرة، وإن كانت فيها نخيل مطلعة: يدخل الطلع في البيع، وهل للشفيع أخذ الطلع؟ فيه وجهان: أصحهما: يأخذ؛ لأنه يدخل في مطلق البيع. والثاني: لا يأخذ؛ كالثمرة المؤبرة. فإن قلنا: لا يأخذ: أخذ الأرض والنخيل بحصتها من الثمر، وإن قلنا: يأخذ: فلو تأخر الأخذ بالشفعة تعذر حتى يرث الثمار، هل للشفيع أخذ الثمار؟ فيه وجهان:

стр. 1615

أحدهما: يأخذ؛ كالفسيل إذا كبر. والثاني: لا يأخذ؛ لأنها صارت بحيث لا تتبع الأرض؛ بخلاف الفسيل. فإن قلنا: ليس له أخذها- هل يحط شيء من الثمن؛ لأجل الثمر؟ فيه وجهان: أحدهما: يحط، كما في الثمرة المؤبرة: يوزع الثمن على الأرض والنخيل وعلى الطلع. والثاني: لا يحط، وعليه جميع الثمن؛ فهو بمنزلة عيب حدث بالشقص: فإن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك. أما إذا اشترى شقصاً، وفيه نخيل حائلة، فأثمرت، ثم جاء الشفيع- نُظر: إن جاء بعد تأبير الثمار: لم يكن له أخذ الثمار؛ بل يأخذ الأرض والنخيل بجميع الثمن، وإن جاء الشفيع، والثمر طلع: هل للشفيع أخذ الطلع؟ فيه قولان: قال في القديم: يأخذ؛ لأنه يتبع الأصل، ويدخل في مطلق البيع. وفي الجديد: لا يأخذ؛ بل يبقى للمشتري كالمؤبرة؛ لأنه تملك بغير التراضي؛ فلا يؤخذ به إلا ما دخل في العقد؛ بخلاف البيع؛ فإنه يملك بالتراضي؛ يقدر فيه على استثناء الطلع؛ فإذا لم يستثن: تبع الأصل. ولو اشترى شقصاً، وفيه زرع- نُظر: إن كان الزرع مما لا يجز مراراً: لا يدخل في مطلق البيع، وإن اشتراه مع الزرع: أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن دون الزرع، وإن كان الزرع مما لا يجز مراراً: فالجزة الظاهرة لا تدخل في البيع، ويدخل الأصل، ويأخذه الشفيع مع الأصل. ولو اشترى شقصاً من طاحونة: فالحجر السفلاني: إن قلنا: يدخل في البيع: أخذه الشفيع، أما العلياني: إن قلنا: يدخل في البيع: هل يأخذه الشفيع؟ فيه وجهان؛ بناءً على الطلع، وإن قلنا: لا يدخل في البيع: لا يأخذه الشفيع. ولو اشترى شقصاً من دار، ثم بعد البيع: تكسر منها جذع، أو اعوجت أسطوانة، أو حدث عيب آخر: فالشفيع: إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء ترك.

стр. 1616

ولو انهدمت بعد البيع نظر: إن تلفت الآلات، وضاعت: فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذ العرصة بحصتها من الثمن، وإن شاء ترك، فإن لم يتلف شيء منها؛ لكنها انفصلت، فهل للشفيع أخذها مع العرصة؟ نقل المزني: إما أن يأخذ الكل بالثمن، وإما أن يترك. ونقل الربيع: أنه يأخذ بحصتها من الثمن، اختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل المسألة على قولين: أحدهما: أنه إن شاء أخذ الكل بجميع الثمن، وإن شاء ترك؛ لأنها كانت متصلة يوم البيع. والقول الثاني: إن شاء أخذ العرصة بحصتها من الثمن، وإن شاء ترك، ولم يكن له أخذ الآلات؛ لأنها منقولة حالة الأخذ. ومنهم من قال: هي على حالين؛ حيث قال: يأخذ بجميع الثمن، أراد به: إذا لم تتلف الآلات؛ فيأخذها كلها، وحيث قال: يأخذ بالحصة، أراد: إذا تلفت الآلات أو بعضها. ومنهم من قال: المسألة مصورة فيما إذا تلفت الآلات؛ فحيث قال: يأخذ بجميع الثمن، أراد به: إذا تلفت بآفة سماوية؛ وحيث قال: يأخذ العرصة بالحصة، أراد به: إذا تلفت بفعل آدمي؛ لأنه حصل للمشتري بدل التالف. فصلٌ [في بيان أن الشفعة على الفور] الأخذ بالشفعة: يكون على الفور بعدما علمها الشفيع؛ على قوله الجديد، وهو

стр. 1617

المذهب؛ وبه قال أبو حنيفة ﵀: لأنه حق ثبت في البيع؛ لدفع الضرر؛ كالرد بالعيب، وقال في رواية حرملة: له الخيار إلى ثلاثة أيام؛ لأنها تثبت للنظر؛ فلابد من مضي زمان ينظر فيه فجعل الثلاث حداً؛ لأنه نهاية القلة. وقال في القديم: هو على التراضي؛ كالخيار في القصاص؛ فعلى هذا: بماذا يسقط خياره؟ فيه قولان: أحدهما: بما يدل على الإسقاط بأن يقول: قاسمني؛ أو يستبيعه أو يستوهبه. والثاني: لا يسقط إلا بصريح العفو، والإسقاط كالقصاص؛ فعلى هذا: إذا لم يأخذ، ولم يعف: دفعه المشتري إلى الحاكم؛ حتى يجبره على العفو أو الأخذ؛ لأنه لا يمكنه التصرف فيه والسعي في عمارته؛ خوفاً من أخذه بالشفعة؛ فعلى هذا: إن لم يفعل؛ هل يبطل عنه القاضي؟ فيه قولان: فإن قلنا بظاهر المذهب؛ إنه على الفور: فذلك بعد العلم، فإن لم يعلم ببيع الشقص حتى مضى سنون: لا يبطل حقه، فإن علم، وأخر بلا عذر: سقط حقه، فإن حضر،

стр. 1618

فقال المشتري: سلام عليكم، أو قال: بارك الله في صفقتك؛ إني مطالبك بالشفعة: لا يبطل حقه بهذا القدر من الكلام؛ لأن السلام قبل الكلام سنة، والدعاء بالبركة نفع؛ ليأخذ بصفقة مباركة، ولو سأله كم الثمن؟ لا يبطل؛ لأنه لا يصح أخذه ما لم يعلم الثمن. وإن أخر الطلب بعد زمان كان مشتغلاً بطهارة أو صلاة أو أكل، أو دخل وقته، يريد أن يشتغل به، أو اشتغل بلبس ثوب، أو إغلاق باب، فأخر حتى يفرغ: لا يبطل؛ وكذلك: إذا علم بالليل، فأخر حتى يطلع النهار، ثم إن كان في خلال أكل، أو في خوف ليل، وبحضرته قوم: أمكنه الإشهاد، هل يلزمه الإشهاد؟ فيه وجهان. أما إذا كان محبوساً بظلم أو مريضاً: فإن وكل بالطلب، أو لم يمكنه التوكيل: أشهد عليه [و] لا يبطل حقه، وإن لم يُشهد عليه مع الإمكان: بطل حقه، وإن قدر على التوكيل، ولم يوكل: فالصحيح أنه يبطل حقه كما لو قدر بنفسه، فلم يطلب. وقال الشيخ أبو علي الطبري: لا يسقط حقه: لأن الوكيل: إن كان يطلب عوضاً: فيلحقه مؤنة، وإن لم يطلب: فيلحقه منة. ومن أصحابنا من قال: إن وجد من يتطوع بالوكالة، فلم يوكله: بطل حقه، وإن لم يجد من يتطوع: لا يبطل حقه. وإن كان محبوساً بحق بأن كان عليه دين، وهو مليء لا يؤديه: عليه أن يحضرن فيطالب، فإن لم يفعل: بطلت شفعته، وإن كان متوارياً يخاف من عدو: فهو كالمريض، وإن كان غائباً فبلغه الخبر- نُظر: إن أنفذ وكيلاً في الحال: فهو على شفعته، وكذلك: إن خرج بنفسه، واشهد، وإن صار ولم يشهد، أو خرج لطلب قافلة، ولم يُشهد: هل تبطل شفعته؟ فيه قولان: أصحهما: لا تبطل؛ كما لو أنفذ وكيلاً، ولم يشهد. والثاني: يبطل؛ لأن خروجه يحتمل أن يكون لأمر آخر، وإنفاذ الوكيل غير محتمل، ولو لم يسر في الحال مع الإمكان، ولم يوكل: بطل حقه، وإن أشهد.

стр. 1619

وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يبطل، إذا أشهد، وإن لم يمكنه الخروج بأن لم يجد رفقة أو نفقة: لم تبطل، إن أشهد، وإن لم يشهد: بطل. ولو اختلفا؛ فقال الشفيع: طلبت في الحال، أو سرت في الحال، وقال المشتري: بل أخرت، أو قال الشفيع: أشهدت حيث وجب الإشهاد، وأنكر المشتري: فالقول قول الشفيع مع يمينه؛ لأن الأصل ثبوت الحق له كما لو ادعى عليه أنك عفوت، فأنكر: كان القول قول الشفيع، حتى لو قال: أشهدت عدلين، لا أعرفهما، أو أشهدت فلاناً وفلاناً، وهما منكران: لا تبطل شفعته؛ كما لو تقار الزوجان على النكاح، وأنكر الشهود: يحكم بالنكاح. وكل موضع وجب الإشهاد: لا يختص بمجلس الحُكم؛ وكذلك: الأخذ بالشفعة لا يختص بمجلس الحكم؛ فلا يتوقف على حكم الحاكم؛ لأنه ثبت بالنص؛ كالرد بالعيب. ولو علم، فحضر المشتري أو لم يحضر، وحضر مجلس الحكم فأشخصه: لا يبطل حقه؛ لأنه يطلب الحق من معدنه، فإن كان الشفيع والمشتري غائبين، فأخر الطلب؛ ليأتي موضع الملك: بطلت شفعته لإمكان الأخذ في الغيبة، ولو اتفقا على أنه أخر الطلب، واختلفا، فقال الشفيع: أخرت؛ لأني كنت غائباً أو مريضاً أو محبوساً: فإن علم ذلك منه: قُبل قوله، وإن لم يعلم: لا يقبل، وإن قال: اخرت؛ لأني لم أصدق المخبر- نُظر: إن أخبره عدلان: بطلت شفعته؛ لأن الحقوق تثبت بقولهما؛ فكان عليه أن يعتمدهما، وإن أخبره فاسق أو صبي أو كافر: يقبل قوله، ولا تسقط شفعته، وإن أخبره عدل واحد حراً أو عبداً أو امرأة: ففيه وجهان: أحدهما: يقبل، ولا تسقط شفعته؛ لأن الحجة لا تقوم بقول الواحد. والثاني: تسقط شفعته؛ لأنه من باب الأخبار، ويقبل قول هؤلاء في الخبر. ولو قال الشفيع: أخرت؛ لأني لم أعلم أن الشفعة تثبت للشريك، فإن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية لا يعرفون الأحكام: يقبل قوله، وله الشفعة؛ وإلا فلا يقبل، وكذلك: في الرد بالعيب. ولو قال لم أعلم أنه يبطل بالتأخير: يُقبل قوله؛ لأنه مما يخفى على العوام. ولو أخر الطلب، أو عفى قبل معرفة الثمن أو معرفة المشتري: لا يبطل حقه، حتى لو أخبر أن الشقص بيع من زيد، فعفى، ثم بان أنه بيع من عمرو، ولو قال المشتري: أنا

стр. 1620

اشتريته لنفسي، فعفا، ثم بان أنه كان وكيلاً: اشتراه لغيره؛ له أن يأخذه؛ لأنه قد يرضى بشركة زيد، ولا يرضى بشركة عمرو، وكذلك: لو أخبر أنه اشتراه فلان، فعفا، ثم بان أنه اشتراه فلان مع غيره، أو أخبر؛ أنه اشتراه رجلان، فعفا ثم بان أن أحدهما اشترى كله: فله الأخذ؛ وكذلك: لو أخبر أنه بيع نصفه، فعفا ثم بان أنه بيع كله، أو أخبر ببيع كله، فعفا، ثم بان أنه بيع بعضه: له أن يأخذه؛ لأنه قد يرغب في الجملة ولا يرغب في البعض، أو يرغب في البعض دون الجملة، وكذلك لو أخبر أنه بيع بالدراهم، ثم عفى، ثم بان أنه بيع بالدنانير، أو أخبر أنه بيع بالنيسابورية، فعفا ثم بان أنه بيع بالهروية، أو على عكسه: فله الأخذ؛ وكذلك: لو أخبر أنه بيع بمائة، فعفا ثم بان أنه بيع بخمسين: لا يسقط حقه، أما إذا أخبر أنه بيع بخمسين، فعفا، ثم بان أنه بيع بمائة، أو أخبر أنه بيع كله بمائة، فعفا، ثم بان أنه بيع بعضه بمائة: سقط حقه؛ لأنه إذا رغب عن الكل بمائة: فعن البعض بمائة أولى. ولو أخبر أنه بيع حالاً، فعفا. ثم بان أنه بيع مؤجلاً، أو أخبر أنه بيع إلى أجل شهر، فبان أنه بيع إلى شهرين: لا يبطل حقه، أما إذا أخبر أنه بيع مؤجلاً، فعفا، ثم بان أنه بيع حالاً: بطل حقه؛ لأنه لو رغب فيه: أمكنه أن يعجل الثمن، إذا أخبر بالتأجيل. ولا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على أداء العوض؛ لأنه إذا أخذ، ولم يدفع العوض: أضر بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر. ولو قال: أعطني رهناً أو ضميناً: لم يلزمه قبوله، والشفيع لا يملك الشقص بمجرد قوله: "أخذته" ما لم يعط الثمن، أو يقضي له القاضي بها، فلو طلب ولم يداوم عليه، وتوانى في أداء الثمن: بطل حقه، ولو جاء وطلب، ثم ذهب ليأتي بالثمن، فمضى زمان إمكان الرجوع، ولم يرجع: بطل حقه، وإذا قضى له بها: فلا خيار له بعد ذلك، وعليه ثمنها. فرع عليه ابن سريج، فقال: لو قضى القاضي له بها، فمات قبل أن ينقد الثمن، أو يقبض الشقص: فهو مالك له، ثم إن مات مفلساً: فالمشتري إن شاء استرد الشقص، وإن شاء ضارب الغرماء بالثمن. ولو أن الشفيع قال للمشتري بعد علمه بالبيع: بعني بالشقص، أو هب لي، أو اكتراه منه: بطل حقه، سواء كان عالماً بالثمن أو جاهلاً؛ لأنه رضي بشركته، ولو لم يرض لسأل عن الثمن وأخذه بالشفعة. ولو صالح عن الشفعة على مال: لم يصح الصلح؛ لأنه خيار؛ فلا يجوز الاعتياض

стр. 1621

عنه؛ كخيار الشرط، وهل تبطل شفعته؟ فيه وجهان: أحدهما: تبطل؛ لأنه أعرض عن طلبها من غير عذر. والثاني: لا تبطل؛ لأنه تركها على عوض، فإذا لم يسلم له العوض: كان على شفعته. ولو قال أحد الشريكين للآخر: بع نصيبك؛ فإني عفوت عن الشفعة؛ فباع له: الشفعة؛ لأن العفو قبل ثبوت الحق: لا يصح؛ كما لو قال لمورثه: أوص بأكثر من الثلث؛ فإني قد أجزت، فأوصى، ثم مات: فللوارث رد الزيادة على الثلث؛ لأن الإجازة كانت قبل أوانها. فإن أخذ الشفيع الشقص بالشفعة وأعطى الثمن، ثم خرج الثمن الذي أعطى الشفيع مستحقاً أو كان المشتري اشتراه بدنانير، فخرج ما أعطاه الشفيع نحاساً أو رصاصاً: فإن كان الشفيع به عالماً: بطلت شفعته؛ لأجل التأخير، وإن كان جاهلاً: فهو على شفعته، وعليه إبدالها، وإن خرجت رديئة؛ بحيث يجوز الرضا به: تبطل شفعته، عالماً كان أو جاهلاً؛ لأن أداء ما دفع صحيح؛ بدليل أنه يجوز للمشتري أن يرضى به. وقيل: إن كان الشفيع عالماً، ولم يرض به المشتري: بطلت شفعته؛ للتأخير؛ كما في الاستحقاق. والأول أصح. والمشتري بالخيار: إن شاء رضي به، وإن شاء استبدل؛ أما إذا خرج ثمن المشتري مستحقاً بأن اشترى الشقص بعبد أو بدنانير معينة، فخرج العبد مستحقاً، أو الدنانير مستحقة أو نحاساً: فالشراء باطل، ولا شفعة للشفيع، حتى لو كان الشفيع قد أخذه بقيمة العبد: عليه رده، وإن كان قد اشترى بثمن في الذمة، فخرج مستحقاً رده، واستبدل، والشفعة بحالها، وإن خرج رديئاً: فهو بالخيار: إن شاء رضي به، وإن شاء استبدل؛ فإن رضي به ليس للشفيع أن يأخذ بثمن رديء بل عليه الجيد؛ لأن العقد انعقد عليه، وإن بخس البائع حقه. أما إذا وجد البائع بالثمن عيباً- نُظر: إن رضي به: يجب على الشفيع قيمة عبد صحيح للمشتري، وإن فسخ البيع، ورد الثمن- نظر: إن كان بعدما أخذ الشفيع الشقص بالشفعة: لم يكن له رد شفعته، بل يأخذ قيمة الشقص من المشتري؛ سواء كان أقل من

стр. 1622

قيمة العبد الذي هو ثمن أو أكثر، وإن كان قبل أخذ الشفيع: أخذه البائع، فإذا أخذه البائع، ثم جاء الشفيع: هل تسقط شفعته أم له أن يرد فسخه ويأخذه؟ فيه وجهان: أحدهما: يرد فسخه، ويأخذه؛ لأن علته البيع، وقد وجد، فإذا أخذه يأخذه بقيمة عبد صحيح. والثاني: سقطت شفعته؛ لأن الشفعة لدفع ضرر الدخيل، وقد زال. وكذلك: لو وجد المشتري بالشقص عيباً، وفسخ العقد، ثم جاء الشفيع: هل يأخذه؟ فيه وجهان. ولو وجد المشتري بالعبد عيباً وتعذر رده بحدوث عيب عنده، فأخذ الأرش: يحط ذلك الأرش عن الشفيع، حتى لو كان المشتري أخذ منه قيمة عبد صحيح: رجع عليه بالنقصان. ولو وجد الشفيع بالشقص عيباً: له أن يرده على المشتري؛ فيسترد الثمن؛ لأنه يملك عليه، ثم المشتري: إن شاء رده على البائع. ولو استحق الشقص من يد الشفيع: فكذلك؛ يرجع بالثمن على المشتري، ثم هو يرجع على البائع؛ كالمشتري الثاني: يرجع على الأول، ثم هو يرجع على البائع الأول؛ فإن كان الشفيع قد بنى وغرس فيه: فللمستحق قلع الغراس والبناء مجاناً، ثم الشفيع: يرجع على المشتري بنقصان البناء والغراس مع الثمن، ويرجع المشتري على البائع، هذا إذا أخذ الشفيع من المشتري؛ فإن تعذر الأخذ من المشتري بأن هرب أو اختفى قبل القبض: هل للشفيع الأخذ من البائع؟ فيه وجهان: أحدهما: يأخذ منه؛ فعلى هذا: تكون العهدة عليه، وإن كان المشتري قد حضر، لأن المشتري لم يأخذ شيئاً. والوجه الثاني: لا يأخذ من البائع؛ لأنه لم يتملك على المشتري، بل ينصب القاضي نائباً حتى يقبض من البائع للمشتري، ثم يأخذه الشفيع؛ فعلى هذا: يرجع الشفيع بالعهدة على المشتري: إن حضر، وإن لم يحضر: فعلى البائع، وهل يكون نائب الحاكم طريقاً فيه؟ فعلى وجهين. ولو اشترى شقصاً بشرط البراءة من العيوب:

стр. 1623

فإن قلنا: لا يصح الشراء: فلا شفعة. وإن قلنا: يصح: فيبطل الشرط؛ فهو كما لو اشترى من غير شرط، وإن قلنا: يصح الشراء، ويلزم الشرط: فللشفيع أن يرده على المشتري، ولا رد للمشتري على البائع، وكما لو اشتراه عالماً بالعيب، وأخذه الشفيع، وهو جاهل بالعيب، ثم علم: رده على المشتري، ولا رد للمشتري على البائع. ولو باع الشفيع حصته من العقار، أو رهنه بعد العلم بثبوت الشفعة له: بطلت شفعته، سواء باعه من مشتري الشقص أو من غيره، وإن باعه قبل العلم بثبوت الشفعة، ثم علم: هل تسقط شفعته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل؛ اعتباراً بيوم البيع؛ فإنه كان شريكاً يومئذ. والثاني: تبطل شفعته؛ لأن الشفعة تثبت ابتداءً بقدر ما بقي له من الشرك. ولو اشترى شقصاً مشفوعاً بشرط الخيار- نظر: إن كان الخيار للبائع وللمشتري: لم يكن للشفيع أخذه قبل انقضاء الخيار، سواء قلنا: الملك للبائع أو للمشتري أو موقوف؛ لأنه إذا أخذه: يسقط حق البائع من الفسخ؛ فيتضرر به، وإن كان الخيار للمشتري وحده، فإن قلنا: الملك موقوف أو للبائع: فلا يأخذه. وإن قلنا بظهر المذهب: أن الملك يتبع الخيار: فالملك- ههنا- للمشتري، وهل للشفيع أخذه بالشفعة؟ فيه قولان: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه بيع فيه خيار؛ كما لو كان الخيار للبائع. والثاني- وهو الأصح-: له ذلك؛ لأنه لا حق فيه لغير المشتري، والشفيع يملك إسقاطه؛ كما يسقط حق المشتري بعد لزوم البيع. ولو اشترى شقصاً مشفوعاً بثمن مؤجل: ففيه قولان: أصحهما- وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة-: الشفيع بالخيار، إن شاء عجل الثمن، وأخذ بالشفعة، وإن شاء صبر، حتى يحل الأجل، ثم يأخذه، وليس له أن يأخذه بثمن مؤجل؛ لأن البائع قد رضي بذمة المشتري، والمشتري لم يرض بذمة الشفيع، وبهذا التأخير: لا يبطل حقه؛ لأن له فيه غرضاً، فإن مات الشفيع قبل حلول الأجل: أخذه وارثه، إذا حل الأجل، ولا يحل الأجل بموته؛ لأنه إذا لم يأخذ بالشفعة لا يطالب بشيء. ولو مات المشتري حل عليه الأجل، ولا يكون حلولاً على الشفيع؛ فله أن يؤخر أن

стр. 1624

يحل الأجل، وليس للشفيع منع المشتري من التصرف فيه بالبيع وغيره، ولا منع وارثه بعد موته، إذا أخر الشفعة؛ حتى لو باعه المشتري، ثم حل الأجل: فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذه بالبيع الثاني، وإن شاء أخذه بالأول. وقال في القديم: للشفيع أخذه بثمن مؤجل؛ كما لو اشتراه؛ فعلى هذا: إذا مات الشفيع بعد أخذه: حل الأجل عليه؛ فالمشتري يطالب بتركته، ولا يحل على المشتري للبائع. وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان الشفيع ملياً وفياً-: له أن يأخذه بثمن، وإلا فلا. فصلٌ في تفريق الصفقة في الشفعة إذا اشترى شقصاً مشفوعاً: لم يكن للشفيع أن يأخذ البعض ويترك البعض؛ لأن فيه إضراراً بالمشتري بتفريق الصفقة عليه، فإذا عفا عن البعض: سقط الكل؛ كالقصاص، ولو صالح المشتري على أن يأخذ بعضه: ففيه أقاويل:

стр. 1625

أحدها: الصلح جائز؛ لأن المانع من التشقيص حق المشتري، وقد رضي به. والثاني: باطل، وله الخيار بين أن يأخذ الكل أو يترك الكل؛ لأنه لم يعف مطلقاً؛ إنما عفا عن البعض؛ ليأخذ الباقي. والثالث: بطلت شفعته عن الكل؛ لأن تبعيضه لا يجوز، وترك بعضه كترك كله؛ كما لو أعتق بعض عبده: عتق كله. ولو اشترى رجلان شقصاً من رجل: يجوز للشفيع أخذ نصيب أحد المشتريين؛ كما لو ملكا بعقدين. ولو باع رجلاً من رجل شقصاً: هل للشفيع اخذ نصيب أحد البائعين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لما فيه من تفريق الملك على المشتري. والثاني- وهو الأصح، وبه أجاب المزني- ﵀: أنه يجوز؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع؛ كما تتعدد بتعدد المشتري؛ كما في الرد بالعيب. ولو باع رجل شقصين من دارين- نظر: إن كان شفيع كل واحد غير شفيع الآخر: فكل واحد يأخذ شقصه، ولو ترك أحدهما حقه: لا يبطل حق الآخر؛ كما لو كان لأحدهما شفيع دون الآخر: أخذ الشفيع شقصه دون الآخر، وإن كان شفيعهما واحداً: هل للشفيع أن يأخذ أحدهما؟ فيه قولان:

стр. 1626

أحدهما- وبه قال أبو حنيفة- ليس له ذلك؛ لأن الصفقة واحدة. والثاني: له ذلك؛ لأنه لا نفع للتبعيض في شيء واحد؛ بخلاف الشقص الواحد: لا يجوز أن يأخذ بعضه. فصلٌ في ميراث الشفعة موت المشتري لا يبطل شفعة الشفيع، ولو مات الشفيع قبل الأخذ بالشفعة، وقبل العفو: إما قبل العلم أو بعده قبل التمكن من الأخذ: تثبت الشفعة لورثته على قدر مواريثهم مناسباً كان الوارث أو من أهل الولاء؛ خلافاً لأبي حنيفة- رحمة الله عليه- حيث قال: لا تورث الشفعة.

стр. 1627

وإنما قلنا ذلك؛ لأنه حق لازم تعلق بالمال، فيورث كالرد بالعيب، فلو عفا بعض الورثة عن حقه: ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: سقط الكل؛ كالقصاص: سقط كله بعفو بعض الورثة؛ وكما لو عفا الشفيع في حياته عن بعضه: سقط كله. والوجه الثاني- وهو الأصح-: الوارث الآخر بالخيار بين أن يأخذ الكل أو يدع الكل؛ كما لو كان للشقص شفيعان عفا أحدهما: يكون الآخر مخيراً بين أن يأخذ الكل أو يدع الكل. والوجه الاثلث: تسقط حصة العافي، والآخر يأخذ حصته. وذكر صاحب "التلخيص" هذه الأقوال الثلاثة فيما لو كان للشقص شفيعان، فعفا أحدهما، فمن أصحابنا من جعل الأقوال الثلاثة في الشفعة المورثة: أما أحد الشفيعين: إذا عفا: لا يبطل حق الآخر قولاً واحداً؛ لأن الحق ثبت لكل واحد منفرداً. وقيل: لا فرق بين الصورتين، كما في القصاص: لا فرق بين قصاص المورث وبين أن تثبت لجماعة؛ ابتداءً في أن عفو البعض يسقطه؛ وهو: أن يقتل عبد لجماعة، فعفا واحد: سقط كله. والأصح: في الموضعين: أن للثاني أخذ الكل. ولو كانت دار بين ثلاثة؛ لأحدهم نصفها، وللثاني ثلثها، وللثالث سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه: ثبتت الشفعة للآخرين، ثم تقسم الشفعة بينهما على عدد الرؤوس

стр. 1628

أم على قدر الأنصباء؟ فيه قولان: أصحهما: على قدر الأنصباء؛ لصاحب السدس ثلثه، ولصاحب الثلث تلقاه؛ لأنه وفق الملك؛ فيكون على قدر الملك؛ كنتاج الدابة المشتركة وكسب العبد المشترك، وبه قال الحسن، وابن سيرين وعطاء ومالك- رحمة الله عليهم-. القول الثاني- وبه قال الشعبي والنخعي وأبو حنيفة، واختاره المزني،- رحمة الله عليهم: يقسم على عدد الرءوس؛ لأن الشفعة تثبت بأصل الشركة؛ بدليل أن كل واحد لو انفرد أخذ الكل، وهما في أصل الشركة سواء، فهو كأجرة الصكاك: يقسم على عدد الرءوس. واختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: تقسم الشفعة بين الورثة على عدد رءوسهم أم على قدر مواريثهم؟ فيه قولان؛ كالمسألة الأولى؛ لأنهم ورثوا الحق الذي تثبت به الشفعة لا الشقص؛ فصاروا كالشركاء. والمذهب- ههنا-: أنه يقسم بينهما على التفاوت قولاً واحداً؛ لأنهما يأخذان بجهة الميراث عن الأب، وهما في الميراث يتفاوتان، وقول الشافعي- ﵁: "هما سواء"- أراد: في أصل استحقاق الشفعة لا في القدر. هذا إذا مات الشفيع قبل الأخذ، أما إذا مات بعد الأخذ: فلا يختلف القول أني قسم بينهم على فرائض الله تعالى. ولو ورث رجلان داراً من أبيهما، ثم مات أحدهما عن ابنين: صار نصيبه ميراثاً لابنيه، فلو باع أحد الابنين نصيبه: تثبت الشفعة لأخيه وعمه؛ على أصح القولين، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني- رحمة الله عليهما- كما لو باع العم نصيبه: ثبت لابن الأخ؛ فعلى هذا: يقسم بين الأخ والعم على عدد الرءوس أو على قدر الأنصباء؟ فعلى القولين.

стр. 1629

وقال في القديم- وبه قال مالك- رحمة الله عليه-: الشفعة للأخ دون العم؛ لأن الشفعة مبناها على القرب، والأخ أقرب، لأن الأخوين ملكا بسبب واحد، وهو الإرث عن الأب، أما العم فميراثه عن الجد، ولأن للأخ اختصاصاً ليس للعم من حيث إن دين الميت يتعلق بنصيب الأخوين دون العم؛ فلهذا لو عفى الأخ، هل تثبت للعم؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنه شريكه. والثاني: لا؛ لأن العقد لم يثبته. ولا يختص القولان بالإرث، بل كل شريكين حصل الملك لهما بجهة، وحصل لشريك الآخر بجهة أخرى، فباع أحد اللذين ملكا بجهة واحدة نصيبه: هل للذي ملك بجهة اخرى شركة في الشفعة؟ فيه قولان؛ مثل إن كانت دار بين رجلين، باع أحدهما نصيبه من رجلين، ثم أحد المشتريين باع نصيبه، هل تثبت الشفعة لهما أم تختص بما اشترى معه؟ فعلى القولين؛ في الجديد- وهو المذهب-: يثبت لهما. فصلٌ [في هل يبطل حق الشركاء في الشفعة إذا عفا واحد منهم] دار بين أربعة نفر، باع واحد منهم نصيبه: ثبتت الشفعة للشركاء، فلو عفا واحد منهم: سقط حقه، ولا يبطل حق الآخرين، على ظاهر المذهب، وليس للآخرين إلا أخذ الكل أو ترك الكل؛ وكذلك: لو عفا اثنان ليس للثالث إلا أخذ الكل أو ترك الكل، ولو جعل بعضهم نصيبه لبعض الشركاء: لم يصح؛ بل يكون لجميعهم؛ لأن ذلك عفو ليس بهبة، فلو كان واحد منهم حاضراً، واثنان غائبان: فالحاضر بالخيار بين أن يأخذ الكل ويترك الكل، وليس له أخذ الثلث؛ لأن صاحبيه إذا حضر ربما لا يأخذان؛ فيتفرق الملك على المشتري، فلو أخر الحاضر أخذه على حضور شريكه: هل يبطل حقه بهذا التأخير؟ فيه وجهان: قال ابن أبي هريرة: يبطل؛ لأنه أخره مع إمكان الأخذ. وقال أبو إسحاق: لا يبطل؛ لأنه أخر لغرض صحيح، وهو خشية أن يقدم الغائب، فينزعه من يده، فإذا أخذ الكل، ثم حضر الثاني: يأخذ منه النصف؛ كما لو لم يكن إلا

стр. 1630

شفيع فلو أراد أن يأخذ الثلث، هل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ كما لو لم يجز للأول أخذ الثلث. والثاني: له ذلك؛ لأن الحق: ثبت للشفعاء أثلاثاً. فإذا أخذ هو الثلث: لا نفرق الحق عليهم؛ بخلاف الأول؛ فإنه يأخذه من المشتري، والمشتري ملكه جملة؛ فلا يجوز التفريق عليه، فإذا أخذ الثاني نصف ما في يد الأول، ثم حضر الثالث: أخذ من كل واحد ثلث ما في يده، وإذا أخذ الثاني الثلث: إما على الوجه الذي يجوز أو بالتراضي؛ فإذا حضر الثالث: له أن يأخذ ثلث ما في يد الثاني، ثم يضمه إلى ما في يد الأول؛ فيقسمان نصفين؛ لأنه يقول: ما من جزء منه إلا ولي ثلثه؛ فيأخذ ثلثه، ويأخذ من الأول نصف ما في يده؛ لأنه مساو له في الحق؛ فللأول أن يشاطره ما أخذ من الثاني؛ فيزداد نصيب الأول والثالث؛ فيأخذ عدداً له ثلث، ولثلثه ثلث، وأقله تسعة؛ أخذ الثاني منها ثلاثة، والثالث يأخذ منه سهماً، من الأول ثلثه، ثم يجعل السهم الذي أخذه من الثاني بينهما، فنقول: سهم واحد لا يستقيم على اثنين بضرب اثنين في تسعة، فتصير ثمانية عشر، أخذ الثاني منها تسعة، ثم أخذ الثالث منها سهمين ومن الأول ستة، واسترد الأول منه سهماً من السهمين؛ فصار لكل واحد سبعة، وللثاني أربعة. ولو حضر منهم اثنان، وأخذا جميع الشقص مناصفة، وقاسما: بأن أتيا الحاكم، حتى أقام قيماً في مال الغائب، فاقتسموا، ثم حضر الثالث، فإن عفا: صحت القسمة؛ وإلا تنقض القسمة، ولو أخذ الأول الكل، وقاسم المشتري، وغرس وبنى في نصيبه، ثم حضر الآخران، هل لهما قلع الأشجار. والبناء مجاناً؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه غرس وبنى في ملكه؛ كالمشتري: إذا قاسم الشفيع، والشفيع غير عالم بثبوت الشفعة له؛ فبنى المشتري في نصيبه، ثم علم الشفيع: لا يقلع بناءه مجاناً. والثاني: يقلع؛ بخلاف المشتري؛ لأن ملكه كان مستقراً عليه، وملك الشفيع الأول غير مستقر؛ لأن الثاني يستحق مثل ما استحق الأول؛ وكذلك: إذا حصلت الزوائد من ثمار النخيل في يد الشريك الأول: هل يسلم له أم يشاركه الثاني والاثلث؟ فيه وجهان: أصحهما: يسلم له؛ كما يسلم للمشتري؛ لأنها حدثت في ملكه. والثاني: لا، بل يشاركه الآخران فيها. ولو كان للشقص شفيعان، وأحدهما حاضر، فعفا الحاضر: فللغائب أخذ الكل،

стр. 1631

فلو مات الغائب، والحاضر وارثه: له أخذه بالشفعة، وإن كان قد عفا؛ لأن العفو كان عن حق ثبت له، وهذا أخذ بحق الإرث. فصلٌ في تصرف المشتري في الشقص المشفوع إذا بنى المشتري في الشقص المشفوع، أو غرس، أو زرع قبل علم الشفيع: يقلع مجاناً، لا لحق الشفعة، بل لتركة الشفيع؛ فإن أحد الشريكين إذا بنى أو غرس في الأرض المشتركة بغير إذن شريكه: يقلع مجاناً؛ فلو قاسم المشتري الشفيع، ولم يعلم الشفيع ثبوت الشفعة: له ظنه؛ يقاسم من جهة البائع بوكالته، أو قال له المشتري: أنا أقاسم بوكالته، أو البائع قاسم الشفيع بوكالة المشتري، ظن الشفيع أنه يقاسم من جهة نفسه: فلا تبطل شفعته بهذه القسمة على أحد الوجهين؛ لأن الشركة كانت ثابتة يوم البيع، وتصح القسمة، أو أخبر الشيفع أن الشقص بيع بمائة، فعفا وقاسم فغرس المشتري فيه، وبنى، ثم بان أنه بيع بأقل من مائة، أو كان الشفيع قد غاب، ووكل من يقاسم مع شريكه، أو مع من يشتري من شريكه، فقاسم الوكيل: صحت قسمته، ولا تبطل به شفعة الشفيع؛ ففي هذه المواضع. إذا بنى أو غرس المشتري في نصيبه، ثم علم الشفيع: يجوز له أخذ العرصة بالشفعة، ولم يكن له قلع الغراس والبناء والزرع مجاناً؛ لأن المشتري لم يكن متعدياً فيه، بل يترك الزرع إلى الحصاد، ويتخير الشفيع في الغراس والبناء بين أخذ الأشياء الثلاثة، إن شاء أقرها بالأجرة، وإن شاء قلعها وضمن أرش النقصان، وإن شاء تملكها بقيمة اليوم. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يقلع البناء والغراس مجاناً دون الزرع. ولو تصرف المشتري في الشقص المشفوع- نُظر: إن تصرف تصرفاً تثبت فيه الشفعة؛ بأن باعه قبل علم الشفيع أو ولى البيع رجلاً، أو أصدقه امرأته، أو كانت امرأة اختلعت نفسها عليه واستأجرته شيئاً: فالشفيع بالخيار، إن شاء فسخ العقد الثاني، وأخذ بالأول، وإن شاء أخذ بالعقد الثاني، فإذا أخذ بالأول: لم يكن له فسخ النكاح، إن كان المشتري قد أصدقها، وإن كان المشتري الثاني قد غرس فيها: لا يقلع غراسه مجاناً؛ كما ذكرنا في المشتري الأول. ولو أجره المشتري أو وهبه، أو رهنه، أو وقفه: فللشفيع فسخ هذه العقود، وأخذه بالشفعة، بخلاف ما لو باع عبداً بثوب، فأجر المشتري العبد، ثم وجد البائع بالثوب عيباً، ورده: لا يثبت له فسخ الإجارة، لأن حقه ثبت بالإطلاع على العيب، والإجارة كانت سابقة عليه، وحق الشفيع ههنا كان ثابتاً يوم الإجارة؛ فكان له فسخها. ولو اشترى شقصاً، وقبل علم الشفيع، تقايلا: فإن قلنا: الإقالة بيع: فالشفيع

стр. 1632

بالخيار؛ إن شاء أخذ بالأول، وإن شاء أخذ بالثاني، وإن قلنا: فسخ، هل له رد فسخه؟ فيه وجهان؛ كما لو رد الشقص بالعيب، ثم علم الشفيع، هل له رد فسخه؟ فيه وجهان. أما إذا عفا الشفيع، ثم تقايلا: إن قلنا: الإقالة بيع: تتجدد له الشفعة، وإن قلنا: فسخ، فلا. ولو عفا الشفيع، ثم المشتري ولى البيع رجلاً: تتجدد للشفيع الشفعة؛ لأن التولية بيع جديد. فصلٌ فيما إذا باع في مرض موته إذا باع في مرض موته شقصاً يساوي ألفين، بألف لا مال له سواه: فقد حابى بنصف ماله، فإن أجاز الوارث: صح البيع في الكل، ثم الشفيع كم يأخذ منه؟ هذا يبنى على أن إجازة الوارث تنفيذ لما فعله الموصي أو ابتداء تمليك منه؟ وفيه قولان: إن قلنا: تنفيذ لما فعله الموصي: أخذ الكل بالألف، وإن قلنا: ابتداء تمليك من الوارث: فلا شفعة للشفيع في القدر الذي أجاز الوارث؛ لأنه ملكه بغير عوض، وكم يأخذ؟ فيه قولان على ما سنذكر في رد الوارث، وإذا رد الوارث الزيادة، ففي كم يصح البيع؟ الصحيح من المذهب: أنا نضم ثلث ماله إلى قدر ما يقابل قيمة الثمن، فيصح في قدره البيع؛ فيكون البيع صحيحاً في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن. والثاني: يصح البيع في ثلثه بثلث الثمن؛ لأنه لا يجوز أن يبطل البيع في شيء من الشقص إلا ويسقط بإزائه من الثمن، فإذا رددنا البيع في الزيادة على الثلث: هل تصح في الباقي؟ ذكر صاحب "التلخيص" في الباقي قولين؛ بناءً [على] تفريق الصفقة. والمذهب: أن العقد يصح في الباقي قولاً واحداً، لأن الوصية تصح على وجه لا تصح المعاوضة به. فإن قلنا: البيع في الكل باطل: فلا شفعة، وإن قلنا: يصح في الباقي: في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن أخذه الشفيع به وإن قلنا: يصح في الثلثين بثلثي الثمن: أخذه الشفيع به على القولين جميعاً [و] ثبت للمشتري الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع المبيع، فإذا فسخ البيع، ثم جاء الشفيع؟ فيه وجهان: أحدهما: تبطل شفعته.

стр. 1633

والثاني: له فسخه، وأخذه من البائع. أما إذا جاء الشفيع قبل الفسخ، فأراد الشفيع الأخذ، وأراد المشتري الفسخ: فيه قولان: أحدهما: ليس للمشتري الرد؛ لما فيه من إبطال حق الشفيع وقصده من الرد الخلاص منه، وقد تخلص منه بأخذ الشفيع. والثاني: للمشتري الرد، وبطلت الشفعة؛ لأن الشفيع يأخذ بعد استقرار العقد، وههنا: لم يستقر العقد إذا كان المشتري بفسخه، هذا إذا كان المشتري والشفيع جميعاً أجنبيين. أما إذا باع شقصاً يساوي ألفين، بألف، في مرضه، والمشتري وارثه: فإن قلنا في المسألة الأولى: إن البيع يصح في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن: فههنا: يصح البيع في نصفه بجميع الثمن؛ لأن المحاباة مردودة مع الوارث، ويأخذ الشفيع به، وهذا هو الأصح، وعلى القول الآخر: البيع باطل في الكل؛ لأنه لا يجوز أن يبطل البيع في شيء إلا ويسقط بقدره من الثمن، فما من جزء يصح فيه البيع إلا ويكون بعضه محاباة، والمحاباة مع الوارث مردودة، فإن قلنا بالأول: إنه يصح البيع في نصفه بجميع الثمن: فإن لم يأخذ الشفيع: فللمشتري فسخ البيع، وإن أراد الشفيع الأخذ، والمشتري الأخذ: فأيهما أولى؟ فعلى القولين، فأما إذا كان الشفيع وارثاً للبائع، والمشتري أجنبي: ففيه خمسة أوجه: أصحهما: يصح البيع في الجميع، ويأخذ الشفيع بالألف؛ كما لو كان الشفيع أجنبياً؛ لأن البائع حابى مع المشتري، والمشتري أجنبي منه، ثم الشفيع يتملك على المشتري، وهو أجنبي منه: فإن خرج من الثلث أخذ به الشفيع، وإن لم يخرج، ولم يجز الوارث: ففي كم تصح؟ فعلى ما ذكرنا من القولين. والوجه الثاني: إن ترك الشفيع الشفعة: صحت المحاباة مع المشتري؛ كما في المسألة الأولى، وإن لم يترك: فهو كما لو كان المشتري وارثاً: يصح البيع في نصف الشقص بجميع الثمن، على أصح القولين. والوجه الثالث: لا تجوز المحاباة بحال؛ فلا يصح الشراء إلا في نصف الشقص بجميع الثمن؛ على أصح القولين، وفي الباقي باطل.

стр. 1634

والوجه الرابع: يصح الشراء في الكل، ثم الشفيع يأخذ النصف بجميع الثمن، ويبقى الباقي للمشتري بلا عوض؛ فتكون المحاباة للمشتري، وهو غير وارث. والوجه الخامس: يصح البيع، ولا شفعة؛ لأن في إثبات الشفعة إبطال البيع، وفي إبطال البيع إبطال الشفعة وما جر ثبوته إلى سقوط أسقط أصلاً. وفيه وجه آخر: أن البيع باطل، لأنه لو صح لثبتت الشفعة، وكان محاباة مع الوارث. فصل [فيما لو أصدقها شقصاً مشفوعاً] إذا أصدق امرأته شقصاً مشفوعاً، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، أو ارتد- ونعوذ بالله- نظر: إن طلقها أو ارتد بعد أن أخذ الشفيع الشقص: رجعت الزوجة عليه بنصف قيمته، ولا حق له في الشقص، وإن طلقها قبل علم الشفيع: أخذ نصفه، ثم إذا جاء الشفيع يأخذ النصف الباقي بنصف مهر المثل: فهل له أن يأخذ النصف الذي أخذ الزوج؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو باع شقصاً بثوب، ثم وجد بالثوب عيباً، ورده واسترد الشقص، ثم جاء الشفيع: هل له أخذه من البائع؟ فيه وجهان. وإن طلقها قبل أخذ الشفيع، وقد جاء الشفيع: فالشفيع يأخذ النصف وفي النصف الآخر الزوج أولى أو الشفيع؟ قال أبو إسحاق: الزوج أولىز وقال ابن حداد- فيما لو باع شقصاً، فأفلس المشتري بالثمن، فأراد البائع فسخ البيع، وجاء الشفيع يريد أخذه: إن الشفيع أولى. اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من جعل فيها وجهين: أحدهما: الزوج والبائع أولى؛ لأن حقهما بسبب الملك السابق. والثاني- وهو الأصح-: الشفيع أولى؛ لأن حقه يبطل، لو قدمنا الزوج والبائع، وإذا قدمنا الشفيع: لا يبطل حق الزوج عن القيمة، وحق البائع عن الثمن، وهل هذان الوجهان مبنيان على ما لو باع الشفيع نصيبه قبل أن يعلم ثبوت الشفعة له: هل تبطل شفعته؟ فيه قولان، ومنهم من فرق بينهما، وقال: الزوج أولى من الشفيع؛ لأنه ثبت له بالطلاق حقيقة الملك بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]،

стр. 1635

والشفيع يثبت له حق التملك، فتقدم حقيقة الملك على حق التملك، وفي الإفلاس: الشفيع والبائع لكل واحد منهما حق التملك، وحق الشفيع أسبق؛ لأنه ثبت بالبيع، وحق البائع ثبت بالإفلاس؛ فكان الأسبق أولى. فإن قلنا: الشفيع أولى من الإفلاس: يؤخذ الثمن منه، ويكون بين الغرماء. وقال ابن سُريج: الشفيع أولى أن يؤخذ منه الثمن، ويدفع إلى البائع؛ مراعاة للحقين جميعاً؛ وعلى هذا: لو وجد المشتري بالشقص عيباً، وأراد رده، وجاء بالشفيع يريد أخذه، أو وجد بائع الشقص بالثمن عيباً يريد فسخ البيع، والشفيع يريد أخذه، أيهما أولى: فعلى قولين؛ وكذلك: لو اشترى شقصاً بثوب، فقبض الشقص قبل تسلم الثوب: جاز للشفيع؛ فعلى الشفيع قيمة الثوب للمشتري، وعلى المشتري قيمة الشقص للبائع. ولو تلف الثوب قبل أخذ الشفيع: فهل تبطل الشفعة أم للشفيع أخذه؟ فعلى هذين الوجهين. فصلٌ في شفعة الصبي إذا بيع شقص، وشفيعه صبي؛ فإن كانت الغبطة للصبي في أخذه: يجب على وليه أن يأخذه، وإن لم يأخذ: عصى، وإن عفا: لا يصح عفوه، فإذا بلغ الصبي: له أخذه، وإن لم يكن فيه غبطة: ليس له أخذه؛ فإن أخذه فباطل، وإذا بلغ الصبي: فالمذهب: أن ليس له أن يأخذه؛ لأن العقد لم يثبت الشفعة.

стр. 1636

وقيل: له أخذه. ولو كان بين رجلين دار فمات أحدهما عن حمل في البطن، ثم باع الآخر نصيبه: فلا شفعة للحمل؛ لأنه لا يتحقق وجوده، وإن خرج حياً، بخلاف ما لو ثبتت الشفعة لرجل، فمات قبل الآخر عن حمل يخرج حياً: له الشفعة؛ لأن الشفعة تثبت لحي حقيقة؛ كالرد بالعيب: يثبت للحمل بطريق الإرث. ولو مات أحد الشريكين عن امرأة حامل، ثم باع الآخر نصيبه: ثبتت الشفعة للمرأة دون الحمل. ولو خرج حياً: ليس لوليه أن يأخذ شيئاً من المرأة.

стр. 1637

وإذا ثبتت الشفعة للحمل إرثاً: فهل يجوز لأبيه أو لجده أن يأخذه له قبل خروجه؟ فيه وجهان: قال ابن سريج: لا يجوز؛ لأنه لا يدري وجوده، ولو كان بين المكاتب وسيده عقار، فأيهما باع نصيبه: تثبت للآخر الشفعة؛ كما لو كان بين المكاتب وأجنبي، وإذا دفع المكاتب إلى مولاه شقصاً عن نجم عليه، ثم عجز، ورق: هل للشفيع شفعة في الشقص؟ فيه وجهان: أحدهما: لا شفعة له؛ لأن ماله صار للمولى بالعجز؛ لحق الملك، لا بالمعاوضة، ولا شفعة فيما ملك بغير معاوضة. والثاني: ثبت؛ لأن ملكه بعوض، وتثبت فيه الشفعة؛ فلا تسقط بالفسخ بعده. ولو كانت ضيعة، بعضها مملوك، وبعضها موقوف، فباع المالك نصيبه: لا تثبت الشفعة للموقوف عليه؛ لأن الموقوف عليه لا ملك له بل الملك في الوقف إلى الله تعالى. وإن قلنا: الملك في الوقف للواقف أو للموقوف عليه: فليس بحقيقة ملك؛ بدليل أنه لا يملك التصرف فيه. وقيل: تثبت الشفعة للموقوف عليه؛ لأنه يلحقه الضرر من جهة الشريك. وأما إذا كان الشقص ملكاً للمسجد؛ بحيث يجوز للقيم بيعه: ثبتت الشفعة لقيم المسجد يأخذه للمسجد، إن رأى المصلحة فيه، وإن باع هو نصيب المسجد: فلشريكه الشفعة. أما إذا كان بين رجلين أرض، فوقف أحدهما نصيبه: لا شفعة للآخر؛ لأنه لم يصر للغير بعقد معاوضة؛ كما لو وهب نصيبه: لا شفعة للشريك. وتثبت الشفعة للذمي على المسلم، وللمسلم على الذمي.

стр. 1638

ولو باع ذمي من ذمي شقصاً بخمر، او خنزير: فلا شفعة له فيه، وإن كان الشفيع ذمياً: فحكم حاكمهم بالشفعة، ثم أسلموا: لا يتعرض لهم، وإن أسلموا، أو ترافعوا إلينا قبل الأخذ: يجب على حاكمنا رده. ولو بيع شقص، فارتد المشتري، ومات، أو قتل: صار ماله فيئاً، وللشفيع أخذه من الإمام. ولو ارتد الشفيع، فمات أو قتل: أخذه الإمام لبيت المال، وكذلك: لو اشترى شيئاً بشرط الخيار، أو به عيب، فارتد. وقيل: للإمام فسخه بالخيار والعيب. ولو أوصى لرجل بشقص، ثم باع الشريك الآخر نصيبه: فالشفعة لمن تكون؟ نُظر: إن باع قبل موت الموصي: فتثبت للموصي، وإن لم يعلم الموصي حتى مات، وقبل الموصى له الوصية: فلا شفعة للموصى له، وهل تثبت لوارث الموصي بحكم الميراث عن الميت؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو باع الشفيع شركة قبل العلم بالشفعة، هل تسقط الشفعة؟ فيه قولان. أما إذا باع الشريك نصيبه بعد موت الموصي، وبعد قبول الموصى له، فتثبت الشفعة للموصى له، وإن باع بعد موته قبل قبول الموصى له: فإن قلنا: يملك الموصى له بالموت، أو يكون موقوفاً: فإن قبل: بان أنه ملك بالموت، فإذا قبل: فله الشفعة، وإن قلنا: يملك بالقبول: فلا شفعة له، وهل تثبت لورثة الموصي؟ فعلى الوجهين.

стр. 1639

وإن اشترى القيم للطفل شقصاً، وللقيم فيه شرك: يجوز له أن يأخذه بالشفعة؛ وكذلك: لو كان بين رجلين دار، فوكل رجل أحدهما؛ ليشتري له نصيب شريكه، فاشترى: تثبت للوكيل الشفعة؛ وكذلك: لو ضمن الشفيع العهدة للمشتري، أو باع بشرط الخيار، وجعل الخيار إلى الشفيع، فأجاز: لا تبطل به شفعته. أما إذا باع الوصي والقيم شقصاً للصبي، وللقيم فيه شرك: هل تثبت الشفعة له؟ فيه وجهان؛ وكذلك: لو وكل أحد الشريكين صاحبه ببيع نصيبه، فباعه: هل تثبت للوكيل الشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: تثبت؛ كما تثبت للوكيل بالشراء. والثاني- وهو الأصح، وبه قال ابن حداد: لا تثبت لا للقيم ولا للوكيل بالبيع؛ لأنه ربما يحابي ويترك نظر الصبي والموكل؛ ليأخذه بالشفعة؛ كما لا يجوز للوكيل أن يبيع من نفسه، حتى لو وكله ببيع نصف نصيبه، فباع الوكيل نصف نصيب الموكل، مع نصف نصيب نفسه: فللموكل أخذ نصف نصيب الوكيل، ولم يكن للوكيل أخذ نصف نصيب الموكل؛ على الأصح. ولو مات رجل، وخلف شقصاً من دار ديوناً تستغرق التركة، وقبل بيع الشقص في الدين: باع الشريك الآخر نصيبه: يثبت للوارث الشفعة؛ لأن الشقص المتروك ملكه قبل أن يباع في الدين؛ بدليل أنه يجوز له إمساكه وأداء الدين من موضع آخر. ولو مات، وخلف داراً وديوناً تحيط ببعضها، فبيع بعض الدار في الدين: فلا شفعة للوارث؛ لأجل حقهم في الباقي؛ لأن الدار نفع على ملكهم؛ وكذلك: لو بيع بعضه في وصايا الميت: فلا شفعة لورثته بما بقي لهم. ولو كانت الدار بينهم وبين أبيهم، ثم مات الأب، فبيع نصيبه في دينه، أو في وصاياه: هل لهم أخذه بالشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس لهم ذلك؛ لأن جميع الدار صار لهم ملكاً بالموت، فبيع بعضها على ملكهم؛ كما في الصورة الأولى. والثاني- وبه قال أحمد بن حداد: لهم أخذه بالشفعة؛ لأجل ملكهم فيها؛ لأن

стр. 1640

ما يباع في الدين: ففي الحكم كالباقي على ملك الميت. ولو باعه الأب في حياته في دينه: كان لهم الشفعة، كذلك: إذا بيع بعد موته في حاجته. ولو كانت دار بين ثلاثة، فباع واحد منهم نصيبه من أحد شريكيه: ثبتت الشفعة للشريك الثالث، وهل تثبت للمشتري أم لا؟ الصحيح من المذهب- وهو قول المزني-: أنه تثبت؛ لأنه أحد الشريكين؛ فتكون بينهما نصفان. وقال ابن سريج: لا شفعة للمشتري؛ لأن الإنسان لا تثبت له الشفعة على ملك نفسه، بل للشريك، إن شاء أخذ الكل، وإن شاء ترك الكل. والأول أصح، وليس للمشتري أن يقول للشريك الثالث: إما أن تأخذ الكل أو تدع الكل؛ لأنه يقول له: تملكك بالشراء أقوى من تملكك بالشفعة، ولو ثبت لك حق الشفعة معي: لم يكن لك إلزامي أخذ نصيبك، فإذا تملكت بالشراء أولى؛ فالمشتري إذا ترك حقه؛ لا يجبر الشريك على أخذ نصيبه، وإذا ترك الشريك الثالث شفعته: لزم المشتري؛ لأنه اختار تملكه بالشراء. وعلى هذا: دار بين رجلين باع أحدهما نصف نصيبه من رجل، ثم باع النصف الثاني قبل علم الشفيع- لا يخلو: إما أن باع النصف الثاني من غير المشتري الأول، أو باعه منه، فإن باعه من غير الأول: فإذا جاء الشفيع: له أخذ النصف الأول، فإذا أخذه، ثم أراد أخذ النصف الثاني: هل يكون المشتري الأول معه شريكاً فيه؟ فعلى وجهين: أحدهما: لا؛ لارتفاع شركه. والثاني: بلى؛ لأنه كان شريكاً فيه حالة بيع نصف الثاني، أما إذا عفا الشفيع عن النصف الأول، وأراد أخذ النصف الثاني: فالمشتري الأول يكون شريكاً معه فيه. أما إذا باع النصف الثاني من المشتري الأول، ثم جاء الشفيع: فعلى قول ابن سريج: لا شفعة للمشتري، سواء عفا عن النصف الأول أو لم يعف؛ فالشفيع بالخيار، إن شاء أخذ الكل، وإن شاء عفا عن أحدهما وأخذ الآخر. وعند المزني- وهو الأصح-: حكمه حمك ما لو باع من أجنبي، فإن عفا الشفيع عن النصف الأول: كان المشتري شريكاً معه في النصف الثاني، وإن لم يعف، وأخذ النصف الأول، هل يشاركه المشتري في النصف الثاني فعلى وجهين؛ كما لو كان المشتري الثاني غير الأول.

стр. 1641

فصلٌ في الاختلاف وإذا اختلف الشفيع والمشتري، فقال المشتري: اشتريت الشقص بألف، وقال الشفيع: بل بخمسمائة: فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الشقص ملكه، وهو أعرف به، وكذلك: لو اشترى الشقص بعرض، وتلف العرض، واختلفا في قيمته: فالقول قول المشتري مع يمينه، فإذا حلف: فالشفيع، إن شاء أخذه بما حلف عليه المشتري، وإن شاء تركه، وإن نكل المشتري حلف الشفيع وأخذ بخمسمائة. ولو أقام أحدهما بينة: قضي له بها، ولو شهد البائع لواحد منهما- نُظر: إن شهد للمشتري: لا يُقبل؛ لأن المشتري- وإن كان مقراً له بتلك الزيادة- فهو يثبت المال لنفسه، وإن شهد للشفيع: يقبل؛ لأنه يبخس بحقه. وقيل: إن شهد قبل قبض الثمن: يُقبل، وإن شهد بعده: لا يُقبل؛ لأنه متهم من حيث إنه لو خرج مستحقاً لا يرجع عليه إلا بخمسمائة، والأول أصح، وتهمة الاستحقاق تهمة موهومة ضعيفة لا تمنع الشهادة. ولو وقع الاختلاف بين البائع والمشتري، فقال البائع: بعته بألف، وقال المشتري: بل بخمسمائة: تحالفا، ويفسخ العقد بينهما، ثم إن كان تحالفهما بعد أخذ الشفيع الشقص: صح أخذه بالثمن الذي أقر به المشتري، ويأخذ البائع من المشتري قيمة الشقص، وإن كان قبل أخذ الشفيع: فهل للشفيع أخذه؟ فيه وجهان كما لو أن رجلين اشترياه بعقدين، يدعي كل واحد على صاحبه أني اشتريت نصيبي قبلك، وأنت اشتريت بعدي، ولي عليك الشفعة: يحلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه؛ فإن حلفا أو نكلا: فلا شفعة لأحدهما على الآخر، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر: قضي للحالف بالشفعة على الآخر. بيانه: سبق أحدهما وادعى، فحلف المدعى عليه: استقر ملكه، وإن نكل الأول، وحلف المدعي: استحق ما في يد صاحبه، وإذا أراد الناكل أن يدعي بعده على الآخر: لم يسمع؛ لأنه لم يبق له ملك يستحق به الشفعة. ولو أقام أحدهما البينة: قضى له. ولو أقاما بينتين- نُظر: إن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين: قضى للسابق وإن كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد: فقد تعارضتا: إن قلنا: يسقطان: فيصار إلى الثمن، وإن قلنا: يستعملان: فلا يأتي قول الوقف ولا قول القسمة؛ لأن الدار في أيديهما، ويقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة: يقضي له. ولو كانت دار بين أربعة نفر، فباع واحد منهم نصيبه: ثبتت الشفعة للشركاء الثلاثة.

стр. 1642

فلو شهد اثنان منهم أن الشريك الثالث قد عفا عن الشفعة: هل يسمع؟ نُظر: إن شهدا بعد عفوهما: تُقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يجران نفعاً إلى أنفسهما، وإن شهدا قبل العفو: لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يجران نفعاً إلى أنفسهما، وهو أنه يسلم لهما جميع الشقص، وإن شهدا بعد عفو أحدهما: قُبلت شهادة العافي، ولا تقبل شهادة الآخر، فيحلف المشتري مع الشاهد الواحد، ويثبت العفو. ولو شهدا قبل العفو، فردت شهادتهما، ثم أعادا بعد العفو: لا يقبل؛ كالفاسق يعيد الشهادة بعد التوبة: لا يقبل، والله أعلم.

стр. 1643

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب القراض روي عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه: "دفع مالاً قراضاً على النصف". القراض: أن يدفع شيئاً من أحد النقدين على إنسان؛ ليتصرف فيه على أن ما يرزق الله تعالى من الربح يكون بينهما على ما يتشارطان. وذلك جائز بالاتفاق. ويجوز بلفط "القراض"، وهو لفظ موضوع له في لغة أهل الحجاز، وبلفظ

стр. 1644

"المضاربة" وهي لغة أهل العراق، وبكل لفظ يدل على معناه. ولا يجوز إلا على الدراهم والدنانير؛ لأنهما ثمنان للأشياء في كل مكان وزمان، وقل ما يختلفان، ولأن موضوع القراض على أن يرد العامل رأس المال، ويشتركان في الربح؛ فلا يأخذ العامل شيئاً من رأس المال، ولا يستبد أحدهما بالربح. وإذا عُقد على عرض- فلا يخلو عن أحد هذين. بيانه: إذا دفع إليه عرضاً قيمته دينار، فتصرف فيه، وربح عليه عشرة، وارتفعت قيمة العرض، فبلغت عشرة: يحتاج العامل إلى أن يصرف جميع الربح في تحصيل رأس المال؛ فيأخذ المالك جميع الربح، وفيه إضرار بالعامل. وإن كانت قيمة العرض عشرة، فانتقصت قيمته بحيث يوجد مثله بشيء يسير، فيشتريه ويرده، ويشارك رب المال في الباقي، فيأخذ العامل بعض رأس المال، وفيه إضرار برب المال، وهذا لا يوجد في الأثمان؛ لأنها لا تقوم بغيرها. ولا يجوز على التبر والحلي ولا السبائك ولا الفلوس ولا على الدراهم والدنانير المغشوشة؛ لأنها نقد وعرض؛ فتزيد قيمتها: وتنقص فهي كالسلعة. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: يجوز على النقد المغسوس في كل بلد جرت المعاملة بها. ويشترط أن يكون رأس المال معلوم الوصف والوزن؛ فإن كان جزافاً: لم يجز؛ بخلاف رأس مال السلم: يجوز أن يكون جزافاً؛ على أحد القولين؛ لأنه لا يعقد للفسخ؛ وعقد القراض يعقد للفسخ والتمييز بين رأس المال والربح، وإن كان جزافاً: لا يمكن التمييز. وكذلك: لو جعل رأس مال القراض سكنى دار: لم يجز، بخلاف السلم؛ لأن تعيين رأس مال القراض شرط، ولم يوجد، وفي السلم: تسليم رأس المال شرط، وتسليم الدار كتسليم السكنى. ولو قارضه على دراهم في الذمة، ثم عين في المجلس: لم يجز؛ بخلاف السلم. ولو دفع إليه كيسين في كل واحد منهما ألف درهم، فقال: قارضتك على أحدهما، وأودعتك الآخر- فيه وجهان:

стр. 1645

أحدهما: لا يصح؛ لأنه لم يبين مال القراض. والثاني: يصح؛ لأنهما متساويان، فيصرفه في أيهما شاء. وكذلك: لو دفع إليه ثوباً فقال: بعتك وقارضتك على ثمنه- لم يجز؛ لأنه مجهول. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- يجوز. وكذلك: لو قال: قارضتك الألف التي عليك، أو قال: اعزلها، فلما عزلها، فقبل أن يقبضه قال: قارضتك عليها، أو قال: قارضتك على الألف التي لي على فلان، فاذهب واقبض: لم يجز، فإذا قبض من فلان، وتصرف فيه: فالربح والخسران لرب المال، وللعامل أجر المثل، ثم إن قال: قارضتك عليه؛ لتقبض وتتصرف: فله أجر مثل التقاضي والقبض والتصرف. وإن قال: إذا قبضت فقد قارضتك: فليس له إلا أجر مثل التصرف، وما أخذ من فلان يكون أمانة عنده. أما إذا قارضه الدين الذي عليه، فعزله، وتصرف فيه- نُظر: إن اشترى بعينه: فالربح والخسران للعامل، ونيته أن يشتري للغير: لا تصح؛ لأنه اشترى بعين مال نفسه، وإن اشترى في الذمة، ثم نقد فيه ما عزله لرب الدين: فيه وجهان: أحدهما: يقع للعامل؛ لأنه لا حق فيه لرب المال قبل القبض. والثاني- وهو الأصح: يقع لرب المال؛ فالربح والخسران له، وعليه للعامل أجر المثل؛ لأنه اشترى له بإذنه. ولو قال: قارضتك الدراهم التي هي عندك وديعة، أو عند فلان وديعة، فاذهب، وخذ، فأخذ: صح. ولو قارضه على الدراهم التي هي عنده مغصوبة: فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ كالوديعة. والثاني: لا يصح؛ لأنه مقبوض قبض ضمان، والقراض ضده. وإذا قال: قارضتك على كذا: يشترط القبول، ولو قال: خذ هذا، وتصرف على أن الربح بيننا نصفان: فهو قراض، ولا يحتاج إلى القبول. ويجب أن يبين في القراض نصيب العامل من الربح؛ فإن قارضه مطلقاً، ولم يتعرض

стр. 1646

للربح، أو قارضه على أن يكون له شيء من الربح: لم يصح. ويصح تصرف العامل فيه؛ لوجود الإذن، والربح والخسران لرب المال، وعليه للعامل أجر مثل العمل، ربح أو لم يربح. ولو قال: قارضتك على أن الربح بيننا نصفان: صح، وإن قال: "بيننا" ولم يقل: "نصفان": فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ ويكون مناصفة. والأصح: أنه لا يصح؛ لأنه لم يبين ما يكون لكل واحد منهما. ولو قال: قارضتك على أن لك نصف الربح، ولم يتعرض للباقي: صح، ويكون الباقي لرب المال، ولو قال: على أن نصف الربح، ولم يتعرض للباقي: ففيه وجهان: أحدهما- قاله ابن سُريج: يصح، ويكون للعامل كما في الصورة الأولى. والثاني- قاله المزني، وهو الأصح-: لا يصح؛ بخلاف الصورة الأولى، إذا قال: على أن لك نصف الربح: صح؛ لأن عند الإطلاق: جميع الربح يكون لرب المال، فإذ شرط النصف للعامل: بقي الباقي لرب المال، وإذا أضاف البعض إلى نفسه: لا يدل على أن الباقي يكون للعامل. ولو قال: قارضتك على أن لك من الربح ما شرط فلان لفلان- نُظر: إن كانا عالمين بما شرط فلان لفلان: صح على ذلك، وإن كانا جاهلين به أو أحدهما: لا يصح؛ كما لو قال: بعتك هذا الثوب بما باع فلان ثوبه، فإن كانا عالمين به، جاز، وإن جهل أحدهما: لم يجز. ولو قال: قارضتك على أن لك ثلث الربح، وأن الباقي ثلثاه لك، وثلثه لي: صح الربح. ولو قال: قارضتك على أن لك ربح نصف المال. قال أبو ثور: يجوز كما لو قال: لك نصف ربح المال. والمذهب أنه لا يجوز؛ لأنه جعله شريكاً في ربح بعض المال؛ كما لو دفع إليه كيسين؛ ليتصرف فيهما؛ على أن له ربح ما في أحد الكيسين، أو دفع إليه ألفين على أن له ربح أحد الألفين: لا يصح [كما] لو أعطى إليه ألفاً؛ على أن يكون له ربحها على أن يتصرف له في ألف أخرى: لا يصح.

стр. 1647

ولو قال: قارضتك على أن جميع الربح لي: ففيه وجهان: أصحهما- قراض فاسد، مراعاة للفظ؛ فعلى هذا: يكون الربح والخسران لرب المال، وهل يستحق العامل أجر المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن عمل العامل في القراض لا يخلو عن عوض. والثاني: لا، وهو قول المزني؛ لأنه عمل مجاناً. والوجه الثاني: لا يكون هذا قراضاً؛ بل هو بضاعة لرب المال؛ فيكون الربح والخسران لرب المال، ولا شيء للعامل، فلو قال: على أن جميع الربح لك: ففيه وجهان: أحدهما: فراض فاسد؛ مراعاة للفظ، وللعامل أجر المثل إذا عمل، والربح والخسران لرب المال. والثاني- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: هو قرض صحيح؛ مراعاة للمعنى؛ بخلاف المساقاة، إذا قال للعامل: على أن جميع الثمر لك-: لم يصح وجهاً واحداً؛ لأنه لا يمكن أن يجعل قرضاً. ولو قال: أبضعتك هذه الألف على أن الربح لك، فإن راعينا اللفظ، فهو بضاعة؛ فالربح لرب المال، وللعامل أجر المثل؛ لأن رب المال جعل له شيئاً بإزاء عمله، وإن راعينا المعنى: فهو قرض صحيح. ولو قال: أبضعتك على أن نصف الربح لك: فوجهان: أحدهما: بضاعة، والربح لرب المال، وللعامل أجر المثل. والثاني: قراض صحيح؛ مراعاة للمعنى. ولو قال: خذ هذه الألف، وتصرف فيها، أو اشتر بها شيئاً؛ على أن الربح لك: فهو قارض صحيح، وكان شيخي- ﵀: يقول: ليس هذا بقراض؛ لأنه لم يملكه المال، والربح والخسران لرب المال، وللعامل أجر المثل. ولو قال: تصرف فيها، والربح كله لي: فهو بضاعة. وأصل هذه المسائل: إذا قال: بعتك هذا بلا ثمن، أو قال: بعتك، ولم يقل: بكذا: فهل هو بيع فاسد أو هبة صحيحة؟ فيه وجهان.

стр. 1648

ولو قال: قارضتك على أن لك درهماً من الربح، والباقي بيننا نصفان، أو قال: على أن لي درهماً من الربح، والباقي بيننا نصفان، أو قال: على أن لي درهماً من الربح، والباقي بيننا نصفان: لا يصح؛ لأنه ربما لا يربح أكثر من درهم، أما إذا قال: على أن لك سدس الربح، أو قال: لي سدس الربح، والباقي بيننا نصفان: يصح؛ كما لو قال: بعتك سدس هذه الصبرة، ونصف الباقي بكذا: جاز، بخلاف ما لو قال: صاعاً من هذه الصبرة، ونصف الباقي: لا يصح؛ لأجل الجهالة. ولا يجوز أن يجعل حق أحدهما في عبد يشتريه بأن شرط أنه إن اشترى عبداً- أخذه برأس المال، أو أخذه العامل بحقه: لم يصح؛ لأنه قد لا يكون في المال فائدة إلا العبد. ولو قال: قارضتك على أن ثلث الربح لك، وثلثه لي وثلثه لعبدي، أو لمدبري، أو لأم ولدي: جاز؛ فكأنه شرط لنفسه الثلثين؛ لأن ما أضاف إلى عبده: يكون له؛ لأن العبد لا يملك؛ وكذلك: لو شرط لعبد العامل: جاز، وهو للعامل. ولو قال: ثلثه لك، وثلثه لي، وثلثه لزوجتي، او لمكاتبين أو لابني: لا يصح؛ لأنه شرط الربح لغير المالك والعامل؛ كما لو شرط لأجنبي؛ فلو شرط على المكاتب، أو على الابن عملاً، وشرط لهم شيئاً من الربح: صار وكأنه قارض رجلين. ولو قال: نصف الربح لك، ونصفه لي ومن نصيبي نصفه لزوجتي: جاز، وهو وعد من جهته للزوجة أن يعطيها شيئاً؛ فإن شاء وفى، وإن شاء لم يف. ولو قارض رجلان رجلاً على ألف، فقالا: قارضناك على أن نصف الربح لك، والباقي بيننا بالسوية: جاز. ولو قالا: على أن لك الثلث من نصيب أحدنا والربع من نصيب الآخر. إن لم يبينا. لم يجز وإن بينا نُظر: إن لم يقولا: الباقي بيننا: صح ويكون الباقي من نصيب كل واحد له. فإن قالا: الباقي بيننا: لا يصح؛ لأنه يبقى لمن شرط للعامل الثلث أقل؛ فلا يكون الباقي بينهما سواء؛ كما لو قال: ثلث الربح لك، والباقي بيننا أثلاث: لا يصح. ولو دفع إليه ألفاً، وقال: اشتر بها هروياً أو مروياً بالنصف: قال المزني: كان فاسداً؛ لأنه لم يبين، واختلفوا في وجه فساده. الأصح: أن فساده من حيث إنه أطلق له الشراء دون البيع، فعلى هذا يصح شراؤه، ولا يصح بيعه، والربح والخسران لرب المال وعليه، وللعامل أجر المثل.

стр. 1649

وقيل: فساده من حيث إنه قال: هروياً أو مروياً، ولم يبين. والأول أصح؛ لأنه جوز له الشراء، وفي هذه الصورة: لا يصح الشراء، أما إذا جعل الاختيار إليه؛ فقال: إن شئت تصرف في الهروي، وإن شئت في المروي: يصح. وقيل: بطلانه من حيث إنه قال: بالنصف، ولم يقل: لي أو لك، وفي صحة مثل هذا وجهان؛ والأصح: جوازه. ويشترط تسليم المال إلى العامل، وتسليطه على التصرف، فإن قال: أنا أعمل معك، أو قال: كلما اشتريت، فأنا أؤدي الثمن: لا يصح، وإن شرط أن يعمل معه غلامه، سواء شرط رب المال على نفسه أو شرط العامل: هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو ظاهر النص-: يجوز؛ كما في المساقاة؛ لأن عبد رب المال ماله؛ فكأنه ضم مالاً إلى مال؛ كما لو أعار منه دابة ليحمل عليها مال القراض، أو بيتاً ليضع فيه المتاع، أو كسباً لينتفع به: جاز؛ وكما لو أعار رب المال غلامه حتى يعمل معه متبرعاً من غير شرط: جاز. والثاني: لا يجوز؛ لأن يد العبد يد المولى؛ كما لو شرط رب المال أن يعمل معه: لم يجز؛ بخلاف المساقاة؛ لأن- ثم- بعض الأعمال على رب المال؛ فجاز شرط عمل الغلام فيه، وفي القراض: لا عمل على رب المال، فإذا شرط عمل الغلام: فكأنه شرط عمل رب المال، والمراد من النص: أن يشترط للغلام شيئاً من الربح، ولم يشترط عليه [العمل؛ فيجوز]. فصلٌ ويشترط أن يعقد القراض مطلقاً لا يقيده بمدة، ولو قيده بمدة، فقال: قارضتك شهراً أو سنة: نص على أنه لا يجوز: فمن أصحابنا من قال: لا يصح؛ كما لا يصح البيع مؤقتاً؛ بخلاف المساقاة: لا تصح إلا مع التأقيت؛ لأن حصول الثمر له وقت معلوم؛ فليس لحصول الربح في القراض وقت معلوم، فإذا قيده بمدة: لا يحصل له المقصود. ومن أصحابنا من قال: إذا قال: قارضتك مدة: فله أقوال: أحدها: أن يقول: قارضتك سنة على أنك بعد مضي السنة لا تبيع، أو قال: لا تبيع ولا تشتري: فهذا لا يصح؛ لأن العامل يحتاج إلى بيع العروض؛ لينض المال، و"يظهر" الربح؛ ففي منعه من البيع إضرار به.

стр. 1650

أما إذا قال: على أنك بعد مضي السنة لا تشتري، ولك أن تبيع: فهذا جائز؛ لأن مقتضى القراض أن رب المال يملك منع العامل من الشراء، متى شاء، ولا يملك منعه من البيع؛ لينض المال. ولو قال: قارضتك سنة، ولم يزد عليه: ففي صحته وجهان: الأصح: لا يجوز. وقيل: يجوز؛ ويحمل على أنه لا يشتري بعد السنة. ولا يصح تعليق القراض على شرط في المستقبل؛ مثل: أن يقول: إذا قدم فلان: فقد قارضتك، وإذا جاء رأس الشهر: فقد قارضتك بهذه الألف: لا يصح؛ كما لا يصح تعليق البيع؛ بخلاف الوكالة: جاز تعليقها على أحد الوجهين؛ أن ههنا شرط له ربحاً يحصل بعمله؛ فلا يجوز أن يحجر عليه التصرف في بعض الأزمنة؛ لأن الربح ربما يحصل فيه. ولو قال: قارضتك الآن، فإذا جاء رأس الشهر فتصرف: فقد قيل: يجوز؛ كالوكالة. والأصح: ألا يجوز؛ كالبيع؛ لو قال: بعتك بشرط ألا تملك إلا بعد شهر: لا يصح. ولو قال: قارضتك على أني لا أملك الفسخ قبل شهر: فهو فاسد؛ لأنه بخلاف قضية القراض. وينبغي أن يطلق له التصرف مع من يرى، وفيما يرى من الأموال. ولو قال: قارضتك على ألا تشتري إلا من فلان، أو لا تبيع إلا من فلان، أو لا تشتري إلا برأي فلان: لا يصح؛ لأن مقصود العقد لا يحصل إذا كان ممنوعاً من المعاملة مع كافة الناس، أما إذا قال: على ألا تبيع من فلان، أو قال: لا تشتري من فلان: جاز؛ لأنه أطلق له التصرف مع كافة الناس إلا مع واحد؛ فربما عرف منه ما يكره المعاملة معه. ولو شرط ألا يشتري إلا سلعة بعينها: لم يجز؛ لأنها ربما لا تباع. ولو قال: لا تشتري سلعة عينها، أو عبداً عينه: جاز. ولو قال: على ألا تتصرف إلا في نوع كذا- نُظر: إن كان ذلك عام الوجود شتاءً وصيفاً؛ كالحيوان، والثياب، والحبوب، ونحوها: جاز، وإن كان مما ينقطع؛ كالثمار الرطبة: فلا يصح؛ كما لو قيد القراض بمدة إلا أن يقول: إذا انقطع ذلك، تصرف في نوع
следующие страницы →