Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
ولو أمسكها بعد المدة: إن كان بعذر: لم يضمن، وإن كان بغير عذر، إن قلنا: لا رد عليه قبل الطلب: لا يضمن؛ وإلا فيضمن.
ولو استأجر رجلاً لضرب اللبن: فليس عليه غير الضرب، وليس عليه إقامته حتى يجف.
وكذلك: لو استأجره لطبخ اللبن: ليس عليه إخراجه من الأتون بعد الطبخ.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: له ذلك. وكذلك: لو استأجر لحفر قبر ليس عليه رد التراب في القبر بعد وضع الميت فيه. وعنده: يجب عليه ذلك.
وكذلك: لو استأجر لحفر قبر: ليس عليه رد التراب في القبر بعد وضع الميت فيه.
وعنده: يجب عليه ذلك.
باب كراء الإبل
إذا اكترى دابة بعينها: يجب أن يبين أنه يكتريها ليركبها، أو ليحمل عليها:
فإذا اكترى للركوب- نُظر: إذا أراد أن يركب في غير شيء: لا يحتاج إلى ذكر ما يركب عليه، ويركبه المكري على قتب، أو زاملة، أو ما شاء.
وإن كان يركب على شيء: يجب أن يبين أنه يركبها بسرج، أو إكاف، أو فوق زاملة، أو في محمل، أو عمارية.
ويجب أن يرى المكري الراكب، وإن كان غائباً يعرف وزنه، ويرى الإكاف، والزاملة، والعمارية، والمحمل، إن كانت حاضرة، وإن كانت غائبة: فيذكر وزنها، ويصفها، ويصف الوطاء الذي تحته.
وإن شرط المظلة، فيراه، أو يذكر وزنه؛ لأن من الناس من لا يتخذ المظلة، ومن
стр. 1717
أصحابنا من قال: لا يجوز أن يعقد على المحمل والعمارية بالوصف، إلا بالمشاهدة؛ لأنها تختلف بالضيق والسعة، والثقل والخفة؛ بخلاف السرج، والقتب.
وقال أبو إسحاق: إن كانت من المحامل الخراسانية: تشترط مشاهدتها؛ لأنها يقال: لا تضبط بالصفة.
أما البغدادية: فإنها خفاف، ويجوز العقد عليها بالوصف، فإن كانت محاملهم معروفة على وزن وتقطيع واحد لا تختلف: فيجوز ذكرها مطلقاً.
ويمتحن الزاملة باليد، إن كانت حاضرة، فيكتفي به؛ لأنه يعرف ثقلها وخفتها باليد؛ كما يعرف الراكب بالنظر إليه، إذا كان حاضراً، ولا يشترط امتحانه باليد ولا وزنه.
وإن اكترى للحملن فيشترط رؤية ما يحمله مع الحبال، والأوعية، وإن كان الحمل غائباً: يجب أن يذكر جنسه؛ أنه حديد، أو قطن؛ لأنه يختلف على الدابة، ويذكر وزنه، أو كيله إن كان مكيلاً، والوزن أولى؛ لأنه أحصر وأبعد من الغرر.
وإن كان شيئاً حاضراً في وعاء: يمتحنه باليد، فإن كان محملاً، أو زاملة، أو ظرفاً لمتاع، بغير رؤية ولا وصف: لا يصح العقد، إلا أن يكون مما لا يختلف؛ مثل غرائر متماثلة، فيكتفي بمجرد الذكر، وإن أراه الحمل، وقال: معه معاليق مثل السفرة والإداوة والقربة والقدور والقمقمة: فإن رآها، أو ذكر وزنها: جاز، وإن لم يرها، ولم يصف: ففيه قولان:
أصحهما: لا يصح لأنها مجهولة.
والثاني: يصح؛ للعادة في ذلك؛ فيكون تبعاً للراكب والحمل، ويحمل على [الوسط].
والأصح هو الأول: أنه لا يصح؛ حتى تكون معلومة.
وقيل: القول الثاني ليس قولاً للشافعي- ﵁ إنما هو مذهب مالك- رحمة الله عليه-.
ونعني بالسفرة: سرة خالية عن الزاد، وإداوة فارغة منا لماء، فإن كان فيها زاد
стр. 1718
اكترى لحمل متاع، فلو سلم إليه دابة عريانة، فركبها أو حمل عليها بلا إكاف ولا سرج: ضمن؛ لأنه يدق ظهر الدابة، إلا أن يكتري إلى مسافة قريبة، وإن كان في الذمة: فالإكاف والسرج والبرذعة التي تحته كلها تكون على المكري؛ لأنها للتمكن من الانتفاع.
أما ما يحتاج إليه للتوطئة وإصلاح المركوب: فعلى المكتري، وذلك مثل المحمل والوطاء والمظلة والحبل الذي يشد به المحمل على الحمل، والذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر، والغطاء وأجرة الدليل والسائق على المكري، إن كانت الإجارة في الذمة؛ لأنه يحتاج إلى تحصيله في ذلك الموضع.
وهذا من مؤن التحصيل.
وإن كانت على دابة بعينها: فعلى المكتري؛ لأن الذي على المكري تسليم الدابة، وقد فعل.
وإذا اكترى دابة بعينها للركوب أو للحمل إلى بلد، وسلمت الدابة إليه: لا يجب على المكري الخروج معه، ولا إعانته في الحمل والإركاب والإنزال.
وإذا هلكت الدابة: ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيباً بأن كانت تعثر في مشيها أو لا تبصر بالليل [أو] نحوه: فهو بالخيار: بين أن يمسكها مع ذلك العيب، أو يردها ويفسخ العقد، وليس له إبدالها بغيرها، وإن وجدها خشنة المشيك لم يكن له ردها؛ لأنه لا يعد عيباً، وإذا أفلس المكري: يقدم حق المكتري على سائر الغرماء، وإن كانت الإجارة في الذمة؛ بأن قال: ألزمت ذمتك حملي على دابتك أو حمل متاعي إلى بلد كذا، أو قال: استأجرتك؛ لتحملني أو تحمل متاعي على دابتك إلى موضع كذا: جاز، ويكون كالسلم: يجب تسليم الأجرة في المجلس؛ فإن عين الدابة، وقال: لتحملني على هذه الدابة: لا يصح؛ لأن السلم في العين: لا يصح، وهل يجب أن يبين جنس الدابة أنه بعير أو فرس أو حمار؟ نظر: إن كان أراد الركوب: يجب أن يبين؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الدواب، وهل يحتاج إلى بيان النوع لاختلاف الأنواع في السير؟ فيه وجهان.
وإن أراد الحمل: لا يجب بيانه؛ لأن المقصود من الحمل حصول المتاع في ذلك الموضع؛ فعلى أي وجه حصلها: جاز.
وإذا سلم الدابة إليه، فهلكت عنده: لا ينفسخ العقد، ولو وجد بها عيباً، وردها: لم يكن له فسخ العقد، ويجب على المكري الإبدال.
ولو أفلس المكري بعد تسليم الدابة إلى المكتري: فهو مقدم على سائر الغرماء،
стр. 1719
وإن كان قبل تسليمها- نُظر: إن كانت الأجرة قائمة في يد المكري: فللمكتري فسخ العقد، واسترداد الأجرة، وإن كانت تالفة: فلا فسخ له، ولكنه يحاص الغرماء؛ فما يخصه من ماله: يكتري له به دابة.
ولو أراد المكتري أن يبذل منفعة الدابة بشيء آخر: يقبضه من المكري؛ فإن كان العقد في الذمة: لا يجوز؛ لأن بيع المسلم فيه قبل القبض: لا يجوز، وإن كان العقد على العين: قال الشيخ: فهو كما لو أجر العين من الأجير، وفيه وجهان:
الأصح: أنه يجوز بعدما قبضها؛ كما لو اشترى شيئاً، وقبضه، ثم باعه من بائعه: يجوز.
وإذا سلم الدابة التي في الذمة إلى المكتري: فعلى المُكري أن يخرج معه يسوق وماء، فلابد من رؤيته، أو ذكر وزنه.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها ما شاء: لم يجز للجهالة، ولأن الدابة لا تحمل كل ما يحمل.
ولو قال: مائة من مما شئت: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لاختلاف الأشياء في الضرر.
والثاني: يجوز، فيكون رضاً منه بأضر الأشياء؛ فإن جوزنا فيكون مع الوعاء مائة من، ولو قال: مائة من من الحنطة: فيكون مائة من دون الوعاء.
وإذا اكترى ليحمل عليها مائة من مع الزاد، ففني الزاد: يجوز إبداله، وإن كان فقد بعضه: فهل له إكماله؟ فيه قولان:
أصحهما: له ذلك؛ كما لو نفد الكل، وكما لو انكسر المحمل أو المظلة، أو هلك بعض متاعه أو باعه: يجوز له إبداله.
والثاني: ليس له إكماله؛ لأن العادة لم تجر به.
وقال أبو إسحاق: إن كان بين يديه منزل يعز فيه الطعام: فله أن يبدل قولاً واحداً، وإن كان قد شرط أنه يكمل ما انتقص: فله الإكمال قولاً واحداً.
وإذا اكترى دابة للركوب: فعلى المُكري كل ما يحتاج إليه للتمكن للركوب؛ مثل: البُرة [التي] في أنف الجمل والخطام ولجام الفرس.
وإذا اكترى عين دابة للركوب: فالسرج والإكاف على المكتري؛ وكذلك الوعاء. إذا
стр. 1720
الدابة، ويتعهدها: فإن كان المكتري مريضاً، أو شيخاً كبيراً، أو سميناً، أو امرأة: ينيخ له البعير، وينزله ويركبه، فإن كان قوياً يمكنه ركوب البعير قائماً: لا يلزمه أن ينيخ له البعير، فإن كان قوياً، فمرض وضعف: يجب أن ينيخ له، وإن كان ضعيفاً، فقوي- لا يجب، فإن ينظر احتاج إلى إعانة: أعانه.
وإن اكترى ما في الذمة للحمل: فعلى المكري شد المحمل على البعير، وحله وحطه ورفعه، وأما شد أحد المحملين بالآخر: ففيه وجهان:
أحدهما: على المكري؛ لأنه من الحمولة.
والثاني: على المكتري؛ لأنه بمنزلة تأليف المحمل، وضم أجزائه بعضها إلى بعض، وإذا نزل لقضاء حاجة أو لأداء فريضة، أو ما لابد مما لا يمكن فعله على الدابة: عليه أن ينتظره من غير استعجال، ولا يطول المنازل، بل على الوسط، ولا يلزمه قصر الصلاة، ولا ينتظره للناقلة ولا للأكل والشرب؛ لأنه يمكن فعلها على الدابة.
وإذا اختلفا في الرحل: رحل لا مكبوباً ولا مستلقياً، والمكبوب: أن يكون مؤخر الرحل أعلى؛ فهو أيسر على الدابة وأشق على الراكب، والمستلقى عكسه.
وإذا اكترى دابة إلى بلد: يجب أن يبين مسير كل يوم بالفراسخ، ثم يسيران على الشرط؛ فإن شرطا لكل يوم عشرة فراسخ، فسار في كل يوم أكثر أو أقل: فلا تجبر الزيادة بالنقصان، ويسيران بعده على الشرط، وإن لم يبينا- نظر: إن كانت منازل ذلك الطريق معلومة: صح العقد، وينزلان عليها، فأيهما أراد المجاوزة عنها أو النزول دونها: فلآخر ألا يرضى، وإن كانت منازلها مختلفة: لا يصح حتى يبينا، وإن لم يكن فيها منازل: يجب أن يبينا بالفراسخ، ثم إذا أراد أحدهما المجاوزة عنها، أو النزول دونها؛ لخوف أو لخصب: لم يكن له ذلك، إلا أن يوافقه صاحبه.
ولو اختلفا في السير؛ فقال المكري: نسير بالليل؛ فإنه أخف على الجمال؛ فلا يصيبها الحر، وقال المكتري بل نسير بالنهار؛ فإنه آمن: لا ينظر إلى قول واحد منهما، بل يسيران على عادة الناس في مسير ذلك الطريق من ليل أو نهار، وإن كانت العادة في ذلك الطريق النزول للرواح: ففيه وجهان:
أحدهما: يكون النزول على العادة؛ لأن المتعارف؛ كالمشروط.
والثاني: لا يلزم؛ لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق؛ فلا يلزمه تركه في بعضه.
стр. 1721
وإن كان موضع النزول معلوماً، فقال المكتري: ننزل في وسط البلد؛ لأنه آمن، وقال المكري: بل في الصحراء؛ لأنه أقرب إلى المرعى: لا ينظر إلى قول واحد منهما؛ لكن ينزلان في الموضع المعتاد.
ولو اكترى دابة من بغداد إلى البصرة: فإذا بلغ عمران البصرة: له أن يسترد الدابة، وإن لم يصل إلى داره.
ولو اكترى دابة إلى مكة: لم يجز أن يحج عليها؛ لأن ذلك زيادة على المعقود عليه، وإن اكترى للحج عليها: فله أن يركبها إلى منى، ثم إلى عرفات، ثم إلى المزدلفة، ثم إلى منى، ثم إلى مكة للطواف، وهل يجوز أن يركبها من مكة عائداً إلى منى للمبيت والرمي: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه قد حل بالطواف من الحج.
والثاني: يجوز؛ لأن العود إلى منى للمبيت والرمي من تمام الحج.
ولو اكترى دابة من البلد إلى قرية سماها: فإذا أتى القرية: لا يجوز له ردها إلى البلد، بل يسلم إلى وكيل المكري، إن كان له بها وكيل، فإن لم يكن: فإلى حاكم القرية، فإن لم يكن ثم حاكم: فإلى أمين، وإن لم يجد: ردها إلى البلد.
ولا يجوز أن يركبها في الطريق؛ فإن ركب: ضمن، إلا أن تكون الدابة جموحاً لا تنقاد إلا بالركوب: فلا يضمن. وقال صاحب "التقريب": يجوز له ردها إلى البلد، إلا أن ينهاه عن ردها.
وإن شرط عليه الرد- فعلى قول صاحب "التقريب": هو قضية العقد، وعلى قول غيره: يفسد العقد، غير أنه لو رد: لم يضمن لوجود الإذن، إلا أن يركب في الرد؛ فيضمن إلا أن تكون جموحاً.
ولو اكترى إلى قرية، فسقط السوط من يده في الطريق، ومضى قدر غلوة، ثم رجع راكباً لأخذ السوط، فإذا بقي من القرية قدر تلك الغلوة ذهاباً ورجوعاً: عليه أن ينزل؛ لأن مدته قد انقضت.
стр. 1722
وذكر صاحب "التلخيص": أنه يجوز اكتراء الدابة مضموناً في الذمة، ومعيناً، إلا في كراء العقب: لا يجوز إلا مضموناً. قاله المزني في "الكبير" تخريجاً.
وجملته: أنه إذا أكرى دابة من رجل إلى موضع؛ ليركب المكري زماناً والمكتري زماناً: لا يجوز؛ لأنه يتأخر حق المكتري؛ فتكون إجارة للزمان المستقبل.
ولو أكرى دابة من رجلين يتعاقبان فيه، أو أكرى من واحد على أن يركب زماناً، ويمشي زماناً: اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: لا يجوز؛ لأنه كراء إلى آجال متفرقة؛ فيكون إجارة للزمان المستقبل.
ومنهم من ذهب إلى ما قال المزني: أنه إنما يجوز مضموناً في الذمة، فأما أن يكتري جملاً بعينه في الذمة عقباً: لا يجوز؛ لأنه إذا كان في الذمة: يصير كأنه ملك نصف منافعه مشاعاً في تلك المسافة، ثم يقاسم المكري.
وإذا اكترى اثنان على هذا: ملكا الكل، ثم يقتسمان، أما في العين، فلا؛ لأن كل مدة يقبضها يتعقبها ما يقطعها؛ فيصير ما بعدها كإجارة الزمان المستقبل.
والمذهب: أنه يجوز، وهو قول عامة أصحابنا؛ سواء كان معيناً أو في الذمة.
وذكره الشافعي- ﵁ في "الأم"؛ لأن الاستحقاق مقارن للعقد، وإنما تتأخر القسمة.
وأما إذا اكتراه واحد: فقد ملك الركوب في نصف المسافة؛ وكذلك: الاثنان يكتريان، ثم يقتسمان أو المالك مع المكتري: يتعاقبان، ولا عبرة بما يتخلل كما لو استأجر ثوباً؛ ليلبسه شهراً: فإنه يلبسه بالنهار على العادة، وينزع بالليل.
ومن أصحابنا من قال: إذا اكتراه اثنان في جميع المدة: يجوز؛ لأنه لا يكون كراء مدة قابلة، [لأن الكراء موصول].
وإذا اكترى واحد، عقبه: لا يجوز؛ لأن الكراء غير موصول؛ وهذا- أيضاً- لا يصح؛ لأن كراء المشاع يجوز، ويقاسم المالك كما يقاسم الشريك؛ فإن جوزنا- فينظر:
стр. 1723
إن كان ذلك في طريق، فيه عادة في الركوب والنزول؛ بأن كان يركب أحدهما يوماً، ثم ينزل، ويركب الآخر، أو يركب أحدهما ميلاً؛ ثم ينزل: فيحمل إطلاق العقد على العادة، ولا ينظر إلى اختلافهما في أنهما كيف يركبان، وإن لم يكن فيه عادة: لم يصح حتى يبين مقدار ما يركب كل واحد منهما، وإن اختلف في البادئ بالركوب: يقرع بينهما.
وإذا استأجر رجلاً ليعمل مدة: يكون زمان الطهارة والصلوات بفرائضها وسننها- مستثنى من العمل، ولا ينقص من الأجر شيء، وإن كان ذلك من عمل النهار: يترك بالليل للاستراحة، وإن كان من عمل الليل؛ كالحراسة ونحوها: تُرك بالنهار، وإن استأجره للقيام على ضيعة، لينظرها: قام عليها ليلاً ونهاراً على ما وسعه.
وإن استأجر عبداً؛ للخدمة: ذكر وقت الخدمة من الليل والنهار؛ فإن لم يذكر: جاز، ولزمه على ما جرت به العادة من نخدمة العبيد لساداتهم؛ كما ذكرنا في ذكر العقد: يحمل على العادة.
فصلٌ
إذا أجر عبداً، أو أكرى دابة: تكون نفقة العبد وعلف الدابة على المكري؛ فإذا اكترى جملاً، فهرب الجمال- لا يخلو: إما إن ذهب بالجمل، أو ترك الجمل: فإن ذهب بالجمل- نظر: إن كانت الإجارة في الذمة: يكتري عليه الحاكم من ماله جملاً يركبه المستأجر، وإن كان قد اكترى عين الجمل: فللمكتري فسخ العقد؛ كما ذكرنا في هرب الدابة.
وإن هرب، وترك الجمل: فإن تبرع المكتري بالإنفاق عليه؛ وإلا رفع الأمر إلى الحاكم حتى ينفق عليه من مال المكري، إن وجد له مالاً، وإن لم يجد: يستدين عليه من إنسان أو من بيت المال، أو من المكتري، ثم إن ائتمن المكتري: سلم إليه حتى ينفق عليه، وإن لم يأتمنه: دفع إلى أمين ينفق عليه، وإن أدى اجتهاده إلى أن يبيع جزءاً من الجمل: باع منه بقدر الحاجة، ولا يبنى على قولي بيع المؤاجر؛ لأنه موضع ضرورة، ويبقى في يد المستأجر إلى انقضاء مدته، ومع وجود مال آخر للجمال: لا يبيع لحق المستأجر.
وإن أنفق المكتري من مال نفسه؛ ليرجع- نُظر: إن فعل بأمر الحاكم: هل يرجع؟ فيه قولان:
стр. 1724
أحدهما: يرجع؛ لأنه أنفق بأمر الحاكم؛ كما لو استقرض الحاكم من المكتري مالاً، ثم دفعه إليه؛ لينفق عليه.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه متهم في حق نفسه.
وإذا ادعى أنه أنفق قدر ما يحتاج: يُقبل قوله في استحقاق حق له على غيره، فإذا جوزنا، واختلفا في قدر ما أنفق: فالقول قوله.
وإن كان ما يدعيه قصداً؛ كما لو أمر غيره بالإنفاق، فادعى قدراً: قُبل قوله، إن كان ما يقوله قصداً.
وإن أنفق بغير أمر الحاكم، وهناك حاكم: لم يرجع، وهو متبرع.
وإن لم يكن هناك حاكم- نظر: إن أشهد: رجع؛ هذا هو المذهب؛ لأنه موضع ضرورة، وإن لم يُشهد: فلا يرجع إن أمكنه الإشهاد، وإن لم يمكنه الإشهاد: ففيه وجهان.
ولو أجر عبداً أو أكرى دابة من إنسان بأجرة معلومة، وأذن له أن ينفق الأجرة عليه، أو أكرى داراً، وأذن للمكتري أن يصرف الأجرة إلى عمارتها: يجوز، ثم لو اختلفا؛ فقال المستأجر: أنفقت، وقال الآجر: لم تنفق: ففيه قولان:
أحدهما: القولان قول الآجر؛ لأن الأصل عدم الإنفاق.
والثاني: القول قول المستأجر؛ لأنه المباشر؛ فهو أعلم بفعله.
ولو أكرى دابة بعلفها، أو عبداً بنفقته: لا يصح؛ لأنه مجهول.
ولو اكترى دابة من مرو إلى نيسابور بعشرة دنانير مطلقاً: يجب عليه من نقد مرو، سواء كان حالاً أو مؤجلاً.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: من نقد نيسابور.
أما إذا اكترى كراء فاسداً، فاستهلك منفعتها عشرة أيام بمرو، وعشرة أيام بنيسابور: يجب عليه أجر مثل عشرة أيام بنقد مرو، وأجر مثل عشرة بنقد نيسابور: كما في الغصب؛ لأن في الإجارة الفاسدة: يجب الضمان بالاستهلاك؛ فينظر إلى موضع الاستهلاك، وفي الإجارة الصحيحة: يجب بالعقد؛ فيجب نقد بلد العقد، والله أعلم.
стр. 1725
باب تضمين الأجراء
من استأجر شيئاً؛ لينتفع به: فهو أمانة في يده لا يضمن إلا بالتعدي.
أما إذا استأجر رجلاً؛ ليعمل له عملاً في عين: فالمال في يد الأجير، هل يكون مضموناً عليه؟ نُظر:
إن لم ينفرد الأجير باليد؛ بأن قعد المستأجر عنده، حتى عمل أو حمل الأجير إلى بيته ليخبز له في تنور، أو ليختن غلامه، أو يحجمه أو يبزغ دابته، أو يقصر، أو يخيط له ثوباً، أو ليرعى غنمه في ملكه، أو ليتعلم عنده القرآن، أو حرفة عنده: فلا يكون مضموناً عليه؛ وكذلك: لو حمل تلميذاً إلى حانوته ليتلمذ له في بيع أو غيره: فلا تكون يده يد ضمان.
وإن انفرد الأجير باليد؛ بأن سلم المال إليه؛ ليعمل فيه عمله نُظر: إن كان الأجير مشتركاً، وهو الذي يعمل له ولغيره؛ كالقصار الذي يقصر لكل أحد، والملاح الذي يحمل لكل أحد: قال الشافعي- ﵁: فيه واحد من قولين: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: المسألة على قولين:
أحدهما: يكون مضموناً عليه، وهو قول مالك وابي يوسف موحمد- رحمة الله عليهم-: لأنه أخذه لحظ نفسه؛ وهو تفريغ ذمته عن العمل؛ كالمستعير والمستأجر.
والثاني- وهو الأصح، واختاره المزني- رحمة الله عليه-: لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه أخذه لمنفعته ومنفعة المالك؛ فلا يلزمه الضمان؛ كالمضارب.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الضمان قولاً واحداً، قال الربيع: كان الشافعي- ﵁ يرى أن الأجراء لا يضمنون غير أنه كره أن يبوح به؛ مخافة صناع السوء، وكان يرى أن القاضي يقضي بعلم نفسه غير أنه كره أن يبوح به مخافة قضاة السوء.
قول الشافعي- ﵁: "فيه واحد من قولين" أراد به: الرد على أبي حنيفة؛ فإنه يقول: إذا تلف في يده بآفة سماوية أو سرق: لا ضمان عليه، وإن تلف بفعل مأذون فيه؛ بأن دق دق مثله، فتحرق: يضمن، فقال: لا يجوز فيه إلا واحد من قولين.
أما ما قلت- وهو: أنه لا يضمن، أو ما قال أبو يوسف: أنه يضمن بكل حال: فإما
стр. 1726
أن يفصل بين أن يكون التلف بآفة سماوية أو بفعل مأذون فيه فلا.
وإن كان الأجير منفرداً، وهو الذي يعمل له، ولا يعمل لغيره؛ بأن يستأجره مدة معلومة لقصارة، أو رعي: فلا يمكنه قبول ذلك العمل لغيره في تلك المدة: فهل يلزمه الضمان؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان؛ كالأجير المشترك، وهو ظاهر النص.
ومنهم من قال: لا يضمن قولاً واحداً.
والفرق بين المنفرد والمشترك: أن المنفرد ملك المستأجر منافعه في تلك المدة على الاختصاص؛ فصار يده يد المستأجر؛ كالوكيل؛ بخلاف المشترك والمنفرد: يستحق الأجرة بتسليم النفس، ومضي إمكان الفعل، وإن لم يعمل، والمشترك: لا يستحق إلا بالعمل، فإن قلنا: يضمن: فأي ضمان يلزهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أكثر ما كانت قيمته من يوم [قبض إلى أن] هلك؛ كالمغصوب.
والثاني: باعتبار يوم التلف.
وإن قلنا: لا يجب الضمان: فإن تعدى: يجب الضمان مثل: إن استأجر أجيراً؛ ليخبز له في تنور، فخبز في وقت لا يخبز فيه لشدة حموه، أو ترك فيه فوق العادة، فاحترق: يجب الضمان.
ولو عمل عملاً، فتلف، واختلفا، فقال الأجير: لم أخرج عن العادة، وقال المستأجر: بل تعديت: يسأل عدلان من أهل [تلك] الصناعة: فإن قالا: لم يخرج عن العادة: لم يضمن، وإلا ضمن؛ فإن لم يوجد من يرجع إليه: فالقول قول الأجير مع يمينه؛ لأن الأصل براءته عن الضمان.
ولو اكترى دابة، فضربها، أو لجمها باللجام، فهلكت: لا ضمان عليه، إن لم يخرج عن العادة، وإن خرج- ضمن، وكذلك: الرائض إذا ضرب الدابة.
وضرب الرواض يكون أشد من ضرب المكاري: فإن خرج عن عادة الرواض في الضرب: ضمن، وإن لم يخرج: لا يضمن على قولنا: إن الأجير لا يضمن.
стр. 1727
وكذلك: الراعي في ضرب الغنم، إن لم يخرج عن عادة الرعاة: لا يضمن؛ بخلاف المعلم: يباح له ضرب الصبي.
وكذلك: الزوج يباح له ضرب زوجته للتأديب، فإذا هلكت من ضربه: ضمن، وإن لم يخرج عن العادة؛ لأن الآدمي يؤدب بالكلام والقول العنيف، وإذا صار إلى الضرب: كان بشرط السلامة، والدابة تأديبها يكون بالضرب، فإذا لم يخرج ضمانه عن العادة: لم يضمن.
ولا فرق بين أن يكون الصبي حراً أو عبداً في وجوب ضمانه إلا أن الحر يجب ضمانه.
وإن ضربه بإذن الولي والعبد إذا ضربه بإذن المولى: لا يجب ضمانه؛ لأن ضمان العبد لمولاه.
ومن قتل عبد الغير بإذن مولاه: لا يضمنه، والرعاة الذين يخرجون الدواب إلى الصحراء؛ ليرعوها ويردوها بالليل بشيء تعطيهم أربابها: فالدواب في أيديهم كالمال في يد الأجير المشترك؛ لأن الفاسد في أصل الضمان كالصحيح.
واختلف أصحابنا فيما يأخذ الحمامي ممن يدخل الحمام:
فمنهم من قال: هو ثمن الماء وأجرة الحمام والسطل وحفظ الثياب؛ فعلى هذا: لا يضمن الداخل السطل، إذا هلك؛ لأنه مستأجر، وهل يضمن الحمامي الثياب؟ فعلى قولين؛ لأنه أجير مشترك.
ومنهم من قال: هو ثمن الماء، والحمامي متطوع بحفظ الثياب معير للسطل؛ فعلى هذا: لا يضمن الحمامي الثوب إذا هلك، وعلى الداخل ضمان السطل إذا هلك؛ لأنه مستعير.
وإذا تلف المال في يد الأجير بعد التعدي: يلزمه الضمان، وأي قيمة تلزمه؟
وإن قلنا: يده يد أمانة: فعليه قيمته أكثر ما كانت من وقت التعدي إلى وقت الهلاك، وإن قلنا: يده يد ضمان: فأكثر ما كانت [من حين قبض إلى أن هلك].
وإذا عمل الأجير عمله، ثم تلفت العين: فإن كان العمل في ملك صاحبها، أو بحضرته: تجب له الأجرة، وإن كان في يد الأجير؛ بأن دفع ثوباً إلى قصار فقصره، ثم
стр. 1728
هلك في يده: يبنى على أن القصارة عين أم أثر؟ إن قلنا: عين: سقطت أجرته، ثم إن قلنا: يده يد أمانة: لا شيء عليه، وإن قلنا: يد ضمان، أو تعدى فيه: يجب عليه قيمة ثوب غير مقصور.
وإن قلنا: إن القصارة أثر: لا تسقط أجرته؛ لأنه لما فرغ من العمل: صار مسلماً إلى المستأجر.
ثم إن قلنا: يده يد أمانة: لا شيء عليه.
وإن قلنا: يد ضمان، أو تعدى فيه- يجب عليه قيمة ثوب مقصور، وهل يجوز للقصار حبس الثوب بعد لاقصارة لاستيفاء الأجرة أم لا؟
إن قلنا: فعله عين: يجوز كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن.
وإن قلنا: أثر لا يجوز؛ كما لو استأجر أجيراً يحمل له متاعاً إلى موضع، فحمله: لم يكن له حبس المتاع على الأجرة.
ولو دفع ثوباً إلى صباغ، فصبغه بصبغ من جهة صاحب الثوب: فهو كالقصارة، وإن كان الصبغ من جهة الصباغ: فله حبسه بعد الصبغ؛ لاستيفاء الأجرة، لأن الصبغ عين مال، وإن هلك بعدما صبغ: تسقط قيمة الصبغ، وهل تسقط أجرة العمل؟ فكالقصارة.
ولو دفع ثوباً إلى قصار؛ ليقصر مجاناً، أو ليخيط: فلا يستحق الأجرة.
ولو هلك في يده: لا ضمان عليه.
ولو قال: أرضيك: يستحق أجر المثل.
ولو قال: اغسله، أو خطه، ولم يذكر له أجرة، فغسله: هل يستحق الأجرة؟ فيه أربعة أوجه.
أصحها- وهو المذهب-: لا يستحق؛ لأنه لم يذكر له عوضاً؛ كما لو بذل طعامه لمن أكله.
والثاني- وهو قول المزني: يستحق الأجرة؛ لأنه استهلك عمله.
والثالث- وهو قول أبي إسحاق: إن قال صاحب الثوب: اغسله أو خطه: لزمه الأجرة، وإن بدأ العامل، فقال: أعطني لأغسل أو لأخيط: لم يلزمه.
والرابع- وهو قول ابن سريج: إن لم يكن العامل معروفاً بذلك الأمر: لا يستحق
стр. 1729
الأجرة، وإن كان معروفاً بذلك الأمر، وأخذ الأجرة عليه: يستحق، وكذلك: لو قعد بين يدي حلاق، فحلق شعره.
قال الشيخ- ﵀: إن قلنا: يستحق الأجرة: فهل يلزمه الضمان إن هلك في يده؟ فكالأجير المشترك، وإن قلنا: لا يستحق: فلا يلزمه الضمان.
ولو نزل رجل سفينة ملاح من غير إذنه، فحمله فيها إلى بلد: لزمه الأجرة؛ لأنه استهلك منفعة موضعه من غير إذنه؛ كما لو سكن دار الغير، وإن نزل بإذنه، ولم يذكر الأجرة: فعلى الأوجه الأربعة.
ولو دفع ثوباً إلى قصار، فجحده، ثم جاء به مقصوراً: هل يستحق الأجرة؟ نُظر: إن كان قصره، ثم جحد: يستحق، وإن جحد، ثم قصر: فيه وجهان:
أحدهما: يستحق؛ كالأول.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: لا يستحق؛ لأنه عمل لنفسه؛ وهذا بناءً على أن الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام على نفسه: هل يستحق الأجرة؟ فيه قولان.
ولو ادعى الأجير رد العين: إن قلنا: يده يد ضمان: لا يُقبل قوله، وإن قلنا: يده يد أمانة: هل يُقبل قوله؟ فيه وجهان؛ كالوكيل بالجعل؛ فإن قلنا: يُقبل- يُقبل قوله مع يمينه في ألا يلزمه ضمان العين، أما في استحقاق الأجرة: فلا يُقبل قوله.
فصل في الاختلاف
وإذا اختلف المتكاريان: إما في الأجرة، فقال الآجر: أجرتك بعشرة، وقال المستأجر: بل بخمسة، أو في المدة، فقال الآجر: أجرتك شهراً، فقال: بل شهرين، أو قال: أكريتك إلى فرسخ، فقال: بل [إلى] فرسخين: يتحالفان، فإذا تحالفا: انفسخ العقد بينهما، ثم إن كان قبل استيفاء المنفعة: لا شيء لأحدهما على الآخر، وإن كان بعد الانتفاع: فعلى المكتري أجر مثل مدة الانتفاع.
وكذلك: لو قال المكري: أكريتك هذا البيت الواحد من الدار، وقال المكتري: بل جميع الدار: تخالفا، وعلى المكتري أجر مثل ما سكن.
стр. 1730
وإن اختلفا في التعدي في العين المستأجرة، فقال الآجر: تعديت؛ فعليك الضمان، وقال المستأجر: ما تعديت: فالقول قول المستأجر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التعدي.
ولو دفع ثوباً إلى خياط، فقال له: إن كان يكفيني للقميص- فاقطعه، فقطعه؛ فلم يكفه: لزمه الضمان؛ لأنه أذن له بشرط، ولم يوجد.
وإن قال: هل يكفيني للقميص، فقال: نعم، فقال: اقطعه، فقطعه، فلم يكفه: لم يضمن؛ لأنه قطع بإذن مطلق، ولو دفع ثوباً إلى خياط ليقطعه، فقطعه قباء، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصاً، فقال: لا، بل أمرتني أن أقطعه قباء: فحكى الشافعي- ﵁ في "اختلاف العراقيين"- قول ابن أبي ليلى: أن القول قول الخياط مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على الإذن في القطع.
وحكى قول أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: أن القول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن في القطع: كان القول قوله؛ كذلك في صفة القطع.
ثم قال: وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول.
وقال في "الإملاء": يتحالفان، وذكر فيما لو دفع ثوباً إلى صباغ ليصبغه، فصبغه أخضر، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، وقال الصباغ: بل أمرتني أن أصبغه أخضر: يتخالفان.
ووجهه: أن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه: فالخياط يدعي الأجرة، وصاحب الثوب ينكرها، وصاحب الثوب يدعي أرش النقصان، والخياط ينكره.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال.
ومنهم من قال: هي على قول واحد؛ أنهما يتحالفان، والقولان الآخران حكاية مذهب الغير، وقد زيفهما بقوله: "كلاهما مدخول".
واختار المزني: أن القول قول رب الثوب؛ كما لو استأجره على حمل متاع، فقال: قد حملت، وأنكر رب المال أو قال: الدافع: دفعته إليك وديعة، فقال: بل رهناً: كان القول قول الدافع:
فإن قلنا: القول قول الخياط: فإذا حلف: لا يلزمه ضمان القطع، وهل يستحق الأجرة؟ فيه وجهان:
стр. 1731
أحدهما -وهو قول ابن أبي هريرة: يستحق؛ لأنه حلف على أنه كان مأذوناً في القطع.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق: لا يستحق؛ لأنه في الغرم كان مدعى عليه؛ فقبل قوله، وفي الأجرة: مدع؛ فالقول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأنه منكر.
فإن قلنا: يستحق الأجرة: فيجب المسمى أم أجر المثل؟ وجهان:
أحدهما: المسمى؛ لأنه حلف على الإذن.
والثاني: أجر المثل؛ لأنا لو جعلنا له ما يدعيه: لم نأمن من أن يدعي أضعاف أجر مثله.
وإن قلنا: القول قول رب الثوب: فإذا حلف: لا يلزمه الأجرة؛ لأن الخياط فعل ما لم يكن له فعله.
ويجب على الخياط أرش نقصان القطع، وماذا يلزمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ما بين قيمته صحيحاً ومقطوعاً؛ لأنا حكمنا أنه لم يأذن له في القطع.
الثاني: يلزمه نقصان قطع دخل بسبب القباء.
وأما القطع الذي يحتاج إليه في القميص: فلا يضمنه؛ لأن رب الثوب أذن فيه.
وإن قلنا: يتحالفان: فإذا تحالفا: لا شيء لأحدهما على الآخر، فرب الثوب يستفيد بيمينه سقوط الأجرة عنه، والخياط يستفيد بيمينه سقوط الغرم عنه.
فإذا أراد الخياط نزع الخيط: هل له ذلك؟
إن قلنا: يستحق الأجرة: فليس له ذلك؛ لأنه أخذ العوض في مقابلته.
وإن قلنا: لا يستحق: فله ذلك: كالصبغ.
فإذا قلنا له ذلك، فقال رب الثوب: أنا أشد خيطانه حتى تدخل الدروز عند نزعك: لم يكن له ذلك إلا برضا الخياط؛ لأنه يتصرف في ملك الخياط.
قال- ﵁: إذا قلنا: القول قول رب الثوب، فحلف، وقلنا: لا يضمن الخياط إلا نقصاناً دخل بسبب القباء: يجب على رب الثوب الأجرة للقطع الذي لم يوجب ضمانه، والله أعلم.
стр. 1732
باب المزارعة
روي عن ابن عمر- ﵄ قال: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأساً، حتى
стр. 1733
أخبرنا رافع بن خديج أن النبي- ﷺ "نهى عنها؛ فتركناها؛ لقول رافع".
стр. 1734
وعن جابر: "أن النبي- ﷺ نهى عن المخابرة".
والمخابرة: اكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من المكتري والمزارعة: اكتراء العامل ببعض ما يخرج من الأرض، ويكون البذر من رب الأرض.
أو يكتري رجلاً ليزرع أرضه بذر له يعطيه على أن يكون للعامل حق معلوم منه كلاهما فاسدان.
والنهي مشهور في المخابرة، فقيست المزارعة عليها؛ بخلاف المساقاة؛ جوزناها لورود الحديث بها، ولأن عقد الإجارة على النخيل: لا يتصور، فجوزت المساقاة ضرورة لمساس الحاجة إليها، وعقد الإجارة على الأرض ممكن؛ فلم تجز المزارعة.
وذهب إلى إبطال المزارعة ابن عمر، وابن عباس وأبو هريرة؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة- ﵃ وأحل جماعة من الصحابة المزارعة؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ كالمساقاة، وإذا عقد المزارعة؛ فما يحصل: يكون لمالك البذر، وللعامل عليه أجر مثل عمله، وإن كان الآلات والفدان من جهة العامل: فيستحق أجر مثلها، وإن كان من كل
стр. 1735
واحد نصف البذر: فما يحصل يكون بينهما، ثم إن كان الأرض من واحد، والآلات والعمل من الآخر: فلمالك الأرض نصف أجرة مثل الأرض على العامل، وللعامل نصف أجر مثل عمله، والآلات على مالك الأرض، فإن استويا تقاصا، وإن كان لأحدهما فضل: رجع بالفضل.
ولو كان البذر والأرض من واحد، والعمل والآلة من الآخر، فأقرض صاحب البذر نصف البذر من الآخر، وأجر منه نصف أرضه بنصف عمله، ونصف آلته: يجوز، وما يحصل يكون بينهما، ولا شيء لأحدهما على الآخر إلا المستقرض: عليه رد ما استقرض من البذر.
ويجوز اكتراء الأرض للزراعة بالذهب والفضة والعروض، وبكل ما ينبت من الأرض، إذا كان معيناً أو موصوفاً.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: لا يجوز بما ينبت من الأرض، كالمخابرة.
قلنا: المخابرة: اكتراء الأرض بماي نبت منها بعد العقد؛ إما بجنس موصوف أو معين من الحبوب؛ فلا بأس به؛ كما يجوز بأحد النقدين.
ولا يجوز اكتراء الأرض للزراعة إلا أن يكون لها ماء معتاد لا ينقطع شتاء ولا صيفاً من نهر صغير أو كبير أو بئر، أو عين.
ويدخل ذلك في مطلق عقد الإجارة للزراعة؛ بخلاف ما لو باع الأرض: لا يدخل في البيع بشربها؛ وكذلك: أراضي الجبال التي تشرب من ماء المطر، قل أو كثر أو من نداوة الأرض بالثلج وغيره: يجوز إجارتها للزراعة؛ لأنها قلما تختلف.
فإن اكترى أرضاً للزراعة سنة، ولها ماء معتاد، فزرع أحد الغلتين، ثم انقطع الماء- نُظر: إن أمكن سقيها من موضع آخر، وضمنه المكتري: فلا فسخ للمكتري، وإن لم يمكن، أو لم يفعله المكري: نص على أن للمكتري فسخ العقد:
وقال في الدار المستأجرة: إذا انهدمت: إن العقد ينفسخ.
ومن أصحابنا من قال: فيهما قولان:
стр. 1736
أحدهما: ينفسخ العقد فيهما؛ لفوات المنفعة المقصودة، وهي السكنى والزراعة؛ كما لو مات العبد المستأجر: ينفسخ العقد.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن الأرض باقية، والانتفاع بها ممكن من وجه آخر، إلا أنه يعطل بعض منافعها؛ فيثبت له الفسخ؛ كما لو تعيب العبد المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: هي على حالين حيث قال: "ينفسخ العقد" أراد به: إذا صارت الدار تلا لا يمكن الانتفاع به، فإن أمكن الانتفاع به بوجه: لا ينفسخ.
وحيث قال في انقطاع الماء: "له الفسخ"، ولم يحكم بالانفساخ؛ لأن الانتفاع بالأرض ممكن بغير وجه الزراعة بأن ينزلها، أو يمسك فيها دوابه ونحو ذلك، فإن لم يمكن بأن غرقها ماء، أو كبسها رمل: فينفسخ فإن قلنا: ينفسخ: فالمذهب: أنه لا ينفسخ في المدة الماضية، وعليه من المسمى بقدر ما يقابلها.
فإن قلنا: لا ينفسخ: فله الفسخ في المدة الباقية، والصحيح: أن لا فسخ له في المدة الماضية، وعليه بقدر ما مضى من المسمى، وإن أجاز العقد: فعليه جميع المسمى.
وقيل: يلزمه ما يخص الأرض المنقطع ماؤه، فلو أجاز، ثم بدا له أن يفسخ- نظر: إن كان الانقطاع بحيث لا يرجى عود الماء: فلا فسخ له؛ لأنه عيب واحد، وقد رضي به.
وإن كان يرجى عود الماء: فله الفسخ، إذا لم يعد؛ لأنه يقدر كل يوم عود الماء، فإن لم يعد: يتجدد له ضرر، فإن عاد: فلا فسخ له.
وإن اكترى أرضاً على جبل لا ماء لها إلا أن يصيبها نطف من السماء، أو سيل إن جاء- نُظر: إن اكتراه للزراعة: لا يصح؛ لأنه أكرى منفعة لا يمكن تسليمها، وإن اكتراها لينزلها أو يحفظ فيها دوابه: صح، وإن اكتراها مطلقاً- نُظر: إن قال: أكريتك أرضاً بيضاء لا ماء لها: جاز؛ لأنه إذا ذكر ذلك: علم أن المستأجر لا يكتريها للزراعة، إنما يكتريها لينتفع بها من وجه آخر، ثم المكتري: إن شاء تركها، وإن شاء حفظ فيها دوابه، وإن حمل ماء من موضع فزرعها: جاز.
ولا يجوز البناء والغراس، وإن لم يقل: أرضاً بيضاء لا ماء لها: هل يصح أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الأرض تكتري في العادة للزراعة؛ فصار كما لو شرط ذلك في العقد.
стр. 1737
والثاني- قاله أبو إسحاق: إن كانت الأرض عالية لا يطمع في سوق الماء إليها: صح العقد؛ لأنه يعلم أنه لا يكتريها للزراعة، وإن كانت مستقلة يطمع في سوق الماء إليها: لم يصح؛ لأنه يكتريها، لتوهم الزراعة مع تعذرها.
ولو اكترى أرضاً بجنب واد أو النيل يعلو عليها الماء كل سنة، ثم ينحسر فيكفي ذلك الماء لزراعة تلك السنة- نُظر: إن اكتراها بعد انحسار الماء: جاز، وإن اكتراها قبل أن يعلوها الماء: لا يجوز؛ لأنه لا يدري هل يعلوها الماء أم لا؟ إلا المد بالبصرة؛ فإنه يختلف؛ فيجوز إجارة تلك الأراضي قبل المد؛ وكذلك أراضي الجبل التي تشرب بالمطر والثلج، وإن كان بعدما علاها الماء، ولم ينحسر، ويرجى انحساره وقت الزراعة: يجوز إجارتها، إن كان الماء صافياً يرى وجه الأرض.
وإن كان كدراً لا يرى وجه الأرض: قيل: فيه قولان؛ كشراء الغائب.
وقيل: يجوز قولاً واحداً؛ لأن الماء الذي عليها من مصلحة الزراعة، وإن كانت الأرض بجنب نهر: إن زاد الماء غرقت: فلا يجوز إجارتها في وقت زيادة الماء، وبعد النقصان: يجوز، وإن كان الماء قائماً عليها: فإن كان لا يُرجى انحسار الماء: لا يجوز إجارتها، وكذلك: إن كان قد ينحسر، ولا ينحسر؛ لأن العجز يقين، والقدرة موهومة.
ولو اكترى أرضاً كراء صحيحاً، فغرقها سيل أو ما نبع منها- نظر: إن كان لا يرجى انحساره مدة الإجارة: ينفسخ العقد في المدة الباقية؛ كما لو انهدمت الدار، وإن كان يرجى انحساره فالمكتري بالخيار بين أن يفسخ الإجارة أو يجيز؛ كما ذكرنا فيما لو غصبت العين المستأجرة: فإن أجاز سقط عنه من الأجرة بقدر ما كان الماء قائماً عليها، وإن أجاز، ثم بدا له أن يفسخ: فإن كان بعد انحسار الماء: لم يكن له ذلك، وإن كان قبله: فله ذلك؛ لأنه يتضرر به كل ساعة؛ كما لو اشترى عبداً، فأبق قبل القبض، وأجاز، ثم بدا له أن يفسخ قبل عوده: له ذلك.
ولو غرق الماء نصف الأرض بعد مضي نصف المدة: انفسخ العقد فيما غرقه الماء.
والمذهب: أنه لا ينفسخ في الباقي، وهل له الفسخ في النصف الباقي فيما بقي من المدة؟
فإن أجاز، وكانت المدة لا تتفاوت في الأجرة: فعليه ثلاثة أرباع المسمى النصف لما مضى من المدة، والربع للباقي، وإن فسخ: فعليه نصف المسمى لما مضى من المدة.
стр. 1738
ولو زرع الأرض، فمر بها سيل أفسد زرعه، ولم يغرق الأرض: لا يثبت للمكتري فسخ العقد؛ لأن الهلاك ورد على مال العاقد، لا على المعقود عليه، وكما لو أصاب الزرع صاعقة، فأحرقته، أو برد فأفسده، أو أكله الجراد، أو استأجر حانوتاً لبيع البر، فاحترق البر: لا خيار له في فسخ العقد.
فصلٌ
إذا اكترى أرضاً مدة للزراعة- لا يخلو؛ إما أن يعين الزرع أو لم يعين: فإن عين، فقال: لنزرع فيها الحنطة: فله أن يزرع فيها زرعاً ضرره مثل ضرر الحنطة أو أقل، ولا يجوز أن يزرع فيها ما ضرره أكثر، ويجوز أن يزرع فيها الشعير، ولا يجوز أن يزرع فيها الذرة؛ لأن ضررها أكثر؛ فإن عروقها تبقى في الأرض، وتذهب بقوة الأرض.
ولو استأجر؛ ليزرع الشعير: لم يكن له أن يزرع الحنطة ولا الذرة.
ولو اكترى ليزرع الذرة: يجوز أن يزرع الحنطة والشعير؛ لأن ضررهما أقل.
وإن زرع شيئاً ضرره أكثر: يجوز للآخر قلعه، وإن تعطل منفعة المكتري، وعليه تمام المسمى؛ لأنه هو الذي أبطل حقه، فلو لم يعلم الآجر، أو علم ولم يقلع حتى حصد المكتري الزرع: ماذا يجب عليه؟
نقل المزني: أن رب الأرض بالخيار: إن شاء أخذ المسمى مع أرش النقصان الذي يزيد على زراعة المشروط، وإن شاء ترك المسمى، وأخذ كراء المثل: اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال- وإليه ذهب المزني، -رحمة الله- وأبو إسحاق-: في المسألة قولان، وإن نقل المزني الخيار؛ بدليل أنه اختار الأول منهما، وهو أول وجهي الخيار:
أحد القولين: يأخذ المسمى وأرش النقصان؛ لأنه استوفى المنفعة التي استحقها مع زيادة؛ كما لو اكترى حماراً ليحمل عليه عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر قفيزاً: يجب عليه المسمى وكراء المثل للزيادة، وكما لو اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه.
والقول الثاني: يأخذ كراء المثل للجميع؛ [لأنه] تعدى بالعدول عن المعقود عليه إلى غيره؛ كما لو اكترى أرضاً بعينها، فزرع أرضاً أخرى.
стр. 1739
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان من وجه آخر:
أحدهما: يتخير؛ كما نص.
والثاني: يأخذ كراء المثل للجميع.
ومنهم من قال: المسألة على قول واحد: أنه يتخير بين أن يأخذ المسمى وأرش النقصان وبين أن يأخذ كراء المثل للجميع؛ بخلاف ما لو اكترى دابة؛ ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر، أو يركبها إلى موضع، فجاوزه؛ حيث قلنا: يأخذ المسمى وكراء المثل للزيادة؛ لأن الزيادة هناك متميزة عن الأصل، وههنا: غير متميزة.
وجملته: أن كل موضع وجد التعدي في جنس ما اكترى: فإنه يضمن المسمى وأرش النقصان؛ مثل: إن اكترى دابة؛ ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أكثر، أو اكترى علو بيت ليصب عليه ماءه، فصب أكثر فانتقض، أو اكترى إلى موضع، فجاوزه، وإن عدل إلى غير الجنس: ففيه هذه الطرق؛ كما في هذه المسألة، وكذلك: لو اكترى داراً؛ ليسكنها، فأسكنها الحدادين، أو اكترى دابة، ليحمل عليها قطناً، فحمل الحديد، أو ليخرج إلى بلد، فخرج إلى بلد ىخر طريقة أوعر.
ولو اكترى أرضاً؛ ليزرع فيها الحنطة، ولا يزرع غيرها: ففيه أوجه:
أحدها: لا يصح العقد؛ لأنه شرط خلاف قضية العقد؛ كما لو عين حنطة، وقال: ازرع هذه دون غيرها: لا يصح.
وقيل: يصح، ويلغو الشرط.
وقيل: يصح، ويلزم الشرط: فلا يجوز أن يزرع غير الحنطة.
ولو اكترى أرضاً ليزرع فيها زرعاً معيناً مدة يستحصد الزرع فيها، فانقضت المدة والزرع لم يبلغ أوان الحصاد- نُظر: إن تأخر لآفة سماوية من حر أو برد، أو أكله الجراد، فنبتت ثانياً: لا يُجبر على قلعه، ويترك إلى أوان الحصاد بأجر المثل.
ولو أعار المالك الأرض منه مجاناً: جاز، وإن تأخر بتفريط من جهته بأن أخر الزراعة إلى وقت لا يدرك، أو أبدله بما يكون إدراكه أبعد، أو أكله الجراد، فزرع ثانياً: للمالك إجباره على قلعه، وعلى الزارع تسوية الأرض؛ كالغاصب.
أما إذا أجره مدة؛ ليزرع فيها زرعاً لا يستحصد في تلك المدة- نُظر: إن شرط
стр. 1740
التبقية إلى الحصاد بعد مضي المدة: فالإجارة فاسدة؛ لجهالة المدة، ولمالك الأرض منعه من الزراعة غير أنه إذا بادر وزرع: لم يكن للمالك قلعه؛ لأنه زرع بإذنه، بل يبقى إلى أوان الحصاد بأجر المثل لجميع المدة.
ولو شرط قلعه عند مضي المدة: صحت الإجارة بالمسمى، ويؤمر بقلعه عند انتهاء المدة، فإن تراضيا على تركه بإجارة أو إعارة: جاز، وإن أطلق العقد، ولم يشرط قلعاً ولا تركاً عند انتهاء المدة: تصح الإجارة بالمسمى، وهل يجبر على قلعه بعد مضي المدة؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: يُجبر؛ لأنه عقد إلى مدة، [و] قد انقضت، إلا أن يتراضيا على تركه بإجارة أو إعارة.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه دخل فيه على علم؛ فكأنه رضي بتركه بعد المدة؛ فعلى هذا: هل له أجر المثل للزيادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه لم يرض بزرعها مجاناً.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه لما أجر مدة لا يستحصد فيها الزرع: فكأنه أعار منه الزيادة على المدة.
ولو اكترى أرضاً مدة للزراعة مطلقاً: يجوز، وله أن يزرع أضر أنواع الزروع؛ كما لو قال: ازرع ما شئت، ولكن يجب أن يزرع زرعاً يدرك في تلك المدة، ثم إن تأخر لتفريط من جهته: يقلع بعد مضي المدة، وإن تأخر لا لتفريط من جهته: يبقى إلى أوان الحصاد بأجر المثل؛ كما ذكرنا في الزرع المعين، وهل لصاحب الأرض منعه من زراعة ما لا يدرك في تلك المدة؟ فيه وجهان.
فإن زرع زرعاً لا يدرك في تلك المدة: لم يكن له قلعه قبل مضي المدة؛ لأن المدة مستحقة له، أما بعد مضي المدة: فله قلعه؛ لأنه مفرط بزرع ما لا يدرك، بخلاف ما لو سمى زرعاً لا يدرك في تلك المدة: لم يقلع في وجه؛ لأنه رضي بزرعه.
ولو اكترى أرضاً ليغرس فيها، أو ليبني مدة: يجوز، ثم إن شرط القلع بعد مضي المدة: يؤمر بقلعه مجاناً؛ لأن قضية العقد أن تسلم العين إلى الآجر فارغة، وإن لم يشرط
стр. 1741
القلع: فلا يقلع بعد مضي المدة مجاناً، لكن يتخير مالك الأرض بين أحد الأشياء الثلاثة:
إن شاء أقرها بالأجرة، وإن شاء تملكها بالقيمة، وإن شاء قلعها وضمن أرش النقصان.
وإن كان على الأشجار ثمرة: يغرم نقصانها.
وعند أبي حنيفة والمزني- رحمة الله عليهما- يقلع مجاناً، وإذا اختار الآخر أحد هذه الأشياء: أجير المستأجر عليه، وإن اكتراه بشرط التبقية بعد المدة: لا يصح العقد؛ للجهالة، وعلى المكتري كراء المثل في المدة، وبعد المدة: يتخير بين الأشياء الثلاثة.
وقيل: يصح العقد؛ لأن إطلاق العقد يقتضيه؛ فلا يبطل بالشرط.
ولو اكترى أرضاً للغراس كراء فاسداً، وغرس: فهو كالصحيح في أنه لا يقلع مجاناً، ويتخير المالك بين الأشياء الثلاثة.
فلو قلع المكتري الغراس، هل عليه تسوية الأرض؟ - نُظر:
إن اكترى بشرط القلع: لا يجب؛ لأن المالك رضي بالحفر، لما شرط القلع، وإن لم يشرط: فإن قلع المكتري بعد المدة: عليه تسوية الأرض؛ لأنه قلع الغراس من أرض غيره بغير إذنه، ولا له عليها يد، وإن قلع في خلال المدة: فوجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه قلع من غير إذن مالك الأرض؛ كما بعد المدة.
والثاني: لا يجب؛ لأن له يداً على الأرض في خلال المدة؛ بخلاف ما بعد المدة.
ولو اكترى أرضاً؛ ليزرع ما يشاء مدة: يصح؛ وله أن يزرع ما شاء، قل ضرره أو كثر، ولكن لا يجوز أن يغرس، ولا أن يبني.
ولو اكتراه؛ ليصنع ما يشاء: فيه وجهان:
أحدهما: يصح، وله أن يزرع ويغرس ويبني.
والثاني: لا يصح؛ لكثرة الجهالة.
ولو اكترى للغراس أو البناء: له أن يزرع؛ لأن ضرره أقل.
ولو اكترى للغراس هل له أن يبني، أو للبناء هل له أن يغرس؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن كل واحد للتأبيد.
стр. 1742
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأن ضررهما مختلف: ضرر الغراس في باطن الأرض، وضرر البناء على ظاهرها.
ولو قال: ازرعها، أو اغرسها ما شئت: نص على أن الكراء جائز.
قال المزني- ﵀: لا يجوز؛ لأنه لم يبين، كم يغرس وكم يزرع؟
قلنا: صورة مسألة الشافعي- ﵁ أن يقول: ازرع إن شئت، واغرس إن شئت، فوض إليه زرع جميعها، أو غرس جميعها؛ فيصح.
ثم إذا غرس، فبعد مضي المدة: يتخير المالك بين الأشياء الثلاثة.
أما إذا قال: ازرع واغرس: فيه وجهان:
أحدهما: يصح، ويغرس النصف، ويزرع النصف.
والثاني- وهو الأصح: لا يصح؛ لأنه لم يبين، كم يغرس؟ وكم يزرع؟ حتى قال الشيخ القفال: لو صرح، فقال: ازرع النصف، واغرس النصف: لا يصح أيضاً؛ لأنه لم يبين أي النصفين يغرس؛ كما لو قال: بعتك هذين العبدين: أحدهما بألف، والآخر: بخمسمائة ولم يبين: لا يصح.
ولو اكترى أرضاً، فزرعها: يجب على المكتري الكراء، أو عشر الزرع.
وعند أبي حنيفة: لا يجب على المكتري الكراء، أما العشر فعلى الآجر.
قلنا: العشر حق الزرع، لقوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وزكاة المال: تكون على مالك المال، لا على غيره، والله أعلم.
стр. 1743
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب إحياء الموات
روي عن عائشة- ﵂ عن النبي ﷺ قال: "من أعمر أرضاً ليست لأحد: فهو أحق".
وروي عن جابر، عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "من أحيا أرضاً ميتة: فهي له".
بلاد المسلمين قسمان:
стр. 1744
عامر، وغير عامر:
أما العامر: فلأهله لا يملك عليهم إلا بإذنهم.
أما غير العامر [فـ] قسمان:
قسم عرف عليهملك من الإسلام؛ فهو كالعامر لأهله؛ سواء كان مالكه مسلماً أو ذمياً، لأنه كان ملكاً بعد ما صار دار الإسلام، [فهو كالعامر لأهله].
وإن لم يكن له مالك ظاهر: فهو مال ضائع يجعل لبيت المال يضعه الإمام، حيث يشاء على النظر، وكذلك البيع التي للنصارى في دار الإسلام، لا تملك عليهم إلا أن يتفانوا؛ فهو كما لو مات ذمي، ولا وارث له، يكون ماله فيئاً للمسلمين.
وقسم هو موات، لم يجر عليه ملك لا في الإسلام ولا في الجاهلية؛ فمن أحياها من المسلمين: فهي ملك له، سواء أحياها بإذن الإمام، أو دون إذنه؛ لأن إمام الأئمة وسيد المرسلين- صلوات الله عليه- قد أذن فيه؛ لقوله- صلى الله عليه سولم-: "من أحيا أرضاً ميتة: فهي له"؛ فلا يحتاج إلى إذن إمام بعده.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- لا يملك إلا بإذن الإمام.
أما ما كان عامراً في الجاهلية، ثم صار خراباً- نُظر: إن كان يعرف له مالك: فهو كالعمران؛ لا يملك بالإحياء، وإن كان عليه أثر ملك الجاهلية، ولا يعرف له مالك؛ مثل: القهندر: فهل يملك بالإحياء؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: قولان:
أحدهما: لا يملك؛ لأن النبي- صلى الله عليه سولم- قال: "من أحيا أرضاً ميتة-: فهي له"؛ وهذه ليست بميتة.
والثاني: تملك؛ لما روي أن النبي- ﷺ قال: "عادي الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني"، وكالركاز؛ يملكه من يجده، مع كونه مملوكاً لأهل الجاهلية، وهذا أصح.
стр. 1745
ومن أصحابنا من قال: إن كان متقادم العمارة؛ لم يكن عليه ملك قريب في الجاهلية، بل درست عمارتها، وعفت آثارها: تملك بالإحياء، وإن كان عامراً في جاهلية قريبة، أو بقيت آثار العمارة عليها: فلا تملك بالإحياء، فإن لم نجوز إحياءها: كانت للغانمين، إن قاتلوا عليها، وإن كانت من أراضي الفيء: فلأهل الفيء، وكذلك: هل يجوز نقل التراب عن مثل هذه الأرض؟ إن قلنا: تملك بالإحياء: يجوز لكل من بادر إليه أخذهن وإن قلنا: لا تملك: يحتاج إلى إذن الإمام؛ كما يحتاج في تملكه بالإحياء إلى إذنه.
ولو أن ذمياً أحيا مواتاً في دار الإسلام: لا يملكه، وعند أبي حنيفة: [يملكه]، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي- ﷺ قال: "موتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون"؛ خص المسلمين به أهـ.
أما إذا احتطب الذمي في دار الإسلام، أو احتش، أو اصطاد: لا يمنع منه.
ولو نقل التراب من موات دار الإسلام؛ فإن كان تبين ضرره على المسلمين: منع منه؛ وإلا فلا يمنع.
ويجوز للإمام أن يقطع موات الأرض لمن يحييه، فيملكه.
روي عن علقمة بن وائل، عن أبيه؛ أن النبي- ﷺ أقطعه أرضاً بحضر موت وروي عن ابن عمر؛ "أن النبي- ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه من حيث بلغ السوط".
وإذا أقطع إنساناً شيئاً لا يقطعه إلا ما يقدر على إحيائه، حتى لا يدخل الضرر على المسلمين.
ومن أحيا مواتاً: ملكه وملك حواليه ما يحتاج إليه مما يصلح به العامر من الطريق ومسيل الماء وغير ذلك من المرافق، حتى لو أحيا قرية: يملك حواليها ما يكون مرافقها: من مرعى البهائم، ومطرح الرماد، وملقى السماد، وملعب الصبيان.
стр. 1746
وإذا حفر بئراً في موات للملك: فله حريمها قدر ما يقف فيه المستقي، إن كانت البئر للشرب، وإن كانت للسقي: فقدر ما يمشي فيه الساقية، ويطرح فيه ما يخرج من البئر.
روي عن عبد الله بن مغفل؛ أن النبي- ﷺ قال: "من احتفر بئراً: فله أربعون ذراعاً حولها لعطن ماشيته، وكذلك من حفر نهراً فله حريم النهر، وملقى الطين، وما يخرج منه، ومن أخذ شيئاً من مرافقها، فأحياه: لا يملكه؛ وكذلك: كل بلد صولح الكفار على المقام فيه: لا يملك موات هو من مرافقه بالإحياء.
ومن أحيا مواتاً بقرب قرية عامرة: يملكها إذا لم تكن من مرافقها؛ لأن النبي- ﷺ أقطع الدور لعبد الله بن مسعود، وهي بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخيل".
قال أبو يوسف: يجب أن يبعد من القربة قدر صيحة، وما دونها: لا يملك.
стр. 1747
فصل لا حمى إلا الله ورسوله
روي عن الصعب بن جثامة، عن رسول الله- ﷺ قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
الحمى: هو أن يحمي بقعة من الموات لمواشيه يمنع الناس من الرعي فيها، كان ذلك جائزاً لرسول الله- ﷺ لنفسه خاصة؛ لكنه لم يفعل، بل حمى النقيع لمصالح المسلمين؛ لإبل الصدقة، ونعم الجزية، والخيل المعدة في سبيل الله.
وهو بلد ليس بالواسع وما كان يضيق به الأمر على المسلمين، وما من مسلم إلا دخل عليه منه خصلة صلاح.
أما غير النبي- ﷺ من الأئمة، لا يجوز [له] الحمى لنفسه، وهل يجوز لمصالح المسلمين: من إبل الصدقة، ونعم الجزية، وخيل الجهاد والضوال؟ فيها قولان:
أحدهما: لا يجوز، لقول النبي- ﷺ : "لا حمى إلا لله ولرسوله".
وكما لا يجوز ذلك لآحاد الناس؛ فعلى هذا: إذا فعل: فهو على أصل الإباحة من إحياء ملكه.
والثاني: يجوز، وهو الأصح؛ لما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه؛ أن عمر استعمل مولى له يقال له: "هني" على الحمى، فقال له: يا هني، اضمم جناحك للمسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عوف وابن عفان؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى زرع ونخل؛ وإن رب الصريمة والغنيمة: إن تهلك ماشيته يأتني بعياله، فيقول: يا أمير المؤمنين، [يا أمير المؤمنين]، أفتاركهم أنا! لا أبا لك؟! فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وآيم الله، إنهم ليرون أن قد ظلمتهم إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية واسلموا عليها في الإسلام، وآيم الله، لولا المال الذي أحمر عليه في سبيل الله، ما حميت على المسلمين من بلادهم شبراً".
وإذا جوزنا: فلا يجوز أن يحمي إلا أقلها؛ بحيث لا يبين ضرره على الذين حمى عليهم، ونهى النبي- ﷺ يتناول الحمى لنفسه، وعلى ما كان يفعله العزيز من العرب: كان
стр. 1748
إذا انتجع بلداً مخصباً: استعوى كلباً على جبل، أو نشز وقف له من يسمع صوته؛ فإلى حيث انتهى صوته: حماه لنفسه من كل ناحية؛ يمنع العامة عنه ويرعى مع العامة فيما سواه.
وكل حمى يضيق به المرعى على الناس: لا يجوز بلا خلاف، ثم ما حماه رسول الله- ﷺ يبقى على حالته؛ لا يجوز نقضه إلى قيام الساعة.
أما ما حماه غيره من الأئمة، وجوزنا: هل يجوز له أو لغيره من الأئمة نقضه وعمارته وإقطاعه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما حماه النبي- ﷺ وكالوقف: لا يجوز تغييره.
والثاني: يجوز؛ بخلاف ما لو حماه النبي- ﷺ فإنه كان مقطوعاً بصلاحه دون حمى غيره.
فإن جوزنا: فلو أحياه واحد من العوام بغير إذن إمام: هل يملكه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يملك؛ لقوله- ﵇: "من أحيا أرضاً ميتة: فهي له".
والثاني: لا يملك، وهو الأصح، وتنقض عمارته؛ لأنه تقدم حكم من الإمام؛ فلا ينقض عليه.
وقيل فيما حماه النبي- ﷺ إن كان المعنى الذي حماه له باقياً: لا يجوز تغييره؛ لأنه مقطوع بصلاحه، وإن زال ذلك المعنى: فيه وجهان:
أحدهما: لا يغير؛ كالمسجد، إذا انجلى أهل المحلة: لا يغير.
والثاني: يجوز تغييره؛ لزوال المعنى؛ فعلى هذا: من أحياه ملكه.
فصل فيما يكون إحياء الموات
يختلف باختلاف مقصود المحيي من الأرض؛ لأنه لا بيان له في الحديث، فكان المرجع فيه إلى العادة، كالقبوض والأحراز، فإذا أراد داراً- فلا يملك حتى يبنى حواليه جداراً من طين أو لبن أو من قصب وخشب، إن كانت عادتهم ذلك، ويسقف بحيث يصلح للسكنى، والسكنى ليس بشرط؛ فإن بنى حواليه، ولم يسقف: فهو كالتحجر.
стр. 1749
وإن أراد بستاناً: فيبنى حواليه جداراً، ويشق الأنهار، ويغرس الأشجار، ويسوق إليه الماء من نهر أو بئر.
وإن أراد الزراعة: فيجمع التراب حواليها، ويحرث ويسوق الماء إليها، وهل يشترط الزراعة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يشترط؛ كالغرس في البستان.
والثاني: لا يشترط؛ لأنه ليس للتأبيد؛ كما لا يشترط أن يسكن الدار.
ولو أراد إحياء أرض للزراعة على قلة جبل:
قال الشيخ [القفال]: لا يملك؛ لأنه لا يمكن سوق الماء إليها.
وقيل: يملك، إذا حرثها ولينها؛ لأن ما يلقى فيها ينبت.
وإن أراد حظيرة للدواب أو للشوك والحطب: فيبنى حواليه جداراً من طين أو خشب. أو قصب أو حجر، وينصب عليه باباً، وإيواء الدواب إليه ليس بشرط؛ كسكنى الدار.
وإن أراد حفر بئر: فإحياؤها أن يحفر إلى أن يصل إلى الماء، فإن وصل إلى الماء: تم الإحياء، إن كانت الأرض صلبة، وإن كانت رخوة، فلم يتم حتى تطوى، وقبل الوصول إلى الماء: تتحجر.
وإذا حفر قناة في موات، فخرج الماء، وجرى: ملكها؛ كالبئر إذا خرج ماؤها.
ولو حفر واحد أو جماعة نهراً في موات للتملك؛ ليجروا فيها الماء إلى أملاكهم من بحر أو نهر مباح: فمتى وصلت فوهة النهر الحديث بالنهر العظيم، وجرى الماء فيه: فقد تم الإحياء، وتملكوا النهر.
وإذا أحيا أرضاً: ملكها ومرافقها، وملك ما فيها من المعادن؛ كالبلور والفيروزج والحديد، وما كان من أجزاء الأرض، وهل يملك الماء الذي فيها؟ فيه وجهان:
ويملك الكلأ وما ينبت فيها من الأشجار.
وقال أبو القاسم الصيمري البصري: لا يملك الكلأ؛ كما لا يملك فرخ طائر أفرخ فيها، وليس بصحيح، لأن الكلأ من نماء الأرض، فيملكه؛ كمن ملك شاة يملك شعرها.
стр. 1750
ولو تحجر مواتاً، وهو: أن يشرع في إحيائه، أو أعلم عليه علامة ولم يتمم، أو أقطعه السلطان: كان أحق به من غيره.
وإذا مات: كان وارثه أحق به، حتى لو استولى عليه غيره: له أن يسترده.
والصحيح من المذهب: أنه لا يملك بالتحجر ولإقطاع ما لم يحيها.
ولو باعها قبل الإحياء. المذهب: أنه لا يصح؛ لأنه لم يملكها.
وقال أبو إسحاق: إذا باعه يصح بيعه؛ لأنه أحق به، وليس بقوي؛ لأنه لمي ملكه؛ إنما له حق التملك؛ كالشفيع: إذا باع الشقص قبل الأخذ: لا يصح، فلو بادر غير المتحجر، وبنى فيها، وفعل ما يكون إحياء: هل يملكه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يملك؛ لأنه خفق سبب الملك.
وقيل: لا يملك، وللأول أن يسترده.
هذا كما لو أفرخ طائر على شجرة في ملك إنسان: كان صاحب الشجر، أولى بذلك الفرخ، وليس لغيره دخول ملكه وأخذه؛ فإن ملك الفرخ جناحه، وطار: فكل من أخذه: فهو ملكه.
ولو دخل رجل بستانه، وأخذه: هل يملكه؟ فيه وجهان؛ أصحهما: يملكه.
وإن تحجر موضعاً، أو أقطعه السلطان، فطالت المدة، ولمن يحيه: قال له السلطان: إما أن تحييه، وإما أن ترفع يدك عنه، فتخلي بينه وبين من يحييه؛ لأن فيه تضييقاً على الناس؛ فإن استمهله: أمهله مدة قريبة، فإن انقضت المدة، ولم يحيه، فبادر غيره، فأحياه: ملكه؛ لأنه ارتفع حق الأول بعد انقضاء المدة.
أما موات دار الحرب: يملكه الكافر بالإحياء، ولو أحياه مسلم: هل يملكه أم لا؟ نُظر: إن كان الكفار لا يمنعوننا عنه: يملكه؛ كموات دار السلام.
وإذا استولى المسلمون على بلادهم: لا يملكونه، وإن كانوا يمنعوننا عنه: فلا يملك من أحياه، بل هو كالعامر من دورهم، فإذا استولى المسلمون عليه قهراً: كان ذلك كالتحجر في حق الغانمين، فهم أحق بإحياء أربعة أخماسها، وأهل الخمس بإحياء خمسها؛ فإن ترك الغانمون إحياءها: كان أهل الخمس أحق بها؛ لأنهم شركاء في الغنيمة.
وإن ترك بعض الغانمين حقوقهم من الغنيمة: كان الحق للباقين، فإن ترك الغانمون وأهل الخمس حقوقهم: فكل من أحياها من المسلمين ملكها، وإن صار فيئاً: فالإمام أحق بإحيائها لأهل الفيء؛ وإن لم يعرف سببه: يضعه الإمام فيمن يشاء من المسلمين على النظر لهم، والله أعلم.
стр. 1751
باب ما يجوز أن يقطع وما لا يجوز
روي أن أبيض بن حمال المأربي سأل النبي- ﷺ أن يقطعه ملح مأرب، فأراد أن يقطعه، فقيل له: "إنه كالماء العد! قال: فلا إذن".
المعادن قسمان: ظاهرة، وباطنة.
أما الظاهرة؛ مثل معدن الملح، والنفط والقير، والكبريت، والمومياء، والبرام، والحجارة الظاهرة للرحى وغيره، إذا كانت في موات: فالناس فيها شرع سواء؛ لا يملكها أحد بالإحياء، ولا ينفرد بها.
ولا يجوز للسلطان أن يقطعها؛ كالماء والكلأ، والحطب؛ لأنه توصل إليها من غير مؤنة وتعب.
فإذا تسارع إليه رجلان- نُظر: إن كان المعدن يسعهما: أخذا ما فيه، وإن كان لا يسعهما: فمن سبق فهو أولى بما فيه؛ لما روي أن النبي- ﷺ أنه قال: "من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم: فهو له"، فإذا أخذ حاجته، وقام: ليس له منع الثاني، وإن جاءا معاً: ففيه وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام أيهما شاء.
وفيه وجه آخر: أن الإمام يأمر من يقسم بينهما.
فإذا قدمنا أحدهما، فأخذ حاجته، فلم يقم، وأراد أن يأخذ أكثر، ويبعث للتجارة: ففيه وجهان:
الأصح: أنه يزعج إذا طال المقام؛ كالمستقطع والمتحجر، إذا طال الحبس، ولم يعمر: يمنع منه.
ولو ظهر شيء من هذه المعادن في ملكه: فهل يملكه؟:
من أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ كالماء:
قال الشيخ- ﵀: والصحيح: أنه يملكه؛ لأنه يحصل من ملكه لا بمدد من موضع آخر؛ بخلاف الماء؛ فإن مدده من موضع آخر، حتى لو أخذ غيره شيئاً [منه]: فله
стр. 1752
أن يسترده؛ وكذلك: الحشيش الذي نبت في ملكه؛ بخلاف فرخ الطائر: يملكه من يأخذه؛ لأنه لم يتولد في ملكه، قال- ﵀: فإن كان الملح ينعقد من ماء ينبع منه، لا من ترابه: فكالماء.
أما المعادن الباطنة؛ مثل: معدن الذهب [والفضة] والياقوت، والفيروزج، والرصاص، والحديد، والنحاس، والكحل، والجص، ونحوها مما لا يوصل إلى منفعته إلا بالمدمومة على العمل: هل يملك بالإحياء فيه قولان:
أحدهما: يملك؛ كما يملك الموات بالإحياء؛ فعلى هذا: إذا حفر، ووصل إلى النيل: ملكه، وقبل الوصول إلى لانيل: يكون كالمتحجر، وإذا وصل إلى النيل، ثم عطله: ليس لأحد أن يملكه عليه إلا بإذنه؛ كالموات يحييه، ثم يعطله.
وإذا وصل إلى النيل، وملكه: يملك جميع مرافقه، فإن تباعد إنسان عن حريمه، وحفر معدناً، ووصل إلى العروق: لم يمنع منه؛ لأنه ليس من مرافقه، وعلى هذا القول: يجوز للسلطان إقطاع هذه المعادن.
والقول الثاني: لا يملك بالإحياء؛ بخلاف الأرض؛ لأنها إذا أحييت: ثبت إحياؤها؛ فلا تحتاج بعده إلى عمل الإحياء، والمعدن يحتاج إلى مداومة العمل حتى يصل إلى المنفعة؛ فتحتاج كل يوم إلى إحياء جديد؛ لأن النيل متفرق في طبقات المعدن؛ فهو كالمعدن الظاهر: يحتاج كل يوم إلى أخذ النيل؛ فعلى هذا: لو بادر إليه رجل: فما دام يعمل فيه: له منع الغير.
وإن كان المعدن يسع الكل: فإذا تركه: ليس له منع الغير؛ كالبئر يحفرها في البادية للارتفاق: كان أولى بها، وإذا تركها: لم يكن له منع الغير عنها.
وعلى هذا: إذا طال مقامه: هل يزعج؟ قيل: فيه وجهان؛ كما قلنا في المعادن الظاهرة.
стр. 1753
وقيل: لا يزعج ما لم يعطله باجتيازه؛ لأنه لا يصل إلى النيل إلا بمشقة؛ فكان مقدماً على من جاء بعده؛ بخلاف المعادن الظاهرة، ولأن في الظاهر: يمكنه أخذ حاجته دفعة واحدة؛ فلا يحتاج إلى طول المكث؛ بخلاف الباطن.
وإذا بادر إليه رجلان: فإن وسعهما: أخذا معاً، وإن ضاق المكان: فيه وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم السلطان أيهما يشاء.
وقيل: يقسم بينهما؛ وعلى هذا القول: هل يجوز للسلطان إقطاع هذه المعادن؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يملك بالإحياء.
والثاني: وهو الأصح: يجوز؛ لأن النبي- ﷺ أراد إقطاع ملح مأرب، وإنما تركه حين أخبر أنه كالماء العد؛ [فدل] أن ما كان باطناً: يجوز إقطاعه، وقد يجوز إقطاع ما لا يملك بالإحياء؛ كمقاعد الأسواق، ويجوز للرجل أن يعمل فيه من غير إذن، ولا إقطاع من الإمام؛ لأنه إما أن يكون كالأرض أو كالمعدن الظاهر، ويجوز العمل، في كل واحد منهما من غير إقطاع، وليس لأحد أن يتحجر هذه المعادن وفي المواضع التي يعمل فيه، ولا أن يتحجر مكاناً واسعاً.
ولو عمل في معدن، فجاء آخر، وأخرج منه النيل قبل تركه: إن قلنا: ملكه الأول: له أن يسترده؛ وإلا فوجهان؛ كفرخ الطائر.
ولو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت ودخلها الماء- ظهر فيها الملح-: جاز للسلطان إقطاعها.
ولو حفرها رجل، وجمع فيها الماء، وظهر الملح- يملكها؛ كالأرض يحييها؛ لأنه يوصل إليه المؤنة والعمل.
ولو وجدت قطعة ذهب على إثر سيل قطعها من الجيل: فحكمها حكم المعادنا لظاهرة؛ لأنه حصل من غير عمل أحد؛ فمن أخذها فهي له.
ولو عمل في معدن من المعادن الباطنة في الجاهلية: فهل يجوز للسلطان إقطاعه؟ فيه ثلاثة أقوال:
стр. 1754
أحدها: يجوز؛ لأن للسلطان إقطاعه، ويملك بالإحياء.
والثاني: يجوز إقطاعه، ولا يملك بالإحياء؛ فإن سبق إليه رجلان، وضاق عنهما: يقرع بينهما أو يقدم الإمام أحدهما.
والثالث: لا يجوز إقطاعه، ولا يملك بالإحياء؛ كالماء العد.
وأصل هذا: أن هذه المعادن هل تملك بالإحياء؟ إن قلنا: تملك بالإحياء: فهو ملك للغانمين؛ كالأراضي التي أحياها أهل الحرب؛ ثم استولى عليها المسلمون، وإن قلنا: لا تملك بالإحياء: فحينئذ: فيه قولان:
أحدهما: للسلطان إقطاعه.
والثاني: كالماء العد.
وإذا كان في ملك رجل معدن باطن، فجاء رجل، واستخرج منه النيل بغير إذن مالكه: يجب عليه رده، ولا أجرة له؛ لأنه أتلف منفعة نفسه.
ولو قال له المالك: اعمل فيه، فما استخرجته فهو لك: فهو هبة مجهولة، وما استخرجه يكون لمالك الأرض، وهل يكون مضموناً على العامل؟ فعلى قولين؛ كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، وهل يستحق أجر المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه عمل لنفسه.
والثاني: يستحق؛ لأن عمله وقع لغيره؛ وهذا بناءً على أن الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام إلى نفسه: لا ينصرف إليه، وهل يستحق الأجر؟ فيه قولان.
ولو قال: اعمل، فما استخرجته: نصفه لك، ونصفه لي: لا يصح؛ لأنه شرط له أجراً مجهولاً، وما استخرجه يكون لمالك الأرض، وللعامل أجر مثل عمله؛ كما لو قال: استأجرتك على نصف ما تستخرجه: فهو فاسد، والنيل للمالك، وللأجير أجر المثل.
أما إذا قال: استأجرتك شهراً؛ لتعمل في هذا المعدن كل يوم بدرهم: يصح، ويستحق المسمى [إذا عمل]، والله أعلم.
باب القطائع
القطائع قسمان:
стр. 1755
أحدهما: ما يملك، وهو: ما مضى من إحياء الموات.
والثاني: إقطاع إرفاق لا تمليك فيه؛ كالمقاعد في الأسواق، والطرق الواسعة.
إذا قعد رجل في طريق للبيع والشراء: فإن كان يضيق الطريق على المارة: منع منه، وإن لم يضيق: فلا يمنع، سواء قعد بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ لاتفاق الناس عليه في جميع الأمصار من السلف والخلف.
ويجوز للسلطان إقطاعه؛ لكنه لا يملكه، بل يكون أولى بالمكان الذي قعد فيه، وبما حواليه قدر ما يضع فيه متاعه، ويقوم فيه المشتري، فلو قعد بقربه من يضيق المكان عليه، لوضع أمتعته، أو يمنع الناس عن رؤية متاعه: يمنع من ذلك، وله أن يظلل عليه بما لا يضر بالمارة من تارية أو ثوب؛ لأنه لا يستغني عنه، ويمنع من أن يبني دكة؛ لأنه يضيق به الطريق، ويعثر به الضرير، والبصير بالليل، وإذا أقطعه السلطان موضعاً: كان أحق به؛ سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل؛ لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه: ثبتت يده عليه.
وإذا قعد في موضع، ثم فارقه على ألا يعود: لم يكن له [منع] غيره من القعود فيه، وغن فارقه لشغل حتى يعود، أو عاد إلى بيته، بالليل، ثم رجع في اليوم الثاني: كان أولى به، فإن رجع في اليوم الثاني، وقد قعد فيه غيره: يزعج، وإن طال قعوده في مكان: هل يمنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ثبتت له اليد بالسبق إليه.
والثاني: يمنع؛ حتى لا يصير كالمتملك له.
وقال الإصطخري: إذا عاد إلى بيته بالليل، ثم رجع في اليوم الثاني، وقد سبقه غيره: كان الثاني أولى به؛ كالمسجد.
والأول أصح، بخلاف المسجد: فإنه مكان عبادة وموضع قربة ينتابه الناس؛ فالسابق أولى به في أي وقت جاء؛ لقول النبي- ﷺ "مني مناخ من سبق".
ولو غاب عن مقعده في السوق أو الطريق يوماً أو يومين؛ لشغل: من مرض أو سفر، ثم عاد: كان أولى به، فإن طالت مدة غيبته: بطل حقه، ولغيره أن يقعد فيه، وإن سبق اثنان
следующие страницы →