Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
باب ما يجوز أن يقطع وما لا يجوز
روي أن أبيض بن حمال المأربي سأل النبي- ﷺ أن يقطعه ملح مأرب، فأراد أن يقطعه، فقيل له: "إنه كالماء العد! قال: فلا إذن".
المعادن قسمان: ظاهرة، وباطنة.
أما الظاهرة؛ مثل معدن الملح، والنفط والقير، والكبريت، والمومياء، والبرام، والحجارة الظاهرة للرحى وغيره، إذا كانت في موات: فالناس فيها شرع سواء؛ لا يملكها أحد بالإحياء، ولا ينفرد بها.
ولا يجوز للسلطان أن يقطعها؛ كالماء والكلأ، والحطب؛ لأنه توصل إليها من غير مؤنة وتعب.
فإذا تسارع إليه رجلان- نُظر: إن كان المعدن يسعهما: أخذا ما فيه، وإن كان لا يسعهما: فمن سبق فهو أولى بما فيه؛ لما روي أن النبي- ﷺ أنه قال: "من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم: فهو له"، فإذا أخذ حاجته، وقام: ليس له منع الثاني، وإن جاءا معاً: ففيه وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام أيهما شاء.
وفيه وجه آخر: أن الإمام يأمر من يقسم بينهما.
فإذا قدمنا أحدهما، فأخذ حاجته، فلم يقم، وأراد أن يأخذ أكثر، ويبعث للتجارة: ففيه وجهان:
الأصح: أنه يزعج إذا طال المقام؛ كالمستقطع والمتحجر، إذا طال الحبس، ولم يعمر: يمنع منه.
ولو ظهر شيء من هذه المعادن في ملكه: فهل يملكه؟:
من أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ كالماء:
قال الشيخ- ﵀: والصحيح: أنه يملكه؛ لأنه يحصل من ملكه لا بمدد من موضع آخر؛ بخلاف الماء؛ فإن مدده من موضع آخر، حتى لو أخذ غيره شيئاً [منه]: فله
стр. 1752
أن يسترده؛ وكذلك: الحشيش الذي نبت في ملكه؛ بخلاف فرخ الطائر: يملكه من يأخذه؛ لأنه لم يتولد في ملكه، قال- ﵀: فإن كان الملح ينعقد من ماء ينبع منه، لا من ترابه: فكالماء.
أما المعادن الباطنة؛ مثل: معدن الذهب [والفضة] والياقوت، والفيروزج، والرصاص، والحديد، والنحاس، والكحل، والجص، ونحوها مما لا يوصل إلى منفعته إلا بالمدمومة على العمل: هل يملك بالإحياء فيه قولان:
أحدهما: يملك؛ كما يملك الموات بالإحياء؛ فعلى هذا: إذا حفر، ووصل إلى النيل: ملكه، وقبل الوصول إلى لانيل: يكون كالمتحجر، وإذا وصل إلى النيل، ثم عطله: ليس لأحد أن يملكه عليه إلا بإذنه؛ كالموات يحييه، ثم يعطله.
وإذا وصل إلى النيل، وملكه: يملك جميع مرافقه، فإن تباعد إنسان عن حريمه، وحفر معدناً، ووصل إلى العروق: لم يمنع منه؛ لأنه ليس من مرافقه، وعلى هذا القول: يجوز للسلطان إقطاع هذه المعادن.
والقول الثاني: لا يملك بالإحياء؛ بخلاف الأرض؛ لأنها إذا أحييت: ثبت إحياؤها؛ فلا تحتاج بعده إلى عمل الإحياء، والمعدن يحتاج إلى مداومة العمل حتى يصل إلى المنفعة؛ فتحتاج كل يوم إلى إحياء جديد؛ لأن النيل متفرق في طبقات المعدن؛ فهو كالمعدن الظاهر: يحتاج كل يوم إلى أخذ النيل؛ فعلى هذا: لو بادر إليه رجل: فما دام يعمل فيه: له منع الغير.
وإن كان المعدن يسع الكل: فإذا تركه: ليس له منع الغير؛ كالبئر يحفرها في البادية للارتفاق: كان أولى بها، وإذا تركها: لم يكن له منع الغير عنها.
وعلى هذا: إذا طال مقامه: هل يزعج؟ قيل: فيه وجهان؛ كما قلنا في المعادن الظاهرة.
стр. 1753
وقيل: لا يزعج ما لم يعطله باجتيازه؛ لأنه لا يصل إلى النيل إلا بمشقة؛ فكان مقدماً على من جاء بعده؛ بخلاف المعادن الظاهرة، ولأن في الظاهر: يمكنه أخذ حاجته دفعة واحدة؛ فلا يحتاج إلى طول المكث؛ بخلاف الباطن.
وإذا بادر إليه رجلان: فإن وسعهما: أخذا معاً، وإن ضاق المكان: فيه وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم السلطان أيهما يشاء.
وقيل: يقسم بينهما؛ وعلى هذا القول: هل يجوز للسلطان إقطاع هذه المعادن؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يملك بالإحياء.
والثاني: وهو الأصح: يجوز؛ لأن النبي- ﷺ أراد إقطاع ملح مأرب، وإنما تركه حين أخبر أنه كالماء العد؛ [فدل] أن ما كان باطناً: يجوز إقطاعه، وقد يجوز إقطاع ما لا يملك بالإحياء؛ كمقاعد الأسواق، ويجوز للرجل أن يعمل فيه من غير إذن، ولا إقطاع من الإمام؛ لأنه إما أن يكون كالأرض أو كالمعدن الظاهر، ويجوز العمل، في كل واحد منهما من غير إقطاع، وليس لأحد أن يتحجر هذه المعادن وفي المواضع التي يعمل فيه، ولا أن يتحجر مكاناً واسعاً.
ولو عمل في معدن، فجاء آخر، وأخرج منه النيل قبل تركه: إن قلنا: ملكه الأول: له أن يسترده؛ وإلا فوجهان؛ كفرخ الطائر.
ولو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت ودخلها الماء- ظهر فيها الملح-: جاز للسلطان إقطاعها.
ولو حفرها رجل، وجمع فيها الماء، وظهر الملح- يملكها؛ كالأرض يحييها؛ لأنه يوصل إليه المؤنة والعمل.
ولو وجدت قطعة ذهب على إثر سيل قطعها من الجيل: فحكمها حكم المعادنا لظاهرة؛ لأنه حصل من غير عمل أحد؛ فمن أخذها فهي له.
ولو عمل في معدن من المعادن الباطنة في الجاهلية: فهل يجوز للسلطان إقطاعه؟ فيه ثلاثة أقوال:
стр. 1754
أحدها: يجوز؛ لأن للسلطان إقطاعه، ويملك بالإحياء.
والثاني: يجوز إقطاعه، ولا يملك بالإحياء؛ فإن سبق إليه رجلان، وضاق عنهما: يقرع بينهما أو يقدم الإمام أحدهما.
والثالث: لا يجوز إقطاعه، ولا يملك بالإحياء؛ كالماء العد.
وأصل هذا: أن هذه المعادن هل تملك بالإحياء؟ إن قلنا: تملك بالإحياء: فهو ملك للغانمين؛ كالأراضي التي أحياها أهل الحرب؛ ثم استولى عليها المسلمون، وإن قلنا: لا تملك بالإحياء: فحينئذ: فيه قولان:
أحدهما: للسلطان إقطاعه.
والثاني: كالماء العد.
وإذا كان في ملك رجل معدن باطن، فجاء رجل، واستخرج منه النيل بغير إذن مالكه: يجب عليه رده، ولا أجرة له؛ لأنه أتلف منفعة نفسه.
ولو قال له المالك: اعمل فيه، فما استخرجته فهو لك: فهو هبة مجهولة، وما استخرجه يكون لمالك الأرض، وهل يكون مضموناً على العامل؟ فعلى قولين؛ كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، وهل يستحق أجر المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه عمل لنفسه.
والثاني: يستحق؛ لأن عمله وقع لغيره؛ وهذا بناءً على أن الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام إلى نفسه: لا ينصرف إليه، وهل يستحق الأجر؟ فيه قولان.
ولو قال: اعمل، فما استخرجته: نصفه لك، ونصفه لي: لا يصح؛ لأنه شرط له أجراً مجهولاً، وما استخرجه يكون لمالك الأرض، وللعامل أجر مثل عمله؛ كما لو قال: استأجرتك على نصف ما تستخرجه: فهو فاسد، والنيل للمالك، وللأجير أجر المثل.
أما إذا قال: استأجرتك شهراً؛ لتعمل في هذا المعدن كل يوم بدرهم: يصح، ويستحق المسمى [إذا عمل]، والله أعلم.
باب القطائع
القطائع قسمان:
стр. 1755
أحدهما: ما يملك، وهو: ما مضى من إحياء الموات.
والثاني: إقطاع إرفاق لا تمليك فيه؛ كالمقاعد في الأسواق، والطرق الواسعة.
إذا قعد رجل في طريق للبيع والشراء: فإن كان يضيق الطريق على المارة: منع منه، وإن لم يضيق: فلا يمنع، سواء قعد بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ لاتفاق الناس عليه في جميع الأمصار من السلف والخلف.
ويجوز للسلطان إقطاعه؛ لكنه لا يملكه، بل يكون أولى بالمكان الذي قعد فيه، وبما حواليه قدر ما يضع فيه متاعه، ويقوم فيه المشتري، فلو قعد بقربه من يضيق المكان عليه، لوضع أمتعته، أو يمنع الناس عن رؤية متاعه: يمنع من ذلك، وله أن يظلل عليه بما لا يضر بالمارة من تارية أو ثوب؛ لأنه لا يستغني عنه، ويمنع من أن يبني دكة؛ لأنه يضيق به الطريق، ويعثر به الضرير، والبصير بالليل، وإذا أقطعه السلطان موضعاً: كان أحق به؛ سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل؛ لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه: ثبتت يده عليه.
وإذا قعد في موضع، ثم فارقه على ألا يعود: لم يكن له [منع] غيره من القعود فيه، وغن فارقه لشغل حتى يعود، أو عاد إلى بيته، بالليل، ثم رجع في اليوم الثاني: كان أولى به، فإن رجع في اليوم الثاني، وقد قعد فيه غيره: يزعج، وإن طال قعوده في مكان: هل يمنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ثبتت له اليد بالسبق إليه.
والثاني: يمنع؛ حتى لا يصير كالمتملك له.
وقال الإصطخري: إذا عاد إلى بيته بالليل، ثم رجع في اليوم الثاني، وقد سبقه غيره: كان الثاني أولى به؛ كالمسجد.
والأول أصح، بخلاف المسجد: فإنه مكان عبادة وموضع قربة ينتابه الناس؛ فالسابق أولى به في أي وقت جاء؛ لقول النبي- ﷺ "مني مناخ من سبق".
ولو غاب عن مقعده في السوق أو الطريق يوماً أو يومين؛ لشغل: من مرض أو سفر، ثم عاد: كان أولى به، فإن طالت مدة غيبته: بطل حقه، ولغيره أن يقعد فيه، وإن سبق اثنان
стр. 1756
إلى موضع: فيه وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام أحدهما، ولا تجيء القسمة؛ لأنه لا يملك، وإن كان الرجل جوالاً: يقعد كل يوم في موضع آخر، فإذا فارق مكانه، وقعد فيه غيره: كان الثاني أولى به؛ وكذلك: الأعراب إذانزلوا منزلاً بالبادية: كانوا أولى به، وبما حواليه قدر ما يحتاجون إليه لمرافقهم، ولم يكن لغيرهم مزاحمتهم فيها، وإذا أرسلوا نعمهم في شعب: لم يكن لغيرهم تنحيتهم وغرسال نعمهم فيه، فإذا فارقوا ذلك المكان: لم يكن لهم منع غيرهم عن نزوله.
وكذلك: الرباط الموقوف والخان الموقوف، إذا قعد أحد النازلين في موضع، ثم خرج لشراء شيء أو لشغل، ثم عاد: كان أولى بمكانه، سواء نقل متاعه أو لم ينقل؛ لأنه يخاف على متاعه لو تركه.
وكذلك: إذا أخذ بيتاً، وغاب أياماً قليلة، ثم عاد: كان أولى ببيته، فإن طالت غيبته، ثم عاد وقد أخذ المكان غيره: لم يزعج.
وكذلك: لو قعد في المسجد في موضع، ثم قام لقضاء حاجة أو تجديد وضوء، فناداه رجل، أو قام لينادي رجلاً، ثم عاد: كان أولى به، سواء ترك إزاره أو لم يترك، أما إذا خرج لغير عذر، أو عاد إلى بيته بالليل، فسبقه غيره في اليوم الثاني: كان الثاني أولى به.
فصلٌ في المياه
روي عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار".
стр. 1757
الماء الجاري في نهر أو عين غير مملوكة؛ مثل: الفرات ودجلة: مباح لكل من أخذه؛ فإن دخل شيء منه ملك الغير، أو السيل دخل ملكه: فهو على أصل إباحته؛ فإن جرى وخرج عن ملكه فكل من شاء- أخذه.
وإذا اجتمع في الملك: فهو على إباحته، غير أنه لا يجوز لأحد دخول ملكه، لأخذه بغير إذنه، فلو دخل وأخذه في إناء ملكه على أصح الوجهين.
وفيه وجه آخر: لصاحب الملك أن يسترده؛ كما قالوا في فرخ الطائر.
وكذلك: إذا كان الماء في موات: فهو متشرك بين الناس؛ فإن حضره جماعة: أخذوه، وإن أتاه رجلان، وكان الماء في بئر، أو عين، ولم يمكنهما الاستقاء معاً: فمن سبق إليه- كان أولى به، وإن جاءا معاً- أقرع بينهما، وهذا الماء هو المراد من قوله- ﵇: "الناس شركاء في ثلاث".
وكذلك: الكلأ إذا كان في موات، والنار الموقدة من حطب في موات لم يحتطب: يكون الناس شركاء فيه، فلو أخذ رجل شيئاً من ذلك الماء [في إناء]: ملكه وليس للغير أن يزاحمه فيه؛ وكذلك: الكلأ والحطب إذا جمعه إنسان: ملكه، فإذا أوقد منه ناراً: فليس لغيره أن يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه.
أما إذا نبع الماء من عين في ملكه، أو بئر، أو حفر بئراً في موات للتملك، فظهر الماء: هل يكون ذلك الماء ملكاً له؟ فيه وجهان.
стр. 1758
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: لا يكون ملكاً له؛ حتى يحوزه في إناء أو حوض؛ لظاهر الخبر.
والثاني: نص عليه في رواية حرملة، وهو قول ابن أبي هريرة: هو ملك له؛ لأنه نماء ملكه؛ كثمرة الشجرة حتى قال: يقطع سارقه.
ومن قال بالأول، قال: الدليل على أنه ليس يملك: أن مستأجر الدار يجوز له أن ينتفع بماء البئر بالاتفاق.
ولو كان ملكاً لصاحب الدار: لم يجز له أن ينتفع به فكذلك: من اشترى داراً فيها بئر ماء، فنزح شيئاً من ماء البئر، ثم وجد بالدار عيباً: يجوز له الرد؛ لأنه لم يتولد من ملكه؛ بخلاف الثمرة، بل حصل في ملكه كطير دخل أرضه: لا يملكه مالك الأرض.
ولو نبع الماء من ملكه، فجرى، وخرج عن ملكه، [فأخذه غيره]: فعلى قول أبي إسحاق: ملكه من أخذه، وعلى قول ابن أبي هريرة: لا يملكه، ويسترده مالك الأرض.
ولو دخل رجل أرضه دون إذنه، وأخذ شيئاً منه: عصى بالدخول؛ ولكنه يملك الماء على قول أبي إسحاق، وعلى قول ابن أبي هريرة: لا يملكه.
ولو باع مالك الأرض الماء- نُظر: إن باعه بعد ما أحرزه في إناء، أو حوض: جاز. قال الشيخ- ﵀ إذا كان يعرف المشتري عمق الحوض، وإن باعه في قراره: لا يجوز؛ لأنه مجهول.
وعند أبي إسحاق: غير مملوك.
ولو باع عشرة أصوع من ذلك الماء: [فإن كان] جارياً؛ مثل ماء القناة: لا يجوز، وإن لم يكن جارياً؛ مثل ماء البئر: فعلى قول أبي إسحاق: لا يجوز؛ لأنه غير مملوك، وعلى الوجه الآخر: يجوز؛ كما لو باع صاعاً من صبرة حنطة.
وقال الشيخ القفال: لا يجوز- أيضاً- لأنه إذا نزح شيئاً منه-: يزداد، فيعطى ما لم يكن موجوداً.
والأصح: جواز بيعه على هذا الوجه؛ لأن الذي يزيد قليل؛ فيعفى كما لو باع القت في الأرض بشرط القطع: يجوز، وإن كان يزداد شيئاً إلى أن يفرغ من قطعه.
أما إذا باع الماء مع موضعه- نظر: إن كان الماء جارياً، فقال: بعتك هذه القناة مع الماء
стр. 1759
:لم يجز، وإن لم يكن جارياً كالماء والبئر؛ فعلى قول ابي إسحاق: لا يجوز؛ لأنه باع ما لا يملك.
وعلى الوجه الآخر: يجوز.
ولو باع البئر مطلقاً، أو باع داراً فيها بئر ماء: جاز، ثم على قول أبي إسحاق: يصير المشتري أحق بذلك الماء؛ كما كان البائع أحق به.
وعلى الوجه الآخر: الموجود- يوم البيع- لا يدخل في البيع، وما ينبع بعده: يكون للمشتري.
ولو باع جزءاً مشاعاً من القناة أو البئر: جاز، وما يحدث يكون مشتركاً بينهما حقاً؛ على قول أبي إسحاق، وملكاً على الوجه الآخر.
ولو حفر رجل بئراً في موات، نظر: إن حفر للارتفاق لا للملك: فما دام هناك- فهو أولى به، ولم يكن له منع الغير من الاستقاء.
ولا يمنع فضل الماء عن المواشي؛ لما روي عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي- ﷺ قال: "من منع فضل الماء، ليمنع به الكلأ: منعه الله فضل رحمته يوم القيامة"، ولكن لا يلزمه إعارة الدلو والرشاء للاستقاء.
стр. 1760
ولو أراد غيره أن يسقي زرعه له منعه؛ لأن حرمة الحيوان أعظم، فإذا فارق هو ذلك المكان: لم يكن له منع الغير عن ذلك الماء، والارتفاق به؛ كمن نزل على ماء مباح: كان أولى به، فإذا فارقه: لم يكن له منع الغير.
أما إذا حفر بئراً في الموات للتملك أو نبع من ملكه عين ماء: لا يجب عليه أن يسقي من فضله، زرع الغير، سواء قلنا: يملك الماء أو لا يملك.
ويجب أن يسقي ماشية الغير مما فضل منه، فإن لم يفعل: عصى الله تعالى؛ للحديث، وقال أبو عبيد بن حريويه: لا يجب، بل يستحب كما لا يجب بذله للزرع، ولا بذل الحبل والرشاء للاستقاء، وكما لا يجب بذل الكلأ؛ والأول أصح، وليس كالكلأ؛ لأنه لا يستخلف عقيب الأخذ؛ فربما يحتاج إليه المالك لماشيته قبل أن يستخلف، والماء مستخلف عقيب الأخذ، ويجب أن يسقي الماشية مجاناً لا يجوز أخذ العوض عليه؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي- ﷺ : "نهى عن بيع فضل الماء".
стр. 1761
وقيل: يجوز أن يأخذ عليه العوض؛ كما يجب عليه إطعام المضطر، وله أخذ العوض عليه.
والأول المذهب؛ للحديث، ولأن الماء يخلف ما دام في منبعه؛ بخلاف الطعام؛ حتى لو كان الماء محرزاً في إناء، أو حوض: فلا يجب أن يسقي به الغير، إلا أن يكون مضطراً؛ فيجب عليه أن يسقيه، وله أخذ العوض عليه، فإذا كان لجماعة حق في ماء يسقون منه- نُظر: إن كان الماء في نهر عظيم غير مملوك مثل الفرات ودجلة وما أشبههما من الأودية: فلا ضيق فيه على الناس، فمن شاء أن يسقي منه متى شاء، له ذلك، وإن كان الماء في ساقية [أو نهر صغير- نظر: إن كانت الساقية غير مملوكة بأن كان الماء يجري من] نهر عظيم في ساقية، فأحيا الناس حولها: فالترتيب فيه: أن يسقي الأول زرعه حتى يبلغ الماء كعبين، ثم يرسله إلى الثاني، ثم إلى الثالث؛ لما روي عن عروة بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج من الحرة، فقال النبي- ﷺ للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك! فتلون وجهه، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك".
فإن احتاج الأول إلى الماء ثانياً قبل أن يصل الماء إلى الآخر: فله حبسه ثانياً، ولو كان قطعتا أرض، إحداهما أعلى لا يبلغ الماء فيها إلى الكعبين، حتى يبلغ في الأسفل إلى الوسط: فليس له أن يسقي كذلك، بل يسقي السفلى إلى الكعبين، ثم يسدها، فيسقي العالية إلى الكعبين.
ولو أراد رجل أن يحي مواتاً، ويجعل شربه من هذا النهر: لم يكن له ذلك، إن كان يضيق على أهل النهر، ويضرهم؛ لأنهم سبقوا إليه.
ومن ملك أرضاً بالإحياء: ملكها بمرافقها، والنهر من مرافق أراضيهم، فإن لم يضيق عليهم: جاز، وإن كانت الساقية مملوكة: فإن حفر واحد، أو جماعة في موات نهراً يدخله الماء من نهر عظيم: فتلك الساقية مملوكة لهم، والماء غير مملوك؛ لكنهم أحق به؛ لكونه في ملكهم؛ كالسيل: يدخل في ملك الغير، وليس لأحد أن يشق فيه نهراً، ولا أن يدلي فيه دلواً؛ لأنه ينتفع بحريم الغير، ولو تباعد عن الحريم، وألقى إليه الدلو؛ لم يجز؛ لأنه ينتفع بهواء الغير، ثم أهل ذلك النهر:
إن دخلوا في حفره على أن يتساووا: تساووا في الإنفاق، وإن دخلوا على أن يتفاضلوا
стр. 1762
: تفاضلوا في الإنفاق؛ ويكون الماء بينهم على قدر النفقة؛ لأنهم استفادوا ذلك بالإنفاق، وإن وضعوا سقي أراضيهم على المهايأة يوماً يوماً: جاز؛ وليس لأحد حبس الماء من غير مواضعه.
وإن أرادوا قسمة الماء: أجروا الماء إلى مستوى من الأرض يمكن لكل واحد منهم أن يسقي أرضه بما يصيبه من الماء بعد القسمة؛ وينصب خشبة مستوية الأعلى والأسفل، ويفتح فيها كوى بقدر حقوقهم على عدد رءوسهم، ليخرج حصة كل واحد منهم من تلك الكوة إلى أرضه، وليس لأحد منهم تغيير. تلك الكوى بتوسيع ولا تضييق، فلو أراد واحد منهم أن يشق ساقية إلى أرضه قبل بلوغ المقسم- لم يكن له ذلك؛ لأنه تصرف في حريم مشترك، ولا يجوز أن ينصب عليه رحى، فلو نصب رحى على ما ءآخر ورد منتهاه إلى هذه الساقية: لم يكن له ذلك، ولو كان لواحد عليه رسم رحى يدور: لم يبطل.
ولو أراد واحد أن يدير بما فضل له من الماء رحى في ملكه: لم يمنع منه، والله أعلم.
стр. 1763
كتاب العطايا والحبس
روي أن عمر بن الخطاب- ﵁ ملك مائة سهم من خيبر، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالاً لم أصب مثله [قط]، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله فقال رسول الله- ﷺ : "حبس الأصل، وسبل الثمرة".
جملة ما يعطي الرجل من ماله- على وجه التبرع- قسمان:
عطية بعد الموت، وهي: الوصية، وعطية في الحياة، وهي قسمان:
أحدهما: الصدقات المحرمات، وهي: الوقف.
والآخر: الهبات والهدايا.
стр. 1764
ولكل قسم كتاب، والمقصود من هذا الباب: بيان حكم الوقف، وهو: أن يحبس عيناً من أعيان ماله ويقطع تصرفه عنها، ويجعل منافعها لوجه من وجوه الخير؛ تقرباً إلى الله تعالى، وذلك- عندنا- مندوب إليه مستحب.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: الوقف لا يلزم، وإن فعل: فهو كالعارية ومتى شاء رجع إلا أن ينفذه قاض؛ فيلزم.
وقال أبو يوسف: الوقف جائز؛ غير أنه لا يلزم إلا أن يجعل داره مسجداً، وصلى فيه جماعة، أو جعل أرضاً مقبرة، فدفن فيها ميت: تلزم جميعها، والحديث حجة عليهم، واتفاق الصحابة على فعل الوقف، وأنه لم ينقل عن أحد منهم؛ أنه رجع عما وقف مع حاجته: دليل على لزومه.
ويجوز وقف كل عيني مكن الانتفاع بها، مع بقاء عينها، ولم يحلها.
حرمة إبطال: الملك؛ فيجوز وقف الدور والعقارات، ووقف المنقولات من الثياب والدواب والعبيد والأمتعة.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز وقف الحيوانات، وإن حكم به الحاكم؛ وجوز محمد: وقف الخيل.
ولا يجوز وقف المطعومات وما يشم من الرياحين، لأنه لا يمكن الانتفاع به على الدوام.
ويجوز وقف العبد الصغير والحيوان الصغير؛ لأنه يرجى الانتفاع به.
ولا يجوز وقف الزمن الذي لا يرجى [الانتفاع به]، ويجوز وقف العبد الكافر، كتابياً كان أو وثنياً؛ كما يجوز إعتاقه.
ولا يجوز وقف الحمل في البطن؛ كما لا يجوز بيعه.
وفي وقف الدراهم: وجهان: كإجارتها، وفي وقف الكلب المعلم وجهان؛ كإجارته.
ولا يجوز وقف المكاتب، ولا وقف أم الولد؛ لأنه حلها حرمة إبطال الملك.
ويجوز وقف المعلق عتقه بالصفة، فإذا وجدت الصفة: فإن قلنا: الملك في الوقف
стр. 1765
للموقوف عليه: لا يعتق؛ بل هو وقف، وإن قلنا: الملك في الوقف للواقف، أو قلنا: ذلك إلى الله تعالى: عتق بوجود الصفة، وبطل الوقف.
وكذلك: وقف المدبر جائز، ثم إن قلنا: التدبير وصية: بطل التدبير؛ كما لو أوصى لإنسان بشيء، ثم وقفه: يصح، وكان رجوعاً عن الوصية:
وإن قلنا: التدبير تعليق: عتق بصفة؛ فهو كوقف المعلق عتقه بالصفة.
ولو وقف نصف عبد، أو نصف دار مشاعاً: جاز، سواء كان النصف الآخر له أو لم يكن، لأن عمر- ﵁ وقف مائة سهم من خيبر مشاعاً، ولا يثبت به الشفعة؛ لأنه لم يأخذ عليه عوضاً.
وكذلك: لو وقف علو دار دون سفلها، أو وقف سفلها دون علوها: جاز؛ لأنهما عينان؛ فيجوز وقف إحداهما دون الأخرى؛ كالعبدين.
ولو وقف شيئاً غير معين؛ من عبد أو فرس: لم يجز؛ كما لا يصح بيع غير المعين.
فصلٌ فيما يجوز الوقف عليه
ولا يصح الوقف إلا على وجه البر والمعروف؛ مثل: أن يجعل بقعة مسجداً أو رباطاً لنزول المارة، أو يقف شيئاً على الفقراء والمساكين أو أبناء السبيل، أو على العلماء أو القراء أو الحجاج، أو على عمارة المسجد أو القناطر، أو على جماعة متعينين؛ مثل: أولاد فلان، أو على أقاربه: يصح. [والقر والوقف] على ما لا قربة فيه؛ مثل: إن وقف على البيع والكنائس أو على كتبة التوراة والإنجيل: لم يجز؛ لأنه مبدل.
وكذلك: لو وقف على السراق وقطاع الطريق ومن يرتكب المعاصي.
ولو وقف على كافر ذمي: جاز؛ كما يجزو التصدق عليه، والوصية له، ولو وقف على حربي أو مرتد: لم يجز؛ لأنه مأمور بقتلهما؛ فلا معنى للوقف عليهما.
وقيل: يجوز؛ كالذمي، ولو وقف على وارثه شيئاً من صحته: جاز؛ فإن وقف في مرضه: فهو كالوصية له، ولا يصح الوقف على من يملك؛ مثل: أن يقف على العبيد، وعلى الحمل في البطن، ولو وقف على دابة فلان: فيه وجهان:
стр. 1766
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يملك؛ فلا معنى للوقف عليه.
والثاني: يجوز، ويكون وقفاً على مالكها.
ولو وقف شيئاً على فنسه: لا يجوز؛ لأن الوقف يقتضي حبس العين، وتمليك المنفعة، والعين قبل الوقف محبوسة عليه ومنفعة له؛ فلا معنى للوقف على نفسه.
وقال أبو عبد الله الزبيري- وهو قول أبي يوسف: يجوز؛ وبه قال بعض أصحابنا؛ لأن الملك في الوقف يزول إلى الله تعالى، وقبل الوقف: كان للواقف، وإن قلنا: باق على ملك الواقف: يصح أيضاً؛ لأن استحقاقه وقفاً غير استحقاقه ملكاً، لتغاير أحكامهما.
وكذلك: لو وقف حائطاً أو شيئاً على الفقراء؛ على أن يأكل هو من ثمرته، أو ينتفع به: فيه وجهان:
الأصح: أنه لا يجوز.
وقيل: يجوز؛ لأن عثمان- ﵁ وقف بئر رومة، وقال: "دلوي فيها كدلاء المسلمين".
والأول المذهب؛ وكان دخول عثمان- ﵁ في عموم الوقف من غير شرط.
ويجوز أن يدخل في العام من لا يدخل في الخاص؛ كما أن المساجد موقوفة، والوقف صدقة، وكان النبي- ﷺ يصلي في المساجد، مع أنه كان لا يأخذ الصدقة.
وكذلك: لو قال: وقفت هذا على فلان: فإذا مات عاد إلي: لا يصح؛ على ظاهر المذهب.
ولا يصح تعليق الوقف على شرط؛ فيقول: إذا قدم فلان فقد وقفت، وإذا جاء رأس شهر فقد وقفت؛ كما لا يصح تعليق البيع.
ولا يصح بشرط الخيار فيه، ولا يشترط أن يرجع فيه متى شاء، أو يدخل فيه من شاء، ويخرج من شاء؛ لأنه إخراج مال عن ملكه على وجه القربة منجزاً؛ كالصدقة.
ولا يجوز إلى مدة؛ كالعتق.
ويشترط أن يكون الوقف على معلوم، ويرد انتهاؤه إلى ما لا ينقطع؛ وذلك من وجهين:
стр. 1767
أحدهما: أن يقف على ما لا ينقرض؛ مثل: أن يقف على الفقراء والمساكين، أو المجاهدين، أو العلماء وما أشبههما؛ فيصح.
والثاني: أن يقف على ما ينقرض، ثم بعده على ما لا ينقرض مثل أن يقف على رجل بعينه، ثم على عقبه، ثم على الفقراء؛ فيصح، وإن كان الوقف منقطع الابتداء والانتهاء؛ مثل: إن وقف على رجل غير معين أو على من يختاره فلان، أو على ولد فلان، وليس له ولد، أو على أولادي الذين يحدثون، أو على مسجد سيبنى: لا يصح على الصحيح من المذهب؛ وكذلك: لو قال: وقفت هذه، ولم يزد عليه: فالصحيح أنه لا يصح، وهو باق على ملك الواقف؛ لأنه لم يبين له مصرفاً.
وفيه قول آخر: أنه يكون وقفاً؛ لأنه رضي أن يتقرب به، وإن لم يبين [له مصرفاً]؛ كما لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا: يصح، وإن لم يبين مصرفه: فعلى هذا: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس؛ لأن العادة قد جرت أن الإنسان إذا أراد أن يتصدق: يبدأ بأقاربه؛ فيجعل كأنه صرح به، فإذا لم يبق أحد منهم: صرف إلى الفقراء أو المساكين.
وفيه وجه آخر لابن سريج: أنه يجوز للقيم أن يصرفه في أي وجوه البرشاء مما يعود إلى صلاح المسلمين من أهل الزكاة، وإصلاح القناطر وسد الثغور ودفن الموتى وسائر وجوه البر؛ كما لو وقف شيئاً على وجوه البر: صرف إلى جميع هذه الوجوه.
وإن كان الوقف معلوم الابتداء، منقطع الانتهاء؛ مثل: إن قال: وقفت هذا على زيد، ولم يزد عليه، وقال: وقفته على زيد، ثم على عقبه، ولم يزد عليه، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي، ولم يزدعليه، أو قال: على أولادي، ثم على مجهول: من حمل أو شخص لم يسمه: ففيه قولان:
أحدهما: أن الوقف باطل، لأن شرط الوقف أن يكون مؤبداً، وهو إذا لم يزد منتهاه إلى ما لا ينقطع: فكأنه لم يؤبده؛ كما لو قال: وقفته خمسين سنة: لا يصح.
والثاني: وهو الاصح، والمنصوص عليه: أنه يصح؛ لأنه رضي بزوال حقه عنه إلى غيره.
فعلى هذا: تصرف غلته إلى من عينه، ثم [بعد من عينه] إلى أقرب الناس بالمحبس، ثم من بعدهم إلى الفقراء والمساكين؛ فإن لم يكن للواقف قريب: يصرف إلى الفقراء والمساكين.
стр. 1768
وإن كان الواقف مجهول الابتداء معلوم الانتهاء؛ بأن وقف على رجل مجهول، أو على حمل أو على ولدي ولا ولد له، أوعلى مسجد سيبنى، ثم على الفقراء، أو وقف على من لا يجوز، ثم [على من يجوز]؛ مثل: أن وقف على عبده، ثم على الفقراء: ففيه طريقان:
أحدهما: هو على قولين؛ كما لو كان معلوم الابتداء مجهول الانتهاء.
والثاني: لا يصح ههنا قولاً واحداً، وهو الأصح والمنصوص عليه؛ لأن الابتداء، إذا كان مجهولاً: لا يمكن ترتيب الآخر عليه، وإذا كان الابتداء معلوماً: أمكن الترتيب على المعلوم.
فإن قلنا: يصح: فما حكمه في الحال؛ لا يخلو: إما إن كان الأول الذي لم يصح الوقف عليه: يمكن اعتبار انقراضه، أو لا يمكن: فإن لم يكن اعتبار انقراضه بأن وقف على رجل غير معلوم، أو على ولده ولا ولد له: كان وقفاً في الحال على الفقراء الذين سماهم؛ [لأن ما لا] يمكن اعتبار انقراضه [يكون ذكره لغواً، وإن أمكن اعتبار انقراضه] بأن وقف على عبد أو على وارثه في مرضه، أو على زيد، ثم على الفقراء فرده: ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يصرف في الحال إلى الفقراء، وذكر الأول لغو، لأن الوقف عليه غير صحيح، وقد وجدنا ههنا مستحقاً سماه الواقف؛ فلا معنى للصرف إلى من لم يسمه.
والثاني: يصرف في الحال إلى أقرب الناس بالمحبس إلى أن ينقرض الموقوف عليه الأول، ثم بعد انقراضه: صرف إلى الفقراء؛ لأن تركه على ملك الواقف: لا يمكن، لأنه أزال ملكه، ولا يمكن صرفه إلى الفقراء؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال، وهو انقراض الأول.
والثالث: هو باق على ملك الواقف، ثم بعده: لوارثه، ما لم يمت الأول؛ فإذا مات الأول- فحينئذ: يكون للفقراء؛ لأنه لم يجعل للفقراء شيئاً في حياة ذلك الرجل؛ فيكون باقياً على ملك الواقف.
قال الشيخ: يحتمل أن يقال: إذا وقف على زيد، فرده: لا يرتد، وهو الأصح عندي، خصوصاً على قولنا: إن الملك في الوقف زال إلى الله تعالى؛ كما لو أعتق عبده، فرده العبد: لا يرتد العتق.
وإن كان الوقف معلوم الطرفين مجهول الواسطة: يرتب على ما لو كان معلوم الابتداء مجهول الانتهاء: إن قلنا: هناك: يصح فهننا أولى وإلا فوجهان، والأصح: جوازه.
стр. 1769
فعلى هذا: إذا انقرض الأول: صرف إلى أقرب الناس بالمحبس، ثم بعدهم: إلى من سماه في الانتهاء، وإن كان مجهول الطرفين معلوم الواسطة: يرتب على معلوم الابتداء، إن قلنا ثم: لا يجوز فههنا: أولى؛ وإلا فوجهان، وإن جوزنا: ففي الحال: إلى من يصرف؟ فعلى ما ذكرنا من الاختلاف، فحيث قلنا: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس: هل يختص به فقراؤهم أم يسوى بين الفقراء، والأغنياء؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسوى بين الكل؛ لأن الكل في القرب منه سواء.
والثاني: يصرف إلى المحاويج منهم، لأن العادة جرت أن الإنسان يتصدق على فقراء أقاربه، وهو لو وقف داراً على زيد شهراً؛ على أنه تعود ملكاً له بعد الشهر: فالمذهب: أنه لا يصح، لأن شرط الوقف، وهو التأبيد: لم يوجد.
وفيه قول آخر: أنه يصح، لأنه رضي بزوال ملكه في الحال؛ فعلى هذا: ما حكمه بعد مضي الشهر؟ فيه قولان:
أحدهما: حكمه حكم ما لو كان معلوم الابتداء مجهول الانتهاء؛ فبعد انقراض المعلوم: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس.
والثاني: يعود بعد مضي الشهر إلى ملك الواقف؛ كما لو أجر، أو أعار داره مدة، فبعد مضي المدة: تعود إليه.
ولو وقف داراً على زيد وعمرو، ولم يقل بعدهما على من، وجوزنا، فمات أحدهما، ففي نصيب الميت قولان:
أحدهما: يكون للآجر، فما دام أحدهما موجوداً: فلا يصرف إلى غيرهما.
والثاني: حكم نصيب الميت حكم نصيبهما، لو ماتا جميعاً، وإذا جعل آخر وقفه الفقراء أو المساكين: جاز، وكذلك: القناطر والرباطات، ولو جعل آخره مساجد معينة أو قناطر أو رباطات معينة: فقد قيل: يجوز؛ كما لو جعل آخره الفقراء.
وقيل: هو كما لو كان الوقف منقطع الانتهاء؛ لأن المسجد المعين قد يخرب، والفقراء لا يعدمون.
فصل في ألفاظ الوقف
وهي ثلاثة:
الوقف، والتحبيس، والتسبيل؛ وهي صرائح، قال النبي- ﷺ : "حبس الأصل، وسبل
стр. 1770
الثمرة" فإذا قال: وقفت داري على الفقراء، أو: حبست أو: سبلت، أو: داري هذه موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو حبس ثم الوقف.
ولفظ "الصدقة" كناية، لأنه يستعمل في غير الوقف؛ فلا يحصل الوقف بقوله: تصدقت؛ حتى ينوي، أو يقول: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو صدقة مؤبدة، أو محرمة، أو صدقة لا تُباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأن هذه اللفظة مع هذه القرائن: لا تحتمل إلا الوقف.
أما لفظ "التأبيد" و"التحريم" بأن يقول: حرمت هذه الدار، أو: أبدت، أو: داري هذه محرمة مؤبدة-[هل يكون صريحاً في الوقف؟ فيه وجهان:
أحدهما]: يكون صريحاً؛ كما لو قال: صدقة محرمة أو مؤبدة.
والثاني: لا يكون صريحاً إلا بإحدى القرائن؛ لأنه لم تثبت في عرف الشرع، ولا في عرف اللغة.
ولا يحصل الوقف إلا باللفظ؛ فإن من بنى مسجداً، أو صلى فيه، أو أذن للناس بالصلاة فيه، أو جعل أرضاً مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها: لا يحصل الوقف؛ كما لا يحصل العتق إلا باللفظ.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا أذن للناس بالصلاة في المسجد، أو بالدفن في الأرض، فدفن واحد: زال ملكه، ويلزم الوقف بنفسه من غير تسليم، ولا قضاء قاض.
ولا يجوز بيعه ولا هبته.
ولا يجري فيه الإرث، ولا يجوز تغييره عن شرط الواقف؛ فتكون منفعة الوقف للموقوف عليه؛ فيبذل من غلته لعمارته، شرط الواقف أو لم يشرط؛ لأنه لا يبقى من غير عمارة، ثم يصرف الفضل إلى الموقوف عليه.
ورقبة الوقف لمن تكون؟ فيه أقوال:
أصحها: وهو المذهب: زوال الملك عنه إلى الله تعالى؛ كما في العتق: يزول الملك عن رقبة العبد إلى الله تعالى، والمنفعة للعتيق.
والاثني: الملك للموقوف عليه؛ لأن العقد ورد على رقبة المال، فيوجب زوال ملكه؛ كما لو باعه.
стр. 1771
والثالث: للواقف؛ كأنه بالوقف حبسه على حكم ملكه؛ ولذلك سمي حبساً، وهذا ضعيف، وبعضنا ينكر هذا القول.
وإذا وقف على مسجد، أو رباط، أو على جماعة غير متعينين: يلزم من غير قبول.
فإن قال: جعلت هذا المكان مسجداً: لا يصير مسجداً؛ لأنه لم توجد ألفاظ الوقف؛ تفرد القاضي بهذا الفرع.
فإن قال: جعلته للمسجد: فهو تمليك للمسجد، ويشترط قبول القيم وقبضه؛ كما لو وهب لصبي شيئاً: يشترط قبول قيمه.
ولو وقف عليه: يلزم بلا قبول.
ومن أصحابنا من قال: إذا وقف على رجل معين، أو على جماعة معينين بشرط قبولهم، ويرتد بردهم.
قال الشيخ- ﵀ ويحتمل ألا يشترط قبولهم، ولا يرتد بردهم؛ لأنه بمنزلة عتق العبد، والعتق لا يرتد برد العبد، والعتق لا يرتد برد العبد، ولا قبوله شرط، وهذا هو الأصح عندي خصوصاً على قولنا: إن الملك من رقبة الوقف يزول إلى الله، .
ونفقة العبد الموقوف تكون في كسبه، إن كان كسوباً، وإن لم تكن له كسب على من يجب؟ يبنى على أقوال الملك؛ إن قلنا: الملك للموقوف عليه: فنفقته عليه، وإن قلنا للواقف: فعليه إن كان حياً، فإن مات، أو قلنا: زال الملك إلى الله تعالى: فنفقته في بيت المال؛ كما لو أعتق عبداً، ولا كسب له: تكون نفقته في بيت المال، ولا تجب فطرته على [أحد، على] الأقوال كلها؛ كما لو اشترى قيم المسجد للمسجد عبداً: تكون نفقته في غلة المسجد، ولا تجب فطرته على أحد؛ بخلاف ما لو وقف نخلة على جماعة معينين: كانت ثمرتها لهم، وعليهم زكاتها؛ لأن الزكاة- هناك- تجب من الثمار، وهي مملوكة لهم، وصدقة الفطر: تجب في الرقبة، الرقبة غير مملوكة لهم حقيقة ملك.
ولو جنى العبد الموقوف جناية موجبة للقصاص: فللمجني عليه أن يقتص: فإن عفا على مال، أو كان موجباً للمال؛ فلا يمكن بيعه في الجناية- فعلى من يجب الضمان:
إن قلنا: الملك للموقوف عليه: فعليه أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته، وإن قلنا: للواقف: فعليه، وإن قلنا: زال إلى الله تعالى: فعلى ثلاثة أوجه:
стр. 1772
أحدها: يجب في بيت المال؛ لأنه ليس بملك لأحد.
والثاني: تكون من كسبه؛ لأنه كان في محلة الرقبة، والكسب مستفاد منها.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق، وهو الأصح: يكون على الواقف؛ لأنه منع من بيعها بالوقف؛ كما لو جنت أم الولد: يجب على السيد أرش الجناية؛ لأنه منع من بيعها بالاستيلاد.
ولو قتل العبد الموقوف- ينظر: إن قتله أجنبي أو الواقف: يؤخذ منه قيمته، ويشترى بها عبداً آخر يوقف مكانه، على الأقوال كلها.
وقيل: إذا قلنا: الملك في رقبته للموقوف عليه: تكون القيمة له ملكاً؛ كالكسب، وليس بصحيح؛ لأنه تعلق به حق البطن الثاني؛ فلا يجوز إبطاله وإن قتله الموقوف عليه: إن قلنا: إذا قتله أجنبي تكون القيمة له: فلا تجب عليه القيمة، وإن قلنا: يشتري بها عبداً آخر: فتؤخذ منه القيمة، ويشتري عبداً آخر؛ فيوقف مكانه؛ وهو المذهب.
ولو قطع طرف منه: ففي الأرش وجهان:
أحدهما: يكون للموقوف عليه، كالكسب.
والثاني: وهو كالأصل: يشتري به شقص عبد، فيوقف، وهل يجوز تزويج الجارية الموقوفة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه عقد على منفعتها؛ كما يجزو إجارتها.
والثاني: لا يجوز، لأن التزويج ينقص قيمتها؛ فربما تحبل، فتهلك في الولادة، فيدخل الضرر على من بعدها، وإن جوزنا تزويجها، فمن يزوجها؟
إن قلنا: الملك فيها للموقوف عليه: ينفرد هو بتزويجها، وإن قلنا: للواقف: زوجها الواقف بإذن الموقوف عليه، وإن قلنا: زال إلى الله تعالى: زوجها الحاكم بإذن الموقوف عليه، وشرطنا إذن الموقوف عليه؛ لأن له حقاً في منافعها، ويكون المهر للموقوف عليه؛ على الأقوال كلها؛ كالكسب.
وإذا أتت بولد من زوج أو زنا، وكان الموقوف بهيمة، فولدت: ففي الولد وجهان:
أحدهما: يكون للموقوف عليه ملكاً؛ لأنه من منافعها؛ كالكسب، ولبن البهيمة وصوفها كله يكون للموقوف عليه.
والثاني: الولد يكون وقفاً، كالأم وولد أم الولد يكون في معنى الأم.
стр. 1773
ولا يجوز وطء الجارية الموقوفة لا للواقف، ولا للموقوف عليه، كما لا يجوز للأجنبي، لأنه ليس لهما حقيقة ملك، فلو وطئت الجارية الموقوفة- نُظر: إن وطئها أجنبي: عليه الحد، إن كان عالماً؛ كما لو وطأ جارية الغير، والولد رقيق؛ كما ذكرنا.
وإن وطئها بشبهة: فلا حد، ويجب المهر، ويكون للموقوف عليه؛ كالكسب، فإن استولدها: فالولد حر، وعليه قيمته، ثم إن جعلنا الولد كالكسب: تكون القيمة للموقوف: [عليه]، وإن جعلناه كالأم: يشتري بتلك القيمة عبد، فيوقف.
ولو وطئها الموقوف عليه عالماً: فقد قيل: لا حد عليه؛ لأنه يملكها في قول، وفي قول: له شبهة الملك.
والصحيح: أنه يبنى على أقوال الملك: إن قلنا: الملك له: لا حد عليه؛ وإلا فيجب؛ لأن ملك المنفعة لا يوجب سقوط الحد؛ كما لو استأجر جارية لعمل، فوطئها: يجب الحد، ولا مهر، وإذا استولدها: فالولد رقيق: ملك أو وقف؛ على اختلاف الوجهين، وإن وطئها بالشبهة: فلا حد ولا مهر عليه؛ لأن المهر بمنزلة الكسب، وكسبها له، فإن استولدها: يكون الولد حراً، وهل تؤخذ قيمته؟ إن قلنا: الولد كالكسب: لا يؤخذ، وإن قلنا: بمنزلة الأم: تؤخذ قيمته فيشتري به عبد آخر، فيوقف، وإن جعلنا الملك للموقوف عليه: يصير أم ولد له، يعتق بموته، ثم يكون كفيلها، وتؤخذ القيمة من تركته، فيشتري جارية أخرى توقف.
وإن وطئها الواقف عالماً: إن قلنا: الملك له: لا حد عليه، وعليه المهر للموقوف عليه، وإن استولدها تصير أم ولد له، تعتق بموته، فتؤخذ القيمة من تركته؛ فيشتري بها جارية أخرى، فتوقف عليه، وإن قلنا: ليس الملك له: عليه الحد، والمهر، وإذا استولدها: فالولد رقيق: وقف، أو ملك؛ على اختلاف الوجهين، ولا تصير الجارية أم ولد له، وإن وطئها جاهلاً: فلا حد، وإذا استولدها: فالولد حر ثابت النسب، وعليه قيمته، ويكون ملكاً للموقوف عليه، أو يشتري بها عبداً، فيوقف؛ على اختلاف الوجهين، وإن جعلنا الملك للواقف: تصير الجارية أم ولد له، تعتق بموته؛ فتؤخذ القيمة من تركته، فيشتري بها جارية توقف.
ولو أعتق العبد الموقوف: لا يعتق على الأقوال كلها، سواء أعتقه الواقف أو الموقوف عليه؛ لأنا- وإن قلنا: الملك لأحدهما- فهو ملك ضعيف.
стр. 1774
فصل في مراعاة شرط الوقف
يجب مراعاة شرط الواقف في الوقف، فتصرف الغلة إلى الموقوف عليهم على شرطه من التسوية والتفضيل، والجمع والترتيب، فإن قال: وقفت هذا على أولادي: دخل من ولده فيه الذكر والأنثى والخنثى؛ لأن الكل ولده، وهل يدخل فيه ولد الولد؟ فعلى وجهين:
أصحهما: لا يدخل؛ لأن إطلاقه يتناول ولد الصلب.
والثاني: يدخل؛ لأن الشافعي- ﵁ نص على أنه لو أوصى لإنسان بمثل نصيب أحد أولاده، وله بنت وبنت ابن: يصرف إليه السدس، فجعل ولد الابن ولداً.
ولو قال: على أبنائي: يصرف إلى الذكور دون الإناث، ولا يدخل فيه الخنثى المشكل؛ لأنا لا نعلم أنه ابن، ولا يدخل فيه أولاد البنات، وهل يدخل فيه بنو البنين؟ فعلى الوجهين.
ولو قال: على بناتي: يصرف إلى الإناث دون الذكور، ولا يدخل فيه الخنثى المشكل؛ لأنا لا نعلم أنه من البنات، ولو وقف على البنين والنبات، هل يدخل الخنثى المشكل فيه وجهان:
أحدهما: لا يدخل؛ لأنه لا [يعد من البنين ولا من البنات].
والثاني: يدخل؛ لأنه لا يخلو من أن يكون ابناً أو بنتاً، وهذا أصح.
ولو قال: على أولادي وأولاد أولادي: دخل فيه أولاد البنين والبنات من الذكور والإناث والخناثى.
ولو قال: على أولادين ولا ولد له، أو قال: على أولادي الذين يحدثون: لم يصح؛ هذا هو المنصوص في عامة كتبه.
ولو قال: على أولادين وله أولاد، وحدث بعده آخرون: يصرف إلى الموجودين والذين حدثوا جميعاً.
وكذلك: لو قال: على عشيرتي، وله عشيرة، وحدث في عشيرته واحد: صرف إلى الكل.
وقال البويطي- ﵀ في العشيرة: لا يصرف إلى الحادث، ولعله يقول في الولد كذلك.
стр. 1775
أما إذا قال: على أولادي الموجودين، وعلى من يحدث: صح الوقف على الكل؛ كما لو قال: وقفت هذا على مسجد ليس مبنياً: لا يصح الوقف على ظاهر المذهب، فإن قال: على مسجد كذا، وعلى كل مسجد يبنى في تلك المحلة: صح على الموجود، وعلى ما يبنى بعده.
ولو قال: على أولادي، وله أولاد، وحمل في البطن، فانفصل: يستحق الحمل مما يحدث من الغلة بعد انفصاله دون ما حدث من قبل، حتى لو كان الموقوف نخلة، فخرجت ثمرتها قبل خروج الحمل من البطن، ثم خرج: لا يكون له من تلك الثمرة نصيب.
ولو نفى بعض أولاده باللعان: فال نصيب لهم في الوقف، وإن استلحقهم بعد ما نفاهم: دخلوا في الوقف.
ولو قال: وقفت على، نسلي أو عقبي أو ذريتي: دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، قربوا أو بعدوا؛ لأن الكل نسله وعقبه وذريته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ...﴾ [الأنعام: ٨٤] الآيات؛ جعل هؤلاء من ذرية إبراهيم، وهم كانوا أولاد الأولاد.
ولو وقف على أولاد أولاده الذين ينسبون إليه- لا يدخل فيه أولاد البناـ، ويدخل فيه أولاد البنين من الذكور دون الإناث.
ولو قال: على عترتي: قال ابن الأعرابي وثعلب: هم ذريته، وقال القتيبي: هم عشيرته.
ولو قال: على عشيرتي: فهم قرابته.
ولو قال: وقفت هذا على أولادي، فإن انقرض أولادي وأولاد أولادي- فعلى الفقراء-: فقد قيل: يدخل فيه أولاد الأولاد؛ لأنه لما شرط انقراضهم: دل أنهم مستحقون، والصحيح: أن هذا وقف منقطع الواسطة؛ لأنه لم يشرط لولد الولد شيئاً، وشرط انقراضهم؛ لاستحقاق غيرهم؛ فالوقف يكون صحيحاً؛ على ظاهر المذهب، وبعد انقراض أولاده إلى انقراض ولد الولد: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس، ثم بعد انقراض ولد الولد: إلى الفقراء.
ولو وقف على قرابته: يصرف إلى جميع من يعرف بقرابته؛ يسوى بين القريب والبعيد،
стр. 1776
والفقير والغني، والذكر والأنثى؛ فإن كان أعجمياً: يصرف إلى أقاربه من قبل الأب والأم، وإن كان عربياً: فوجهان:
اصحهما: يصرف إلى أقاربه من جهة الأب؛ لأن العرب لا تفهم من مطلق اسم القرابة، إلا قرابة الأب؛ لأن العرب تفتخر بآبائها، ويصرف إلى أخص أقاربه، فإن وقف على أقارب الشافعي: يصرف إلى أولاد شافع، ولا يصرف إلى أولاد علي والعباس، وإن كانوا جميعاً من أولاد السائب بن يزيد؛ لأنه يعرف قريبه من يشاركه في الانتساب إلى أب يعرف به، فإن حدث قريب بعد الوقف: دخل فيه معهم، ولو وقف على أقرب الناس إليه فيستوي الأولاد ذكورهم وإناثهم، ويقدم الولد على ولد الولد، ويسوى بين ولد الولد من أولاد البنين والبنات، ويستوي الأب والأم: فإن كان له أب أو أم وولد: ففيه وجهان:
أحدهما: هما سواء؛ لأنهما في درجة واحدة في القرب.
والاثني: يقدم الولد؛ لأن الابن أقوى تعصيباً من الأب.
فإن قلنا: هم سواء: يقدم الأب على ابن الابن، ويقدم الابن على الجد، وإن قلنا: يقدم الولد: فيقدم ابن الابن على الأب، ويقدم الأبوان، والولد على الإخوة، فإن لم يكن له أبوان، ولا ولد، وله إخوة، يقدم الأخ للأب والأم على الأخ للأب، وعلى الأخ للأم، ويستوي الأخ للأب مع الأخ للأم، فإن لم يكن له إخوة: صُرف إلى بني الإخوة على ترتيب آبائهم، وإن كان له جد وأخ ففيه قولان:
أحدهما: هما سواء.
والثاني: الأخ يقدم؛ لأن تعصيبه تعصيب الأولاد، فإن قلنا: هما سواء: فالحد أولى من ابن الأخ، والأخ أولى من أب الجد، وإن قلنا: الأخ أولى: فابن الأخ، وإن سفل، أولى من الجد، فإن لم يكن إخوة: صرف إلى الأعمام، وإلى أولادهم على ترتيب الإخوة وأولادهم، وفي العم وأبي الجد قولان: كما في الجد مع الأخ والعم والخال والعمة والخالة سواء.
وإن كانت له جدتان؛ إحداهما تدلي بقرابتين، والأخرى بقرابة واحدة: فالتي تدلي بقرابتين أولى.
ولو وقف على جماعة من أقرب الناس إليه: صرف إلى ثلاثة من أقرب الأقارب، فإن وجد في الأقرب بعض الثلاثة: تمم الثلاث من الدرجة الأبعد، وإن وقف على مواليه: فإن كان له مولى من أعلى: صرف إليه، وإن لم يكن له مولى من أعلى، وله مولى من أسفل: صرف إليه، وإن كان له موال من أعلى وموال من أسفل: ففيه ثلاثة أوجه:
стр. 1777
أحدها: يسوى بينهما؛ لأن الاسم يتناولهما.
والثاني: يصرف إلى الموالي من الأعلى؛ لأن له مزية بنعمة الإعتاق وعصوبة الميراث.
والثالث: الوقف باطل؛ لأنه لا يمكن الحمل عليهما؛ لأن المولى في أحدهما بمعنى، وفي الآخر بمعنى، وليس حمله على أحدهما أولى؛ فبطل.
ولو وقف على جماعة موصوفين من أولاده: يراعى وصفه: فإن قال: على أولادي الفقراء: دفع إلى الفقراء منهم. فمن غني منهم: خرج عن الاستحقاق، ومن كان غنياً، فافتقر: استحق.
ولو قال: على بناتي الأيامى: فمن تزوجت منهن: فلا حق لها فيه، وإن طلقها زوجها: استحقت.
ولو وقف على بني فلان شيئاً- نُظر: إن كانوا محصورين: صرف إلى ذكورهم دون إناثهم، ويجب تعميمهم، وإن كانوا قبيلة؛ مثل بني تميم وبني هاشم، وجوزنا الوقف: صرف إلى الذكور منهم والإناث، وفي صحة الوقف عليهم قولان، كما في الوصية لهم:
الأصح: جوازه، كما لو وقف على جماعة موصوفين؛ مثل: الفقراء والمساكين والغارمين والغزاة: يصح.
وأقل ما يصرف إليهم: ثلاثة، ويجب في الوقف مراعاة ترتيب الواقف؛ فإن قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا: فلا يقدم البعض على البعض، بل يسوى بين ولد الصلب وولد الولد وإن سفلوا من أولاد بنيه وأولاد بناته، ذكوراً كانوا أو إناثاً.
ولو قال: على أولادي، ثم على أولاد ولادي ثم تناسلوا بطناً بعد بطن، أو لم يقل: بطناً بعد بطن: يقدم البطن الأول، وكذا البطن الثاني مع الثالث والرابع، وإن سفلوا.
وكذلك: لو قال: على أولادي وأولاد أولادي؛ الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب: يراعى على الترتيب.
ولو قال: على أولادي وأولاد أولادي بطناً بعد بطن: يسوى بين الكل، وقوله: "بطناً بعد بطن": للتعميم.
وقال الزيادي: يراعى الترتيب، ولو قال: على أولادي، ثم على أولاد أولادي، وأولاد أولاد أولادي ماتناسلوا: يراعى الترتيب بين البطن الأول والثاني، ثم من بعد البطن الأول: يسوى بين الثاني والثالث ومن بعدهم.
стр. 1778
ولو قال: على زيد وعمرو وبكر، ثم على الفقراء، فإذا مات واحد منهم: صرف نصيبه إلى الآخرين، فإذا مات الثاني: صرف الكل إلى الثالث، وما دام واحد من الثلاثة باقياً: لا يصرف شيء منه إلى الفقراء؛ لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراض الثلاثة.
ولو قال وقفت على فلان وفلان وفلان: فإذا مات واحد منهم- فنصيبه لولده، فإن لم يكن له ولد، فلأهل الوقف، فإذا مات واحد منهم، وله ولد: فنصيبه لولده، ثم إذا مات آخر، ولا ولد له: فنصيبه لذلك الولد وللشريك الثالث.
لوو قال: وقفت هذا على أولادي سنة، ثم بعده للفقراء: [جاز، وصرف بعد سنة إلى الفقراء.
ولو قال: وقفت على الفقراء] سنة، ثم بعدها يصرف إلى أولادي عشر سنين، ثم بعد عشر سنين: يصرف إلى الفقراء: جاز، ويراعى شرطه.
ولا يجوز تغيير الوقف؛ فلو وقف بستاناً: لا يجوز أن يُجعل داراً ولو وقف داراً: لا يجوز أن تجعل بستاناً، فلو هدم رجل الدار أو قطع أشجار البستان: يؤخذ منه الضمان، فيبنى ويغرس وينفقه الحاكم: ولو انهدم البناء أو انقلعت أشجار البساتين: يشغل الأرض، فيبنى ويغرس من غلتها.
ولو وقف مسجداً، فخرب أو تخلى أهل المحلة: لا يجوز بيع تلك الأرض؛ لأن ما زال الملك عنه لحق الله تعالى لا يعود [إلى الملك]؛ كما لو أعتق عبداً، ثم زمن، لا يرد إلى الملك، ويجوز أن يصرف ما بقي من الآت ذلك المسجد إلى عمارة مسجد آخر، ولا يجوز أن يصرف إلى عمارة حوض أو بئر، وكذلك البئر الموقوفة إذا خربت يجوز صرف أجرها إلى عمارة بئر أخرى، أو حوض، ولا يجوز أن يصرف إلى عمارة مسجد؛ لأن شرط الواقف يراعي ما أمكن؛ وكل ما اشترى للمسجد مما يحتاج إليه من الآجر والطين والحصير، والحشيش- لا يجوز بيع شيء منها، وكلها في حكم المسجد؛ لأنها صارت كجزء من أجزائه. فإن بلي شيء منها؛ بحيث لا يحتاج إليه المسجد؛ كالسقوف العفنة، والحصر البالية- هل يجوز بيعها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، ويصرف ثمنها إلى المسجد؛ لأنها لو تركت لضاعت.
والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ كما لا يجوز بيع أرض المسجد، وكذلك أستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة، ولا جمال- هل يجوز بيعها، وصرف ثمنها إلى ستر آخر؟ فيه
стр. 1779
وجهان: [وكذلك لو وقف شجرة فجفت أو بهيمة فزمنت هل يباع فيها وجهان] أصحهما: لا [يجوز] كالمسجد.
والثاني: يباع؛ لأنها تضيع، وأرض المسجد يمكن الصلاة فيها، وتقبل العمارة ولو وقف مرجلاً فتلف في يد الموقوف عليه من غير تعد- لا ضمان عليه؛ لأنه مستحق للانتفاع به؛ كالمستأجر- فلو كسره إنسان أخذ الضمان، وأنفق على إصلاحه. وإن انكسر، فإن تبرع رجل بإصلاحه وإلا يتخذ منه مرجل أصغر فينفق الفضل على إصلاحه؛ فإن لم يمكن أن يتخذ منه مرجل، يتخذ ما أمكن من معرفة أو نحوها.
ولو وقفت شجرة على إنسان؛ هل يجوز قطع أغصانها، وبيعها؟ قال ابن سريج: إن وقف أصل الشجرة دون الأغصان، فالأغصان كالثمار؛ يجوز بيعها، وإلا فالغصن كأصل الشجرة. ولو وقف شيء على المسجد، يصرف إلى عمارته، ولا يصرف إلى الحصير والدهن؛ لأنه ليس من المسجد؛ فإن وقف على مصلحة المسجد، يجوز صرفه إلى الحصير والدهن والفرش، ولا يجوز تنقيش المسجد من شيء وقف على المسجد، أو جعل للمسجد، ويجوز التجصيص إن كان فيه إحكام.
ولو وقف ثوراً للإنزاء، جاز، ولا يجوز استعماله في الحرث. ولو وقف دابة على رجل؛ للركوب؛ ولم يجعل له درهاً، ووبرها- فحكم الدر والوبر حكم ما لو وقف شيئاً على زيد؛ ولم يقل بعده على من.
قال الشيخ ﵀: ينبغي أن [يكون القيم في الوقف] هو الواقف؛ فإن عُمر- ﵁[كان يلي صدقته.
فإن مات وقد نصب قيماً، فقيمه أولى بالقيام عليه فإن عمر- ﵁] جعل أمر صدقته إلى حفصة- ﵂ فلو جعل للقيم سهماً من الغلة، يجوز وإن لم ينصب قيماً؛ نظر: إن كان وقف على جماعة غير متعينين؛ كالفقراء والمساكين، أو على مسجد أو رباط- فأمره إلى الحاكم وإن وقف على متعينين: فإن قلنا: الملك في رقبة الوقف للواقف، أو زال إلى الله- تعالى- فأمره إلى الحاكم.
وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فأمره إلى الموقوف عليه.
ولو جعل الواقف النظر فيه إلى عدلين من ولده- كان ذلك إليهما- فإن لم يكن فيهم إلا
стр. 1780
عدل واحد- ضم الحاكم إليه عدلاً آخر؛ لأن الواقف لم يرض فيه برأي واحد. فلو اختلف أرباب الوقف في شرائط الوقف- رجع إلى الواقف إن كان حياً، وإن لم يكن حياً جعل بينهم بالتسوية والله أعلم.
باب: الهبات
روي عن عائشة- ﵂ عن النبي- ﷺ قال: "تهادوا؛ فإن الهدية تذهب بالضغائن".
стр. 1781
والهبة: مندوب إليها.
ولا تصح إلا ممن يصح منه البيع، ولا تنعقد إلا بالإيجاب والقبول على الفور؛ كالبيع، وإذا قيل: لا يحصل الملك للمتهب ما لم يقبضه بإذن الواهب، فإذا قبضه: حصل له الملك حالة القبض؛ هذا هو المذهب.
وفيه قول آخر: أنه إذا قبض: يتبين أنه ملك بالعقد.
والأول المذهب.
وعند مالك: يملك بالعقد؛ كما في البيع.
قلنا: البيع معاوضة قوية، فلا يستدعي القبض بحصول الملك، والهبة تبرع ضعيف فيستدعي القبض، والقبض في العقار يحصل بالتخلية وفي المنقول: لا يحصل إلا بالنقل، فإن وضع بين يدي المتهب: لا يحصل القبض، ولا يختص القبض بمجلس العقد، ولا يحصل إلا بإذن الواهب؛ فإن قبض دون إذنه: دخل في ضمانه، ولم يملكه، وإن أذن له في القبض، ثم رجع- نظر: إن رجع بعدما قبض: فلا معنى لرجوعه، وقد تم ملكه، وإن رجع قبل أن
стр. 1782
يقبض: لم يصح قبضه بعده.
ولو كان الموهوب عبداً، فأمر الواهب المتهب بإعتاقه، أو المتهب الواهب فأعتقه، أو كان طعاماً، فأمره الواهب بأ: له، فأكله: كان قبضاً.
ولو مات الواهب أو المتهب أو جن أحدهما أو أغمي عليه قبل القبض: فقد قيل: يبطل العقد؛ لأنه عقد جائز، كالشركة.
والصحيح: أنه لا يبطل؛ لأنه يفضي إلى اللزوم بخلاف الشركة، ففي موت الواهب: إن شاء وارثه سلم، وإن مات المتهب قبض الوارث إن سلم إليه، وفي الجنون والإغماء: يقبض بعد الإفاقة، ولا يصح القبض في حال الجنون، ولو وهب في الصحة، وأقبض في مرض الموت يعتبر من الثلث؛ كما لو وهب من وارثه في حال الصحة، وأقبض في مرض الموت: لم يصح؛ كما لو وهب في المرض؛ والدليل عليه: ما روي عن أبي بكر الصديق- ﵁ أنه نحل عائشة جاد عشرني وسقاً، فلما مرض قال: وددت أنك قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث.
ولو وكل المتهب وكيلاً بالقبض أو الواهب وكل بالإقباض، يجوز.
ولو وهب من إنسان شيئاً، والشيء في يد المتهب: يشترط مضي إمكان القبض حتى يحصل الملك، ويشترط الإذن في القبض على ظاهر المذهب؛ كما ذكرنا في "الرهن".
ولو وهب لصبي أو مجنون شيئاً، فقبله قيمه أو الحاكم: جاز:
ولا يصح قبول متعهد الصبي، إذا لم يكن قيماً.
وعند أبي حنيفة: يصح.
ولو وهب الأب لولده الطفل شيئاً، أو الجد أب الأب لناقلته، وتولى طرفي العقد: جاز، وهل يحتاج إلى لفظي الإيجاب والقبول، أم يجوز أن يقتصر على واحد فيه وجهان؛ كالبيع.
ويقبض له من نفسه.
أما الوصي أو القيم إذا وهب للصبي شيئاً: فلا يقبل لنفسه بل يقبله الحاكم، أو يأمر الحاكم من يقبل عنه.
стр. 1783
ولو وهب لعبد إنسان شيئاً: فهو هبة لسيده، وهل يصح قبوله بغير إذن السيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ كما لو اشترى شيئاً بغير إذنه: لا يصح.
والثاني: يصح؛ لأنه مجرد اكتساب لا يعقب الضمان؛ كالاحتطاب؛ بخلاف الشراء؛ فإنه يعقب الضمان.
ولا تصح هبة المجهول وما لا يقدر على تسليمه؛ كما لا يصح بيعه.
وتصح هبة المشاع من شريك وغير شريكه، سواء كان مما ينقسم أو لا ينقسم، ويكون قبضه بقبض الكل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- لا تصح من غير شريكه، إذا كان مما ينقسم، وكذلك: إذا وهب أرضاً مزروعة دون الزرع، أو وهب الزرع دون الأرض: يجوز.
وعنده: لا يجوز.
ولا تجوز هبة الدين من غير من عليه الدين، ويجوز ممن عليه، وهو إبراء، ثم إن أسقطه بلفظ الإبراء: أسقط من غير قبول ممن عليه؛ هذا هو المذهب؛ لأنه محض إسقاط لا تمليك فيه؛ كالعتق، والطلاق، والعفو عن القصاص يصح من غير قبول.
وذكر ابن سريج وجهاً أنه يشترط القبول في الإبراء؛ كالهبة والوصية.
والأول المذهب.
فعلى هذا: إن أسقطه بلفظ الهبة: يصح، وهل يحتاج إلى القبول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحتاج كالإبراء.
والثاني: يحتاج مراعاة للفظ، وكل شرط يفسد البيع: يفسد الهبة؛ فإن وهب بشرط ألا يتصرف فيه، أو إلى مدة، إذا مضت: عاد إليه ونحو ذلك، والمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، إذا تلف في يد المتهب: هل يلزمه الضمان؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزمه؛ كالمقبوض بحكم البيع الفاسد.
والثاني: لا يضمن؛ لأن الواهب رضي بسقوط ضمانه.
فصلٌ
إذا تصدق على إنسان بشيء: لا يلزم المتصدق عليه أن يثيبه بشيء في الدنيا، إنما الصدقة لثواب الآخرة، أما الهبة المطلقة: هل تقتضي الثواب؟ نظر: إن وهب لمن دونه شيئاً
стр. 1784
أو لنظيره: فلا يلزم الثواب؛ لأن الأمير إذا خلع على بعض الرعايا: لا يطمع منه عليه ثواباً؛ وكذلك: الرجل يهب لنظيره شيئاً يقصد به المودة وتأكيد الصداقة لا الثواب.
أما هبة الأدنى من الأعلى: هل تقتضي الثواب؟ فيه قولان:
قال في الجديد- وهو الأصح-: لا تقتضي الثواب؛ كهبة النظير من النظير؛ وهذا لأن الأعيان كالمنافع، ولو أعار داره من إنسان: لا يلزم المستعير شيء، سواء كان مثله أو فوقه.
وقال في القديم: تقتضي الثواب؛ لأن الغالب أن الأدنى يهدي إلى الأعلى لطمع ثواب، فصار كالمشروط.
فإن قلنا: لا تقتضي الثواب: فلو شرط ثواباً مجهولاً: تبطل الهبة، ولو شرط ثواباً معلوماً: فيه قولان:
أحدهما: تبطل؛ لأنه خلاف مقتضى العقد، فعلى هذا يكون حكمه حكم البيع الفاسد في جميع أحكامه.
والثاني: تصح؛ لأنه معاوضة مال بمال؛ كالبيع؛ فعلى هذا: هل يكون ذلك بيعاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بيعاً؛ اعتباراً بالمعنى؛ حتى يثبت فيه الخيار والشفعة، ويلزم قبل القبض.
والثاني: أنه هبة؛ اعتباراً باللفظ؛ فلا يثبت فيه الخيار، ولا تثبت فيه الشفعة، ولا تلزم قبل القبض؛ فعلى الوجهين جميعاً: لو وهب درهماً بشرط ثواب درهمين: لا يصح، ويكون رباً، وإن قلنا بقوله القديم: إنه يقتضي الثواب: ففي قدره: أربعة أوجه:
أحدها: يلزمه حتى يرضى الواهب؛ والدليل عليه ما روي عن طاوس؛ أن أعرابياً وهب للنبي- ﷺ ناقة، فأثابه عليها، فلم يرض فزاده، فلم يرض- حسبت أنه قال: ثلاث مرات، فلم يرض- فقال النبي- ﷺ : "لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي،
стр. 1785
ويروى مثله عن أبي هريرة مرفوعاً؛ فعلى هذا: إن وفى الموهوب له ذلك؛ وإلا رد الهبة؛ لأنها ملك الواهب؛ فلا يستحق عليه إلا بما يرضى.
والوجه الثاني: يلزمه ما جرت به العادة في ثواب مثله.
والثالث: يلزمه قدر ما يقع عليه الاسم، وإن قل، وبه قال أبو حنيفة، رحمة الله عليه-.
والرابع: يلزمه قدر قيمة الموهوب؛ لأنه عقد يوجب العوض، فإذا لم يكن فيه مسمى: يجب عوض المثل، كالنكاح، إذا لم يكن فيه مسمى: يجب مهر المثل، ولو لم يثبت للواهب الرجوع، وللمتهب أن يرد فلا تثبت، فلو تلف في يد المتهب قبل أن يثبت عليه قيمته؛ لأن كل عين كان له الرجوع بها: فإذا تلف رجع بقيمتها، وإن نقصت رجع بالأرش، ولو شرط الثواب على القول القديم- نظر: إن شرط ثواباً مجهولاً: صح لأنه قضية العقد، فإن تلفت العين: ضمن ذلك العوض، وإن شرط ثواباً معلوماً- فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه خلاف قضية العقد؛ لأن مقتضى العقد: أن يلزمه ثواب غير معلوم.
والثاني: يصح، ويلزمه ما سمي؛ لأنه لما صح العقد بعوض مجهول: فبالمعلوم أولى أن يصح، وعلى هذا القول لو شرط أن لا ثواب له- فيه وجهان:
стр. 1786
أحدهما: لا يصح؛ لأنه خلاف قضية العقد.
والثاني: وهو الأصح: يصح لأنه أسقط حقه.
ولو اختلفا، فقال الواهب: وهبتك ببدل، وقال الموهوب له: بلا بدل- فيه وجهان:
أحدهما: القول قول الواهب مع يمينه؛ لأنه لم يقر بخروجه عن ملكه بلا بدل.
والثاني: القول قول الموهوب له مع يمينه؛ لأن الواهب يقر بالهبة، ويدعي عوضاً، والأصل عدمه، والله أعلم بالصواب.
باب: العمرى والرقبى
روي عن جابر، عن النبي- ﷺ قال: "العمرى ميراث لأهلها".
العمرى: جائزة عند عامة أهل العلم، وهي نوع من الهبة.
وصورتها: أن يقول الرجل لغيره: أعمرتك هذه الدار، أو هذه العين، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت أو جعلتها لك عمراً، أو قال: داري لك عمرك- نظر: إن قال: ولعقبك من بعدك، أو لورثتك من بعدك: فهي عطية صحيحة؛ يشترط فيها القبول والقبض، كالهبة، وإذا قبض-: لزم، وإذا مات: كانت لورثته، وإن لم يكن له وارث: فلبيت المال، ولا يعود إلى المعطي بحال.
وإن لم يقل: ما دامت فلورثتك، ولعقبك: ففيه قولان:
стр. 1787
قال في الجديد- وهو الأصح: إنها صحيحة، وتكون له حياته، وإذا مات تكون لورثته، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أن النبي- ﷺ قال: "العمرى ميراث لأهلها"؛ ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة: بحياة المالك، ثم تنتقل إلى الوارث، فلم يكن ما جعله له في حياته منافياً للأملاك المستقرة.
وفي القديم: اختلف أصحابنا فيه:
الأكثرون قالوا: إنها باطلة؛ لأنه تمليك غير مقدر بمدة؛ فصار كما لو قال: أعمرتك سنة، أو أعمرتك حياة زيد.
وقال أبو إسحاق، في القديم: يكون عارية متى شاء استرده، وإذا مات عاد إلى المعمر وحجة القول القديم: ما روي عن جابر؛ أن النبي- ﷺ قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه؛ فإنها للذي أعطيها؛ لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث".
شرط في صحة الإعمار: أن يعمر له ولعقبه.
وروي عن جابر: "إنما العمرى التي أجاز رسول الله- ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك".
فأما إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها.
أما إذا قال: جعلتها لك عمرك أو حياتك؛ فإن مت عادت إلي، إن كنت حياً وإلى
стр. 1788
وارثي، إن كنت ميتاً: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال- وهو الأصح: حكمه حكم ما لو أطلق، فقال: هي لك عمرك، ولم يشرط الرجوع إليه، وشرط الرجوع إليه بعد الموت باطل، ولم يؤثر ذلك في العطية؛ لأن من ملك شيئاً لا يملكه أكثر من عمره.
ومنهم من قال: هذا لا يصح؛ لأنه لما منع شرطه أن يكون موروثاً لعقبه: فقد منع التأبيد؛ بخلاف ما لو أطلق.
ولو قال جعلتها لك عمري، أو حياتي: فقد قيل: هو كما لو قال: عمرك أو حياتك.
وقيل: لا يصح ههنا؛ لأنه لم يجعل له جميع حياة المعمر فإنه: يجوز أن يموت المعطي قبله؛ كما لو قال: عمر زيد: لا يجوز؛ لأنه يجوز أن يموت زيد قبل موت الموهوب له.
وأما الرقبى- فصورتها: أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو جعلتها لك رقبى، أو أعطيتك أو وهبت لك عمرك على أنك: إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك يقرر ملكك، سمي "رقبى"؛ لأن كل واحد يرقب موت صاحبه: فالمذهب أن هذا على قولين:
أصح القولين: أنها جائزة، ويلغو الشرط، وإذا مات المعمر: كان لوارثه؛ كما لو أعمره مطلقاً؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا؛ فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو سبيل الميراث".
وقوله: "لا تعمروا ولا ترقبوا": ليس على سبيل النهي، بل على سبيل الإرشاد، معناه: لا تعمروا طمعاً في أن تعود إليكم، بل تصير ميراثاً.
وفيه قول آخر: أنه غير صحيح، وهو قول أبي حنيفة، رحمة الله عليه وخرج بعضنا من هذا: أن الشرط الفاسد هل يفسد الهبة، على قولين؛ حتى قالوا: لو قال: وهبتك هذه العين شهراً، أو ملكتك داري شهراً، أو وقفت هذا على فلان شهراً: يصح على أحد القولين، ويلغو الشرط، ويتأبد، كما في العمرى، والمذهب: أن الهبة باطلة بهذا الشرط، وكذلك: الوقف كالبيع ويفارق العمرى؛ لأن الحديث جاء به، ولأنه ملكه حياة الموهوب له، وإطلاق الهبة لا يقتضي أكثر من هذا، وإنما شرط الرجوع إليه بعد موته على الوارث؛ فلم يمنع صحة العقد على قوله الجديد.
стр. 1789
وإذا جوزنا الرقبى على ظاهر المذهب: فقد تكون الرقبى من الجانبين وهو أن يجعل كل واحد منهما داره لصاحبه عمر صاحبه، على أنه إذا مات قبله: عاد إليه، أو كانت الدار مشتركة بين رجلين: جعل كل واحد منهما نصيبه لصاحبه على أنها لآخرنا موتاً: جاز.
ولو قال لإنسان: داري لك حياتك؛ فإن مت فهي لزيد: صحت العطية الأولى، ولم تصح لزيد؛ لأنه جعل للأول حياته؛ فلزم، فلا معنى لإعطائه زيداً ما لا يملك؛ وكذلك: لو قال: عبدي لك حياتك، ثم هو حر بعد موتك: صحت العطية، ولا معنى للعتق في ملك الغير.
وقوله: "هو حر": كقوله: "إذا مت رجع إلي"؛ وذلك لا يضر العطية؛ كذا هذا.
ولا يجوز تعليق العمرى بأن يقول: إذا قدم فلان: فهذه الدار لك [حياتك، وإذا مات فلان أو إذا جاء رأس الشهر: فهذه لك]؛ لأن تعليق التمليك بالصفة: لا يجوز.
أما إذا علق بموته، فقال: إذا مت- فهذه الدار لك عمرك: يصح، ويعتبر خروجها من الثلث، فإن خرجت: كان عمري، فإن قال: إذا مت- فعبدي أو داري لك، ما دمت حياً، فإذا مت: رجع إلى ورثتي، أو كان لزيد بعدك؛ فهذا قد أوصى بالعمرى بعد موته؛ فيجوز للموصي أن يرجع قبل موته، فإن لم يرجع حتى مات، وقبل المعمر كان له بعد موته، ثم لورثته، وبطل شرط الرجوع إلى وارث الموصي، وكونها لزيد، والله أعلم.
باب: عطية الرجل ولده
روي عن النعمان بن بشير؛ أن أباه أتى به رسول الله- ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً، فقال: "أكل ولدك نحلت مثله: "فقال: لا، قال: فارجعه". وعن طاوس، أن
стр. 1790
النبي- ﷺ قال: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده، ويروى عن ابن عمر، وابن عباس- ﵄ يرفعان الحديث مثل معناه.
إذا وهب شيئاً من إنسان، وسلم إليه: ليس له أن يرجع فيه إلا الأب يهب لولده؛ فله أن يرجع فيه، للحديث أما الأم وأمهاتها وأمهات الأب والأجداد من قبل الأم: فهل لهم الرجوع فيما وهبوا للناقلة فيه قولان:
أصحهما:- وهو المذهب-: لهم الرجوع؛ كما أنهم سواء في استحقاق النفقة والعتق وسقوط القصاص.
وفيه قول آخر: لا رجوع لهم، وجواز الرجوع يختص بالأب؛ للحديث، أما الجد أب الأب قد قيل فيه قولان؛ كالأم.
والمذهب: أن له الرجوع قولاً واحداً؛ كالأب، لأنه ولي في التزويج والتصرف في المال؛ كالأب؛ بخلاف الأم والجد من قبل الأم.
أما العم والخال وسائر القرابات- فلا رجوع لهم في الهبة؛ كالأجانب.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-؛ إن وهب من ولده شيئاً، أو من قريبه الذي هو محرم
следующие страницы →