Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
عليه بسهم؛ فيكون للموصى له بالثلث ثلاثة، ولكل ابن ثلاثة، وللموصى له بالكل ثلاثة، وتعود بالاختصار على أربعة، فيكون لكل واحد سهم، ولو أجاز أحدهما لأحدهما، وأجاز الآخر للآخر بالذي أجاز لصاحب الكل -: سمح معه بثلاثة؛ بقي له سهم؛ فصار لصاحب الكل ستة، والذي أجاز لصاحب الثلث -: سمح معه بسهم؛ بقي له ثلاثة أسهم، وصار لصاحب الثلث سهمان.
ولو كانت المسألة بحالها: أوصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بثلث ماله، فرد صاحب الثلث وصيته:
قلت: يكون جميع المال للآخر، إذا أجاز الوارث، وإن لم يُجز-: فالثلث له.
ولو رد صاحب الكل وصيته -: يكون الثلث كله للآخر، وكذلك: لو رجع الموصي عن إحدى الوصيتين -: فإن رجع عن الثلث -: كان الكل للآخر. وإن رجع عن الكل -: كان الثلث للآخر.
ولو كان له عبدٌ، المال له سواه، فأوصى به لإنسان، ولآخر بثلثه- نُظر: إن كان ف كلامه ما يدل على الرجوع؛ مثل: أن يقول: العبد الذي أوصيت به لفلان، قد جعلت ثلثه لفلان، أو حولت ثلثه إلى فلان يكون العبد بينهما أثلاثاً: ثلثاه للموصى له بالكل، وثلثه للآخر، وإن لم يكن في كلامه دلالة الرجوع؛ بل أوصى لإنسان بالعبد، ولآخر بثلثه، أو بثلث ماله: يقسم العبد بينهما أرباعاً: ثلاثة أرباعه للموصى له بالعبد، والربع للآخر؛ فإن لم يُجز الوارثُ-: يجعل ثلث العبد بينهما أرباعاً.
ولو كانت قيمة العبد ألفاً، وله سواه ألفان -: فالعبد بينهما أرباع، وللموصى له بالثلث ثلث الألفين مع ربع العبد، إن أجاز الوارث؛ فيكون من اثني عشر: للعبد منها أربعة، والباقي ثمانية أسهم: فللموصى له بالعبد ربع العبد، وثلث الألفين، وليس لثمانية ثلث، نضرب ثلاثة في اثني عشر؛ فتصير ستةً وثلاثين، فالعبد منها اثنا عشر، تسعة للموصى له بالعبد، وثلاثة أسهم من العبد مع ثمانية أسهم من الباقي للموصى له بالثلث، فذهب من الوصية عشرون، فإن لم يجز الوارث يقسم الثلث بينهما على عشرين سهماً؛ للعبد منها عشرون: تسعة للموصى له بالعبد، وثلاثة للآخر، وله ثمانية أسهم من الباقي فيبقى للوارث أربعون: ثمانية من العبد، واثنان وثلاثون من الباقي.
ولو أوصى لرجل بعبد، ولآخر بما بقي من الثلث -: قوم العبد مع التركة بعد موت الموصى: فإن خرج من الثلث-: دفع إلى الموصى له: فإن بقي من الثلث شيءٌ -: دفع إلى الآخر، وإن لم يبق بطلت الوصية بالباقي، ون أصاب العبد عيب بعد موت الموصى -: قوم سليماً، وإن مات العبد بعد موت الموصى-: بطلت الوصية منه، وتقوم التركة، وتُحسب قيمته
стр. 1892
من الثلث، ودُفع إلى الموصى له الباقي من الثلث؛ لأنهما وصيتان، بُطلان أحداهما لا يوجب بطلان الأخرى.
ولو مات قبل موت المُوصى-: لا يُحسب العبد من التركة، ويحسب ما بقي من المال، ويحط قيمة العبد من ثلثه؛ فإن بقي من الثلث شيءٌ -: دفع إلى الآخر.
ولو أوصى لرجل بدار قيمتها ألف، ولآخر بعبد قيمته خمسمائة، ولآخر بخمسمائة، وثلث ماله ألف -: فهذه وصية بالثلثين، فنسبة الزيادة على الثلث من جميع الوصية: نسبة النصف؛ فإن لم يُجز الوارث -: كان لكل واحد نصف ما أوصى له به.
ولو أوصى لزيد بعشرة، ولعمرو بعشرة، ولخالد بخمسة، والثلث لا يحتمل الكل؛ مثلاً: كان الثلث عشرون، ولم تُجز الورثة، يُجعل العشرون بينهم على خمسة أسهم لزيد وعمرو لكل واحد ثمانية، ولخالد أربعة، فلو كانت المسألة بحالها، وأوصى لزيد بعشرة، ولعمرو بعشرة، ولخالد بخمسة، وقال: قدموا خالداً عليهما، والثلث عشرون -: فيعطى أولاً خالداً خمسة، والباقي بين الآخرين نصفان لكل واحد سبعة ونصفن ولو قال: قدموا خالداً على عمرو -: يقدم على عمرو، ولا يقدم على زيد، فيعطى إلى خالد خمسة، وإلى زيد ثمانية، وإلى عمرو سبعة.
ويجوز تعليق الوصية على شرط في الحياة، وعلى شرط بعد الموت؛ كما يجوز على الجهالة.
فصل فيمن يوصى له
إذا أوصى لشخص معين-: جاز، مسلماً كان أو ذمياً، ولو أوصى لحربي-: هل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المذهب-: أنه يصح؛ كما يصح البيع منه، وكما يصح للذمي.
والثاني: لا يصح؛ لأن الوصية تقع له، وقد أمرنا بقتله؛ فلا معنى للوصية له.
ولو أوصى لعبد إنسان-: يصح، وهل يصح قبوله بغير إذن المولى؟ فيه وجهان:
أصحهما: يصح ويملل المولى كما لو احتطب، أو اصطاد بغير إذن المولى-: يكون ملكاً للمولى.
والثاني: قاله الإصطخري: لا يصح؛ لأنه تمليك للسيد؛ فيشترط إذنه، وهل يصح قبوله من السيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن الموصى لم يخاطب السيد.
стр. 1893
ولو أوصى لصبي أو مجنون -: يصح، ويقبله وليه.
وهل تصح الوصية للقاتل؟ فيه قولان؛ سواء تقدمت الوصية على الجرح أو تأخرت، وسواء كان القتل عمداً أو خطأ.
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة-: لا يصح لأنه قال: يستحق بالموت؛ فلا تثبت للقاتل؛ كالميراث حتى لو أوصى لإنسان بشيء، ثم الموصى له قتل الموصى -: بطلت الوصية على هذا القول.
والثاني: تصح، وبه قال مالك؛ لأنه تمليك بطريق المعاقدة؛ كما يصح البيع منه والهبة.
ولو قتلت أم الولد سيدها-: عتقت؛ لأن عتقها ليس بوصية؟ بدليل أنه لا يعتبر من الثلث.
ولو قتل المدبر مولاه: إن قلنا: تصح الوصية للقاتل-: عتق، وإن قلنا لا تصح-: لا يعتق ويبطل التدبير؛ سواء جعلنا التدبير وصية أو تعليقاً للمعتق؛ لأنا - وإن جعلناه تعليقاً - فهو في حكم الوصية؟ بدليل أنه يعتبر من الثلث.
ولو أوصى لعبد قاتله أو لمدبره أو أم ولده - نُظر: إن عتق الموصى له قبل موت الموصى - صحت الوصية له، وإن لم يعتق -: فهو وصية للقاتل؛ لأن الوصية للعبد وصية لمالكه.
ولو أوصى لعبد إنسان بشيء، ثم إن سيده قتل الموصى بطلت الوصية على هذا القول، ولو قتله العبد لا يبطل لأن الوصية لسيده لا له.
ولو أوصى لمكاتب إنسان، ثم قتل سيده الموصى، فأمر الوصية موقوف: فإن عتق المكاتب بالأداء أو بالإبراء: فالوصية له صحيحة، وإن عجز-: بطلت الوصية على هذا القول.
ولو قتل المكاتب الموصى: فإن عتق -: بطلت الوصية، وإن عجز صحت لسيده؛ لأنه غير قاتل.
ولو أوصى لوارثه بشيء، قل أم كثر -: هل يصح أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما: حكمه حكم ما لو أوصى لأجنبي بأكثر من الثلث، فإن أجاز سائر الورثة-: نفذ.
ويكون ذلك تمليكاً منهم أم تنفيذاً لما فعله الموصى فعلى قولين، ون رد سائر الورثة -: بطل، وبه قال أبو حنيفة.
والقول الثاني: لا تصح الوصية، وإن أجاز سائر الورثة، لما رُوي عن رسول الله ﷺ -
стр. 1894
قال: "لا وصية لوارث"، وكذلك: لو وهب لوارثه شيئاً في مرض موته، أو وقف عليه، أو أبرأه عن دين له عليه في مرض موته -: فكالوصية، ولا فرق في الوصية للورثة بين أن تقسم بينهم قسمة الميراث، أو تفاوت بينهم، مثل: إن أوصى للابن بدار قيمتها ألف، وللبنت بعبد قيمته خمسمائة؛ لأن أعيان الأموال مقصودة، وإذا أوصى لأحد ابنيه بشيء، وأجاز الآخر-: فالباقي يون بين المجيز وبين الموصى له نصفين بحكم الإرث، سواء أوصى له الأب بأكثر من حصته من الميراث أو بأقل.
ولو أعتق رجل وارثه في مرض موته، أودبره-: نفذ، ولا ميراث له حتى لا يكو جمعاً بين الميراث والوصية والعبرة في كونهما وارثاً بيوم موت الموصى، حتى لو أوصى لأخيه بشيء، وليس له ابن، فحدث له ابن، ثم مات الموصى نفذت الوصية، ولو كان له ابن يوم الوصية للأخ، فمات قبل موت الموصي -: لم تنفذ.
ولو أوصى لعبد وارثه، فباعه وارثه، ثم مات الموصى -: كانت الوصية نافذة لمشتريه، ولو أعتقه وارثه-: كانت نافذة للعبد، ولو أوصى لعبد أجنبي، فاشتراه وارثه، ثم مات الموصى له - تنفذ، وكذلك: لو أوصى لزوجته، ثم طلقها تنفذ.
ولو أوصى لأجنبية، ثم نكحها-: لم تنفذ.
ولو أوصى لمكاتب وارثه: فإن عتق قبل موت الموصى -: نفذ، وإن مات الموصى، وهو على كتابته -: توقف، فإن عتق بأداء النجوم -: نفذ، سواء قبل الوصية قبل العتق أو بعده، وإن عجز-: لم تنفذ، وكان وصية للوارث.
ولو جرح رجل مورثه، ثم أوصى له المورث بشيء، ومات، وقلنا: تصح الوصية للقاتل-: صحت الوصية؛ لأنه خرج بالقتل عن أن يكون وارثاً
ولو أوصى لرقيق نفسه بشيء - نظر: إن أوصى لأم ولده -: صحت الوصية، فن مات عتقت أم الولد من رأس المال، وكانت الوصية في الثلث ولو أوصى لمكاتبه بشيء -: تصح؛ لأنه يملك المال.
ولو أوصى لمدبره -: فالعتق والوصية جميعاً من الثلث، فإن خرجا من الثلث-: عتق المدبر، ودفع إليه ما أوصى له به، وإن لم يخرج المدبر من الثلث -: عتق منه بقدر الثلث، والوصية باطلة، وإن خرج أحدهما من الثلث: فإن كانت قيمة المدبر ألفاً، وله سواه ألفان وأوصى له بألفٍ-: ففيه وجهان:
أحدهما: تجمع الوصية في نفسه، فيعتق كله، ولا شيء له مما أوصى له به؛ لأنا لو أعتقنا بعضه، وسلمنا إليه بعض الوصية-: أخذ الوارث بعض ما وقفنا إليه؛ لكونه مالك بعضه؛ فتكون وصية للوارث.
стр. 1895
والوجه الثاني:- وهو الأصح عندي-: يعتق نصفه، ولا يعطى إليه شيء من الوصية؛ لأنه يعود بعضه إلى الوارث.
ولو أوصى لعبد نفسه القن بشيء نُظر: إن أوصى له برقبته -: صحت الوصية، فإذا مات المولى وقبل -: عتق، إن خرج من الثلث، وإن لم يخرج كله من الثلث -: يعتق بقدر ما يخرج من الثلث.
ولو أوصى له بمال- نظر: إن أوصى له بغير مال، أو قال: اعطوه كذا من مالي- نظر: إن باعه الموصى قبل الموت-: فيكون ما أوصى له به للمشتري، وإن أعتقه قبل الموت، فيكون له، وإن مات، وهو في ملكه -: فالوصية مردودة؛ لأنه يقع للورثة.
وإن أوصى له بثلث ماله - نُظر: إن لم يكن مال سواه-: عتق ثلثه بعد موته، وإن كان له سواه مالٌ-: فعلى وجهين:
أحدهما: تجمع الوصية في رقبته، فإن خرج كله من الثلث -: عتق، وإن كان الثلث أكثر من قيمة رقبته -: صرف الفضل إليه، وإن لم يخرج كله من الثلث-: عتق بقدر ما يخرج.
والثاني:- وهو الأصح عندي- أنه لا يعتق منه إلا ثلثه، وإن كان له مال كثيرٌ؛ لأنه أوصى له بالثلث؛ فيكون من رقبته وجميع ماله، ولا شيء له من سائر أمواله، لأنه الوارث يأخذ بعضه بما فيه من الرق؛ فيكون وصية للوارث.
فصل فيما لو أوصى لجماعة محصورين
إذا أوصى لجماعة متعينين محصورين؛ مثل: أولاد فلان-: يشرط قبولهم، واستيعابهم، ويسوى بين الذكر والأنثى.
ولو أوصى الموصوفين غير محصورين؛ كالفقراء والمساكين، أو الغارمين أو الغُزاة-: لا يشترط قبولهم، ولا استيعابهم؛ يقدم الإمكان، وأقل من يُصرف إليهم منهم ثلاثة، ولا تجب التسوية بينهم، فلو صرف إلى اثنين-: يُغرم نصيب الثالث، وهل يجوز نقله عن ثلث الوصية؟ فيه قولان؛ كما في الزكاة.
ولو أوصى لجماعة متعينين غير محصورين؛ مثل: إن أوصى للعلوية، أو بني هاشم، أو لبني تميم-: هل تصح؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو المذهب-: تصح؛ كما لو أوصى للفقراء، وأقل من يصرف إليهم ثلاثة.
والقول الثاني: لا يصح؛ لأن تعيينهم يوجب استيعابهم، ولا يمكن؛ لكونهم غير
стр. 1896
محصورين؛ فيبطل بخلاف الفقراء؛ فإنهم موصوفون؛ فلا يجب استيعابهم؛ ألا ترى أنه لو أوصى لبني بكر أو لبني زيد-: يقسم على عددهم، ولا ينصف ولو أوصى للفقراء والمساكين يُنصف بين الصنفين، ولو أوصى لبني فلان: إن صاروا قبيلة؛ مثل: إن قال: لبني تميم أو لبني هاشم، وجوزنا ألا يشترط قبولهم ولا استيعابهم.
وأقل من يصرف إليهم ثلاثة، ويُصرف إلى الذكور منهم والإناث، وإن لم يصيروا قبيلة، وكانوا محصورين؛ مثل بني زيد وبني عمرو -: فيشترط استيعابهم وقبولهم، ويسوى بينهم، ولا يُصرف إلى الإناث.
ولو أوصى لفقراء بلد بعينه: فإن لم يكن فيه فقير - فالوصية باطلة؛ كما لو أوصى لولد زيد، ولا ولد له، وإن كان فيه فقير واحد، أو جماعة محصورون -: يشترط قبولهم واستيعابهم، ويجب التسوية بينهم، وإن لم يكونوا محصورين-: فلا يشترط القبول والتعميم، وأقل من يصرف إليهم من فقراء ذلك البلد ثلاثة:
ولو قال: ضعوا ثلثي في الرقاب -: ينصرف إلى المكاتبين، وأقلهم ثلاثة؛ كالزكاة، فلو صرف إلى اثنين-: يُغرم للثالث، وكم يُغرم؟ وجهان؛ كالزكاة.
أحدهما: ثلث الوصية.
والثاني: أقلما يقع عليه الاسم.
وعلى الوجهين: لا يجوز أن يدفع ما غرم بنفسه، بل يدفعه إلى القاضي: ليؤدي عنه أو يرد إليه ليدفعه: إن أئتمنه، فإن صرف إلى مكاتب-: يعجز، والمال قائم في يده، أو يد سيده، يجب رده.
ولو قال: اشتروا بثلثي الرقاب، وأعتقوهم-: يشتري ثلاث رقاب أو أكثر: فإن لم يبلغ ثلاث رقاب: فشتري رقبتان ثمينتان؛ فإن فضل من ثمن الرقاب فضل-: لا يوجد به رقبة كاملة-: تُرد إلى الوارث، ولا يشتري شقص عبد؛ لأن الرقبة اسم للكامل منها.
وقيل: يشتري بالفضل شقص عبد، ويجوز الذكر والأنثى، والصغير والكبير والمعيب والكافر.
فإن قال: اصرفوا ثلثي إلى العتق-: فيجوز شراء الشقص.
ولو قال: اشتروا بمائة عبد فلان فأعتقوه، فلو اشترى بأقل من مائة -: جازوا الفضل للوارث، ولو لم يبعه فلان، أو قال: اشتروا بثلثي عبد فلان، ولم يبلغ ثلثه ثمنه -: لغت الوصية.
ولو قال: أوصيت بهذا العبد لحد هذين الرجلين-: لم تصح؛ لأنه تمليك لغير معين.
стр. 1897
ولو قال: اعطوا هذا العبد إلى أحد هذين الرجلين-: جاز؛ لأنه ليس بتمليك، بل هو وصية بالتمليك؛ كما لو قال؛ بعت هذا العبد من أحد هذين الرجلين-: لم يصح.
ولو قال لوكيله: بع هذا العبد من أحد هذين الرجلين-: جاز.
فصل فيما لو أوصى لواحد بعينه ولجماعة
ولو أوصى بثلثه لواحد بعينه، ولجماعة-: نُظر: إن كانت تلك الجماعة محصورين؛ مثل: إن أوصى لزيد، ولبني عمرو -: فزيد كواحد منهم؛ مثل: إن كان لعمرو خمس بنين، فيجعل الثلث بين زيد وبينهم على ستة أسهم، وإن كانت الجماعة غير محصورين؛ مثل: إن أوصى لزيد، ولبني عمرو- فزيدٌ كواحد منهم؛ مثل: إن كان لعمرو خمس بنين، فيجعل الثلث بين زيد وبينهم على ستة أسهم، وإن كانت الجماعة غير محصورين؛ مثل: إن أوصى لزيد وللفقراء، أو لزيد وللعلوية-: صح، ثم أقل من يُصرف إليهم من تلك الجماعة ثلاثة فأكثر، ولا تقدير لما يعطى إلى كل واحد منهم، وكم يعطى إلى زيد؟ فيه أقوال:
أحدها: هو كواحد من الفقراء: يعطى إليه مما لو أعطى إلى واحد من الفقراء-: جاز.
والثاني: يعطى إليه النصف؛ لأنه أضاف إلى جهتين؛ كما لو أوصى للفقراء والمساكين: يعطى إلى كل صنف نصفه.
والثالث: يعطى إليه الربع، وثلاثة أرباعه للفقراء، يصرفها الوصي إليهم كيف شاء؛ لأنه ذكر الفقراء بلفظ الجمع، وأقلهم ثلاثة.
ولو أوصى بثلثه لزيد، ولأحد بنيه: فإن قلنا: تصح الوصية للوارث، وأجاز سائر الورثة -: كان الثلث بينهما نصفين، وإن رد الورثة وصية الابن: كان لزيد نصف الثلث، وكذلك: إذا قلنا: لا تصح الوصية للوارث - كان لزيد نصف الثلث.
ولو أوصى بثلثه لزيد والربح-: كان لزيد نصف الثلث؛ على الأصح.
كما لو أوصى له، ولأحد بنيه، وكذلك: لو أوصى لزيد ولجبريل-: كان لزيد نصف الثلث، والباقي باطل.
وقيل: كان كله لزيد؛ بخلاف ما لو أوصى لزيد ولأحد ابنيه؛ لأن الابن ممن يملك، فما أضيف إليه-: لا يجعل لغيره، والأول أصح؛ لأنه إذا أضاف إلى ابنين -: لم يكن لأحدهما إلا نصفه؛ فعلى هذا: لو أوصى لزيد وللملائكة، أو لزيد وللرياح-: فالوصية في حق الملائكة، والرياح باطلة، وكم يكون منها لزيد؟ فقد قيل كله لزيد، والصحيح: أنه على الأقوال؛ كم لو أوصى لزيد وللفقراء.
أحدهما: يعطي إليه الوصي ما شاء.
والثاني: له النصف.
стр. 1898
والثالث: له الربع؛ لأن ذكر الملائكة والرياح بلفظ الجمع، وأقلها ثلاثة.
ولو قال: ثلثي لله ولزيد-: فيه وجهان:
أحدهما: الجمع لزيد، وذكر الله للتبرك؛ كقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...﴾ [الأنفال: ٨].
والثاني: نصفه لزيد، والباقي للفقراء؛ لأن عامة ما يجب لله للفقراء. ولو أوصى بثلثي ماله لزيد، ولأحد ابنيه: فإن قلنا تصح الوصية للوارث، وأجاز سائر الورثة-: كان لكل واحد منهما الثلث، وإن رد سائر الورثة، أو قلنا: لا تصح الوصية للوارث -: كان لزيد الثلث كاملاً؛ بخلاف ما لو أوصى بثلثي ماله لأجنبيين، ولم يجز الوارث-: كان الثلث بينهما؛ لأن الثلث في حق الأجنبيين-: لا يقبل الرد، وفي قح الوارث جميع ما أوصى له يقبل الرد، وكان رد سائر الورثة منصرفاً إلى نصيب الوارث.
ولو أوصى لأجنبي ولأحد ابنين بجميع ماله-: فإن أجازا للأجنبي، وأجاز الابن لأخيه-: كان المال بينهما نصفين، وإن رد الوصية-: كان للأجنبي الثلث، والباقي بين الاثنين نصفان بالإرث، ولو ردا في حق الأجنبي، وأجاز الأخ لأخيه-: فللأجنبي الثلث، ولأخيه النصف، والسدس بينهما بالإرث، وإن أجازا للأجنبي، ورد الابن في حق أخيه-: فالنصف للأجنبي، والباقي بينهما نصفان بالإرث.
ولو أوصى بثلثه لحي وميت-: كان نصفه للحي، سواء كان عالماً بموت الميت يوم الوصية، أو كان يظنه حياً، فبان ميتاً.
وقيل: كله للحي.
فصلٌ
ولو أوصى لأقاربه لأرحامه أو لذي رحمه بشيء -: يصرف إلى أقاربه الذين لايرثون ويسوى بين القريب والبعيد، والذكر والأنثى، والفقير والغني، ويشترط قبولهم واستيعابهم.
ثم إن كان عجمياً -: يصرف إلى أقاربه من قبل الأب والأم جميعاً، وفي العربي وجهان:
أصحهما: يصرف إلى أقاربه من جهة أبيه؛ لأن العرب تحفظ أنسابها وتفتخر بها؛ فلا يفهم من مطلق اسم القرابة لا قرابة الأب.
ويصرف إلى أخص أقاربه: فإن كان شافعياً -: يصرف إلى أولاد شافع، ولا يصرف إلى أولاد علي والعباس، وغن كانوا جميعاً من أولاد السائب بن يزيد.
وعند أبي حنيفة: لا يصرف إلى غير المحرم، ولا إلى من كان منهم غنياً، ولو صرف إلى ثلاثة منهم-: جاز، ولا يجب استيعابهم.
стр. 1899
ولو أوصى لأقربهم به رحماً-: صُرف إلى الأقرب ممن يكون وارثاً؛ سواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم عربياً كان أو عجمياً: فإن كان الأقرب وارثاً - صُرف على من دونه، وإن لم يُجز الورثة، وإن أجاز سائر الورثة-: صرف إليهم، وإن كان له أب وابن -: وجهان:
أحدهما: سواء.
والثاني: الابن أولى؛ لأنه مقدم في العصوبة، فعلى هذا، ما دام في الأولاد أو أولاد الأولاد- وإن سفلوا من قبل البنين أو البنات - أحدٌ لا يصل إلى الآباء، وإن كان له جد وأخٌ -: فقولان:
أحدهما: هما سواء.
والثاني: الأخ أولى؛ كما في ميراث الولاء، ووجه الشبه بينهما: أن استحقاق الميراث بجهة الولاء استحقاق بجهة متباعدة، كاستحقاق الوصية، وسواء كان الجد أب الأب أو أب الأم، وسواء كان الأخ من قبل الأب والأم، أو من قِبَلِ أحدهما، والأخ للأب والأم أولى من الأخ للأب، أو من الأم، والأخ للأب مع الأخ للأم ستويان، وأب الأم أولى من العم والخال والخالة وابن الأخ وبنت الأخ سواء، والخال والخالة سواء، وكل من يدلي بجهتين -: فهو أولى ممن يدلي بجهة واحدة، إذا استويا في الدرجة، فإن اختلفا -: فالأقرب أولى، وابن الأخ وابنة الأخت يستويان.
ولو أوصى لقرابة فلان-: فهو كما لو أوصى لقرابة نفسه: غير أن هناك: يصرف إليه، وإن كان وارثاً لفلان.
ولو أوصى لجيرانه-: يصرف إلى أربعين داراً من كل جانب من الجوانب الأربع.
وعند أبي حنيفة: يصرف إلى الملاصق دون المقابل.
وقال أحمد: إلى الذين يحضرون مسجده.
ولو أوصى لأهل بيت فلان. قال ثعلب: أهل بيته أقرباؤه من قبل أبيه الأدنى فالأدنى.
ولو أوصى لذريته - فهم: الولد وولد الولد.
ولو أوصى لعترته قال ثعلب وابن الأعرابي: هم الأولاد وأولاد الأولاد.
وقال القتيبي: العِترة: العشيرة.
ولو أوصى لقراء القرآن-: يُصرف إلى من يقرأ جميع القرآن، وهل يدخل فيه من لا يحفظه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يدخل؛ لعموم اللفظ.
стр. 1900
والثاني: لا يدخل لأنه لا يطلق هذا الاسم في العرف إلا على من يحفظه.
ولو أوصى للعلماء-: يصرف إلى علماء الشرع؛ لأنه لا يطلق هذا الاسم إلا عليهم، ولا يدخل فيه من سمع الحديث ولا يعرف طرقه؛ لأن مجرد سماع الحديث: لا يكون علماً، ولا يدخل فيه أهل الكلام.
ولو أوصى للفقهاء-: فهو لمن يعلم أحكام الشرع، ومن كل نوع شيئاً.
ولو قال: لطلبة العلم-: صرف إلى من دخل في طلبه يومئذ.
ولو قال: للمتصوفة-: صُرف لمن تكون أكثر أوقاته في العبادة.
ولو أوصى للأيتام-: فهو للصبي الذي لا أب له، ولا يدخل فيهبالغ ولا صغير له أب، وهل يدخل فيه الغني؟ وجهان.
ولو وصى للأرامل-: دخل فيه من لا زوج لها من النساء، وهل يدخل فيه من لا زوجة له من الرجال فيه وجهان.
وهل يدخل فيه الغني منهم؟ فعلى وجهين.
ولو أوصى للشيوخ-: أعطى من جاوز الأربعين.
ولو أوصى للفتيات والشبان -: أعطى من جاوز البلوغ إلى الثلاثين.
ولو أوصى للغلمان والصبيان -: أعطى من لم يبلغ.
ولو أوصى للفقراء -: جاز صرفه إلى المساكين.
ولو أوصى للمساكين-: جاز صرفه إلى الفقراء؛ لأنهما يجتمعان في الحاجة.
ولو أوصى للفقراء والمساكين-: يجمع بينهما؛ فيجعل بينهما نصفين، كما في الزكاة.
ولو أوصى لسبيل الله-: دفع إلى الغزاة من أهل الصدقات.
ولو قال: إلى أهل البر أو في سبيل الثواب-: يُصرف إلى الأقارب.
ولو قال: إلى أعقل الناس-: فهم الزُهاد.
ولو قال: إلى أجهل الناس-: فالكفار.
ولو أوصى إلى رجل بأن يضع ثلثه حيث يرى-: لا يجوز للوصي أن يضعه من نفسه؛ كما لو وكله بالبيع-: لا يجوز أن يبيع في نفسه، والأولى: أن يضع في أقارب الموصى الين لا يرثون منه، ثم إلى محارمه بالرضاع، ثم إلى جيرانه كالموصى نفسه.
ولو أوصى لزيد بدينار، وبثلاثة للفقراء، وزيدٌ فقير -: لم يعط إلى زيد غير الدينار؛ لأنه
стр. 1901
قطع الاجتهاد في الدفع إليه بتقدير حقه.
فصل في الوصية بالحمل
ولو أوصى لحمل امرأة بشيء-: يصح؛ إذا علم - حالة الوصية وجوده؛ بأن ولدت لأقل من ستة أشهر من يوم الوصية، ويُقبل قيم الصبي بعد خروجه، وبعد موت الموصي، ثم إن كانوا جماعة- كان لجميعهم؛ ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. ولو مات الموصى، فقبل خروج الحمل: قبل أبوه، ثم خرج الحمل حيًّا: قال الشيخ القفال: لا يصح حتى يُقبل بعد الخروج؛ لأنه لا يدري وجوده حالة القبول؛ كما لو أوصى لغائب بشيء، فبلغه، فقبل، ولم يدر موت الموصي -: لم يصح قبوله.
وقيل: فيه قولان؛ كما لو باع مال ابنه على ظن أنه حي، فبان ميتاً، وكما لو ثبتت الشفعة لحمل إرث، فأخذه له أبوه، ثم خرج حيًّا-: هل يصح؟ وجهان:
وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر-: لا يعطى؛ لأنه لا يتحقق وجوده يوم الوصية.
وفيه قول آخر: أنه إن كان لها زوج فارقها، فأتت به لدون أربع سنين من يوم الفراق والوصية-: يعطى؛ لأنا نجعله موجوداً في الإلحاق بالزوج؛ كذلك: في الوصية، والأول أصح؛ بخلاف النسب؛ لأنه يثبت بالإمكان، والوصية لا تثبت.
ولو خرج ميتاً، أو ضرب ضاربٌ بطنها، فألقته ميتاً-: بطلت الوصية؛ لأنه لا يتيقن حياته حالة الوصية؛ فلهذا: لا يحكم له بالإرث.
ولو أوصى لحمل امرأة، فأتت بولدين.
أحدهما: للأقل من ستة أشهر من يوم الوصية، والآخر لأكثر، ولكن بين الولدين أقل من ستة أشهر-: صحت الوصية لهما؛ لأنه إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر، فهما حمل واحد.
ولو أوصى لحمل امرأة، فقال: إن ولدت ذكراً-: فله ألف، وإن ولدت أنثى - فلها مائة، فولدت ذكراً أو أنثى-: كان للذكر الألف، وللأنثى المائة، وإن ولدت خنثى-: دفع إليه المائة؛ لأنه يقين، ويوقف الباقي إلى أن نتبين حاله.
وإن ولدت ذكرين أو أنثيين-: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الوارث يدفع الألف إلى من شاء من الذكرين، والمائة إلى من شاء من الأنثيين- فالاختيار إليه؛ لأن الوصية لأحدهما، فلا تدفع إليهما؛ كما لو أوصى لرجل بأحد عبديه-: كان الاختيار إلى الوارث.
стр. 1902
والثاني: يشترك الذكران في الألف والأنثيان في المائة؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، وليس كالعبد؛ لأنه جعله إلى الوارث.
والثالث: توقف الألف بين الذكرين، والمائة بين الأنثيين، إلى أن يبلغا ويصطلحا.
ولو قال: ن كان ما في بطنك ذكراً - فله ألفٌ، وإن كان أنثى- فلها مائة، فولدت ذكراً وأنثى-: لا يستحق واحد منهما شيئاً؛ لأنه شرط أن يكون ميع ما في بطنها ذكراً، أو جميعه أنثى، ولم يوجد ذلك.
ولو أوصى لحمل عمرة من زيد، فأتت به لأقل من ستة أشهر من يوم الوصية، ونفاه زيد باللعان-: فلا تصح الوصية، وكذلك: لو أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم الوصية، ولأكثر من أربع سنين من يوم فارقها زيد-: فلا شيء له.
ولو أوصى لما تحمل هذه المرأة-: لا تصح؛ كما لو وقف على مسجد يبني-: لا تصح.
ولو أوصى لدابة إنسان بشيء -: سئل: فن قال أردت أن تكون ملكاً لها-: فالوصية باطلة، وكذلك: لو أطلق، ولم يكن له نية؛ لأن الدابة لا ملك لها، ولا يمكنها القبول؛ بخلاف العبد؛ فإنه يمكنه أن يقبل، وقد يعتق قبل موت الموصى، فيملك.
وإن قال: أردت أنها تعلف منه-: صح، إذا قبل صاحب الدابة؛ لأن علف الدابة على مالكها؛ فهو بهذه الوصية يقصد صاحبها؛ فيشترط قبوله، وله الرد، كما لو أوصى لعمارةدار فلان بشيء -: فلمالكها الرد والقبول.
قال صاحب "التلخيص": ومتى قبل صاحب الدابة-: ينفق عليها وصي الموصى؛ لأنه لم يملك صاحب الدابة، إنما أوصى أن يصرف إلى وجه خاص.
وفرع عليه بعض أصحابنا، وقال: إذا لم يكن الموصي وصى -: ينفق رب الدابة عليها.
وقال الشيخ القفال: عندي إذا قبل صاحب الدابة-: دفع إليه، وهو ملكه، فإن شاء أنفق منه، وإن شاء أمسكه.
فصل فيما يوصى به
إذا أوصى لإنسان بحرفة عبده، أو منفعة عبده، أو بغلة داره، أو منفعتها، أو بتمرة بستانه-: تصح؛ سواء أوصى به مؤقتاً أو مؤبداً، ومطلقه يقتضي التأبيد، وهو مدة بقاء العبد، ويكون من الثلث، ويملك الموصى له منافع العبد وأكسابه، وماذا يعتبر من الثلث؟ ففيه أوجه:
أصحها: نص عليه في "الإملاء": يعتبر جميع قيمة الرقبة بمنافعها من الثلث؛ لأنه أوقع
стр. 1903
الحيلولة بينها وبين الوارث؛ كالغاصب: يضمن قيمة العين، وإن لم يزل ملك المالك عن العين؛ ولأن قيمة العين بالمنفعة، وقد جعلها للغير، وكما لو باع بثمن مؤجل: يعتبر جميع قيمتها من الثلث.
والثاني: خرجه ابن سريج-: يعتبر ما بين قيمته مسلوب المنفعة وغير مسلوب المنفعة، وإن كانت مؤقتة تقوم كامل المنفعة ومسلوب المنفعة سنة؛ لأن الرقبة باقية على ملك الورثة، وقيمتها محسوبة عليهم.
والوجه الثالث: إن أوصى بها مؤبداً-: يعتبر جميع قيمته من الثلث، وإن أوصى مؤقتاً-: تقوم المنفعة سنة؛ فيعتبر قدرها من الثلث، ولا تقوم الرقبة؛ لأن الرقبة لم تصر مسلوبة المنفعة؛ لأن منافعها بعد مضي المدة تكون للوارث؛ ولأن المنافع إذا تأبدت لا يُعرف قدرها، حتى يعتبر من الثلث، وإذا تأقتت- يُعرف قدرها؛ فيمكن اعتبارها من الثلث.
وقال الخضري: إذا كان مؤقتة-: يبنى على جواز بيع الدار المكراه، إن لم نجوز بيعها -: يعتبر جميع قيمتها من الثلث، وإن جوزنا بيعها-: فتعتبر المنفعة من الثلث، فإن قلنا: يعتبر خروج جميع العين من الثلث: فإن كانت قيمة العبد، أو قيمة الدار مائة، وله سواها مائتان-: صحت الوصية في الكل، وإن لم يكن له مال سواه-: صحت الوصية في ثلث منافع الدار، ويبقى ثلثا المنافع مع جميع الرقبة للوارث.
قال الخضري: إذا أوصى بخدمة عبده سنة، ولم يعين، بل قال: سنة من السنين-: فتعيينه إلى الوارث، أو أوصى بثمرة بستانه العام، وقال: إن لم يثمر-يستحق ثمر العام الثاني، أو جعل له خدمة عبده العام: فإن مرض هذا العام - خدم عاماً آخر، أو أوصى بخدمته مدةحياة زيد-: فهذا كله صحيح، وهو كما لو أطلق في أنه يعتبر جميع قيمته من الثلث، لأنه لا تتعين له سنة، حتى تعتبر منفعتها، ولا يجوز بيعه؛ فتبنى على بيع المُكراة؛ لأنه لا يدري متى يخلص منفعته للمشتري، فإن عين عاماً معلوماً، بحيث إن أخلف - لم يستحق الموصى له بعد ذلك شيئاً-: ففي جواز بيعه قولان؛ كالمُكراة.
ولو أوصى بالرقبة لواحد، وبالمنفعة لآخر قومت الرقبة في حق الموصى له بها، والمنفعة في حق الآخر.
وإذا أوصى بمنفعة عبدٍ أو ولدٍ، فعين العبد والدار يكون أمانة في يد الموصى له، حتى لا يلزمه ضمان الرد، ونفقة العبد تكون على الوارث؛ وكذلك: فطرته، سواء قال: مؤبداً أو مؤقتاً؛ كما لو أجر عبده من إنسان، أو أعار: تكون نفقته على المالك، حتى لو أوصى لإنسان بمنفعة عبده، ولآخر برقبته، فقبلا-: تكون نفقته وفطرته على الموصى له بالرقبة؛ كالمؤبد وجهاً واحداً.
стр. 1904
إذا أوصى بمنفعة عبده لإنسان مؤقتاً-: فنفقته على الوارث، وإن أوصى مؤبداً-: ففيه أوجه:
أصحها: على الوارث؛ لأنه مالك رقبته.
والثاني: على الموصى له نفقته دون فطرته.
والاثل: في كسبه، فإن لم يكن له كسب-: ففي بيت المال.
وإن احتاج البستان الموصى بثمرته إلى سقي أو الدار إلى عمارة -: لم يجب ذلك على واحد منهما؛ لأنه لو انفرد واحد بملك الكل-: لم يجبر على الإنفاق عليه.
ويجوز للموصى له بمنفعة الدار والعبد إعارته وإجارته؛ لأنه مالك لملك المنفعة.
ويجوز أن يسافر بالعبد، وإذا مات الموصى له؛ فتكون تلك المنفعة لوارثه، مؤبداً كان أو مؤقتاً.
ولو مات العبد-: بطلت الوصية؛ وكذلك: لو انهدمت الدار، ولو قتل-: كانت قيمته للوارث.
وقيل: إن كانت الوصية مؤبدة-: يشتري بقيمته عبداً آخر يخدم الموصى له.
ولو جنى عليه-: كان الأرش للوارث على ظاهر المذهب.
ولو أعتقه الوارث-: عتق مسلوب المنفعة، فلا يرجع المعتق بقيمة منفعته على المعتق؛ بخلاف ما لو أجر عبده، ثم أعتقه-: يرجع بأجر مثل ما بقي من المدة على المعتق في وجه؛ لأنه أخذ عوض تلك المنفعة، وههنا: لم يأخذ؛ وهذا لأنه أتلف على العبد منفعته بعد الحرية بعقده من قبل، فضمن، وههنا: لم يملك الوارث إلا رقبته مسلوب المنفعة؛ فبإعتاقه: لم تتلف منفعته، ولو باعه الوارث، إن كانت الوصية مؤبدة-: لم يصح بيعه، وإن كانت مؤقتة-: فعلى قولي بيع الدار المكراة.
ولو باعه من الموصى له-: يجوز فيا لمؤقت وفي المؤبد وجهان:
ولو أوصى له بحرفة أمةٍ-: لا يجوز لموصى له وطؤها ولا للوارث، ويجوز تزويجها لاكتساب المهر، ومن يزوجها؟ قيل: يزوجها الوارث، وقيل: لا يصح التزويج إلا بإنفاقها عليه، فلو وطئها الوارث- عليه المهر للموصى له.
قلت وإن أتت بولد من زوج أو زنا-: فيه وجهان:
أحدهما: يكون الولد ملكاً للموصى له؛ كالنسب.
والثاني: هو كالأم، وهو الأصح، يخدمه، فرقبته للوارث، ومنفعته للموصى له.
стр. 1905
ولو أولدها الوارث-: فالولد حر، وتصير أم ولد له، وتعتق بموته مسلوبة المنفعة، ويجب عليه قيمة الولد، ثم فيه وجهان:
أحدهما: يكون ملكاً للموصى له.
والثاني: يشتري به رقبة أخرى تخدم الموصى له، ورقبته للوارث.
ولو وطئها الموصى له: لا حد عليه؛ للشبهة؛ بخلاف المستأجرة: إذا وطيء-: عليه الحد؛ لأنه لم يملك منفعة البُضع؛ بدليل أنها إذا وُطئت يكون المهر للمالك، والموصى له ملك منفعة البضع؛ بدليل أنها إذا وطئت يكون المهر له، ولو أولادها: لا تصير أم ولدٍ له، والولد حر، وهل عليه قيمة الولد؟ إن جعلنا الولد كالنسب-: لا تجب وإن جعلناه كالأصل-: تؤخذ القيمة؛ فيُشترى بها عبد يخدمه، وقيمته للوارث.
هذا كله فيما إذا أوصى بمنافعه أبداً أو بحياة العبد أو بمدة معلومة.
أما إذا قال: أوصيت لك بمنافعه حياتك-: فهو إباحة، وليس بتمليك، لويس له أن يؤاجره.
وإذا مات الموصى له-: رجع إلى وارث الموصى، وكذا: لو قال: أوصيت لك بأن يخدمك هذا العبد-: صح، وتعتبر من الثلث منفعته، وليس له أن يؤاجره، وهل له أن يعيره فعلى وجهين؛ كالمستعار؛ لأنه إباحة ليس بتمليك، ويرتفع بموت الموصى له.
وكذلك: في الدار لو قال: أوصيت لك بأن تسكنها-: فهو كالإعارة.
قال ابن حداد: ولو أوصى لإنسان بدينار من غلة داره، وغلة داره كل سنة عشرة دنانير -: تصح، وليس للوارث بيع الدار ولا بيع شيء منها؛ لأن غلتها ربما تنقص؛ فتعود إلى دينار أو أقل، أما إذا أوصى بعشر غلة داره-: فللوارث بيع تسعة أعشارها.
ولو أوصى بدينار من غلتها، ولم تخرج الدار من الثلث، ولم يجز الوارث -: بيع الثلثين، ويُصرف دينار من غلة الثلث إليه، إن حصل؛ وألا فبقدر ما يحصل.
إذا أوصى بثمرة بستانه-: يصح، وإن كانت معدومة؛ كمنفعة الدار؛ وكذلك: إذا أوصى بما تحمل هذه الجارية، أو بما تحمل هذه الشجرة، أو بصوف هذه الشاة أو لبنها.
وقيل: إن اعتبرنا حال الوصية-: لا تصح.
وقال أبو حنيفة: لا تصح إلا فيما كان موجوداً يوم الوصية من الحمل في البطن واللبن في الضرع والصوف على الظهر، وقال في ثمرة الشجرة: تصح، وإن لم يكن موجوداً في الحال، والكل عندنا سواء؛ لأن الوصية تقبل من الغرر ما لا يقبله سائر العقود، وقيل: إذا
стр. 1906
أوصى بما تحمل هذه الجارية، أو بولد شاة، وهي في الوقت حائل: أنه لا يجوز بخلاف ثمرة البستان وصوف الشاة ولبنها؛ لأن ثمرة هذه الأشياء تحدث على العادة من غير إحداث شيء في الأصل؛ فكانت كالموجودة حالة العقد، والولد لا يحصل من غير إحداث شيء؛ فلم تصح الوصية به قبل الوجود، والأول أصح.
وإذا أوصى بثمرة بستانه، وهي موجودة-: تعتبر قيمتها من الثلث، وإن لم تكن موجودة: فإن كان على التأبيد-: ففيه وجهان:
أحدهما: يقوم جميع البستان.
والثاني: يقوم كامل المنفعة، ثم يقوم مسلوب المنفعة، ويعتبر ما بينهما من الثلث: فإن أحتمله الثلث-: تقدر الوصية، وإن أحتمل بعضها-: كان للموصى له قدر ما احتمل من الثلث؛ فيشاركه الورثة فيه، فلو كان الذي يحتمله النصف-: كان للموصى له من ثمرة كل عام النصف، وللورثة النصف.
أما إذا أوصى بحمل موجود في البطن، فقال: أوصيت لك بحمل هذه الجارية، أو بحمل هذه الدابة-: يجوز، ثم إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية، أو لأقل من استيلادها في الدابة-: كان للموصى له، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر، ولدون أربع سنين-نُظر: إن كان لها زوج يطؤها-: فالوصية مردودة؛ لاحتمال أنه حدث من بعد، وإن لم يكن لها زوج يطؤها-: ففيه قولان؛ كما ذكرنا في الوصية: للحمل، وإذا أوصى بالحمل-: هل يصح القبول قبل الوضع؟ إن قلنا: الحمل يعرف -: يصح؛ وإلا فلا.
ولو أوصى لإنسان بجارية، ولآخر بحملها-: صحت الوصية لهما.
ولو أوصى بالجارية، واستثنى لنفسه الحمل-: يجوز.
ولو أوصى، وقال: أعطوا فلاناً رأساً من رقيقي، وله أرقاء-: أعطى الوارث منها ما شاء، ذكراً أو أنثى أو خنثى، صغيراً أو كبيراً، أو معيباً أو كافراً، فلو مات الكل قبل موت المُوصى، أو قتلوا، أو أعتقهم إلا واحداً-:أعطى ذلك الواحد، وإن كان خيرها، ولم يكن للوارث-: دفع قيمة واحد من المقتولين.
ولو مات الكل أو قُتلوا قبل موت الموصِي-: بطلت الوصيةن ولو مات واحد منهم بعد موت الموصي والقبول-: للوارث أن يعين فيه حتىي جب الكفن على الموصى له، وإن قبل وعين فيه-: كانت القيمة للموصى له.
وإن مات واحدٌ، أو قتل بعد موت الموصى، وقبل القبول: إن قلنا: الملك للموصى له بالموت، أو يكون موقوفاً-: فهكذا للوارث أن يعين فيه، وإن قبلوا -: يعطي قيمة أيهما شاء،
стр. 1907
وإن قلنا: يملك بالقبول: فن مات أو قتلوا جميعاً-: بطلت الوصية، وإن بقي بعضهم-: فيعطى واحداً من الباقين كما لو مات قبل موت الموصي.
ولو كان له يوم الوصية رقيق واحد-: يعطي ذلك الواحد، وإن لم يكن له رقيق يوم الوصية، ولم يحدث قبل الموت-: فالوصية باطلة؛ وكذلك: لو قال: أعطوا فلاناً عبدي الحبشي، أو وصفه بصفة، وله عبيد ولم تكن بتلك الصفة-: فالوصية باطلة، ولا يشتري من ماله، وإن حدث له أرقاء قبل الموت-: هل يعطى من ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعطي، والوصية باطلة؛ اعتباراً بيوم الوصية.
والثاني: يعطى، اعتباراً بيوم الموت.
ولو كانت له أرقاء، وحدث آخرون-: هل يتعين حق الموصى له في الأولين أم للوارث أن يعطى من أي الحزبين شاء-: فعلى هذين الوجهين، ولو قال: أعطوه رقيقاً من مالي، ولم تكن له رقيق: يشتري من ماله بعد موته، ولو كان له أرقاء: فإن شاء الوارث أعطى واحداً منها، وإن شاء- اشترى.
ولو أوصى، وقال: اشتروا لفلان مملوكاً أو شاة-: لم يجز أن يشتري معيبة ولاخنثى؛ لأن الخنوثة عيب؛ بخلاف ما لو قال: أعطوه رأساً من رقيقي، أو شاة من شياهي؛ لأن طلاق الأمر بالشراء-: يقتضي السليم؛ كما في التوكيل بالشراء.
قلت: ويحتمل غيره.
ولو قال: أعطوه رأساً من الرقيق، ولم يقل: من مالي، أو قال: ديناراً، ولم يقل من مالي-: لا يكون وصية.
ولو قال: أعطوه عبداً-: لا يعطي أمة، ولا خنثى، إذا كان مشكلاً؛ فإن كان واضحاً ذكراً-: يجوز.
ولو قال: أعطوه أمةً-: لا يعطى عبداً ولا خنثى، وكذلك: لوأوصى بعتق عبد أو أمة.
ولو قال: أعطوه رقيقاً يخدمه في السفر -: لا تجو أمة ولا خنثى، ولو قال: ليستمتع به أو ليحصن ولده-: لا يجوز عبد ولا خنثى.
ولو قال: أعطوه شاة من شياهي-: يعطى واحدة منها، ذكراً أو أنثى أو خنثى، ضانة أو ماعزة؛ صحيحة أو معيبة؛ فإن كانت أغنامه كلها ذكوراً -: لا يدفع إليه أنثى، وإن كانت إناثاً-: لايدفع ذكر، ولا يجوز سخلة؛ لأنها لا تسمى شاة، ويجوز صغيرة الجثة، ولو لم يكن له شاة-: فالوصية باطلة إلا أن يقول: شاة من مالي، فيشتري واحدة.
ولو قال: شاة يحلبها-: لا يجوز إلا أنثى.
стр. 1908
ولو قال: شاة للإنزاء-: لا يجوز إلا ذكر، ولا يجوز فيها خنثى.
ولو قال: أعطوه ناقة من نوقي -: يعطى أنثى، ولو قال: جملاً من إبلي-: يُعطى ذكراً.
ولو قال: بعيراً-: نص على أنه يعطى ذكراً، والصحيح: أنه اسم جنس، يجوز الذكر والأنثى، ولو قال: عشراً من إبلي-: يجوز الذكر والأنثى، ولو قال: أعطوه ثوراً من بقري، يعطى ذكراً.
ولو قال: عشر بقرات-: يعطى الإناث، ولو قال: بقرة، أو بغلة-: يعطى أنثى؛ وقيل: الهاء للتغريد؛ فيجوز الذكر والأنثى، وهو قول أبي حنيفة.
والأول أصح.
وكذلك لو وكله بشراء بقرة أو بغلة-: تكون أنثى، ولو قال: عشر من البقر-: فهي للذكر والأنثى.
ولو قال: أعطه دابة من دوابي-: أعطى واحدة من الخيل، أو البغال أو الحمير، ذكراً كان أو انثى، صغيراً أو كبيراً، أعجق أو سميناً، ولا يعطى من غيرها؛ لأنها المعهودة في العرف، وإن كانت الدابة في اللغة اسماً لكل ما يدب على وجه الأرض، وإن لم يكن له شيء، من هذه الأنواع-: لا تصح الوصية، وإن كان له نوعان منها-: وقع واحداً من أيهما شاء الوارث، وإن كان نوع واحد-: يعطى واحد منه، هذا إذا أطلق، فإن قرن به ما يدل على أن المراد منه احد الأنواع-: يحمل عليه؛ مثل: أن يقول: دابة للغزو-: فيحمل على الخيل، وإن قال: دابة للحمل-: أعطى حماراً أو بغلاً، فإن كان ببلد يحملون على البراين-: جاز إعطاء برذون، وإن قال: دابة؛ لينتفع بظهرها ونسلها-: يحمل على الخيل أو الخمر، لأن البغال لا نسل لها، ولو قال: لينتفع بظهرها ودرها-: يحمل على الخيل؛ لان البغال والحمير لا در لها.
وتجوز الوصية بما يجوز الانتفاع به من النجاسات؛ كالسماد والزيت النجس والكلب والميتة على طريق نقل اليد؛ لأنه يحل اقتناؤه للانتفاع، أما ما لا يحل الانتفاع به، كالخمر والخنزير والكلب العقور-: لا تجوز الوصية به.
فلو أوصى، وقال: أعطوه كلباً من كلابي، أو كلباً من مالي، وله كلاب-: يعطى واحداً مما يجوز اقتناؤه من كلب صيد أو ماشية أو زرع؛ لأن الكلب- وإن لم يكن مالاً - فمن حيث إنه يقتنيه، وتحت يده: كالمال، ولا يعطى كلب هراش، فإن لم يكن له كلب، أو كان كلب هراش-: فالوصية باطلة، سواء قال: كلباً من كلابي، أو كلباً من مالي؛ لأنه لا سبيل إلى
стр. 1909
شرائه، ولو كانت له كلابٌ، فأوصى بها لإنسان، ولا مال له-: أعطي ثلثها، وكيف نقدر الثلث، إذا وصى بثلث كلابه؟ ففيه أوجه:
أحدها: بالعدد؛ فإن كان له ثلاث كلاب -: يعطى واحدة منها.
والثاني: قاله صاحب "التلخيص"-: يقدر له قيمة، فيعطى ثلثها باعتبار القيمة.
والثالث: يقدر بالمنفعة، وإن لم يكن له إلا كلب واحد-: أوصى به لإنسان، أعطى ثلثه، ولو أوصى بكلابه، وله مال: من أصحابنا من قال-: وهو قول ابن أبي هريرة -: يعطى إليه جميع الكلاب، وإن كثرت، وإن كان المال قليلاً، ولو دانقاً؛ لأن المال - وإن كان قليلاً- فهو خيرٌ من الكلاب؛ إذ لا قيمة للكلاب، حتى تكون وصيته خارجة من الثلث.
ومنهم من قال: تُقوم منافع الكلاب؛ فتضم إلى ماله من المال؛ فيدفع إليه الثلث من الكلاب؛ كم لو أوصى لإنسان بثلث ماله، وله أعيان ومستغلات وعبد أوصى له بخدمته -: ضم المنافع على الأعيان، ويخرج الثلث:
قلتُ: وعلى ما قال صاحب "التلخيص" تقدر للكلاب قيمة، فتضم القيمة إلى ما عنده من المال، ويعطى الثلث.
وقال الإصطخري: يعطي إليه ثلث الكلاب؛ لأن الكلب ليس بمال؛ فيعتبر حاله بنفسه، ودفع إلى الموصى له ثلثه.
ولو قال: أعطوه طبلاً من طبولي، وله طبول-: يعطي إليه طبل حرب، أو طبل نار، أو طبل عكار، ولا يعطي طبل اللهو، إلا أن يصلح لشيء مباح قبل تغييره أو بعد تغييره، مع بقاء اسم الطبل عليه؛ فيجوز أن يعطي ذلك، ولو لم يكن له إلا طبل لهو لا يصلح لمباح، ولو فصل لمباح لا يقع عليه اسم الطبل-: فالوصية باطلة.
ولو قال: طبلاً من مالي-: يشتري له طبل حرب أو لهو أو نار، ولا يجب إعطاء الجلد إذا كان يسمى طبلاً، فإن كان لا يقع عليه اسم الطبل إلا مع الجلد أعطى مع الجلد.
ولو قال: أعطوه عودا من عيداني-: فإطلاق اسم العود إنما يتناول العود الذي يضرب به دون غيره؛ فوصيته تُحمل عليه، فإن كانت له منه عيدان تصلح لمنفعة مباحة على صفته-: يعطى، وإن لم تصلح لمنفعة مباحة، حتى يغير- لا يقع عليه اسم العود بعده؛ فوصيته باطلة، ولا يعطى من عيدان القسي والبناء؛ بخلاف الطبل، حيث قلنا: يعطى طبل الحرب والعكار؛ لأن اسم الطبل يطلق على طبل الحرب واللهو جميعاً، واسم العود لا يطلق إلا على عود اللهو، وحيث صح: يدفع بلا وتر ولا مضراب، فن لم يكن له إلا عيدان الخشب أو البناء أو القسي-: فيعطى واحد منها؛ لأنه-: وإن لم يُسمى عوداً مطلقاً-: فيقع عليه هذا الاسم عند التقييد.
стр. 1910
وإذا أضاف إلى ملكه، وليس له غيره-: حُمل عليه.
ولو قال: أعطوه قوساً من قسي-: أعطي قوس نبل أو نشاب أو حسبان، وكذلك: لو قال عوداً من القسي-: يعطى قوس معمول منها، ولا يجب إعطاء الوتر؛ لأنه لا يسمى قوساً، إنما هو آلة للانتفاع بالقوس؛ كما لو أوصى بفرسٍ-: لا يجب إعطاء السرج.
وقيل: يعطى الوتر، ولا يعطى قوس ندف ولا جُلاهق، وهو قوس البندق إلا أنه لا يكون له إلا ذلك: فتحمل وصيته عليه.
ولو كان له قوس الندف وقوس البندق-: أعطي قوس البندق؛ لأن الاسم إليه أسبق؛ كما لو قيد، وقال: قوساً-: يرمى إلى الطير، فيعطى الجلاهق.
ولو قال: أوصيت لك بأحد هذين العبدين، واحدها له، أو بأحد هذين الزفين، وأحدها خل، والآخر خمر-: انصرف إلى عبد نفسه، وإلى الخل؛ كما في الطبل.
قلتُ: وتحتمل غيره؛ فنه لو كانت زوجته مع أجنبية، فقال: إحداكما طالق، ثم قال: عنيت الأجنبية-: يُقبل.
فصل فيما تجري فيه الوصية
الوصية صحيحة بما فيه قربة، وهي مستحبة، أما ما فيه معصية-: فالوصية فيه باطلة؛ مثل: إن أوصى ببناء يقعد لأهل الفساد، أو يبيع السلاح من أهل الحرب؛ لأن الوصية إنما جُعِلت لزيادة الحسنات، ولتدارك الإنسان بها ما فاته من الخيرات، حتى لو أوصى مي ببناء كنيسة أو بيعة أو بكتابة التوراة أو بدهن لسراج البيعة وقراءة التوراة لا يصح.
أما إذا أوصى ببناء دار أو رباط لنزول أهل الذمة يجوز، وكذلك لو أوصى به مسلم أو وقف عليه شيئاً أو أوصى ببناء دار لتصرف غلته إلى النصارى يجوز.
ولو أوصى ببيع ماله من رجل من غير محاباة هل تصح أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح لأنه لا قربة فيه.
والثاني: تصح لأنه قصد تخصيصه بالتمليك.
فصل في تقدم الحج على الوصية
إذا مات، وعليه حج يحج عنهمن رأس ماله، سواء أوصى به أم لم يوص؛ كما يقضي
стр. 1911
الدين، وإن أوصى بأن يحج عنه حجة الإسلام، أو يقضي دينه من ثلثه-: يحج ويقضي من ثلثه، وتزاحم أهل الوصايا، فإن كان معه تبرعات-: ففيه وجهان:
أحدهما: يُقسط الثلث على الجميع، فإن كان ما يخص الحج والدين من الثلث لا يكفي له-: يكمل من رأس المال؛ لأنه في الأصل من رأس المال.
والثاني: يقدم الحج والدين؛ لأنه واجب، ثم يصرف ما فضل إلى الوصايا، فأما إذا أوصى بح الفرض أو بقضاء الدين مطلقاً، ولم يقيد الثلث-: فالمذهب: أنه يقضي من رأس المال؛ كما لو لم يوص، وليس في الوصية إلا تذكير الورثة.
وقيل يجعل من الثلث؛ كسائر التبرعات؛ لأنه لما أوصى-: جعله كسائر الوصايا، ثم إن لم يف حصته من الثلث-: يكمل من رأس المال.
ولو أوصى بحج التطوع، وجوزنا-: فيكون من الثلث.
فإذا أوصى وقال: أحجوا عني رجلاً بمائة، واصرفوا ما بقي من ثلثي إلى فلان، وأوصى لثالث بثلث ماله، أو أوصى لرجل بمائة، ولآخر ما بقي من الثلث، ولثالث بثلث ماله، فإن كان ثلث ماله أكثر من مائة-: فهذا الرجل أوصى بثلثي ماله، فإن أجاز الوارث-: صُرف مائة إلى الحج أو إلى الموصى له بالمائة، وباقي الثلث إلى الموصى له بالباقي، والثلث إلى الموصى له بالثلث.
مثلُ: إن كان ماله تسعمائة: صرف مائة إلى الحج، ومائتان إلى الموصى له بباقي الثلث، وثلاثمائة إلى الموصى له بالثلث، وإن لم يجز الوارث ما زاد على الثلث: رُدت الوصية إلى نصفها، وهوا لثلث؛ فندفع نصفه إلى الموصى له بالثلث، وهو مائة وخمسون؛ لأنه كان في حال الإجازة أنصافاً، ونصفه حين الحج، والموصى له ببقية الثلث؛ كما كان في حال الإجازة، وكيف يُقسم ذلك النصف بين الحج والموصى له بالبقية؟ فيه وجهان:
أصحهما: يُدفع مائة إلى الموصى له بالمائة أو على الحج، وخمسون إلى الموصى له بالبقية؛ لأنه حصل حقه فيما يبقى بعد المائة؛ فلا يأخذ شيئاً قبل أن يستوفي الموصى له بالمائة حقه.
والوجه الثاني: يقسم على نسبة الإجازة؛ فيكون للحج، أو للموصى له بالمائة خمسون، وللموصى له بالبقية مائة، وإن كان الثلث مائتين -: فمائة للموصى له بالثلث، والمائة الأخرى: للحج؛ على الوجه الأول، وعلى الثاني: المائة الأخرى بين الحج والموصى له بالبقية نصفان، ولو لم يكن للموصى إلا ثلاثمائة، فإن أجاز الوارث-: صرف مائة إلى الحج، ومائة إلىلموصى له بالثلث، ولا شيء للموصى له بالبقية؛ لأنه لم يزد الثلث على
стр. 1912
المائة، وإن لم يُجز الوارث-: فعلى الوجه الأول يجعل مائة للحج، ولا شيء للآخرين، وعلى الوجه الثاني: يجعل المائة بين الحج وبين الموصى له بالثلث نصفان.
ثم إن كان الحج تطوعاً، ولم يف ما خصه للحج-: بطلت الوصية بالحج، وإن كان فرضاً-: يكمل من رأس المال.
أما إذا بدأ، فأوصى بثلث ماله لرجل، ثم أوصى لمن يحج عنه بمائة، وأوصى لآخر بما يبقى من الثلث-: ففيه وجهان
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق-: أن الوصية بالباقي بعد المائة باطلة؛ لأن الوصية بالثلث تمنع من أن يبقى من الثلث شيء؛ فعلى هذا: إن أجاز الوارث-: نفذت الوصيتان، وإن لم يُجز-: رُدت إلى الثلث، فإن كان الثلث مائة-: استوت وصيتهما؛ فيجعل الثلث بينهما نصفين. وإن كان الثلث مائتين-: قسم بينهما على ثلاثة أسهم سهمان للموصى له بالثلث، وسهم للموصى له بالمائة.
والوجه الثاني: وهو قول ابن أبي هريرة-: أن الحكم في هذه المسألة كالحكم في المسالة قبلها؛ لأنه إذا أوصى بالمائة بعد الثلث -: عُلم أنه لم يرد به ذلك الثلث؛ لأن الوصية الأولى قداستوعبته، وإنما أراد من الثلث الثاني، وإذا أوصى بعد المائة بما بقي من الثلث -: دل أنه أراد ما تبقى من الثلث الثاني؛ فصار موصياً بثلثي ماله؛ كالمسألة قبلها.
فصل في بيان الوصية إن كانت لجهة
إذا كانت الوصية لغير معين؛ الفقراء والمساكين؛ فإنها تلزم بالموت من غير قبول واحد، وإن كانت لمعين-: فلا يلزم إلا بالقبول؛ كما لو وهب من إنسان شيئاً-: يشترط قبوله. ولا يصح القبول إلا بعد موت الموصي؛ لأنه أوجب له بعد الموت؛ فيشترط القبول بعده، ولا حكم لقبوله ولا لرده في حياة الموصى، حتى لو رده في حياته-: فله أن يقبله بعد موته.
وألفاظ الإيجاب سواء قال: وصيت لفلان بكذا، أو فلان كذا، أو أعطوا فلاناً كذا، أو ما أشبه ذلك، وكله سواء.
وإذا مات المُوصي-: فالموصى له متى يمل ما أوصى له به؟ فيه أقوال:
أحدها: وهو اختار المُزني -: يمل بموت الموصي؛ كالميراث؛ غير أن الميراث لا يرتد بالرد، والوصية تُرتد.
стр. 1913
والثاني: وهو الأصح-: يكون موقوفاً.
فإن قَبِلَ بان أنه ملك بالموت؛ لأنه لو ملك بالموت قطعاً-: لكان لا يرتد بالرد؛ كالميراث.
والثالث: وهو الأضعف، وبه قال أبو حنيفة-: يملكُ بالقبول.
وعلى الأقوال كلها لو رده بعد موت الموصي قبل القبول-: يرتد إلى الوارث، حتى لو قبل بعده-: لا يعود، وإذا رد بعد القبول-: لا يرتد، سواء كان قبل القبول أو بعده.
وقيل: إن رد قبل القبض-: يرتد؛ كالموهوب: يرده قبل القبض.
والأول أصح؛ لأن ملكه قام قبل القبض؛ بدليل أن بعد القبول: ينفذ تصرفاته فيه، وإن لم يقبضه.
وإن لم يقبل، ولم يرد-: كان للورثة مطالبته بالقبول أو الرد، فإن امتنع-: حُكم عليه بالرد؛ من يحجر أرضاً وامتنع من إحيائها-: أجبر على الإحياء أو الترك. ولو تصرف فيه ببيع أو هبة أو رهنه قبل القبول.
إن قلنا: يملك بالقبول-: لا يصح.
وإن قلنا: بالموت-: يصح.
وإن قُلنا: موقوف-: فقد قيل: تصح، ويجعل تصرفه قبولاً؛ كما لو اشترى شيئاً بشرط الخيار فرهنه في زمان الخيار-: يكون قبولاً.
والمذهب: أنه لا يصح؛ بخلاف الشراء بشرط الخيار؛ لأن البيع هناك تم بالإيجاب والقبول، وههنا: لم يتم بالقبول.
وإذا حصل من العين الموصى بها زوائد منفصلة-: نُظر: إن حصلت قبل موت الموصى-: تكون للموصى، وإن حصلت بعد موته، وبعد القبول-: فتكون للموصى له، فإن حصلت بعد موت الموصى، وقبل القبول-: يبنى على أقوال الملك.
إن قلنا: يمل بالموت-: فالزوائد للموصى له، سواء قبل الوصية في الأصل أو رد.
وإن قلنا: موقوف؛ فإن قبل: فللموصى له، وإن رد يرتد حقها.
وإن قلنا: تملك بالقبول-: فلا يكون للموصى له؛ لأنها لم تحدث على ملكه، سواء قبل الوصية في الأصل أو رد، وحيث قلنا: ترتد الزوائد-: فإلى من ترتد-: فيه وجهان:
أحدهما: إلى الموصى، ينقد ديونه ووصاياه؛ كالأصل إذا رده.
стр. 1914
والثاني: يكون للوارث؛ لأنها حدثت بعد زوال ملك الموصي.
ولو أوصى لإنسان بجارية أو بشاة، فولدت-: لا يخلو: إما إن كانت حائلاً يوم الوصية أو حاملاً، فإن كانت حائلاً: فلا يخلو إما إن ولدت قبل موت المُوصي أو بعد موته، أو قبل قبول الموصى له، أو بعد القبول-: فإن ولدت قبل موت الموصى-: فالولد خارج عن الوصية؛ كالنسب، وإن ولدت بعد موته قبل القبول-: نُظر: ن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم الموت-: بان أنه كان موجوداً يوم الموت، وحدث قبله.
فإن قلنا الحمل يعرف-: فهو للموصى، كما لو ولدت قبل الموت، وإن قلنا: لا يعرف-: فكالزوائد الحادثة بعد الموت.
وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من يوم الموت-: فكالزوائد الحادثة بعد الموت، وإن ولدت بعد القبول- نُظر: إن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت القبول-: فهو للموصى لهن وإن أتت به لأقل من ذلك-: بان أنه كان موجوداً يوم القبول.
فإن قلنا: الحمل يعرف-: فهو كالزوائد الحاصلة بعد الموت [و] قبل القبول.
وإن قلنا: لا يعرف-: فهو كالموصى له؛ كالحادث بعد القبول.
وإن كانت حاملاً يوم الوصية: فإن قلنا: الحمل يُعرف -: فهو كما لو أوصى بالأم مع الولد: إن قبلهما-: فهما له، وإن ردهما-: فللوارث، وإن قبل أحدهما-: فذلك له دون الآخر، فإن قلنا: الحمل لا يعرف-: فهو كالحادث من بعد، فإن ولدت قبل موت الموصى-: فهو له، وإن ولدت بعده- فكالزوائد.
ولو زوج أمته من رجل، ثم أوصى بها لزوجها: فإن كان الزوج عبداً-: فهو وصية لسيده، وإن كان حراً-: فهو وصية له، فإذا أتت بولد-: نُظر: إن كانت حاملاً يوم الوصية-: فالجارية لا تصير أم ولد له، وأما الولد: إن قلنا: الحملُ يعرف-: فقد أوصى بها، فإذا قبل بعد موت الموصى-: عتق الولد عليه بالملك.
وإن قلنا: لا يُعرف الحمل: فإن ولدت قبل موت الموصي-: فالولد خارج عن الوصية مل للموصى، وإن ولدت بعد موته-: فكالزوائد، فإذا جعلناه للموصى له-: عتق عليه بالملك، وإن كانت حائلاً يوم الوصية: فإن أتت به قبل موت الموصى-: فهو للموصى، وإن أتت به بعد موته- نُظر: إن أتت به لأقل من ستة اشهر من يوم الموت-: بان أنه كان موجوداً يوم الموت-: فالجارية لا تصير أم ولد له؛ لأنه حصل العلوق به قبل الملك، ثم الولد: إن قلنا: الحمل يُعرف-: فملك للموصى.
وإن قلنا: لا يعرف-: كالزوائد الحادثة بعد الموت، فإذا جعلناه للموصى له-: عتق
стр. 1915
عليه بالملك، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم الموت وقبل القبول ثم قَبِلَ: إن قلنا: يملك بالموت، أو موقوف-: صارت الجارية أم ولد له؛ لأن الولد حدث على ملكه، ولا ولاء عليه، وإن قلنا: يملك بالقبول-: فلا تصير الجارية أم ولد له، والولد للوارث، وإن أتت به بعد القبول-نُظر: إن أتت به لستة أشهر فأكثر من وقت القبول-: صارت الجارية أم ولد له، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت القبول-: بان أنه حدث قبل القبول؛ فهو كالخارج قبل القبول، فإن قلنا: يملك بالموت أو موقوف-: كانت الجارية أم ولد له، إذا أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم الموت.
وإن قلنا بالقبول-: فالجارية لا تصير أم ولد له، ثم إن قلنا: الحمل يعرف-: كان الولد للوارث، وإن قلنا: الحمل لا يُعرف-: يعتق الولد بالملك على الموصى له.
ولو مات الموصى له- نُظر: إن مات قبل موت الموصي -: بطلت الوصية، وإن مات بعد موت الموصى وقبل القبول-: قام وارثه مقامه في القبول، وبقبوله: يحصل الملك للموصى له؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: تلزم الوصية بموت الموصى له؛ فلا يمكن لوارثه رده.
ثم كل موضع حكمنا بعتق الأولاد، وتصيير الجارية أم ولد له في الوصية بالزوجة-: فإذا قبل الوارث بعد موته-: تكون كذلك.
ولو أوصى لإنسان بجارية، قيمتها ثلاثمائة، ومات عن ستمائة أخرى، ثم وهب للجارية بعد موته مائة، وأتت بولد قيمته مائتان، ثم قبل الموصى له الوصية: فن قلنا: تملك بالموت أو موقوف-: فالولد والكسب للموصى له.
وإن قلنا: بالقبول-: فله الجارية دون الولد والكسب.
وعند أبي حنيفة: له الجارية وثلث الولد وثلث الكسب.
وقال أبو يوسف ومحمد: له الثلثان من الجارية مع ثلثي الولد والكسب.
ولو أوصى للرجل ممن يعتق عليه من أب أو ابن-: لا يجب قبوله، وله رده.
وعند مالك: يجب قبوله.
وقيل: إن قلنا: يملك بالموت - لا رد له؛ لأنه عتق عليه، وليس بصحيح؛ لأنا لا نحكم بالعتق ما لم يقبل.
стр. 1916
فصل فيما لو زاد ماله وقد أوصى بالثلث
إذا أوصى بثلث ماله، ثم ازداد ماله-: فالاعتبار في قدر المال بيوم الوصية أم بيوم الموت؟ فيه وجهان:
أصحهما: بيوم الموت؛ لأنه وقت لزوم الوصية؛ فيجب إخراج الثلث من جميع ما زاد.
ولو أوصى بألف، ولم يكن له مال يوم الوصية، ثم استفاد مالاً-: تعلقت به الوصية؛ وكذلك: لو كان له مال، فهلك، ثم استفاد آخر-: تعلقت به.
والثاني: الاعتبار بيوم الوصية؛ كما لو نذر أن يتصدق بثلث ماله-: يتعلق بالموجود حالة النذر؛ فعلى هذا: لو زاد ماله: لا يلزمه إخراج الثلث من تلك الزيادة.
ولو أوصى بألف، ولا مال له، ثم استفاد مالاً-: لا تتعلق به الوصية.
ولو أوصى بدار-: يدخل فيه كل ما يدخل في مطلق بيع الدار، فلو انهدم بعض الدار قبل موت الموصى-: فالوصي بما فيه فيما بقى، إذا لم يزل عنها اسم الدار، وما انفصل منها: فخارج عن الوصية؛ نص عليه.
وقيل: لا يخرج عن الوصية؛ اعتباراً بحالة الوصية؛ فإنه كان متصلاً بها يوم الوصية، وإن صارت عرضة، وزال عنها اسم الدار-: ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل الوصية؛ لأنه أوصى له بالدار، وقد زال عنها اسم الدار.
والثاني: وهو الأصح-: لا تبطل؛ لأنه لم يوجد منه ما يدل على الرجوع، فأما إذا هدمها الموصي-: كان رجوعاً؛ لأنه تصرف بما أزال به الاسم؛ كما لو أوصى بحنطة فطحنها، وقيل: ن بقي هناك ما يتناوله اسم الدار-: فلا يكون رجوعاً، أما ما انفصل-: فيكون خارجاً عن الوصية.
ولو أوصى له بثلث شيء، فاستحق ثلثاً-: نقل المزني: أن له الثلث الباقي، ونقل الربيع: أن له ثلث الباقي، فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من جعله على قولين:
أحدهما: له ثلث الباقي؛ لأن الاستحقاق ورد على الثلثين شائعاً؛ كما لو أوصى بثلث ماله، ثم استحق من ماله الثلثان-: كان له ثلث الباقي.
والثاني: له ثلث الباقي، وهو الأصح؛ لأنه أوصى له بالثلث، وثلث الدار مملكة والثلث، يحتمله؛ كما لو أوصى له بعبد يحتمله الثلث، وليس كما لو أوصى بثلث ماله، فاستحق ثلثاه؛ لأن ماله هو الباقي بعد الاستحقاق؛ فيكون له ثلثه.
стр. 1917
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين حيث قال له الثلث الباقي.
صورته: أن يشتري ثلث دار من زيد، وثلثيها من عمرو، وأوصى لإنسان بما اشتراه من زيد، ثم استحق ما اشتره من عمرو وبالاستحقاق ولم يرد على ما أوصى به.
وحيث قال: له ثلث الباقي: أراد به إذا أوصى بثلثها مطلقاً.
ولو أوصى له بثلث ثلاثة أبعد، فاستحق اثنان منهم-: فله ثلث الباقي؛ لأنه لم يوص له من كل واحد إلا بثلثه.
ولو أوصى بثلث صبرة، فتلف ثلثاها-: يصرف إليه ثلث الباقي؛ لأن الوصية قد تناولت بعض ما تلف، ولم تتناول المستحق.
فصل فيما يعتبر من الثلث
من تصرف الإنسان التبرعات المعلقة بالموت، كالتدبير، والوصية بالصدقة، والمحاباة في البيع، إذا أوصى به-: يكون معتبراً - من الثلث، سواء كان وقت العقد صحيحاً أو مريضاً؛ لأنه ينجزه بعد الموت.
أما التبرعات المنجزاة فيا لحياة - ينظر فيه: فإن فعل في حال الصحة-: لم يعتبر من الثلث؛ لأنه لا حق لأحد في ماله، وإن فعل في مرض الموت، مثل: إن وهب شيئاً أو تصدق به أو وقفه، أو أبرأ عن دين، أو أعتق عبداً، أو كاتبه، أو باع بالمحاباة، أو نسيئة، أو اشترى بالغبن الفاحش-: فيكون معتبراً من الثلث.
أما الغبن اليسير الذي يقع مثله لأهل البصر-فنقول: لو وهب في الصحة وأقبض في المرض-: يكون من الثلث.
ولو باع المريض بثمن المثل-: جاز، سواء باع من الوارث أو من أجنبي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح بيع المريض من وارثه، وإن باع بأضعاف ثمنه، ووافقنا أن الشراء منه يصح، ون نكح المريض في مرض موته-: يصح، وإن نكح أربعاً، ثم إن لم يزد على مهر المثل-: يكون من رأس المال؛ لأنه لا يخرجه عن ملكه بغير عوضن وكذلك ما أنفق المريض على نفسه باللذات والشهوات المباحة من شراء الأطعمة الشهية والثياب النفيسة، وشراء الجواري الحسان-: يكون من جميع ماله، إذا لم يزد على ثمن المثل، وإن نكح بأكثر من مهر المثل-: فتلك الزيادة وصية، فإن لم تكن المرأة وارثة بأن كانت أمة أو ذمية-: تعتبر تلك الزيادة من الثلث، وإن كانت ممن يرث-: فالزيادة مردودة.
ولو نحت امرأة في مرض موتها-: صح النكاح؛ ثم لو نكحت بمهر المثل فأكثر-: ثبت، وإن نكحت بأقل من مهر المثل: فإن كان الزوج ممن يرث-: يكمل مهر المثل، وإن لم
стр. 1918
يكن ممن يرث-: لا يكملن فهذا النقصان وصية في حق التكميل؛ إن كان الزوج وارثاً، وليس بوصية في الاعتبار من الثلث؛ لأنه لا يتوهم بقاء البُضع للوارث بعد الموت؛ فهو كما لو أعار المريض نفسه أو أجره بالمحاباة-: لا يعتبر من الثلث؛ وإنما يعتبر من الثلث ما يتوهم بقاؤه للوارث، لو تعجل الموت، حتى لو أعار عبده أو أجره بالمحاباة-: يعتبر من الثلث.
ولو أعتق أمة في مرض موته، ثم نكحها، فمات-: لا ميراث لها؛ لأن عتقها وصية، والميراث والوصية لايجتمعان، أما إذا أعتق أم ولده في مرضه، ثم نكحها-: ورثته؛ لأن عتقها ليس بوصية؛ لأنه من رأس المال، وإن كانت الأمة القن ثلث ماله، أعتقها، ونكحها في مرضه-: فلا مهر لها أيضاً؛ لأنا لو ألزمناه المهر-: لزمه دين يمنع خروجها من الثلث، وإذا لم يخرج عتقها من الثلث-: لم يصح نكاحها، ويجب لأم الولد، إذا أعتقها ونكحها المهر، لأن عتقها من رأس المال.
ولو باع في مرض موته عبداً، لا مال له سواه؛ بثمن مؤجل يعتبر من الثلث سواء باعه بمثل ثمنه أو أكثر، ثم إن لم يُجز الوارث، وردما زاد على الثلث-: فالمشتري بالخيار، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز في ثلثه بثلث الثمن.
ثم إذا أدى ذلك الثلث من الثمن-: هل يزاد، ويصح العقد في نصف ما أدى؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن العقد ارتفع في الباقي.
والثاني: يُزاد بقدر نصفه، وهو السدس، ثم إذا أدى ذلك السدس-: يُزاد بقدر نصفه؛ لأنه لا يحصل للوارث شيء إلا زيد في الوصية بقدر نصفه؛ ألا ترى أنه لو ظهر للميت مال بقدر ما يخرج كله من الثلث-: يصح العقد في كُله.
ولو باع في مرضه عبداً يساوي ثلاثمائة بمائة، لو مال له سواه: فإن أجاز الوارث-: صح البيع في الكل، وإن لم يُجز الوارث-: يبطل البيع فيما لا يخرج من الثلث.
وقيل: في الباقي قولان؛ بناء على تفريق الصفقة.
والمذهب: أن البيع لا يبطل في الباقي؛ لأن المحاباة في المرض وصيةن والوصية تقبل من الغرر ما لا يقبل غيرها، ويتوقف من عقود المريض ما لا يتوقف من عقود الصحيح؛ وهذا لأنه لو رُوعي فيه ما يُراعى في عقود الصحيح-: أدى إلى بطلان الوصية، وفيه تفويت حق المريض.
إذا ثبت أنه لا يبطل في الكل-: ففي قدر ما يصح منه قولان:
أظهرهما- وعليه نص الشافعي-: أن البيع يصح في مقدار ما يخرج من الثلث بجميع
стр. 1919
الثمن، فيضم ما أحتمله الثلث إلى قدر الثمن من البيع؛ فيصح فيه البيع؛ ففي هذه المسألة ما يحتمله الثلث مائة فيضم إلى قدر الثمن من البيع، وهو مائة؛ فيصح البيع في ثلثين العبد بجميع الثمن، وهو مائة؛ فذهب في المحاباة مائة، وبقي للورثة مائتان: مائة من العبد ومائة من الثمن.
والقول الثاني: خرجه ابن سريج، وقال: لا يجوز أن يبطل البيع في شيء من البيع، إلا وسقط بقدره من الثمن؛ لأنه قابل بالثمن بالكل؛ فيوزع على جميعه؛ فينظركم نسبة الثلث من جميع الوصية؛ فيصحح العقد بتلك النسبة؛ فههنا: نسبة الثلث من جميع الوصية نسبة النصف؛ فيصحح العقد في نصفه بنصف الثمن، وهو خمسون؛ يذهب في الوصية مائة، ويبقى للوارث مائتان: مائة وخمسون من العبد، وخمسون من الثمن.
هذا إذا كان العوضان مما لا يعتبر المساواة بينهما، فإن كان العوضان مما لا يجوز التفاضل بينهما؛ مثل إن باع قفيز حنطة يساوي عشرين بقفيز حنطة أردأ يساوي عشرة في مرض موته، ولم يُجز الوارث: من أصحابنا من قال: إن قلنا بالقول الأول: إن العقد يصح في مقدار ما يخرج من الثلث بجميع الثمن- فههنا: يبطل العقد في الكل؛ لأن الفضل بينهما حرام، وعلى القول الآخر: يصح العقد في ثلثي القفيز الجيد بثلثي الرديء.
ومنهم من قال: هذا على قول واحد، وهو الأصح: أنه يصح العقد في ثلثي الجيد بثلثي الرديء حتى لا يؤدي إلى إبطال حق الميت في الوصية.
فصل فيمن تصح منه الوصية
من صح تصرفه في المال-: صحت وصيته، ولا تصح وصية الصبي الذي لا يعقل، ولا وصية لمجنون.
ولو أوصى مراهق بشيء، أو دبر عبداً-: هل يصح أم لا فيه قولان.
أصحهما: وهو قول أبي حنيفة-: لا يصح؛ كما لا يصح بيعه، ولا إعتاقه.
والثاني: يصح؛ وبه قال مالك؛ لأنه لا ضرر عليه فيه؛ فإن ملكه لا يزول عنه مادام حيًّا، وبعد الموت: يبقى له ثوابه؛ بخلاف ما لو علق عتق العبد في حياته: لا يجوز؛ لأنه قد توجد الصفة في الحياة؛ فيزول ملكه.
وأما المحجور عليه بالسفه، إذا أوصى أو دبر-: هل يصح قيل: فيه قولان؛ كالمراهق.
وقيل: يصح قولاً واحداً؛ لأن له قولاً معتبراً؛ بدليل أنه قع طلاقه، ويصح إقراره.
стр. 1920
بالعقوبة على نفسه؛ بخلاف المراهق.
ومن اعتقل لسانه، فأوصى بالإشارة -: يصح؛ أصمتت أمامة بنت أبي العاص، فقيل لها: ألفلان كذا، ولفلان كذا، فأشارت أن نعم، فوقع ذلك، فرويت أنها وصية.
باب: الرجوع عن الوصية
رُوي عن عمر ﵁: أنه قال: "يغير الرجل ما شاء من الوصية".
التبرعات المنجزة في مرض الموت، والمعلقة بالموت-: يستويان في الاعتبار من الثلث، ويفترقان في ثلاثة أحكام.
أحدها: أن المنجز- يملك قبل الموت، والمعلق لا يملك.
الثاني: أن المنجز يقدم الأسبق فالأسبق، وفي المعلق: لا يقدم إلا أن يقيد، فيقول إذا مُت-: فعبدي فلان حر، ثم أعتقوا فلاناً لعبد آخر-: يتقدم الأول.
الثالث: أنه لا يملك الرجوع عن المنجز، ويجوز الرجوع عن المعلق بالموت إلا التدبير، فن فيه قولين، حتى لو قال إذا مُت فادفعوا إلى فلان كذا، أو تصدقوا بكذا، أو أعتقوا عبدي إذا أوصى بأن يوقف-: فله أن يرجع فيها، ثم الرجوع عن الوصية تارة يكون بالقول، وتارة بالفعل.
فالقول: مثل أن يقول رجعت في الوصية التي أوصيت، أو أبطلتها، أو فسخت، أو رفعت، ولو قال: هو حرام عليه-: فهو رجوع، وكذلك: لو قال: هو لوارثي -: يكون رجوعاً، ولو قال: هو تركتي-: فعلى وجهين:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأن التركة للورثة.
والثاني: لا يكون رجوعاً؛ لأن الوصية من جملة التركة.
ولو باعه أو وهبه وأقبضه أو رهنه فأقبضه، أو أعتقه، أو كاتبه، أو دبره، أو أوصى بأن يباع، أو يوهب، أو يعتق، أو يكاتب-: فهو رجوع، ولو عرضه على البيع، أو وكل ببيعه، أو وهبه، أو رهنه، ولم يُقبضه-: فهو رجوع؛ لأنه لما عرضه لزوال الملك-: فقد صرفه عن الموصى له.
стр. 1921
وقيل: إذا عرض على البيع، أو وهب، أو رهن، ولم يقبض-: لا يكون رجوعاً، وليس بشيء.
ولو أوصى بعبد لإنسان، ثم أوصى به لآخر-: لا يكون رجوعاً؛ لإمكان أن يكون قصده الجمع بينهما، ثم إن قبلا-: فهو بينهما نصفان، وإن رد أحدهما-: فكله للآخر، وإن أوصى بنصفه لآخر: فإن قبلا-: فثلثه للثاني، وثلثاه للأول، وإن رد الثاني-: فكله للأول، وإن رد الأول-: فنصفه للثاني؛ بخلاف ما لو أوصى بعبد لرجلين، فقبل أحدهما، ورد الثاني-: لا يكون للقابل إلا النصف؛ لأنه لم يوجب لكل واحد إلا نصفه.
ولو أوصى لإنسان بعبد، ثم قال لآخر: أوصيت لك بالعبد الذي أوصيت به لفلان، أو قال: العبد الذي أوصيت به لزيد هو لعمرو-: فهو رجوع، وكله للثاني، وكذلك: لو أوصى بعبد لزيد، ثم قال: بيعوه واصرفوا ثمنه إلى عمرو، وإلى الفقراء-: كان رجوعاً، ولو أوصى، فقال: بيعوا هذا العبد، واصرفوا ثمنه إلى الفقراء، ثم قال: اصرفوا ثمنه إلى المساكين-: لم يكن رجوعاً، ويجعل بينهما نصفان.
ولو أوصى بثلث ماله، ثم باع ماله-: لم يكن رجوعاً؛ لأن الوصية بثلث ما يكون له عند الموت.
ولو أوصى بجارية، ثم زوجها، أو بعبد، فزوجه، أو أجره، أو أعاره-: لا يكون رجوعاً؛ كما لو استخدمه، أو كانت دابة، فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو كان عبداً فختنه، أو علمه صنعه.
أما الرجوع بالفعل: مثل: إن أوصى له بحنطة، فطحنها، أو قلاها، أو بذرها، أو بدقيق، فعجنه، أو بعجين فخبزه، أو بخُبز فثرده-: كان رجوعاً؛ لأنه جعله للاستهلاك.
ولو تعجن الدقيق بنفسه-: هل تبطل الوصية؟ فيه وجهان؛ وكذلك: لو أوصى له بشاة فذبحها، أو بلحم فطبخه-: كان رجوعاً؛ لأنه جعله للأكل في الحال.
ولو أوصى له بخبز، فجعله فتاتاً-: ففيه وجهان:
أحدهما: هو رجوع؛ لأنه أزال عنه إطلاق اسم الخبز؛ كما لو ثرده.
والثاني: لا يكون رجوعاً؛ لأن الاسم باق، يقال: خُبزٌ مدقوق؛ وكذلك: لو أوصى له بلحم فقدده، أو برطب فعله تمراً-: فعلى وجهين:
ولو أوصى له بقطن فغزلهن أو بغزل فنسجه-: كان رجوعاً.
ولو أوصى بقطن فحشا به فرشاً-: فعلى وجهين.
стр. 1922
ولو أوصى-: له بحنطة معينة، أو بطعام معين، فخلطه بغيره-: كان رجوعاً؛ لأنه جعله على صفة لا يمكن تسليمه.
ولو أوصى بقفيز من صُبرة، ثم خلط الصبرة بمثلها-: لم يكن رجوعاً لأن ما أوصى به كان مختلطاً بمثله، وإن خلطه بأجود-: كان رجوعاً؛ لأنه لم يرض بتمليك الزيادة، وإن خلطه بارداً-: فعلى وجهين، ولو انثالت عليها حنطة مثلها، أو أردأ-: لا تبطل الوصية، وإن كانت أجود-: هل تبطل الوصية؟ فيه وجهان:
ولو أوصى له بجارية، فوطئها: فمن أصحابنا من قال: لا يكون رجوعاً؛ كما لو استخدمها.
ومنهم من قال؛ إن عزل عنها-: لم يكن رجوعاً، وإن لم يعزل-: كان رجوعاً؛ لأنه قصد التسري بها، وأبقاها لنفسه.
ولو أوصى له بثوب فقطعه قميصاً، أو بخشبة فجعلها باباً-: كان رجوعاً؛ كالحنطة فيطحنها، ولو صبغه: كان رجوعاً، ولو غسله: لا يكون رجوعاً، ولو قصره: فوجهان:
ولو أوصى بأرض فزرعها-: لم يكن روعاً؛ لأنه لا تُراد للبقاء؛ كما لو أجرها.
ولو غرسها، أو بنى فيها-: فعلى وجهين:
أحدهما: لا يكون رجوعاً؛ كما لو زرعها.
والثاني: وهو الأصح عندي- كان رجوعاً؛ لأن الغراس والبناء للتأبيد؛ فكأنه أبقاها لنفسه، وإن قلنا: لا يكون رجوعاً-: ففي موضع الأساس وقرار الغراس وجهان:
أحدهما: لا تبطل فيه الوصية؛ البياض الذي بين الغراس، فإذا مات الغراس وزال البناء - كان للموصى له.
والثاني: تبطل؛ لأنه جعله تابعاً لما عليه.
ولو أوصى بدار، فعمرها-: لم يكن رجوعاً؛ كالثوب يغسله.
قلت: ولو بنى فيها بناء جديداً-: فعلى وجهين؛ ما لو بنى في الأرض؛ فإن لم نجعله رجوعاً-: فلا تكون الزيادة في الوصية.
وقيل: تكون في الوصية.
ولو أوصى لإنسان بسُكنى دار سنة، ثم أجرها دون السنة، فمات قبل انقضاء مدة الإجارة-: بطلت الوصية بقدر ما بقى من مدة الإجارة، ويبقى الباقي.
وقيل: لا تبطل، ويسكن مدة الوصية بعد انقضاء الإجارة.
стр. 1923
ولو أوصى لإنسان بألف ثم أوصى له بألف-: فهو ألف واحدة؛ وكذلك-: لو أوصى بألف معينة، ثم بألف مطلقة، أما إذا أوصى بألف معينة، ثم بألف أخرى معينة-: فهما ألفان، ولو أوصى بألف، ثم بألفين-: فهي ألفان؛ وكذلك: لو أوصى بخمسمائة، ثم بألف-: فهي ألف، ولو أوصى بألف، ثم بخمسمائة-: ففيه وجهان
أحدهما: هي ألف وخمسمائة.
والثاني: خمسمائة؛ كأنه رجع عن الألف إلى خمسمائة.
باب المرض الذي يجعل العطية من الثلث
العطايا والتبرعات المنجزة في مرض الموت تعتبر من الثلث؛ كالمعلقة بالموت، وما كان في الصحة، أو في مرض لم يمت منه-: يكون من رأس المال.
ولو أعطى في المرض، ومات قبل أن يبرأ منه-: فالأمراض على أقسام.
قسم منه: لا يكون منه الهلاك غالباً؛ الجرب والرمد ووجع الضرس والصداع والحمى اليسيرة؛ فعطاياه منه تكون من رأس المال؛ ما في حال الصحة، وإن مات بعده.
وقسم: يخاف منه التلف، فينظر: إن صار إلى حالة اليأس ومعاينة الموت، وشخص بصره، أو قطع مريئه أو حلقومه، أو شق بطنه، وأبين خيشومه إلا أنه يتكلم-: فهو كالميت؛ لا يكون لكلامه حكم، فن كان فاسقاً-: لا تقبل في هذه الحالة توبته، وإن كان كافراً-: لا يصح إسلامه، ولا ينفذ شيء من عطاياه، وفي هذه الحالة: كان كإيمان فرعون؛ فلم يقبل، ون لم يصر المريض إلى هذه الحالة، لكن مرضه مخوف؛ فتكون عطاياه من الثلث، إن مات، وإن برأ، فمن رأس المال.
قلت: فإن كان مرضه مخوفاً، فأعطى، ثم جز إنسان رقبته، أو سقط من سطح، فمات-: تكون عطيته من الثلث.
فمن الأمراض المخوفة: الحمى الشديدة المطبقة، والقولنج، وذات الجنب،
стр. 1924
والرعاف الدائم، والإسهال المتواتر، فإن كان الإسهال يوماً أو يومين-: فلا يكون مخوفاً إلا أن يكون معه دم أو زحير أو تقطيع، أو كان البطن منخرقاً، أو يسترسل جوفه بحيث لا ينحبس؛ فيكون مخوفاً.
أما الحُمَّى؛ فإن حُمَّ الرجل يوماً أو يومين، فأعطى، ومات- نُظر: إن لم يعرق، فتكون من الثلث، وإن مات بعدما عرق -: فمن رأس المال.
وإن كانت الحمى دائمة-: فهي على أنواع:
حمى الورد، وهي التي تأتي كل يوم؛ وحمى الغِبِّن وهي: التي يوماً ولا تأتي يوماً، وحمى الثلث، وهي: التي تأتي يومين، ولا تأتي يوماً، وحمى الأخوين، وهي: التي تأتي يومين، ولا تأتي يومين.
وحمى الربع، وهي: التي تأتي يوماً، ولا تأتي يومين.
جميع هذه الأنواع مخوفة إلا الربع؛ فإنها بمجردها غير مخوفة إلا أن ينضم إليها وجع من برسام أو ذات جنب أو وجع خاصرة ونحوها، فيكون مخوفاً.
ومن ساوره الدم، حتى تغير عقله، أو المرار أو البلغم-: فهو مخوف.
والفالج وابتداؤه مخوف، لأنه ربما يذهب الحرارة الغريزية، فيهلك، فإن استمر به البلغم، وصار فالجاً- فليس بمخوف؛ لأنه إذا طال -: يؤمن معه معاجلة الموت، فإن لم يبق فيه حركة-: فمخوف.
والسُّلُّ وابتداؤه مخوف، فإذا استمر-: فليس بمخوف؛ لأن الغالب أنه إذا دام -: لا يقتل قريباً، ويبقى فيه مدة، فهو كالهرم، وإن كان لا يفارق صاحبه ما لم يمت؛ وكذلك الفالج، أما الدق: فمخوف، وهو داء يغزو القلب، والسل داء يغزو الرئة، والطاعون مخوف،
стр. 1925
إذا أصاب الإنسان، فإن وقع في البلد-: فهل يكون مخوفاً في حق من لم يُصبه؟ فيه وجهان
أصحهما: يكون مخوفاً.
وإن أشكل أمر شيء من هذه الأمراض: يرجع على أهل العلم بالطب من المسلمين، ولا يُقبل فيه قول الكفار، فإن شهد عدلان من المسلمين؛ أنه مخوف-: فهو مخوف.
ولا يكتفي بعدل واحد، ولا برجل وامرأتين.
ولو اختلف الوارث والمتبرع عليه في كونه مخوفاً بعد الموت-: فالقول قول المتبرع عليه، مع يمينه؛ لأن الأصل سلامته.
فإن أقام الوارث بينة-: تسمع، ولا تقبل إلا من رجلين عدلين عالمين بالطب، والحامل إذا ضربها الطلق-: يكون مخوفاً.
وإن أصابته جراح - نُظر: إن كانت نافذة إلى جوف أو دماغ أو كانت على موضع كثير اللحم فهو مخوف؛ وألا فليس بمخوف إلا أن يكون له وجع أو ضربات شديد، أو تورم، أو أكلةٌ: فيكون مخوفاً.
وإن كان في سفينة فاغتلم البحر، وهاجت الأمواج.
أو كان أسيراً في أيدي الكفار، وهم يقتلون الأسارى. أو التقى الصغان في الحرب، والتحم القتال، فأعطى رل في تلك الحالة-: نص على أنه من الثلث.
ونص فيما لو قدم ليقتل، قصاصاً أنه ليس بمخوف.
اختلف أصحابنا في هذه المسائل: منهم من جعل الكل على قولين:
أحدهما: ليس شيء منها مخوفاً، ما لم يصبه السلاح.
والثاني: كلها مخوف؛ لأن الغالب منه الهلاك.
ومنهم من فرق على ظاهر النص، وقال: البحر لا يغيث، والكافر لا يرحم المسلم، وعند التحام القتال: لا يرحم بعضهم بعضاً؛ فكان الكل مخوفاً، ومن له القصاص: قد يرحم فيعفوا طلباً للثواب؛ فلم يُكن مخوفاً.
وإذا قُدم ليُقتل بسبب القتل في الحرابة أو ليرجم بسبب الزنا-: فهو كالأسير في أيدي الكفار؛ لأنه لا يجوز تركه للرحمة.
стр. 1926
باب الأوصياء
رُوي أن عبد الله بن مسعود أوصى بكتاب:"عن وصيتي إلى الله وإلى الزبير بن العوام، وإلى أبيه عبد الله بن الزبير".
يستحب لمن قرب وفاته: أن يُوصي إلى أمين في أموره من قضاء ديونه ورد مظالمه وتنفيذ وصاياه، وأمور أطفاله، فإن لم يفعل-: ينصب القاضي قيماً يتولى هذه الأمور عنه.
ويصح الإيصاء من كل حر مكلفٍ، أما في أمور الأطفال-: لا يصح إلا من الأب أو الجد أب الأب عند عدم الأب.
وجوز الإصطخري: للأم أن توصي في أمور أطفالها، وإذا أوصى في أمور أطفاله-: لا تصح حتى تكون في المُوصى خمس شرائط.
الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعدالة.
فلو أوصى إلى ذمي في حق مسلم-: لا يجوز؛ لأنه غير مأمون على المسلم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] ولو أوصى ذمي إلى مسلم-: يجوز. ولو أوصى ذمي إلى ذمي: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما يكون وليًّا لولده الكافر.
والثاني: لا يجوز؛ كما لا تقبل شهادة الذمي لمسلم ولا لكافر.
وقال الأوزاعي: يجوز إن أوصى إلى عبد نسه، وبه قال أبو حنيفة، إذا كانت ورثته أطفالاً.
ولو أوصى إلى فاسق-: لا يجوز بخلاف ما لو وكل فاسقاً ببيع ماله: يجوز؛ لأنه يتصرف في حق نفسه، والإيصاء في حق غيره، نظيره: الأب إذا وكل فاسقاً في مال ولده-: لا يجوز.
هذا كما أن الرجل إذا أودع ماله عند فاسق: يجوز، والمودع لا يودع إلا عند أمين.
стр. 1927
ولو أوصى إلى امرأة-: يجوز، سواء كانت أم طفل أو أجنبية.
واختلف أصحابنا في الأعمى: هل يجوز أن يجعل وصيًّا؟
منهم من قال: يجوز؛ لأنه من أهل الشهادة؛ كالبصير.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الموصى قد يفتقر إلى عقود لا تصح من الأعمى.
فإن أوصى، وقال: جعلت وصياً في أمور أطفالي والتصرف في أموالهم، أو الحاكم قال لرجل: جعلتك قيماً في أمور أطفال فلان والتصرف في أموالهم-: جاز، وملك حفظ الأطفال والأموال والتصرف.
ولو قال الأب: جعلتك وصياً في مال ولدي، أو قال الحاكم: جعلتك قيماً في مال أطفال فلان-: ملك حفظ المال، وهل يملك التصرف؟ فيه وجهان:
وكذلك-: لو قال: أوصيت إليك في أمور أولادي، أو قاله الحاكم-: ملك حفظ الأولاد، وهل يملك التصرف في أموالهم فعلى وجهين.
ولو قال: وليت مال فلان-: يقتضي الحفظ لا التصرف، ولا تتم الوصية إلا بالقبول.
ويشترط قبول الوصي بعد موت الموصي، كقبول الوصية: فلو قبل في الحياة، ولم يقبل بعده-: لم تصح.
وقيل: يصح القبول في الحال، والامتثال يكون بعد الموت كالوكالة، قبولها في الحال، والامتثال بعد.
ولو أوصى إلى صبي فبلغ قبل موت الموصى، أو إلى كافر فأسلم، أو إلى فاسق فحسنت حالته قبل موت الموصى-: فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: شروط الوصاية شرط عند موت الموصى لا حالة الإيصاء؛ كما أن عدالة الشهود شرط عند الأداء لا عند التحمل.
ومنهم من قال: تعتبر هذه الشروط حالة العقد وعند الموت، ولا تعتبر فيما بينهما.
ومنهم من قال: تعتبر حالة العقد إلى الموت؛ لأنه ما من حال بعد الوصية إلا ويتصور فيه الموت والحاجة إلى التصرف.
وإن تغير حال الوصي بعد موت المُوصي نُظر: إن فسق انعزل، وكذلك: القيم والحاكم، وإذا تاب لا تعود ولايته إلا بتولية جديدة، وإذا جُنَّ أو أغمى عليه-: فالإمام يُقيم
стр. 1928
غيره مُقامه، فإذا أفاق قبل تولية الغير-: هل يكون على الولاية؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلي؛ كالإمام الأعظم إذا جُنَّ أو أغمى عليه، ثم أفاق-: كان على الولاية.
والثاني: لا [يلي] إلا بتولية جديدة؛ لأنهم يتولون بالتفويض؛ كالوكيل: ينعزل بالجنون والإغماء، ولا يعود بعد الإفاقة.
أما الأب أو الجد إذا فسق-: ينزع مالُ الطفل من يده، فإذا مات أو جُنَّ، فأفاق-: فهو على ولايته؛ لأن ولايته شرعية، والإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق؛ لأن تولية الفاسق تجوز ابتداءً.
ولو جُنَّ أو أغمى عليه، ثم أفاق-: فهو على ولايته، فإن أفاق بعد تولية الغير-: فالولاية للثاني إلا أن يخاف الفتنة؛ فهي للأول.
ولو تعدى الوصي أو القيم في مال الصبي-: انعزل؛ فإذا تاب-: لا يعود أميناً حتى ينصبه الحاكم.
وإذا كان قد أتلف مالاً-: فلا يخرج من خمسانه، حتى يدفع قيمته إلى الحاكم، ثم يرده إليه الحاكم بعد التولية، والأب إذا تعدى-: لا يصرف له حتى يتوب؛ فإذا تاب-: فهو على ولايته، وإن كان قد أتلف مالاً-: فله أن يقتص للصبي من نفسه.
وإن أكل شيئاً-: من مال الطفل عند الضرورة-: يجوز، أباً كان أو جداً أو قيماً، ثم الأب يقتص الضمان من نفسه للصبي، والوصي أو القيم يدفعه إلى الحاكم، حتى يقتص للصبي، ثم يرد إليه، وإن ضعف الوصي-: ضم إليه أمين، فإن كان الضعف في رأيه-: ضم إليه من يسدده، وإن كان في بدنه بأنه عجز عن الكتابة والحساب ونحوها-: ضُم إليه من يعينه على العمل، ولا يعزله الحاكم؛ بخلاف ما لو نصب قيماً، فضعف-: له عزله؛ لأنه الذي نصبه.
ويجوز للوصي أني عزل نفسه، وللموصى أن يعزله متى شاء؛ لأن تصرفه بالإذن؛ فكان لكل واحد فسخه؛ كالوكالة.
ولو أوصى رجل بتفرقة ثلثه، ولم ينصب وصيًّا، وله أب-: فالحاكم أولى بتفرقة ثلثه، فينصب فيه قيماً، والأب يقضي ديونه، ويقوم بأمور أطفاله، فلو أنه أوصى إلى إنسان بتفرقة ثلثه، وقضاء ديونه، والتصرف في أموالهم، ومات وله أب،-: فالموصى أولى بتفرقة ثلثه وقضاء ديونه وبيع ماله فيه، أما أمور الأطفال والتصرف في أموالهم-: فالجد أولى، ولا تصح وصية الأب فيه؛ على أصح الوجهين؛ لأن ولايته شرعية؛ فلا يقدر الأب على نقلها منه؛ كولاية التزويج. وفيه وجه آخر، وبه قال أبو حنيفة: أنه على الوصي لأنه نائب الأب، والأب أولى من الجد، كذلك: نائبه.
стр. 1929
ولو أوصى إلى إنسان في نوع-: لا يصير وصيًّا في غيره، وكذلك: لو أوصى إليه إلى مدة-: لا يكون وصيا بعد تلك المدة؛ مثلُ: إن قال: أوصيت إليك سنة، أو إلى أن يرجع فلان من السفر، أو أوصى إلى زوجته إلى أن ينكح-: فيصح، ولا يكون وصياً بعده.
وعند أبي حنيفة: إذا أوصى إليه في نوع-: كان وصياً في جميع الأنواع.
ولو أوصى إلى رجلين-: يجوز، ثم إن كان لك أمراً ينفرد صاحب الحق بأخذه؛ مثل: رد المظالم من المغصوب والعواري، ورد الودائع، وتسليم المنافع-: يجوز أن ينفرد كل واحد منهما به، وكذلك: الوصية المعينة وقضاء الدين: إذا وجد جنس حقه، فأما ما سوى ذلك من أمور أولاده، والتصرف في أموالهم، وتفرقة ثلثه- نُظر: إن قال: جعلت إلى كل واحد منهما، أو قال: جعلت إليهما، أو: إلى كل واحد منهما-: يجوز أن ينفرد به كل واحد منهما، وإن مات أحدهما، أو فسق، أو ضعف-: جاز لآخر أن يتصرف ولا يضم إليه غيره؛ لأن الموصى رضي بنظر كل واحد منهما وحده، وكذلك: لو قال: أوصيت إلى زيد، ثم قال: أوصيت إلى عمرو، ولا ينعزل الأول، وينفرد به كل واحد منهما.
أما إذا قال: أوصيت إليكما في كذا مطلقاً، أو قال: ينفذان الأمر معاً-: فلا ينفرد به أحدهما حتى في شراء الكفن، وإعتاق عبد معين وغير معين.
وعند أبي حنيفة: ينفرد به أحدهما.
فنقول: المُوصى لم يرض برأي أحدهما؛ كما لو أوصى إلى زيد-: لا يقوم عمرو مقامه؛ لأن المالك لم يرض برأيه، فإن مات أحدهما أو فسق أو جُن أو غاب أو لم يقبل الوصية-: ضم الحاكم على الآخر أميناً.
ولو أراد الحاكم أن يُفوض الجميع إلى الآخر-: لم يُجز؛ لأن الموصي لم يرض برأي واحد حتى لو تصرف الآخر وحده: فإن كان بيعاً أو شراء أو إعتاقاً-: لم ينفذ، وإن كان إنفاقاً-: ضمن، فلو ماتا جميعاً، أو فسقاً-: فهل للحاكم أن يفوضه إلى أمين واحدٍ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الموصى لم يرض بواحد.
والثاني: يجوزُ، لأن حكم وصيته قد سقط، وصار الأمر إلى الحاكم.
ولو اختلف الوصيان، فقال أحدهما: أفرق المال على هؤلاء وقال الآخر: بل على هؤلاء-: تولى الحاكم التفرقة.
ولو اختلفا في حفظ المال: فإن كان شيئاً ينقسم، كالحبوب وأمثالها-: يجعلُ بينهما نصفين: يحفظ كل واحد منهما نصفه.
стр. 1930
وإن كان مما لا ينقسمُ: فإن اتفقا على ثلثا يحفظه من جهتهما-: يجوزُ؛ وألا يسلمه الحاكم إلى من يحفظه.
وإذا أراد التصرف: فلا ينفرد به أحدهما.
قلت: هذا ذا جعل التصرف إليهما، أما إذا جعل الحفظ إليهما-: لا ينفرد به أحدهما، بل يضعانه في بيت، ويقفلان عليه.
فصل في توكيل الوصي
يجوز للوصي أن يوكل الغير بالبيع فيما لم تجر العادة بأن يتولاه بنفسه، ولا يجوز أن يوصي على غيره في أمور الموصى.
وعند أبي حنيفة: يجوزُ؛ حتى قال: لو أوصى إلى إنسان في أموره-: يكون وصية وصيا فيما أوصى إليه.
أما إذا قال الموصى لرجل: أوصيت إليك حياتك، فإن مت-: ففلان وصيي، أو: أوصيت إلى فلان-: تصح، فإذا مات الوصي الأول-: يكون الآخر وصيا، وكذلك: لو أوصى إلى رجلين، فقال: إذا مات أحدهما - فقد أوصيت جميع مالي إلى الثاني-: تصح؛ كما لو قال: أوصيت إليك إلى أن يرجع ابني؛ فإذا رجع فهو وصيي-: تصح.
وإذا رجع الابن-: ينعزل الأول.
رُوي أن النبي ﷺ أمر زيد بن حارثة ف جيش مؤتة، وقال: "إذا أصيب زيد فجعفر".
ورُوي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أوصت في وقفها إلى عليٍّ ﵁ فإن حدث بك حدث، أو إن مت، فوصيك وصيي أو أوصيت إلى من أوصيت إليه-: فهل يجوز للوصي أن يوصى؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوزُ، فيقول: أوصيت إليك بتركة فلان، لأن الموصى قد أذن فيه؛ كالوكيل-: يجوز له أن يوكل بالإذن.
والثاني: وهو الأصح، وقوله الجديد-: لا يجوزُ، لأنه ينعزل بالموت، فكيف يوصي إلى الغير؛ بخلاف الوكيل: فإنه يوكل في حال حياة الموكل بإذنه، والوصي يوصي بعد موت الموصى، ولأنه لو قال للوكيل: وكل بعد حياتي، أو بعد موتي-: لا يجوز، أما إذا قال للوصي: إذا حدث بك حدث-: فأوص إلى من شئت بعدك، أو أوص إلى فلان-: فقد قيل: فيه قولان، كالأول.
وقيل- وهو الأصح-: لا يجوزُ ههنا؛ لأنه لم يضف الوصاية إلى نفسه، وفي المسألة
следующие страницы →