← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وسهم للمساكين وهو كل محتاج، فقيراً كان أو مسكيناً؛ لأن اسم "المسكين" إذا أفرد يتناول الفريقين جميعاً. وسهم لابن السبيل، وهو كل من يريد الخروج إلى سفر مباح، ولا يجد أهبة الخروج، ولا يشترط أن يكون اليتيم والمسكين وابن السبيل من المرتزقة. ولا يجوز أن يُعطى إلى كافر منه شيء؛ لأنه عطية من الله تعالى-: كالزكاة. وتجب التسوية بين هذه الأصناف، ولا يجوز تفضيل بعضهم على بعض عند وجودهم. وإذا فُقِد بعض هذه الأصناف-: صُرفَ سهمه إلى الموجودين كالزكاة، إلا سهم النبي ﷺ فإنه للمصالح. وعند أبي حنيفة: خُمس الغنيمة لثلاثة أصناف، وسهم رسول الله ﷺ وسهم ذوي القربى ساقطان. والعامة على خلافه؛ لأن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ كانوا يُعطونه، والله أعلم. باب: تفريق أربعة أخماس الفيء قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ...﴾ إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] الآية. ورُوي عن مالك بن أوس بن الحدثان؛ أنعمر قال: "ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه إلا ما ملكت أيمانكم". أربعة أخماس الفيء كانت لرسول الله ﷺ وبعده لمن يكون؟ فيه قولان: أصحهما: للمرتزقة. والثاني: للمصالح، ويبدأ بالأهم فالأهم والأهم هم المرتزقة. فإذا أراد الإمام قسمها على المرتزقة: يأمر بإحضار من في البلدان من المقاتلة، وهم الرجال العاقلون البالغون الأصحاء الأحرار، ويحصى ذراريهم ونساءهم، ويتعرف أحوالهم، ويعرف قدر نفقاتهم ومؤناتهم، فيعطي كل واحد منهم ما يحتاج إليه من نفقته، ونفقة من

стр. 1997

تلزمه نفقته من النساء والذُرية، وكسوتهم لسنة في مثل بلده وزمانه من رخص السعر وغلائه، ويعطي نفقة أقاربه الذين تلزمه نفقتهم. وإن كان لواحد أربع نسوة-: يعطي نفقة الكل، ويعطى ذا المروءة أكثر ممن دونه، ويعطى المقاتل الفرس أو قيمته ومؤنته والسلاح. ومن لا زوجة له إذا تزوج، أو من له زوجة فتزوج أخرى، أو حدث لواحد ولد-: زاد في عطائه، ويزيد للمولود على مر الأيام بقدر حاجته؛ ولا يفضل من كانت له سابقة بالإسلام أو الهجرة أو غيرها من الخصال الحميدة. كان أبو بكر يسوى بين علي وغيره في العطاء، ولا يفضل بالسابقة، فقال له عمر: تجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهاجروا من ديارهم: كمن إنما دخل في الإسلام كُرها، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. وكان عمر يفضل بالسابقة حتى كان يفضل أقران ابنه، ويقول: هاجر بك أبوك، ويفضل عائشة على حفصة، ويقول: كان أبوها أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. واختار الشافعي المطلبي التسوية؛ كما يسوي في سهم الغنيمة بين الشجاع والجبان، وفي الميراث: بين الولد البار والعاق. ولا يُعطى من الفيء صبي، ولا مجنون، ولا عبد، ولا امرأة، ولا أعمى، ولا زمن؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، فإن كانوا في عيلة مقاتل-: فهم تبع له، فيعطى المقاتل بسببهم. وإن مرض واحد من المقاتلة-: فإن كان مرضاً يُرجى زواله-: يعطى، لأن الإنسان لا يخلو من عارض، وإن كان مرضاً لا يرجى زواله أوعمى أو زمن -: سقط حقه، والتحق بالذرية. وإن مات واحد من المقاتلة، وله ولد أو زوجة-: فهل يرزق ولده وزوجته بعد موته؟ فيه قولان: أحدهما: لا يرزق؛ لأنه كان يأخذه تبعاً للمقاتل؛ وقد ذهب الأصل. والثاني: يرزق الولد إلى أن يبلغ، والزوجة إلى أن تنكح؛ لأن فيه مصلحة؛ فإن المجاهد إذا علم انقطاع الرزق عن ولده وزوجته بعد موته-: اشتغل بالكسب لعياله، ويُعطل أمر الجهاد؛ فعلى هذا: إذا بلغ الولد، وأثبت اسمه في الديوان-: يعطى كما يعطى المقاتلة.

стр. 1998

وإن لم يُثبت-: فلا يعطى، وإن بلغ، وهو غير صالح للقتال، بأن كان أعمى أو زمناً، يُعطى كما يعطى قبل البلوغ. وإذا تزوجت المرأة-: سقط حقها؛ لأنها استغنت بالزوج الثاني، فخرجت عن تبعية الأول. ويُخرج الإمام العطاء في كل عام مرة أو مرتين، ويجعل له وقتاً معلوماً لا يختلف عليهم. ولا يعطى في كل شهرٍ، ولا في كل أسبوع؛ لأن ذلك يشغلهم عن الجهاد. فإن مات واحدٌ منهم بعد الحول، أو دخول وقت العطاء واجتماع المال-: دفع نصيب إلى وريثه، وإن مات قبل اجتماع المال-: فلا حق له فيه، وإن مات بعد اجتماع المال قبل الحرب-: هل يعطي بقدر ما مضى من الحول؟ فيه قولان؛ بناء على ما لو مات ذمي في أثناء الحول: هل يؤخذ من الجزية بقدر ما مضى من الحول؟ فيه قولان: وإن فضل عن المقاتلة شيء من مال الفيء، فإن قلنا: إنها للمرتزقة يُصرف الكل غليهم، وإن زاد على قدر حاجتهم؛ فتقسم بينهم على قدر مؤناتهم. وإن قلنا: إنها للمصالح-: صُرفَ الفضلُ إلى المصالح، ولا يعطى من مال الفيء شيء إلى أهل الصدقات؛ ما لا تعطى الصدقة إلى أهل الفيء. ونعني بأهل الصدقة: من لم يكن اسمه في ديوان الغزو، فإن غزا واحدٌ منهم-: من سهم سبيل الله من الصدقة، وإن أخرج واحد من أهل الفيء اسمه من الديوان-: سقط حقه من الفيء فإن غزا أعطى من سهم سبيل الله. ولو جاء رجل، فطلب أن يكتب اسمه في الديوان-: فإن رأى الإمام فيه غناء، أو في المال سعة-: أثبت اسمه فيه؛ وألا لم يفعل ذلك، ويجب على أهل العطاء إذا استنفروا أن ينفروا، ويغري الإمام كل طائفة إلى من يليهم من الكفار لخفة المؤنة، فإن استغنت تلك الناحية عن الغزو؛ لقلة الكفار، أو لكثرة المجاهدين فيها-: أغراهم إلى ناحية أخرى من أقرب المواضع إليهم، وتُعطى مؤنتهم على بعد مغزاهم، ويعطي من مال الفيء رزق الحُكام الذين يحكمون بينهم، وولادة الأحداث الذين يعلمون الأحداث الفروسية والرماية، والذين يلون الصلاة لأهل الفيء، وكل من قام بأمر الفيء من والٍ، وكاتبٍ، وجندي ممن لا غناء لأهل الفيء عنهم. كما يُعطى العامل على الصدقة سهماً منها، وإن وجد أميناً يتطوع به-: فلا يُعطى أحداً شيئاً، وإن وجد من يعمل بأقل-: لا يعطى من يطلب أكثر.

стр. 1999

وإذا اجتمع مالُ الفيء-: فالاختيار أن تُعجل قسمتها، ولا تؤخر؛ خوفاً من أن ينزل بالمسلمين نازله، فيحتاج إليه، لأنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ونعوذ بالله منه- فيجب على كافة المسلمين القيام بها. وإذا غشيهم عدوٌ في دارهم-: وجب على كل من غشيهم النفير، سواء كانوا من أهل الفيء، أو لم يكونوا. أما أراضي الفيء -: فخمسها لأهل الخمس، أما أربعة أخماسها-: قال الشافعي: هي وقف للمسلمين: تستغل، وتقسم غلتها في كل عام. اختلف أصحابنا فيه. منهم من قال: تصير وقفاً بنفسها. ومنهم من قال يقفها الإمام، ثم تصرف غلتها إلى أهل الفيء. وفي قول: إلى المرتزقة. وفي الآخر: إلى المصالح. ومن أصحابنا من قال: إنها للمصالح: تكون وقفاً. فإن قلنا: للمرتزقة-: يقسمها بينهم- كما قلنا- في أربعة أخماس الغنيمة. والأول أصح، أنه وقف على القولين جميعاً؛ يصرف الإمام غلتها إلى مصالحهم؛ لأن للإمام الاجتهاد في مال الفيء. وكذلك: يجوز أن يُفضل بعضهم على بعضٍ؛ بخلاف الغنيمة: فإنه لا يجوز للإمام تفضيل بعضهم على بعض بالاجتهاد. فصل في التأمير في الحرب رُوي أن رسول الله ﷺ جعل على كل عشرة عريفاً، وجعل للمهاجرين شعاراً، وللأوس شعاراً، وعقد الألوية للقبائل قبيلة قبيلة، ورُوي أن عمر ﵁ لما دون الدواوين، قال بمن ترون أن أبدأ؟ فقيل له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بك، قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله ﷺ . ينبغي للإمام أن يُدون أسماء المقاتلة، ويُعرف على كل طائفة عريفاً، ويكتب قدر أرزاقهم؛ ليعلم من حضر ومن غاب، ويسهل جمعهم إذا احتاج إليهم.

стр. 2000

ويقوم العريف بأمورهم وجمعهم، ويبدأ في الديوان بالأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ كما فعل عمر- ﵁ لأن الناس كلهم عباد الله، فأولاهم بالتقديم أقربهم لخيرة الله من خلقه محمد سيد المرسلين- صلوات الله عليه وعليهم أجمعين-: فيقدم قريشاً؛ لأن النبي ﷺ قال: "قدموا قريشاً" ويقدم من قريش بني هاشم، وبني المطلب؛ لقول النبي ﷺ : "بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد". ويقدم منهم الأسن، فإن كان الأسن في الهاشمي قدمه، وإن كان في المطلبي قدمه، ثم يقدم بني عبد شمس على بني نوفل؛ لأن عبد شمس أخو هاشم من أبيه وأمه، ونوفل أخوه من أبيه. ثم بعد بني نوفل: يقدم بني عبد العُزى على بني عبد الدار؛ لأنهم أصهار رسول الله ﷺ فإن خديجة كانت منهم، وكان فيهم حلف المطيبين، وحلف الفضول، وهما حلفان في قوم من قريش اجتمعوا فيها على نصر المظلوم، ومنع الظلم. فعلى هذا: يُقدم الأقرب فالأقرب. فإن استوى اثنان في القرب: يقدم أسهماً، فن استويا في السن فأقدمهما هجرة، ثم بعد قريش يقدم الأنصار على سائر القبائل؛ لما لهم من السابقة، والأثار الحميدة في الإسلام، ثم يقدم سائر العرب على العجم، ولا يقدم العجم بعضهم على بعض إلا بالسن والسابقة دون النسب والله أعلم.

стр. 2001

كتابُ: قسم الصدقات بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ...﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. جعل الله زكاة الأموال لثمانية أصناف، يجب صرفها إليهم، إذا كانوا موجودين، ولا يجوز حرمان بعضهم. فأحد الأصناف: الفقراء، والثاني المساكين. واسم "الفقير" إذا أفرد يتناول الفقير والمسكين، وكذلك اسم "المسكين" إذا أفرد يتناولهما جميعاً؛ لأن الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة، وضعف الحال. وإذا ذكر الاسمان معاً، كان لكل واحد منهما معنى سوى الآخر؛ فالفقير: من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعاً. والمسكين من له شيء من المال، أو حرفة تقع منه موقعاً؛ ولكن لا تغنيه وعياله، ولا يفي دخله بخرجه على الدوام. والفقير - عندنا -أسوأ حالاً من المسكين. وعند أبي حنيفة: المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وما قلنا أولى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] أثبت لهم ملكاً ودخلاً مع اسم المسكنة. فإن كان له كسب تحصل منه كفايته وكفاية عياله، أو ضيعة موقوفة عليه يدخل منها

стр. 2002

كفايته-: وهو كما لو كان له مال يفي بكفايته. ولا يجوز صرف سهم الفقراء والمساكين إليه، فإذا حصل اسم الفقر والمسكنة في شخص، تحل له الزكاة زمناً كان أو غير زمن، سائلاً كان أو غير سائل. وقال في القديم: يشترط أن يكون الفقير زمناً غير سائل. والأول المذهب، لأن السائل قد يكون بين قوم يقل معطوهم، والمتعفف بين قوم أغنياء يبدؤونه بالعطاء، فلا عبرة بالسؤال والتعفف. ثم يجوز أن يدفع إلى الفقير والمسكين قدر ما تزول به حاجته، وهم مختلفون فيه. منهم من قال: تزول حاجته بقليل، ومنهم من قال: لا تزول حاجته إلا بكثير. فمن كان محترفاً، ولكن لا آلة له؛ يُدفع إليه قدر ما يشتري به آلة حرفته، وهم متفاوتون في الآلات؛ فإن كان خياطاً: يُدفع إليه قدر ما يشتري به إبرة ومقراضاً، وإن كنا محتطبا فقدر ما يشتري به فأساً وحبلاً، وإن كان حائكاً أو حداداً لا يجد آلة حرفته إلا بمال كثير-: فيدفع إليه ذلك القدر، وإن كان يحسن التجارة، ولكنه لا يمكنه أن يتجر إلا بألف درهم أو أكثر-: فيدفع إليه قدر ما يمكنه أن يتجر فيه، فإن لم يكن له مال، ولا حرفة، وله عيال، ولا تزول حاجته إلا بكثير من المال-: فيعطى إليه كفاية سنة، [وإن كان يملك ألفاً، وذلك لا يكفي إلا لنصف سنة-: يُعطى ما يتم به كفاية سنة]، وإن كان له كسب لا يحصل منه نصف كفايته-: يعطى ما تتم به كفايته. فإن كان له كسب يفي بكفايته، لكنه شغل نفسه بنوافل العبادات، فمنعه ذلك عن الكسب-: لا تحل له الزكاة؛ لأن اكتساب ما يكفيه واجب عليه. وإن كان مشتغلاً بتعلم العلم، واشتغاله بالكسب يمنعه عن التعلم-: جاز له أخذ الزكاة؛ لأن تعلم العلم فريضة: ما فرض عين أو فرض كفاية. والدار التي يسكنها والثوب الذي يلبسه متجملاً به-: لا يسلبه اسم الفقر. وقال أبو حنيفة: من ملك نصاباً من أحد النقدين: لا يجوز له أخذ الزكاة، فإن لم يمل نصاباً-: جاز له أخذها، وإن كان مكتسباً. فإن كان الرجل فقيراً، ولن له أب أو ابن غني تجب نفقته عليه-: هل يجوز للغير صرف سهم الفقراء إليه أو المرأة الفقيرة إذا كان لها زوج غني-: هل يجوز لغير الزوج دفع سهم الفقراء إليها؟ فيه وجهان:

стр. 2003

أحدهما: يجوز، لأنهما فقيران لا كسب لهما. والثاني: لا يجوز؛ لأنهما غنيان بمال القريب والزوج. فإذا جاء رجل يطلب الصدقة، ورآه رب المال قوياًن فقال لا كسب لي-: قُبل قوله، وهل يحلف؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يحلف؛ لما رُوي: أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ يسألانه الصدقة؟ فقال: "إن شئتما، ولا حظ فيها لغني ولا لي مرة مكتسب"، فأعطاهما بعدما أخبرهما من غير تحليف. والثاني: يحلف، لأن الظاهر قدرته على الكسب، فغذا ادعى أن له عيالاً لا يُقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر؛ فإن عرف له مال، فادعى ذهاب ماله-: لا يُقبل إلا ببينة. والصنف الثالث من المستحقين: هم العاملون عليها، وأراد أن العامل على الصدقة له سهم منها، وغن كان غنياً، وذلك: أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقات؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء من عبده كانوا يبعثون السعاة، ولأن من أرباب الأموال من لا يعرف مايجب عليه وما يجب له، ومنهم من يبخل بماله فلا يعطى، فيبعث الإمام الساعي ليصل الحق إلى المستحقين، ولا يبعث إلا حراًن عدلاً ثقة فقيهاً، يعرف ما يجوز له أخذه ومن يجوز الدفع إليه، فهذا الساعي هو العامل عليها، فله سهم من الصدقة، فالإمام بالخيار بين أن يستأجره بأجرة معلومة، ثم يُعطاها من الزكاة، وبين أن يبعثه من غير شرط، ثم يعطيه من الصدقة أجر مثل عمله، وأجر من يحتاج إليه من محاسب، وكاتب، وحافظ، فإن وجد من يتطوع به-: لا يعطي أحداً شيئاً، وإن لم يجد من يتطوع-: فلا يعطي أكثر من أجر المثل.

стр. 2004

ولا حَظَّ فيه لوالي الإقليم ولا للإمام؛ لأن الله تعالى جعله للعامل لا للإمام، وأجرة الإمام إن لم يتطوع من خُمس الخمس سهم المصالح. رُوي أن عمر شرب لبناً، فأعجبه، فأخبر أنه من نعم الصدقة، فأدخل إصبعه فاستقاءه. فإن فضل من سهم العامل- وهو الثمن - شيء-: يُرد إلى سائر الأصناف، وإن لم يف سهمه بأجرة عمله يكمل من مال الصدقة على أصح القولين، وفيه قول آخر: أنه يكمل من خُمس الخمس سهم المصالح، الأول أصح؛ كما أن أجرة من يقوم بحفظ مال اليتيم وجمعه تكون من مال اليتيم. ومن أصحابنا من قال: الإمام بالخيار، إن شاء أكمل من خمس الخمس، وإن شاء من الصدقة. ومنهم من قال: إن بدأ بسهم العامل فمن مال الصدقة، وإن بدأ بالأصناف، فأعطاهم، ثم وقع في سهم العامل نقص-: أتمه من مال المصالح؛ لأنه يشق استرجاعه من الأصناف، وفي أجرة الكيال وجهان: قال أبو إسحاق: تكون من الصدقة؛ كأجرة العامل. وقال ابن أبي هريرة: تكون على رب المال؛ لأنها تجب للإيفاء، والإيفاء على رب المال، فتكون أجرته عليه. وإن لم تقع الكفاية بعامل واحدٍ، يزيد بقدر ما يحتاج إليه، وإن ولى الإمام واحداً بلداً وأهل الصدقات يحملون إليه صدقاتهم من غير احتياج إلى عامل، أو حملوا بأنفسهم إلى الإمام-: سقط سهم العامل؛ كما لو دفع رب المال الزكاة بنفسه. والصنف الرابع: هُم المؤلفة قلوبهم، وهم قسمان: مسلمون، وكُفار: أما المسلمون: فأقسام: قسم دخلوا في الإسلام، ونيتهم ضعيفة، فيؤلفهم الإمام بمالٍ أعطاهم لتتقوى نيتهم في الإسلام؛ كما أعطى النبي ﷺ عنبسة بن بدر، والأقرع بن حابسن وأبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية. أو كانت نيتهم قوية، ولهم شرف في قومهم، فأعطاهم؛ ترغيباً لأمثالهم في الإسلام؛ كما أعطى النبي ﷺ عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر. وهل يعطى هذان الفريقان بعد النبي ﷺ ؟ فيه قولان أحدهما: لا يُعطون؛ لأن الله تعالى أغنى الإسلام عن أن يتألف عليه رجالٌ.

стр. 2005

والثاني: يُعطون؛ لأن المعنى الذي به أعطوا قد يُوجد بعد النبي ﷺ فعلى هذا. من أي مال يعطون؟ فيه قولان: أحدهما: من سهم المؤلفة من الصدقات. والثاني: من خمس الخمس سهم المصالح. وقسم آخر من مؤلفة المسلمين: جماعة بإزاء قوم كفار لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة وهم إن أعطيناهم جاهدوا، أو جماعة بإزاء قوم فيه مانعي الزكاة، إن أعطيناهم مالاً قاتلوا مانعي الزكاة، وأخذوا منهم الزكاة؛ فهؤلاء يعطون قولاً واحداً. ومن أي مال يعطون فيه أربعة أقوال: أحدها: من سهم المؤلفة. والثاني: من سهم سبيل الله من الصدقة. والثالث: من خمس الخمس سهم المصالح؛ لأن فيه مصلحة للإسلام. والرابع: قال الشافعي: يُعطون من سهم المؤلفة، وسهم سبيل الله. وأصحابنا اختلفوا في تفسيره على هذا القول: منهم من قال: لا يجوز أن يُعطى أحد من السهمين جميعاً من مال واحد، وأراد الشافعي ﵁: إن قاتل مانعي الزكاة-: أُعطى من سهم المؤلفة، وإن قاتل الكفار-: أعطى من سهم سبيل الله. ومنهم من قال: لنا قولان في أنه هل يجوز أن يعطى واحد من سهمين؛ وهذا جواب على الجواز. ومن أصحابنا من قال: لا يُجمع له بين السهمين؛ ولكن الإمام بالخيار إن شاء أعطاه من سهم المؤلفة؛ وإن شاء من سهم سبيل الله. رُوي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكرٍ- رضيا لله عنه- بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه، فأعطاه أبو بكر ثلاثين بعيراً. أما مؤلفة الكفار: منهم من له ميل في الإسلام: فيعطى؛ ترغيباً له في الإسلام، ومنهم من يُعطى، حذاراً من شره؛ كان النبي ﷺ يُعطيهم من خمس الخمس سهم المصالح، أما اليوم-: فلا يُعطون أصلاً، لأن اله تعالى أعز الإسلام، وقوي أهله، ولم يعط الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أحداً من الكفار على هذا المعنى شيئاً. الصنف الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون، فيؤدي إلى المكاتب من الزكاة قدرها

стр. 2006

يعتق به، لا يُزاد عليه، فإن كان في يده ما يعتق به-: لايُعطى لأنه غير محتاج إليه. وعند مالك: يشتري بسهم الرقاب عبيداً يعتقون. وهل يجوز أن يعطى إلى المكاتب قبل حلول النجم عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لا حاجة به إليه. والثاني: يُعطى؛ لأنه لو عجل الأداء قبل المحل-: جاز. والأولى: أن يعطى سهم المكاتب إلى السيد بإذن المُكاتب، ولو دفع إلى السيد بغير إذن المكاتب-: لم تحسب عن الزكاة؛ لأن المستحق هو المكاتب، ولم يدفع إليه؛ ولكن يسقط عن المكاتب بقدره من النجوم؛ مكن أدى دين الغير بغير إذنه، تبرأ ذمة المديون. ولو دفع إلى المكاتب بغير إذن السيد-: جاز، ويسقط فرض الزكاة عنه، لو أخذ المكاتب سهم الزكاة، ثم أعتقه المولى، أو أبرأه عن النجوم، أو أدى عنه غيره النجوم قبل أداء ذلك المال إلى المولى، أو أدى نجومه بغير ذل المال، أو عجز نفسه، وذلك المال قائم في يده-: يسترده رب المال، لأنه دفعه إليه ليصرفه في عتقه، ولم يفعل، وفرض الزكاة عنه غير ساقط. ولو دفعه إلى المولى، وبقيت عليه من النجوم بقية، فعجزه المولى، وذلك المال قائم في يد المولى-: هل يسترده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يسترده؛ لأن المكاتب صرفه فيما عليه. والثاني، وهو الأصح عندي: يسترد، لأنه دفع إليه ليحصل له العتق، ولم يحصل، والفرض عنه لم يسقط. قال الشيخ- ﵀: نظيره: لو عجل الزكاة، فخرج المسكين عن الاستحقاق-: هل يستردُّ؟ فيه خلاف، فكل موضع قلنا: يسترد-: من العبد أو من السيد؟ قال الشيخ- ﵀: فإن هلك في يده-: يُغرم قيمته؛ كما في تعجيل الزكاة، ون هلك في يده قبل العتق، ثم عتق-: لا يُغرم، ولا يجوز للسيد أن يدفع زكاة ماله إلى ملك نفسه؛ لأنه يعود إليه. الصنف السادس: هم الغارمون، وهم قسمان: قسم أدانوا لمصلحة أنفسهم، وقسم أدانوا لإصلاح ذات البين: أما الذين أدانوا لأنفسهم - نظر: إن كان دينه في غير معصية: إما في طاعة أو مباح-: فإنه يُعطى من سهم الغارمين، إذا كان فقيراً لا يملك ما يقضي به دينه، فإن ملك ما يقضي به

стр. 2007

دينه من أي صنف من المال-: كان لا يُعطى؛ على أصح القولين، وهو المذهب. وإن كان ماله يفي بعض ديونه-: يُعطى بقدر مايفي. وقال في القديم: يُعطى مع الغني كمن أدان لإصلاح ذات البَيْنِ. وإن كان دينه مؤجلاً-: هل يُعطى؟ فيه وجهان: أحدهما: يُعطى؛ لأنه غارم. والثاني: لا يعطى؛ لأنه غير مطالب به. فإن قلنا: يُعطى: فإن كان له وقف يُغل، فإن كانت العلة تدرك قبل حلول الأجل-: لا يُعطى، وإن كانت تدرك بعد حلول الجل، وكان الدين حالاً يعطى. وإن كان الدين في معصية-: لا يُعطى إن لم يتب، فإن تاب-: فوجهان: أحدهما: لا يُعطى؛ لأن الصدقة لا تُصرف إلى المعاصي. والثاني: يُعطى لأنه تائب، وعليه دين، كان الدين لزم بسبب مباح. فأما إذا كان دينه لإصلاح ذات البين؛ بأن كان بين فريقين ثائرة، فاستدان مالاً؛ لتسكين تلك الثائرة، أو تحمل مالاً؛ ليسنها- نظر: إن كانت تلك الثائرة في ذمته، فتحمل الذمة-: فيُعطى من سهم الغارمين، ما يؤدي به ذلك الدين، فقيراً كان أو غنياً؛ لما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال:"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: الغازي في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني"، وإن كانت تلك الثائرة في مال، فاستدان وأدى فيها، أو تحمل لتسكينها-: فهل يعطى مع الغنى؟ فيه وجهان: أحدهما: يُعطى؛ لأنه تحمل؛ لإصلاح ذات البين؛ كما في الدين. والثاني: لا يُعطى إلا أن يكون فقيراً؛ بخلاف الدم؛ لأن فتنة الدم أعظم. وإن ضمن دية على إنسان، هل يُعطى الضامن أم لا؟ نُظر: إن كان الضامن والمضمون عنه جميعاً معسرين-: فنه يعطى، وإن كان الضامن معسراً، والمضمون عنه موسراً، نُظر: إن ضمن بغير إذن المضمون عنه-: يُعطى، وإن ضمن بإذنه -: لا يعطى؛ لأنه إذا أذن يرجع على المضمون عليه. وإن كان الضامن موسراً، والمضمون عنه معسراً، أو كانا موسرين، ولكن ضمن بغير إذن-: فهل يعطى؟ فيه وجهان، وإن كانا موسرين، وضمن بإذنه-: لا يعطى؛ لأنه إذا أدى-: رجع على المضمون عنه.

стр. 2008

والأولى-: أن يدفع سهم الغارم إلى رب الدين بإذن المديون، فلو دفع إلى رب الدين بغير إذن المديون-: لم يُحسب من الدين، ولأن المستحق المديون، ولم يُدفع إليه، ولكن سقط عن المديون بذلك القدر من الدين؛ كمن أدى دين الغير بغير إذنه، وإن دفع المديون بغير إذن رب الدين، جاز. ولا يعطى الغارم إلا بقدر ما تُقضى به الديون، فإن أخذ الغارم سهم الصدقة، ثم أبرأه رب الدين، أو أدى عنه غيره الدين، وما أخذ قائم في يده-: يسترد؛ كالمكاتب إذا أعتق بغير ما أخذ. الصنف السابع: قال الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وأراد به الغازي المتطوع، له سهم من الزكاة، فقيراً كان أو غنياً، أما المرتزقة الذين أسماؤهم في ديوان الغزو-: فلا حَظَّ لهم؛ لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء، ويعطى الغازي نفقة، للذهاب والرجوع والمقُام هناك في الثغر، وإن طال مقامه-: يعطى جميع ذلك؛ ولا يختص بما زاد بسبب السفر، ويعطى ما يشتري به فرساً، عن كان يقاتل فارساً، وما يشتري به السلاح وآلة القتال، ويملك ما دُفع إليه، وإن استأجر به فرساً-: يجوز، وإن كان يقاتل راجلاً-: لا يُعطى الفرس، لكن يعطى حمولة يحمل عليها زاده، ويركب عليها في الطريق، وإنما يعطى حالة الخروج؛ ليصرفه إلى أسباب خروجه، فإن أخذ، ولم يصرف-: استرد منه، وإن خرج ومات في الطريق، أو امتنع من الصرف-: يسترد منه ما بقي، فإن غزا ورجع، وفي يده منه بقية-: لا يسترد. الصنف الثامن: ابن السبيل، وهو الذي يريد سفر طاعة أو سفراً مباحاً، سواء كان ممن ينشئ السفر ابتداء أو ممن دخل في طريق فيريد الخروج إلى طريق آخر، وإن كان سفره في معصية-: لا يُعطى؛ لأن إعطاءه إعانة على المعصية. ويشترط ألا يكون له مال بالبلد المنتقل عنه، وسواء كان له بالبلد المنتقل إليه مالٌ أو لم يكنن ثم إن كان له في البلد المنتقل إليه أو في الطريق مال-: لا يعطى إلا قدر ما يصل إلى ماله، وإن كان له في البلد المنتقل عنه مال-: لا يعطى ما لم يخرج عن بلد المال، وإذا خرج-: أعطي، ويُعطى نفقة الذهاب، ولا يُعطى الحمولة إن كان الرجل قوياً، والمسافة دون مسافة القصر، وإن كان الرجل ضعيفاً، والمسافة فوق مسافة القصر-: يُعطى الحمولة، ويعطى نفقة الرجوع، إن لم يكن له بالبلد المنتقل ليه مال، وهو يريد الرجوع، ولا يعطى نفقة المقام إلا مقام المسافرين؛ بخلاف الغازي: يُعطى نفقة المقام في الثغر، وإن طالت مدة مقامه؛ لأنه يحتاج إليه لحصول الفتح، ولا يزول عنه الاسم بطول المقام، وإذا أخذ السهم، ثم مات في الطريق، أو أقام-: يسترد منه ما بقي، ولو ذهب ورجع، وقد بقي منه

стр. 2009

شيءٌ-: يسترد؛ بخلاف الغازي، إذا غزا ورجع، وفي يده منه بقية-: لا يسترد؛ لأن الغازي أعطيناه لحاجتنا إليه، فإذا قضى حاجتنا، وابن السبيل أعطيناه لحاجته إلينا، فإذا فضل عن حاجته-: يسترد. فصل فيما لو ادعى شخص أنه يستحق الصدقة إذا جاء رجلٌ يطلب الصدقة، وادعى أنه من هذه الأصناف- نُظر: إن كان استحقاقه لمعنى في المستقبل-؛ كالغازي، وابن السبيل، إذا قال: أنا أريد الخروج-: أعطى بلا بينة ولا يمين، ثم إن لم يخرج-: يسترد، فلو قال ابن السبيل لا مال لي في بلدي-: فالقول قوله، وهل يحلف فهو كالفقير-: يدعي الفقر. أما من يستحق لمعنى موجود في الحال- نظر: إن قال: أنا فقير أو مسكينٌ أو غر كسوب-: يُقبل قوله بلا بينة، فإن اتهمه الإمام-: حلفه، واليمين مستحب أم واجب؟ فيه وجهان: فإن قلنا: واجب: فإن نكل-: لم يُعط، وإن قلنا: يستحب-: يعطى-: وإن قال: أنا غارمٌ أو مكاتب-: لا يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدمه، فإن صدقه الغريم، أو صدق السيد المكاتب-: هل يعطى؟ فيه وجهان: أصحهما: يعطى؛ لأن التهمة قد زالت. والثاني: لا يعطى؛ لأنهما بما تواطأ على ذلك. ولو ادعى العامل أنه قد عمل-: لا تقبل إلا ببينة، وإن ادعى أنه من المؤلفة فإن قال: قلبي غير مطمئن بالإيمان-: يقبل؛ لأن قوله هذا يدل على ضعف إيمانه، وإن ادعى أنه شريف قومه-: لا يقبل إلا ببينة، والله أعلم. باب: كيف تفريق قسم الصدقات رُوي عن رافع بن خريج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله، حتى يرجع إلى بيته".

стр. 2010

يجب على الإمام وعلى الساعي ن فوض إليه أمر تفريق الصدقات: أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله، حتى يكون فراغه من قبض الصدقات بعد معرفة أسمائهم وأحوالهم، ثم يبدأ فيخرج سهم العامل، وإن كان الساعي يقسمه: يأخذ عمالته حتى إن فضل من أجر عمله شيء-: رد إلى الباقين، وإن احتاج إلى زيادة-: كمله، ثم يقسم الباقي بين الأصناف السبعة، وإن حمل رب المال بنفسه إلى الإمام، أو قسم بنفسه-: سقط سهم العامل؛ فيقسم المال على سبعة أصناف: إن كانوا موجودين، ويجب أن يسوى بين الأصناف، لا يفضل صنفاً على صنف، فإن وجد بعض الأصناف؛ مثلُ: أن وجد أربعة أصناف، ولم يجد ثلاثة-: قسم بين الموجودين على السواء، وإن كان عدد بعض الأصناف أكثر، وحاجتهم أشد-: فلا يجوز أن يصرف إليهم من نصيب صنف آخر، ما دام فيهم مستحق، ويستحب أن يصرف نصيب ل صنف إلى جميع أهل ذلك الصنف، إن أمكن. فإن كانوا محصورين في البلد، فهل يجب؟ إن قلنا: لا يجوز نقل الصدقة-: يجب أن يُصرف إلى جميعهم، وإن لم يمكن تعميمهم بأن لم يكونوا محصورين، أو كانوا محصورين، ولكن جوزنا النقل، فصرف على بعضهم-: يجوز، ولكن لا يجوز إلى أقل من ثلاثة منهم، إذا وجدوا، لأن- الله تعالى- ذكر بلف الجمع، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وأقل الجمع ثلاثة، ثم يجوز أن يفاوت بين الثلاثة من كل صنفن فيعطى بعضهم أقل وبعضهم أكثر؛ بخلاف الأصناف: يجب التسوية بينهم؛ لأن الأصناف محصورة. فيمكن التسوية بينهم، والعدد من كل صنف غير محصور، ولذلك: سقط تعميمهم، فسقط اعتبار التسوية بينهم، فلو دفع إلى اثنين، وحرم الثالث مع وجوده-: يجب عليه الغرم، وكم يغرم؟ فيه قولان: أحدهما: يُغرم الثلث؛ لأنه حظ ثلاثةٍ؛ وتعدى في نصيب واحد. والثاني: يُغرم أقل ما لو دفع إليه: كان جائراً؛ لأنه لم يُفرط لا في ذلك القدر فإن لم يجد شيئاً من بعض الأصناف إلا واحداً-: دفع إليه جميع ذلك السهم، ما لم يخرج عن حد

стр. 2011

الاستحقاق، فإن فضل منه فضل-: رده إلى سائل الأصناف سواء. وحُكم زكاة الفطر حكم زكاة المال في أنه يجب صرفها إلى هذه الأصناف. وقال الإصطخري يجوز صرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء، لأنها قليلٌ، إذا دفع إليهم-: لا تقع منهم موقعاً. والأول المذهب. فإن تعذر قسمتها-: يجتمع جماعة يجمعون صدقاتهم، ثم يقسمونها على المستحقين. وقال أبو حنيفة: يجوز صرف جميع الزكاة إلى صنف واحد، وإلى شخص واحد مع وجود الباقين. دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ....﴾ [التوبة: ٦٠] الآية أصناف الصدقات إلى ثمانية أصناف بلام التمليك؛ لا يجوز حرمان بعضهم؛ كما لو قال: هذا الثوب لفلان وفلان-: فلا يعطى إلى أحدهما؛ يؤيده أنه قال في آخر الآية: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو يرجع إلى أصل الأداء، وإلى صفة الأداء جميعاً، وإذا اجتمع في شخص واحد سببان للاستحقاق، فهل يُعطى من زكاة مال واحد بالسببين جميعاً؛ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما- وهو قول أبي حنيفة-: يعطى بهما؛ لأن الله تعالى جعل للفقير سهماً، وللغارم سهماً، وهذا فقير غارم. والثاني: لا يُعطى إلا لسبب واحد، يقال له: اختر أيهما شئت؛ فنعطيك به؛ لأنه شخص واحد؛ فلا يأخذ سهمين من مال واحد، كما لو انفرد بمعنى واحدٍ. ومن أصحابنا من قال: إن كان السببان من جنس واحدٍ؛ كالفقر والغُرم [إذا كان لمصلحة نفسه]. لا يُعطى بهما؛ لأن الفقير والغارم لمصلحة نفسه-: يستحقان؛ لحاجتهما إلينا؛ وكذلك: الغازي والغارم لإصلاح ذات البين-: يستحقان؛ لحاجتنا إليهما، فإذا اجتمعا في شخص واحدٍ-: لا يعطى بهما.

стр. 2012

وإن كان السببان مختلفين بأن كان غازياً غارماً-: يعطى؛ لأن استحقاق الغازي لحاجتنا إليه، واستحقاق الغارم لحاجته إلينا: إذا كان غرمه لمصلحة نفسه؛ كما في الميراث-: إذا اجتمع في شخص واحد جهتا فرض-: لا يعطى بهما، وإذا اجتمع فيه جهة فرض، وجهة تعصيب-: يعطى بهما، وإن كان العامل على الصدقة فقيراً-: هل يُجمع له بين سهم الفقراء وسهم العاملين؟ على قولنا: إنه لا يعطى بسببين-: فيه وجهان، وأصل الوجهين: أن ما يأخذه العامل أجرة عمله أم صدقة؟ فيه وجهان: أحدهما: أجر عمله؛ لأنه يستحقه بالعمل؛ فعل هذا: يُجمع له بين السهمين. والثاني صدقة؛ لأن الله تعالى ذكره في المستحقين للصدقة؛ فعلى هذا: لا يُجمع له بينهما. فصل فيمن يقوم بتفريق زكاته قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ....﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية زكاة الأموال الباطنة هي: زكاة الذهب والفضة، وزكاة التجارة، وصدقة الفطر، وحق الركاز-: يجوز لرب المال أن يُفرقها بنفسه، ويجوز أن يدفعها على الإمام؛ لأنه نائب المستحقين، والأفضل-: أن يفرقها بنفسه؛ ليكون على يقين من وصولها إلى المستحقين. أما زكاة الأموال الظاهرة، وهي: المواشي، والزروع، والثمار، وحق المعيرين-: هل يجوز أن يفرقها بنفسه أم يجب دفعها إلى الإمام؟ فيه قولان: أصحهما- وهو قوله الجديد-: يجوز أن يفرقها بنفسه؛ كزكاة الأموال الباطنة، إلا أن الأفضل ههنا أن يدفع إلى الإمام. وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يجب دفعها إلى الإمام؛ حتى لو فرق بنفسه-: لا تُحسب، ويلزمه الضمان؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة لأخذها. فإن قُلنا: يجب الدفع إلى الإمام-: فذلك إذا كان الإمام عادلاً، فإن كان جائراً-: هل يجب الدفع إليه؟ فيه وجهان:

стр. 2013

أحدهما لا يجب؛ لأن الظاهر منه أنه لا يوصله إلى المستحقين؛ بل الأولى أن يدفع بنفسه، ولو ودفع إليه-: جاز. والثاني- وهو الأصح-: يجب؛ لأنه لا ينعزل بالجور وإذا دفع إليه-: سقط الغرض عنه، وإن لم يوصلها إلى المستحقين. فحيث قلنا: يجب الدفع إلى الإمام-: فما دام يُرجى مجيء الساعي: لا يجوز أن يعرف بنفسه، وإن كان لا يرجو-: جاز. ثم إن جاء الساعي، ولم يصدقه-: فالقول قول رب المال مع يمينه، وهذه اليمن واجبة أم مستحبة؟ فيه وجهان: إن قلنا: مستحبة: فإن نكل-: لا شيء عليه. وإن قلنا: واجبة-: فإن نكل-: أخذت الزكاة منه لا بنكوله، ولن لأن الزكاة كانت واجبة عليه، والأصل بقاؤها عليه. وإذا امتنع رجل عن أداء الزكاة-: للإمام أن يأخذها منه كرهاً. وعند أبي حنيفة: لا يأخذها كُرهاً. وإذا امتنع جماعة-: قاتلهم الإمامُ؛ كما فعل الصديق، ﵁. وقد ذكرنا أن رب المال إذا دفع الزكاة بنفسه-: يجب أن يقسمها على الأصناف الموجودة على السواء، وإذا كان له أنواع من الأموال التي يجب فيها الزكاة؛ كالمواشي والدراهم والدنانير-: يجب أن يقسم زكاة كل نوع منها بانفراده على الأصناف الموجودة على السواء. أما إذا اجتمع عند الإمام صدقات قوم-: فلا يجب عليه أن يضع صدقة كل واحد من الأصناف الثمانية على السواء؛ بل [له] أن يضع صدقة رجل في صنف واحد، وفي نفس واحدة؛ على ما يرى، ولكن لا يجوز أن يحرم من جملة الصدقات صنفاً أو يفضلهم على صنف آخر، فالإمام في قسمة جميع الصدقات: كرب المال في قسمة صدقة نفسه. ولا يجوز للساعي ولا للإمام أن يتصرف فيما يجتمع عنده من مال الزكاة حتى يوصلها إلى أهلها؛ لأن الفقراء أهل رُشدٍ لا يولى عليهم، فإن باع منه شيئاً-: فالبيع باطل، ويسترد إن قدر عليه، وألا غرم من مال نفسه. فإن وقعت ضرورة بأن خاف هلاك بعض المواشي، أو خاف الساعي خطر الطريق، أو

стр. 2014

احتاج إلى رد جُبران، أو احتاج في نقله إلى مؤنة لطول الطرق إلى الإمام، أو أخذ نصف شاة، فتعذر نقله أو نحو ذلك-: جاز له بيعها. وإذا اجتمع حق أهل السهمان في بعير واحد، أو بقرة، أو شاة أو دينار-: فليس لرب المال بيعه، بل يشترك المستحقون فيه، ثم بعد ما ملكوا: لو وكلوا ببيعه-: يجوز، أما الإمام إذا رأى أن يشركهم فعل، وإن رأى أن يبيع باع وفرق الثمن عليهم، وكذلك: كل ما يكال ويوزن. فصل فيمن لو أخطأ الإمام في المدفوع إليه ولو دفع الإمام الزكاة إلى رجل، ثم ظهر أن المدفوع إليه: كان عبداً، أو كافراً، أو غنياً-: فالفرض عن رب المال ساقط؛ لأنه دفع إلى الإمام الذي هو نائب عن المساكين. وهل يجب الضمان على الإمام؟ نظر: إن بان غنياً-: لا يجب، بل إن كان المال قائماً في يد المدفوع إليه-: يسترده وإن كان تالفاً-: يغرمه قيمته، عن قدر عليه، ويصرفه إلي المستحقين، سواء شرط عند الدفع إليه أنه زكاة، أو لم يشرط: وإن بان عبداً أو كافراً-: هل يلزمه الضمان؟ فيه قولان: أصحهما: لا؛ كما لو بان غنياً. والثاني: يجب؛ بخلاف ما لو بان غنياً؛ لأن الغنى مما يخفى، فقل التوصل إلى معرفته، والكفر والرق مما لا يخفى، ويمكن التوصل إلى معرفتهما، وكان مفرطاً بترك (التفحص) والقولان يُبنيان على أن خطأ الإمام على عاقلته، أم في بيت المال؟ إن قلنا: على عاقلته-: لا يجب. وإن قلنا: في بيت المال-: فيجب في بيت المال. أما إذا أعطى رب المال الزكاة بنفسه، ثم بان المدفوع إليه، عبداً أو كافراً-: فالغرض باقٍ في ذمته، ويسترد من المدفوع إليه ما دفع إليه، إن كان قائماً. وإن كان تالفاً-: فيمته، ويتعلق بذمة العبد. وإن بان غنياً- فقولان: أصحهما- وهو قوله الجديد-: لا يسقط الغرض عنه؛ كما لو [بان] عبداً، وهل

стр. 2015

يسترد ما دفع إليه- نظر: إن ذكر عند الدفع إليه أنها صدقة واجبة-: تسترد إن كانت قائمة، وإن كانت تالفة-: تسترد قيمتها. وإن لم يذر أنها صدقة واجبة-: فلا تسترد، وتقع تطوعاً؛ بخلاف الإمام: يسترد، وإن لم يُخبره؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يعطى إلا الزكاة، ورب المال قد يُعطى من ماله الفرض والتطوع وإن لم يخبر-: يحمل على التطوع. وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يسقط الفرض عنه؛ لأن الغنى لا يخفى، ولايمكن الوقوف عليه؛ كما لو بان من دفع إليه أنه غني. والأول أصح؛ أنه غير ساقط عنه؛ لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض عنه بيمين؛ بأن يرفعها إلى الإمام، فإذا لم يفعل-: فقد فرط؛ والإمام ليس فوقه من يرفعه غليه، فلم يكن مفرطاً، وكذلك: حكم زكاة الفطر والكفارة، إذا بان أن المدفوع إليه غير مستحق؛ على التفصيل الذي ذكرنا. فصل في نقل الصدقة رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: "أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة أموالهم؛ تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم". نقل الصدقة من بلد المال إلى بلد آخر عند عدم المستحقين في بلد المال-: فرض، أما عند وجود مستحقين-: هل يجوز النقل أم لا فيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأن الله تعالى أقام الصدقات للفقراء؛ فلم يخص به فقير بلد المال، وكما قلنا في الكفارة: لايختص أداؤها ببلد الوجوب؛ وهذا قول أبي حنيفة. والثاني: وهو الأصح-: لا يجوز؛ لحديث معاذٍ؛ حيث قال النبي- ﷺ : "تؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم"، ولأن صدقة كل قوم تكون لفقراء ذلك القوم، ولأن طمع مساكين البلد قد يستحكم في صدقات أرباب الأموال؛ ففي نقله إيحاشُهُمْ. ومن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: لا يختلف القول أن النقل لا يجوز، والقولان إذا نقل، وأدى هل يسقط الفرض عنه؟ فيه قولان-: أصحهما: لا يسقط، وعليه الإعارة، واختلف أصحابنا في موضع القولين منهم من قال: القولان فيما إذا نقل إلى مسافة القصر، أما إذا نقل إلى ما دون مسافة

стр. 2016

القصر في حكم البلد، فصار كما لو نقل في البلد من محلة إلى محلة: جاز. ومنهم من قال: سواء قربت المسافة أو بعدت بعد ما أخرجها من البلد؟ فيه قولان، وهو الصحيح، نص عليه في "الأم". وأما إذا كان البلد فرسخين في فرسخ وأكثر فجميع ما فيها من المساكين سواء في الاستحقاق، فإن كان أطرافها أبعد من بعض القرى؛ فإن قلنا: لا يجوز النقل، فإن كان المال ببلد، والمالك ببلد آخر- نظر: إن كان عُشر تمر وزرع-: صُرف إلى فقراء بلد الأرض؛ لأن الزرع والتمر قد حصل من ذلك البلد، وإن كان مال التجارة-: صُرفت صدقتها إلى فقراء البلد الذي يحول الحول عليه فيه، وإن حال الحول، وهو في مفازة أو بادية-: صُرف إلى فقراء أقرب البلاد، فإن كانت أمواله ببلدان متفرقة-: صرفت زكاة كل طائفة من المال إلى مساكين البلد الذي به المال، ولا اعتبار للبلد الذي به المالك؛ لأن المساكين مطلعون إلى المال لا إلى المالك. وفي صدقة الفطر: إن كان هو ببلد وماله ببلدٍ آخر-: فيه وجهان: أحدهما: تصرف إلى فقراء بلد المال؛ لأن وجوبها بسبب المال. والثاني: وهو الأصح-: إلى فقراء بلد صاحب المال؛ لأنها صدقة البلد. وإذا قلنا: إن النقل لايجوز-: فلا تُحلوا أهل الصدقات: إما أن كانوا مقيمين في بلد، أو كانوا أهل بادية، وإن كانوا مقيمين في مصر أو قرية: فإن كان المستحقون فيها محصورين واتسع المال-: يجب أن يُصرف إلى جميعهم، وإن لم يكونوا محصورين: صُرف على بعضهم سواء فيه المستحقون المقيمون، ومن وجد بها من الغرباء: لايجوز الإخراج عنها، وإن نقل- أعاد؛ على الأصح من القولين. وإذا كان فقراء البلد محصورين-: لا يجب التسوية بينهم وإن وجب تعميمهم؛ بخلاف ما لو أوصى بفقراء بلد نفسه؛ وهو محصورون، تجب التسوية بينهم لأنه ثبت لهم الحق على التعيين؛ بدليل أنه لو لم يكن فيها فقير-: تبطل الوصية، وههنا: لم يثبت لهؤلاء الحق على التعيين؛ بدليل أنه إذا لم يكن في البلد فقير-: ينقل، فمن حيث إنهم محصورون-: يجب تعميمهم، ومن حيث إنه لم يثبت على التعيين؛ إنما تعينوا لعقد غيرهم-: لم يجب التسوية بينهم، وإن لم يكن في البلد مستحقون-: يُنقل إلى بلد آخر، ثم إن كان على أقل من مسافة القصر-: فهو في حكم أهل البلد، لا يُنقل إلى ما فوقها. أما أهل البادية: فضربان:

стр. 2017

أحدهما: أن يكونوا مقيمين في مواضع لا يرحلون عنها، شتاء ولا صيفاً-: فهم كأهل بلدة واحدة. والثاني: ألا يكونوا مستقرين؛ بل كلما أجدب انتقلوا إلى موضع آخر؛ فهم على ضربين: أحدهما: قوم أخلاط لا يتميز بعضهم عن بعض، ولا يتفرقون في منزل ورعي، والاعتبار في صدقتهم بالموضع الذي تجب فيه، والجوار في حقهم: أن تجمعهم في موضع لا تقصر إليه الصلاة، وكل من كان على أقل من مسافة القصر من موضع المال-: كان في حكم البلد-: لا ينقل عنهم الصدقة، إلا أن الشافعي- ﵁ أومأ إلى أنه إذا كان في جوارهم قوم يظعنون بظعنهم، ويقيمون بإقامتهم: أنهم أولى بصدقتهم ممن يفارقهم في الظعن والإقامة من جيرانهم، وهذا على طريق الاستحباب، فأما في الاستحقاق: فالكل سواء، وأن كان أهل البادية يتميز بعضهم عن بعض؛ مثل قبائل العرب: كل جبلة متميزة عن الأخرى-: فاختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: أهل كل قبيلة بمنزلة أهل بلدٍ؛ لا يجوز النقل من قبيلة إلى أخرى؛ لأنهم متميزون. ومنهم من قال: الكل واحد، وهو كالضرب الأول؛ يُصرف إلى الجوار، وهو من كان على أقل من مسافة القصر. وإذا عدم بعض الأصناف- نظر: إن عدم في جميع البلاد؛ كالمؤلفة قلوبهم وغيرهم من الأصناف، إذا عدموا-: تُصرف الزكاة إلى الموجودين منهم؛ كما ذكرنا. أما إذا عدم في بلد المال، ويوجد في غيره من البلاد: فإن قلنا: نقل الصدقة-: يجوز أن ينقل نصيب الباقين إلى بلدهم، وإذا وُجد في بلد قريب: جاز نقله إلى أبعد. وإن قلنا: نقل الصدقة لا يجوز-: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يُنقل إلى بلدهم، ولا ترد إلى الأصناف الموجودين في بلد المال؛ لأن حق كل صنف منصوص عليه، وحكم المكان-: ثبت بالاجتهاد، فيقدم ما ثبت بالنص. والثاني- وهو الأصح- يرد على الأصناف الموجودين في بلد المال، ولا ينقل؛ كما

стр. 2018

لو لم يجد في البلد من كل صنف إلا اثنين: يرد نصيب الثالث إلى الاثنين، ولا ينقل، فحكم الأصناف حكم أقل الأعداد من كل صنفٍ، ولأن عدم الشيء في موضعه كالعدم بكل حالٍ، وإن وُجد في غيره- كمن عدم الماء في موضع: صلى بالتيمم، وإن كان يوجد في غير ذلك الموضع. وإن قلنا: ينقل-: فينقل على الصنف الآخر بأقرب البلاد إلى بلد المال، فإن نقل إلى أبعد، أو لم ينقل، ورد إلى الأصناف في بلد المال-: ضمن. وإن قلنا: لا يُنقل-: يرد إلى الأصناف الموجودين ببلد المال، فنقل-: ضمن، وكذلك: إذا كانت الأصناف موجودين، فقسمنا عليهم-: فينقص نصيب بعضهم عن كفايتهم؛ فإن اعتبرنا بلد المال-: صُرف الفضل إلى من نقص نصيبهم، وإن اعتبرنا بالأصناف: صُرف الفاضل إلى الصنف الذي فضل منهم بأقرب البلاد. وإذا كان لرجل أربعون من الغنم: عشرون ببلد، وعشرون ببلد آخر، فأدى شاة في أحد البلدين-: قال: كرهت، وأجزأه. قال أبو حفص بن الوكيل: هذا جواب على قول جواز نقل الصدقة، فإن لم يجوز انقل-: يجب أن يؤدي في كل بلد نصف شاة، والمذهب: جوازه ههنا على القولين جميعاً، لمعنيين: أحدهما: لأن له في كل بلدٍ مالاً. والثاني: أن الواجب عليه شاة؛ فلا ينتقص. وفائدته تظهر فيما إذا كان له مائتان من الغنم: مائة ببلد، ومائة ببلد أخرى، فأدى شاتين في احد البلدين- هل يجوز أم لا؟: إن قلنا: نقل الصدقة جائز-: فيجوز. وإن قلنا: النقل غير جائز-: ففيه وجهان: إن قلنا بالمعنى الأول-: يجوز. وإن قلنا بالثاني- وهو الأصح-: لا يجوز، بل يجب أن يؤدي في كل بلد شاة. قال الشافعي- ﵁: وإنما يستحق أهل السهمان حقهم يوم يكون السم سوى العاملين، يعني: العامل يستحق بعد العمل، وأهل السهمان بعد القسم. وقال في "قسم الفيء": إنهم يستحقون يوم الوجوب، وهو عند حلول الحول،

стр. 2019

وليس على قولين، بل هو على اختلاف حالين: فإن كان المستحقون محصورين في بلد أو قرية، وقلنا: نقل الصدقة لا يجوز-: فهؤلاء يستحقون بيوم وجوب الزكاة؛ حتى لو مات واحد منهم بعد الوجوب قبل القسمة-: فيدفع نصيبه إلى وارثه، وإن غاب-: لا يسقط حقه بغيبته. وإن كان فقيراً يوم الوجوب فأيسر قبل القسمة-: دُفع إليه. وإن دخل ذلك البلد واحدٌ من أهل السهمان بعد الوجوب قبل القسمة-: لا يشارك من فيه. أما إذا لم يكونوا محصورين أو كانوا محصورين في البلد، وقلنا: نقل الصدقة جائز-: فإنهم يستحقون بيوم القسمة حتى لو مات واحد منهم بعد الوجوب، أو غاب، أو أيسر قبل القسمة-: فلا حق له فيه، وإن وُجد غريب-: يُشاركهم فيه. فصل في تحريم الصدقة على نبينا ﷺ وأقاربه رُوي عن أنس قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة-: لأكلتها". الصدقة المفروضة كانت محرمة على رسول الله ﷺ وعلى أقاربه من بني هاشم، وبني المطلب؛ قال النبي ﷺ : "إن هذه الصدقات نما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". أما الهدية كانت حلالاً لرسول الله ﷺ قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها"، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدى إلى ذراع لقبلت". أما صدقة التطوع كان النبي ﷺ لا يأخذها وهل كانت تحل لبني هاشم وبني المطلب؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن النبي ﷺ كان لا يأخذها. والثاني- وهو الأصح-: تحل، لما رُوي عن جعفر بن محمد، عن أبيه؛ أنه كان يشرب من سقايات [بين] مكة والمدينة، فقيل له في ذلك؟ فقال: "إنما حرمت علينا

стр. 2020

الصدقة المفروضة"، والنبي ﷺ كان لا يأخذها تنزيها لا تحريماً. أما موالي النبي ﷺ وموالي بني هاشم وبني المطلب: تحل لهم صدقة التطوع. وهل تحل لهم الصدقة المفروضة؟ فيه قولان: أحدهما: تحل لأنهم لا يستحقون خمس الغنيمة، وخمس الغنيمة لأقارب الرسول ﷺ عوض عن الصدقة. والثاني- وهو الأصح-: لا تحل، لما رُوي عن أبي رافع، أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً على الصدقة، فقال لأبي رافع: أصحبني، كيما نصيب منها فانطلق إلى رسول الله ﷺ فسأله؟ فقال: "إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم". ولو استعمل على أخذ الصدقات واحدٌ من بني هاشم، أو بني المطلب-: فهل له أن يأخذ سهم العاملين؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه أجرة عمله. والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز؛ كما لو كان الهاشمي أو المطلبي غارماً أو غازياً: لا يجوز أن يأخذ من الصدقة. والدليل عليه: ما روي أن عبد المطلب بن ربيعة، والفضل بن عباس قالا للنبي ﷺ : جئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فتؤدي إليك، كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون؛ فقال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس". وكذلك: أهل الفيء لاتحل لهم الصدقة، فإن كان عاملاً-: هل يأخذ العمالة؟ فيه وجهان: إن جعلناها أجرة العمل-: يأخذ، وإن جعلناها صدقة-: فلا. ولو احتاج المسلمون إلى من يغنيهم أمر الكفار، وليس مع الإمام مال الفيء-: فهل يجوز أن يعطى المرتزقة من مال الصدقة؟ فيه قولان: أصحهما: لا؛ كما [لا يصرف] الفيء إلى أهل الصدقات. والثاني: يجوز أن يعطيهم من سهم سبيل الله؛ لأنه للغزاة، والمرتزقة غزاة.

стр. 2021

فصل في فضل صدقة القريب رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الصدقة على المسكين صدقة [وهي] على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة". الأفضل: أن يدفع الرجل صدقته المفروضة التطوع والكفارة إلى أقاربه الذين لا يلزمه نفقتهم، إذا كانوا مستحقين، وأقربهم له أولاهم بصدقته؛ فيبدأ بذي الرحم المحرم؛ كالإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ثم بذي الرحم غير المحرم؛ مثل: أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، ثم بالمحرم بالراضع، ثم بالمحرم بالمصاهرة، ثم بالولاء، ثم بالجوار، فمن كان أقرب داراً من الجيران إليه-: فهو أولى. رُوي أن عائشة- ﵂ قالت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك باباً". فإن كان معه في البلد أقارب وبعداء مستحقون-: فالأقارب أولى بصدقته، وإن كان البعداء في جواره، والأقارب أبعد: وإن كان البعداء معه في البلد، والأقارب خارج البلدة إن قلنا-: نقل الصدقات لا يجوز-: فالبعداء أولى، وإن قلنا: يجوز-: فالأقارب الخارجون أولى. وكذلك: أهل البادية؛ إذا جعلنا ما دون مسافة القصر كالبلد لهم فإن كان الأقارب كالبعداء دون مسافة القصر، فالأقارب أولى، وإن كانوا أبعد داراً، وكذلك: إن كانا جميعاً ممن فوق مسافة القصر. أما إذا كان البعداء دون مسافة القصر، والأقارب فوقها-: فإن جوزنا نقل الصدقة-: فالأقارب أولى، وإلا فالبعداء أولى. ولا يجوز دفع الزكاة المفروضة وصدقة الفطر والكفارة إلى أهل الذمة؛ لأنها لتطهير المسلم، والكافر نجس، لا يحصل التطهير بالصرف إليه. وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر والكفارة إليهم، ولم يجوز زكاة المال.

стр. 2022

ولا يجوز صرف سهم الفقراء والمساكين من زكاة المال وصدقة الفطر إلى من تلزمه نفقته من الوالدين والمولدين، وكذلك: الكفارة؛ لأنهم أغنياء بوجوب نفقتهم عليه. ويجوز أن يصرف إليهم سهم الغارمين وسهم ابن السبيل؛ لأنه لا يجب عليهم أداء دينهم، ولا حملهم إلى بلد آخر. وكذلك: إذا كان واحدٌ من أقاربه مكاتباً-: يجوز صرف سهم المكاتبين إليه. وكذلك: إذا لم يكن القريب زمناً، ولكنه فقير، وقلنا: لا تجب نفقة القريب، إلا أن يكون زمناً-: يجوز أن يُصرف إليهم سهم الفقراء والمساكين والكفارة. ولو صرفت المرأة إلى زوجها الزكاة-: يجوز، ولو صرف الزوج إليها سهم الفقراء والمساكين-: لا يجوز؛ لوجوب نفقتها عليه، فإن كانت ناشزة-: يجوز؛ لأنه لا نفقة لها عليه. وفيه وجهٌ آخر: أنه يجوز للزوج أن يدفع إلى زوجته سهم الفقراء والمساكين؛ لأن استحقاقها النفقة عليه بطريق المعاوضة؛ كما لو استأجر أجيراً فقيراً-: جاز له صرف الزكاة إليه مع استحقاق الأجرة. ولا يجوز أن يدفع الصدقة إلى صبي، ولا إلى مجنون؛ لأن قبضهما لا يصح، فإن دفع عنهما إلى قيمتهما-: يجوز. ولو دفع إلى عبد من جهة سيده، وسيده مستحق-: جاز، والله أعلم. باب وسم الدواب رُوي عن أنس ﵁ قال: "عدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة". وسم الدواب مباح في الجملة، وهو في نعم الجزية والصدقة مسنون. وعند أبي حنيفة- ﵁ غير جائز، والحديث حجة لمن أجازه. وفائدة الوسم: أن يتميز أحد المالين عن الآخر؛ لأن مستحقهما مختلف، ويتميز مال الصدقة والجزية عن غيرهما، وأن يعرفها من تصدق بها؛ فلا يشتريها، فلم يكن للرجل أن يتصدق بشيء، ثم يشتريه.

стр. 2023

ويسم الإبل والبقر على أفخاذها، ويسم الغنم في أصول آذانها؛ لأن الغنم لها أوبار وأشعار على الأفخاذ؛ فلا يظهر عليها أثر الوسم، ولا يجوز أن يسم على الوجه؛ لما روي عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه". وميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل، ويكتب على ميسم الزكاة "زكاة"، وعلى ميسم الجزية: "جزية أو صغار"، ولا يجوز إخصاء دابةٍ لا يؤكل لحمها، ويجوز إخصاء المأكول في الصغر؛ لأن فيه غرضاً؛ فإن لحم الخصي أطيب، ولا يجوز بعد الكبر، ويقال: إخصاء الفرس يزيده قوة، وإخصاء الحمار ينقص قوته؛ والله أعلم بالصواب. تم الجزء الثاني، يتلوه إن شاء الله تعالى في الثالث "النكاح". والحمد لله رب العالمين

стр. 2024

كتاب النكاح باب ما جاء في أمر النبي ﷺ وأزواجه في النكاح قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. اعلم أن الله - تعالى- لما خص رسوله بالوحي، خصه بأشياء، باين بينه وبين خلقه؛ تبييناً لفضيلته؛ وإظهاراً لرامته، ورفعاً لدرجته.

стр. 2025

وجملة خصائص رسول الله ﷺ على أربعة أقسام: منها: ما أوجبه الله عليه، وخففه على غيره.

стр. 2026

ومنها: ما حرمه عليه، وأباحه لغيره. ومنها ما أباحه له، وحرم على غيره. ومنها: ما أكرمه به دون غيره. أما ما أوجبه عليه: فمنها: صلاة الليل، والوتر، والسواك. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. أي زيادة لك في الفرائض. وروي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث على فريضة، وهي لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل" وقيل: قيام الليل صار وجوبه منسوخاً في حقه؛ كما في حق الأمة. وقيل: الأضحية كانت واجبة عليه دون غيره.

стр. 2027

ومنها: أنه كان يجب عليه تغيير منكر رآه، ولا تسعة التقية، كما تسع غيره؛ لأن الله - تعالى- ضمن له العصمة، فقال: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ومنها: أنه كان يجب عليه مصابرة العدو، وإن كان كبيراً عددهم، ولا يجب في حق غيره، إذا كان في مقابلة كل مسلم أكثر من مشركين، وكان يلزمه بلبس اللأمة ما يلزم غيره، قال النبي ﷺ في حرب أُحُدِ: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمَتَهُ أن يضعها حتى يقاتل". وقيل على هذا المعنى: كان لا يبتديء تطوعاً، إلا لزمه إتمامه. ومنها: أنه كان يجب عليه قضاء دين من مات من المسلمين، ولا وفاء له. رُوي عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء؛ فعلى قضاؤه". ولا يجب على أحد من الأئمة قضاء دين الغير من مال نفسه، وهل يجب من مال بيت المال؟ فيه وجهان: ومنها في النكاح: أوجب الله عليه تخيير نسائه بين المقام معه، وبين مفارقته، واختيار الدنيا؛ فقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وأما ما حرمه عليه، وأباحه لغيره: فمنها: الصدقة المفروضة، كانت محرمة عليه؛ قال النبي ﷺ "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا

стр. 2028

لآل محمدٍ" وهل كان يحرم عليه صدقة التطوع؟ فيه قولان ومنها: أنه يحرم عليه الخط والشعر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقيل: كان يُحسن الخط، ولا يكتب، ويحسن الشعر، ولا يقوله. والأصح: أنه كان لا يُحسنها، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه؛ وقال للنابغة الجعدي حين أنشد قصيدته: "لا فض الله فاك". ومنها: أنه كان يحرم عليه خائنة الأعين؛ روي أن عثمان ﵁ جاء بعبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى رسول الله ﷺ عام الفتح؛ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً؛ كل ذلك يأبى؛ فبايعه بعد ثلاثة؛ ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا بعينيك. قال: "إنه لا ينبغي لنبي خائنة الأعين". والمراد من خائنة الأعين: أن يشير إلى مباح من ضرب أو قتل مما لا يحل أن ينطق به [و] يُسمى خائنة الأعين؛ لأنه يشبه بالخيانة من حيث إنه يخفيه ولا يظهره؟ ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور. ثم أبيح له إذا أراد سفراً أن يُوري بغيره، بخلاف هذا. قال صاحب "التلخيص": وفي تحريم خائنة الأعين كالدليل على أنه لم يكن في الحرب خدعة، وليس ذلك، بل كان له ذلك؛ ما لكافة الناس، وكالتورية بغيره في الغزو. ومنها: أنه كان يحرم عليه إذا لبس لأمته أن ينزعها؛ حتى يلقى العدو، وقال النبي ﷺ يوم أحد: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل". ومنها: أنه كان ﵇ لا يأكل متكئاً. قيل: كان حراماً عليه أن يأكل متكئاً، ولم يكن حراماً على غيره.

стр. 2029

وقيل: لم يكن مخصوصاً به، بل [هو] مستحب لكل أحد؛ ليكون أقرب إلى التواضع، وأبعد من التكبر. ومنها: أنه كان لا يأكل الثوم، والبصل، والكرات. فقيل: كان حراماً عليه دون غيره. وقيل: لم يكن حراماً، ولكن كان يمتنع من أكله تنزهاً حتى لا يتأذى به الملك. رُوي عن جابر؛ أن النبي ﷺ أتى بقدر فيه خضراوات من بقول، فوجد لها ريحاً؛ فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه. وقال: "كُلْ؛ فإني أناجي من لا تناجي". ومنها في النكاح: حرم الله عليه التزويج على نسائه والتبدل بهن حين اخترنه, قال الله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وكان السبب في ذلك أنه جرت وحشة بين رسول الله ﷺ وبين أزواجه، فألى ألا يدخل عليهن شهراً؛ فأقامه في مشربة له، ثم أنزل الله ﷺ وبين أزواجه، فآلى ألا يدخل عليهن شهراً؛ فأقامه في مشربة له، ثم أنزل الله - تعالى- آية التخيير؛ قالت عائشة ﵂: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: إني ذاكرٌ لك أمراً، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك؛ وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال: "إن الله - تعالى- قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ...﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى تمام الآيتين. قلت: أوفى هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأسأل ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله - تعالى- لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً". ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة؛ فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كافأهن الله - تعالى - وحرم على رسول الله التزويج عليهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ثم أراد الله - تعالى- أن تكون المنة لرسول الله ﷺ عليهن، فأباح له النساء؛ لتكون المنة له بترك التزويج عليهن. قالت عائشة- ﵂: ما مات رسول الله ﷺ حتى احل له النساء؛ تعني: اللاتي حُظرنَ عليه. وقال أنس: مات على التحريم.

стр. 2030

واختلفوا في أنه؛ هل كان للرسول ﷺ مفارقتهن بعد ما اخترنه والدار الآخرة. منهم من قال: يجوز؛ كما أن واحداً منا لو أراد تطليق زوجته، كان له ذلك. ومنهم: من قال: كان لا يجوز؛ كما لو اختارت الدنيا، ورغبت عنه، لم يكن يحل له إمساكها، وهذا كان من خصائصه أيضاً؛ فإن واحداً منا لو خير زوجته لم ينو الطلاق، ورغبت عنه - لا يجب عليه تطليقها، وكان يجب عليه ذلك؛ لأن الله - تعالى- وعدهن أنه يطلقهن لو اخترن الدنيا؛ ولأن كل من رغبت عنهن وجب عليه تركها؛ لما رُوي أنه تزوج امرأة، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "لقد عُذت بعظيم، الحقي بأهلك". ولو تصور اختيار واحدة منهن الدنيا، هل كان يقع الفراق بنفس الاختيار؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كواحد منا لو خيرت زوجته؛ فاختارت نفسها، طلقت. والثاني- وهو الأصح-: لاحتى يُسرحها النبي ﷺ لأن الله - تعالى - قال بعد التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] أمر بالتسريح بعد الاختيار؛ لأنه تخيير بين الدنيا والآخرة، ولو خير واحد منا زوجته بين الدنيا والآخرة، فاختارت الدنيا - لم يقع الفراق. وهل كان جوابهن على الفور؟ فيه وجهان: إن قلنا: كان يقع الفراق بنفس الاختيار - كان جوابهن على الفور-؛ كواحد منا؛ لو خير زوجته، كان جوابها على الفور. وإن قلنا: كان لا يقع الفراق بنفس الاختيار- وهو الأصح- كان جوابهن على التراخي؛ لأن النبي ﷺ قال لعائشة: "ولا عليك أن تستعجلي؛ حتى تستأمري أبويك" فجوز لها تأخير الجواب [إلى إمرة الأبوين].

стр. 2031

فأما ما أبيح له دون غيره: فمنها: الصفي من الغنيمة؛ وهو أن يختار من رأس الغنيمة ما شاء، ومن جملة صفاياه: صفية بنت حيي بن أخطب؛ اصطفاها من رأس الغنيمة، وأعتقها، وتزويجها. ومنها: خُمس خمس الغنيمة والفيء كان مباحاً له؛ قال الله - تعالى-: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وكان أربعة أخماس الفيء له في حياته. وأبيح له الحِمَى لنفسه؛ قال النبي ﷺ : "لا حِمَى إلا لله ورسوله". ولم يكن لأحد من الأئمة بعده أن يحمي لنفسه؛ وهل له أن يحمي لمصالح المسلمين؟ فيه قولان. ومنها: الوصال في الصوم كان مباحاً له؛ وهو أن يصوم أياماً من غير أن يطعم بالليل شيئاً؛ روي أنه ﷺ نهى عن الوصال، فقيل له: عن تواصل. فقال: "إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت يطعمني ربين ويسقيني". ومنها: أنه أبيح له أخذ الماء من العطشان، والطعام من الغرثان، وكان على الرجل إذا علم به حاجته أن يحمله غليه، ويؤثر على نفسه، ويجب أن يقي [أحدنا] رُوحه ﵇ بروح نفسه؛ لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولأن في بقائه بقاء العالم. ومنها: إباحة قتل من سبه وهجاه؛ رجلاً كان أو امرأة؛ لأن سبه كفر، وكذلك بغضه، وسب غيره لا يوجب قتلاً ولا كفراً. ورُوي عن أبي بُرزة أن رجلاً سب أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا ليست هذه لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ . ومنها: أنه أبيح له الحكم لنفسه؛ وقبول شهادة من شهد له بقوله؛ فإن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله- ﷺ بقوله فأجازه، وجعل شهادته بمنزلة شهادة رجلين، وكما جاز له أن يحكم لنفسه، جاز له أن يحكم لولده. وعلى قياس هذا يجوز أن يشهد لنفسه ولولده. ومنها: أنه كان يجوز له أن يقضي بعلم نفسه، ولا يجوز لغيره من القضاة؛ على أحد القولين. وأبيح له في النكاح أشياء منها: الزيادة على أربع نسوة؛ فإنه ﵇ مات عن تسع نسوة يقسم لثمان منهن.

стр. 2032

وهل كان يجوز له أن يزيد على تسع نسوة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، والتسع في حقه كالأربع في حق الأمة. والثاني - وهو الأصح-: كان يجوز له ذلك. وهل كان يجب عليه القسم بين نسائه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]. والثاني - وهو الأصح-: أنه كان يجب عليه القسم؛ بدليل أنه كان يُطاف به عليهن في مرضه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك، وأنت أعلم بما لا أملك" يعني: قلبه؛ ولولا وجوبه عليه، لكان لا يتكلف ذلك في المرض، ولا يستعيذ من ميل القلب. وفيه دليل: على أنه كان مطالباً في السر بأكثر منا، فالله - تعالى- خفف عنا- لضعفنا وعجزنا. ومنها: أنه كان يحل النكاح في حقه بمعنى الهبة؛ حتى ينحها بلا مهر، ثم لا يجب لك لا بالعقد، ولا بالدخول. وهل كان ينعقد بلفظ الهبة؟ فيه وجهان: أصحهما: بلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة، والمراد من الآية: النكاح بمعنى الهبة؛ بدليل أنه قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ دل على لفظ النكاح شرط. فإن قلنا: كان ينعقد بلفظ الهبة، فهل كان يشترط لفظ النكاح من جهته ﵇؟ فيه وجهان: أحدهما لا؛ كما في جانب المرأة. والثاني: يشترط؛ لظاهر الآية؛ فإن جوزنا، كان لا يجب المهر؛ لا بالعقد، ولا بالدخول؛ لأن ذلك قضية الهبة. وهل كان ينعقد نكاحه بغير ولي، ولا شهود؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما في حق الأمة. والثاني - وهو الأصح-: كان ينعقد؛ لأن الولي شرط؛ لطلب الكفاءة؛ وهو كان أكفأ الأكفاء، وشرط الشهود؛ للخوف من الجحود، وكان لا يُخشى ذلك منه. وهل كان ينعقد نكاحه في حال الإحرام؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنه رُوي أنه نكح ميمونة محرماً.

стр. 2033

والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة وأكثر الرواة أنه نكح ميمونة حلالاً، وكالوطء لم يكن له حلالاً في حال الإحرام؛ كغيره. وقيل: كان لا ينحصر عدد طلقاته بالثلاث؛ وليس بصحيح بل كان ينحصر بالثلاث؛ كما في حق الأمة. وبعض أصحابنا قالوا: كان النكاح في حقه بمنزلة التسري في حق الأمة، حتى يصح بلا ولي، ولا شاهد، وبلف الهبة، وفي حال الإحرام، وأن يزيد على التسع، ولا يلزمه القسم، ولا ينحصر عدد الطلاق فيه. ومنها: أنه كان أبيح له بتزويج الله [له]؛ كما قال جل ذكره في حق زينب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكان تزويجها في السماء، ولم يكن في الأرض. وقيل: يحل بلا عدة. ومنها: نه كان إذا رغب في نكاح امرأة، يجب عليها الإجابة، ويحرم على غيره خطبتها، وإذا رغب في ذات زوج يحرم على زوجها إمساكها؛ وكان يجوز له تزويج المرأة من نفسه من غير استئمارها، واستئمار وليها، ويتولى طرفي العقد، وكان يجوز له تزويجها ممن شاء من غير إذنها، وإذن وليها؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فروى أنه ﵇ "أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها". واختلفوا في اختصاصه فيه: قيل: اختصاصه من حيث إنه أعتقها على هذا الشرط، فلزمها ذلك، ولم يكن لها الامتناع، وغيره لو أعتق جارية؛ على أن ينكحها؛ فقبلت - عتقتهن ولا يجب عليها أن تنكحه، وعليها قيمة رقبتها للمولى. وقيل: اختصاصه من حيث إنه كان يجوز له أن يجعل نفس العتق صداقاً، ولا يجوز ذلك لغيره؛ وكان لا يحل له نكاح الأمة المسلمة؛ لأن خوف العنت شرط لجواز نكاحها للحر، وهو ﵇ كان آمناً منه، وكان يباح له التسري بالأمة المسلمة؛ لأنه استولد جاريته مارية بملك اليمين. وهل كان يباح له نكاح الحرة الكتابية، أو التسري بالأمة الكتابية؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كما كان مباحاً للأمة. والثاني - وهو الأصح-: كان لا يباح له ذلك؛ لما رُوي أنه قال: "زوجاتي في الدنيا

стр. 2034

زوجات في الآخرة". والكافرة لا تدخل الجنة، ولأن ماءه أعز من أن يتضمنه رحم كافرة، فأما ما أكرمه الله تعالى به فذلك مما لا يُحصى كثرة. فمنها: ما رُوي عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: "أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرُّعبِ مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ فأيما رجلً من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة". وعن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فُصلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون". وقال: "بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، ووُضعت في يدي". وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زوى لي منها، أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض". وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع مُشفع". وعن أنسٍ أن النبي ﷺ قال: "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة". ومنها: أنه أُيدت شريعته، ونُسخت الشرائع بشريعته، وجعل كتابه - وهو القرآن -[مُعجزة له، ولم تكن كتب الأنبياء معجزة لهم، وبقيت معجزته في الأمة بعد مُفارقته الدنيا - وهي القرآن-] حتى يكون حجة على من جاء بعده، وضمن الله حفظه عن التبديل والتحريف؛ قال الله - تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وجعلت أمته خير الأمم؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ومنها: أنه كان [يرى خلفه كما] يرى أمامه. رُوي عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم، ولا سجودكم؛ إني لأراكم من وراء ظهري".

стр. 2035

ومنها: أنه كان لا ينام قلبه حتى كان يجوز له أن يصلي بعدما نام مُضطجعاً قبل أن يتوضأ؛ قال ابن عباس: "ثُمَّ نام حتى سمعت غطيطه، ثم خرج إلى الصلاة". وقالت عائشة ﵂: "قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر". قال: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي". ومنها: أن صلاته التطوع قاعداً كصلاته قائماً، وإن لم تكن به علة، وفي حق غيره صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ قال عبد الله بن عمرو بن العاص: أتيت رسول الله ﷺ فوجدته يصلي جالساً. فقلت: يا رسول الله، حدثت أنك قلت: "صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعداً. قال:"أجل، ولكني لست كأحد منكم". ومنها: أنه كان يجب على المصلي إجابته إذا دعاه في الصلاة، لا تبطل به صلاته؛ رُوي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي، فدعاني النبي ﷺ فلم اجبه حتى صليت، ثم أتيت فقال: "ما منعك أن تأتي" قلت: إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ومنها: أنه يخاطب في الصلاة بقوله: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، ومثل هذا الخطاب مع غيره يقطع الصلاة. ومنها: أنه كان لا يجوز لأحدٍ أن يرفع صوته فوق صوته، ولا ينادي بعدما دخل حجرته حتى يخرج؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. وكان لا يجوز لأحدٍ أن يدعوه باسمه، فيقول: يا محمد يا أحمد، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، على وجه التعظيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. قال الشيخ: ومنها: ما روي عن النبي ﷺ قال: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي". وكان الشافعي ﵁ يقول: ليس لأحدٍ أن يتكنى بأبي القاسم، سواء كان اسمه مُحمداً أو أحمد، أو لم يكن؛ لظاهر الحديث.
следующие страницы →