Полный текст (3 626 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
فأما ما أبيح له دون غيره: فمنها: الصفي من الغنيمة؛ وهو أن يختار من رأس الغنيمة ما شاء، ومن جملة صفاياه: صفية بنت حيي بن أخطب؛ اصطفاها من رأس الغنيمة، وأعتقها، وتزويجها.
ومنها: خُمس خمس الغنيمة والفيء كان مباحاً له؛ قال الله - تعالى-: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وكان أربعة أخماس الفيء له في حياته.
وأبيح له الحِمَى لنفسه؛ قال النبي ﷺ : "لا حِمَى إلا لله ورسوله". ولم يكن لأحد من الأئمة بعده أن يحمي لنفسه؛ وهل له أن يحمي لمصالح المسلمين؟ فيه قولان.
ومنها: الوصال في الصوم كان مباحاً له؛ وهو أن يصوم أياماً من غير أن يطعم بالليل شيئاً؛ روي أنه ﷺ نهى عن الوصال، فقيل له: عن تواصل. فقال: "إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت يطعمني ربين ويسقيني".
ومنها: أنه أبيح له أخذ الماء من العطشان، والطعام من الغرثان، وكان على الرجل إذا علم به حاجته أن يحمله غليه، ويؤثر على نفسه، ويجب أن يقي [أحدنا] رُوحه ﵇ بروح نفسه؛ لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولأن في بقائه بقاء العالم.
ومنها: إباحة قتل من سبه وهجاه؛ رجلاً كان أو امرأة؛ لأن سبه كفر، وكذلك بغضه، وسب غيره لا يوجب قتلاً ولا كفراً. ورُوي عن أبي بُرزة أن رجلاً سب أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا ليست هذه لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ .
ومنها: أنه أبيح له الحكم لنفسه؛ وقبول شهادة من شهد له بقوله؛ فإن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله- ﷺ بقوله فأجازه، وجعل شهادته بمنزلة شهادة رجلين، وكما جاز له أن يحكم لنفسه، جاز له أن يحكم لولده. وعلى قياس هذا يجوز أن يشهد لنفسه ولولده.
ومنها: أنه كان يجوز له أن يقضي بعلم نفسه، ولا يجوز لغيره من القضاة؛ على أحد القولين. وأبيح له في النكاح أشياء منها: الزيادة على أربع نسوة؛ فإنه ﵇ مات عن تسع نسوة يقسم لثمان منهن.
стр. 2032
وهل كان يجوز له أن يزيد على تسع نسوة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، والتسع في حقه كالأربع في حق الأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان يجوز له ذلك.
وهل كان يجب عليه القسم بين نسائه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١].
والثاني - وهو الأصح-: أنه كان يجب عليه القسم؛ بدليل أنه كان يُطاف به عليهن في مرضه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك، وأنت أعلم بما لا أملك" يعني: قلبه؛ ولولا وجوبه عليه، لكان لا يتكلف ذلك في المرض، ولا يستعيذ من ميل القلب.
وفيه دليل: على أنه كان مطالباً في السر بأكثر منا، فالله - تعالى- خفف عنا- لضعفنا وعجزنا.
ومنها: أنه كان يحل النكاح في حقه بمعنى الهبة؛ حتى ينحها بلا مهر، ثم لا يجب لك لا بالعقد، ولا بالدخول.
وهل كان ينعقد بلفظ الهبة؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة، والمراد من الآية: النكاح بمعنى الهبة؛ بدليل أنه قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ دل على لفظ النكاح شرط.
فإن قلنا: كان ينعقد بلفظ الهبة، فهل كان يشترط لفظ النكاح من جهته ﵇؟ فيه وجهان:
أحدهما لا؛ كما في جانب المرأة.
والثاني: يشترط؛ لظاهر الآية؛ فإن جوزنا، كان لا يجب المهر؛ لا بالعقد، ولا بالدخول؛ لأن ذلك قضية الهبة.
وهل كان ينعقد نكاحه بغير ولي، ولا شهود؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما في حق الأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان ينعقد؛ لأن الولي شرط؛ لطلب الكفاءة؛ وهو كان أكفأ الأكفاء، وشرط الشهود؛ للخوف من الجحود، وكان لا يُخشى ذلك منه.
وهل كان ينعقد نكاحه في حال الإحرام؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه رُوي أنه نكح ميمونة محرماً.
стр. 2033
والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة وأكثر الرواة أنه نكح ميمونة حلالاً، وكالوطء لم يكن له حلالاً في حال الإحرام؛ كغيره.
وقيل: كان لا ينحصر عدد طلقاته بالثلاث؛ وليس بصحيح بل كان ينحصر بالثلاث؛ كما في حق الأمة.
وبعض أصحابنا قالوا: كان النكاح في حقه بمنزلة التسري في حق الأمة، حتى يصح بلا ولي، ولا شاهد، وبلف الهبة، وفي حال الإحرام، وأن يزيد على التسع، ولا يلزمه القسم، ولا ينحصر عدد الطلاق فيه.
ومنها: أنه كان أبيح له بتزويج الله [له]؛ كما قال جل ذكره في حق زينب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكان تزويجها في السماء، ولم يكن في الأرض.
وقيل: يحل بلا عدة.
ومنها: نه كان إذا رغب في نكاح امرأة، يجب عليها الإجابة، ويحرم على غيره خطبتها، وإذا رغب في ذات زوج يحرم على زوجها إمساكها؛ وكان يجوز له تزويج المرأة من نفسه من غير استئمارها، واستئمار وليها، ويتولى طرفي العقد، وكان يجوز له تزويجها ممن شاء من غير إذنها، وإذن وليها؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فروى أنه ﵇ "أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها".
واختلفوا في اختصاصه فيه: قيل: اختصاصه من حيث إنه أعتقها على هذا الشرط، فلزمها ذلك، ولم يكن لها الامتناع، وغيره لو أعتق جارية؛ على أن ينكحها؛ فقبلت - عتقتهن ولا يجب عليها أن تنكحه، وعليها قيمة رقبتها للمولى.
وقيل: اختصاصه من حيث إنه كان يجوز له أن يجعل نفس العتق صداقاً، ولا يجوز ذلك لغيره؛ وكان لا يحل له نكاح الأمة المسلمة؛ لأن خوف العنت شرط لجواز نكاحها للحر، وهو ﵇ كان آمناً منه، وكان يباح له التسري بالأمة المسلمة؛ لأنه استولد جاريته مارية بملك اليمين.
وهل كان يباح له نكاح الحرة الكتابية، أو التسري بالأمة الكتابية؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما كان مباحاً للأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان لا يباح له ذلك؛ لما رُوي أنه قال: "زوجاتي في الدنيا
стр. 2034
زوجات في الآخرة". والكافرة لا تدخل الجنة، ولأن ماءه أعز من أن يتضمنه رحم كافرة، فأما ما أكرمه الله تعالى به فذلك مما لا يُحصى كثرة.
فمنها: ما رُوي عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: "أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرُّعبِ مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ فأيما رجلً من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
وعن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فُصلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون". وقال: "بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، ووُضعت في يدي".
وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زوى لي منها، أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض". وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع مُشفع".
وعن أنسٍ أن النبي ﷺ قال: "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة".
ومنها: أنه أُيدت شريعته، ونُسخت الشرائع بشريعته، وجعل كتابه - وهو القرآن -[مُعجزة له، ولم تكن كتب الأنبياء معجزة لهم، وبقيت معجزته في الأمة بعد مُفارقته الدنيا - وهي القرآن-] حتى يكون حجة على من جاء بعده، وضمن الله حفظه عن التبديل والتحريف؛ قال الله - تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وجعلت أمته خير الأمم؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ومنها: أنه كان [يرى خلفه كما] يرى أمامه. رُوي عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم، ولا سجودكم؛ إني لأراكم من وراء ظهري".
стр. 2035
ومنها: أنه كان لا ينام قلبه حتى كان يجوز له أن يصلي بعدما نام مُضطجعاً قبل أن يتوضأ؛ قال ابن عباس: "ثُمَّ نام حتى سمعت غطيطه، ثم خرج إلى الصلاة". وقالت عائشة ﵂: "قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر". قال: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي".
ومنها: أن صلاته التطوع قاعداً كصلاته قائماً، وإن لم تكن به علة، وفي حق غيره صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ قال عبد الله بن عمرو بن العاص: أتيت رسول الله ﷺ فوجدته يصلي جالساً. فقلت: يا رسول الله، حدثت أنك قلت: "صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعداً. قال:"أجل، ولكني لست كأحد منكم".
ومنها: أنه كان يجب على المصلي إجابته إذا دعاه في الصلاة، لا تبطل به صلاته؛ رُوي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي، فدعاني النبي ﷺ فلم اجبه حتى صليت، ثم أتيت فقال: "ما منعك أن تأتي" قلت: إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ومنها: أنه يخاطب في الصلاة بقوله: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، ومثل هذا الخطاب مع غيره يقطع الصلاة.
ومنها: أنه كان لا يجوز لأحدٍ أن يرفع صوته فوق صوته، ولا ينادي بعدما دخل حجرته حتى يخرج؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. وكان لا يجوز لأحدٍ أن يدعوه باسمه، فيقول: يا محمد يا أحمد، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، على وجه التعظيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣].
قال الشيخ: ومنها: ما روي عن النبي ﷺ قال: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي".
وكان الشافعي ﵁ يقول: ليس لأحدٍ أن يتكنى بأبي القاسم، سواء كان اسمه مُحمداً أو أحمد، أو لم يكن؛ لظاهر الحديث.
стр. 2036
ورخص بعضهم فيه، كره الجمع بين اسمه وكُنيته.
ومنها: أنه لو شتم أو لعن إنساناً جعل لعنه وشتمه قربة للمسلمين، رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تُخلفينه، فنما أنا بشرٌ، فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة".
ومنها: أن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة إلا نسبه. قال النبي ﷺ :"كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة غلا نسبي وسببي".
قيل: أراد به أن أمته يوم القيامة يعرفونه، وينتسبون إليه دون سائر الأمم، فإنها لا تُنسب إلى أنبيائها.
وقيل: لا ينتفع أحد بنسبه يوم القيامة؛ كما قال الله - تعالى-: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤، ٣٥] إلا نسبه؛ فإن له الشفاعة بإذن الله .
ومنها: أنه بعد موته كالحي حتى لا يُورث ماله، وماله قائم على ملكه يُصرف على زوجاته، ويصرف على من كان يصرفه إليه في حياته، ولم ينقطع خطاب الأمة معه بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته.
ومنها أن أم أيمن شربت بول رسول الله ﷺ فلم يُنكر عليها، وقال: "إذن لا تُنجع بطنُك".
стр. 2037
وعن ابن الزبير قال: إن النبي ﷺ احتجم، وأعطاني دمه، وقال: "اذهب فواره حيث لا يبحث عنه سبعٌ". قال: فتنحيت فشربته، ثم أتيت فقلت: صنعت الذي أمرتني. قال: "ما أراك إلا شربته". قلت: نعم. ولم ينكر عليه.
وعن سفينة: أنه قال: احتجم النبي ﷺ قال: "خذ هذا الدم فادفنه من الدواب". قال: فتغيبت فشربته. ثم سألني فأخبرته أني شربته فضحك.
وكل ذلك لما كانوا يرون فيه من الشفاء والتبرك به، وليس في دم غيرهن ولا بوله ذلك، ومن هذا قسمته شعره بين أصحابه.
ومما أُكرم به- ﷺ في النكاح تحريم زوجاته على غيره من بعده، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهذا التحريم في حق من كانت تحت النبي ﷺ حين فارق الدنيا، ومن استحل نكاح واحدة منهن فر؛ لأنه محرم بنص الكتاب.
ولو تصور أن يختار واحدة منهن الدنيا حين خيرهن، كان يحل لها أن تنكح زوجاً غيره؛ للوصول إلى نعيم الدنيا في الأصل؛ لأنها اختارت فراقه لذلك، فأما من فارقها النبي ﷺ في حياته، فإنه رُوي أنه تزوج امرأة من بني عمرو بن كلاب، فوجد بكشحها بياضاً فطلقها، ولم يدخل بها، وتزوج أخت بني الجُون الكندي، فاستعاذت منه؛ فقال: "لقد عُدت بعظيم، فالحقي بأهلك" فطلقها، ولم يدخل بها. فهل كان يجوز لغيره نكاح هؤلاء؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا؛ لظاهر القرآن: [﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولأنه ﵇-أب الأمة، ويحرم زوجة الأب بنفس العقد.
والثاني: يجوز، لأن النبي ﷺ أعرض عنها بالفراق، فانقطعت الوصلة بينه وبينها.
والثالث: إن كان قد دخل بها لم يحل لأحدٍ نكاحها، وإلا حلت؛ فإنه رُوي أن المستعيذة تزوجها الأشعث بن قيس في زمان عمر ﵁ فهم برجمها، فأخبر
стр. 2038
أن النبي ﷺ فارقها قبل أن يمسها فترك.
وأما الموطوءة بملك اليمين إن قلنا: تَحِلُّ امرأته التي فارقها بعد الدخول، ففي الموطوءة بملك اليمين وجهان؛ سواء مات عنها، أو أعتقها، أو باعها:
أحدهما: لا تحل؛ كالمنكوحة التي فارقها.
والثاني: تحل؛ لأن مارية غير معدودة في أمهات المؤمنين.
ومن خصائصه ﵇ تفصيل زوجاته على سائر النساء بجعل ثوابهن على الطاعة ضعف ثواب نساء الأمة، وعقوبتهم على المعصية ضعف عقوبة نساء الأمة؛ كالحرائر مع الإماء. قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١]. وجعلهن أمهات المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وأمهات المؤمنين منهن من ماتت تحت النبي ﷺ [أو مات النبي ﷺ وهي تحته. فمن ماتت تحته ﵇] خديجة بنت خويلد.
قال الشيخ: وزينب بنت خزيمة؛ وهي أم المساكين تُوفيت تحتهن فلم تلبث معه إلا يسيراً. أو مات النبي ﷺ عنهن؛ وهن تسعٌ: عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ وحصة بنت عمر ﵄ وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت [أبي] أمية، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث خالة عبد الله بن عباس ﵃، وصفية بنت حُيي بن اخطب، وجُويرية بنت الحارث المصطلقية ﵅ فهؤلاء أمهات المؤمنين في معنى الإكرام والتفضيل، وفي تحريم نكاحهن، ووجوب طاعتهن.
أما النظر إليهن والخلوة والمسافرة بهن، فلا يجوز، ويجوز نكاح بناتهن، وأخواتهن.
ولا يطلق على بنات زوجاته أنهن أخوات المؤمنين، ولا على آبائهن ولا أمهاتهن أنهن أجداد المؤمنين وجداتهم، ولا على إخوانهن أنهم أخوال المؤمنين وخالاتهم. وقول الشافعي ﵁: إن النبي ﷺ زوج بناته وهن أخوات المؤمنين - أخرجه مخرج الإنكار، يعني: أنه يرى أنهن أخوات المؤمنين، وهن كن أمهات الرجال من المؤمنين دون النساء.
стр. 2039
روي ذلك عن عائشة ﵂.
أما النبي ﷺ فكان أبا الرجال والنساء جميعاً.
ومن خصائصهن: أنه كان لا يحل للرجال أن يسأل واحدة من نسائه شيئاً إلا من وراء حجاب أما مشافهة فلا بخلاف غيرهن. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والحكمة في إيجاب الأشياء، وتحريمها على الرسول ﷺ حصول زيادة الثواب؛ لأن فعل الفرائض أكثر ثواباً من فعل النوافل، والامتناع من المحرمات أعظم أجراً من الامتناع من المباحات؛ قال النبي ﷺ يقول الله تعالى: ﴿لن يتقرب المتقربون إلي بمثل ما افترضت عليهم﴾. يجب المراجعة
وعن أبي هريرة، عن رسول الله- ﷺ قال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس" والحكمة في إباحة الأشياء له، وإكرامه بها إظهار كرامته، وتبيين فضيلته، فإن الواحد من ملوك الدنيا إذا أحب عبداً، واختاره على غيره من عبيده يُبيح له في ملكه، ولا يبيح لغيره، ويُكرمه بما لا يكرم به غيره. وهو ﷺ كان أكرم الخليقة على الله وأعظمهم قدراً لديه، فخصه من بينهم بما أظهر به أمره، ورفع به ذكره، وله الحمد والمنة.
باب الترغيب في النكاح
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ....﴾ [النور: ٣٢] الآية.
الناس في النكاح قسمان: منهم من تتوق نفسه إلى النكاح، فيستحب له أن ينكح
стр. 2040
إن وجد أهبة؛ سواء كان مقبلاً على العبادة، أو لم يكن، ولكن [لا] يجب أن ينكح. فإن لم يجد أهبة يكسر شهوته بالصوم؛ لما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن
стр. 2041
للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.
ومنهم من لا تتوق نفسه إلى النكاح؛ فينظر فإن كان ذلك لعلة به من كِبرٍ، أو مرضٍ، وعجز يكره أن ينكح؛ لأنه يلتزم ما لا يُمكنه، ولا يقدر على القيام بحقه، وكذلك لو كان لا يقدر على النفقة.
وإن لم يكن به عجز، وكان قادراً على القيام بحقه فلا يُكره له النكاح، ولكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله - تعالى-.
وإن لم يكن مشتغلاً بالعبادة فوجهان:
أصحهما: الأفضل أن ينكح حتى لا يحمله الفراغ على الفساد.
وقيل: تركه أفضل.
стр. 2042
وقال أبو حنيفة ﵀: النكاح أفضل.
قلنا: النكاح من باب قضاء الشهوة، فلا يكون أفضل من العبادة؛ كأكل الأطعمة الشهية، ولبس الثياب البهية.
ويكره للرجل أن يحتال لقطع الشهوة.
وإذا أراد النكاح يختار ذات الدين؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
فإن استوت المرأتان في الدين، اختار الحسنة؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "إياكم
стр. 2043
وخضراء الدمن". قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء من منبت السوء".
ويختار ذات العقل؛ لأن النكاح للعشرة وطيب النفس، ولا يون ذل إلا مع وفود العقل. وكذلك يختار من يستحسنها، فيكون أطيب، ويختار الولود؛ لما رُوي عنه - عليه
стр. 2044
السلام - قال: "تزوجوا الودود الولود، فإني أكاثر بكم الأمم".
стр. 2045
ويستحب أن يختار من الأجانب؛ لما روي أنه ﵇ قال: "لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يُخلق ضاوياً" معناه: أن شهوته لا تتم على قريبته، فيحصل الولد نضو الخلق ضعيفاً.
ويختار البكر إذا لم يكن له عذر؛ لما روي أن النبي ﷺ قال لجابر وقد تزوج ثيباً "هلا [تزوجت] بكراً تلاعبها وتلاعبك".
وإذا أراد أن ينكح امرأة يستحب أن ينظر إليها، ويكرر النظر متأملاً؛ بإذنها وبغير إذنها؛ لما روي عن المغيرة أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
وقال مال ﵀: لا ينر إليها بغير إذنها. وليس في الحديث فصل بين الحالتين، فإنه ينظر إليها قبل الخطبة؛ لأنه إذا نظر إليها بعد الخطبة، فلم تعجبه فتركها، شق عليها ذلك.
ولا يجوز أن ينظر إلا إلى وجهها وكفيها؛ لأن ما سواهما عورة لا يجوز النظر إليه من غير ذات محرم.
ولو بعث إليها امرأة؛ حتى تأملتها ووصفتها له، جاز؛ لما روي أن النبي ﷺ بعث أم سليم إلى امرأة، وقال: "انظري على عرقوبيها، وشُمي معاطفها".
стр. 2046
وكذا المرأة إذا أرادت أن تتزوج تنظر إليه قبل النكاح؛ لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها. قال عمر ﵁: لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم؛ فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن.
فصل في بيان العورات ونظر الآدميين بعضهم إلى بعض
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".
[أما] العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجلن وعورة الرجل مع المرأة.
أما الرجل مع الرجل: فجائز نظره إلى جميع بدنه إلا على عورته، وعورته: ما بين السُرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: الركبة عورة. وقال مالك: الفخذ ليس بعورة.
والدليل على أنها عورة: ما روي عن جرهد؛ أن النبي ﷺ مرَّ به في المسجد - وهو كاشف عن فخذه- فقال ﵇: "غط فخذك؛ فإنها من العورة"، وقال لعلي ﵁:"لا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حتى ولا ميت".
وإن كان في نظره إلى وجهه، وسائر بدنه خوف فتنة بأن كان أمرد، لا يحل النظر غليه.
ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل وحاد في جانب من الفراش؛ لحديث أبي سعيد.
وتكره المُعانقُّ وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصافحة؛ لما روي عن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال:
стр. 2047
أفيلتزمه، ويقبله؟ قال: "لا". قال: أفيأخذ بيده، ويصافحه؟ قال: "نعم".
ويجوز للرجل دلك عورة الرجل، ودلك فخذه فوق الإزار إذا لم يخش فتنة.
أما عورة المرأة مع المرأة فكالرجل مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز المضاجعة.
والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة، وأن تدخل معها الحمام؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنها عورة كالمسلمة مع المسلمة.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجوز، وهي كالرجل الأجنبي؛ لأنها أجنبية في الدين، والله يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وليست الذمية من نسائنا.
أما عورة المرأة مع الرجل: فلا يخلو: إما أن كانت المرأة أجنبية منه، أو ذات محرم له، أو مستمتعة.
فإن كانت أجنبية، نظر: إن كانت حُرَّةً فجميع بدنها عورة لا يجوز له أن ينر إلى شيء منها إلا إلى الوجه والكفين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
قيل: ما ظهر منها الوجه والكفان؛ لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء؛ وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف: هرها وبطنها إلى الكوعين.
وقيل: ظهر الكف عورة.
وفي أخمص القدم وجهان:
أصحهما: عورة كظهر القدم.
وفي صوتها وجهان:
стр. 2048
أصحهما: ليس بعورة؛ لأن نساء النبي ﷺ كن يروين الأخبار للرجال. وكل عضو هو عورة منها، فإذا انفصل منها مثل ساعدها وشعر رأسها وقلامة رجلها، هل يجوز النظر إليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كما قبل الانفصال.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا يكون من العضو المُبان فتنة، فلا يعطى له حكم الجملة؛ ما يجوز النظر إلى دمها وريقها، وكذلك الذكر المقطوع عن الرجل وشعر عانته إذا حُلق هل يجوز النظر إليه؟ فيه وجهان.
ويجوز النظر إلى قلامة يد المرأة؛ لأن يدها ليست بعورة.
ويجوز أن يُعيد النظر إلى الأجنبية إذا كان له غرض صحيح؛ بأن يريد نكاح امرأة؛ فينظر إلى وجهها وكفيها، أو شراء جارية؛ فينظر إلى ما ليس بعورة منها، أو عند المبايعة معها ينظر إلى وجهها مثلاً حتى يعرف عند الحاجة. وينظر إليها عند تحمل الشهادة، وينظر إلى غير الوجه؛ لأن المعرفة تحصل به.
وإذا كان بعورة المرأة علة يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها؛ للمعالجة؛ كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون؛ لأنه موضع ضرورة.
ويجوز أن يعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرأة لتحمل الشهادة على الرضاع، وهذا هو الصحيح.
وقال الإصطخري: لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، إلا أن يقع بصره عليه؛ لأنه في الزنا مندوب إلى الستر، وفي الولادة وفي الرضاع تُقبل شهادة النساء؛ فلا حاجة إلى الرجال للشهادة.
وقيل: يجوز في الزنا دون غيره؛ لأن الزاني قد هتك حُرمة الله بالزنا، فجاز هتك حرمته بالنظر إلى عورته، ولم يوجد ذلك في غير الزنا.
وقيل: يجوز في غير الزنا، ولا يجوز في الزنا؛ لأن حد الزنا مبناه على الدرء والإسقاط.
стр. 2049
ولا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير عرض، فإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
وقيل: يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة- ﵀.
ولا يجوز أن يُكرر النظر إليها؛ لما رُوي عن بريدة؛ أن النبي ﷺ قال: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة".
وعن جابر قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أيصرف بصري".
ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً، قصد أو لم يقصد.
ولا يجوز أن يخلو بالمرأة الأجنبية، ولا أن يُسافر بها؛ لما رُوي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما".
وإن كانت [الأمة أجنبية]، ففي عورتها وجهان:
أصحهما: ما بين السرة والركبة؛ كالرجل.
والثاني: عورتها ما لا يبدو عند الفضلة والمهنة خرج منه أن رأسها، وعنقهان وساعديها، وموضع خناقها من النحر والصدر ليس بعورة.
وفي ظهرها، وبطنها، وما فوق الساعدين وجهان.
ولا يجوز له أن يمسها، ولا لها أن تمسه بحال، لا لحجامة ولا اكتحال، ولا غيره؛ لأن اللمس أقوى من النظر، بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم، وبالنظر لا يفطره.
стр. 2050
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليها من المحارم، ولا يجوز من الحرة الأجنبية.
وإن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية، فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجال.
وقيل: ما يبدو عند الفضلة والمهنة، وبه قال أبو حنيفة- ﵀ والأول أصح.
ويجوز أن يخلو بها، ويسافر بها، ولا بأس للمرأة أن تنكشف للطفل الأجنبي الذي لم يظهر على عورات النساء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].
فإن كان مراهقاً لا يجوز أن تنكشف له، ولكن يجوز له الدخول عليها، ويستأذن في الأوقات الثلاثة التي تضع فيها ثيابها؛ كالمحارم؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ...﴾ الآية.
وهل يجوز للمراهق الأجنبي أن ينظر إليها فُضلاً؛ كالمحارم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز كالبالغ [لقوله تعالى: ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ ...﴾ [النور: ٣١] الآية، وهذا ليس بطفل].
والثاني: يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وهذا غير بالغ.
وحكم البالغ الممسوح حكم المراهق.
وقيل: هو الفحل فأما إذا كان مجبوباً، أو مسلول الأنثيين والذكر باقٍ، فهو كالفحل.
وإذا كان للمرأة عبد فهل يكون محرماً لها؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون محرماً لها؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
وروي عن أنس أن النبي ﷺ أتى فاطمة ﵂ بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ﵂ -ثوبٌ إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم
стр. 2051
يبلغ رأسها. فلما رأى رسول الله ﷺ ما تلقى: قال:"إنه ليس عليك باسٌ، إنما هو أبوك وغلامك.
والثاني: لا يكون محرماً لها؛ لأن الملك لو كان يثبت المحرمية، لكان لا يزول كالرضاع؛ وبه قال أبو حنيفة.
وإن كانت المرأة مستمتعة؛ كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها، غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذلك إلى فرج نفسه؛ لأنه رُوي أنه يورث الطمس.
وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة، أو مدبرة، أو أم ولد، أو مرهونة، فإن كانت مجوسية، أو مرتدة، أو وثنية، أو مشتركة بينه وبين غيره، أو مزوجة، أو مكاتبة، فهي كالأجنبية؛ لما روي عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة.
أما عورة الرجل مع المرأة [نظر] إن كان أجنبياً منها، فعورته منها ما بين السرة والربة على أصح الوجوه.
وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.
وقيل: مالا يبدو، عند الفضلة والمهنة، والأول أصح، بخلاف المرأة في حق الرجل؛ لأن بدن المرأة في ذاته عورة، بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.
ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرير النظر إلى وجهه؛ لما روي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه. فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه". فقلت: يا رسول الله؛ أليس هو أعمى لا يبصر؟ قال: "أفعمياوان أنتما، ألستما تُبصران؟! " فإن كان محرماً لها، فعورته معها ما بين السرة والركبة.
стр. 2052
وإن كان زوجها أو سيدا الذي يحل له وطؤها، فلها أن تنظر إلى جميع بدنه؛ حتى إلى فرجه غير أنه يُكره النظر إلى الفرج، كهو معها.
ولا بأس بالنظر إلى عورة صبي أو صبية لم تبلغ محل الشهوة وإن كان أجنبياً، ولا ينظر إلى الفرج فإن بلغ محل الشهوة لم يجز وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين، يجب التفريق [بين أخيه وأخته] وأمه وأبيه في المضجع. قال النبي ﷺ : "مُروا صبيانكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".
ولا يجوز للرجل أن يجلس عُرياناً في بيت خالٍ، وله ما يستر عورته؛ لأنه روي؛ أن النبي ﷺ -سئل عنه فقال: "الله أحق أن يستحي منه".
وروي أنه ﵇ قال: "إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يُفضي الرجل إلى أهله؛ فاستحيوهم وأكرموهم".
باب ما على الأولياء وإنكاحهم
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٣٣٢] وروي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئاً".
стр. 2053
[و] الحرة العاقلة البالغة إذا خطبها كُفء لها، ورغبت فيه، وطالبت الولي بالتزويج منه - وجب على الولي تزويجها، فإن امتنع كان عاضلاً آثماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
والمرأة لا تملك تزويج نفسها، لأنها لو ملكت تزويج نفسها لم يكن لنهي الولي عن العضل معنى.
ولا ينعقد النكاح بعبارتها. سواء زوجت نفسها أو غيرها بإذن الولي، أو دون إذنه؛ وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بعبارتها؛ [سواء زوجت نفسها، أو غيرها؛ بإذن الولي، أو دون إذنه] ثم إن زوجت نفسها من غير كفء، فللولي رده.
وقال أبو ثور، ومحمد بن الحسن: إن زوجت نفسها بإذن الولي يصح، وبغير إذنه لا يصح.
стр. 2054
وقال مالك: إن كانت دنيئة جاز، وإن كانت شريفة لا يجوز.
والدليل على أنه لا يصح: ما رُوي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي".
стр. 2055
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله- ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بهان فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له".
стр. 2056
فالنبي ﷺ حكم ببطلان النكاح بغير إذن الولي، وأكده بالتكرار، ونقل الولاية إلى السلطان عند اختلاف الأولياء؛ ولأن المرأة مولى عليها في النكاح، بدليل أنها لو وضعت نفسها فيمن لا يكافئها يثبت للولي الاعتراض.
ولو لم يكن مولياً عليها لما ثبت حكم الاعتراض على عقدها؛ كالرجل إذا نكح دنيئة لا يعترض عليه، والمرأة إذا باعت مالها بالبخس لا يعترض عليها؛ لأنه غير مولى عليها في المال.
إذا ثبت أنها مولى عليها، فلا ينعقد نكاحها؛ كالصغيرة، والأمة، والمكاتبة.
ولو وكل الولي امرأة؛ حتى وكلت رجلا بتزويج وليته ففعلت، نظر إن قال: وكلي عن نفس لم يجز، وإن قال: وكلي عني أو أطلق، فوجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن عبارتها غير صالحة للناكح.
والثاني: يصح؛ لأنها سفيرة بين الوكيل ليست مباشرة للعقد.
стр. 2057
ولو أن امرأة نكحت بلا ولي فأصابها، لا حد عليها، سواء فعله من يعتقد إباحته أو تحريمه؛ لتعارض الأدلة، واختلاف العلماء في الإباحة، إلا أن من اعتقد تحريمه من الزوجين يُعزر عليه، ومن لم يعتقد لا يعزر، بخلاف ما لو شرب النبيذ يجب عليه الحد - وإن اختلف العلماء في إباحته - سواء كان ممن يعتقد إباحته، أو تحريمه؛ لأن الأدلة فيه غير متعارضة كتعارضها في النكاح بغير الولي، ولأن من يقول بإباحة النبيذ لا يقول بإباحته على الإطلاق، فإنه يحرم السكر منه، وليس له حد.
ومن أباح النكاح بلا ولي أباحه على الإطلاق، ولو نكح حنفي بلا ولي، ثم رُفع إلى حاكم شفعوي رده، ولو رفع أولاً إلى حاكم شفعوي رده ولو رفع أولاً إلى حاكم حنفي، فنفذه، ثم رفعه إلى شفعوي فلا يرده؛ لأنه مجتهد فيه، فاتصل به قضاء القاضي فلا يرده، بخلاف ما لو اشترى حنفي نبيذاً وحكم حاكم بصحته، ثم رفع إلينا ننقضه؛ كما يحد الحنفي بشربه.
وقال الإصطخري: يرد النكاح بلا ولي، وإن حكم حاكمهم بصحته؛ لأن بطلانه يثبت بالنص.
ولو نكح بلا ولي فطلقها ثلاثاً، جاز له بعد ذلك أن ينكحها من غير زوج آخر؛ لأن النكاح إذا لم يصح لا يقع عنه الطلاق.
وقال أبو إسحاق: يقع الطلاق، وإن طلق ثلاثاً لا يحل له إلا بعد زوج آخر؛ لأنه إن كان عالماً فقد فعله باجتهاده، وإن لم يكن فقد قلد فيه علماء "الكوفة"، فلا يكون لغواً.
فصل في صفة تزويج الأولياء
رُوي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من
стр. 2058
وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها".
стр. 2059
الأولياء قسمان: كامل الشفقة، وقاصر الشفقة. أما كامل الشفقة: فالأب، والجد [أب الأب] وإن علا.
وقاصر الشفقة ثلاثة: قريب يزوج بعصوبة النسب؛ كالأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم.
والثاني: المعتق وعصباته يزوجون بحق الولاء.
والثالث: السلطان يزوج بالولاية العامة.
والنساء الحرائر قسمان: بكرٌ وثيبٌ، فالبكر يجوز للأب والجد تزويجها دون إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، غير أنه يستحب أن يستأذن [إن كانت] بالغة، وإذنها صُماتها.
فلو [لم يستأذن] وزوجها جبراً يصح؛ حتى لو اختارت هي كفئاً ودعت إليه، فزوجها الأب والجد من كفءٍ آخر جاز.
وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة- رحمة الله عليهم-: لا يجوز لأحد إجبار البكر البالغة على النكاح؛ لقوله ﵇: "والبكر تستأذن" وذلك عند من جوز محمول على استطابة النفس، لا أنه شرط لصحة العقد؛ كما قال النبي ﷺ لنعيم في تزويج ابنته: "وآمر أم ابنتك". وذلك على سبيل الاستحباب، واستطابة النفس، لا أن مؤامرة أم البنت
стр. 2060
شرط لصحة النكاح، فنقول: يجوز للأب تزويجها لحق الأبوة ساكتة، فيجوز تزويجها ساخطة؛ كالصغيرة.
وأما غير الأب والجد من الأولياء، فلا يصح تزويجهم في حال صغر المنكوحة؛ لظاهر الخبر، ويجوز لهم التزويج بعد بُلوغها إذا استؤذنت، والاستئذان واجب، ويكتفي بسكوت البكر؛ لظاهر الحديث؛ لأنها تستحي من أن تنطق به صريحاً.
وفيه وجه آخر: أنه يشترط صريح نطقها؛ كما في الثيب، والحديث محمول على ما إذا كان الولي أباً أو جداً، والأول هو الأصح. وإن كانت المرأة ثيباً، فلا يجوز لحد من الأولياء تزويجها في حال الصغر، أباً كان أو غيره؛ لقول النبي ﷺ : "الثيب أحق بنفسها من وليها".
وجوز أبو حنيفة تزويج الثيب الصغيرة، والحديث حُجة عليه بعد البلوغ لا يجوز لأحدٍ تزويجها بالاتفاق إلا بإذنها، ويشترط صريح نطقها؛ لأنها اختبرت الرجال فلا تستحي من إظهار الرغبة في النكاح، وسواء ثابت بنكاح، أو يملك يمين، أو وطء شبهة، أو بالزنا.
وعند أبي حنيفة- ﵀ المُصابة بالزنا في حكم الأبكار، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وهذه ثيب بدليل أنه إذا أوصى للثيب تدخل هذه في الوصية، ولأنها حرة عاقلة ثابت بالجماع؛ كالمصابة بالنكاح، ووطء الشبهة، وإن زالت بكارتها بأصبع، أو وثبة، أو طول تعنيس، فهي في حكم الأبكار على ظاهر المذهب؛ لأنها لم تختبر الرجال.
وقيل: هي في حكم الثيب؛ لزوال العذرة.
وإن أصيبت في دبرها فوجهان:
أصحهما: في حكم الأبكار؛ لبقاء العذرة؛ كما لو فأخذها رجلاً لا تزول البكارة.
والثاني: هي في حكم الثيب؛ لأنها أصيبت بالوطء؛ كما لو أزيلت بكارتها بالجماع، فعادت عذرتها.
وقال أبو حنيفة: يجوز لجميع الأولياء تزويج الصغيرة بكراً كانت أو ثيباً، غير أن تزويج الأب والجد يلزم، وتزويج غيرهما لا يلزم، ولها رده بعد البلوغ. والدليل عليه: ما روي عن النبي ﷺ قال: "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن".
стр. 2061
واليتيم اسم لصغيرٍ لا أب له، فدل على أنه لا يجوز تزويجها حتى يزول عنها اسم اليُتم بالبلوغ، وتستأمر، ولأن من لا يلزم إنكاحه الصغيرة مع عدم النقائص لا ينعقد إنكاحه كالخال والأجنبي.
ولو زوج الولي المرأة الثيب دون رضاها لا ينعقد.
وعند أبي حنيفة ﵀ يتوقف على إجازتها، فإن أجازت جاز. والدليل على أنه لا يتوقف: ما روي أن خنساء بنت خذام زوجها أبوها- وهي ثيبٌ- فكرهت، فأتت رسول الله ﷺ -فرد نكاحها. أي: حكم بالرد ولم يقل لها: أجيزي ما فعل أبوك.
فصل في صفة الأولياء والشهود
روي عن عمران بن حصين؛ أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل".
لا ينعقد النكاح إلا بمحضر شاهدين عدلين وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو ثور: ينعقد بغير الشهود، ويُروى ذلك عن عليٍّ، وابن الزبير ﵄.
стр. 2062
وقال مالك: الإعلان شرط دون الإشهاد.
فإن تواصوا بالكمان، وإن أشهدوا لم ينعقد؛ لما رُوي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف". وضرب الدف على طريق الاستحباب عند الآخرين، والإعلان يحصل بالإشهاد.
أما الكلام في صفة الولي، خلاف أنه لا ولاية للرقيق، ولا الصغير، ولا المجنون، ولا المحجور عليه بالسفه، ولا الشيخ المفند، ولا الضعيف الذي لا عِلم له بمواضع الحظ.
أما الفاسق هل يكون ولياً؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة- ﵀: يكون وليًّا؛ لأنه ممن يعقد النكاح لنفسه بنفسه؛ كالعدل.
والثاني: لا يكون وليًّا. قال ابن عباس: لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل.
ولأن الفسق نقص يؤثر في الشهادة، فيمنع ولاية النكاح؛ نقص الرق.
وقيل يكون وليًّا قولاً واحداً.
والمراد من المرشد المسلم في قول ابن عباس.
стр. 2063
وقيل: إن كان الفاسق أباً أو جداً في حق البكر، فلا ولاية له؛ لأنه ممن يجبر، فربما يميل إلى رفيقه الفاسق، فيزوجها منه، ويترك النظر للوالد وإن كان ممن لا يجبر فيكون وليًّا؛ لأنه لا يزوج إلا بإذن المرأة، فإن ترك هو النظر لها فهي تنظر بنفسها.
والأصح أن الفسق لا يزيل الولاية؛ لأن العضل فسق.
ولم ينقل الشافعي ﵁ به الولاية.
فإن قلنا: الفاسق لا يكون ولياً، فهل له تزويج أمته [منه]؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا يُزوج ابنته وأخته.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يتصرف في ماله؛ كما يتصرف فيها بالبيع والإجارة.
وإذا تاب الفاسق جاز تزويجه في الحال، ولا يشترط مُضي مدة لاستبراء حاله؛ لأنه يكتفي فيه بالعدالة الظاهرة، بخلاف قبول الشهادة فيه مُضي مدة لاستبراء حالِه.
والإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، فيجوز له تزويج بناته وبنات غيره بالولاية العامة.
والأعمى يكون وليًّا؛ على ظاهر المذهب، ولأن شعيباً- ﵇ زوج ابنته من موسى ﵇ -بعد ما كُفَّ بصره.
стр. 2064
وقيل: لا يكون وليًّا؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة كالصغر.
وفي الأخرس وجهان:
أحدهما: يكون ولياً، ويزوج بالإشارة، كما يصح منه سائر العقود بالإشارة.
والثاني: لا يزوج؛ لأنه ينفذ قوله على الغير، فلا يصح منه بالإشارة كالشهادة.
أما صفة الشهود فيشترط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والعدالة في الشاهدين، ولا ينعقد بشهادة فاسقين معلني الفسق، ولا رجل وامرأتين.
стр. 2065
وقال أبو حنيفة ﵀: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ وهو قول أحمد، وإسحاق.
وعند أبي حنيفة: ينعقد بشهادة فاسقين معلنين بالفسق، وبالاتفاق لا يثبت النكاح بين يدي القاضي بشهادة فاسقين، والحديث حجة عليهم.
وينعقد [النكاح] بشهادة مستورين بالاتفاق، والمستور من يكون عدلاً في الظاهر، ولا تُعرف عدالة باطنه، بخلاف الحكم لا يجوز بشهادة المستور؛ لأن الحكم يكون إلى الحاكم؛ فيمكنه الرجوع إلى المزكين في التفحص عن العدالة الباطنة، والنكاح أمرٌ يتولاه العوام بأنفسهم؛ فيتعذر عليهم البحث عن العدالة الباطنة، فيسقط اعتبارها، واكتفى بالعدالة الظاهرة.
ولا ينعقد بشهادة من لا تُعرف عدالة ظاهره، ولا من لا يُعرف حاله في الإسلام والحرية؛ ظاهراً وباطناً.
ولو عقد بشهادة مستورين، ثم بان أنهما كانا فاسقين يوم العقد، فالنكاح مردود؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: فيه قولان؛ كما قلنا في القاضي إذا قضى بشهادة رجلين، ثم بان فسقهما هل ينقض القضاء؟ فيه طريقان.
стр. 2066
ولا يقبل قول الشاهدين إن كانا فاسقين، إنما يثبت ذلك ببينة تقوم على فسقهما، أو بتقار الزوجين، وهل ينعقد بشهادة الأعمى؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا ينعقد؛ كشهادة الصم الذي لا يسمع قول العاقد؛ لأن المعاينة فيه شرط كالسماع.
والثاني: ينعقد؛ لأن المأمور به حضور عدلين وقد وجد.
وفي الأخرس أيضاً وجهان وهل ينعقد بشهادة من هو من أهل الحرف الدنيئة وجهان؛ ناء على الحكم بشهادتهم.
وقيل: في ثبوت ولاية النكاح لهم وجهان على قول من لا يثبت الولاية للفاسق. والمذهب أن يكون وليا وجهاً واحداً.
ولا ينعقد بشهادة الأعجمي الذي لا يعرف لسان المتعاقدين، ولا بشهادة المغفل الذي لا يعقل شيئاً، وينعقد بشهادة من يحفظ وبنسي عن قريب.
وهل ينعقد بشهادة من كان عدواً لأحدهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن قوله على عدوه غير مقبول.
والثاني - وهو الأصح-: ينعقد؛ لأنه لا تهمة في حضوره، وكذلك بشهادة ابني أحدهما، أو بشهادة أب الزوج، وجد المرأة [فيه] وجهان:
أصحهما: أنه ينعقد، فأما شهادة أب المراة لا تنعقد؛ لأنه يكون ولياً.
ولو وكل بالتزويج، وحضر شاهداً لم يجُز؛ لأن فعل الوكيل فعل الموكل.
ومن قام بركن في النكاح لا يقوم بركن آخر؛ كالزوج لا يكون شاهداً.
وقيل: ينعقد بشهادة ابني أحدهما؛ لأنه يمكن إثبات النكاح بشهادتهما إذا جحد الآخر.
أما شهادة الاثنين منهما، أو أحدهما من الزوج، والآخر من الزوجة، أو بشهادة أب الزوج، وابن المرأة فيه وجهان:
وكذلك في العدوين إذا كانا لأحدهما ينعقد؛ لأنه يمكن الإثبات بقولهما إذا كانا
стр. 2067
الجُحُودُ من العدو، فإن كانا عدوين لهما، أو أحدهما عدو الزوج، والآخر عدو المرأة فيه وجهان.
فصل في تزويج المولى عليه
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية.
الحر العاقل البالغ لا يجوز لأحد أن يقبل له النكاح دون إذنه، فلو قبل فباطل.
وعند أبي حنيفة: موقوف على إجازته. أما الصغير العاقل يجوز للأب والجد عند عدم الأب أن يقبل له النكاح.
وهل له أن يُزوجه أكثر من امرأة واحدة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز أن يقبل له نكاح أربع إذا رأى النظر فيه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يلزمه المهر والنفقة مع الاستغناء عنه.
ولا يجوز لغير الأب والجد أن يقبل النكاح له بحال.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
والمحجور عليه بالسفه لا يجوز له أن يتزوج بغير إذن الولي؛ لأن النكاح يفتقر إلى مؤن مالية، وهو محجور عليه في المال، ولا يجوز لوليه أن يقبل له النكاح دون أمره؛ لأنه حُرٌّ مكلف.
فإن قبل له النكاح بإذنه، أو أذن له في النكاح فنكح، هل يجوز أم لا؟
نظر: إن لم يكن محتاجاً إليه لا يجوز؛ لأن فيه إتلاف ماله فيما لا نظر له فيه.
وإن كان محتاجاً إليه لشهوة، أو يحتاج إلى ذات محرم تتولى خدمته يجوز.
ولا يكتفي بقوله في حاجته؛ حتى يعرف ذلك من طبعه؛ لأنه قد يزيد به إفساد المال.
ولا يجوز أن يزوجه أكثر من امرأة واحدة؛ لأن الحاجة تنسد بواحدة؛ بخلاف الصبي يجوز للأب أن يقبل له نكاح أربع؛ لأن تزويجه لا يتوقف على الحاجة، بل المُراعى فيه النظر، وقد يكون النظر والغبطة له في جمعهن.
ثم إذا قبل الولي للسفيه النكاح بإذنه، فإن قبل بمهر المثل، أو أقل - ثبت، وإن قبل بأكثر - فالنكاح صحيح؛ على الصحيح من المذهب، والفضل مردود.
وكذلك لو قبل النكاح لابنه الصغير، أو للمجنون بأكثر من مهر المثل صح؛ على الصحيح، ورُدَّ الفضل، وإن أذن الولي للسفيه بالنكاح فنكح، جاز؛ لأنه أهلٌ للقبول
стр. 2068
بالنكاح؛ كما أنه أهل للطلاق، سواء قال: انكح من شئت، أو عين امرأة، أو سمي، وقال: تزوج منهن؛ كما لو أذن لعبد في النكاح.
وقيل: يجب أن يعين امرأة؛ أو يسمى المهر، بخلاف العبد؛ لأن الحجر على العبد لحق السيد، فإذا أطلق الإذن فقد بخس حق نفسه، والحجر على السفيه لحق نفسه، ولا يجوز للولي أن بخس بحقه، والأول المذهب.
ثم إن أذن مطلقاً فتزوج امرأة بمهر المثل أو أقلن صح، ولزم المُسمى.
وإن نكح بأكثر فالنكاح صحيح بمهر المثل، والفضل مردود، وكذلك إن سمى امرأة ولم يسم مهراً، فنكحها بمهر المثل ثبت.
وإن نكح بأكثر رُدَّ الفضل.
وإن نكح غير من سمى قال الشيخ: لا يصح النكاح.
ولو سمي الولي المهر، ولم يسم المرأة، وقال: انكح امرأة بألف فنكح بألف، نظر إن كان مهر مثلها ألفاً فأكثر، صح النكاح، ولزم المسمى، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف، صح النكاح بمهر المثل [والفضل مردود.
وإن نكح امرأة بألفين نُظر: إن كان مهر مثلها ألفاً أو أقل، صح النكاح بمهر المثل].
وإن كان مهر مثلها أكثر من الألف لا يصح النكاح؛ لأن الولي لم يأذن بأكثر من الألف، والمرأة لا ترضى بدون مهر المثل، فلا وجه إلا الرد.
ولو عين امرأة، وسمى المهر وقال: انكح فلانة بألف. قال الشيخ ﵀: إن لم يكن مهر مثلها ألفاً لم يصح الإذن، وإن كان ألفاً فنكح بألف أو أقل صح، وإن نكح بأكثر فالفضل مردود، وإن كان مهر مثلها أكثر من ألف، فإن نكحها بألف صح، وإن نكح بأكثر لا يصح النكاح؛ كما ذكرنا.
ولو نكح السفيه بغير إذن الولي فباطل، ويُفرق بينهما، فإن دخل بها قبل التفرق، فلا حد عليه، وهل يجب المهر؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو الأصح: لا يجب؛ كما لا يجب عليه دين المعاملة.
والثاني: يجب؛ لأنه أتلف البُضع؛ كما لو أتلف مال إنسان يلزمه الضمان.
стр. 2069
وقيل: إن لم نوجب المهر، يجب أقل ما يُستباح به البُضع؛ ليقع التمييز بينه وبين السفاح، وليس بصحيح.
ولو طالب السفيه الولي بالتزويج عند الحاجة، يجب على الولي الإجابة، فلو لم يفعل فتزوج بغير إذنه- فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه محجور عليه.
والثاني: يصح؛ لأنه حق ثبت له على الولي، فإذا تعذر استيفاؤه منه فعل بنفسه؛ كما أن رب الدين يستوفي الدين من مال الجاحد.
ولو أقر السفيه على نفسه بالنكاح لا يصح؛ لأنه ليس ممن يُباشر بنفسه، أما المحجور عليه بالفلس لو تزوج جاز، وليس له أن ينفق من المال الذي في يده، بل مما يكسب.
والعبد إذا نكح بغير إذن المولى لا يصح نكاحه، فإن أذن له مولاه فنكح صح، سواء كان المولى رجلاً أو امرأة؛ لأن العبد من أهل قبول النكاح وامتناعه لكونه مملوكاً، فإذا أذن المالك صح.
ولو أجبره المولى على النكاح- وهو بالغٌ- ففيه قولان.
قال في القديم، وهو قول أبي حنيفة ﵀: يصح؛ كما لو زوج أمته جبراً صح.
وقال في الجديد- وهو الأصح-: لا يصح؛ لأن المُتصرف فيه وهو بضع العبد غير مملوك له، بدليل أنه لا يملك استيفاءه ولا بدل له بملك المولى، بخلاف الأمة فإن بُضعها مملوك له، بدليل أنه يملك استيفاء منفعته.
وإن لم يملك استيفاءه؛ بأن كانت الجارية محرماً له، فيكون بدله له إذا وُطئت.
فإن جوزنا إجبار العبد على النكاح، فإن شاء السيد قبل عليه بغير إذنه، وإن شاء أكرهه حتى يقبل فيصح؛ لأنه غير مبطل فيه.
وإن قلنا: لا يجوز إجبار العبد البالغ على النكاح.
فإن كان العبد صغيراً أو مجنوناً فقبل السيد له نكاح امرأة - فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كالعبد البالغ؛ لأن المتصرف فيه غير مملوك له.
والثاني: يجوز؛ لأنه غير مكلفٍ؛ ما يقبل النكاح لابنه الصغير، ولا يقبل البالغ.
стр. 2070
فإن قلنا: يجوز الإجبار، فلو زوج أمته من عبده الصغير، أو من عبده البالغ، فهل يتولى طرفي العقد؟
فيه وجهان، بناء على أن الجد إذا زوج إحدى نافلتيه من الأخرى، وتولى طرفي العقد هل يجوز؟ فيه وجهان.
وإن لم نجوز الإجبار فأذن العبد لمولاه في تزويجه، فزوجه أمته، وتولى طرفي العقد، لا يجوز، لأنه نائب، والنائب لا يتولى طرفي العقد؛ كالوكيل.
فإن قلنا: يتولى طرفي العقد، فعل يحتاج إلى لفظين؟ فيه وجهان.
ولو أقر المولى على عبده بالنكاح والعبد مُنكر، فإن قلنا: يملك إجباره على النكاح، يقبل إقراره عليه، وإلا فلا، وكذلك كل من يملك إجبار امرأة على النكاح؛ كالأب في حق البكر، والمولى في حق الأمة يقبل إقراره عليها.
ولو دعا العبد سيده إلى تزويجه، يستحب أن يُزوجه، وهل يجب؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب عليه تزويج أمته إذا طلبت، ولا يبع مملوكه إذا طلب.
والثاني: يجب تزويجه؛ كما يجبر المولى على تزويج المحجور عليه بالسفه إذا طلب، واحتاج إليه.
فإن قلنا: يجب تزويجه، فإن كان السيد محجوراً عليه بالسفه، يجب على وليه تزويج عبده إذا طلب.
وإن قلنا: لا يجب تزويجه، فلا يجوز لوليه تزويجه؛ لأنه لاحظ للسفيه فيه؛ كما لا يجوز تزويج عبد الصبي؛ لأنه يقطع مكاسبه وبعض منافعه عنه.
وحكم المُدبر والمعلق عتقه بالصفه حكم العبد القن.
فأما من بعضه حُرٌّ وبعضه رقيق لا يجوز للسيد إجباره على النكاح؛ لأن بعضه حر، ولا له أن ينكح دون إذن المولى؛ لأن بعضه مملوك، فإن أذن له فنكح جاز.
ولو أنه دعا السيد إلى تزويجه، هل يجب عليه الإجابة؟ حكمه حكم العبد القن.
وأما المُكاتب لا يجبره السيد على النكاح؛ لأنه خارج عن تصرفه، وليس له أن ينكح دون إذن المولى؛ لأن مِلكه عنه لم يزل.
ولو نكح بإذن المولى قيل: فيه قولان؛ بناء على جواز تبرعاته بإذن المولى؛ لأنه يحتاج إلى صرف مكاسبه إلى مؤن النكاح.
وقيل- وهو الأصح-: يصح قولاً واحداً؛ لأنه يعطى المهر والنفقة من مكاسبه بمقابلةِ
следующие страницы →