← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

على أي حال كان؛ لما روي عن علي- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وكاء السه العينان؛ فمن نام فليتوضأ". وهذا على ظاهر المذهب محمولٌ على غ ير حال القعود؛ لما روي عن أنسٍ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء؛ فينامون قعوداً؛ حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضوؤن. فلو نام قاعداً فسقط؛ نظر: إن انتبه قبل أن زالت مقعدته- لم ينتقض وضوؤه وغن لم ينتبه حتى زالت مقعدته- ينتقض وضوؤه". وقال مالك: "قليل النوم لا ينقض الوضوء".

стр. 247

وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا نام على هيئةٍ من هيئات الصلاة- لا ينتقض وضوؤه، وإن لم يكن في الصلاة؛ حتى يستلقي أو يضطجع". وللشافعي- ﵀ قول في القديم: "أن من نام في الصلاة، لا ينتقض وضوؤه". فصلٌ في الملامسة قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. قال عبد الله بن عمر: "قبلة الرجل امرأته، وجسها بيديه من الملامسة" فمن قبل امرأته، أو جسها بيديه؛ فعليه الوضوء. وإذا لمس الرجل امرأته، أو أمته، أو أجنبية؛ وهو أن تصيب بشرته بشرتها، ولا حائل بينهما- ينتقض وضوؤه بأي عضوٍ؛ لمس بشهوة أو غير شهوةٍ؛ عمداً أو سهواً؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود. وكذلك إذا لمسته المرأة، ينتقض وضوؤها؛ وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك. وفي الملموس قولان: أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ لأنهما يشتركان في ابتغاء اللذة؛ كما أنهما يستويان في وجوب الغسل عليهما بالجماع". وقال في رواية حرملة: "لا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الفعل من اللامس دونه". وقال الحسن: "لا ينتقض وضوؤه باللمس"؛ وهو قول ابن عباس. وقال أبو حنيفة: "لا ينتقض إلا أن يتجردا، ويتعانقا، وينشر لها". وقال مالك: "إن لمس بشهوة ينتقض، وإن كان وراء حائلٍ، وإن كان بغير شهوةٍ لا ينتقض". وعندنا: وراء الحائل لا ينقض الوضوء؛ سواء كان الحائل رقيقاً، أو صفيقاً. ولو لمس شعر امرأة، أو ظفرها، أو سنها- لا ينتقض الوضوء؛ لأن لا يلتذ بلمس الشعر والسن والظفر، إنما يلتذ بالنظر إليها.

стр. 248

ولو لمس امرأة من محارمه؛ بنسبٍ، أو رضاع، أو صهرته- فقولان: أصحهما: لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الله - تعالى- سلب الشهوة عن قلوب الرجال على محارمهم؛ فهو كما لو لمس رجل رجلاً، أو امرأةٌ امرأةً. والثاني: ينتقض؛ لظاهر القرآن. فإن قلنا: بالأول، فلا ينتقض، وإن كان شهوةٌ؛ كما لو لمس رجلٌ رجلاً بشهوة. ولو لمس صغيرةً أجنبية لا تشتهى، فعلى هذين القولين. ولو لمس صغيرةً من محارمه، ترتب على الكبيرة: إن قلنا ثم: لا ينتقض وضوؤه، فها هنا أولى وإلا فوجهان. والمذهب أنه لا ينتقض؛ لأنه اجتمع فيها سببان لسلب الشهوة: الصغر، والمحرمية. ولو لمس عجوزةً لا تشتهى، أو امرأة ميتةً: قيل: فيه وجهان [وهو طريقة العراقيين] كالصغيرة. وقيل- وهو الأصح-: ينتقض وضوؤه؛ كما لو لمس يداً شلاء من امرأة حيةٍ. ولو لمس يداً، أو عضواً قطعت من امرأة- لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الحكم معلقٌ بلمس المرأة؛ وذلك العضو لا يسمى امرأةً. فصلٌ في مس الفرج روي عن بسرة بنت صفوان؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".

стр. 249

وقالت عائشة- ﵂: "إذا مست المرأة فرجها توضأت". إذا مس رجل ذكر نفسه، أو ذكر غيره؛ من صغير أو كبير؛ حي أو ميت؛ قريب أو أجنبي، أو ذكراً سُل من حي؛ ببطن الكف، أو بطن الأصابع- ينتقض وضوؤه، ولا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الحكم علق باللمس، ولم يوجد ذلك من الملموس وكذلك المرأة إذا مست فرجها، أو فرج غيرها- ينتقض وضوؤها؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن عباسٍ، وسعد بن أبي وقاصٍ، وجماعةٍ من التابعين. وقال الثوري، وأبو حنيفة وابن المبارك: "لا ينتقض الوضوء بمس الفرج"؛ وهو قول علي، وابن مسعود. وقال مالك: "إن مس قصداً، ينتقض [الوضوء] ". ولو مس بظهر الكف أو بالساعد- لا ينتقض ولو مس برؤوس الأصابع، أو بما بين

стр. 250

الأصابع- نظر: إن كان مما يلي بطن الكف ينتقض وإن مس بموضع الاستواء، فوجهان: أصحهما: لا ينتقض. ولو مس ببطن أصبعٍ زائدةٍ، فإن كانت على سنن الأصابع الأصلية ينتقض وضوؤه، وإلا فلا. ولو مس بيده الشلاء، ينتقض [وضوؤه]. ولو كانت له كفان، فإن كانتا عاملتين؛ فبأيهما مس ينتقض وضوؤه. فإن كانت إحداهما عاملةً، فإن مس ببطن العاملة ينتقض وإن مس ببطن الأخرى، لا ينتقض. ولو مس أنثييه، أو أليتيه، أو أعجازه، أو عانته- لا ينتقض وضوؤه وكذلك لو مست المرأة ركبها: وهو ما ظهر من الفرج- لا ينتقض حتى تمس أحد طرفي فرجها. ولو مس ذكراً مقطوعاً، أو قطع جزءاً منه؛ فمسه- فوجهان: أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ بخلاف ما لو مس يداً مقطوعة من امرأة؛ لأن لمس المرأة غير موجود هناك، وهاهنا مس الذكر موجود. وكذلك لو مس البقية الباقية من مجبوبٍ، ينتقض. ولو مس حلقة الدبر، ينتقض وضوؤه؛ على القول الجديد؛ وهو المذهب؛ لأنه أحد الفرجين؛ كالذكر. وقال في القديم، وبه قال مالكٌ: "لا ينتقض". ولو خلق لرجل ذكران، فإن كانا عاملين؛ فأيهما مس ينتقض وضوؤه. وإن كان أحدهما عاملاً، فإن مس العامل ينتقض وضوؤه، وغن مس غير العامل لا ينتقض. ولو مس فرج بهيمةٍ، لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا حرمة لها؛ بدليل أنه لا يحرم النظر إليها، ولا يعتد عليها بوجوب التستر. أما الخنثى المشكل: ففي مس الدبر كالواضح، أما في مس القبل، فيؤخذ في أمره باليقين، ويطرح الشك؛ فكل موضع يحتمل بقاء طهره، ويحتمل انتفاضه- لا يحكم بانتقاضه؛ حتى يتحقق قطعاً. فإذا مس الخنثى ذكر نفسه، لا ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال أنه

стр. 251

أنثى، وهذا عضوٌ زائد. ولو مس فرجه، لا ينتقض؛ لاحتمال أنه ذكرٌ، وهو شقٌ زائدٌ. ولو مسهما جميعاً، ينتقض وضوؤه، وكذلك لو خرج من أحد فرجيه شيءٌ، لا ينتقض وضوؤه؛ حتى يخرج منهما. فإن خرج من أ؛ د فرجيه منيٌّ يجب الغسل؛ لأن خروجه من ثقبه غير الفرج يوجبه. فلو مس الخنثى ذكره، وصلى الظهر، ثم مس فرجه وصلى العصر- يجب عليه إعادة صلاة العصر؛ لأن الحدث فيها يقينٌ، ولا يجب إعادة صلاة الظهر. ولو مس ذكره، وصلى الظهر، ثم أحدث؛ فتوضأ ومس الفرج، وصلى العصر- لا يجب إعادة واحدة منهما. وإن كان الحدث يقيناً في إحداهما لا بعينها، لأنهما حدثان أمضت كل واحدة منهما باجتهاد صحيح، فيقين الخطأ في إحداهما [لا بعينها] لا يوجب الإعادة؛ كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، لا يجب إعادة واحدة منهما. فإن صلى صلوات بعد مس الذكر، ثم زال الإشكال، وبان أنه رجلٌ- يجب عليه إعادةُ تلك الصلوات؛ كما لو حكم بالاجتهاد، ثم بان النص بخلافه - يرد الحكم. ولو مس رجلٌ ذكر الخنثى المشكل- ينتقض وضوء الماس؛ لأن الخنثى إن كان ذكراً، فقد مس ذكره، وإن كان أنثى فقد لمسها. ولا ينتقض وضوء الخنثى؛ لاحتمال أنه رجل. وإن مس رجلٌ فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤه، لاحتمال أن الخنثى رجل. ولو مست امرأة فرج الخنثى ينتقض وضوؤها؛ لأن الخنثى إن كانت امرأةً، فقد مست فرجها، وإن كان رجلاً، فقد لمسته، ولا ينتقض وضوء الخنثى. ولو مست المرأة ذكر الخنثى، لا ينتقض وضوؤها؛ لاحتمال [أنه أنثى. ولو أن خنثيين؛ مس كل واحد ذكر صاحبه- لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال] أنهما امرأتان، وكذلك لو مس كل واحدٍ فرج الآخر؛ لاحتمال أنهما رجلان. ولو مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرجه- ينتقض وضوء واحد منهما لا بعينه، وكل واحد يبني على يقين نفسه، ويصلي. ولو مس خنثى ذكر خنثى، وفرج خنثى آخر- ينتقض وضوء الماس؛ كما إذا كان الممسوس واحداً. ولو أولج خنثى ذكره في فرج- امرأة، أو دبرها- ينتقض وضوء المولج فيها

стр. 252

بالإخراج، ولا غسل عليها، ولا وضوء على الخنثى؛ لاحتمال أنه أنثى. ولو أولج رجلٌ ذكره في فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثى رجلٌ. ولو أن خنثيين أولج كل واحد ذكره في فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثى رجلٌ. ولو أن خنثيين أولج كل واحد ذكره في فرج الآخر- لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثيين رجلان. ولو أولج كل واحدٍ ذكره في دبر الآخر- ينتقض وضوؤهما بالإخراج، ولا غسل على واحدٍ منهما؛ لاحتمال أنهما امرأتان. ولو أولج هذا ذكره في دبر ذاك، وذاك في فرج هذا - ينتقض وضوؤهما؛ لأن أخس أحوالهما أن نجعلهما امرأتين؛ إذ لو قدرناهما رجلين، أو رجلاً وامرأة وجب الغسل عليهما؛ فكل موضعٍ لا يوجب الغسل عليه، لا يحكم ببطلان صومه وحجه، ولا يوجب على المرأة المولج فيها عدة، ولا يوجب لها مهراً. قال الإمام إمام الأئمة: "والخنثى الذي حكمنا بزوال الإشكال في حقه؛ فإذا خرج من العضو الآخر له بولٌ، فهو كما لو خرج من ثقبةٍ على بطنه. وإن كان مشكلاً فخرج من الفرجين شيء- ينتقض وضوؤه، وإن خرج من أحدهما، فكالخروج من الثقبة". ولو أولج الخنثى ذكره في فرج امرأة أو دبرها، وأولج رجل في فرجه- وجب الغسل على الخنثى، وبطل صومه وحجه، ولا كفارة عليه في الصوم، إن لم يوجب على المرأة [إلا احتياطاً]. فصلٌ خروج النجاسة من غير السبيلين- لا يوجب الوضوء؛ وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا افتصد، أو احتجم، أو خرج دمٌ من موضع آخر؛ فسال، أو قاء ملء الفم- ينتقض وضوؤه. والقهقهة لا تبطل الطهارة؛ وهو قول عامة أهل العلم. وقال أبو حنيفة: "القهقهة في الصلاة تبطل الطهارة، إلا في صلاة الجنازة".

стр. 253

وأكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ أكل كتف شاةٍ، ثم صلى ولم يتوضأ. وما روي أن النبي ﷺ قال: "توضؤوا مما مست النار"- منسوخ.

стр. 254

قال جابرٌ: "كان آخر الأمرين عن رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار". وقال أحمد: "أكل لحم الجزور يوجب الوضوء"؛ وهو قول الشافعي في القديم؛ لما روي أن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم". [وهذا عند الأكثرين

стр. 255

منسوخٌ، أو محمول على غسل اليد والفم. خص به لحم الجزور؛ لأن له زهومةً ليست لغيره من اللحوم]. وحكى القاضي قولاً: أن أكل لحم الجزور يوجب الوضوء؛ وليس بمشهور. والمستحب أن يتوضأ من الضحك في الصلاة، ومن الكلام القبيح؛ لما روي عن ابن مسعودٍ: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة- أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب". وقالت عائشة: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء". قال ابن عباس: "الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان". فصلٌ في الشك في الطهارة روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً؛ فأشكل عليه؛ أخرج منه شيءٌ، أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد؛ حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً".

стр. 256

إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فله أن يصلي؛ لأن الأصل بقاء الطهارة. وإن وقع هذا الشك في الصلاة مضى في صلاته [ولا يجوز أن يخرج، ويبطل العبادة. وقال مالك: عن وقع هذا الشك في الصلاة، مضى في صلاته]. وإن كان خارج [عن] الصلاة، فلا يصلي حتى يتوضأ. والحديث حجةٌ عليه؛ لأنه لم يفصل بين الحالين، فلو شك في الحدث، وتوضأ على الشك، ثم بان أنه كان محدثاً- لم يصح وضوؤه؛ لأن وضوؤه لم يستند إلى أصل حدثٍ. ولو تيقن الحدث وشك في الطهارة لا يجوز [له] أن يصلي حتى يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء الحدث. فلو توضأ، ونوى أنه كان محدثاً- فهو فرض طهارته، وغلا فهو تجديد وضوئه على الفرض؛ حتى لو زال شكه بعد ذلك، وتيقن الحدث لا يجب [عليه] إعادة الوضوء؛ لأنه استند إلى يقين حدثٍ. ولو تيقن الطهارة، وتيقن أنه رأى رؤيا بعدها، ولا يذكر نوماً- فعليه الوضوء، ولا يحمل على النوم قاعداً؛ لأنه خلاف العادة. وإن شك أنه كان رؤيا، أو حديث نفسٍ- فلا وضوء عليه؛ لأن الأصل بقاء الطهارة. ولو تيقن الطهارة والحدث، ولم يدر أيهما كان أسبق- فينظر إلى الحالة التي قبلها: فإن كان في تلك الحالة متطهراً، فهو الآن محدثٌ؛ لأنه تيقن حدثاً رافعاً لتلك الطهارة، وشك في طهارة رافعةٍ لهذا الحدث، والأصل بقاء الحدث. وإن كان في تلك الحالة محدثاً، فهو الآن متطهرٌ؛ لأنه تيقن طهارة رافعةً لذلك الحدث، وشك في حدثٍ رفع هذه الطهارة، والأصل بقاؤها. ولو سمع من بين رجلين صوتُ حدثٍ، وكل واحد ينفيه عن نفسه، يجوز لكل واحد منهما أن يبني على يقين نفسه؛ فيصلي. فلو اقتدى أحدهما بالآخر، فصلاة الإمام صحيحةٌ، وصلاة المأموم باطلة؛ لأنه ينفي الحدث عن نفسه، ويجعله في إمامه، ولا يصح الاقتداء بإمام هو عنده محدثٌ.

стр. 257

وإن كانوا جماعة؛ فسمع من بينهم صوت حدثٍ، وكل واحدٍ ينفيه عن نفسه، ثم أم كل واحد في صلاةٍ، واقتدى به الآخرون- فعلى كل واحد منهم إعادة آخر صلاة كان فيها مأموماً؛ مثلاً: كانوا خمسة [و] أم كل واحدٍ في صلاة من الصلوات الخمس، وبدؤوا بالصبح- فعلى إمام الصبح والظهر والعصر والمغرب إعادة صلاة العشاء، وعلى إمام العشاء إعادة صلاة المغرب؛ لأن كل واحد منهم إذا اقتدى بآخرٍ، كأنه ينفي الحدث عن نفسه، وعن إمامه؛ حتى يتعين في الآخر؛ فلا يمكنه نفيه عنه". هذا قول ابن الحداد؛ وهو الأصح. وقال صاحب "التلخيص": "صلاة الأئمة صحيحة، وعلى كل واحدٍ [منهم إعادة كل صلاةٍ كان فيها مأموماً؛ لأن لكل واحدٍ أن يجتهد في حدث نفسه، وليس [له] أن يجتهد في حدث الغير؛ لأنه لا علامة يتميز بها المتطهر عن المحدث". أما إذا اجتهد خمسة نفرٍ في خمس أوانٍ؛ واحد منها نجس، واشتبه، وتوضأ كل واحد منهم بواحد، وأم كل واحد الباقين في صلاة؛ فعلى كل واحدٍ منهم إعادة آخر صلاةٍ كان فيها مأموماً بالاتفاق؛ لأن الاجتهاد في الأواني جائزٌ؛ فكأن كل واحد منهم اجتهد في إنائه وإناء إمامه؛ إلى أن تعينت النجاسة في الآخر. وقيل: مسألة الأواني كمسألة الحدث على الاختلاف، إلا أن يجتهد كل واحدٍ في إناء إمامه؛ كما اجتهد في إناء [نفسه، وأدى] اجتهاده إلى طهارته، حينئذٍ لا يجب [إلا] إعادة آخر صلاةٍ كان فيها مأموماً [بالاتفاق]. ولو امتنع الخامس من أن يؤمهم في العشاء فصلوا خلف واحد منهم [ولو اختلف واحد من الأولين فعلى الخامس إعادة المغرب] ولا إعادة على الباقين. ولو كان واحد من الأواني الخمس طاهراً، واشتبه؛ فاجتهد خمسة؛ واستعمل كل واحد منهم واحداً، ثم اقتدى بعضهم بالبعض يجب على المأمومين الإعادة بالاتفاق؛ لأن الطاهر فيها واحد، وكل واحد [منهم] يعين الطهارة فيما استعمله، فيكون اقتداؤه بمن يعتقد أنه استعمل النجس.

стр. 258

وإن كانوا خمسة، وسمع من بينهم صوتان- فهو كالصوت الواحد ما لم يعلم أنهما من شخصين، فإن علم أنهما من اثنين، أو كان خمس أوانٍ: اثنان نجسان؛ فاجتهد خمسةٌ، واستعمل كل واحد واحداً أو أم كل واحدٍ في صلاة، واقتدى به الآخرون- صح صلاةُ كل واحد خلف اثنين، وبطل خلف اثنين. ولو كان النجس ثلاثة، جاز صلاةُ كل واحد خلف واحد، ولا تصح خلف ثلاثٍ. باب ما يوجب الغسل قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ... الآية﴾ [المائدة: ٦].

стр. 259

وروي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان- فقد وجب الغسل؛ وإن لم ينزل". موجبات الغسل أربعة: اثنان يختصان بالنساء؛ وهما: الحيض والنفاس. واثنان يشترك فيهما الفريقان: أحدهما: الموت. والثاني: الجنابة. وغسل الجنابة يجب بأحد أمرين: إما نزول المني، أو تغيب الحشفة في الفرج؛ وإن لم ينزل. والمني ماءٌ أبيض ثخينٌ، له رائحة كرائحة الطلع، يخرج بدفقةٍ ولذةٍ، تعقبه فترةٌ، وإذا يبس تكون رائحته كرائحة البيض وقد يرق [ويصفر] من المرض، ويحمر من كثرة الجماع. ومني المرأة أصفر رقيق، فمن أيهما خرج بشهوةٍ، أو بغير شهوة- وجب عليهما الغسل. وإذا خرج من غير الإحليل، يجب. وقال أبو حنيفة: "إذا خرج لمرض، لا يجب الغسل". وأما المذي: وهو رقيقٌ يخرج عند حركة الشهوة، والودي: ماء أبيض ثخين يخرج

стр. 260

بعد البول؛ فهما يوجبان الوضوء؛ كالبول. روي عن علي- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل". وإذا غيب حشفته في فرجٍ، أو دبرٍ من آدمي، أو بهيمة حي أو ميتٍ- وجب الغسل، وإن لم ينزل. وعند أبي حنيفة: لا يجب الغسل في البهيمة ما لم ينزل. وإن غيب بعض الحشفة، لا يجب. وإن كان مقطوع الحشفة؛ فغيب من الباقي بقدر الحشفة- وجب الغسل، وإن كان الباقي أقل من الحشفة، لا يجب. ولو لف على ذكره خرقةً؛ فأولج- وجب. ولو احتلم فلم ينزل، لا غُسل عليه، ولو احتلمت المرأة فأنزلت، وجب عليها؛ كالرجل؛ لما روي عن أم سلمة قالت: "جاءت أم سليمٍ إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟ قالت: "نعم، إذا رأت الماء".

стр. 261

ولو أمنى فاغتسل [ثم خرج] منه المني- وجب عليه إعادة الغسل؛ سواء كان بعد البول، أو قبله. وقال الحسن، والأوزاعي: "إذا كان قبل البول، لا يجب إعادة الغسل؛ لأنه بقية مني، اغتسل منه مرةً". ولو استدخلت امرأة مني رجل، هل يجب عليها الغسل؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجب؛ لأنه لم يوجد جماعٌ، ولا نزول مني. وقيل: يجب. فعلى هذا: لا فرق بين أن تدخله في فرجها أو دبرها؛ كتغييب الحشفة. وإذا خرج منها مني الرجل، لا غسل عليها؛ سواء حصل فيها بالاستدخال، أو بالجماع. والاحتياط أن تغتسل إذا كان من جماعٍ؛ لأنه لا يؤمن من امتزاج المنيين. ولو رأى على ثوبه أثراً لم يدر أنه منيٌّ أو مذيٌ: فإن اغتسل وصلى في ذلك الثوب- جاز؛ لاحتمال أنه منيٌّ، ولو توضأ وصلى فيه من غير أن يغسله- لم يجز؛ لأنه إن كان مذياً فهو نجس، وغن كان منياً فيجب عليه الغسل. وكذلك لو توضأ، وترك فيه الترتيب- لا يجوز، والاحتياط: أن يغتسل، ويرتب أعضاء وضوئه، ويغسل الثوب. وقال عطاء، والشعبي، والنخعي: "إذا رأى بلةً وجب الغسل، وإن لم يتيقن أنه منيٌّ". ولو رأى على ثوبه منياً، ولا يذكر إنزالاً؛ نظر: إن احتمل أنه أصابه من غيره، بأن كان يلبسه غيره- فلا غسل عليه، ويستحب أن يغتسل؛ لاحتمال أن يكون منه. وإن لم يحتمل من غيره، فعليه الغسل، وإعادة الصلوات من آخر نومةٍ نامها فيه، والاحتياط أن يعيد من أول نومةٍ نامها فيه. وإن لم يكن صلى فيه بعد النوم، اغتسل، ولا يجب قضاء الصلاة، وكذلك إن لم يكن [نام فيه، اغتسل لما يستقبل].

стр. 262

أما غسل الحيض والنفاس يجب بخروج الدم؛ لأن الغسل [المتعلق بالخارج يتعلق بطهوره؛ كغسل الجنابة] يجب بخروج المني. ووقت جوازه: انقطاع الدم؛ كالوضوء يجب بخروج لحدث، ووقته القيام إلى الصلاة، كالوطء يوجب العدة عند الطلاق. ولو ولدت امرأة ولم تر الدم، يجب عليها الغسل على ظاهر المذهب؛ لأن الولد من منيهما؛ وخروج المني يوجب الغسل. وقيل: لا يجب؛ لأنها لم تر الدم. وكذلك هل يفسد به الصوم؟ فعلى وجهين: ولو ألقت علقةً، هل يجب عليها الغسل؟ فوجهان: أصحهما: يجب؛ كالمضغة ولو أجنبت حائضٌ فلا فائدة لغسلها، إلا على قول من يجوز للحائض قراءة القرآن. قال الشيخ إمام الأئمة: "ويستحب أن تغتسل؛ تنظيفاً". وإذا أراد الجنب النوم، أو الأكل، أو الشرب قبل الغسل- يجوز، ويستحب أن يغسل فرجه، ويتوضأ، وكذلك إذا أراد العود؛ لما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً، فأرد أن يأكل أو ينام- توضأ للصلاة". وأما الحائض: فلا يستحب لها الوضوء للأكل، والشرب، والنوم؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهان ويؤثر في حق الجنب؛ فإنه يرفع الجنابة عن أعضاء وضوئه.

стр. 263

فصل روي عن قيس بن عاصمٍ، أنه أسلم؛ فأمره رسول الله ﷺ أن يغتسل بماءٍ وسدرٍ". إذا أسلم كافر، ولم يكن وجب عليه الغسل في حال كفره- يستحب له أن يغتسل، ولا يجب؛ لأن خلقاً كثيراً أسلموا، ولم يأمر النبي ﷺ أحداً منهم بالاغتسال. وقال مالك: "يجب الغسل للإسلام، ولو وجب عليه الغسل، واغتسل في حال كفره- يجب عليه إعادة الغسل بعد الإسلام؛ لأن الغسل قربةٌ لا تصح من الكافر؛ كالوضوء. وقال أبو بكر الفارسي: "لا يجب إعادة الغسل [بعد الإسلام]؛ لأن غسل الكافر

стр. 264

صحيح؛ بدليل أن الذمية إذا طهرت من الحيض تحت مسلم؛ واغتسلت- جاز للزوج غشيانها". والأول [أصح و] هو المذهب، وليس إذا صح غسلها لحق الزوج ما يدل على أنه يجوز أن تصلي به؛ كالمجنونة إذا طهرت من الحيض، وغسلها زوجها- جاز له غشيانها، وإذا أفاقت يجب عليها إعادة الغسل. ولو توضأ كافر أو تيمم، ثم أسلم- لا يجوز أن يصلي [به] حتى لو أن ذميةً طهرت من الحيض؛ فتيممت عند عدم الماء لغشيان الزوج، ثم أسلمت قبل أن يصيبها الزوج- لا يجوز أن تصلي به. ولو اغتسل مسلمٌ أو توضأ، ثم ارتد، ثم أسلم- لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء. وقال أبو بكر الفارسي: "يجب إعادة الوضوء، ولا يجب إعادة الغسل". ولو تيمم، ثم ارتد، ثم أسلم؛ هل يجب إعادة التيمم؟ وجهان: أحدهما: لا يجب؛ كالوضوء. والأصح: أنه يجب؛ لأنه أضعف، ومن شرطه أن تعقبه العبادة. ولو اغتسل أو توضأ [صبي] يعقل عقل مثله، ثم بلغ- لا إعادة عليه. ولو تيمم، ثم بلغ؛ فوجهان: أصحهما: لا إعادة عليه؛ بدليل أنه لو صلى بذلك التيمم قبل البلوغ، ثم بلغ- والوقت باقٍ- جازت صلاته؛ فكذلك إذا صلى بعد البلوغ. فصلٌ في الاغتسالات المسنونة روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل".

стр. 265

وعن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم". وأراد بالمحتلم: البالغ، والمراد من الوجوب: وجوب الاختيار. غسل الجمعة سنة في حق من يريد حضور الجمعة دون من لا يريد حضورها، بخلاف غسل العيد؛ فإنه سنةٌ في حق الكافة من النساء والعبيد والصبيان؛ لأنه لإظهار السرور، وهو عام. وغسل الجمعة لإزالة الرائحة الكريهة؛ حتى لا يتأذى به من بقربه؛ فيختص بمن يريد الحضور. وعند مالكٍ: غسل الجمعة واجبٌ. والدليل على أنه غير واجب: ما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل". قوله: "فبها ونعمت" أي: بالسنة أخذ، ونعمت الخصلة.

стр. 266

ويستحب أن يغتسل للجمعة حالة الرواح إلى الجمعة، فلو اغتسل بعد طلوع الفجر الصادق- يحسب، ولو اغتسل قبله، لم يحسب؛ بخلاف غسل العيد يحسب؛ على أصح القولين قبل طلوع الفجر الصادق عند السحر؛ لأن صلاة العيد تؤدى في أول النهار، فإذا اغتسل قبل طلوع الفجر، يبقى أثره إلى وقت الصلاة. وصلاة الجمعة تؤدى بعد الزوال؛ فلا يبقى أثره. وفيه قول آخر: أن غسل العيد أيضاً لا يحسب، إلا بعد طلوع الفجر؛ كغسل الجمعة. والأول أصح. ولا يصح الغسل إلا بالنية؛ فلو وافق يوم الجمعة يوم العيد؛ فاغتسل لهما غسلاً واحداً- يكفي، ولو نوى أحدهما، حصل الثاني. وإن كان جنباً؛ فنوى غسل الجنابة

стр. 267

والجمعة والعيد- حصل الكل، ولو نوى غسل الجمعة والعيد، لم يخرج عن الجنابة. وهل يحسب عن غسل الجمعة والعيد؟ وجهان. ولو نوى غسل الجنابة، ولم ينوِ غسل الجمعة- خرج عن الجنابة، وهل يحسب عن غسل الجمعة والعيد؟ فيه قولان: أصحهما: يحسب؛ كمن دخل المسجد، وصلى فرضاً، يحسب عن تحية المسجد. والغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه- سنةٌ؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" ويروى: "من مسه فليتوضأ" والمراد من الحمل: المس أيضاً.

стр. 268

وقيل: لا يؤمر من مسه بالوضوء، وتأول الحديث على مس الفرج منه، أو أراد بقوله: "من حمله فليتوضأ" أي: من أراد حمله، فليتوضأ من قبل؛ حتى يكون بصفة يمكنه الصلاة عليه. والاغتسالات المسنونة ستة عشر: غسل الجمعة، والعيدين، والخسوفين، والاستسقاء، والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق.

стр. 269

وسبع اغتسالات في الحج: الغسل للإحرام، ولدخول "مكة"، وللوقوف بـ"عرفة"، وللوقوف بـ"مزدلفة" غداة يوم النحر، وثلاث اغتسالات لرمي أيام التشريق؛ لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس، فاستحب لها الغسل. ولم يذكر الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لأنه [قد] اغتسل يومئذٍ للعيد، وللوقوف بـ"مزدلفة" ولأن وقته موسعٌ من [نصف] الليل إلى آخر النهار، ولا يجتمع لها الناس في وقت واحد. وزاد في القديم: "الغسل لطواف الزيارة، وطواف الوداع". وتغتسل الحائض جميع هذه الاغتسالات، إلا غُسل الطواف؛ فإنها لا تطوف. وقال في القديم: "وتغتسل من الحجامة والحمامة. أما الحجامة: فقد ورد فيه أثرٌ. وأما [من] الحمام قيل: أراد به إذا [تنور] تغتسل، وغلا فلا". وقيل: الاختلاف الأيدي في ماء الحمام. [و] قال الشيخ [إمام الأئمة: "المراد] من الغسل للحمام عندي: أن يدخل الحمام فيعرق؛ فيستحب ألا يخرج من غير غسلٍ، ويستحب لمن أراد مقاربة الناس، والاجتماع معهم- أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، لئلا يتأذى بقربه أحدٌ". وآكدُ الاغتسالات المسنونة غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت. وفيهما قولان: أصحهما وهو اختيار المزني-: غسل الجمعة؛ لأن الأخبار فيه أصح. وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوبه. باب كيفية الغسل روي عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بغسل بدنه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثياتٍ".

стр. 270

فرضُ الغسل شيئان: النية، وغسل جميع البدن كيف شاء، والسنة أن يبدأ؛ فيسمى الله تعالى، ويغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل فرجه وما عليه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. وهل يستحب تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟ فيه قولان: أحدهما: لا يؤخر؛ وهو ظاهر رواية عائشة. والثاني: يؤخر؛ وهو رواية ميمونة عن رسول الله ﷺ أنه أخر غسل الرجلين؛ وبه قال أبو حنيفة. ثم إن كثر شعر رأسه، يدخل أصابعه العشر في الماء؛ فيخلل بها أصول شعره؛ حتى

стр. 271

يبتل، فيتيسر وصول الماء إلى باطنها. ثم يصب الماء على رأسه [ثلاث] حثيات من ماءٍ بيديه ولا يجب نقضُ الضفائر إذا وصل الماء إلى باطنها من غير النقض، فإن لم يصل إلا بالنقض، يجب أن ينقضها؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تحت كل شعرةٍ جنابةٌ؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر".

стр. 272

وعند مالك: لا يجب نقض الضفائر، ولا إيصال الماء إلى ما تحت الشعور الكثيفة، والحديث حجةٌ عليه. ثم يفيض الماء على سائر جسده ويبدأ بميامنه، ويستحب إمرار اليد على ما أمكنه من جسده، ولا يجب. وقال مالك: "يجب". ويجب إيصال الماء إلى باطن الأذنين والغضون وبواطن الشعور الكثة، ولا يجب إدخال الماء في العينين. ولو ترك المضمضة والاستنشاق فقد أساء ويجزيه، ويستحب أن يعيد المضمضة والاستنشاق. وغسل المرأة من الحيض والنفاس كغسل الجنابة، إلا أنه يستحب لها في غسل الحيض والنفاس أن تأخذ فرصةً من مسكٍ [على قطنة]؛ فتدخلها في فرجها؛ لإزالة تغير حصل من الدم؛ [لما] روي عن عائشة قالت: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فرصة من مسكٍ، فتطهري بها. فقالت: كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة: " [فقلت]: تتبعي بها آثار الدم".

стр. 273

فإن لم تجد مسكاً، فطيباً آخر، وإن لم تجد فالماء كافٍ. ويجب على المرأة الثيب في الغسل إيصال الماء إلى محل الافتضاض، وما يبدو منها عند القعود؛ لأنه صار في حكم الظاهر؛ كالشقوق على الرجل؛ بخلاف الفم والأنف، لا يجب إيصال الماء إلى [باطنهما لأنهما] على الحالة الأولى. وقيل: لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفرج، وهذا على قول من يجعل بلل باطن الفرج نجساً. وقال: لأنه تزداد النجاسة إذا غسلته. وقيل: يجب في غسل الحيض والنفاس؛ لإزالة الدم، ولا يجب في غسل الجنابة؛ كباطن الفم، يجب غسله إذا نجس، ولا يجب غسله في غسل الجنابة. فصل روي عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنبٌ" فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة. قال: يتناوله تناولاً".

стр. 274

ويكره الاغتسال في الماء الدائم، فلو اغتسل فيه؛ نظر: إن كان الماء قدر قلتين يدفع الجنابة عنه، ولا يصير الماء مستعملاً، وإن اغتسل فيه جماعة. فإن كان الماء أقل من قلتين؛ نظر: إن انغمس فيه ثم نوى، خرج عن الجنابة، وإذا خرج يصير الماء مستعملاً، وإن نوى ثم انغمس فيه. [فقد] صار الماء مستعملاً. وهل يخرج عن الجنابة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يخرج؛ لأن الماء صار مستعملاً؛ بملاقاة أول جزء من بدنه. والثاني- وهو الأصح-: أنه يخرج من الجنابة؛ لأن الماء ما دام يتردد على العضو، لا يحكم باستعماله ما لم ينفصل. ومن قال: بالأول، قال: ذاك إذا ورد الماء على المحل. وأما إذا أورد المحل على الماء القليل، فلا. كما في غسل النجاسات. ولو قعد فيه إلى سرته ثم نوى ثم مقل فيه- ترتفع الجنابة عما دون سرته. وفيما فوقها وجهان: الأصح: [ترتفع]. ولو انغمسا في ماء قليل، ثم نويا معاً، خرجا عن الجنابة. ولو انغمس فيه أحدهما، ونوى، ثم انغمس فيه الثاني قبل خروج الأول- ترتفع الجنابة عن الأول. وفي الثاني وجهان: أحدهما: ترتفع؛ لأن الماء لم ينفصل (عن) الأول، فلا يحكم باستعماله. والثاني- وهو الأصح-: لا ترتفع؛ لأن ما يتصل بالثاني في حكم المنفصل عن الأول. قال الشيخ إمام الأئمة (رحمة الله عليه): فإن قلنا بالوجه الأول؛ فلو خرج أحدهما قبل الثاني، فلا يحكم بالاستعمال في حق الثاني، وكذلك لو شرعا معاً ثم خرج أحدهما- لا يحكم بالاستعمال في حق الثاني ما لم يخرجا.

стр. 275

ولو أدخل جنبٌ يده في ماءٍ قليلٍ، ولا نجاسة عليها، ولم ينو لا يضر [الماء] إذا نوى. ثم أدخل يده فيه أو محدث يتوضأ من إناءٍ صغيرٍ، فبعد غسل الوجه، أدخل يده فيه؛ نظر: إن أدخل بنية إزالة الحدث، صار الماء مستعملاً. وإن قصد أخذ الماء، ولم ينو إزالة الحدث- لا يصير مستعملاً. ولا يكره استعمال فضل الجنب والحائض للرجال والنساء جميعاً؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ، تختلف أيدينا فيه من الجنابة". وإذا اغتسلا من إناء واحد، كان كل واحد مستعملاً فضل صاحبه. وكره الشعبي والنخعي الوضوء بفضل الحائض والجنب.

стр. 276

والإسراف في الماء حرامٌ، وإن كان على شط البحر. وماء الوضوء والغسل غير محصورٍ قدره، بل عليه غسل المغسول، ومسح الممسوح، وحد الغسل: أن يسيل الماء على العضو، وقد يرفق الرجل بالقليل؛ فيكفي، ويجرف بالكثير؛ فلا يكفي. ويستحب ألا ينقص عما فعله رسول الله ﷺ روي عن عائشة- ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بالصاع- ويتوضأ بالمد". والله أعلم بالصواب.

стр. 277

باب التيمم قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].

стр. 278

قال ابن عباس: الصعيد: التراب. وروي عن حذيفة قال: "قال رسول الله ﷺ : "ججُعلت لنا الأرض مسجداً، وجعلت

стр. 279

تربتها طهوراً، إذا لم نجد الماء". والتيمم من خصائص هذه الأمة، فمن عجز عن استعمال الماء؛ لعدمٍ أو مرضٍ- تيمم

стр. 280

جنباً كان أو محدثاً؛ لما روي عن عمران- ﵁: "أن النبي ﷺ قال لجنب: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك". والتيمم ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين. وهو قول: أكثر أهل العلم.

стр. 281

وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد- رحمة الله عليهم-: ويمسح اليدين إلى الكوعين؛ روي ذلك عن علي، وابن عباس ﵄. وقال الزهري: ويمسح إلى الإبطين؛ روي عن عمار؛ أنه مسح إلى الإبطين. وكل ذلك مرويٌّ لكنه منسوخ. بما روي عن ابن الصمة أنه قال: "مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد [عليَّ] حتى قام [إلى جدارٍ] يحثه بعصاً كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على السلام. ومسح الوجه واليدين في التيمم يكون تارةً بدلاً عن غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والنفساء والميت، وتارة عن غسل الأعضاء الأربعة في حق المحدث، وتارة يكون بدلاً عن جزء يسير من بدنه، في حق من على عضو من أعضاء طهارته جراحةٌ لا يقدر على غسل محلها. ولا يحصل التيمم إلا بالتراب، يعلق باليد منه غبارٌ؛ على أي لون كان ويجوز

стр. 282

بالسبخ والبطحاء إذا كان فيهما غبار ويجوز بالطين الأحمر والأصفر، وبالطين الأرمني والذي يؤكل، وطين الدواب إذا دق كالمدر الدقوق. وأما الرمل قال في القديم: يجوز به التيمم. وقال في "الأم": لا يجوز؛ فحيث جوز أراد به الرمل ألذي له غبارٌ يعلق باليد، وحيث لم يجوز، أراد به الأحمر الذي ........ له يعلق باليد. ولا يجوز الزرنيخ والنورة والجص والكحل، ولا بالذر والرماد، وما ليس بتراب. وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه-: يجوز بما كان من طبقات الأرض؛ كالزرنيخ والنورة والجص ونحوها. ولا يجوز بالطين المقلي ولا الآجر المدقوق، ولا الحجارة المسحوقة، ولا بالتراب المحترق فإن أصابته نار؛ فاسود ولم يحترق- جاز. قال الشيخ- ﵀: وسئل القاضي- ﵁ عن تراب الأرضة. قال: إذا أخرجته من خشبٍ، لم يجز التيمم به؛ لأن أصله ليس بتراب؛ كالحنطة إذا عفنت صارت تراباً وإن أخرجته من مدرٍ جاز، وإن كان مختلطاً بلعابها؛ لأن لعاب الأرضة طاهر؛ كتارب مزج بخل أو ماء وردٍ، ثم جفف- يجوز التيمم به. ولو ضرب بيده على ثوبٍ أو على ظهر حيوانٍ عليه غبار وعلق باليد؛ فتيمم به- جاز. ولو ضرب على أرض صلبة، أو صخرةٍ لا غبار عليها- لم يجز؛ لأنه مأمور بالمسح؛ فيقتضي ممسوحاً [به]. وقال أبو حنيفة: يجوز. وعند مالك: إذا ضرب يده على ما تصاعد من وجه الأرض من شجر، أو نبات لا غبار عليه- جاز. وحمل الصعيد عليه. والحديث حجةٌ عليه؛ [حيث جعل] التراب

стр. 283

طهوراً. ولو طلى الطين على عضوٍ أو ضرب يده على تربةٍ نديةٍ- لم يجز؛ لأنه لا يعلق باليد منها غبارٌ. ولو اختلط بالتراب نجاسةٌ، لا يجوز التيمم به، وإن كان التراب كثيراً، والنجاسة قليلة. وكذلك لو تيمم بتراب مقبرةٍ منبوشةٍ، لم يجز؛ لاختلاط صديد الموتى به. وكذلك لو اختلط بالتراب شيءٌ طاهر من دقيقٍ، أو زعفرانٍ، أو نورةٍ- لا يجوز التيمم به وإن لم يظهر عليه؛ لأنه قد تعلق بالعضو شيء منه؛ فيمنع وصول التراب إليه. وقال الشيخ إمام الأئمة- ﵀: لو كانت يده نجسةً؛ فضربها على تراب طاهر، ومسح به وجهه- جاز؛ لأن الممسوح به طاهر؛ كما لو أخذ بيد نجسة حجراً طاهراً؛ فاستنجى به- جاز. قال الشيخ إمام الأئمة: ولا يصح مسح اليد النجسة عن التيمم قبل غسلها؛ كما لا يجوز غسلها عن الوضوء، ولا يجوز التيمم بالتراب المستعمل؛ وهو أن يأخذ من وجه متيمم أو يده أو ما تناثر منه بعد المسح. وقيل: يجوز التيمم بما يتناثر منه، والمستعمل الغبار الباقي على الوجه. والأول أصح. ولو تيمم جماعةٌ بكثيب من ترابٍ جاز؛ لأن كل واحد يستعمل فضل صاحبه، والقصد إلى التراب شرطٌ لصحة التيمم، حتى لو سفت الريح التراب على وجهه، فأمر عليه يده، ونوى - لم تصح؛ بخلاف ما لو وقف في المطر، ونوى الوضوء؛ فسال الماء على أعضائه- صح وضوؤه؛ لأن ثمَّ هو مأمور بالغسل، وقد وجد. وهاهنا [هو] مأمور ب التيمم، والتيمم القصد، ولم يوجد منه القصد إلى التراب. ولو وقف في مهب الريح قصداً بنية التيمم؛ حتى أصاب التراب وجهه ويديه؛ فمسحه بيده- فوجهان: أظهرهما: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد التراب حقيقة، بل التراب أتاه. ولو اجتمع التراب على رأسه، أو على عضوٍ غير عضو التيمم؛ فأخذ ما عليه، ومسح به وجهه ويديه- جاز. ولو أخذ من عضو التيمم؛ نظر: إن أخذ من وجهه، لا من تراب التيمم؛ فمسح به يده، أو أخذ من يده؛ فمسح به وجهه - جاز.

стр. 284

وكذلك لو أخذ من إحدى يديه؛ فمسح به الأخرى. ولو أخذ من وجهه ورد إليه، أو من يده ورد إليها- فوجهان: أحدهما: يجوز؛ لوجود النقل؛ كما لو أخذ من وجه غيره. والثاني: لا يجوز؛ لأن أخذه منه، ورده إليه كمسح اليد عليه بلا نقلٍ. وقيل: إذا أخذ من الوجه ورد إليه، أو من اليد ورد إليها- لم يجز. وإن أخذ من الوجه ورد إلى اليد، أو أخذ من اليد ورد إلى الوجه فوجهان. ولو يممه غيره بإذنه، أو معك وجهه ويديه في التراب- نظر: إن كان معذوراً لمرض، أو قطع يد- جاز. نص عليه. وإلا فوجهان: قال "صاحب التلخيص": لا يجوز. ومن أصحابنا من قال: يجوز؛ كما لو غسل غيره أعضاءه في الوضوء. وكذلك لو صب غيره التراب على يديه؛ حتى مسح وجهه، أو كان على كمه أو يده تراب؛ فمسح به وجهه- فيه وجهان. كيفية التيمم [وكيفية التيمم]: [أن] يسمي الله، وينوي ويضرب كفيه على التراب. ونص على أنه يفرق [بين] أصابعه؛ [موبه قال العراقيون]. وإن كان التراب ناعماً يعلق باليد من غير ضربٍ؛ ويستديم النية إلى مسح جزءٍ من الوجه، فلو ابتدأ النية بعد أخذ التراب، أو نوى مع الضرب، وعزبت نيته قبل مسح شيء من الوجه- لم يصح. قال الشيخ- ﵀: لأن القصد إلى التراب- وإن كان واجباً- فليس هو بركنٍ مقصود، إنما المقصود منه نقل التراب لمسح الوجه، وهو المقصود، فكان وجود النية عند الركن المقصود شرطاً. ولو أحدث بعدما أخذ التراب، بطل قصده؛ فعليه أن يأخذ ثانياً؛ كما لو غسل بعض وجهه، ثم أحدث، عليه إعادة ما غسل، ثم بعد مسح الوجه يضرب ضربةً أخرى، ويفرق بين أصابعه، ويمسح يديه؛ فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى؛ [بحيث لا يجاوز طول أنامله اليمنى عرض أصابعه اليسرى، ثم يمر يده اليسرى على ظهر

стр. 285

كفه اليمنى. فإذا بلغ الكوع، ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع؛ فيمسح ببطن كفه اليسرى بطن ذراعه اليمنى، وتكون إبهامه اليسرى منصوبةً؛ فيمسح ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع بطون أصابع يده اليمنى على ظهور أصابعه اليسرى، فيمسح يده اليسرى؛ كما وصفنا، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه؛ وذلك واجب؛ لأن الراحتين إ لى الآن كانتا ماسحتين؛ فلا يسقط] فرض الكف؛ لكونها ىلة لمسح عضوٍ آخر. فإن قصد بإمرار الراحتين على الذراع مسح الراحتين حصل مسحهما؛ إذ لا فرق بين أن يمسح الراحة بذراعه، أو براحته الأخرى. [وكيف] ما أوصل التراب إلى الوجه واليدين؛ بضربتين أو بأكثر؛ بيده، أو بخرقةٍ، أو
следующие страницы →