Полный текст (3 626 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
والكعبان: هما [الكعبان] الناتئان من جانبي القدمين.
стр. 212
ومسح الرجل لا يقوم مقام الغسل؛ لأن كل من روى وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه غسل رجليه.
стр. 213
وروي عن عبد الله بن عمرو؛ أن النبي- ﷺ رأى قوماً، وأعقابهم تلوح؛ لم يمسها الماء. فقال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
стр. 214
وكيفية غسلهما: أن ينصبهما، ثم يصب الماء عليهما بيمينه، ويدلكهما بيساره، ويجتهد في ذلك العقب؛ خصوصاً في الشتاء؛ فإن الماء يتجافى عنها لخشونتهما.
وتخليل الأصابع سنةٌ، إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليلٍ؛ فإن كانت الأصابع ملتفة؛ لا يصل الماء إلى باطنها؛ إلا بالتخليل يجب التخليلُ، ويخلل بخنصر يده اليسرى من باطن القدم؛ فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى. وإن كانت على رجله شقوقٌ، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ فإن أذاب فيها شحماً، أو عجيناً، أو خضبت بالحناء يجب إزالة عين الحناء، والعجين، والشحم؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى البشرة.
ولو كانت لرجل يدان أو رجلان في جانب واحد؛ نظر: إن كان يبطشُ بهما، ويمشي بهما- يجب غسلهما، وإن كان يبطش بإحداهما، فهي أصليةٌ يجب غسلها مع المرفق والكعب.
стр. 215
أما الزائدة إن نبتت في محل الفرض: يجب غسلها؛ كالأصبع الزائدة، وإن نبتت فوق المرفق والكعب، يجب أن يغسل من الزائدة بقدر ما تحاذي المرفق والكعب الأصلية، دون ما فوقها حتى لو لم تصل الزائدة إلى المرفق والكعب الأصلية، لا يجب غسل شيء منها؛ [كسلعة] تكون على عضده.
قال الإمام [إمام الأئمة]: "إذا كانت الزائدة منبتها فوق الساعد والكعب، ولم يكن شيء منها متصلاً بمحل الفرض- لا يجب غسلها. وإن كانت في محاذاة الفرض متدلية؛ كالجلدة التي انقطعت من عضده؛ فبقيت متدلية، فإن اتصل شيءٌ منها بمحل الفرض، يجب غسل ما في محاذاة محل الفرض ويستحب أن يقول بعد الفراغ من الوضوء- ما روي عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين- فتحت له ثمانية أبواب [من] الجنة؛ يدخل من أيها شاء".
ويستحب: ألا يُنشف الأعضاء من بلل الوضوء والغسل؛ لما روي عن ميمونة قالت: "وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً فاغتسل، فناولته ثوباً، فلم يأخذه؛ فانطلق وهو ينفض يديه [أراد به: المسح لا النفض المنهي عنه].
стр. 216
ولأنه أثر عبادة؛ فيستحب ألا يزيلها. فإن فعل لم يكره؛ لما روي عن معاذ بن جبلٍ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ، مسح وجهه بطرف ثوبه".
ويستحب: ألا يستعين بغيره على وضوئه لغير ضرورة، فإن فعل لم يكره؛ لأن المغيرة بن شعبة صب الماء على النبي ﷺ حتى توضأ. فإن صب عليه إنسانٌ، يستحب أن يقوم على يساره؛ لأنه أمكن وأحسن في الأدب.
ولو فرق وضوءه، أو غسله؛ نظر: إن كان التفريق يسيراً يجوز، وإن تفاحش؛ نظر: إن كان بعذرٍ؛ بأن نفد ماؤه؛ فطلب، أو خاف من شيء؛ فهرب- جاز- وإن كان بغير عذرٍ، فقولان:
في الجديد- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة- ﵀: يجوز؛ كالتفريق اليسير، وكما لو كان بعذرٍ.
وفي القديم- وبه قال مالك-: لا يجوز؛ كما لو فرق أفعال الصلاة، لا تصح صلاته.
وحد التفريق المتفاحش: أن يجف العضو المغسول مع اعتدال الهواء، فإن تباطأ جفافه؛ لبرودة الهواء، أو تسارع إليه الجفاف؛ لحرارة الهواء- فلا عبرة به.
стр. 217
فإن جوزنا البناء، هل يجب تجديد النية عند البناء؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه يجب.
والترتيب في الوضوء واجبٌ؛ وهو أن يبدأ بغسل الوجه، ثم بعده يغسل يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه؛ كما ذكر الله تعالى. فلو توضأ وترك الترتيب عاماً أو ناسياً، وصلى- لا تصح صلاته [كما لو ترك الترتيب في أفعال الصلاة- لا تصح صلاته].
وقال الثوري، وأبو حنيفة: "الترتيب سنةٌ؛ وهو قول أكثر أهل العلم [وإليه ميل إمام الأئمة]. ولو أنه غسل أعضاء وضوئه دفعة واحدة [لا] يصح وضوؤه [وقطع العراقيون؛ بأنه لا يجب إلا غسل الوجه]. ولو اغتسل المحدث بنية رفع الحدث، ولم يرتب أعضاء وضوئه- ففيه وجهان:
إن قلنا: الحدث يحل جميع البدن، يخرج عن الحدث.
وإن قلنا: يحل الأعضاء الأربعة لا يخرج عن الحدث؛ لترك الترتيب. وهو الأصح. فعلى هذا لو انغمس في ماء، وخرج من غير مكثٍ- فهو كما لو غسل الأعضاء دفعة واحدة، وإن مكث يسيراً صح، لحصول غسلِ الأعضاء على الترتيب.
ولو أجنب رجل، ولم يحدث؛ بأن لف على قضيبه خرقة، وأولج في فرج امرأة [و] لم يمسها، أو احتلم قاعداً، أو أنزل بالنظر- يجب عليه الغسل، ولا ترتيب عليه في غسل أعضاء الوضوء. فأما إذا كان جنباً محدثاً؛ سواء تقدمت الجنابة على الحدث، أو تقدم الحدث، فهل يدخل الحدث في الجنابة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يدخل؛ حتى لا يجب غسل أعضاء الوضوء إلا مرةً واحدة؛ عن الجنابة والحدث جميعاً، ولا يجب عليه الترتيب؛ لأنهما حدثان ترادفا؛ فتداخلا؛ كالحيض مع الجنابة؛ وكما أن العمرة تدخل أعمالها في الحج في القران.
والوجه الثاني: لا يدخل حتى يجب غسل أعضاء الوضوء مرتين: مرة عن الحدث مرتباً، ومرة عن الجنابة كيف شاء؛ لأن موجبها مختلف، فلا يتداخلان؛ كما أن حد الشرب لا يدخل في حد الزنا.
стр. 218
والوجه الثالث: يدخل فيه الغسل [والترتيب]؛ فلا يجب غسل أعضاء الوضوء إلا مرةً واحدة، ويجب الترتيب؛ لأن الغسل في الطهارتين موجودٌ؛ فتتداخلان، [و] لا ترتيب عليه في الغسل؛ وهو فرضٌ في الوضوء؛ فلا يسقط.
[قال صاحب "التلخيص" ولا يجوز تثليث الوضوء عمداً، إلا في هذه المسألة، وجوابه يخرج على ظاهر المذهب.
وحكى أبو حاتم القزويني وجهاً رابعاً: أنه يقتصر على الغسل؛ لأنه يحتاج أن ينوبهما؛ لأنهما عبادتان متجانستان: صغرى وكبرى؛ فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال، دون النية؛ كالحج والعمرة].
وعلى هذا فرع ابن الحداد: لو أن جنباً غسل جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث يجب عليه غسل الوجه، واليدين، و [مسح] الرأس مرتباً. أما غسل الرجلين: فعلى الوجه الأول: لا يجب إلا مرة واحدة، إن شاء قدم [على] الأعضاء الثلاثة، وإن شاء أخر؛ لاجتماع الحدث والجنابة في الرجل؛ فسقط حكم الحدث.
стр. 219
وعلى الوجه الثاني: يجب غسل الرجلين مرتين؛ مرةً عند الحدث بعد الأعضاء الثلاثة، ومرةً عند الجنابة متى شاء.
وعلى الوجه الثالث: لا يجب غسلهما إلا مرةً واحدة بعد الأعضاء الثلاث.
وتقديم اليمنى على اليسرى في غسل اليد والرجل- سنةٌ في الوضوء، فلو قدم غسل اليسرى جاز لأن الله - تعالى- جمع بينهما في الذكر فقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
وكذلك كل فعل مستحب؛ فالبداية فيه باليمين؛ كدخول المسجد يبدأ فيه بالرجل اليمنى [وإذا خرج يقدم اليسرى. وعكسه دخول الخلاء يبدأ فيه بالرجل اليسرى]، وإذا خرج يقدم اليمنى. وإذا سلم عن الصلاة يبدأ باليمين، وإذا لبس النعل، أو القميص، أو السراويل- يبدأ باليد اليمنى والرجل اليمنى، وفي النزع يبدأ باليسرى. والمصافحة باليمين، والاستنجاء باليسار. روي عن عائشة- ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يُحب التيامن ما استطاع؛ في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله".
стр. 220
وفرائض الوضوء ستةٌ:
"النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح شيء من الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب".
وفي القديم: الموالاة فريضة؛ فتصير سبعاً.
والسنن ثلاثة عشر: التسمية، وغسل اليدين إلى الكوعين، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، وتخليل اللحية، والبداية باليمنى في غسل اليد والرجل، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل الأصابع، وغسل كل عضوٍ مرتين أو ثلاثاً، والموالاة على قوله الجديد".
وبعضنا يجعل التسمية، وغسل اليدين في الابتداء، وتخليل الأصابع، والغسلة الثانية من الهيئات، ويجعلها دون السنن.
ويكره أن يزيد غسل الأعضاء على الثلاث؛ لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً. ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا؛ فقد أساء، وتعدى، وظلم".
وتجديد الوضوء مستحبٌ؛ وهو أن يكون على الطهارة؛ فيتوضأ.
стр. 221
عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ : "من توضأ على طهرٍ، كتبت له عشر حسناتٍ".
وإنما يستحب التجديد إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاةً؛ فرضاً أو نفصلاً. فإن لم يكن قد صلى به، يكره التجديد؛ لأنه يصير كأنه زاد الوضوء على الثلاث. ولو نذر أن يتوضأ. قال القاضي حسين- ﵀: "ينعقد، وعليه تجديد الوضوء بعدما صلى بالأول صلاة، فإن توضأ- وهو محدثٌ- لم يخرج عن نذره؛ لأنه واجب شرعاً وإن جدد الوضوء قبل أن يصلي بالأول- لم يخرج عن نذره. ولو نذر التيمم لا ينعقد؛ لأنه لا يجدد.
وقال بعض أصحابنا: "لا يلزم الوضوء بالنذر؛ لأنه غير مقصود في نفسه؛ كما لو نذر التيمم لا ينعقد".
فصلٌ فيما يمنع منه المحدث
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ* لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ .... الآية﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨، ٧٩].
وروي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزمٍ: ألا يمس القرآن إلا طاهرٌ.
стр. 222
لا يجوز للمحدث الصلاة، ولا الطواف، ويجوز له الاعتكاف، وقراءة القرآن. ولا يجوز سجود التلاوة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا مس ما هو منسوب إليه من جلد، أو غلاف [أو] صندوق هو فيه، أو خريطة هو فيها.
وقال الحكم، وحماد: "يجوز للمحدث والجنب حمله ومسه".
وقال أبو حنيفة: "يجوز مسه إلا الموضع المكتوب".
وإن كان المصحف في صندوقٍ من الثياب، أو في عدلٍ من الأمتعة يجوز للمحدث
стр. 223
حمله. نص عليه [عند أصحابنا]؛ وبه قطع أصحابنا بـ"العراق"؛ لأنه لا يقصد حمل المصحف. وقيل لا يجوز؛ لأنه حامله.
ولو قرأ القرآن من مصحف بين يديه؛ من غير أن يمسه- يجوز. ولو قلب أوراقه بخشبة، أو كتب القرآن من غير أن يحمل المكتوب، أو يمسه- فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ [وبه قطع العراقيون]؛ لأنه لم يمسسه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ما فعله منسوبٌ إليه، ولا يجوز حمل لوحٍ كتب عليه القرآن.
وعلى المعلم تكليف الصبيان الطهارة؛ لحمل المصحف واللوح، وكتبة القرآن، فإن لم يفعل أثم المعلم.
وقيل: يجوز للصبيان حملها محدثين؛ لأن طهارتهم ناقصة؛ فلا معنى لاشتراطها. ولو حمل المحدث كتاباً فيه آياتٌ متفرقةٌ من القرآن، أو كتب المحدث يجوز. ولو حمل تفسير القرآن؛ نظر: إن كان القرآن بغير خط التفسير- لا يجوز؛ لأن القرآن فيه مقصودٌ، وإن كان الكل بخط واحدٍ يجوز. ويجوز حمل ما نقش عليه آيةٌ من القرآن من درهمٍ، أو ثوبٍ، أو خشبةٍ.
ويكره تنقيش الجدر والثياب بالقرآن، وبأسماء الله تعالى. ولا يجوز كتبة القرآن بالنقش النجس. ولا تجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
وأما إذا كتب إليهم كتاباً، وكتب فيه آيةً من القرآن يجوز؛ فإن النبي ﷺ كتب إلى
стр. 224
هرقل كتاباً، وكتب فيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ... الآية﴾ [آل عمران: ٦٤].
ويجوز تعليم الكافر القرآن إذا كان يرجو إسلامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
وقيل: لا يجوز؛ كما لا يجوز بيع المصحف [منه]؛ بخلاف الاستماع؛ لأن المستمع لا يتلقف ما يستخف به.
أما إذا رآه معانداً، لا يجوز تعليمه بحال. وحيث جوزنا لا يجوز له حمل المصحف؛ لأنه غير طاهر.
فصلٌ فيما يمنع منه الجنب
روي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن".
كل ما يحرم على المحدث يحرم على الجنب، وزيادة شيئين: وهما قراءة القرآن، والاعتكاف؛ فلا يجوز للجنب، ولا للحائض، ولا للنفساء أن تقرأ شيئاً من القرآن، وإن كان كلمةً.
وجوز أبو حنيفة- ﵀ أقل من آية.
وقال مالك: "يجوز للحائض قراءةُ القرآن؛ لأنه ربما يمتد زمان حيضها فتنسى القرآن".
стр. 225
وقيل: هذا قول الشافعي- ﵀ في القديم.
أما إذا قال عند ابتداء أمر تبركا: "بسم الله"، أو عند الفراغ تيمناً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ١]، أو عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أو ركب دابة فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ولا يقصد قراءة القرآن- يجوز.
وكذلك لو تكلم بكلمة توافق نظم القرآن، أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة أو الإنجيل، أو ذكر الله - سبحانه- وسبح، أو صلى على النبي- ﷺ فجائز.
[و] قالت عائشة- ﵂: "كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه".
ولا يجوز للجنب المكث في المسجد، ولا للحائض؛ لما روي عن عائشة- ﵂ عن رسول الله ﷺ : "إني لا أحل المسجد لحائضٍ، ولا جنبٍ".
стр. 226
أما المرور في المسجد يجوز لهما، إذا كان للمسجد بابان؛ يدخل من واحد، ويخرج من آخر، وكانت الحائض قد شدت نفسها؛ بحيث لا يتلوث من دمها المسجد، أو كان بعد انقطاع دمها قبل العسر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣].
وقال أبو حنيفة- ﵀: "لا يجوز المرور".
وقال أحمد، والمزني: "يجوز للجنب المكث في المسجد؛ لأن المشرك لما لم يمنع من دخول المسجد، فالمسلم الجنب أولى".
قلنا: المشرك إنما لا يمنع إذا لم نتحقق جنابته، فإن تحققنا، فوجهان:
أحدهما: يمنع؛ كما يمنع المسلم.
والثاني: لا يمنع؛ لأنه لا يعتقد تعظيم المسجد، فلا يؤاخذ بحرمته؛ بخلاف المسلم؛ كما أن المسلم يحد بشرب الخمر؛ لأنه يعتقد تحريمها، والكافر لا يحد.
ولو أجنب رجل والماء في المسجد- ليس له أن يدخل المسجد؛ فيغتسل فيه، بل إن كان معه إناء يتيمم، ويدخل المسجد؛ فيخرج الماء وإن لم يكن معه إناءٌ يصلي بالتيمم، ثم يعيد.
ولو احتلم في المسجد، خرج. فإن خاف على نفسه، أو على ماله، أقام فيه؛ للضرورة. فإن وجد تراباً غير تراب المسجد، تيمم للإقامة. والله أعلم.
стр. 227
باب الاستطابة
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها لغائط، ولا بولٍ، وليستنتج بثلاثة أحجار.
ونهى عن الروث والرمة، وأن يستنجي الرجل بيمينه. وإذا أراد قضاء الحاجة، يضع ما كان معه من شيءٍ عليه اسم الله . وإن كان في صحراء، يذهب حتى لا يراه أحد؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز، انطلق حتى لا يراه أحدٌ. ويستتر بشيء من شجر، أو حائط؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثباً من رملٍ فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم".
стр. 228
ولا يرفع ذيله؛ حتى يدنو من الأرض؛ لما روي عن أنس قال: "كان النبي- ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض".
ويطلب لبوله مكاناً ليناً، فإن كان صلباً، لينه بشجر أو غيره؛ حتى لا يرتد إليه البول؛ لما روي عن أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" يعني: ليطلب لبوله مكاناً. ولا يبول في مهاب الرياح ويبول قاعداً؛ لما روي [عن] عمر [بن الخطاب ﵁] أن النبي ﷺ قال له: "لا تبل قائماً". وهذا نهي تأديب، فإن كان به عذرٌ، أو كان المكان ضيقاً، فلا بأس به؛ لما روي
стр. 229
عن حذيفة؛ أن النبي ﷺ أتى سباطة قومٍ، فبال قائماً".
стр. 230
ويحترز عن قضاء الحاجة في الطريق، وتحت الأشجار المثمرة، وحيث يستظل الناس؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "اتقوا اللاعنين. قالوا: وما اللاعنان، يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم".
ولا يبول في المستحم؛ وهو موضع الوضوء والغسل؛ لما روي عن عبد الله بن
стр. 231
مغفلٍ أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه. وقال: "إن عامة الوسواس منه".
ولا يبول في جحرٍ؛ لما روي عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس؛ أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر. قيل لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال:
стр. 232
إنها مساكن الجن.
وإن أراد دخول الخلاء قدم رجله اليسرى، وإذا خرج قدم اليمنى، وعند الدخول يقول ما روي عن أنس [قال]: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
وروي عن علي؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء- أن يقول: بسم الله".
стр. 233
وإذا خرج يقول ما روي عن عائشة- ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" يعني: أسألك غفرانك.
وإذا قعد لقضاء الحاجة، يعتمد على رجله اليسرى؛ لأنه أيسر لقضاء الحاجة، ويستر رأسه، ولا يذكر الله بلسانه، ولا يكلم أحداً، وإذا سلم عليه أحدٌ لا يرد [عليه] السلام، وإذا عطس لا يحمد؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لا يخرج الرجلان يرضبان الغائط كاشفين [عن] عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك".
وروي عن ابن عمر قال: "مر رجلٌ على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه؛ فلم يرد عليه".
стр. 234
ولا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها على قضاء الحاجة في الصحراء؛ لحديث أبي
стр. 235
هريرة. ويجوز في البنيان؛ لما روي عن ابن عمر قال: "ارتقيت فوق بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشام".
وقال الثوري، وأبو حنيفة: "لا يجوز الاستقبال، ولا الاستدبار؛ لا في الصحراء، ولا في البنيان".
والفرق بين الصحراء والبنيان [يعد الجيران] الصحراء، ولا تخلو عن مُصَلٍّ جني، أو إنسي، أو ملكٍ، فربما يقع بصر مثل على عورته، وأما الخشوش في الأبنية إنما تحضرها الشياطين، ولأن الأماكن تضيق في البنيان؛ فربما لا يمكنه تحريف كنيفه. ونعني بالبنيان: ما يكون مسقفاً، أو محوطاً يمكن تسقيفه.
стр. 236
وإن كان في بستانٍ، فقعد بقرب الجدار، جاز الاستقبال والاستدبار. وإن قعد بعيداً لم يجز. ولو جعل في الصحراء بين يديه سترةً، وجلس قريباً منها مستقبل القبلة- جاز. وينبغي أن تكون تلك السترة فوق سترة المصلي؛ بحيث تستر أسافل بدنه.
روي عن ابن عمر؛ أنه أناخ راحلته مستقبلاً القبلة، ثم جلس يبول إليها. فقيل له: أليس قد نهي عن هذا؟
قال: إنما نهي عن ذلك في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس.
ولا يستقبل بفرجه الشمس والقمر.
وإذا أحدث الرجل؛ نظر: إن كان حدثه نوماً، أو لمس امرأة، أو مس ذكراً، أو خرجت منه ريح- فلا استنجاء عليه. وإن خرجت من أحد سبيليه عينٌ؛ نظر: إن كان ما يوجب الطهارة الكبرى؛ كالمني، أو [دم] الحيض، أو النفاس- فيجب به الغسل، ولا يغنيه الاستنجاء. وإن كان مما يوجب الطهارة الصغرى؛ نظر: إن كان معتاداً؛ مثل: الغائط والبول- يجب عليه الاستنجاء؛ قلت النجاسة، أو كثرت؛ إما بالماء، [أو بالحجر]. ويجوز الاقتصار على أحدهما، والماء أولى؛ لأنه يزيل العين والأثر جميعاً، والحجر لا يزيل الأثر. ولو جمع بينهما؛ فاستعمل الحجر أولاً، ثم غسل بالماء- كان أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨].
نزل في شأن أهل "قباء"؛ كانوا يتبعون الماء الحجر.
وقال أبو حنيفة ﵀: "لا معنى للاستنجاء بالحجر وجوباً، بل إن كانت النجاسة
стр. 237
قدر درهم بغلي وأقل- كان عفواً، ولا استنجاء عليه، وإن كانت أكثر؛ فيجب الغسل بالماء.
وإذا استنجى بالماء؛ يصب الماء بيمينه، ويدلك المحل بشماله، فإذا فرغ يستحب أن يمسح بشماله الأرض، ثم يغسلها؛ لما روي عن أبي هريرة قال: "كان النبي- ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماءٍ في [تورٍ أو ركوةٍ]؛ فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر؛ فتوضأ.
وفي الاستنجاء يبدأ بغسل قبله؛ كما في مسح الرأس؛ يبدأ بمقدم رأسه. وإن خرج من أحد فرجيه غير المعتاد من دمٍ، أو قيحٍ، أو مذي- يجب عليه الاستنجاء. وهل يجوز أن يقتصر على الحجر، أم لا؟
فيه قولان [ظاهران]:
أصحهما: يجوز؛ كما لو خرج المعتاد.
стр. 238
والثاني: لا يجوز ما لم يغسله بالماء؛ لأنه الأصل وجوب غسل النجاسات؛ غير أنه جوز الاقتصار على الحجر في المعتاد؛ لأنه يكثر ويتكرر، وخروج غير المعتاد يقع نادراً.
ولو خرج منه حصاةٌ، أو نواةٌ، أو خرج المعتاد يابساً، ولم يتلوث المحل؛ هل يجب الاستنجاء؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب؛ كما لو خرجت منه ريحٌ.
والثاني: يجب تعبداً؛ كما لو حصل النقاء بحجرٍ واحد، يجب استعمال حجرين آخرين؛ تعبداً. [قال القفال إذا استعمل الثالث وزالت النجاسة بالحجر، لا يجوز؛ لأنه أدى به للفرض]؛ فعلى هذا هل يجوز أن يقتصر على الحجر في خروج الحصاة والنواة؟ فيه قولان؛ لأنه غير معتادٍ.
ولو انسد المخرج المعتاد، وانفتح على بطنه مخرجٌ؛ يخرج منه الغائط والبول- نظر: إن انفتح دون المعدة، ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه؛ لأن الإنسان لابد له من مخرج حدثٍ. وهل يجوز الاقتصار على الحجر؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ لأن الخارج معتادٌ.
والثاني: لا يجوز، بل يجب الغسل بالماء؛ وهو الأصح؛ لأن الخرج غير معتادٍ.
وإن انفتح فوق المعدة؛ هل ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه، [أو تقيأ خلاله]؟
فيه قولان:
أحدهما: بلى. كما لو كان دون المعدة.
والثاني: لا ينتقض؛ لأن الوضوء إنما ينتقض بما أحالته المعدة، ثم انحط منها إلى المخرج.
وإن لم ينسد [المخرج] المعتاد، وانفتحت على بطنه ثقبةٌ يخرج منها المعتاد؛ فإن كانت فوق المعدة لا ينتقض الوضوء منه، وإن كانت دون المعدة فقولان:
فحيث قلنا: ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه، هل ينتقض بخروج غير المعتاد منه، وبخروج الريح، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما ينتقض؛ لأن كل مخرجٍ ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه- ينتقض
стр. 239
بخروج غير المعتاد منه؛ قياساً على المخرج المعتاد.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينتقض؛ لأنا نجعله كمحل الحدث في المعتاد خاصة، لضرورة أن الحيوان لا بد له من محلٌ حدثٍ، ولا ضرورة في غير المعتاد.
وكذلك هل يجب الوضوء بمس تلك الثقبة؟ وهل يجب الغسل بالإيلاج فيها؟
فعلى وجهين:
الأصح: لا يجب؛ كما لا يجب الحد بالإيلاج فيها، ولا يجب سترها عن الأبصار؛ فحيث قلنا: لا ينتقض الوضوء؛ فيجب غسل ذلك المحل بالماء. وإن قلنا: ينتقض الوضوء؛ فهل يجوز أن يقتصر على الحجر؟ نظر: إن كان الخارج غير معتاد لا يجوز؛ لأن الخارج والمخرج جميعاً غير معتادٍ. وإن كان الخارج معتاداً، فقولان:
إن اعتبرنا الخارج يجوز، وإن اعتبرنا المخرج لا يجوز، بل يجب الغسل بالماء.
وإذا بال أو تغوط، يجوز له الاقتصار على الحجر، وإن عدا المخرج، إذا لم يتفاحش، فإن تفاحش لا يجوز. هذا هو المذهب.
وفيه قولٌ آخر: إذا عدا المخرج لا يجوز.
وفيه قول ثالث: يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين. وعلى هذا القول يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة.
والأول أصح.
والمرأة في الاستنجاء من الخلاء كالرجل في البول، يجوز لها الاقتصار على الحجر، إن كانت بكراً. وإن كانت ثيباً، فالغالب أنها إذا بالت تعدى البول إلى أسفل فرجها، فإن تحقق ذلك وجب الغسل بالماء، وإلا فيجوز الاقتصار على الحجر [والخنثى المشكل إذا خرج البول من أحد عضويه، فيجب عليه الغسل بالماء، ولا يجوز الاقتصار بالحجر] لاحتمال أن العضو الذي يمسحه بالحجر عضوٌ زائد.
وإذا خرجت النجاسة من غير الفرج يجب الغسل بالماء، فلو تغوط فقبل أن يستنجي بالماء قام حتى انضمت أليتاه- وجب الغسل بالماء؛ لتحول النجاسة عن المكان الذي لاقته عند الخروج، وكذلك لو لم يستنج حتى جف المحل وجب الغسل؛ لأن الحجر لا يقلع النجاسة بعد الجفاف.
стр. 240
ويجب في الاستنجاء استعمال الحجر؛ حتى يحصل النقاء؛ وهو ألا يبقى إلا أثر لاصق، لا يزيله إلا الماء. ثم إن حصل ذلك بحجر، أو بحجرين- يجب إكمال الثالث؛ لقوله ﵇: "وليستنج بثلاثة أحجار". وإن لم يحصل النقاء بثلاثة أحجارٍ، يجب أن يزيد، ثم إذا حصل النقاء بعد الثالث بشفع، يستحب أن يزيد واحداً؛ حتى يختم بالوتر، وإن لم يزد جاز؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "من استجمر فليوتر، ومن لا فلا حرج".
وقال مالك: "إذا حصل النقاء بأقل من ثلاثة أحجار- لا يجب إكمال الثالث؛ لهذا الحديث" [وعندنا هذا] فيما بعد الثالث؛ بدليل قوله ﵇: "وليستنج بثلاثة أحجار".
ولو استنجى بحجرٍ كبير في ثلاثة مواضع- كان كثلاثة أحجار.
واختلفوا في كيفية الاستنجاء بالحجر:
فقال أبو إسحاق: "يأخذ حجراً؛ فيضعه على مقدم صفحته اليمنى، ويديره إلى مؤخرها، ثم يأخذ الثاني؛ فيضعه على مقدم صفحته اليسرى، ويديره إلى مؤخرها، ثم يأخذ الثالث؛ فيمسح به المسربة".
وقال ابن أبي هريرة: "إذا فعل هكذا لا يكون ماسحاً جميع المحل بثلاثة أحجار، بل يأخذ حجراً؛ فيضعه على مقدم صفحته اليمنى على مكان طاهر، ويديره إلى مؤخر تلك الصفحة، ومن مؤخر صفحته اليسرى إلى مقدمها، ثم يأخذ الثاني؛ فيضعه على مقدم صفحته اليسرى، ويديره إلى مؤخرها؛ ومن مؤخر اليمنى إلى مقدمها، ويمر بالثالث على الصفحتين والمسربة".
وقيل: "يأخذ حجراً؛ فيضعه على مقدم المسربة، ويديره إلى مؤخرها، ويضع الثاني على مؤخرها، ويديره إلى مقدمها، ويحلق بالثالث".
[ولم ينقل العراقيون إلا الوجهين الأولين] وهذا كله بيان السنة. فلو استنجى بثلاثة أحجارٍ كيف شاء؛ بحيث لا تنتشر، وحصل النقاء- جاز.
стр. 241
وإنما قلنا: "يضع الحجر على مكانٍ طاهر"؛ لأنه إذا وضعه على محل النجاسة نشرها، ولم يجز بعده إلا الغسل بالماء".
وإنما قلنا: "يدير الحجر"؛ حتى يرفع كل جزء طاهر من الحجر جزءاً من النجاسة فلو جرفه انتقلت النجاسة من محل إلى محل؛ فيجب بعده الغسل بالماء.
ويستنجي بشماله؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى".
فلو استنجى بيمينه، كان مكروهاً، وسقط الفرض عنه؛ لأن الاستنجاء يحصل بالحجر؛ وهو صالحٌ للاستنجاء به.
وإذا بال، يجب أن يستبرئ بعده؛ وهو أن يمكث بعد البول ساعة، ويمشي خطوات، ويتنحنح، ويمر أصبعه على العرق الذي تحت أنثييه، ويجر ذكره بشماله؛ حتى يخرج ما فيه من بقية البول، ثم يمر ذكره على حجرٍ، أو ارض، أو جدارٍ في ثلاثة مواضع بشماله، فإن لم يجد إلا حجراً صغيراً أخذه بين عقبيه، فإن لم يمكنه أخذه بيمينه ويمر عليه قضيبه بشماله؛ بحيث لا يحرك يمينه؛ حتى لا يكون مستنجياً بيمينه فلو أمر القضيب على مكانٍ واحد مرتين يجب الغسل بالماء؛ لأن بعض ما زايله من النجاسة في المسحة الأولى يعود إليه في الثانية.
فصلٌ فيما يجوز به الاستنجاء
قال النبي ﷺ : "وليستنج بثلاثة أحجار" ونهى عن الروث والرمة. والاستنجاء لا يختص بالحجر؛ لأن النبي ﷺ لما نهى عن الروث والرمة دل ذلك على أن الحكم غير مقصورٍ على الحجر، بل يجوز بكل جامدٍ طاهرٍ قالعٍ غير محترم؛ كالمدر والخرف والخشب وغيرها. ولا يجوز بمائع غير الماء، ولا بشيء رطب، ولا بشيء نجس؛ كالرجيع، وعظم الميتة ونحوها. فلو استنجى بشيء منها لا يسقط الفرض عنه، ويجب الغسل بالماء؛ لأنه حدثت هناك نجاسةٌ أجنبية، ولا يجوز أن يستنجي بحجر قد استنجى به مرةً، إلا أن يغسل بالماء ويجفف.
стр. 242
ولو استنجى بالحجر الثاني والثالث، ولم يتعلق به شيءٌ من لوث- جاز الاستنجاء به. ولو استنجى بشيء أملس من زجاجٍ، أو قصبٍ، أو حديدٍ أملس- لا يسقط الفرض عنه؛ لأنه لا يقلع النجاسة، ويجب الغسل بالماء؛ لأنه ينشر النجاسة.
ولو استنجى بمحترمٍ من مطعومٍ، أو ورق مصحفٍ، أو عضوٍ من أعضاء حيوانٍ يعصي الله تعالى، وهل يسقط الفرض عنه؟
إذا كان قالعاً فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه معصيةٌ.
والثاني: يسقط؛ لأنه قلع النجاسة.
فإن قلنا: لا يسقط، فلو استنجى بعده بالحجر يجوز؛ لأنه لم ينشر النجاسة ولم يزدها.
ولو استنجى بشيء مأكول ما في جوفه؛ كالجوز واللوز ونحوه- يكره، ويسقط الفرض عنه. فإن زايله القشر؛ فاستنجى بقشره- لم يكره.
ولو استنجى بعظمٍ ذكي طاهرٍ، يعصي الله تعالى؛ لأنه مطعومٌ؛ روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن".
ثم إن كان العظم عليه زهومةٌ لا يسقط الفرض عنه، ويجب الغسل بالماء لأنه لا يقلع النجاسة، بل ينشرها.
وإن كان قالعاً، فوجهان.
ولو استنجى بجلد طاهرٍ، فيه ثلاثة أقوال:
قال في رواية عن حرملة: "لا يجوز؛ لأنه في معنى الرمة".
وقال في رواية البويطي: "يجوز؛ لأنه طاهرٌ قالعٌ؛ كالحجر".
وقال في "الأم"- وهو الأصح-: "إن كان مدبوغاً يجوز؛ سواء كان جلد ذكي، أو جلد ميتةٍ؛ لأنه تحول بالدباغ عن طبع اللحم إلى طبع الثياب. وإن كان جلد ذكي لم
стр. 243
يدبغ- لا يجوز؛ لأنه طعام؛ فإن الشاة قد تسمط؛ فيؤكل جلدها، فإن كان عليه شعرٌ يحول بين النجاسة والجلد، فاستنجى بالوجه الذي عليه الشعر- يجوز مع الكراهية".
ويجوز الاستنجاء بالقابس والفحم الصلب.
وقال في رواية البويطي: "ولا يستنجى بعظمٍ ولا حممةٍ، وقد جاء ذلك في الحديث".
قيل: أراد بالحمم': العظم المحترق.
وقيل: أراد بها: الفحم الرخو الذي يتناثر إذا أصابه غمزٌ فلا يقلع النجاسة، وأما التراب: فقد نص على أن الاستنجاء به؛ لأنه يلتصق بالمحل؛ فلا يقلع النجاسة.
وقيل: يجوز؛ لأن ما يلتصق بالمحل في المرة الأولى يتناثر في الثانية.
ولو بال أو تغوط ثم توضأ قبل الاستنجاء- يصح وضوؤه. ولو تيمم قبل الاستنجاء، ففيه قولان:
أحدهما: [يصح] تيممه؛ كالوضوء.
والثاني- وهو الأصح-: لا يصح تيممه، بخلاف الوضوء؛ لأن الوضوء يراد لرفع الحدث؛ فجاز أن يرفع الحدث، وثم مانعٌ عن الصلاة؛ ولذلك جاز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت. والتيمم يراد للصلاة؛ ولذلك جاز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت. والتيمم يراد للصلاة؛ ولذلك لا يجوز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت.
وإذا تيمم قبل الاستنجاء، لا يعقبه استباحة فلم يجز.
ولو تيمم وعلى بدنه نجاسةٌ في غير محل الاستنجاء- هل يصح تيممه؟
стр. 244
فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ كما لو كان على محل الاستنجاء.
والثاني: يصح- وهو الأصح-؛ لأن النجاسة على البدن لا تزال إلا بالماء؛ وهو عادمٌ للماء، فلو لم يصح تيممه امتنع عليه أداء الصلاة، وفي محل الاستنجاء يمكنه أن يستنجي بالحجر، ثم يتيمم؛ حتى لو كان معه ما يكفي لإزالة النجاسة؛ فتيمم قبل غسلها- لم يصح تيممه؛ لإمكان إزالتها قبل التيمم.
وقال الشيخ أبو زيد: "التيمم قبل الاستنجاء صحيحٌ، ثم إن طلب الماء للاستنجاء، بطل تيممه، وغن استنجى بحجرٍ، ولم يطلب الماء لا يبطل تيممه.
باب الحدث
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ [أو] أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ... الآية﴾ [النساء: ٤٣].
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة من أحدث؛ حتى يتوضأ".
стр. 245
نواقض الوضوء أربعةٌ:
- خروج الخارج من أحد السبيلين.
- والغلبة على العقل.
- ولمس الرجل المرأة.
- ومس الفرج ببطن الكف.
فإن خرج من أحد فرجيه شيء؛ معتاداً كان أو غير معتادٍ؛ عيناً أو ريحاً؛ خرجت من الدبر أو من القبل- ينتقض وضوؤه؛ حتى لو أدخل في [إحليله] قطنةً؛ فخرج قليل منها- أينتقض وضوؤه؟ وبالإدخال لا يبطل.
وقال ربيعة: "خروج غير المعتاد لا ينقض الوضوء"؛ وبه قال مالك، إلا في دم الاستحاضة.
وقال أبو حنيفة ﵀: "خروج الريح من القُبل لا ينقض الوضوء، وإذا زال عقله بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو مرضٍ، أو سكرٍ- ينتقض وضوؤه، قل ذلك أو كثر؛ على أي حالٍ كان".
وقيل: "قل من يغمى عليه إلا وينزل، فإن تيقن الإنزال وجب الغسل، وإن لم يتيقن يستحب أن يغتسل، ولا يجب".
وأما النوم: فأوائله؛ وهو النعاس لا توجب الوضوء، فإن تمكن من النوم ينتقض وضوؤه، قل ذلك أم كثر؛ سواء كان في الصلاة، أو خارج الصلاة؛ على أي حال كان؛ قائماً أو ساجداً، إلا أن ينام قاعداً متمكناً بمقعدته من الأرض، فلا ينتقض وضوؤه؛ على ظاهر المذهب؛ سواء كان مستنداً، أو لم يكن؛ لأن النوم لا ينقض الوضوء بعينه، ولكن تسترخي به المفاصل، فيتيسر خروج الخارج منه، وهو لا يشعر، فنومه على هذه الصفة كان حدثاً، وإذا نام قاعداً، فلا يخرج منه شيء إلا هو يشعر به؛ فلم ينتقض الوضوء.
وقال في رواية البويطي؛ وهو اختيار المزي: "إنه ينتقض وضوؤه" وجعل النوم حدثاً
стр. 246
على أي حال كان؛ لما روي عن علي- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وكاء السه العينان؛ فمن نام فليتوضأ". وهذا على ظاهر المذهب محمولٌ على غ ير حال القعود؛ لما روي عن أنسٍ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء؛ فينامون قعوداً؛ حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضوؤن. فلو نام قاعداً فسقط؛ نظر: إن انتبه قبل أن زالت مقعدته- لم ينتقض وضوؤه وغن لم ينتبه حتى زالت مقعدته- ينتقض وضوؤه".
وقال مالك: "قليل النوم لا ينقض الوضوء".
стр. 247
وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا نام على هيئةٍ من هيئات الصلاة- لا ينتقض وضوؤه، وإن لم يكن في الصلاة؛ حتى يستلقي أو يضطجع".
وللشافعي- ﵀ قول في القديم: "أن من نام في الصلاة، لا ينتقض وضوؤه".
فصلٌ في الملامسة
قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
قال عبد الله بن عمر: "قبلة الرجل امرأته، وجسها بيديه من الملامسة" فمن قبل امرأته، أو جسها بيديه؛ فعليه الوضوء. وإذا لمس الرجل امرأته، أو أمته، أو أجنبية؛ وهو أن تصيب بشرته بشرتها، ولا حائل بينهما- ينتقض وضوؤه بأي عضوٍ؛ لمس بشهوة أو غير شهوةٍ؛ عمداً أو سهواً؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود.
وكذلك إذا لمسته المرأة، ينتقض وضوؤها؛ وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك.
وفي الملموس قولان:
أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ لأنهما يشتركان في ابتغاء اللذة؛ كما أنهما يستويان في وجوب الغسل عليهما بالجماع".
وقال في رواية حرملة: "لا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الفعل من اللامس دونه".
وقال الحسن: "لا ينتقض وضوؤه باللمس"؛ وهو قول ابن عباس.
وقال أبو حنيفة: "لا ينتقض إلا أن يتجردا، ويتعانقا، وينشر لها".
وقال مالك: "إن لمس بشهوة ينتقض، وإن كان وراء حائلٍ، وإن كان بغير شهوةٍ لا ينتقض".
وعندنا: وراء الحائل لا ينقض الوضوء؛ سواء كان الحائل رقيقاً، أو صفيقاً. ولو لمس شعر امرأة، أو ظفرها، أو سنها- لا ينتقض الوضوء؛ لأن لا يلتذ بلمس الشعر والسن والظفر، إنما يلتذ بالنظر إليها.
стр. 248
ولو لمس امرأة من محارمه؛ بنسبٍ، أو رضاع، أو صهرته- فقولان:
أصحهما: لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الله - تعالى- سلب الشهوة عن قلوب الرجال على محارمهم؛ فهو كما لو لمس رجل رجلاً، أو امرأةٌ امرأةً.
والثاني: ينتقض؛ لظاهر القرآن.
فإن قلنا: بالأول، فلا ينتقض، وإن كان شهوةٌ؛ كما لو لمس رجلٌ رجلاً بشهوة.
ولو لمس صغيرةً أجنبية لا تشتهى، فعلى هذين القولين. ولو لمس صغيرةً من محارمه، ترتب على الكبيرة: إن قلنا ثم: لا ينتقض وضوؤه، فها هنا أولى وإلا فوجهان.
والمذهب أنه لا ينتقض؛ لأنه اجتمع فيها سببان لسلب الشهوة: الصغر، والمحرمية.
ولو لمس عجوزةً لا تشتهى، أو امرأة ميتةً: قيل: فيه وجهان [وهو طريقة العراقيين] كالصغيرة.
وقيل- وهو الأصح-: ينتقض وضوؤه؛ كما لو لمس يداً شلاء من امرأة حيةٍ.
ولو لمس يداً، أو عضواً قطعت من امرأة- لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الحكم معلقٌ بلمس المرأة؛ وذلك العضو لا يسمى امرأةً.
فصلٌ في مس الفرج
روي عن بسرة بنت صفوان؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
стр. 249
وقالت عائشة- ﵂: "إذا مست المرأة فرجها توضأت".
إذا مس رجل ذكر نفسه، أو ذكر غيره؛ من صغير أو كبير؛ حي أو ميت؛ قريب أو أجنبي، أو ذكراً سُل من حي؛ ببطن الكف، أو بطن الأصابع- ينتقض وضوؤه، ولا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الحكم علق باللمس، ولم يوجد ذلك من الملموس وكذلك المرأة إذا مست فرجها، أو فرج غيرها- ينتقض وضوؤها؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن عباسٍ، وسعد بن أبي وقاصٍ، وجماعةٍ من التابعين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وابن المبارك: "لا ينتقض الوضوء بمس الفرج"؛ وهو قول علي، وابن مسعود.
وقال مالك: "إن مس قصداً، ينتقض [الوضوء] ".
ولو مس بظهر الكف أو بالساعد- لا ينتقض ولو مس برؤوس الأصابع، أو بما بين
стр. 250
الأصابع- نظر: إن كان مما يلي بطن الكف ينتقض وإن مس بموضع الاستواء، فوجهان:
أصحهما: لا ينتقض.
ولو مس ببطن أصبعٍ زائدةٍ، فإن كانت على سنن الأصابع الأصلية ينتقض وضوؤه، وإلا فلا.
ولو مس بيده الشلاء، ينتقض [وضوؤه].
ولو كانت له كفان، فإن كانتا عاملتين؛ فبأيهما مس ينتقض وضوؤه. فإن كانت إحداهما عاملةً، فإن مس ببطن العاملة ينتقض وإن مس ببطن الأخرى، لا ينتقض.
ولو مس أنثييه، أو أليتيه، أو أعجازه، أو عانته- لا ينتقض وضوؤه وكذلك لو مست المرأة ركبها: وهو ما ظهر من الفرج- لا ينتقض حتى تمس أحد طرفي فرجها.
ولو مس ذكراً مقطوعاً، أو قطع جزءاً منه؛ فمسه- فوجهان:
أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ بخلاف ما لو مس يداً مقطوعة من امرأة؛ لأن لمس المرأة غير موجود هناك، وهاهنا مس الذكر موجود.
وكذلك لو مس البقية الباقية من مجبوبٍ، ينتقض. ولو مس حلقة الدبر، ينتقض وضوؤه؛ على القول الجديد؛ وهو المذهب؛ لأنه أحد الفرجين؛ كالذكر.
وقال في القديم، وبه قال مالكٌ: "لا ينتقض".
ولو خلق لرجل ذكران، فإن كانا عاملين؛ فأيهما مس ينتقض وضوؤه. وإن كان أحدهما عاملاً، فإن مس العامل ينتقض وضوؤه، وغن مس غير العامل لا ينتقض.
ولو مس فرج بهيمةٍ، لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا حرمة لها؛ بدليل أنه لا يحرم النظر إليها، ولا يعتد عليها بوجوب التستر.
أما الخنثى المشكل: ففي مس الدبر كالواضح، أما في مس القبل، فيؤخذ في أمره باليقين، ويطرح الشك؛ فكل موضع يحتمل بقاء طهره، ويحتمل انتفاضه- لا يحكم بانتقاضه؛ حتى يتحقق قطعاً. فإذا مس الخنثى ذكر نفسه، لا ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال أنه
следующие страницы →