← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

نظر: إن نسب الزنا إلى حالة النكاح-: يجب، ولها إسقاطه باللعان، وإن لم ينسبه-: فلا يجب، وهل لها معارضته باللعان؟ [فيه وجهان]: أصحهما: لا يلاعن، [وهل تتأبد الفرقة؟ فيه وجهان: أصحهما: تتأبد] وكل موضع لم نجوز اللعان إلا لنفي الولد ههنا، وفيما لو قامت بينة على زناها أو صدقته-: سقط اللعان، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه. وإن كان ثم حمل يريد نفيه-: فهل له أن يلاعن؟ فيه قولان؛ بناءً على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ إن قلنا: يعرف- وهو الأصح- فله أن يلاعن؛ وألا فلا، بخلاف صلب النكاح: يجوز أن يلاعن فيه؛ لنفي الحمل؛ لأنه يتعلق به- سوى نفى الولد- أحكام في صلب النكاح؛ بدليل أنه يجوز اللعان عند عدم الولد، وبعد البينونة: لا يتعلق به سوى نفي الولد؛ فيشترط حقيقته. وكل موضع جوزنا اللعان لنفي الحمل-: فله تأخير اللعان إلى حروجه؛ لأنه قد يتبين ريحاً بنفس، فإذا لاعن، ثم بان ريحاً: فإن كان اللعان في صلب النكاح-: لا حد عليه، وإن كان بعد البينونة [بان أن اللعان لم يكن صحيحاً]، وعليه الحد. وقال أبو حنيفة لا يجوز اللعان على الحمل؛ فإن فعل-: تعلق به أحكامه، غير أن الولد يلحقه لحوقاً لا يمكنه نفيه. ولو وطئ امرأة بشبهة أو بنكاح فاسد، ثم قذفها، وأراد اللعان- نظر: إن كان ثم ولد يلحقه يريد نفيه-: فله أن يلاعن لنفيه، وإن كان حمل-: فعلى القولين، وإن لم يكن ولد-: فلا لعان له، ويحد حتى لو كان جاهلاً بفساد النكاح، فلاعن عند عدم الولد، ثم ظهر فساده-: بان أن اللعان لم يكن صحيحاً، ولم يسقط عنه الحد، ولم تتأبد الفرقة. وإذا لاعن لنفي الولد-: سقط عنه الحد، ولا يجب عليها حد الزنا، وهل لها معارضته باللعان؟ فعلى الوجهين [هل تتأبد الفرقة فيه وجهان]: الأصح: تتأبد. وعند أبي حنيفة: القذف في النكاح الفاسد لا يثبت اللعان؛ كما في الزنا. قلنا: في الزنا لا يلحقه النسب، وههنا يلحقه، فنقول: نسب يلحقه لا بملك اليمين؛

стр. 2522

فله نفيه باللعان؛ كما في النكاح الصحيح، ويخرج عليه لو وطئ امرأة على ظن أنه يطأ أمته فولدت-: له اللعان؛ لأنه يلحقه لا بملك اليمين، والله أعلم. فَصْلُ إذا ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها فأنكر، فأقامت شاهدين على أنه قذفها: قال الشافعي- ﵁: له أن يلاعن. قال أصحابنا: فيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يسكت الزوج عن جوابها، فأقامت شاهدين على أنه قذفها؛ فله أن يلاعن. الثانية: أن يقول الزوج في جوابها: ما قذفتك، ولا زنيت، فأقامت شاهدين؛ يجب عليه الحد، ولا لعان له، لأنه نفي زناها، فكيف يقول في اللعان: إني لمن الصادقين فيما رميتها، وكذلك لو [قذفها، ثم] قال: كذبت ما زنيت-: حد، ولا لعان. الثالثة: أن يقول: ما قذفتك، ولم يزد عليه، فأقامت شاهدين-: سئل عن قوله: ما قذفت: فإن قال: عنيت به أن القذف ما يكون باطلاً، وما قلت لها: إنها زنت-: كان صادقاً؛ فله أن يلاعن. وكذلك لو قال: أنكرت القذف، ولكن أنشئه الآن، فقذفها، فله أن يلاعن، ولا حد عليه بعد اللعان. ولو لم ينشئ قذفاً ولا أول قوله: ما قذفتك بشيء، فهل له أن يلاعن؟ فيه وجهان أحدهما: له أن يلاعن؛ لأنه لم ينكر زناها، إنما أنكر القذف، فمعناه: أن القذف ما يكون باطلاً وكذباً، وما قلته صدق، أو أنه- وإن أنكر القذف- فالبينة ردت إنكاره، فإقباله على اللعان كأنه يقول: مع أني لم أقذفها فهي زانية؛ فيصير كما لو أنشأ قذفاً آخر. والوجه الثاني: لا لعان له مع إنكاره القذف، والنص محمول على ما إذا أول كلامه بما قلناه. فَصْلُ فِي تَعَدُّدِ القَذْفِ إذا تعدد القذف من واحد- فلا يخلو: إما أن قذف شخصاً واحداً مراراً، أو قذف جماعة:

стр. 2523

فإن قذف واحد مراراً- نظر: إن أراد بالكل زنية واحدة بأن قال: زنيت بعمرة؛ [قاله مراراً]، أو قال لامرأة زنيت بزيد، أعاده مراراً-: فلا يجب إلا حد واحد. ولو أنشأ الثاني بعد ما حد الأول-: يعذر للثاني، وإن قذفها بزنيات مختلفات بأن قال: زنيت بزيد، ثم قال: زنيت بعمرو- فهل تعدد الحدود أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: تتعدد اعتباراً باللفظ، ولأنه من حقوق العباد؛ فلا يقع فيه التداخل كالديون؛ وعليه نص من بعد. والثاني- وهو الأصح-: تتداخل؛ فلا يجب إلا حد واحد؛ لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد؛ كحدود الزنا: تتداخل. فإن قلنا: لا يجب إلا حد واحد، فلو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول-: ففيه وجهان: أحدهما: يعزر للثاني؛ كما لو كان بزنية واحدة. والثاني: يحد ثانياً، كما لو شرب الخمر فحد، ثم شرب ثانياً: يحد ثانياً. ولو قذف زوجته مراراً-: يكتفي بلعان واحد، سواء قلنا: تتعدد الحدود أو لا تتعدد، وقد ذكر أنه لو قذفها بجماعة، قال: سماهم في اللعان، وسقط حدودهم، وهذا أصح. وقيل: إن قلنا: تتعدد الحدود-: يتعدد اللعان. وإن قلنا: لا تتعدد الحدود-: يكتفي بلعان واحد. ولو قذفها فلاعن، ثم قذفها ثانياً-: فقد ذكرنا حكمه من قبل. ولو قذفها مرتين: أحدهما يثبت اللعان دون الآخر، بأن قذفها قبل النكاح، ثم قذفها بعد النكاح: فإن قلنا: يتعدد الحد-: فله إسقاط الثاني باللعان، وحد للأول. وإن قلنا: لا يتعدد، فإن لم يلاعن-: حد لهما حداً واحداً، وإن يلاعن عن الثاني-: حد للأول، وإذا حد الأول قبل اللعان-: سقط الثاني، ولا لعان له إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه: فله أن يلاعن. وكذلك: لو قذف زوجته، فأبانها قبل اللعان، ثم قذفها ثانياً بعد البينونة، لأن الأول ثبت باللعان دون الثاني. أما إذا قذف جماعة معدودين- نظر: إن قذف كل واحد بكلمة-: يجب عليه لكل واحد حد كامل.

стр. 2524

وعند أبي حنيفة: لا يجب إلا حد واحد، [بناء على أن حد القذف عنده حق الله تعالى؛ فيتداخل؛ كما لو زنا مراراً: لا يجب إلا حد واحد]. ولو قذف أربع نسوة بكلمات-: عليه أربعة حدود، [فإذا أراد اللعان]-: عليه أن يلاعن عن كل واحدة على الانفراد، وليس له أن يجمع بينهن بلعان واحد، ويبدأ بلعان من بدأ بقذفها؛ لأن حقها أسبق. وإن قذفهم بكلمة واحدة، فقال لهن: يا زناة، أنتن زناة، أو زنتين-: ففيه قولان: أصحهما- وهو قوله الجديد-: يجب لكل واحد حد كامل؛ لأنه من حقوق العباد؛ [فلا تتداخل]، ولأنه أدخل على كل واحدة معرة؛ فصار كما لو قذفهم بكلمات. وفي القديم: لا يجب للكل إلا حد واحد اعتبار باللفظ؛ فإن اللفظ واحد حتى لو حضر واحد، وطلب الحد، فحد-: له يسقط حق الباقين. والأول أصح حتى لو قال لرجل يابن الزانيين-: يكون قاذفاً لأبويه [بكلمة واحدة]-: فعليه حدان. ولو قذف أربع نسوة بكلمة واحدة، فقال: أنتن زناة، إن قلنا: يتعدد الحد-: يتعدد اللعان، وإن قلنا: لا يتعدد الحد-: فهل له الجمع بينهن في لعان واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل يلاعن كل واحدة على الانفراد؛ لأنها أيمان توجهت عليه لجماعة؛ كما لو ادعى عليه جماعة كل واحد حقاً، فأنكر-: حلف في حق كل واحد يميناً. والثاني: له الجمع بينهن، لأنها يمين له لا عليه؛ كما لو ادعى على جماعة مالاً وأقام شاهداً-: حلف معه يميناً واحدة عليهم. وكذلك لو نكلوا: حلف عليهم يميناً واحدة، فإن منعنا الجمع، فتشاححن-: أقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها-: بدأ بلعانها. ولو بدأ بواحدة من غير قرعة. قال الشافعي- ﵁: رجوت ألا يأثم. وإن جوزنا الجمع، فلاعن عنهن-: وجب عليهن جميعاً حد الزنا، ثم من لاعنت-: سقط عنها الحد، ومن أبت-: حدت حد الزنا. ولو قذف امرأته وأجنبية بكلمتين-: عليه حدان، فإن لاعن عن زوجته-: سقط حدها، ويحد للأجنبية، حتى لو قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية-: فهو قاذف لها ولأمها،

стр. 2525

فإن لاعن عن زوجته: حد لأمها، وإن امتنع عن اللعان-: يحد حدين، فمن حضرت منهما وطلبت حدها-: حد لها، وإن حضرتا معاً-: بأيهما يبدأ؟ فيه أوجه: أصحهما: يحد للأم؛ لأن حقها أعظم، ولأن حق البنت يعرض للسقوط، فربما يبدو له أن يلاعن. والثاني: يبدأ بحد البنت؛ لأنه قدمها في اللفظ. والثالث: يقرع بينهما. وعند أبي حنيفة يحد للأم، ويسقط اللعان. ولو قذف زوجته وأجنبية بكلمة واحدة: فإن قلنا بظاهر المذهب: إنه تتعدد الحدود-: فيلاعن عن الزوجة، ويحد للأجنبية. وإن قلنا: لا يتعدد الحد: فإن لاعن عن الزوجة-: يحد للأجنبية، وإن لم يلاعن-: حد لهما حداً واحداً، حتى لو طلبت الأجنبية حدها، فحد لها-: سقط الحد واللعان في حق الزوجة، إلا أن يكون ثم ولد فله أن يلاعن لنفيه. ولو عفت أحداهما للأخرى-: طلبت حدها على القولين جميعاً. ولو قال لامرأته وأمها: أنتما زانيتان، ولم يلاعن عن زوجته، وقلنا: يتعدد الحد-: فبأيهما يبدأ؟ فيه وجهان: أظهرهما: يحد للأم. والثاني: يقرع بينهما، فحيث أوجبنا عليه حدين. إما الواحد أو الاثنين: فإذا أقيم أحد الحدين-: لا يقام الثاني، حتى يبرأ جلده عن الأول. وإن كان القاذف عبداً: هل يوالى عليه بين الحدين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنهما حدان، فلا يقام الثاني ما لم يبرأ جلده عن الأول. والثاني: يجوز؛ لأنه ليس فيه إلا موالاة ثمانين جلدة، وذلك لا يمتنع؛ كالحر إذا قذف واحداً؛ يوالي عليه ثمانين جلدة، والله أعلم. بَابُ أَيْنَ يَكُونُ اللِّعَانُ، وَكَيْفِيَّتِهِ؟ رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ عُوَيْمِراً العَجْلاَنِي قَالَ: يَا رَسُولَ الله [أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله- ﷺ : "قَدْ أَنْزَلَ الله] فِيكَ وَفِي

стр. 2526

صَاحِبَتكَ قُرْآناً، فَاذْهَبْ فَاتِ بِهَا، قَالَ سَهْلُ: فَتَلاَعَنَّا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ . اللعان لا يصح إلا عند السلطان، أو الحاكم، أو عدول يعينهم الحاكم، لأنه يمين في دعوى كاليمين في سائر الدعاوى، ويؤكد اللعان بأربعة أشياء: باللفظ، والزمان، والمكان والجمع. أما باللفظ: فخمس كلمات من كل جانب، فلإتيان بها واجب؛ لا يجوز الإخلال بها. وأما المكان: ففي أشرف الأماكن في البلدان كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان في المدينة: فعند المنبر، وهل يصعد المنبر؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يصعد؛ لما روي أن النبي- ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته على المنبر. والثاني: لا يصعد المنبر؛ والخبر محمول على أنه كان عند المنبر، أو كان النبي- ﷺ على المنبر. والثالث: إن كان في القوم كثرة، فعلى المنبر؛ ليراه الناس، فإن لم يكن: فعند المنبر. وإن كان ببيت المقدس: فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في المسجد الجامع عند المنبر، وهل يصعد المنبر؟ فعلى الأوجه الثلاثة. وأما الزمان: فبعد العصر؛ قيل في تفسير قوله : ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ١.٦] أي: بعد صلاة العصر، ويستحب يوم الجمعة بعد العصر. وأما الجمع: فيلاعن بمحضر جماعة من الأعيان، وأقلهم أربعة؛ لأن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروا اللعان على حداثة سنهم؛ فدل أنه كان بمحضر جماعة من الرجال، حتى اجتمع معهم الأحداث والصبيان. ثم التغليظ بالجمع مستحب، فلو لاعن الحاكم بينهما وحده-: يحسب كما لو أقام الحد وحده. وأما التأكيد بالمكان والزمان-: فواجب أم مستحب؟ فيه قولان: وقيل: القولان في التغليظ بالمكان. أما التغليظ بالزمان: فمستحب كالجمع، وإن كانت المرأة حائضاً-: لاعنت على باب

стр. 2527

المسجد، ويخرج إليها الحاكم. وإن كانت غير برزة-: بعث إليها الحاكم من يلاعن بها، ويستحب أن يبعث معه أربعة، ويلاعن بين الذميين، حيث يعظمونه من البيعة والكنيسة، ويجوز في المسجد إلا المسجد الحرام. وإن كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية: لاعن الزوج في المسجد، والمرأة حنث يعظمونه، والمجوس تلاعن في المسجد، أو في مجلس الحكم، ولا يلاعن بينهما في بيت النار؛ لأنه ليس له أصل في الشرع. وقيل: يلاعن في بيت النار؛ لأن المقصود ردعه، وهو أردع عنده. والوثني ومن دان دين الزنادقة. إذا دخلوا إلينا بأمان-: يلاعن الحاكم بينهم في مجلس الحكم، ويحلفون بالله، وإن كانوا لا يعتقدون حرمة اللفظ؛ لأن الشرع لم يأذن في التحليف إلا بالله، وقد يلحقهم شؤمه؛ فإن اليمين الغموس تذر الديار بلاقع. وإذا أراد الحاكم أن يلاعن بين الزوجين-: يبدأ بالرجل فيقيمه، والمرأة جالسة، فيلقنه كلمات اللعان، فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان من الزنا، فيقوله الزوج، ويسمى المرأة وأباها، إن كانت غائبة، وإن كانت حاضرة يشير إليها، فيقول: فيما رميت به هذه، ولا يحتاج إلى التسمية مع الإشارة؛ كما في الطلاق، ولو سماها مع الإشارة-: جاز، وإن كان قذفها برجل بعينه سمى المرمى به، فيقول فيما رميتها به من الزنا بفلان بن فلان. وإن قذفها برجلين فأكثر-: سماهم، وإن كان هناك ولد يريد نفيه-: يقول: وإن هذا الولد لمن الزنا، ما هو مني، وإن كان حمل-: يقول: هذا الحمل من الزنا، ما هو مني، فلو قال: هذا الولد ليس مني، ولم يقل: من الزنا-: لم ينتف؛ لأنه يحتمل أنه يريد ليس مني في الخلق والخلق، ولو قال: هذا الولد من الزنا، ولم يقل: ليس مني-: ينتفي عنه، لأن ولد الزنا لا يلحق به. وقيل: لا ينتفي حتى يقوله؛ لأنه قد يعتقد أن الوطء في النكاح بلا ولي زنا. والأول أصح؛ هكذا يقول أربع مرات بعد تلقين الحاكم، حتى لو أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم-: لا يكون محسوباً، ويقول في الخامسة: قل: علي لعنة الله، إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة بنت فلان، ويذكر المرمي به ونفي الولد، فيقوله الزوج، وبعد فراغه من الكلمات الأربعة قبل كلمة اللعن-: يوقفه الحاكم ويعظه، ويقول: اتق الله؛ فإني أخشى أن تبوء بلعنة الله، إن كنت كاذباً ويقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ

стр. 2528

وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، فإن أبى إلا المضي فيه-: أمر رجلاً حتى يضع يده على فيه، ويقول له: اتق الله؛ فإن قولك: "علي لعنة الله" موجبة للعن والعذاب، إن كنت كاذباً، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن أبى إلا المضي-: لقنه، وإن نسي نفي الولد أو الحمل في اللعان-: أعاد اللعان لنفيه. ولا يجب على المرأة إعادة اللعان، إن كانت قد لاعنت، وإن كان قد قذفها برجل بعينه-: هل يحد حداً أم حدين؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو قذفها وأجنبية. ومنهم من قال ههنا: لا يلزمه إلا حد واحد، بخلاف ما لو قذفها وأجنبية؛ لأن القذف هنا بزناءين وههنا [القذف] بزنا واحد. وكذلك لو قال لأجنبية: زنيت بفلان-: فيلزمه حد واحد أو حدان؟ فعلى طريقين؛ والأصح: أنه على قولين إلا أن ههنا. إذا سمى المرمي به في اللعان-: سقط حده؛ كما سقط حدها على القولين جميعاً؛ حتى لو قذفها بجماعة، فسماهم-: سقط حدودهم جميعاً. وإن لم يسم المرمي به في اللعان-: هل يسقط حده؟ فيه قولان: أحدهما-: وهو اختيار المزني يسقط؛ كما يسقط حدها؛ لأنه ظهر باللعان صدقه. والثاني: [لا يلاعن] ولا يسقط؛ لأنه لم يلاعن عنه، فعلى هذا: إذا أراد إسقاط حده-: أعاد اللعان، فحيث قلنا: يسقط حد المرمي به-: لا يجب عليه حد الزنا؛ بخلاف المرأة؛ لأن حدها يسقط باللعان؛ فوجب باللعان. وحد الأجنبي لو وجب-: لم يسقط باللعان. ولو أقرت المرأة بالزنا: سقط عن الزوج حدها، وحد المرمي به باق إلا أن يلاعن؛ فيسقط. فإذا لاعن لإسقاط حد الأجنبي-: هل تتأبد الفرقة؟ قيل: تتأبد، ويحتمل غيره. وعند أبي حنيفة: لا يسقط حد الأجنبي، وإن سماه في اللعان، بل يحد للأجنبي بعد اللعان، وإن حد للأجنبي قبل اللعان-: سقط اللعان؛ لأن المحدود في القذف عنده لا يلاعن.

стр. 2529

ثم إذا فرغ الزوج من اللعان، وأرادت المرأة إسقاط حد الزنا عن نفسها باللعان-: أقامها الحاكم، ولقنها كلمات اللعان، فيقول: قولي: أشهد بالله إن زوجي فلان بن فلان، تسميه إن كان غائباً، وتشير إليه إن كان حاضراً، لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول المرأة هكذا يلقنها أربع مرات، ويقول في الخامسة قولي: علي غضب الله، إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فتقول المرأة هكذا، وقبل كلمة الغضب-: يوقفها الحاكم ويعظها، ويقول: اتق الله أن تبوئي بغضب من الله إن لم تكوني صادقة، فإن أرادت المضي-: أمر امرأة حتى تضع يدها على فيها، وتقول: قولك "علي غضب الله" كلمة حق موجبة إن كنت كاذبة. ولا يجب على المرأة ذكر الولد في اللعان، وأنه منه؛ لأنه لا فائدة فيه؛ فإنه لا يلحق الزوج بلعانها. ولو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان-: لا يتعلق به الحكم. وقال أبو حنيفة: أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل، إذا حكم به الحاكم. ولو ترك كلمة الشهادة، فقال بدلها: أحلف بالله، أو أقسم، أو آلي، أو قال: بالله هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ كما في أداء الشهادة. والثاني: يجوز؛ لأنه كناية عن اليمين. وإذا صرح به-: يضر، وكذلك: لو أبدل لفظ اللعن بالإبعاد، أو المرأة لفظ الغضب [بالسخط فعلى وجهين. ولو أبدل الرجل كلمة اللعن بالغضب، أو المرأة كلمة الغضب] باللعن-: لم يحسب. وقيل: يجوز إبدال الغضب باللعن؛ لأن الغضب أبلغ من اللعن، ولهذا خصت به المرأة؛ لأن المعزة بزناها أكثر، وفعلها أقبح، والأول أصح والترتيب واجب. فلو قدم الرجل كلمة اللعن على بعض الكلمات الأربع، أو المرأة قدمت كلمة الغضب-: لم يحسب؛ على الأصح، حتى تأتي بكل كلمة في موضعها.

стр. 2530

وقيل: يجوز. ولو فرق كلمات اللعان-: جاز، ولو بدأ بلعان المرأة-: لم يجز؛ لأن لعانها لإسقاط الحد، ولم يجب عليها الحد قبل لعانه. ويلاعن بالعربية إذا كان يحسنها، وهل يجوز العدول إلى غيرها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز بأي لسان كان؛ لأنه يمين كسائر الأيمان. والثاني: لا يجوز؛ لأن الشرع ورد به بالعربية؛ فلا يجوز بغيرها مع المقدرة؛ كأذكار الصلاة. وإن كان لا يحسن العربية-: يلاعن بلسانه، ثم إن كان القاضي يحسن لسانه لا يحتاج إلى مترجم؛ لكن المستحب أن يكون بحضرة أربعة ممن يحسن لسانه. وإن كان القاضي لا يحسن لسانه-: فلا بد من مترجمين، ويكتفي بمترجمتين في لعان المرأة؛ لأن لعانها لنفي الزنا. وفي لعان الزوج هل يتكفي بمترجمين، أم لا بد من أربعة؟ قيل: يكتفي بمترجمين؛ كما في جانب المرأة. وقيل: فيه قولان؛ بناءً على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين؟ وفيه قولان. ووجه الشبه بينهما: أن اللعان من الزوج قول يثبت به الزنا على المرأة؛ كالإقرار بالزنا، وإن لم يكتف في إثبات الإقرار بشهادة رجلين-: لا يكتفي في إثبات اللعان بترجمة رجلين. فَصْلُ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنْ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ- ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ الله اقْضِ بَيْنَنَا بِكَتَابِ الله، وَقَالَ الآخَرُ- وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا-: أَجَلْ يَا رَسُولُ الله، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله وَأَذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: تَكَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَا بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافَتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةِ شَاةٍ، وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي إِنَّما عَلَى ابْنِي جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدُّ إِلَيْكَ"، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَاماً، وَأَمَرَ أَنِيساً الأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأتِيَ امْرَأَةَ

стр. 2531

الآخَرِ: "فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا. إذا قذف رجل آخر بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه، والرجل غائب- فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف، ويخبره بأن فلاناً قذفك وثبت لك حد القذف عليه؛ كما لو ثبت له مال على آخر، وهو لا يعلمه-: يلزمه إعلامه. وعلى هذا المعنى: كان بعث النبي- ﷺ : أنيساً؛ ليخبرها أن فلاناً قذفها بابنه، ولم يبعثه ليتفحص عن زناها. وقد قال الشافعي- ﵁: وليس للإمام إذا رمي رجل بالزنا: أن يبعث إليه، فيسأله عن ذلك؛ لأن الله تعالى قال ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] أراد به إذا لم يكن القاذف معيناً؛ مثل: أن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون: إن فلانا زنى-: فلا يبعث الحاكم إليه، ويسأله، وكذلك: إذا سمع رجلاً يقول: زنى رجل من غير تعيين، أو في هذه السكة زان-: لا يتفحص عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١.١]. وكذلك: لو سمع رجلاً يقول: سمعت رجلاً يقول: فلان زان-: لا يحد به؛ لأنه حاك، ولا يسأله عن القاذف. أو أراد: أنه إذا قذف زوجته برجل بعينه، فطالبته المرأة بالحد، أعني طلبها عن طلب المرمي به؛ لأنه إذا لاعن سقط حد المرمي به؛ فلا فائدة في البعث إليه، وإخباره بعد سقوط حقه، والله أعلم. فَصْلُ روي عن ابن عمر؛ أن النبي- ﷺ قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب؛ لا سبيل لك عليها". إذا لاعن الرجل عن امرأته-: حرمت عليه على التأبيد، إن كان قبل الدخول-: يجب لها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول-: فلها كمال المهر المسمى، وعليها العدة، ولها السكنى، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً؛ كالمطلقة ثلاثاً، وإن نفى الحمل باللعان-: فلا نفقة لها، وهل تنقضي عدتها بوضع الحمل المنفي عنه؟ وجهان:

стр. 2532

أحدهما: لا تنقضي؛ كما لا تنقضي بوضع حمل الزنا. والثاني: تنقضي؛ لأنه انتفى عنه ظاهراً، ولو استلحقه: يلحقه؛ بخلاف حمل الزنا، وهل لها السكنى؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنها معتدة عن فرقة في الحياة. والثاني: لا؛ لأنها لم تحصن بمائة. قال الشيخ- ﵀: إن قلنا: تنقضي بوضعه عدتها-: يجب؛ وألا فلا. وإن قلنا: لا تنقضي به العدة، عليها أن تعتد بالأقراء بعد وضع الحمل، إذا كانت لا ترى الدم على الحمل، أو كانت تراه، وقلنا: لا يكون ذلك حيضاً، وإن جعلناه حيضاً-: فتعتد بأقصى الأمرين من الأقراء، أو وضع الحمل. ولو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان-: يقبل فيما عليه، ولا يقبل فيما له؛ حتى يجب عليه الحد، ولحقه النسب، ولها أن ترجع عليه بنفقة زمان الحمل. وإن أكذب نفسه بعد موتها-: يجب عليه نفقة زمان الحمل لورثته، ولا يرتفع تأبد التحريم، سواء كان بعد لعان المرأة، أو قبله، ويسقط عنها الحد. وعند أبي حنيفة: يرتفع تأبد التحريم، حتى يجوز له أن ينكحها. وإن صدقته المرأة- نظر: إن كان بعد لعانه-: فلا فائدة فيه؛ لأن الحد وجب عليها بلعانه، فانتفى الولد وإن كان بعد ما التعنت: يجب عليها حد الزنا، وإن صدقته قبل لعانه، أو في خلال لعانه-: سقط عنه الحد واللعان، ووجب عليها حد الزنا. فلو أراد الزوج أن يلاعن بعده، أو كان في خلال اللعان أراد إكماله- نظر: إن كان ثم ولد يريد نفيه-: له ذلك؛ وألا فليس له ذلك؛ على ظاهر المذهب. وقال أبو حنيفة: إذا اعترفت بالزنا-: لحقه الولد، حتى لا يمكنه النفي بحال، ولا حد ولا لعان؛ لأن الحد، لا يجب بالإقرار مرة عنده، ولا لعان مع الإقرار. ولو مات أحد الزوجين- نظر: إن مات قبل أن يكمل الزوج اللعان-: ورثه الآخر، وإن بقيت كلمة واحدة من اللعان، ثم إن مات الزوج-: فقد استقر أمر النسب؛ فليس لوارثه نفيه، بخلاف ما لو ألحق الوارث نسباً: فإنه يلحقه، لأن الاستلحاق أقوى من النفي؛ بدليل جواز الاستلحاق بعد النفي، ولا حكم للنفي بعد الاستلحاق، ولا يقوم الوارث مقامه في اللعان؛ لأنه لا ضرورة له إليه. وإن ماتت المرأة في خلال لعانه-: ورثها الزوج، وهل له إكمال اللعان؟ نظر: إن كان هناك ولد يريد نفيه-: له ذلك وكذلك يجوز له ابتداء اللعان بعد موتها لنفي الولد،

стр. 2533

سواء كان الولد حياً أو ميتاً، وإذا نفى الولد-: انقطع الإرث بينه وبين الولد، ولا ينقطع بينه وبين الزوجة؛ لأنها كانت له [زوجة] حالة الموت. وإن لم يكن ثم ولد: لم يكن له المضي في لعانه؛ لارتفاع الفراش بالمو إلا أن يطلب وارثها الحد-: فله درؤه باللعان، وينبني على ما مضى، طال الفصل أو ــ. فإن قيل: الزوج وارث، وقد ورث بعض جده فوجب أن يسقط. قلنا: حد القذف ثابت لكل واحد من الورثة على الكمال، فإذا سقط حق البعض-: لا يسقط شيء من حق الباقين، والله أعلم بالصواب. بَابُ مَا يَكُونُ قَذْفاً وَمَا لاَ يَكُونُ قَذْفاً قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". إذا ولدت امرأة على فراش رجل لمدة يمكن أن يكون منه-: يلحق، فلو قال الزوج: ليس هذا ولدي، أو ليس هذا مني-: لا يجعل به قاذفاً ولا نافياً للولد لأنه كلام يحتمل فيفسر، فإن فسره بالزنا-: فهو قذف-: فله أن يلاعن وينفيه، وإن قال: عنيت به أنه لا يشبهني خلقاً وخلقا-: يقبل قوله، بخلاف ما لو قال [لولد الغير]: ليس هذا بابن فلان-: يكون قاذفاً، فلو قال: عنيت به أنه لا يشبهه خَلْقاً وخُلُقاً-: لا يقبل، والفرق: أن الأب يحتاج إلى تأديب ولده بمثل هذا القول؛ فحمل ذلك على التأديب، والأجنبي مستغن عنه، فكان قوله قذفاً. فلو كذبت المرأة الأب، وقالت: عنيت به القذف-: لها أن تحلفه، فإن حلف-: فلا حد، ولا لعان. وإن نكل-: حلفت المرأة، ثم يحد الزوج، وله أن يلاعن، لإسقاط الحد دون نفي الولد؛ لأنه أقر به. وإن قال: عنيت به أنها أتت به من وطء الشبهة فلا حد عليه، إن صدقته المرأة، وإن كذبته، وادعت أنه أراد به القذف: حلف الرجل أنه لم يرد به القذف، فإن نكل- حلفت المرأة أنه أراد به القذف، وحد الزوج إلا أن يلاعن، أما الولد- نظر: إن لم يعين الواطئ أو عين الواطئ، فلم يقبل ذلك الرجل-: فالولد لاحق بالزوج، إلا أن ينفيه باللعان.

стр. 2534

وإن صدقه ذلك الرجل، وادعاه-: يرى معه القائف؛ فإن ألحقه به-: فهو ولده؛ وألا فيلحق بالزوج، ولم يكن له نفيه باللعان؛ لأنه كان له طريق إلى نفيه بغير اللعان، وهو العرض على القائف، كما لا ينفي ولد أم الولد باللعان؛ لأنه يتوصل إلى نفيه بغير اللعان وهو دعوى الاستبراء. ولو قال الزوج: عنيت به أنها أتت به من زوج قبلي- نظر: إن لم يعرف لها زوج قبله-: لا يقبل قوله، وإن عرف لها زوج قبله- نظر: إن علم وقت فراق الأول، ونكاح الثاني: فإن أتت به لأربع سنين، فأقل من وقت فراق الأول، ولأقل من ستة أشهر من وقت نكاح الثاني-: فهو للأول. وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت فراق الأول-: أو الستة أشهر فأكثر من وقت نكاح الثاني-: فهو للثاني؛ إلا أن ينفيه باللعان، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت فراق الأول ولدون ستة أشهر من نكاح الثاني-: فهو منفي عنهما. وإن أتت به لأقل من أربع سنين من وقت فراق الأول، ولستة أشهر فأكثر من وقت نكاح الثاني-: فهو للثاني، إلا أن ينفيه باللعان؛ لأن فراش الأول قد انقطع بنكاح الثاني. وإن لم يعرف وقت فراق الأول ونكاح الثاني-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تدعي أنها أتت به على فراشه، وهو ينكر، فإن حلف-: ينفى عنه الولد؛ إلا أن تقيم المرأة البينة أنها ولدته على فراشه لمدة يمكن أن يكون معه، ويقبل فيه شهادة أربع نسوة، ثم له نفيه باللعان. وإن لم يكن لها بينة، ونكل الزوج عن اليمين، وحلفت المرأة أنها ولدته على فراشه لمدة يمكن أن يكون منه، ثم هو ولده، إلا أن ينفيه باللعان. وإن نكلت-: فالولد ينفي عنه. وقيل: يوقف حتى يبلغ الصبي، فيحلف. وكذلك: لو قال الزوج: عنيت به: أنها استعارته، أو التقطته-: فالقول قوله مع يمينه، وعليها البينة، فإن شهدت أربع نسوة على أنها ولدته على فراشه-: يقبل قوله، ثم له نفيه باللعان. وإن لم يكن لها بينة-: هل يرى معها القائف؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، كما يرى مع الرجل. والثاني: لا؛ لأن إقامة البينة على ولادتها ممكن، ولا يمكن إقامة البينة على أنه من ماء الرجل.

стр. 2535

وإن قلنا: يرى القائف، فألحقه القائف بها-: التحق بالزوج، إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يلحق بها أو أشكل، أو لم يكن قائف، أو قلنا: لا يرى معها القائف-: حلف الرجل أنه لا يعلم أنها ولدته، فإن حلف- ينفى عنه. وهل يلحق بالأم؟ فعلى وجهين؛ بناءً على أن المرأة هل لها دعوى؟ وفيه وجهان. وإن نكل الزوج عن اليمين تحلف المرأة، ولحقه الولد، إلا أن ينفيه باللعان. وإن نكلت-: هل يوقف، حتى يبلغ الصبي، فيحلف؟ فيه وجهانك أحدهما: بلى؛ لأن ألحق له. والثاني: لا؛ لأن يمين الرد لا يرد. فإن قلنا: يوقف: فإذا بلغ، وحلف-: لحقه، إلا أن ينفيه باللعان. وإن نكل، أو قلنا: لا يحلف الصبي-: انتفى عنه بنكولها. وهل يلحقها؟ فيه وجهان. ولو قال رجل لابن الملاعنة لست بابن فلان سئل، فإن قال: عنيت به: أنه ليس بأبيه شرعاً، أو أن أباه نفاه، أو هو لا يشبهه خلقاً وخلقاً-: قبل قوله مع يمينه، فإن حلف-: عزر للأذى، وإن نكل-: حلفت الأم: أنه أراد قذفها، وعليه الحد؛ كما لو أقر إني أردت القذف، أو أن الملاعن قد صدق، ولو استلحقه النافي، ثم قال له آخر لست بابن فلان-: فهو كما لو قال لغير المنفي-: عليه الحد، ولا يقبل قوله: إني أردت: أنه لا يشبهه خلقاً. ولو ظهر الحمل بامرأة، وأتت بولد، فقال الزوج: ما هو مني، وما أصبتها، وليست هي بزانية قلنا: هذا ليس بقذف، وبهذا لا ينتفي عنك الولد؛ لاحتمال أنها استدخلت ماء، فأنت في قولك: إني ما أصبتها" صادق، والولد يلحق بك، إلا أن تنفيه باللعان. ولو قال: ليس هذا الولد مني، ولا أقذفها، ولا ألاعن: قلنا: الولد ولدك؛ إلا أن تنفيه باللعان بعد بيان سببه أنه من زنا، أو وطء شبهة وتلاعن. فَصْلُ إذا أتت امرأة بولد، فنفاه باللعان، ثم أتت بولد آخر- نظر: إن كان بين الولدين أقل من ستة أشهر-: فهما حمل واحد، فإن نفى الثاني بلعان جديد-: انتفى عنه، وإن لم

стр. 2536

ينفه-: لحقه الولدان جميعاً؛ لأن الحمل الواحد لا يتبعض في اللحوق والانتفاء، حتى لو أتت امرأته بولدين توءمين، فنفى أحدهما دون الآخر-: لحقاه جميعاً، وإنما قدمنا اللحوق على الانتفاء؛ لأن النسب يحتاط لإثباته ما أمكن، ثم إذا لم ينف الثاني بلعان جديد، حتى لحقاه-: هل يلزمه حد القذف أم لا؟ نظر: إن كان نفي الأول بعد البينونة-: عليه الحد، سواء استلحق الثاني صريحاً، أو سكت عن نفيه حتى لحقه. وإن كان نفي الأول في صلب النكاح- نظر: إن استلحق الثاني صريحاً، حتى لحقه الولدان-: عليه حد القذف؛ كما لو أكذب نفسه. وإن سكت عن نفيه حتى لحقاه-: فلا حد عليه؛ بخلاف ما بعد البينونة؛ لأن اللعان بعد البينونة ليس إلا لنفي النسب، وإذا التحق به النسب: لم يبق اللعان حكم، فحد، وفي صلب النكاح: اللعان أحكام أخر سوى نفي النسب، ولم ترتفع تلك الأحكام بلحوق النسب؛ فلم يلزمه الحد، إذا لم يصرح بالإلحاق. أما إذا أتت بالولد الثاني لستة أشهر فصاعداً من وقت وضع الأول- نظر: إن ولدت الأول في صلب النكاح-: يلحقه الثاني، إلا أن ينفيه بلعان جديد بعد بيان سبب النفي. وإن لم ينفه لحقه الثاني دون الأول؛ لأنه حمل آخر، ويجعل كأنه أعلقها بعد وضع الأول قبل اللعان. وإن ولدت الأول بعد البينونة-: فالثاني منفي عنه بلا لعان؛ لأن عدتها قد انقضت بوضع الأول؛ فلا يتصور حصول الثاني في النكاح. أما إذا نفى الحمل باللعان في النكاح، أو بعد البينونة، فأتت بولدين بينهما دون ستة أشهر-: فهما منفيان عنه؛ لأنه لاعن على نفي الحمل، والحمل اسم لجميع ما كان في بطنها، فإن استلحق أحدهما-: لحقاه جميعاً، وعليه الحد، ولا يرتفع تأبد التحريم. وإن كان بين الولدين ستة أشهر فصاعداً-: فالأول منفي عنه باللعان، والثاني منفي بلا لعان، ولو أتت امرأته بتوأمين، فمات أحدهما قبل اللعان-: فله أن يلاعن، وينفي الحي والميت جميعاً. وقال أبو حنيفة: إذا مات أحدهما استحكم نسبهما، ولا نفي له؛ لأنه ورث الميت. وعندنا: الميراث موقوف، فإن نفاه-: لم يرثه، ولو نفى نسب مولود، فمات المولود عن مال؛ أو قتل، ثم استلحقه النافي بعد الموت-: لحقه، وأخذ ميراثه وديته، سواء كان الميت خلف ولداً، أو لم يخلف، فلا يجعل متهماً؛ لأن الظاهر: أن الإنسان لا يستلحق

стр. 2537

نسب الغير، ويلزم ظهره الحد؛ لأجل حطام الدنيا. وقال أبو حنيفة: إن خلف الميت ولداً-: صح استلحاقه؛ وألا فلا. فَصْلُ إذا تقاذف رجلان-: حد كل واحد منهما لصاحبه، ولا يتقاصان؛ لأن القصاص لا يجري في الحد، لاختلاف المحل. ولو قال رجل لامرأته: يا زانية، فقالت: بل أنت زان-: فكل واحد منهما قاذف لصاحبه، إلا أن الزوج إذا لاعن-: سقط عنه حدها، ولا يسقط حد قذف الزوج عن المرأة باللعان إلا ببينة تقيمها أو إقرار من جهته. وقال أبو حنيفة: لا حد على واحد منهما ولا لعان، وقال: لأني لو بدأت بحد المرأة-: صارت محدودة في القذف، وإن بدأت بالزوج، فلاعن-: أستقبح أن ألاعن بينهما، ثم أحدها، وأقبح من ذلك تعطيل حكم الله، . ولو قالت [المرأة لزوجها] زنيت بك-: فهي قاذفة له مقرة على نفسها بالزنا، فعليها حد القذف و [حد] الزنا، ويبدأ بحد القذف؛ [لأنه حق الآدمي، فإذا رجعت-: سقط عنها حد الزنا، ولا يسقط حد القذف] ولو قالت [المرأة]: ما عنيت به القذف-: لا يقبل قولها. أما إذا الزوج لها أولاً: يا زانية، فقالت: زنيت بك-: سئلت: فإن قالت: عنيت به حقيقة الزنا-: فهي قاذفة للزوج، مقرة على نفسها بالزنا؛ فيسقط عن الزوج حد القذف واللعان، وعليها حد القذف وحد الزنا. أما إذا قالت المرأة عنيت به نفي الزنا، أي: كما أنك لم تزن، فأنا ما زنيت، أو لم يصبني غيرك، فإن كان ذلك زنا، فأنت أعلم-: يقبل قولها مع يمينها؛ لأن العادة قد جرت بنفي الفعل بهذه العبارة عند المقابلة؛ كما يقول الرجل لآخر سرقت، فيقول: سرقت معك، يريد نفي السرقة [عن نفسه] وعنه، ثم إذا حلفت-: فلا حد عليها، وعلى الزوج الحد إلا أن يلاعن. أما إذا قال لأجنبية: أنت زانية، فقالت: زنيت بك-: فلا يحتمل هذا الإقرار إلا بالزنا، فيسقط عن الرجل حد القذف، وعليها حد الزنا وحد القذف.

стр. 2538

قال الشيخ: ولو قالت المرأة لزوجها يا زاني، فقال: زنيت بك-: فهو كالزوج يقول لها فتجيبه. ولو قال رجل لامرأته: يا زانية، فقالت: بل أنت أزنى مني-: فلا تكون قاذفة؛ لأنها تريد أهدى إلى الزنا مني، إلا أن تريد قذفاً. وكذلك: لو قال رجل لآخر ابتداء: أنت أزنى الناس، أو أزنى مني، أو أزني من فلان-: فلا يكون قذفاً، إلا أن يريده؛ لأنه لم يثبت زنا فلان، حتى يكون هذا قذفاً. فأما إذا خرج، فقال: في الناس زناة، وأنت أزنى منهم، [أو أنت أزنى الناس]-: فهو قذف له، وعليه الحد، ولا حد عليه لسائر الناس؛ لأنه لم يعين أحداً؛ كما لو قال: في هذه السكة زناة، ولم يعين أحداً-: لا حد عليه. ولو قال: فلان زان، وأنت أزنى منه-: فهو قاذف لهما. وكذلك: لو قال لزوجته: يا زانية، فقالت: أنا زانية، وأنت أزنى مني، أو قالت ابتداءً: أنا زانية، وأنت أزنى مني-: فعليها حد القذف وحد الزنا، ولا حد على الزوج ولا لعان؛ لأنها أقرت بالزنا على نفسها. ولو قالت: أنت أزنى من فلان، [وسمت رجلاً] وقد ثبت زنا فلان بإقراره أو ببينة- نظر: إن كان هذا القائل جاهلاً به-: فلا يكون قذفاً، ويقبل قوله: إنه كان جاهلاً؛ كما لو ثبت زنا فلان بعد هذا القول. وإن كان عالماً-: فهو قذف لهما؛ فيحد لهذا الذي خاطبه، ويعذر لفلان؛ لأنه مهتوك العرض بثبوت زناه. ولو قال: يا زانية، إن شاء الله [فهو قذف] لأن الاستثناء لا يعمل في الأسامي؛ كما لو قال لامرأته: يا طالق، إن شاء الله-: [طلقت]. فَصْلُ إذا قال لرجل: زنيت- بالكسر- على خطاب النساء، أو لامرأته: زنيت- بالفتح-: فهو قذف. ولو قال لامرأته: يا زاني أو يا زان، وحقف علامة التأنيث-: يكون قذفاً بالاتفاق؛

стр. 2539

لأنه الترخيم في كلام العرب معروف؛ يقولون لمالك: يا مال، ولحارث: يا حار. أما إذا قال للرجل: يا زانية-: فهو عندنا قذف. وعند أبي حنيفة: ليس بقذف؛ بخلاف الأول؛ لأن آخر الكلام يحذف للترخيم، ولأنه تزاد الهاء للمبالغة؛ كما يقال رجل علامة ونسابة، ولو قال لامرأته: زنيت من قبلك-: فهو قذف لها، ولو قال لرجل: زنيت من قبلك-: لا يكون قذفا؛ لأن زناه من القبل لا فيه، إلا أن يريد القذف. ولو قال: زنأت في الجبل-: لا يكون قذفاً؛ لأن عبارة عن الصعود، إلا أن يرد القذف. فإن ادعى المقول له أنه أراد به القذف-: فالقول قول القائل مع يمينه. وقال أبو حنيفة: هو قذف. ولو قال: زنيت في الجبل، أو يا زانية في الجبل-: فهو قذف، وقال صاحب "التلخيص": ليس بقذف إلا أن يريده. ولو قال زنأت في البيت-: فالمذهب أنه قذف. ولو قال: زنأت مطلقاً-: ففيه أوجه: أظهرها: ليس بقذف، إلا أن يريده-: لأن ظاهره الصعود. والثاني: هو قذف؛ لأن الياء قد تهمز؛ كما يقال: زويت وزوأت. والثالث: إن كان الرجل لا يحسن العربية-: فهو قذف؛ لأن من لا يعرف اللغة قد يخطئ بالهمز وإسقاطه. وإن كان يحسنها-: فلا يكون قذفاً إلا أن يريده. وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية: فالصريح: أن يقول: يا زانية، أو زنيت، أو زنا قبلك أو دبرك أو فرجك، ولو قال: زنا بدنك-: ففيه وجهان: أحدهما: هو كناية، كقوله: زنا يدك؛ لأن حقيقة الزنا من الفرج؛ فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة. والثاني: هو صريح- وهو الأصح- لأنه أضافه إلى جميع البدن، والفرج منه. ولو أضاف إلى سائر الأعضاء، فقال: زنا يدك، أو رجلك، أو عينك-: فلا يكون

стр. 2540

قذفاً إلا أن يريده؛ لأن ظاهر هذا الكلام اللمس والنظر؛ بدليل أن النبي- ﷺ قال: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، ويُصَدِّقَ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ"؛ فبين أن الزنا لا يتحقق من هذه الأعضاء إلا بمعاونة الفرج. ونقل المزني أنه قذف. فمن أصحابنا من جعل على قولين. والمذهب: أنه ليس بقذف، والنقل [وقع] خطأ. أما الكنايات؛ مثل: أن يقول: يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا قوادة، يا مؤاجرة، يا غلمة، يا شبقة، يا بنت الحرام، وامرأتي لا ترد يد لامس-: فلا يكون قذفاً إلا أن يريده. وكذلك: لو قال العربي: يا نبطي، أو لنبطي: يا عربي، أو لهندي: يا تركي، فإن أراد به القذف-: فهو قذف لأم المقول له؛ وألا فلا. وإن قال: عنيت به نبطي الدار أو اللسان، وادعت أم المقول له أنه أراد به القذف-: فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل حلفت وحدها، إن كانت محصنة، وإن لم تكن محصنة-: عزر، وإطلاقه محمول على أم المقول له. وإن قال: عنيت قذف جدتك- نظر: إن عين جدة مسلمة- حد لها، وإن عين جدة كافرة-: عزر بعد ما يحلف أنه أرادها. وإن قال عنيت جدة لا بعينها-: لا حد عليه، ويعزر؛ كما لو قال: أحد أبويك زان. ولو قال: يا لوطي-: فلا حد عليه، إلا أن يريد أنه يعمل عمل قوم لوط؛ فيجب عليه الحد. ولو قال: لطت أو: لاط بك فلان باختيارك-: فهو قذف. ولو قال: أتيت بهيمة: إن جعلناه زنا- يجب به الحد؛ وألا فلا. أما التعريض: فليس بقذف، وإن أراده؛ وذلك مثل قوله يا بن الحلال، أما أنا فما زنيت، وليست أمي زانية، وأشباهها. وعند مالك- ﵁ كلها قذف. وقيل: التعريض كناية، إذا نوى به القذف [فهو كناية، بقوله: الحلال بن الحلال، وما

стр. 2541

أنا بزان ونحوه] وإن لم ينو-: فليس بقذف، سواء قاله في حال الرضا أو الغضب. وقال أحمد وإسحاق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا. أما ما لا يحتمل القذف؛ لقوله: يا بارك الله فيه، قد أحسن الله جزاءك، وما أحسن وجهك-: فليس بقذف، وإن نوى. وحد القذف إنما يجب بالنسبة إلى الزنا فحسب، فلو أداه بكلام قبيح؛ بأن قرطبة أو ديته ونحو ذلك، أو نسبه إلى كبيرة غير الزنا من سرقة أو شرب خمر أو قتل أو نحوه-: يعزر للأذى ولا حد عليه؛ لأن الزنا أمر مستقبح يستنكف منه في جميع الأديان، فكان أمره أغلظ. فَصْلُ [فِي بَيَانِ الإِحْصَانِ] قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [سورة النور: ٤]. حد القذف إنما يجب بقذف المحصن، وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة من الزنا. ولو قذف كافراً أو عبداً أو صبياً، أو مجنوناً أو من قد زنا مرة-: فلا حد عليه، بل يعزر للأذى، حتى لو زنا في عنفوان شبابه مرة، ثم تاب، وحسنت حالته، وشاع في الصلاح-: لا يحد قاذفه. وكذلك: لو زنا كافر أو رقيق، ثم أسلم وعتق، وصلحت حالته، فقذفه قاذف-: لا حد عليه؛ بخلاف ما لو زنا في حال صغره أو جنونه، ثم بلغ، وأفاق فقذفه قاذف-: يجد قاذفه؛ لأن فعل الصبي والمجنون-: لا يكون زنا. ولو قذف محصناً: فقبل أن يحد القاذف: زنا المقذوف-: سقط الحد عن قاذفه. ولو ارتد أو جن قبل أن يحد القاذف-: لا يسقط الحد عن قاذفه؛ لأن الكفر والجنون السابق لا يمنعان وجوب حد القذف، إذا لم يقترنا بالقذف، فالطارئ منهما لا يسقط الحد، والزنا السابق يمنع وجوب الحد، فالطارئ يسقطه؛ وهذا لأن الزنا يورث ريبة في حالة فيما

стр. 2542

مضى؛ لأنه أمر يستتر، والله كريم لا يهتك ستر عبده بأول مرة يرتكب المعصية، فبظهوره يعلم أنه كان [منصفاً/ به من قبل؛ روي أن رجلاً زنا في عهد عمر بن الخطاب- ﵁ فقال: والله، ما زنيت إلا هذه. فقال] عمر: كذبت؛ إن الله لا يفضح عبده أول مرة. بخلاف الردة؛ فإنها عقيدة قلما يخفيها الإنسان، فلو كان يعتقدها من قبل لأظهرها، فإظهاره لا يورث ريبة فيما مضى، فلم يحكم ببطلان حصانته من قبل. وقال المزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف؛ كالردة الطارئة. وقال أبو حنيفة: الردة الطارئة تسقطه؛ كالزنا الطارئ. ولو قذف رجل زوجته، ثم زنت-: سقط عنه الحد واللعان، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه، فله أن يلاعن. واللواط يبطل الحصانة كالزنا، وإنما يبطل إحصان الفاعل دون المفعول؛ بخلاف الزنا: يبطل به إحصان الزانيين؛ لأن التحصين لا يحصل بالتمكين في الدبر؛ فلا يبطل به، ويحصل بفعل القبل، فيبطل به. قال الشيخ- ﵀: وجب أن يبطل إحصانهما جميعاً؛ فإن الحد يجب عليهما جميعاً. ولو قال له رجل لاط بك فلان-: كان قاذفاً، فلو لم يبطل إحصانه-: لم يجعل ذلك قذفاً موجباً للحد-: كغيره من الكبائر. أما الوطء الحرام الذي لا يوجب الحد-: هل يبطل الحصانة؟ نظر: إن كان تحريمه لعارض في الملك يزول؛ مثل: أن وطئ زوجته أو أمته في حال الإحرام والصوم أو الاعتكاف، أو في حال الحيض، أو النفاس، أو وطئ زوجته المظاهرة عنها قبل التكفير-: لا يبطل الحصانة. ولو وطئ زوجته المعتدة من الغير، أو أمته المزوجة أو المعتدة، أو في مدة الاستبراء أو أمته المرتدة، أو المجوسية، أو الوثنية-: فعلى وجهين: أحدهما: يبطل حصانته؛ لأنها محرمة. والثاني: لا يبطل، بشبهة الملك، وكذلك: لو وطئ امرأته في دبرها. ولو وطئ أمته التي هي أخته من النسب، أو هي أمته وأخته من الرضاع-: يبطل

стр. 2543

إحصانه؛ لأنها محرمة على/ التأبيد. وقيل: إن قلنا: يجب الحد بوطئها-: فيبطل إحصانه. وإن قلنا: لا يجب-: لا يبطل. ولو وطئ جارية. ابنه- يبطل إحصانه، ذكره صاحب "التلخيص". وهو كما ذكر؛ لأنه تعمد، فإن كان غالطاً-: فهو كوطء الشبهة. وكذلك: لو وطئ الجارية المشتركة بينه وبين غيره، أو مكاتبته، أو زوجته الرجعية. وقيل: لا يبطل إحصانه في هذه المواضع؛ لشبهة الملك. ولو وطئ امرأة بالشبهة؛ بأن وجدها على فراشه، فوطئها على ظن أنها زوجته، أو اشترى جارية، فوطئها، فخرجت مستحقة، أو وطئ بالنكاح الفاسد؛ مثل النكاح بلا ولي ولا شهود، أو في النكاح بالإحرام، أو نكاح متعة أو شغار-: هل يبطل إحصانه؟ فيه وجهان، عالماً كان أو جاهلاً: أحدهما: يبطل؛ لأنه وطء حرام لم يصادف ملكاً. والثاني: لا يبطل؛ لأنه وطء يلحق به النسب، ولا يجب به الحد؛ كوطء الزوجة في الحيض، ولو أن كافراً أسلم حديثاً، فغصب امرأة، فوطئها، وقال: ظننته حلالاً-: لا يبطل به إحصانه. وكذلك: لو نكح مجوسي أمه، فوطئها، ثم أسلما، والله أعلم بالصواب. بَابُ الشَّهَادَةِ فِي اللِّعَانِ شهادة الرجل على زوجته بالزنا-: لا تقبل؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ حيث قال: تقبل؛ وذلك لأن المرأة إذا زنت، ولطخت فراش زوجها-: ظهرت بينهما من العداوة ما لا تكاد عداوة تبلغه، وشهادة العدو على العدو-: لا تقبل؛ بخلاف ما لو شهد على أمه، أو أخته، أو على أمته بالزنا-: تقبل؛ لأن زنا الأم والأخت لا يثبت بينهما وبين الولد من العداوة ما يحمله على إلحاق العار بهما بإظهار زناهما؛ ولذلك: شرع اللعان في قذف الزوجة دون غيرها. ولو شهد الزوج مع ثلاثة على زوجته بالزنا-: فالزوج قاذف، يجب عليه الحد، إلا أن يلاعن؛ لأن قوله ليس بشهادة، والثلاث شهود، ولم يتموا أربعة- ففي وجوب حد القذف عليهم قولان.

стр. 2544

ولو أقام الزوج أربعة من الشهود على زنا المرأة، أو على إقرارها بالزنا-: سقط عنه الحد واللعان، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه-: فله أن يلاعن. ولو أقام شاهدين على إقرارهما بالزنا-: فهل يجب عليها حد الزنا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب، حتى يقيم أربعة، بنفس الزنا: لا يثبت إلا بأربعة. والثاني: يجب، لأنه شهادة على القول؛ فلا يشترط فيه عدد الأربع؛ كسائر الأقارير. فإن قلنا: يجب عليها حد الزنا-: سقط عن الزوج الحد واللعان، فلو رجعت عن إقرارها-: سقط عنها الحد، ولا يقبل رجوعها في حق الزوج، حتى لا يتوجه عليه اللعان، ولا يجب عليه الحد، وكذلك: لو أقام أربعة على إقرارها بالزنا، فرجعت. فإن قلنا: لا يجب عليها حد الزنا بشهادة شاهدين على إقرارها-: فالحد سقط عن الزوج واللعان؛ كما لو أقام أربعة من الشهود على زناها، فأقامت هي أربعة نسوة على أنها عذراء-: سقط الحد عنه، ولا يجب عليها. ولو لم يكن للقاذف بينة، فادعى زنا المقذوف-: هل له تحليفه؟ فيه قولان: أظهرهما- وهو المذهب-: ليس له تحليفه؛ [لأن اليمين لطلب الإقرار، وهو بعدما أقر: يستحب له أن يرجع، فكيف يجبر على الإقرار. وفيه قول آخر: له تحليفه] لحق القاذف: فإن قلنا: يحلف فإن كان في الزوجة: فإن حلفت: حد الزوج إلا أن يلاعن، وإن نكلت-: حلف الزوج، وسقط عنه حد القذف واللعان، ولكن لا يجب عليه حد الزنا؛ لأن الزنا لا يثبت بالنكول ورد اليمين؛ كما لو ادعى عليه سرقة، فأنكر، ونكل عن اليمين، وحلف المدعي- يثبت المال، ولا يثبت القطع. وكذلك: لو قذف ميتاً، وطلب وارثه الحد، فطلب القاذف يمين الوارث أنه لا يعلم أن مورثه كان كذا-: نص الشافعي- ﵁ أنه يحلف وارث المقذوف أنه لا يعلم أن مورثه زنا-: فحينئذ: يحد القاذف، وهذا- أيضاً- لاختلاف الذي ذكرنا. ولو ادعى القاذف أن له بينة على زناها، واستمهل/ يوماً أو يومين-: يمهل، ولا يجاوز الثلاث، ويحبس في زمان الإمهال.

стр. 2545

فَصْلُ إذا قذف إنساناً، ثم المقذوف شهد على القاذف بحق لإنسان- نظر: إن شهد قبل طلب [الحد]-: يقبل، سواء عفا عن الحد أو لم يعف، ثم له طلب الحد بعده، وإن شهد بعد ما طلب الحد-: لا يقبل؛ لظهور العداوة بينه وبين المشهود عليه. فلو عفا بعد ما شهد، ثم أعاد الشهادة-: لا تقبل؛ كالفاسق: إذا شهد وردت شهادته، ثم تاب، وأعاد تلك الشهادة-: لا تقبل. ولو شهد قبل طلب الحد، ثم طلب قبل أن يحكم الحاكم بشهادته-: لا يحكم؛ كما لو فسق الشاهد قبل الحكم. أما إذا شهد رجل على آخر بحق، ثم المشهود عليه قذف الشاهد-: لا تبطل به شهادته، وإن طلب الحد؛ لأنا لو رددنا بمثله الشهادة-: صارت ذريعة إلى سقوط الشهادات؛ وذلك أن كل من أراد إبطال شهادة شاهد على نفسه قذفه. فلو شهد رجل على رجل أنه قذفني فلان، أو قال: قذف زوجتي وفلاناً-: لا تقبل شهادة الأجنبي؛ فإنه لما ذكر أنه قذفني، أو قذف زوجتي-: فقد أظهر العداوة بينه وبين المشهود عليه، وشهادة العدو-: لا تقبل على العدو. أما إذا شهد أنه قذف أمي وفلاناً فشهادته للأم غير مقبولة، وهل تقبل [لفلان]؟ فعلى قولي تبعيض الإقرار؛ بخلاف المسألة الأولى؛ لأن رد الشهادة هناك لمعنى بين الشاهد والمشهود عليه، وهو العداوة [فيعم]، والرد ههنا بين الشاهد والمشهود له، وهو البغضة، فلا يورث تهمة في حق غير الأم. ولو شهد أنه قذفني فلان فردت شهادته، ثم عفا عن قذفه، وحسن الحال بينهما، فأعاد الشهادة لفلان-: لا تقبل؛ لأن هذه الشهادة ردت بالتهمة، فلا تقبل إذا أعادها؛ كالفاسق-: ترد شهادته، ثم يتوب لا تقبل، والله أعلم. فَصْلُ إذا شهد شاهدان على حادثة، واختلفت شهادتهما لمكان، أو زمان، أو وصف-: لا يجمع بينهما؛ سواء فيه القذف والقتل والنكاح والبيع وغيرها؛ مثل أن ادعى على إنسان، قذفاً، وأقام شاهدين، فشهد أحدهما أنه قذفه في البيت، وشهد الآخر أنه قذفه في السوق،

стр. 2546

أو شهد أحدهما أنه قذفه ببكرة، وشهد الآخر أنه قذفه بعشية، أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية، والآخر أنه قذفه بالفارسية-: لا يثبت. وكذلك: لو شهد أحدهما أنه قذفه، والآخر أنه أقر بقذفه-: لا يجمع بينهما. أما إذا كانت شهادتهما على الإقرار؛ مثل: أن شهد أحدهما أنه أقر في البيت أنه قذفه، وشهد آخر: أنه أقر في السوق؛ أنه قذفه، أو شهد أحدهما أنه أقر يوم السبت بقذفه، والآخر أقر يوم الأحد، أو شهد أحدهما أنه أقر بالعربية أنه قذفه، وشهد الآخر أنه قذفه بالفارسية-: يجمع بينهما، ويثبت الحد؛ لأن الإقرار إخبار يتكرر؛ فيجوز أن يكون أقر [مرتين]. أما إذا شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفه في البيت، وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفه في السوق، أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفه يوم السبت، وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفه يوم الأحد، أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفه بالعربية، والآخر أنه أقر أنه قذفه بالفارسية-: هل يجمع بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما: يجمع؛ لأنه شهادة على الإقرار. والثاني: لا يجمع؛ لأن الخلاف فيه راجع إلى الإنشاء، والله أعلم. بَابُ الوَقْتِ فِي نَفْيِ الوَلَدِ إذا أراد الرجل نفي الولد باللعان-: فهو على الفور؛ لأنه خيار غير مؤبد؛ لدفع الضرر؛ كالرد بالعيب. هذا هو المذهب، وفي القديم قولان: أصحهما: هذا. والثاني: يمهل ثلاثاً، حتى يتفكر فيه: فإن قلنا: على الفور-: فإذا أخر بلا عذر-: لزمه، ولا نفى له بعده، وإن كان له عذر بأن لم يظفر بالحاكم، أو حضرت الصلاة، فبدأ بها، أو كان جائعاً-: بدأ بالأكل، أو كان ماله غير محرز، فاشتغل بإحرازه، أو عادته الركوب، فاشتغل بإسراج المركوب، أو سمعه في خلال أكل، أو طهارة، أو في جوف الليل فأخر هـ إلى الفراغ، أو طلوع النهار-: لا يبطل حقه، ولكنه يشهد إن أمكنه الإشهاد، فإن لم يشهد-: بطل حقه.

стр. 2547

وهل يشترط أن يقول بلسانه: نفيت؟ فيه وجهان: وإن كان مريضاً أو محبوساً، أو قائماً على مريض، أو كان غائباً لا يقدر على المسير، فأشهد على نفيه-: فهو على حقه، وإن لم يشهد مع القدرة على الإشهاد-: بطل حقه. وإن كان غائباً نفاه عند قاضي البلد، فإن أخر ليرجع إلى بلده نظر: إن أشهد، وأخذ في المسير على الإمكان-: لم يبطل حقه، ولو أخر في المسير مع الإمكان-: بطل حقه، وإن أشهد. وإن أخذ في المسير في الحال ولم يشهد-: هل يبطل حقه؟ فيه وجهان: أصحهما: يبطل. وإن أخر النفي، وادعى أني لم أعلم بالولادة-: قبل قوله مع يمينه، إن كان غائباً، وإن كان حاضراً في الدار-: لا يقبل قوله إلا على ساعتين أو نصف يوم؛ لأن خبر الدار قد يخفى عليه هذا القدر. ولو قال: علمت بالولادة، ولم أعلم أن حق النفي ثابت لي-: لا يقبل ذلك من العالم. وهل يقبل من العامي؟ فيه وجهان؛ كما في خيار العتق. ولو قال: سمعت ولم أصدق الخبر- نظر: إن سمع من عدلين-: بطل حقه، وإن سمعه من الفساق أو الصبيان-: قبل قوله، وإن سمع من عدل واحد-: فوجهان: أصحهما: أنه يقبل، ويجوز له تأخير نفي الحمل إلى أن تضع. وإن قلنا: الحمل يعرف؛ لأنه قد يتبين ريحاً، فلو أخر حتى خرج، وقال: أخرته؛ لأني لم أتحققه ولداً-: فله نفيه. وإن قال: علمته ولداً، لكني أخرته؛ رجاء أن يموت فأستر عليها، ولا أحتاج إلى اللعان-: لزمه، ولا نفى له، ولو هنئ بمولود، فقيل: هنئت فارساً، وجعله الله لك ولداً صالحاً، أو متعك بالولد الذي رزقك، فقال: آمين، أو نعم، أو استجاب الله دعاءك-: فهو إقرار به لا نفي له بعده، وإن أجاب بما لا يتضمن إقراراً، فقال: جزاك الله خيراً، أو بارك عليك، أو رزقك مثله-: فلا يكون إقراراً، وله النفي؛ لأنه قابل الدعاء بالدعاء. فَصْلُ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ تَنَازَعَا عَامَ الفَتْح فِي وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ

стр. 2548

سَعْدُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله- ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ؛ الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". وقال عمر- ﵁: لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن بعد، أو أمسكوهن إذا أتت أمة رجل بولد-: لا يلحقه ما لم يقر بوطئها، فإذا أقر بوطئها، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء-: فهو ينفي عنه، فإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وقت الوطء، ولدون أربع سنين-: فهو يلحق به، إذا لم يدع الاستبراء، فإن ادعى الاستبراء بعد الوطء-: نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الاستبراء-: فهو يلحق به، ولا حكم للاستبراء. وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وقت الاستبراء-: فهو ينفي عنه. فإذا ألحقنا به ولداً، فأتت بعده بولد آخر- نظر: إن كان بينهما أقل من ستة أشهر-: فالثاني يلحق به؛ لأنهما حمل واحد، وإن كان بينهما ستة أشهر فصاعداً-: فالثاني هل يلحقه فيه وجهان: أحدهما: يلحقه، لأنها صارت فراشاً بالوطء؛ فيلحقه أولادها عند الإمكان؛ كما في فراش النكاح. والثاني: لا يلحقه إلا بإقراره جديد بالوطء؛ لأن الفراش قد ارتفع بولادة الأول؛ كما يرتفع بالاستبراء. وأصل هذا أنه إذا زوج أم ولده، فطلقها زوجها قبل الدخول، أو بعد الدخول، أو انقضت عدتها-: هل يعود فراشاً للسيد قبل الوطء؟ فيه قولان: أحدهما: يعود فراشاً، حتى لو أتت بولد بعد الطلاق، وانقضاء العدة لستة أشهر فأكثر يكون للسيد. ولو مات السيد، أو أعتقها قبل أن يمسها-: يلزمها الاستبراء؛ نص عليه في "الأم". والثاني: لا يعود فراشاً له، ما لم يطأها، حتى لو أتت بولد لدون أربع سنين-: فمن وقت الطلاق يلحق الزوج؛ كما لو أتت به لدون ستة أشهر، وإن أتت به لأربع سنين فأكثر-: فمنفي عنه. ولو مات السيد أو أعتقها-: لا استبراء عليها.

стр. 2549

وعلى هذا لو أراد السيد أن يطأها بعد انقضاء عدة الزوج-: هل يحتاج إلى الاستبراء؟ فيه وجهان. إن قلنا: عادت فراشاً له-: لا يحتاج إلى الاستبراء، وإلا فيحتاج إليه بحدوث الحمل، وعلى هذا: لو أقر بوطء أمته، فأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الوطء، ولم يدع الاستبراء-: هل يلحقه؟ فيه وجهان: قال [الشيخ]: إذا كان الفراش ينقطع بالاستبراء-: فبمضي أربع سنين، وبالولادة، إذا أتت بولدين بينهما أكثر من ستة أشهر؛ وبالتزويج: أولى أن ينقطع حتى لا يعود إلا بوطء جديد. وعند أبي حنيفة: ولد الأمة لا يلحقه، وإن أقر بالوطء ما لم يقر بالولد، فإذا أقر بولد واحد-: لحقه الثاني والثالث. ولو ادعت الأمة على سيدها أنه وطئها، وأنكر السيد-: فالقول قوله بلا يمين. ولو أقر بالوطء، وادعى الاستبراء، وأنكرت الأمة الاستبراء-: فالقول قوله مع يمينه أنه لم يطأها بعد الاستبراء. ولو أقر بالوطء، وقال: كنت أعزل-: لحقه الولد؛ لأن الماء قد سبق، وهو لا يحس به. ولو قال كنت أصبتها فيما دون الفرج-: هل يلحقه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يلحقه؛ لأن العلوق منه نادر، وكل موضع ألحقنا به نسب ولد الأمة-: لم يكن له نفيه باللعان؛ لأن له طريقاً إلى نفيه، سوى اللعان، وهو دعوى الاستبراء. ولو اشترى زوجته الأمة، فأتت بعده بولد- نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء-: لحقه بحكم النكاح، وله نفيه باللعان. وإن أتت بولد لأكثر من ستة أشهر- نظر: إن لم يكن السيد وطئها بعد الشراء، أو وطئها، ولكن أتت به لدون ستة أشهر من وقت الوطء: فإن كان لدون أربع سنين من وقت الشراء-: لحقه بملك النكاح، وله نفيه باللعان. وإن أتت به لأكثر من أربع سنين-: فهو منفي عنه باللعان، وإن وطئها في تلك اليمين، فأتت به لستة أشهر فصاعداً من وقت الوطء-: فهو يلحق به بملك اليمين، ولا يمكن نفيه باللعان.

стр. 2550

وإذا أتت المرأة بولد عند عدم إمكان الوطء-: لا يلحق الزوج؛ مثل: أن نكح امرأة، فطلقها في المجلس، أو غاب عنها غيبة لا يحتمل وصوله إليها، فأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الغيبة-: لا يلحقه. وقال أبو حنيفة إمكان الوطء ليس بشرط، حتى لو نكح امرأة، فطلقها في المجلس، أو كان علق طلاقها بالنكاح-: فكما نكحها طلقت، فإذا أتت بولد لستة أشهر-: لحقه، ولأكثر: لا يلحقه، ولو غاب عن زوجته سنين، حيث لا يحتمل وصوله إليها، فأتت بأولاد في غيبته-: لحقوه فألحقوا به النسب في النكاح مع عدم الإمكان، ونفوا عنه في ملك اليمين مع حقيقة الوطء، وهذا خلاف المعقول، والله أعلم.

стр. 2551

كِتَابُ [العِدَدِ] بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية. العدة: اسم لمدة تربص المرأة لاستبراء رحمها، وهي تارة تكون بوضع الحمل، وتارة بالأشهر، وتارة بالأقراء: فإن كانت المرأة حاملاً-: فعدتها بوضع الحمل، سواء وقعت الفرقة بالموت، أو في الحياة، لقوله : ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وإن كانت حائلاً- نظر: إن وقعت الفرقة بموت الزوج-: فيجب عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء كان قبل الدخول أو بعده. وإن وقعت الفرقة في الحياة- نظر: إن كان قبل الدخول-: فلا عدة عليها، وإن كان بعد الدخول- نظر: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط، أو بلغت سن الآيسات-: فعدتها ثلاثة أشهر. وإن كانت ممن تحيض-: فعدتها ثلاثة أقراء. والقرء، اسم يقع على الطهر والحيض جميعاً.

стр. 2552

واختلفوا في أن المحسوب في العدة زمان الطهر أم زمان الحيض، والقروء المذكورة في القرآن ما هي؟ فعند الشافعي- ﵁: هي الأطهار، وهو المروي عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعائشة؛ وهو مذهب الفقهاء السبعة، وهو قول الزهري، ومالك. وذهب جماعة إلى أنها الحيض؛ وهو قول علي- ﵁ وابن عباس، وابن مسعود، وبه قال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، ﵃ أجمعين. دليلنا: قوله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: لقبل عدتهن؛ كما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة. أمر بالطلاق للعدة، وأجمعوا أن الطلاق المأذون فيه هو الطلاق في حال الطهر؛ فدل أن المحسوب من العدة هو زمان الطهر. وفائدة الخلاف: أن مدة العدة- عندنا-، وعندهم أطول، حتى لو طلقها في حال الطهر: يحسب بقية الطهر قرءاً. وإن حاضت عقيبة في الحال: فإذا شرعت في الحيضة الثالثة-: انقضت عدتها، وإن طلقها في حال الحيض: فإذا شرعت في الحيضة الرابعة-: انقضت عدتها. وعند أبي حنيفة: ما لم تطهر من الحيضة الثالثة، إن كان في الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة، إن كان الطلاق في حال الحيض-: لا يحكم بانقضاء عدتها. ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض-: تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل منه-: لا تنقضي حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، ويمضي عليها وقت الصلاة، وليس في كتاب الله ولا سنة الرسول شرط الغسل لانقضاء العدة. وإذا شرعت في الحيضة الثالثة أو الرابعة-: تنقضي عدتها برؤية الدم؛ رواه المزني والربيع. ولا يتوقف على مضي يوم وليلة، وتلك اللحظة لا تكون من صلب العدة، ولكن يتبين بها انقضاؤها.

стр. 2553

وحكى البويطي: أن عدتها لا تنقضي حتى يمضي من الحيضة [الآخرة] يوم وليلة- فمن أصحابنا من جعل فيها قولين: أصحهما: تنقضي برؤية الدم؛ لأن الله تعالى لم يوجب إلا ثلاثة قروء. والثاني: يشترط مضي يوم وليلة؛ لتتحق أنه حيض. ومنهم من قال على اختلاف الحالين، حيث قال تنقضي برؤية الدم، أراد: إذا رأت الدم على عادتها، وحيث شرط مضي يوم وليلة- أراد: إذا رأت على خلاف عادتها. ولو قال لامرأته: أنت طالق في آخر طهرك، أو في آخر جزء من أجزاء طهرك-: هل يقع سنياً أم بدعياً؟ فيه وجهان. وهل يحسب ذلك قرءاً؟ فيه وجهان يبنيان على أن القرء ماذا؟ فيه جوابان: أحدهما: هو اسم الانتقال؛ فعلى هذا يحسب قرءاً بوجود الانتقال من الطهر إلى الحيض عقيب الطلاق، ويكون الطلاق سنياً. والثاني: هو اسم لطهر احتوشه دمان؛ فعلى هذا لا يحسب قرءاً، ويكون الطلاق بدعياً؛ وهذا أصح؛ نص في "الأم" عليه. وإذا استحيضت المعتدة- نظر: فإن كانت مميزة-: فأيام الدم القوي لها حيض، وأيام الدم الضعيف لها طهر، فإذا مضت لها ثلاثة أقراء على ذلك-: خرجت عن العدة. وإن لم تكن مميزة- نظر إن كانت معتادة-: فتعتد بثلاثة أقراء؛ على قدر عادتها في الطهر والحيض، وإن كانت عادتها متباعدة مثلاً في كل سنة مرة: فإن كانت مبتدأة-: فإنها ترد إلى يوم وليلة في الحيض؛ على أصح القولين، وإلى ست أو سبع؛ على القول الثاني-: فهذا القدر لها حيض من كل شهر، وباقي الشهر طهر، ونعني بالشهر: ثلاثين يوماً. وابتداؤه من أول ما رأت الدم، فلها في كل شهر قرء كامل. وإن كانت ناسية لا تذكر شيئاً من حيضها، ولا من طهرها-: ففيه قولان:

стр. 2554

أحدهما: كالمبتدأة. والثاني وهو الأصح-: عليها أن تعمل بالاحتياط أبداً. وعلى القولين جميعاً تنقضي عدتها في ثلاثة أشهر، حتى لا تبقى كالمعلقة أبداً، وتعتبر الأشهر في حقها بالأهلة، ويجعل حيضها في أول كل هلال؛ لأنا لا نجد في حقها أصلاً يعتبر به أولى من الأهلة؛ لأن الله تعالى جعلها مواقيت للناس، والغالب من عادات النساء أنهن يحضن في كل شهر مرة. ثم المزني نقل، فقال استقبلنا بها الحيض من أول هلال يأتي عليها بعد وقوع الطلاق، فإذا هل هلال الرابع-: انقضت عدتها، وقال في رواية الربيع: فإذا هل هلال الثالث: انقضت عدتهان وليس على قولين، واختلفوا فيه: منهم من قال: هي على حالين، فإن طلقها، وقد بقي من الشهر خمسة عشر فأقل-: فلا يحسب بقية ذلك الشهر قرءاً؛ لاحتمال أن كله حيض، ويشترط بعد شهر الطلاق مضي ثلاثة أشهر.

стр. 2555

فإذا هل هلال الرابع-: انقضت عدتها. وما ذكره في رواية الربيع، أراد به أنه إذا طلقها، وقد بقي من الشهر أكثر من خمسة عشر يوماً-: فيحسب بقية ذلك الشهر قرءاً؛ لأنا نتيقن أن جزءاً منه طهر. فإذا هل هلال الثالث: انقضت عدتها. ومنهم من قال- وهو الأصح-: إن بقية الشهر يحسب قرءاً، ون لم يبق منه إلا قليل، لأنا نجعل حيضها من ابتداء كل شهر، فلا يكون بعده إلا شهران، فحيث قال: إذا هل هلال الرابع حسب في العددة من الشهر الذي وقع فيه الطلاق-: فجعله مع الشهرين بعده ثلاثة. وإن كانت المستحاضة ترى يوماً دماً، ويوماً نقاءً، أو يومين نقاءً، ثم دماً؛ بحيث لا يتخلل بين الدمين أقل الطهر-: فعدتها لا تنقضي في أقل من ثلاثة أشهر، سواء قلنا تلفق الدماء، أو لا تلفق، لأن الواجب عليها أن تعتد بثلاثة أقراء كوامل، والأطهار المتخللة بين الدماء؛ إن أعطينا لها حكم الطهر في وجوب الغسل والصلاة والصوم؛ على أحد القولين، لكن كل واحد ليس بطهر كامل، بل كلها طهر واحد يفرق بين الدماء، فيتم لها في كل شهر قرء، والله أعلم. فَصْلُ المعتدة إذا ارتفعت حيضتها بعد أن حاضت مدة قبل بلوغها سن الآيسات- نظر: إن ارتفعت من مرض، أو رضاع ولد، أو ولد بباطنها-: فعليها أن تعتد بالأقراء، وإن طالت المدة-: فينتظر زوال العلة، ثم تكمل المدة. وإن ارتفعت لغير عارض-: ففيه قولان: قال في الجديد- وهو المذهب: وبه قال علية العلماء-: عدتها لا تنقضي حتى يمضي بها ثلاثة أقراء، أو تبلغ سن الآيسات، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ كما لو كان انقطاع دمها لعارض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وهذه ليست من الآيسات، ولا من اللائي لم يحضن. وفي القديم قولان: أحدهما: تتربص تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن الغالب أن الحمل لا يبقى في البطن أكثر من تسعة أشهر، ويروى هذا عن عمر، ﵁. والثاني: تتربص أربع سنين، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن براءة الرحم لا تتيقن إلا بمضي أربع سنين.

стр. 2556

فَصْلُ إذا مات صبي لا يجامع مثله يجب على امرأته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر؛ لأنها تجب تعبداً؛ بدليل وجوبها قبل الدخول، فلو كانت امرأة هذا الصبي حاملاً-: لا تنقضي عدتها بوضع الحمل منه؛ لأن الحمل منه لا يتصور. وكذلك: البالغ إذا مات أو طلق امرأته، وامرأته حامل بولد لا يحتمل أن يكون منه، بأن أتت به لدون ستة أشهر من يوم النكاح، أو أتت به لأكثر، ولكن لا يتصور وصول الزوج إليها-: فعدتها لا تنقضي بوضع الحمل. وقال أبو حنيفة- ﵁: إن كان الحمل بها ظاهراً يوم وفاته، أو طلاقه-: تنقضي عدتها بوضعه. وإذا ثبت أن عدتها لا تنقضي بوضعه- فينظر في الحمل: إن كان من وطء شبهة-: فبعد وضع الحمل-: تعتد عن الزوج؛ لأن العدتين من شخصين لا تتداخلان. وإن كان حملها من زنا- نظر: إن كانت عدة الزوج عدة طلاق، فإن كانت بالأشهر: فإذا مضى لها، ثلاثة أشهر قبل الوضع-: تنقضي عدتها، وإن كانت بالأقراء نظر: إن كانت المرأة لا ترى الدم على الحبل، أو كانت ترى، وقلنا: الدم الذي تراه الحامل لا يكون حيضاً-: فعليها أن تعتد عن الزوج بعد وضع الحمل بثلاثة أقراء. وإن كانت ترى الدم على الحبل، وقلنا: الحامل تحيض-: فيحسب ذلك عن عدة الزوج على الصحيح من المذهب، وقيل: لا يحسب الحيض على الحمل عن العدة؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم. وإذا مات الممسوح: يجب على امرأته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، فإن مات أو طلق امرأته- وهي حامل- لا تنقضي عدتها بوضع الحمل على الصحيح من المذهب؛ لأنه لا يتصور منه الحمل. وفيه قول آخر: أنه تنقضي عدتها بوضع الحمل؛ لاحتمال العلوق بالتساحق، أما من كان مسلول الخصيتين، وذكره باق- فهو كالفحل في أنه يب على امرأته عدة الطلاق، وإن كانت حاملاً تنقضي عدتها بوضع الحمل. وإن كان الزوج مجبوباً وأنثياه سليمتان- نظر: إن ظهر بامرأته حمل-: يثبت نسبه منه، وتنقضي عدتها منه بوضعه، وإن لم يكن بها حمل: يجب عليها عدة الوفاة، ولا يجب عليها عدة الطلاق؛ لأنها تجب بالدخول، والدخول منه لا يتصور، والله أعلم بالصواب.

стр. 2557

فَصْلُ إذا طلق امرأته التي بلغت سن الإياس، وانقطع حيضها بعد الدخول بها-: يجب عليها أن تعتد بثلاثة أشهر؛ وكذلك التي لم تحض قط، وإن كانت في سن تحيض فيه النساء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. والاعتبار في بلوغها سن الآيسات: بنساء عشيرتها من قبل الأب والأم، فإذا بلغت سناً-: ينقطع فيها حيض نساء عشيرتها، وانقطع حيضها؛ فهي آيسة، وإذا انقطع قبلها-: لا تكون آيسة. وفيه قول آخر: أنه يعتبر إياس نساء العالم، وهي اثنان وستون ستة. ولو ولدت امرأة لم تر حيضاً قبله، ولا نفاساً بعده، ولزمتها العدة-: ففي عدتها وجهان: أحدهما: تعتد بالشهور؛ لظاهر الآية. والثاني: لا تعتد بالشهور؛ بل هي كمن ارتفعت حيضتها في غير أوانه؛ لأنها لا تحمل إلا وهي من ذوات الأقراء، وكل موضع أوجبنا عليها الاعتداد بالأشهر فإن طلقها منجزاً: فينكسر الشهر الأول؛ لأنه- وإن طلقها في أول الشهر- فالتلفظ بكلمة الطلاق يستدعي مضي زمان شهر؛ إذ بعده يكون بالهلال؛ سواء خرج ناقصاً أو كاملاً، حتى لو طلقها بعد مضي خمسة أيام من الشهر-: تنقضي عدتها بعد مضي خمسة أيام من الشهر الرابع، إن خرج شهر الطلاق كاملاً. وإن خرج ناقصاً-: فبعد مضي ستة أيام من الشهر الرابع: فإن أتت الساعة التي طلقها فيها من ليل أو نهار-: تنقضي عدتها. وإن كان قد علق طلاقها بانسلاخ الشهر، أو قال: أنت طالق مع آخر جزء من آخر الشهر. فإذا وقع الطلاق بانسلاخ الشهر-: تعتد بثلاثة أشهر كلها بالأهلة؛ لأن الشهر لا ينكسر ههنا. وإذا اعتدت الصغيرة بالأشهر، ثم حاضت بعدها-: لا يجب عليها أن تعتد بالأقراء، وإن حاضت قبل مضي الأشهر الثلاثة-: عليها أن تعتد بالأقراء، وإن بقي من الشهر ساعة-: وجب؛ لأنها قدرت على الأصل قبل الفراغ من البدل؛ كالمتيمم: يجد الماء في خلال التيمم: يجب أن يتوضأ، ثم هل يحسب ما مضى قرءاً؟ فيه وجهان:

стр. 2558

أحدهما: وهو قول ابن سريج: يحسب؛ لأنهطهر بعده حيض، فكان كطهر قبله حيض. والثاني: وهو قول أبي إسحاق-: لا يحسب كذات الأقراء، إذا اعتدت بقرء، ثم أيست-: عليها أن تعتد بثلاثة أشهر، ولا يحسب ما مضى شهراً. وبعض أصحابنا قالوا: هذا بناءً على أن القرء اسم لماذا؟ وفيه جوابان: أحدهما: اسم للانتقال؛ يقال: قرأ النجم؛ إذا انتقل من برج إلى برج، فعلى هذا: يحسب قرءاً؛ لوجود الانتقال. والثاني: اسم لطهر احتوشه دمان؛ فعلى هذا: لا يحسب قرءاً. أما الآيسة: إذا عاودها الدم قبل انقضاء الأشهر الثلاث: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، ويحسب ما مضى قرءاً. ولو عاودها الدم بعد انقضاء الأشهر: فهل يجب عليها أن تعتد بالأقراء؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ كالصغيرة إذا رأت الدم بعد الأشهر. والثاني: وهو المذهب-: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، سواء رأت الدم بعد ما نكحت أو قبله، وإن كانت نكحت-: فالنكاح باطل؛ بخلاف الصغيرة، لأن الصغيرة جوز لها الاعتداد بالأشهر؛ لعلة أنها لا تحيض، وذلك لا يرتفع بحيضها من بعد، والآيسة جوز لها؛ لعلة الإياس، وبان برؤية الدم أنها لم تكن آيسة. وقيل: القولان فيما إذا لم تكن قد نكحت، فإن كانت قد نكحت، ثم رأت الدم-: لا يبطل النكاح، ولا يجب عليها الاعتداد بالأقراء، فحيث قلنا: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، فإن رأت الدم مرة، ثم لم يعاودها الدم- يجب عليها استئناف الاعتداد بثلاثة أشهر، والله أعلم. فَصْلُ قال الله ﵎: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] الآية. المعتدة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل، سواء انفصل الولد عنها حياً أو ميتاً، ولو أسقطت سقطاً ظهر فيه خلق الآدميين من سن أو ظفر، أو ظهر فيه التخطيط-: تنقضي العدة به. وإن أسقطته بضرب ضارب-: يجب على الضارب به الغرة والكفارة.

стр. 2559

وإذا أسقطت أمة من سيدها-: تصير به أم ولد له، ولو ألقت مضغة لم يظهر فيها شيء من خلق الآدميين-: يرى القوابل، فلو قال أربع نسوة من أهل العدالة والمعرفة: إنه لحم الولد، وقد ظهر فيه تخطيط باطن-: [تتعلق بها هذه الأحكام، فإن قلن هو لحم ولد، ولكن لم يظهر فيه تخطيط]، أو شكن في ظهور التخطيط-: نص على أن العدة تنقضي به، ونص على أن الجارية لا تصير أم ولد له، ولا يجب على الضارب الغرة به، إذا ألقته بضربه، واختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل في ثبوت هذه الأحكام قولين: أحدهما: لا يتعلق بها شيء من هذه الأحكام؛ لأنها تتعلق بالولد، ولا يتناوله اسم الولد؛ كما لو ألقت علقة. والثاني: تتعلق به هذه الأحكام بقول القوابل: إنه لحم الولد؛ كما لو قلن: ظهر فيه التخطيط. ومنهم من قال- وهو للأصح-: "لا يتعلق به شيء من هذه الأحكام، ما لم يتبين فيه شيء من خلق الآدميين ظاهراً أو باطناً يعلمه أهل الصنعة، ونصه في العدة محمول عليه. ومنهم من فرق بين هذه الأحكام على ظاهر النص، فقال: لا تجب الغرة؛ لأن الأصل براءة ذمته؛ فلا تنشغل إلا باليقين. وأمومة الولد لا تثبت؛ لأن ثبوتها بحرية الولد، ولم يوجد الولد حتى يحكم بحريته. أما العدة تنقضي؛ لأنها تنقضي [بدون اللحم، وهو] الدم، فباللحم أولى. ولو شكت القوابل: أن هذا لحم ولد أم دم جامد: فلا يتعلق به شيء من هذه الأحكام. ولو اختلف الزوجان، فقالت: أسقطت ما ظهر فيه خلق الآدميين، وأنكر الزوج، وكان ما أسقطت بائناً-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها مؤتمنة-: في العدة. وإذا رأت الحامل الدم على الحبل: لا تنقضي به عدتها. وإن جعلناه حيضاً؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم، بخلاف زمان الإرضاع، إذا رأت فيه الدم-: تنقضي عدتها، وإن كانت حاملاً بولدين، فوضعت أحدهما-: لا تنقضي به عدتها. [وإن جعلناه حيضاً؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم] حتى لو كان الطلاق رجعياً-:

стр. 2560

يجوز للزوج مراجعتها قبل وضع الثاني ولو طلقها-: يقع الطلاق. وكذلك: لو كانت حاملاً بولد، فخرج بعضه-: لا تنقضي عدتها ما لم ينفصل الكل. وإذا كانت المرأة تعتد بالأقراء أو بالأشهر، فظهر بها حمل من الزوج-: عليها الاعتداد بوضع الحمل؛ لأن وضع الحمل دليل على براءة الرحم من جهة القطع، والأقراء من جهة الظاهر، فإذا جاء القطع-: سقط حكم الظاهر. أما إذا عرتها الريبة قبل مضي الأقراء والأشهر-: لا يجوز لها أن تنكح بعد مضيها، حتى تزول الريبة، فإن نكحت: فباطل. ولو عرتها الريبة بعد انقضاء العدة- نظر: إن كان بعدما نكحت لا يحكم ببطلان النكاح؛ لاتصال حق الزوج الثاني به، إلا أن يتحقق الحمل يوم النكاح؛ فيحكم ببطلانه. وإن كان قبل النكاح-: فالأولى ألا تنكح حتى تزول الريبة، فلو نكحت-: ففيه قولان: أحدهما: لا يصح ما لم تزل الريبة، كما لو عرتها الريبة قبل مضي الأقراء. والثاني: يكون موقوفاً على تبين الحمل، فإن وضعت لأقل من ستة أشهر-: بانت أنها كانت حاملاً، ولم يصح النكاح، ولو راجعها الزوج بعد مضي الأقراء قبل زوال الريبة-: لا خلاف أنه يتوقف على اليقين، والله أعلم. فَصْلُ إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً بخلع، أو استيفاء ثلاث طلقات، أو فسخ الناكح بعيب، أو لاعن عنها، ولم ينف الحمل، ثم أتت بولد لأربع سنين فأقل من وقت الفراق- فهو يلحق بالزوج، سواء أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر إلا أن ينفيه باللعان. وأن أتت به لأكثر من أربع سنين-: فهو منفي عنه بلا لعان، سواء أقرت بانقضاء عدتها أو لم تقر. وعند أبي حنيفة: يلحقه إن أتت به لأكثر من ستة أشهر إلى سنتين، إذا لم تقر بانقضاء عدتها، فإن أقرت بانقضاء عدتها، ثم أتت به لأقل من ستة أشهر-: يلحقه، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر-: لا يلحقه، وبه قال ابن سريج: أنها إذا أقرت بانقضاء العدة، ثم أتت
следующие страницы →