Полный текст (3 626 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
النبي- ﷺ لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ"
والثالث: تكون عليهما.
فإن قلنا: تجب على الابن، فهل يعتبر فيه القرب؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يعتبر، وهو قول أبي حنيفة؛ بل نفقة الولد وولد الابن، وإن سفل، ذكراً كان أو أنثى-: أولى بالوجوب عليه من الأب، وما دام يوجد أحد من المولودين، وإن سفلوا، موسراً-: لا تجب على الوالدين.
والثاني: يعتبر القرب، حتى يقدم الابن على الجد، ويقدم الأب على ابن الابن، وإذا اجتمع الجد مع ابن الابن-: فعلى الأوجه الثلاثة؛ كالأب مع الابن، وكذلك: إذا كان له أب وبنت، أو أم وابن، أو أم وبنت، وإذا كان له ابن وجد-: فالمذهب أنها على الابن؛ لأنه أقرب.
وقيل: هو كالأب مع الابن، فحيث قلنا: يجب عليهما في هذه المسائل-: فهل يعتبر الإرث في مقدار ما يجب على كل واحد منهما، أو إذا كان أحدهما وارثاً دون الآخر؛ فيكون على الوارث؟ فيه وجهان.
وكل موضع أوجبنا النفقة على أقرب القريبين؛ فإذا أعسر الأقرب، أو مات-: أخذ من الأبعد.
وإن غاب الأقرب: أخذ من ماله، إن كان له مال حاضر، وإن لم يكن-: يستدان عليه، فإن لم يوجد-: يؤخذ من الأبعد، ثم إذا حضر الأقرب-: رجع الأبعد عليه، والله أعلم.
فَصْلُ فِي اجْتِمَاعِ المُسْتَحِقِّينَ لِلنَّفَقَةِ
وإذا كان له عدد من الوالدين والمولودين معسرين، نظر: إن كان ماله أو كسبه يسع
стр. 2662
لنفقة الكل-: يجب عليه نفقة جميعهم، قريبهم وبعيدهم فيه سواء.
стр. 2663
وإن لم يسع- نظر: إن فضل عن قوت بدنه، وقوت عياله نفقة شخص، وله ابنان، أو ابن وبنت معسران-: فهما سواء.
ولو كان له ولد وولد ولد، أو أب وجد-: فالأقرب أولى؛ كما لو كانا موسرين، وهو معسر-: كانت نفقته على أقربهما.
وقيل: هما سواء؛ لأن النفقة بالقرابة، وكذلك: لا يسقط أحدهما الآخر، إذا قدر على نفقتهما، وإن كان الأبعد زمناً دون الأقرب-: فالزمن أولى.
وإن كان له أب وأم، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: الأم أولى؛ لأنها أضعف، وحقها أعظم.
روي أن رجلاً سأل النبي- ﷺ قال: "مَنْ أَبَرُّ"؟ فَقَالَ: "أُمَّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبَاكَ".
والثاني: الأب أولى؛ لأن نفقة الولد في حال الصغر عليه.
والثالث: هما سواء؛ فيكون بينهما لاستوائهما في القرابة والقرب.
وإن كان له أب وابن- نظر: إن كان الابن صغيراً-: فهو أولى، وإن كان كبيراً-: ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الابن أولى، كما في حال الصغر.
والثاني: الأب أولى؛ لأن حقه أعظم.
والثالث: هما سواء، وكذلك الأم والابن. [قال الشيخ]: وكذلك إذا كان له جد وابن ابن.
стр. 2664
وإن كان له جدان- نظر: إن استويا في الدرجة، وأحدهما عصبة-: فهو أولى، مثل: أب الأب أولى من أب الأم.
وإن لم يكن واحد منهما عصبة-: فهما سواء.
وإن اختلفا في الدرجة-: فأقربهما درجة أولى، إن استويا في العصوبة، أو عدم العصوبة؛ كما أن الأب أولى من أب الأب، وكذلك: أب الأم أولى من أب أب الأم، ومن أب أم الأم.
وإن كان الأبعد عصبة دون الأقرب-: فهما سواء؛ لأن في أحدهما قوة القرب، وفي الآخر قوة العصوبة.
ولا تقدير لنفقة القريب، بل يجب تقدير الكفاية، وكذلك: تجب كسوته، وزكاة فطره، وسكناه، وإن احتاج إلى من يخدمه-: تجب عليه نفقة خادمه، وتجب على الولد نفقة زوجة الوالد المعسر، وكسوتها، ولا يجب على الوالد نفقة زوجة الولد؛ لأنه يجب على الولد إعفاف الوالد، فإذا لم ينفق على زوجته، ففسخت النكاح-: فلا يحصل مقصود الإعفاف، ولا يجب على الوالد إعفاف الولد؛ فلا يجب عليه نفقة زوجته. ولو كانت للأب زوجتان: لا يجب على الابن إلا نفقة واحدة، لأن الإعفاف لا يجب إلا بامرأة واحدة.
وقيل: يجب نفقة زوجة الولد؛ كما يجب نفقة زوجة الوالد.
ولا يجب على الولد الإدام لزوجة الوالد، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقده لا يثبت فسخ النكاح، ولأن الإدام لا يجب للقريب على قريبه، ونفقة القريب لا تصير ديناً في الذمة، حتى لو مضى يوم، ويكلف المستحق فيه نفقته من موضع آخر، أو بات طاوياً-: لا يجب على قريبه نفقة ذلك اليوم.
ولو دفع إليه النفقة، فسرق منه، أو تلف، أو أتلفه-: يجب عليه الإبدال وإن كان قد أتلفه يجب عليه ضمان ما أتلفه إذا أيسر.
وإذا وجبت نفقة الأب أو الجد على ولده الصغير أو المجنون-: له أن يأخذ بنفسه؛ لأنه يلي ماله.
أما الابن إذا وجبت نفقته على الأب المجنون-: فلا ياخذه إلا بإذن الحاكم؛ لأنه لا يلي مال والده، وكذلك: الأم لا تأخذ نفقتها من مال الولد الصغير، أو المجنون إلا بإذن الحاكم.
والابن الصغير إذا أطاق العمل-: فللأب أن يؤاجره لعمل يطيق الدوام عليه، ويأخذ من أجرته نفقة نفسه، وإن كان الأب معتوهاً ذا صناعة-: فللحاكم أن يولي ابنه القيام عليه، فيؤاجره الابن، وينفق عليه من ماله، ولا يأخذ نفقة نفسه منه إلا بإذن الحاكم، وكذلك: ينفق
стр. 2665
الابن على أولاده الزمني المعسرين من مال الأب المجنون بعد إذن الحاكم، وإن كان الذي عليه- النفقة غائباً- فالقاضي يأمر من يستقرض؛ فينفق عليه، ثم على الغائب قضاؤه، إذا رجع.
ولو استقرض المستحق، فأنفق على نفسه ليرجع على الغائب- نظر: إن فعل بأمر القاضي-: رجع، وإن فعل دون أمره، [وفي البلد قاض]-: لا يرجع، وإن لم يكن في البلد قاض-: هل يرجع؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التلخيص": نفقة القريب لا تصير ديناً إلا ههنا، وهو: أن يكون من عليه غائباً أو ممتنعاً، فيأمر القاضي المنفق عليه أن يستقرض، فينفق على نفسه، ثم على من عليه، قضاؤه.
والولد الصغير المعسر تكون نفقته وكسوته وخدمته على الأب، وكذلكك رضاعة ما لم يبلغ مبلغاً يمكنه الكسب، ولا يجب على الأم؛ لقوله ﵎: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ولو غاب الأب تستدين الأم عليه، وهل تحتاج إلى إذن الحاكم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل هو حق يثبت لها بالشرع.
والثاني: بلى؛ لأنه لا ولاية لها على الولد.
فإن قلنا: لا تحتاج إلى إذنه، أو قلنا: تحتاج، ولكن لم يكن في البلد حاكم: فإن أشهدت-: رجعت؛ وإلا فعلى وجهين.
وإن أنفقت من مال نفسها متبرعة-: لا ترجع، وإن نوت الرجوع، وأشهدت-: رجعت، وإن لم تشهد-: فوجهان:
وإن كان الأب معسراً-: هل تلزمه نفقة الصغير؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه من تتمة مؤنة الاستمتاع، كنفقة الزوجة؛ فعلى هذا يستدان على الأب حتى يوسر، ولا يجب على الجد، ولا على الأم.
والثاني: وهو الأصح عندي-: لا يجب على الأب المعسر؛ كنفقة القريب البالغ، بل يجب على الجد، أو على الأم، إذا كانا موسرين.
стр. 2666
فَصْلُ
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
إذا أتت المرأة بولد في نكاح-: لا يجب على الأم إرضاع الولد إلا اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش بدونه، ولا يغني من غيرها، بل على الأب أن يستأجر امرأة لإرضاع الولد، إلا ألا توجد مرضعة؛ فيجب عليها الإرضاع.
وقال أبو ثور: تجبر المرأة على إرضاع الولد.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كانت المرأة دنيئة-: يجب عليها الإرضاع، وإن كانت شريفة- لا يجب.
قلنا: أجمعنا على أنه إذا طلقها-: لم يملك إجبارها على إرضاع الولد، وكذلك: في حال بقاء النكاح؛ فإن رغبت المرأة في الإرضاع-: فعلى الزوج تمكينها من ذلك، ولم يكن له أن ينزع الولد منها إلى غيرها؛ لأن الولد يستمرئ لبن أمه، وينتفع به أكثر من انتفاعه بلبن غيرها.
وقيل: له منعها منه، وتسليمه إلى غيرها، كما يمنعها من أن تؤاجر نفسها؛ لإرضاع ولد الغير؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في جميع الأوقات، إلا في وقت العبادة؛ فلا يجوز لها تفويته عليه بالرضاع.
وإذا رضيا بإرضاعه، هل يزاد في نفقتها المقدرة بسبب الإرضاع والحضانة؟ فيه وجهان:
أحدهما: قاله أبو إسحاق-: يزاد؛ لأنها تحتاج في حال الرضاع إلى أكثر مما تحتاج إليه في غيره.
والثاني: وهو الأصح، وعليه أكثر الأصحاب-: لا يزاد؛ لأن قدر النفقة يعتبر بحال الزوج لا بحالها؛ كما لا يزاد بسبب كونها أكولة.
وإذا رغبت المرأة في الإرضاع، وطلبت الأجرة عليه-: يجب على الزوج أجرتها، ويجوز للزوج استئجارها على إرضاع الولد؛ وكذلك: على مهن البيت من الكنس والطبخ ونحوهما.
وقال أبو حامد: لا يجوز لها أخذ الأجرة على الإرضاع في حال بقاء النكاح؛ لأن أوقات الرضاع مستحقة للزوج للاستمتاع، وقد استحقت في مقابلتها عوضاً، وهي النفقة؛ فلا تستحق عوضاً آخر.
والمذهب هو الأول؛ كما يجوز لها طلب الأجرة بعد البينونة.
стр. 2667
ولو أرضعت بالأجرة في حال بقاء النكاح: فإن كان اشتغالها بالإرضاع يقطع استمتاعه، أو ينقصه-: فلا نفقة لها؛ وإلا فتجب مع الأجرة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز استئجار المرأة على إرضاع الولد في حال بقاء النكاح، وكذلك على مهن البيت؛ لأنها مستحقة عليها عرفاً؛ فصار كالمستحق عليها شرعاً، والآية حجة عليه، ونقيس على إرضاع ولد الغير، وعلى حال المفارقة.
وإن كانت الأم تطلب أكثر من أجرة المثل، والزوج يجد من ترضع بأجرة المثل، أو تتبرع به-: فللزوج نقله إلى من تتبرع أو ترضع بأجرة المثل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
وإن كانت الأم تطلب أجرة المثل، والزوج يجد من تتبرع به، أو ترضع بأقل من أجر المثل-: فقولان:
أحدهما: الأم أحق- وهو اختيار المزني- بأجر المثل؛ لأن الإرضاع لحق الولد، وإلا أشفق عليه، فإرضاعها أنفع له.
والثاني: الأب أحق به؛ لأن الإرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير.
ثم لو وجد الابن الكبير من يتبرع عليه بالإنفاق-: سقطت نفقته عن الأب؛ فكذلك: إذا تبرعت أجنبية بإرضاع الصغيرة-: سقطت الأجرة عن الأب؛ فعلى هذا: لو اختلفا؛ فقال الأب: وجدت من تتبرع بالإرضاع، وأنكرت-: فالقول قوله مع يمين؛ لأنها تدعي استحقاق الأجرة، وهو ينكر، والله أعلم.
فَصْلُ
لا يجب على العبد نفقة ولده، بل إن كانت الأم حرة-: فالولد حر، ونفقته عليها، وإن كانت أمة-: فالولد رقيق لمالك الأمة، ونفقته على مالكه، وكذلك: المكاتب إذا كان له ولد من حرة أو أمة.
فإن استولد المكاتب أمة نفسه-: يتكاتب الولد عليه، وعليه أن ينفق عليه من كسب نفسه، حتى يبلغ الولد محل الكسب، فينفق عليه من كسبه ويستعين بالفضل على أداء النجوم وإذا أتت المكاتبة بولد، فلا تجب نفقته على الأب، سواء كان حراً أو عبداً أو مكاتباً.
وفي الولد قولان:
أحدهما: أنه رقيق لمولى الأم؛ فعلى هذا: تكون نفقته على مولى الأم.
стр. 2668
والثاني: يتكاتب على الأم؛ وعلى هذا: إذا قتل-: فقيمته لمن تكون؟ فيه قولان:
أحدهما: لمولى الأم؛ فعلى هذا النفقة عليه.
والثاني: القيمة للأم؛ تستعين بها على أداء النجوم، فعلى هذا: نفقته في كسب الأم.
وإن كان الولد حراً، والأبوان رقيقان-: فنفقته في بيت المال، والله أعلم.
بَابُ أَيُّ الوَالِدَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَوْلُودِ.
رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ الله بْنِ عَمْروٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: "يَا رَسُولُ الله، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيَيِ لَهُ سِقَاءً، وَحَجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي".
إذا افترق الأبوان، ولهما ولد صغير دون سبع سنين أو مجنون-: فالأم أولى بحضانته من الأب؛ لأنها أشفق وأهدى إلى الحضانة؛ ولكن: لا يجب عليها، وإن رغبت لها طلب الأجرة، وإن امتنعت-: فعلى الأب حضانته؛ فلو جف لبن الأم، أو امتنعت من الإرضاع-: لا يبطل حقها من الحضانة، فعلى الأب: أن يستأجر امرأة ترضعه عند الأم.
وقيل: إن امتنعت من الإرضاع-: بطل حقها من الرضاعة.
والأول أصح، وإنما تكون الأم أولى، إذا كانت مسلمة حرة عاقلة مأمونة.
وإن كانت أمة أو مجنونة أو فاسقة، أو كانت كافرة، والأب مسلم-: فلا حق لها في الحضانة، والأب أولى به؛ لأن الأمة منفعتها للمولى؛ فلا تتفرغ للحضانة، والمجنونة لا
стр. 2669
تهتدي إليها، والفاسقة والكافرة لا حظ للصبي في حضانتهما، لأنه ينشأ على طبعهما، فإن أسلمت الأم أو عتقت، وحسن حالها-: كان الحق لها.
وهذا إذا كان الأبوان في بلد واحد، أو في بلدين بينهما أقل من مسافة القصر، وإن كان بينهما مسافة القصر-: فالأب أولى بالولد، حتى لايضيع نسبه؛ لأن حفظ النسب، وتعهد الأب انظر للصبي من حسن حضانة الأم، وإنما تكون الأم أولى ما لم تنكح، فإذا نكحت-: سقط حقها، وكان الحق للأب؛ لأنها إذا اشتغلت بحق الزوج-: لا تتفرغ للحضانة؛ بخلاف الأب إذا نكح لا يسقط حقه؛ لأن شغله بالزوجة لا يمنعه من تعهد الولد.
ولو نكحت الأم عم الصبي-: لا يسقط حقها من الحضانة، وهي أولى من الأب؛ قاله صاحب "التلخيص"؛ تخريجاً، وإنما خرجه من نص الشافعي- ﵁ أن الجدة إذا نكحت جد الصبي-: لا يبطل حقها.
فمن أصحابنا من وافقه، وقال: إذا نكحت الأم عم الصبي-: لا يبطل حقها؛ لأن للعم له حقاً في الحضانة كالجدة، إذا نكحت جد الصبي.
ومنهم من قال: يبطل حق الأم؛ بخلاف الجدة إذا نكحت جد الصبي؛ لأن الجد أب، وله ولاية على الولد، والعم لا ولاية له على ابن الأخ.
فإذا سقط حق الأم بالنكاح، فطلقها زوجها-: عاد حقها، سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً.
وقال أبو حنيفة: إن طلقها رجعياً-: لا يعود حقها، وهو اختيار المزني.
قلنا: سقوط حقها بالنكاح كان اشتغالها بحق الزوج، وارتفع ذلك بالطلاق، رجعياً كان
стр. 2670
أو بائناً؛ فعاد حقها في الحالين.
وإذا ماتت الأم، أو فسقت، أو كانت رقيقة أو كافرة، أو جنت أو نكحت-: فأم الأم، وإن علت، أولى من الأب.
قضى أبو بكر على عمر- ﵄ بأن جدة ابنه أحق به منه.
ويقدم أقربهن، ما لم تنكح، وإن نكحت-: كان الحق للأب، إلا أن تنكح الجدة جد الصبي أبا أبيه، أو أبا أمه، إن أثبتنا له الحضانة أو عمه؛ على أحد الوجهين؛ فلا يسقط حقها.
ولو رضي الأب يكون الولد عند الأم بعد ما نكحت، ورضي به زوجها، فلا حق للجدة؛ على أصح الوجهين؛ بل يكون عند الأم.
وقيل: لا يسقط حق الجدة برضا الأب.
ولو غابت الأم، أو امتنعت من الحضانة-: فالحق ينتقل إلى الأب، أو إلى الجدة؟ فيه وجهان:
أصحهما: إلى الجدة؛ كما لو جنت الأم، أو ماتت.
والثاني: ينتقل إلى الأب، بخلاف ما لو جنت، أو ماتت؛ لأنها بالجنون والموت سقط حقها من الحضانة، وبالغيبة والامتناع-: لم يسقط إلا أنها تركت حقها؛ كما في ولاية التزويج: إذا جن الولي الأقرب، أو مات-: يزوجها الأبعد، ولو غاب الأقرب، أو عضل-: لا يزوجها الأبعد، إنما يزوجها السلطان، أما الأب إذا غاب-: فالحق للجد؛ كما لو جن أو سق-: فلا ينتقل إلى السلطان؛ بخلاف التزويج؛ لأن الغائب يمكنه التزويج إلا أنه تعذر الوصول إليه؛ فناب عنه السلطان، والغائب لا يمكنه الحضانة، فكانت الغيبة كالموت والجنون.
وإذا بلغ المولود سبع سنين أو ثمان سنين، وعقل عقل مثله-: يخير بين الأبوين، فأيهما اختاره يكون عنده، سواء كان المولود ذكراً أو أنثى، وقولنا: سبع سنين، أو ثمان سنين - تنويع؛ فإن من الصبيان من يعقل لسبع، ومنهم من يعقل لثمان.
والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي- ﷺ خير غلاماً بين أبيه وأمه".
стр. 2671
وعن عمارة الجرمي قال: "خيرني علي بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع سنين، [أو ثمان سنين].
وعند أبي حنيفة: لا يخير، بل إن كان المولود ذكراً-: يكون مع الأب، وإن كان أنثى-: فمع الأم؛ والحديث حجة عليه.
فإن كان أحد الأبوين رقيقاً أو مجنوناً، أو كافراً أو فاسقاً-: فلا يخير الولد، بل يكون عند الثاني.
وإذا أفاق الآخر، أو عتق، أو أسلم أو حسن حاله-: يخير؛ وكذلك: إذا نكحت الأم، أو انتقل الأب إلى مسافة القصر-: فلا يخير، بل يكون الأب أولى به.
وإذا خيرناه، فاختارهما، أو لم يختر واحداً منهما-: يقرع بينهما، لأنه لا يمكن اجتماعهما على كفالته، ولا يمكن تركه، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
فإذا خيرناه، فاختار الأم-: يجب على الأم نفقته، ويلزمه أجرة الحضانة، إن طلبت الأم.
وإن اختار أحدهما، ثم رجع، فاختارالآخر-: يحول إلى الآخر.
وإن عاد، واختار الأول من غير إطالة-: أعيد إليه؛ لأن هذا الاختيار ليس بلازم؛ لأنه لو كان لازماً-: لما صح من الصبي، بل هو إلى شهوته، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت، وعند الآخر في وقت.
فإن كان يكثر التردد-: يستدل به على نقصان عقله، فتكون الأم أولى به؛ كما لو بلغ سبع سنين، وهو مجنون-: كانت الأم أولى به، وكذلك: إذا بلغ ما لم تنكح يكون عند الأم.
وكل موضع أثبتنا حق الحضانة للأم: إما قبل سبع سنين أو بعده اختار الأم-: فليس لها منع الأب من تأديبه وإخراجه إلى الكتاب والصناعة، إن كان من أهلها، ويأوي بالليل إلى الأم.
وإن اختار الأب-: لم يكن له منعه من زيادة الأم في بعض الأيام، ولا منع الأم من
стр. 2672
زيارته، إلا أن تكون أنثى-: فله منعها من الخروج إلى الأم، ولا يمنع الأم من زيارتها، فإن مرضت الأم-: أذن لها في عيادتها دون التمريض؛ لأنها لا تهتدي إليه، وإن مرض الولد-: لا تمنع الأم من تمريضه في بيت الأب أو في بيتها؛ لأنه بالمرض: صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، وكانت الأم أحق بتمريضه.
وإذا مات لا يمنعها من حضور غسله وتجهيزه.
وإذا بلغ الصبي، وكان رشيداً-: يلي أمر نفسه، ولا يخير، إذا كان ذكراً: أن يكون عند واحد من الأبوين؛ غير أن المستحب له أن يبرهما، ولا يفارقهما إلا بإذنهما.
وإن لم يكن رشيداً-: فليس له أن يفارق الأبوين، وإن كانت جارية: فإن كانت متزوجة-: تكون عند الزوج.
وإن كانت خلية- نظر: إن كانت بكراً-: كانت مع أحد أبويها من شاءت منهما، والأب أو الجد عند عدمها أولى بضمها إلى نفسه؛ لأنه وليها إلى أن تتزوج، وتزف إليه.
وهل يثبت حق الضم للأخ والعم؟ فيه وجهان:
وإن كانت ثيباً-: سكنت حيث شاءت، غير أن الاختيار ألا تفارق أحد الأبوين، [وإن كانت بريئة-: ضمها إلى نفسه أحد الأبوين أو أي الأولياء، كان جداً أو أخاً أو عماً، والله أعلم.
فَصْلُ فِيمَنْ تَثْبُتُ لَهُ الحَضَانَةُ وَتَرْتِيبِهِمْ
تثبت الحضانة للمحارم من نساء القرابة، سواء كانت ممن ترث أو لا ترث؛ كالخالة والعمة وبنات الأخ والأخت، وتثبت لرجال العصبة؛ كالأب والجد أب الأب، وإن علا، والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم.
وقيل: لا يثبت حق الحضانة لرجال العصبة إلا للأب أو الجد؛ لأن لهما ولاية وشفقة، وليست لسائر العصبات.
والأول المذهب؛ أنه يثبت للكل إلا أنهم إذا امتنعوا لا يجبرون عليه إلا الأب والجد [عند عدم الأب] فإنهما يجبران عليه؛ كما يجبران على الإنفاق، وكما لا تجبر الأم على الحضانة والنفقة مع الأب.
أما رجال العصبة الذين لا محرمية لهم؛ مثل: ابن العم ومن هو أبعد منه-: فلهم الحق إن طلبوا، إن كان المولود ذكراً، أو كانت صغيرة لا تشتهى.
стр. 2673
وإن كانت أنثى ممن يشتهى مثلها-: فلا تسلم إليه، فإذا أراد تسليمها إلى امرأة ثقة، وهو يعطي الأجرة-: فله ذلك.
أما من لا يكون عصبة من رجال القرابة؛ مثل: أب الأم والأخ من الأم والأخوال وبنيهم وبني العمات وبني الخالات، وبني الإخوة للأم والأعمام للأم-: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: لهم الحق؛ لأن لهم رحماً وقرابة؛ فهم أولى من الأجانب.
ومنهم من قال: لا حق إلا لمن تكون أنثى أو عصبة من الرجال.
وهذا هو المذهب: أن الأنثى لها معرفة بالحضانة، والعصبة لها قوة القرابة بالميراث.
وإن قلنا: لا يثبت لأب الأم-: فلا يثبت لكل أنثى تدلي به؛ مثل: أم أب الأم، بخلاف ما لو كانت الأم أمة أو مشركة-: لا حق لها في الحضانة، ويثبت لأمها؛ كما يثبت لها الميراث.
وإن قلنا: يثبت لهم الحق-: فلا حق لهم ما دام أحد من نساء القرابة أو رجال العصبة موجوداً، وإنما يثبت إذا كان محرماً، أو كان المولود ذكراً، وإن كان المولود أنثى-: فلا حق لابن الخال، وابن الخالة، وابن العمة، إلا أن يريد تسليمها إلى امرأة ثقة، ويعطي الأجرة.
وإذا اجتمع جماعة من أهل الحضانة، وتنازعوا- فلا يخلو: إما إن اجتمع النساء على الانفراد أو الرجال [على الانفراد، أو الرجال] مع النساء:
فإن اجتمع النساء على الانفراد-: فأولاهن الأم، ثم أم الأم، وإن علت لمشاركتهن الأم في الولادة والميراث: يقدم الأقرب فالأقرب منهن، ثم أم الأب، ثم أمهاتها وإن علون، ثم أم الجد أب الأب وإن علت، ثم أم أب الجد، ولا حق لأم الأب، ما دامت واحدة من أمهات الأم موجودة، وإن بعدت.
وكذلك: لا حق لأم الجد ما دامت واحدة من أمهات الأب موجودة، وإن بعدت.
ثم بعد الجدات: الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم، ثم العمة، على هذا الترتيب.
وقال ابن سريج: تقدم الأخت للأم على الأخت للأب؛ لأن إحداهما تدلي بالأم، والأخرى تدلي بالأب؛ فيقدم من يدلي بالأم؛ كما تقدم الأم على الأب؛ وكذلك على قياس قوله: تقدم الخالة والعمة من الأم على الخالة والعمة من الأب.
والأول المذهب؛ لأن الأخت من الأب أقوى في الميراث من الأخت من الأم؛ فكانت
стр. 2674
أولى بالحضانة، والخالة أولى من [بنت] الأخت؛ لأنها أشفق، وبنت الأخت أولى من العمة، والعمة أولى من بنت الخالة، وبنت الخالة أولى من بنت العمة.
هذا قوله الجديد، وهو الأصح.
وقال في القديم: تقدم الأخت الخالة على أمهات الأب، فبعد أمهات الأم، يكون الحق للأخت للأب والأم، ثم للأخت للأم، ثم للخالة، ثم أمهات الأب، ثم للأخت للأب، ثم للعمة.
وإنما قدمنا الخالة؛ لما روي عن البراء في قصة "عمرة القضاء" قال: "خرج النبي- ﷺ فتبعته بنت حمزة، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر- ﵃ أجمعين- قال علي- ﵁: هي ابنة عمي، وقال جعفر- ﵁: هي ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد- ﵁: هي ابنة أخي، فقضى بها النبي- ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم".
ولأن الخالة تدلي بالأم، وأم الأب تدلي بالأب، والأم تقدم على الأب، وكذلك: من تدلي بالأم تقدم على من تدلي بالأب.
أما إذا اجتمع الرجال على الانفراد-: فأولاهم الأب، ثم الجد أب الأب، وإن علا: يقدم الأقرب فالأقرب، ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأب وللأم، ثم العم للأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم للأب؛ لأن الحضانة تثبت لهم لعصوبتهم، وقوة قرابتهم بالإرث، فيتقدم من يقدم في الإرث.
أما إذا اجتمع الرجال والنساء من أهل الحضانة-: فالأم أولى من الأب، وكذلك: أم الأم، وإن علت، [أولى من الأب].
قضى أبو بكر- ﵇ -على عمر- ﵁ بأن جدة أبيه أحق به منه.
والأب أولى من أمه، فإن لم يكن له أب-: فأم الأب، ثم أم أم الأب، وإن علت أولى من الجد أب الأب وأمهاته، ثم بعد أمهات الأب-: فالجد أب الأب أولى من أم نفسه.
فإن لم يكن جد فأم الجد وأم أمه، وإن علت، ثم أب الجد، ثم أمهاته، ولا حضانة لأب الأم.
стр. 2675
قال الإصطخري: الأخت من الأب والأم، أو من الأم، والخالة-: أولى من الأب، وليس بصحيح؛ للاتفاق على أن أم الأب أولى من الأخت والخالة، وهي تسقط بالأب، فالأخت والخالة أولى بالسقوط.
فإن قلنا بقوله القديم: إن الأخت الخالة أولى من أم الأب-: كانتا أولى من الأب.
والمذهب: أن الأب مقدم على الكل بعد أمهات الأم.
فإن لم يكن أحد من الأمهات والآباء-: ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: النساء أحق بالحضانة من العصبات؛ فتقدم الأخت والخالة والعمة، على الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم؛ لأن النساء أهدى إلى الحضانة والتربية.
والثاني: العصبات أحق؛ لاختصاصهم بالنسب، والقيام بتأديب الولد.
والثالث: كل من من كان أقرب من الفريقين-: فهو أولى، فإن استويا في القرب-: تقدم النساء؛ لاختصاصهن بالتربية، وإذا استوى اثنان في القرابة والإدلاء؛ كالأخوين والأختين أو الخالتين أو العمتين-: يقرع بينهما.
فإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء، وله أقارب من رجال ذوي الأرحام ومن يدلي بهم-: ففيه وجهان:
أحدهما: أنهم أحق من السلطان؛ لأن لهم رحماً؛ كالعصبات.
والثاني: السلطان أحق؛ كما في الميراث؛ وهذا أصح.
وإذا بلغ اصبي سبع سنين أو ثمان سنين-: فقد ذكرنا أنه يخير بين الأبوين، فإن لم يكن له أب، وله جد وأم-: يخير بينهما؛ لأن الجد كالأب في الحضانة في حال الصغر.
فإن لم يكن محرماً؛ مثل: ابن العم: فإن كان الولد ذكراً-: يخير بينه وبين الأم، وإن كان أنثى-: فلا تخير، بل تكون عند الأم حتى تبلغ، والله أعلم.
стр. 2676
فَصْلُ
إذا أثبتنا حق الحضانة للأم، أو خيرناه بعد سبع سنين، فاختار الأم، ثم أراد الأب سفراً، وحمل الولد مع نفسه- نظر: إن ل م يكن سفر نقلة، بل خرج لغزو أو حج أو تجارة أو نزهة-: لا ينزع الولد من الأم.
وإن أراد سفر نقلة- نظر: إن أراد الخروج إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة-: فلا يبطل حق الأم؛ لأنهما كالمقيمين في محلتين من بلد واحد.
وإن أراد الخروج إلى مسافة القصر- نظر: إن كان الطريق مخوفاً أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفاً-: فلا يبطل حق الأم، فإن كان الطريق والموضع آمناً-: فالأب أولى به يحمله مع نفسه، حتى لا يضيع نسبه، إلا أن تخرج الأم معه، فلا ينزع منها.
ولو قال الأب: أريد النقلة، وقالت: بل تسافر لحاجة-: فالقول قول الأب؛ لأنه أعلم بنيته، وهل يحلف؟ فيه وجهان:
ولو أرادت الأم سفراً إلى مسافة القصر، والأب مقيم-: كان الأب أولى به.
وإن كان سفرها سفر حاجة؛ لأنه لا حظ للولد في حمله ورده.
وكذلك: يثبت حق النقلة لكل عصبة محرم؛ كالأخ وابن الأخ والعم؛ مراعاة للنسب.
وإن لم يكن محرماً؛ مثل: ابن العم: فإن كان المولود ذكراً-: يثبت له حق النقلة، وإن كان أنثى-: فلا يثبت، ويترك عند الأم، ولا يثبت للخال ولا للأخ للأم، ولا للعم للأم؛ لأنهم ليسوا من أهل نسبه.
ولا يثبت للمعتق ولا للمحرم بالرضاع حق الحضانة، ولا حق التخيير ولا النقلة.
ولا يثبت حق الحضانة والتخيير والنقلة ممن بعضه رقيق من الأبوين؛ كما لو كان كله رقيقاً.
وإن كان الآخر حراً-: فالحق له؛ وإلا فهو كما لو كانا رقيقين، فإن كان الولد حراً فحضانته في بيت المال؛ كالنفقة، فيستأجر الإمام امرأة لتحضنه.
وإن كان الولد رقيقاً لرق الأم-: فعلى السيد حضانته، ولا يثبت للأبوين.
وإن كانت الأم حرة، والولد رقيق-: فهل للسيد نزعه من الأم؟ فيه وجهان؛ بناء على جواز التفريق بين الأم والود فيه قولان:
стр. 2677
وإن كان الولد بعضه حراً: إن كان الأب حراً-: فعلى الأب قدر حريته من الحضانة، والباقي على المولى.
بَابُ نَفَقَةِ المَمَالِيكِ
روي عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "المملوك له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
يجب على المولى نفقة مملوكه وكسوته، سواء فيه القن، وأم الولد، والمدبر، والمرهون، ومن كان في إجارة الغير، ولا تجب عليه نفقة مكاتبه؛ لأنه كالخارج عن الملك؛ بدليل أنه لو قال: مماليكي أحرار-: لا يعتق المكاتب.
ويجب على المكاتب نفقة مملوكه، ولو كان العبد مشتركاً بين رجلين-: فعليهما نفقة كل واحد بقدر ملكه، ولا تتقدر نفقة المملوك؛ بل تجب بقدر الشبع من معروف نفقة دقيق بلده: حنطة كانت، أو شعيراً، أو ذرة، أو تمراً، أو أقطاً.
وكذلك: تجب كسوتهم من معروف لباسهم: صوفاً، أو قطناً، أو كتاناً.
فإن كان المولى من المتنعمين بلبس الثياب المرتفعة، وبأكل الأطعمة الشهية فوق ما يأكله ويلبسه عامة أهل البلد-: فيستحب أن يطعم ويلبس رقيقه مثل ذلك.
ولكن: لا يجب فوق ما يأكل ويلبس عامة أهل البلد، وما روي أن النبي- ﷺ قال: "إخوانكم خولكم؛ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس" فذلك خطاب مع العرب، وكانت أطعمتهم ولباسهم متقاربة.
فإن كان الرجل يقتات دون قوت أمثاله: إما شحاً أو تزهداً-: فهل يلزمه أن يطعم رقيقه ويلبسه فوق ذلك من عامة طعام رقيق البلد ولباسهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه؛ كزكاة الفطر: تكون من غالب قوت البلد، وإن كان هو يقتر على نفسه.
стр. 2678
والثاني: لا يلزمه فوق ما يأكل ويلبس؛ لأنه ليس من المعروف أن يزاد طعام العبد على طعام المولى.
وإن كانت له جارية ذات جمال وفراهة: يزاد في حسن لباسها، وطيب طعامها، سواء كانت يتسرى بها أو لا يتسرى بها؛ لأنه المعروف بين الناس؛ بخلاف العبد يسوي فيه بين الحسن والقبيح؛ لأنه لا يراد منه ما يراد من الجارية، وإذا ولي واحد من عبيده إصلاح طعامه-: يستحب أن يجلسه ليأكل معه: فإن لم يفعل-: يعطيه منه لقمة أو لقمتين، ويخصه من بين سائر الأرقاء؛ لأنه إذا تولى إصلاحه ربما اشتهى منه، وأقل ما يرد به شهوته لقمة؛ والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حره وعمله-: فليقعده، فليأكل معه، وإلا فليناوله أكلة من طعام".
وإذا زمن رقيقه أو عمي-: يجب عليه نفقته وكسوته أو بيعه أو إعتاقه: فإن لم يفعل-: باعه السلطان عليه، وإذا أتت أمته أو أم ولده بولد-: لم يكن له إجبارها على إرضاع ولد الغير إلا أن يفضل عن ري ولدها، أو يغتذي ولدها بطعام آخر يقيم بدنه- فحينئذ: له إجبارها على إرضاع ولد الغير، ويجوز له إجبار أمته وأم ولده على فطام ولدها قبل الحولين، إذا كان الولد يغتذي بالطعام، وله إجبارها على الإرضاع بعد الحولين، وإن كان يغتذي بالطعام، إذا لم يضر بالأم؛ بخلاف الحرة: إذا أراد أحد الأبوين الفطام قبل الحولين-: فللآخر إكمال الحولين، أيهما أراد الفطام-: له ذلك إذا كان الولد يغتذي بالطعام، إلا أن يتفقا على أن يزيدا-: فيجوز.
ولا يجوز للمولى أن يكلف رقيقه من العمل ما لا يطيق؛ بل يضرب عليه عملاً يطيق الدوام عليه؛ فإن كان يطيقه يوماً أو يومين، ثم يعجز-: فهو تكليف ما لا يطيق، فإذا عمل بالنهار-: تركه للراحة بالليل، وإذا عمل بالليل-: تركه يستريح بالنهار؛ فإن كان في الشتاء-: عمل بالنهار، ومن أول الليل، وفي السحر.
وإن كان في الصيف-: تركه للقائلة؛ كما هو العادة.
وإن كان للعبد زوجة-: تركه للاستمتاع بالليل، ولا يجوز أن يخارج مملوكه إلا برضاه؛ كما لا يكاتبه إلا برضاه، وهو أن يضرب عليه خراجاً معلوماً يؤديه، وإن طلب العبد ذلك-: لا يجبر الولي عليه؛ كما لا يجبر على الكتابة؛ فإن اتفقا عليه-: جاز، إذا كان له كسب.
стр. 2679
ويحصل ما ضرب عليه من الخراج من كسبه ويفضل عن نفقته وكسوته؛ فإن لم يفضل: كانت نفقته وكسوته على المولى، وإن ضرب عليه ما لا يحصل بكسبه-: لا يجوز، وإن حصل يوم أقل، ويوم أكثر-: يجبر النقصان بالزيادة؛ لما روي عن عثمان- ﵁ قال: "لا تكلفوا الصغير الكسب؛ فيسرق، ولا الأمة غير ذات الصنعة؛ فتكتسب بفرجها".
فَصْلُ فِي نَفَقَةِ الدَّوَابِّ
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأةُ فِي هِرَّةٍ؛ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الجُوعِ؛ فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا، وَلاَ تُرْسِلُهَا فَتَاكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ".
من ملك دابة-: يجب عليه علفها وسقيها، فإن لم يفعل أجبره السلطان على علفها أو بيعها أو ذبحها، إن كان مأكول اللحم، فإن لم يفعل-: أنفق عليها السلطان من ماله، فإن لم يكن له مال-: باعها عليه أو جزءاً منها، أو أكراهاً، إن أمكن إكراؤها، وأنفق عليها من الكراء حتى لو زمن أو عمي حماره، فلم يشتر-: عليه أن يعلفه، فإن لم يفعل-: باع عليه السلطان ماله في علفه، فإن لم يكن له مال-: أنفق عليه من بيت المال، ولا يجوز تضييعه؛ كالرقيق.
ولا يجوز أن يحمل عليها ما لا يطيق، ولا يحلب لبن ذات الدر ما لم يفضل عن ري ولدها.
فإن كانت الدابة مما ترعى، والأرض مخصبة-: فعليه علفها أو إرسالها للرعي، وإن كانت الأرض مجدبة: فإن كانت الدابة مما ترعى في الأرض المجدبة؛ كالنعم، وفي الأرض متعلق-: عليه أن يرسلها أو يعلفها، وإن كانت الدابة مما لا ترعى في الأرض المجدبة؛ مثل: ذوات الحوافر، أو لم يكن في الأرض متعلق علف أو موقع ثلخ-: عليه أن يعلفها في البيت.
أما غير ذي الروح من الأموال؛ كالزروع والثمار-: فلا يجبر على سقيها، ويكره ترك سقيها عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، ولا يجب الإنفاق على عمارة الذور والعقار، ولا يكره بقدر الحاجة, والزيادة على قدر الحاجة رغبة في الدنيا-: يكره.
стр. 2680
روي عن عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النبي- ﷺ قال: "لا تتخذوا الضيعة؛ فترغبوا في الدنيا".
تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع
وأوله: "كتاب القصاص"
стр. 2681
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء السابع
يحتوي على الكتب التالية
القصاص- الديات- القسامة- قتال أهل البغي- الحدود
صول الفحل- السير- الجزية
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
стр. 2682
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الاستعانةُ
كتابُ القصاصِ
"باب تحريم القتل ومن عليه القصاص"
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]. ورُوي عَنْ
стр. 2683
عثمان بن عفان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل قتل امريء مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: كُفرٍ بعد إيمانٍ، أو زناً بعد إحصانٍ، أو قتل نفسٍ بغير نفسٍ".
قتل الآدمي بغير جنايةٍ تبيح دمه-: حرام؛ وهو من أعظم الكبائر بعد الشرك بالله تعالى.
" [و] رُوي عن عبد الله بن مسعودٍ؛ أن رجلاً قال: يا رسول الله: أي الذنب أكبر عندَ
стр. 2684
الله؟: قال: أن تدعو لله نداً، وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن تطعمه معك، قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تُزاني حليلة جارك".
فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ثم القتل إذا كان عمداً يتعلق به القصاص عند وجود تكافؤ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وعن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من قُتل عمداً فهو قودٌ، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ".
وشرائط التكافؤ اثنان: الإسلام والحرية، فإذا استوى القتل والمقتول في الإسلام والحرية، ولم يكن بينهما شبهة الأبوة، وكان القتل عمداً محضاً - وجب القصاص، فإن اختلفا في الكفاءة قُتل المفضول بالفاضل، ولا يقتل الفاضل بالمفضول.
بيانه: يُقتلُ المسلمُ بالمسلمِ، والذمي بالذمي والمعاهد بالمعاهد [وإن اختلف دينهما، ويقتل المعاهدُ بالذميِّ، والذميُّ بالمعاهدِ]، ولا يقتلُ المسلمُ بالذميِّ ولا بالمعاهدِ؛ لما رُوي عن علي ﵇ أن النبي ﷺ قال:"لا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ".
стр. 2685
وهذا قولُ أكثر أهلِ العلم، وذهب الشعبي والنخعي إلى انه يقتلُ المسلمُ بالذمي والمعاهد.
стр. 2686
وعند أبي حنيفة:
يقتلُ [المسلمُ] بالذميِّ، ولا يقتلُ بالمعاهدِ.
فنقول بعد الخبر: المقتولُ منقوصٌ بنقص الكفرِ؛ فلا يجب القصاصُ بقتله على المسلم كالمعاهد، ويقتل الذميُّ والمعاهدُ بالمسلمِ، ولا قصاص على الحربي بقتل المسلمِ؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام.
ولو قتل ذمي ذمياً، ثم أسلم القاتلُ يُستوفي منه القصاصُ؛ لأنه كان مكافئاً [له] حالة القتل، ويراعى في العقوبات حالة الجنايات؛ كالعبد إذا زنى، أو قذف، ثم عتق - يُقام عليه حدُّ العبيد، ويستوفي الإمام القصاص عن المسلم بطلب وارث المقتول الكافر، ولا يفوضه إلى الوارث الكافر؛ لأنه لا يجوز تسليط الكافر على المسلم بالقتل والعقوبة، إلا أن يُسلم الوارثُ فيفوضه إليه.
ولو جرح [ذميُّ] ذميَّا، أو مستأمناً، فأسلم الجارحُ، ثم مات المجروح بالسراية، فإن كان قد قطع طرفاً في حال الكفر يثبت القصاص في ذلك الطرف.
وهل يثبت القصاص في النفسِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: وهو قولُ الأكثرين- يثبت؛ لوجود التكافؤ في حالة وجود السبب وهو الجرحُ؛ كما لو جُن الجارحُ، ثم مات المجروحُ - يجب القودُ.
والثاني: وهو القياسُ: لا يثبت القودُ، لعدم التكافؤ في أحد الطرفين؛ كما لو جرح مسلمٌ مسلماً، فارتد المجروح ومات - لا يجب القصاص في النفس، وكما لو جرح مسلمٌ ذمياًّ، ثم أسلم المجروح، ومات بالسراية - لا يجب القودُ؛ لعدم التكافؤ في حالة الجرح. ومن قال بالأول أجاب: أن فيما أوردتم تغيَّر حالُ المجني عليه، وما هنا تغير حالُ الجاني، فإن قلا يجب القصاص، فإن كان الجرح خطأ - فالدية كلها على عاقلة الذميين.
стр. 2687
وإن قلنا: لا يجبُ فضمانُ الجراحة على عاقلته الذميين، والباقي إلى تمام الدية في ماله.
ولو جرح مسلمٌ ذمياً، ثم ارتد الجارح، ثم مات المجروح- لا قود؛ لعدم التكافؤ في حالة الجناية، كما لو قلته، ثم ارتدَّ، ولو قتل ذميٌّ مسلماً، ثم أسلمَ - لا يسقط عنه القصاص، بخلاف ما لو قتل حربيُّ مسلماً، ثم أسلم - لا يُقتلُ به؛ لأنه لم يكن ملتزماً أحكام الإسلام حالة القتل؛ فلم يجب عليه القصاص.
ولو قتل مرتدٌ ذميًّا، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الأصح: [أنه] يجب القصاص؛ لأنهما كافران كالذميين؛ بل [المرتد] أسوأ حالاً من الذمي؛ فإنه لا يقر على دينه، ولا تحل ذبيحته؛ فأولى أن يُقتل بالذميِّ.
والثاني: لا يُقتل به؛ لأن حكم الإسلام باقٍ في المرتد؛ بدليل أنه يجب عليه قضاء الصلوات، ويحرم استرقاقه.
ولو قتل ذميٌّ مرتداً: اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: فيه قولان: بناء على المسألة الأولى: إن قلنا: يُقتل به المرتدُّ؛ لأنه أسوأ حالا ًمنه - فلا يقتل به الذميُّ؛ لأنه خيرٌ من المرتدُ. وإن قلنا: لا يقتل به المرتد؛ لبقاء حكم الإسلام فيه؛ فيقتل الذميُّ بالمرتدِّ.
ومن أصحابنا من قال، وهو الأصح: لا يقتل به؛ لأن المرتد مباحُ الدم، فلا يضمن دمُه بالقصاصِ؛ كما لا يضمن بالدية.
وقيل: إذا قلنا: يجب القصاص، فعند العفو تجب الدية، وكذلك إذا كان القتلُ خطأ؛ لأنه مباحُ الدم [للمسلمين] لا للكفار. فعلى هذا يجب أقل الديات، وهو دية مجوسيٍّ؛ لأنه لا دين له.
فإن قلنا: يقتلُ المرتدُّ بالذميِّ، فهو كالذمي يقتلُ ذميًّا، حتى لو جرح مرتدٌّ ذميًّا، ثم أسلم الجارح، ثم مات المجروح، ثم مات المجروح بالسراية - هل يقتلُ به؟: فيه وجهان:
ولو قتل مرتدٌ مرتدًّا، ففي وجوب القود وجهان.
وكذلك الزاني المحصن إذا قتل مثله، وكذلك المرتدُّ إذا قتل زانياً محصناً، ولو قتلَ
стр. 2688
الزاني المحصن مرتدًّا؛ فإن كان الزاني مسلماً فلا قود عليه، وإن كان ذميًّا، فوجهان:
قال الشيخ الإمام ﵀: الأصح عندي.
"أن لا قود على من قتل مرتدًّا، أو زانياً مُحصناً؛ لأن دمَهُ مباحٌ؛ فلا يضمن بقصاصِ، ولا دية".
فصل في شرط التكافؤ في القتل
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ...﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
لا يقتل الحرُّ بالعبد، سواء كان قتل عبد نفسهِ، أو عبد غيره، وكذلك لا يُقتل الحرُّ بالمكاتب، ولا بالمدبر، ولا بأم الولد، ولا بمن بعضه حرُّ، وبعضه رقيقٌ، ويقتلُ هؤلاء بالحر، سواء قتل سيده، أو أجنبياً.
وقال الشعبي، والنخعي: يُقتل الحر بالعبد على الإطلاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يُقتل بعبدِ الغيرِ، ولا يُقتل بعبدِ نفسهِ.
فنقول: اتفقنا على أنه لا نقطعُ طرفَ الحر بطرف العبد؛ فلأن لا يقتل به أولى؛ لأن حرمةَ النفس أعظمُ من حرمة الطرف.
ويُقتل المكاتبُ، والمدبر، وأم الولد بالعبد القن؛ كما يقتل بعضهم ببعضهم، ولا يُقتل من بعضه حر بأحدٍ من هؤلاء؛ لما فيه من فضل الحرية.
ولو قتل من بعضه [حر وبعضه] رقيق [شخصاً بعضه حرٌّ وبعضه رقيق] لا يقتل به، سواء كان الرق في القاتل أقلَّ، أو أكثر، أو استويا؛ لأنه قتله بجميع بدنه، لا أنه قتل بنصفه الحر نصفه الحر وبنصفه المملوك نصفه المملوك.
ففي الاستيفاء لا تتقابل الحرية بالحرية، والرق بالرق، بل تتوزع، فيصير بعض الحرية مستوفي بمقابلة الرق؛ بدليل أن من نصفه حر ونصفه رقيق إذا قتل شخصاً في مثل حاله خطأ - يجب بقتله نصف الدية، ونصف القيمة، ولا يقال: يتعلق نصف القيمة برقبة القاتل، ونصفُ
стр. 2689
الدية في ماله، بل ربع الدية يتعلق برقبته، والربعُ بماله، والقمةُ كذلك.
وقيل: "إن كان الرق في القاتل أكثر، أو استويا- يجب القود"؛ وليس بصحيح.
ولو قتل عبدٌ عبداً، ثم عتق القاتلُ - يستوفي منه القود ولو جرح عبدٌ عبداً، فعتق الجارحُ، ثم مات المجروح بالسراية - فهل يُقتل به؟
فيه وجهان؛ كما ذكرنا في المسلم مع الذمي:
أحدهما: وهو قول الأكثرين: يُقتل به.
والثاني، وهو القياسُ: لا يقتل؛ لعدم التكافؤ في حالة زهوق الروح؛ كما لو جرح حرٌّ عبداً، ثم عتق المجروح؛ فمات بالسراية - لم يجب القود؛ لعدم التكافؤ حالة الجرح، وإن كان قد قطع طرفاً في حال الرق ثبت القصاص في ذلك الطرف؛ كما ذكرنا في المسلم مع الذمي.
ولو قتل عبدٌ مسلمٌ عبداً مسلماً لذمي يجب القود، ويستوفيه الإمام بطلب الذميِّ، ولا يجعل استيفاؤه إلى الذميِّ؛ لأنه كافرٌ لا يجوز تسليطه على المسلم بالقتل، ويجب بقتل العبد قيمته بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دية حرِّ؛ وعند أبي حنيفة ﵀: لا يبلغُ بقيمة عبدٍ دية حرِّ. بل إن كانت قيمته مثل دية حر ينقص عن عشرة آلاف درهم عشره، وإن كانت جارية، فينقص في خمسة آلاف عشره، فنقول: ما يُضمن في الغصب بكمال القيمة يُضمن في القتل بكمالها كالبهيمة.
فصلٌ
رُوي عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ ؛ [أنه] قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يُقاد بالولد الوالد" لا يجب القصاص على الوالد بقتل ولده لحرمته؛ كما لايحد بقذفه وكذلك لا تُقتل الأم بالولد، ولا أحد من الجدات والأجداد، وإن علا - بالنافلة، ولا يحد بقذفه، سواء كانوا من قبل الأب، أو من قبل الأم.
стр. 2690
ويُقتلُ الولدُ بالوالدِ ويُحدُّ بقذفه، وكذلك يقتلُ الأخُ بالأخ، وابن الأخ بالعم والعمة، وابن الأخت بالخال والخالة، وهما به؛ كما يجب عليهم حد القذف؛ لأنهم ليس لهم من الحرمة ما للوالدين.
ولو قتل الأب الرقيقُ عبد ابنه - لا قصاص عليه؛ لأنه لو ثبت لثبت للابن، ولو قتل الابن الرقيق عبد الأب - فللأب أن يقتص منه، ولا يقتل الأب الرقيقُ بالابن الحُرِّ؛ لفضيلة أبوته، ولا الابن الحر بالأب الرقيق، لفضيلة [حريته]، ولا الأب الذمي بالابن المسلم؛ لفضيلة أبوته، ولا الابن المسلم بالأب الذميِّ؛ لفضيلة إسلامه، ولا العبد المسلم بالحر الذمي؛ لفضيلة إسلامه، ولا الحر الذمي بالعبد المسلم؛ لفضيلة حريته.
لا يُقابل بعض أسباب الكفاءة بالبعض.
стр. 2691
ولو قتل المكاتب أباه، وهو في ملكه، يكاتب عليه -: فيه وجهان:
أحدهما: لا قصاص؛ لأن المولى لا يُقتل بعبده.
والثاني: يقتص منه؛ لأن الأب ثبت له حق الحرمة؛ ما ثبت للمكاتب؛ ولذلك لا يجوز بيعه، فصار كالحر يقتل [أباه].
ولو ادعى رجلان نسب مجهولٍ، فقبل الإلحاق بأحدهما؛ قتلاه، او قتله أحدهما - لا قصاص عليه؛ لأن كل واحد منهما عرضِ أن يكون أباً]، ولو رجعا عن الدعوى لا يُقبلُ رجعوهما؛ لما فيه من تضييع النسب، ولا يجب القصاص، فلو رجع أحدهما يلحق بالثاني، وعلى الراجع القود، وعلى الآخر نصف الدية إن كانا قتلاه.
وإن كان مولوداً على فراش رجلين بأن نكحت امرأة في عدة زوجها، فأتت بولدٍ لمدة يمكن أن يكون منهما؛ [فقتلاه] أو أحدهما قبل أن يلحق بواحدٍ - لا قصاص عليهما، سواء ادعياه، أو أنكراه.
ولو نفاه أحدهما، هل يلحق بالثاني؟ أم يرى القائف؟ قوفان:
أحدهما: يلحق بالثاني، وعلى النافي القود؛ كما في مجهول النسب إذا رجع أحدهما.
الثاني: وهو المذهبُ لا ينتفي عنه، ولا يجب القود، بخلاف مجهول النسب؛ لأن النسب ثم ثبت بالدعوة، وبطلت الدعوة بالرجوع؛ وههنا يثبت بالفراش.
ولا يزول ذلك بإنكار الوالد، ولو ألحقه القائف بأحدهما بعدما قتلاه - قُتلَ به الآخرُ.
ولو ألحقه القائف بأحدهما، أو انتسب المولود إلى أحدهما، ثم قتله الملحق به - لا قصاص عليه، ولو أقام الآخر بينة بعده ألحق به، وقتل القاتل.
وإذا ألحقه القائف بعد القتل بغير القاتل، أو بأحدهما - لا يُقتل الآخرُ؛ لأنه حكم ثبت بعد القتل.
ولو قتل إنساناً، ووارثه ولدُ القاتلِ - لا يجب القود؛ مثل: إن قتل زوجته، ولها منه ولدٌ أو قتل زوجة ابنه، أو أم الولد قتلت سيدها، وولدها منه حيٌّ - لا قود؛ لأنه لو ثبت، لثبت
стр. 2692
[للولد على الوالد، وكذلك لو قتل أمه أو أباه، وله ولد، فلا قود، لأنه لوثبت، ثبت] لولده.
وكذلك لو صار بعض القصاص بعد وجوبه ميراثاً لبعض أولاده - يسقط؛ مثل: إن قتل أبا زوجته ثبت القصاص عليه لزوجته؛ فماتت الزوجة، ولها منه ولد - انتقل حقها على الولد؛ فسقط عن الأب.
وكذلك من ورث بعض قصاص وجب عليه، يسقط كله؛ مثل: إن قتل أباه، وله أخ - ثبت القصاص لأخيه عليه، فإذا مات الأخ، والقاتل وارثه؛ يسقط عنه القصاص.
وعلى هذا: أخوان لأبٍ، وأم، قتل أحدهما الأب، والآخر الأم:
ننظر: إن لم تكن الأمُّ في نكاح الأب - ثبت القودُ لكل واحدٍ منهما على الآخر؛ فالثاني يقتل الأول، ثم ولد الأول يقتل الثاني.
وإن كانت الأم في نكاح الأب حين قتلاهما.
ينظر: إن قتلاهما معاً، والاعتبار في وقوعهما معاً بزهوق الروح لا بالجرح - يجب القود عليهما؛ لأنهما إذا ماتا معاً لم يرث أحدهما الآخر؛ فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قتل الآخر، ثم ولد المقتول يقتل الثاني، وإن قتلا على الترتيب، فلا قود على من سبق قتله.
بيانه: قتل أحدهما الأب، ثم الثاني قتل الأم - سقط القود عن قاتل الأب؛ لأنه لما قتل الأب، ثبت القصاص لأخيه ولأمه، فإذا قتل الآخر الأم ورث قاتل الأبِ القصاص الذي ثبت للأم عليه؛ فسقط.
ولو شهد الابنُ على الأب بالقتل - يقتل؛ لكن رد الشهادة للتهمة، ولا تهمة في شهادته.
ويُقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، ولا يجب شيءٌ من الدية بعد القتل، وتُقتل الخنثى بهما، وهما بالخنثى، ويقتلُ العالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والشيخ بالشاب، ويقتل البالغ بالصبي، والعاقل بالمجنون.
ولو قتل صبي أو مجنونٌ إنساناً - لا قصاص عليه؛ لأن القتل عنه مرفوعٌ؛ كالنائم
стр. 2693
تقلب على إنسانٍ، فيقتله - لا قود عليه.
أما السكران إذا قتل إنساناً فهو كالعاقل؛ يجب عليه القود على الصحيح من المذهب.
ولو قتل رجلاً، أو أقرَّ على نفسه بالقتل، أو شهد عليه الشهود بفعل القتل، أو بالإقرار، فادعى القاتلُ: أني كنت يوم القتل صغيراً، وقال الولي: كنت بالغاً - فالقولُ قولُ القاتل مع يمينه؛ لأن أحداً لا يخلو عن الصغر، فالأصل بقاؤه.
ولو قال: كنت مجنوناً يوم القتل، نظر: إن عُرفَ به جنون سابقٌ، وإن كان مرة واحدة - قُبِلَ قوله مع يمينه، وإن لم يعرف فالقول قول الولي مع يمينه، يحلفُ أنه كان عاقلاً، ويستحق القود.
ولو أقام الولي بينةً؛ أنه قتله عاقلاً، وأقام القاتل بينة أنه قتله مجنوناً - سقطتا، وحلف القاتل.
فصلٌ
قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥].
وهذا إخبار ٌ عن حكم التوراة، وقد ثبت ذلك من شرعنا. رُوي عن أنس بن مالك؛ أن الربيع بنت النضر بن أنس - وهي عمةُ أنس بن مالِك ﵁ كسرت ثنية جاريةٍ منَ الأنصار، فقال رسولُ الله ﷺ : "كتاب الله القصاصُ؛ فرضي القوم وقبلوا الأرش".
стр. 2694
والقصاص يجري في الأطراف على حسب ما يجري في النفوس؛ لأن القصاص ثبت في النفوس؛ لصيانة النفوس عن الإهلاك؛ فثبت في الأطراف أيضاً؛ لصيانة الأطراف، فكل من يُقتل بشخصٍ يُقطعُ طرفه بطرفه عند سلامةِ المقطوع، ومن لا يقتل به لا يقطع طرفه بطرفه، حتى يقطع طرفُ الرجل بطرف المرأة، وطرفُ المرأة بطرف الرجلِ، ويقطع طرفُ الذمي بطرف المسلم، وطرفُ العبد بطرف الحرِّ، وطرف الولد بالوالد.
ولا يقطع طرف المسلم [بطرف] الذمي، ولا طرف الحرِّ بطرف العبدِ، ولا الوالد بالولد، ويقطع طرفُ العبد بطرف العبد، وإن اختلفت قيمتُهُما.
стр. 2695
وعند أبي حنيفة: لا يجري القصاصُ في الطرف الأيمن حرين، أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى، ولا بين الحر والعبد؛ لتفاوت بدنهما، كذلك لا يجري بين العبدين؛ لأنهما قد يختلفان في القيمة.
فنقول: كل شخصين يجري القصاص بينهما في النفس، فيجري في الطرف عند سلامته كالحرين. أما إذا قطع يداً، شلاءَ أو ناقصة بإصبعٍ - فلا تُقطع بها اليد الصحيحة بخلاف الرجل الصحيح السوي؛ يُقتل بالمريض والزمن، وبالناقص الأطراف؛ لأن القصاص في النفس يجري في الروح، والزمانة لا تحل الروح، والطرف يحله الشلل، والشللُ منه كالموتِ، ولا يُقتل الحي بحز رقبة الميت.
فصل في قتل الجماعة
"رُوي أن عمر ﵁ قتل خمسة أو سبعةً برجلٍ قتلوه غيلةً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً".
إذا قتل جماعةٌ واحداً يُقتلون به عند أكثر أهل العلم، لأن القصاص شُرعَ لصيانة الدماء عن الإراقة، فلو منعناه عند الاشتراك استعان كل من أراد إهلاك عدوه بغيره في قتله؛ لإسقاط القصاص؛ فكان ذريعة لإراقة الدماء، وسواء قتلوه بمحددٍ، أو ضربوه بمُثقلٍ كبيرٍ، أو هدموا عليه بناءً، أو رموه من شاهقٍ، أو ألقوه في ماءٍ، أو نارٍ.
стр. 2696
وإذا جرحوه فلا فرق بين أن يكون راحةُ بعضهم لها أرش مقدر دون بعضٍ، وسواء تفرقت جراحاتهم، أو اجتمعت بعد أن يكون الكل قبل الاندمال.
وإن جرح واحد جراحة واحدة، والآخر عشر جراحات فأكثر فالكل سواءٌ في القصاص، وعند العفو لا تجب إلا دية واحدة، وتوزع الدية على عدد رءوسهم لا على عدد جراحاتهم؛ لأنه قد تكون نكاية جراحة واحدة في الباطن أكثر من نكاية جراحاتٍ كثيرة، فلو أراد الوليُّ أن يقتل بعضهم، ويأخذ من الباقين ما يخصهم من الدية يجوز.
وقال الزهري، وابن سيرين: إذا قتل جماعةٌ واحداً لا يقتلون به، بل يختار الولي منهم واحداً فيقتله، ويأخذ من الباقين حصتهم من الدية، ويروي ذلك عن معاذ بن جبل.
وقال ربيعة وداود: إذا قتل الجماعة واحداً - لا يجب القود، وإنما تقتل الجماعة بالواحد بشرائط:
أحدها: أن تكون جناية كل واحد منهم مما يقصد بها القتل، فإن خدش واحدٌ منهم خدشة، وجرح الآخرون فالقصاص على الجارحين دون الذي خدش.
الثاني: أن يكون الكل عامدين، فإن أخطأ بعضهم؛ فلا قود عليهم في النفس.
الثالث: ألا يكون البعض موجباً، حتى لو جرحه جماعة، ثم جاء آخر فحز رقبته - فالقود في النفس على من حز الرقبة؛ لأن حز الرقبة يقطع سراية الجراحات، وعلى الجارحين أروش جراحاتهم، أو القصاص في الطرف على من قطع منهم طرفاً.
الرابع: أن يكون الكل قبل الاندمال، حتى لو جرحه رجلٌ، ثم بعد الاندمال جاء آخر فجرحه فمات - يجب القود في النفس على الآخر، أو كمال الدية، وعلى الأول أرش جراحته.
فلو ادعى الأول اندمال جراحته، وأنكر الولي - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولو صدقه الولي، وأنكر الجارح الثاني - فالقصاص في النفس ساقطٌ عن الأول بتصديق الولي، ولم يكن له على الآخر إن عفا عن القود إلا نصف الدية، ولا يُقبل قوله على الثاني إلا ببينة تقومُ على الاندمال؛ حينئذٍ يأخذ منه كمال الدية.
стр. 2697
ولو ضرب جماعةٌ واحداً سوطاً أو عصاً خفيفةً، فقتلوه نُظر: ن ضرب كل واحد منهم قدراً لو حصل به القتل منفرداً تعلق به القصاص - وجب عليهم القود، وعند العفو عليهم مال الدية، ثم إن تفاوتوا في عدد الضربات تُوزع الدية على عدد رءوسهم، أو على عدد الضربات؛ لأن الضرب يلاقي الظاهر، فلا يقع بين الضربات كثير تفاوتٍ، والجرح يُلاقي الباطن، ويكثر التفاوتُ بين الجراحات في نكاية الباطن.
وإن كان ضربُ بعضهم بحيث لو حصل به القتلُ منفرداً لم يتعلق به القود - نظر: إن تواطؤوا على الضرب - وجب عليهم القصاص، وإن ضرب واحدٌ ضربةً، والآخر مائة، حتى لو تواطأ مائة نفرٍ على قتل رجلٍ، وضرب كل واحد منهم سوطاً واحداً؛ فمات - وجب عليهم [القود] ن بخلاف الجُرح لا يشترطُ فيه التواطؤ؛ لأن نفس الجُرح قصدٌ إلى إزهاق الروح.
والضرب بالسوط الخفيف لا يكون قصداً إلى الإهلاك حتى ينضم إليه التوالي من الواحد، والتواطؤ من الجماعة؛ فيتكامل به القصد.
ولو ضرب رجلٌ سوطين أو ثلاثة، ثم جاء آخر، وضرب خمسين سوطاً قبل سكون وجع الأول، من غير تواطؤ؛ فمات - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن ضرب الأول شبه عمدٍ، والثاني شريكه، ولا قود على من شارك من لم يكن فعله عمداً محضاً، بل على الأول نصف الدية مغلقةً على عاقلته، وعلى الثاني نصفها مغلظةً في ماله.
ولو ضرب واحدٌ أولاً خمسين، ثم ضرب الثاني سوطين أو ثلاثاً - قبل سكون وجع الأول؛ فمات - نظر: إن كان الثاني عالماً بضرب الأول - عليهما القود؛ لأن قصده إلى القتل قد تم بالضرب على الوجع، كما لو ضرب مريضاً سوطاً أو سوطين، فمات - وجب القود، وإن كان جاهلاً بضرب الأول - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن الثاني لم يتم قصده، والأول شريكه، بل نصف الدية في مالالأول، والنصف على عاقلة الثاني مغلظة، بخلاف ما لو ضرب مريضاً سوطاً أو سوطين، وهو جاهل بمرضه؛ فمات وجب القود؛ لأنا لم نجد هناك من يُحيلُ الضرب عليه سوى الضارب.
ولو قطع جماعةٌ يد واحدٍ، أو طرفاً من أطرافه - تُقطعُ أطرافهم بطرفه، إذا وُجد فعلُ كل واحد منهم في إبانة جميع الطرف؛ بأن وضعوا السكين على يده، فتحاملوا عليه، أو جزوا دفعةً واحدة فأبانوا الطرف.
стр. 2698
وعند أبي حنيفة ﵀: لا تقطع الأطرافُ بطرفٍ واحد. [قلنا] لما جاز استيفاء النفوس بنفسٍ واحدة - مع عظم حُرمتها، فاستيفاءُ الأطراف بطرفٍ واحدٍ أولى؛ لأن القاص في الموضعين ثبت لصيانته عن الإتلاف، فمنعه عند الاشتراك طريق يتطرق بها إلى الإتلاف، فلا يصارُ إليه كما في النفس.
وهذا بخلاف ما لو سرق رجلان نصاباً واحداً - لا يجب عليهما القطعُ؛ لأن قطع السرقة [حق] الله تعالى؛ فيجري فيه من التخفيف والمسامحة ما لا يجري في حقوق العباد؛ ألا ترى أنه لو سرق نصف نصابٍ، ثم بعد عاد فكمل نصاباً واحداً - يقطع، فلما لم يكمل فعله بفعله-: لم يكمل بفعل غيره.
وفي القصاص لو قطع، ثم بعد أيام عاد وأبان الباقي - تٌقطع يده، فكذلك عند الاشتراك.
أما إذا تميز فعلُ كل واحد من القاطعين؛ بأن قطع هذا من جانب، وذاك من جانب حتى التقى السكينان، أو قطع أحدهما بعضه، ثم جاء الثاني وأبان، أو وضعا السكين عليه فجرا جزء المنشار - فلا قود عليهما، بل على كل واحد منهما حكومةٌ بقدر جنايته، تبلغ مجموع الحكومتين نصف الدية.
وحكى صاحب "التقريب" قولاً انه يقتص من كل واحد منهما بقدر ما قطع، إن أمكن الوقوف عليه.
ولو قتل عشرة عبد عبداً عمداً - لسيد المقتول - قتلهم جميعاً، ولو عفا عن واحد تعلق عُشرُ قيمة المقتول برقبته، ولو قتل الباقين.
فأما إذا قتل واحدٌ جماعةً - يُقتل القاتلُ بواحدٍ منهم، وللباقين الدية. في تركته، فإن لم تكن له تركة، فهي في ذمته يلقى الله بهم.
ثم إن قتلهم على الترتيب قُتِلَ بالأول. فلو عفا وليُّ الأول قتل بالثاني، فإن كان وليُّ الأول غائباً، أو كان صبياً، أو مجنوناً - يُحبس القاتل على حضور الغائب، وبلوغ الصبي، وإفاقة المجنون، فلو بادر وليُّ الثاني، فقتله قبل عفو الأول، وقبل حضور الغائب، وبلوغ الصبي- كان مسيئاً، ولا ضمان عليه؛ لأن الحق كان ثابتاً له، فقد استوفى حقه، وللأول الدية.
стр. 2699
وإن قتلهم معاً، أو أشكل السابق - يُقرع بين الأولياء، قُتل به الجاني، فلو بادر غير مَنْ خرجت له القرعة.
فمن خرجت له القرعة، فقتله، فقد استوفى حقه، وللباقين الدية في التركة.
ولو خرجت القرعة لواحد، فعفا عن حقه - أعيدت القرعة للباقين، ولو قتله الأولياء معاً [مثل أنْ] كانوا ثلاثة فقتلوه - فقد استوفى كل واحدٍ ثلث حقهِ، ويأخذ من التركة ثلثي الدية.
وكذلك لو قطع رجلٌ أيدي جماعةٍ، فإن قطع على الترتيب قُطع بالأولِ، وللباقين الديةُ في ماله، وإن قطع معاً، أقرع بينهم، فمن خرجت قرعته قطع به، وللباقين الدية.
وعند أبي حنيفة: ﵀ يقتل الواحدُ بالجماعة، ولا يجب شيءٌ من الدية ولو قطع رجلٌ يدي رجلين - قال: يقطع يده بهما، ولكل واحدٍ منهما ربعُ دية النفس، فنحن نقيسُ الطرف على النفس في أنه لا يُجمع في حق شخصٍ واحدٍ من القصاص والدية، ونقيس النفس على الطرف في أنه لا يجعلُ استيفاء المحلِّ الواحد إيفاءً لحقيهما على الكمال.
ولو قتلَ جماعةُ جماعةً يُقرعُ بين أولياء المقتولين، فمن خرجت له القرعة - قتل جميع القائلين به، وللباقين الدية في تركتهم.
ولو قتل عبدٌ جماعة، يُقتل بالأول، ولا شيء للباقين، فلو بادر الثاني، وقتله لا شيء عليه، فلو عفا الأولُ على المال تعلق حقه برقبته، وللثاني أن يقتله، وإن بطل حق الأول.
وإن قتل العبد جماعةً معاً -أقرع بينهم كما في الحر، فمن خرجت قرعته قتل به، ولا شيء للباقين، وقيل: يقتل العبدُ بهم جميعاً؛ لأنه لا محل لحقوقهم سوى رقبته، وإن كانت الجناياتُ موجبة للمال، أو عُفيَ عن القصاص على مال - تُباع رقبتُه، وتقسم قيمته بينهم على قدر جناياتهم، سواء كانت الجنايات على الترتيب، أو معاً، والله أعلم.
стр. 2700
بابٌ صفةُ قتلِ العمد
"رُوي عن أنس؛ أن يهودياً رض رأس جاريةٍ بين حجرين، فأمر [به] النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة".
следующие страницы →