← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وإذا جرحوه فلا فرق بين أن يكون راحةُ بعضهم لها أرش مقدر دون بعضٍ، وسواء تفرقت جراحاتهم، أو اجتمعت بعد أن يكون الكل قبل الاندمال. وإن جرح واحد جراحة واحدة، والآخر عشر جراحات فأكثر فالكل سواءٌ في القصاص، وعند العفو لا تجب إلا دية واحدة، وتوزع الدية على عدد رءوسهم لا على عدد جراحاتهم؛ لأنه قد تكون نكاية جراحة واحدة في الباطن أكثر من نكاية جراحاتٍ كثيرة، فلو أراد الوليُّ أن يقتل بعضهم، ويأخذ من الباقين ما يخصهم من الدية يجوز. وقال الزهري، وابن سيرين: إذا قتل جماعةٌ واحداً لا يقتلون به، بل يختار الولي منهم واحداً فيقتله، ويأخذ من الباقين حصتهم من الدية، ويروي ذلك عن معاذ بن جبل. وقال ربيعة وداود: إذا قتل الجماعة واحداً - لا يجب القود، وإنما تقتل الجماعة بالواحد بشرائط: أحدها: أن تكون جناية كل واحد منهم مما يقصد بها القتل، فإن خدش واحدٌ منهم خدشة، وجرح الآخرون فالقصاص على الجارحين دون الذي خدش. الثاني: أن يكون الكل عامدين، فإن أخطأ بعضهم؛ فلا قود عليهم في النفس. الثالث: ألا يكون البعض موجباً، حتى لو جرحه جماعة، ثم جاء آخر فحز رقبته - فالقود في النفس على من حز الرقبة؛ لأن حز الرقبة يقطع سراية الجراحات، وعلى الجارحين أروش جراحاتهم، أو القصاص في الطرف على من قطع منهم طرفاً. الرابع: أن يكون الكل قبل الاندمال، حتى لو جرحه رجلٌ، ثم بعد الاندمال جاء آخر فجرحه فمات - يجب القود في النفس على الآخر، أو كمال الدية، وعلى الأول أرش جراحته. فلو ادعى الأول اندمال جراحته، وأنكر الولي - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولو صدقه الولي، وأنكر الجارح الثاني - فالقصاص في النفس ساقطٌ عن الأول بتصديق الولي، ولم يكن له على الآخر إن عفا عن القود إلا نصف الدية، ولا يُقبل قوله على الثاني إلا ببينة تقومُ على الاندمال؛ حينئذٍ يأخذ منه كمال الدية.

стр. 2697

ولو ضرب جماعةٌ واحداً سوطاً أو عصاً خفيفةً، فقتلوه نُظر: ن ضرب كل واحد منهم قدراً لو حصل به القتل منفرداً تعلق به القصاص - وجب عليهم القود، وعند العفو عليهم مال الدية، ثم إن تفاوتوا في عدد الضربات تُوزع الدية على عدد رءوسهم، أو على عدد الضربات؛ لأن الضرب يلاقي الظاهر، فلا يقع بين الضربات كثير تفاوتٍ، والجرح يُلاقي الباطن، ويكثر التفاوتُ بين الجراحات في نكاية الباطن. وإن كان ضربُ بعضهم بحيث لو حصل به القتلُ منفرداً لم يتعلق به القود - نظر: إن تواطؤوا على الضرب - وجب عليهم القصاص، وإن ضرب واحدٌ ضربةً، والآخر مائة، حتى لو تواطأ مائة نفرٍ على قتل رجلٍ، وضرب كل واحد منهم سوطاً واحداً؛ فمات - وجب عليهم [القود] ن بخلاف الجُرح لا يشترطُ فيه التواطؤ؛ لأن نفس الجُرح قصدٌ إلى إزهاق الروح. والضرب بالسوط الخفيف لا يكون قصداً إلى الإهلاك حتى ينضم إليه التوالي من الواحد، والتواطؤ من الجماعة؛ فيتكامل به القصد. ولو ضرب رجلٌ سوطين أو ثلاثة، ثم جاء آخر، وضرب خمسين سوطاً قبل سكون وجع الأول، من غير تواطؤ؛ فمات - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن ضرب الأول شبه عمدٍ، والثاني شريكه، ولا قود على من شارك من لم يكن فعله عمداً محضاً، بل على الأول نصف الدية مغلقةً على عاقلته، وعلى الثاني نصفها مغلظةً في ماله. ولو ضرب واحدٌ أولاً خمسين، ثم ضرب الثاني سوطين أو ثلاثاً - قبل سكون وجع الأول؛ فمات - نظر: إن كان الثاني عالماً بضرب الأول - عليهما القود؛ لأن قصده إلى القتل قد تم بالضرب على الوجع، كما لو ضرب مريضاً سوطاً أو سوطين، فمات - وجب القود، وإن كان جاهلاً بضرب الأول - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن الثاني لم يتم قصده، والأول شريكه، بل نصف الدية في مالالأول، والنصف على عاقلة الثاني مغلظة، بخلاف ما لو ضرب مريضاً سوطاً أو سوطين، وهو جاهل بمرضه؛ فمات وجب القود؛ لأنا لم نجد هناك من يُحيلُ الضرب عليه سوى الضارب. ولو قطع جماعةٌ يد واحدٍ، أو طرفاً من أطرافه - تُقطعُ أطرافهم بطرفه، إذا وُجد فعلُ كل واحد منهم في إبانة جميع الطرف؛ بأن وضعوا السكين على يده، فتحاملوا عليه، أو جزوا دفعةً واحدة فأبانوا الطرف.

стр. 2698

وعند أبي حنيفة ﵀: لا تقطع الأطرافُ بطرفٍ واحد. [قلنا] لما جاز استيفاء النفوس بنفسٍ واحدة - مع عظم حُرمتها، فاستيفاءُ الأطراف بطرفٍ واحدٍ أولى؛ لأن القاص في الموضعين ثبت لصيانته عن الإتلاف، فمنعه عند الاشتراك طريق يتطرق بها إلى الإتلاف، فلا يصارُ إليه كما في النفس. وهذا بخلاف ما لو سرق رجلان نصاباً واحداً - لا يجب عليهما القطعُ؛ لأن قطع السرقة [حق] الله تعالى؛ فيجري فيه من التخفيف والمسامحة ما لا يجري في حقوق العباد؛ ألا ترى أنه لو سرق نصف نصابٍ، ثم بعد عاد فكمل نصاباً واحداً - يقطع، فلما لم يكمل فعله بفعله-: لم يكمل بفعل غيره. وفي القصاص لو قطع، ثم بعد أيام عاد وأبان الباقي - تٌقطع يده، فكذلك عند الاشتراك. أما إذا تميز فعلُ كل واحد من القاطعين؛ بأن قطع هذا من جانب، وذاك من جانب حتى التقى السكينان، أو قطع أحدهما بعضه، ثم جاء الثاني وأبان، أو وضعا السكين عليه فجرا جزء المنشار - فلا قود عليهما، بل على كل واحد منهما حكومةٌ بقدر جنايته، تبلغ مجموع الحكومتين نصف الدية. وحكى صاحب "التقريب" قولاً انه يقتص من كل واحد منهما بقدر ما قطع، إن أمكن الوقوف عليه. ولو قتل عشرة عبد عبداً عمداً - لسيد المقتول - قتلهم جميعاً، ولو عفا عن واحد تعلق عُشرُ قيمة المقتول برقبته، ولو قتل الباقين. فأما إذا قتل واحدٌ جماعةً - يُقتل القاتلُ بواحدٍ منهم، وللباقين الدية. في تركته، فإن لم تكن له تركة، فهي في ذمته يلقى الله بهم. ثم إن قتلهم على الترتيب قُتِلَ بالأول. فلو عفا وليُّ الأول قتل بالثاني، فإن كان وليُّ الأول غائباً، أو كان صبياً، أو مجنوناً - يُحبس القاتل على حضور الغائب، وبلوغ الصبي، وإفاقة المجنون، فلو بادر وليُّ الثاني، فقتله قبل عفو الأول، وقبل حضور الغائب، وبلوغ الصبي- كان مسيئاً، ولا ضمان عليه؛ لأن الحق كان ثابتاً له، فقد استوفى حقه، وللأول الدية.

стр. 2699

وإن قتلهم معاً، أو أشكل السابق - يُقرع بين الأولياء، قُتل به الجاني، فلو بادر غير مَنْ خرجت له القرعة. فمن خرجت له القرعة، فقتله، فقد استوفى حقه، وللباقين الدية في التركة. ولو خرجت القرعة لواحد، فعفا عن حقه - أعيدت القرعة للباقين، ولو قتله الأولياء معاً [مثل أنْ] كانوا ثلاثة فقتلوه - فقد استوفى كل واحدٍ ثلث حقهِ، ويأخذ من التركة ثلثي الدية. وكذلك لو قطع رجلٌ أيدي جماعةٍ، فإن قطع على الترتيب قُطع بالأولِ، وللباقين الديةُ في ماله، وإن قطع معاً، أقرع بينهم، فمن خرجت قرعته قطع به، وللباقين الدية. وعند أبي حنيفة: ﵀ يقتل الواحدُ بالجماعة، ولا يجب شيءٌ من الدية ولو قطع رجلٌ يدي رجلين - قال: يقطع يده بهما، ولكل واحدٍ منهما ربعُ دية النفس، فنحن نقيسُ الطرف على النفس في أنه لا يُجمع في حق شخصٍ واحدٍ من القصاص والدية، ونقيس النفس على الطرف في أنه لا يجعلُ استيفاء المحلِّ الواحد إيفاءً لحقيهما على الكمال. ولو قتلَ جماعةُ جماعةً يُقرعُ بين أولياء المقتولين، فمن خرجت له القرعة - قتل جميع القائلين به، وللباقين الدية في تركتهم. ولو قتل عبدٌ جماعة، يُقتل بالأول، ولا شيء للباقين، فلو بادر الثاني، وقتله لا شيء عليه، فلو عفا الأولُ على المال تعلق حقه برقبته، وللثاني أن يقتله، وإن بطل حق الأول. وإن قتل العبد جماعةً معاً -أقرع بينهم كما في الحر، فمن خرجت قرعته قتل به، ولا شيء للباقين، وقيل: يقتل العبدُ بهم جميعاً؛ لأنه لا محل لحقوقهم سوى رقبته، وإن كانت الجناياتُ موجبة للمال، أو عُفيَ عن القصاص على مال - تُباع رقبتُه، وتقسم قيمته بينهم على قدر جناياتهم، سواء كانت الجنايات على الترتيب، أو معاً، والله أعلم.

стр. 2700

بابٌ صفةُ قتلِ العمد "رُوي عن أنس؛ أن يهودياً رض رأس جاريةٍ بين حجرين، فأمر [به] النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة".

стр. 2701

القتل على ثلاثة أنواعِ: عمدٍ محضٍ، وشبه عمدٍ، وخطأٍ محضٍ: فالعمدُ المحضُ هو: أن يمد ضربه بما يموتُ منه غالباًن فمات به يجب به القود، وإذا عفا فديةٌ مغلظة في ماله حالةٌ. وشبه العمد: أن يعمد ضربه بما لا يموت منه غالباً، فمات لا يجب به القود؛ لأنه يشبه الخطأ من حيث إنه لا يقصد بمثل هذا الضرب، فيصير شبهة في سقوط القود، وتجب دية مغلظةٌ على العاقلة مؤجلة. والخطأ المحض، وهو أن يحصل القتلُ بسببٍ من جهته، من غير قصدٍ إليه؛ مثلُ: إن رمى إلى صيد فأصاب إنساناً، أو إلى إنسانٍ، فأصاب غيره، أو حفر بئر عدوان، فتردى فيها إنسانٌ، ومات - فلا قود عليه، وتجب ديةٌ مخففةٌ على العاقلة مؤجلة؛ خُرج منه أنه لو جرحه بمحددٍ من حديدٍ، أوخشبٍ، أو قصبٍ، أو حجرٍ، أو زُجاجٍ، أو غرزَ فيه مسحلةً؛ فمات في الحالِ، أو مات بعده بسراية ذلك الجُرح - يجب به القود. وكذلك لو ضربه بمُقلٍ كبيرٍ، أو هدم عليه جداراً، أو رماه من شاهق، أو أوطأ عليه دابةً، أو خنقه، أو أمسك فمه حتى مات، أو دق صدره، أو عصر خصيتيه، أو دفنه حيًّا؛ فمات - يجب القودُ؛ وهو: قول أكثر أهلِ العلم.

стр. 2702

وقال طاوسٌ، والشعبي والنخعي: لا يجب القود، إلا أن يجرحه بمحددٍ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن عنده التحريق بالنار يوجب القود، وعندهم لا يوجبه، وحديث أنس حجةٌ عليهم؛ ولأنه قتلٌ حصل عمداً بما يقصد به القتلُ غالباً؛ فيوجب القود، كما لو قتله بمحددٍ، ولو غرز فيه إبرةً؛ فمات - نظر؛ إن غرز في مقتله من عين، أو قُرطِ أذنٍ، أو حلقٍ، أو خاصرةٍ، أو إحليلٍ - يجب القود، وإن غرز في غير مقتلٍ؛ كالفخذ والآلية، ونحوهما - فوجهان: [أحدهما]: قال ابن سريج: لا يجب القود، بل هو شبه عمدٍ؛ لأن الغالب منه السلامة؛ كما لو ضربه بسوط خفيف؛ فمات: وقال أبو إسحاق: يجب القود؛ وبه قال أبو حنيفة ﵀؛ لأنها تمورُ في الباطن كالمسلة. أما إذا غرزها في موضع لا يتألمُ به؛ مثل جلدة العقب - فلا يب به شيءٌ، ولو ضربه بعصا خفيفةٍ، أو سوطٍ، أو رماه بحجرٍ صغير، نظر؛ إن: والى عليه حتى مات - وجب القودُ. وإن ضرب سوطاً، أو سوطين - نظر: إن كان المضروبُ صغيراً، أو مريضاً، يموتُ منه غالباً، أو كان قوياً صحيحاً، ولكن ضُربَ [على] مقتله كالأنثيين ونحوهما، أو كان في شدةِ حرٍّ، أو بردٍ، يحصل به القتلُ في ذلك الزمان غالباً - يجب القودُ وإن لم يكن شيءٌ من ذلك - فهو شبه عمدٍ؛ يجب به الدية. أما إذا ضربه بما لا يحصل به؛ الموتُ أصلاً من قلمٍ، أو نحوه - فلا [يجب به] شيءٌ؛ لانا نعلمُ يقيناً أنه لم يمت منه، ولو خنقهُ، ثم تركه وهو حيٌّ إلا أن الخنق قد أثر فيه، [بحيث] نعلم أنه لا يعيشُ، أو كانت الحياةُ فيه مستقرةً، ولكن لم يزل متألماً ضمناً حتى

стр. 2703

مات - وجب القودُ. ولو أمسك حلقه، أو فمه إمساكاً لا يموت منه غالباً؛ فمات [فهو شبه عمدٍ. ولو حبسه في بيتٍ؛ فمات] جوعاً، أو عطشاً - نُظر: إن لم يمنعه الطعام والشراب، غير أنه لم يأكل خوفاً، أو أمكنه الشراب فلم يفعل - لا ضمان على الحابس. وإن منعه الطعام والشراب، ولم يمكنه السؤال - نظر: إن مات ي مُدةٍ يموتُ مثله فيها غالباً من الجوع أو العطش - يجب القود. وإن كان لا يموتُ مثله فيها غالباً - نظر: إن لم يكن به جوعٌ وعطشٌ سابقٌ - فهو شبه عمدٍن ويختلف ذلك باختلاف حال المحبوس في القوة، والضعف، واختلاف الأزمنة. إن كان به جُوع أو عطشٌ سابقٌ: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: إن كان الحابس عالماً بجوعه السابق - يجبُ القودُ. وإن كان جاهلاً فقولان: أحدهما: يجبُ القودُ؛ كما لو ضرب مريضاً بسوطٍ خفيفٍ، فمات، وهو جاهلٌ بمرضه - يجب القود. والثاني: لا يجب؛ كما لو دفع رجلاً يمشي، فسقط على سكين وراءه، فمات، وهو به جاهلٌ - لايجب القود. ومن أصحابنا من قال: إن كان جاهلاً لا يجب القودُ، وإن كان عالماً: ففيه قولان فإن قلنا: يجبُ القودُ عند العلم، فإذا عفا على الدية، يجب كمال الدية المغلظة في ماله. وعند الجهل إن لم نوجب القود، فكمالها مغلظة على عاقلته. وإن قلنا: لا يجب [القود] عند العلم - وهوا لأصح عندي - فيجب نصف الدية مغلة في ماله، وعند الجهل نصفها مغلظة على عاقلته، وليس كضرب المريض بالسوط الخفيف، حيث أوجبنا به القود، أو كمال الدية؛ لأن المرض ليس من جنس الضرب، والجُوعِ.

стр. 2704

الثاني: [ما] هنا من جنسِ الأول؛ فكان زُهوقُ الروح بسببٍ واحدٍ بعضه لم يكن من صنعه. قال ﵀: نظيره لو ضرب جائعاً سوطاً مات به؛ لضعف جوعه - وجب القود. ولو منعه الشراب، ولم يمنعه الطعام، غير أنه لم يأكل خوف العطش؛ فمات جوعاً: قال ﵀: لا شيء عليه؛ لأنه مات من فعل نفسه، ولو حبسه في بيتٍ فانهدم عليه البيتُ، أو لسعته حيةٌ - لا ضمان عليه. ولو أخذ زاده في مفازة، فمات جُوعاً، أوعطشاً - لا يجب عليه ضمانُ النفسِ؛ لأنه لم يُحدث فيه فعلاً. وكذلك لو أخذ ثيابه، فمات برداً. وكان [شيخي ﵀] يقول: إذا عراه وحبسه في موضع، حتى مات برداً- يجب القود؛ كما لو حبسه عن الطعام فمات جُوعاً. ولو غرقه في ماء حتى مات، أو تركه بعدما غرقه، وفيه حياةٌ، فمات بسببه - يجبُ القودُ. ولو ألقاه في ماءٍ، فمات - نظر: إن كان صغيراً، أو زمناً، أو شد أطرافه حتى لا يمكنه الخروج - وجب القودُ. وإن كان كبيراً سوياً، ولم يشده - نظر: إن كان ماءً لا ينجو منه بالسياحة -يجب [عليه] القودُ. وإن كان ماءً قليلاً، لا يحتاج فيه إلى السباحة، فلا قود، ولا دية؛ لأنه أهلك نفسه، وإن كان يحتاج إلى السباحة، وينجو - نظر: إن كان لا يُحسن السباحة - يجبُ القودُ. وإن كان يُحسنها، غير أنه حبسه موجٌ، أو ريحٌ - فلا قود، وهو شبه عمدٍ تجب به ديةٌ مغلظةٌ على العاقلة، وإن لم يحبسه شيءٌ، ولكنه لم يسبح فمات - فلا قود. وفي الدية قولان:

стр. 2705

أصحهما: [لا يجبُ]؛ كما لو حبسه، ولم يمنعه الطعام، غير أنه لم ياكل حتى مات. والثاني: يجب، وهو شبهُ عمدٍ؛ لأن نفس الإلقاء في الماء جنايةٌ، والسباحةُ سببُ الخلاص، بخلاف الحبس؛ فإنه ليس بجناية قاتلة حتى ينضم إليه غيره، وهو الجوع، وهذا بخلاف ما لو جرحه رجلٌ، وأمكنه المداواةُ؛ فلم يفعل حتى مات - يجب القود على الجارح؛ لأنه لا تتحقق النجاة بالمداواة، وههنا تتحقق النجاة بالسباحة، فإذا لم يفعل، فقد أهلك نفسه. ولو شد يديه ورجليه، وطرحه في ساحلٍ، فزاد الماءُ؛ فهلك - نظر: إن كانت الزيادة معلومةَ الوجود كالمد بالبصرة - يجب القودُ. وإن كان قد يزيدُ، وقد لا يزيدُ - فهو عمدُ خطأٍ. وإن كان في موضعٍ لا يزيدُ فيه الماء، فأدركه سيلٌ فزاد؛ فهو خطأٌ محضٌ. وإن ألقاه في ماء فالتقمه الحوتُ - نظر: إن كان غير مخوفٍ ينجو منه بالسباحة - فلا قود، وتجب ديةٌ مغلظةٌ على عاقلته. وإن كان الماء مخوفاً لا ينجو منه بالسباحة - ففيه قولان: أحدهما: نص عليه؛ أنه يجب القودُ؛ لأنه ألقاه في المهلكةِ حتى هلك. والثاني: لا يجب؛ خرجه الربيعُ؛ لأن الهلاك كان بفعلِ غيره؛ كما لو رماه من شاهقٍ، فقبل أن يُصيب الأرض - قده رجل بنصفين -: كان القصاصُ على القادِّ، ولو افترسه سبعٌ قبل أن يصيب الأرض - لا ضمان على أحدٍ. والأول [أصحُّ]؛ لأن الجناية قد تحققت من المُلقي بالطرح في مثل هذا الماء، وفي الرمي من الشاهق [الجناية] إنما تتحقق بإصابة الأرض ولم يوجد؛ بدليل أنه لا تجب الدية على الملقي من الشاهق، إنما تجب على القادِّ، وههنا: تجب على الملقي في الماء. وقيل في الطرح في الماء المخوفِ: لو التقمه الحوتُ قبل أن يصيب الماء - لا شيء على الملقين والصحيح أنه لا فرق بين الحالتين، وقيل فيما لو ألقاه من الشاهق؟ فقبل أن يصيب الأرض - قده إنسان بنصفين: أن الضمان على الملقي دون القادِّ؛ ذكره أبو حامد، وليس بصحيح. أما إذا رفع الحوت رأسه فألقمه الحوت - يجب القود؛ لا يختلف القولُ فيه.

стр. 2706

ولو طرحهُ في نارٍ، ولم يمكنه الخروج منها؛ فمات، أو أخرجه بعدما أصابه منها، ولم يزل متألماً به حتى مات [يجب القود، وإن أمكنه الخروج، فلم يخرج حتى مات] أو كان يقول: إني أتمكن من الخروج، ولكن لا أفعل؛ فمات - فلا قود. وفي الدية قولان: أصحهما: لا يجب؛ لأنه قتل نفسه. والثاني: [يجب] على عاقلته؛ كما ذرنا في الماء. فإن قلنا: لا تجب الديةُ - يجب عليه أرش ما نقصه حر النار إن أمكنه الخروج، لأن ذلك القدر حصل بفعله. فلو اختلفا، فقال المُلقي: أمكنه الخروج، وقال الولي: لم يمكنه -فوجهان: أحدهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الجناية من الملقي حقيقةٌ. الثاني: القول قول الملقي مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولو أوجره سُمًّا قاتلاً، أو دواءً فيه سم قاتل؛ فمات - يجب القود، وإن كان سمًّا لا يُقتل غالباً، وقد يُقتل، فمات به - فهو شبهُ عمدٍ تجبُ به الدية على العاقلة، إلا أن يكون المسقي ضعيفاً، أو سقيماً بموت منه غالباً - فيجب به القود. ولو اختلفا، فقال الولي: كان قاتلاً، وقال الساقي: لم يكن - فالقول قولُ الساقي مع يمينه، ثم هو شبه عمد، إلا أن يقيم الولي بينةً يشهدون أن مثله يقتل، أو تقارَّا على سمٍّ أنه كان منه، ثم شهد عدلان من أهل المعرفة [به أن مثله] يقتلُ؛ فيجب القود. ولو أوجره سمًّا، فقتلهُ، ثم قال: لم أعلمه قاتلاً - فقولان أحدهما: يجب القود؛ كما لو جرحهُ فمات، وقال: لم أعلم أنه يموتُ منه. والثاني: لا قود عليه، بل تجب الدية؛ لأنه مما يخفى. ولو ألقمه طعاماً فيه سمٌّ قاتلٌ، فتناوله، وهو جاهلٌ، أو أضافه، فوضعه بين يديه،

стр. 2707

فأكل، أو جعله في دنٍّ ماء على الطريق، فشرب منه إنسانٌ؛ فمات ففي القود قولان: أصحهما: يجب؛ كما يجب على المكرهِ. والثاني: لا شيء عليه: لا قود، ولا دية؛ لأنه تناول باختياره. وكذلك لو قال:"كُل"، وفيه شيء من السُّمِّ، ولكن لا يضرن فأكل؛ أما إذا وضعه بين يدي صبي لا يعقل، أو مجنونٍ، فتناول؛ فمات - يجب القودُ؛ كما لو قال لصبي: اقتل نفسك؛ فقتل - يجب القود على الآمر. ولو جعل السم في طعام غيره، فأكله صاحب الطعام جاهلاً فمات - فقد قيل: هو كما لو أضافه؛ فوضع بين يديه وقيل لا قود ولا دية على الفاعل؛ لأنه لم يُغره، إنما أتلف طعامه بإدخال السم فيه، فيغرم قيمةَ الطعام، ولو وجعل السم في طعام نفسه، فدخل رجلٌ داره بدون إذنه [فأكله]، فمات فلا شيء عليه؛ لأنه لا صُنع له في إهلاكه. ولو أنهشه حيةً، أو عقرباً، أو أخذ ذنبها فقربها منه: ضغطها، أو لم يضغطها؛ فلدغته، فمات - يضمن ثم ينظر: عن كانت مما تقتل [غالباً] مثل أفاعي مكة، وعقارب نصيبين يجب القودُ. وإن كان لا يقتل غالباً فقولان: أصحهما: يشبه عمدٍ، وفيه قول آخر: يجب به القود؛ لأنها تجرح، والجراحة، وإن صغرت: إذا حصل منها الهلاك - يجب به القود؛ وكذلك لو أخذ سبعاً مما يُقتل به غالباً فأنهشه، أو جعله معه في وعاءٍ فقتله - يجب القود. ولو حبسه في بئرٍ، أو في بيتٍ فيه حياتٌ، وعقارب؛ ربطه، أو لم يربطه، فلسعته حيةٌ، أو عقربٌ؛ فمات - لا يجب الضمان، سواء كان الموضع ضيقاً، أو واسعاً؛ لأن الحية، والعقرب تهرب منه الآدمي فهو لم يُلجئها إلى قتله، إنما قتلته باختيارها؛ كما لو أمسك إنساناً حتى قتله آخر - لم يجب القصاص على الممسك؛ بل يجب على القاتل، وكذلك لو ألقى

стр. 2708

عليه حيةٌ، أو ألقاه عليها؛ شده، أو لم يشده، فقتله - لا ضمان عليه، سواء كان في مضيقٍ أو في صحراء. فأما إذا حبسه في موضع فقتله - نظر: إن كان في موضعٍ ضيقٍ من بئر، أو بيتٍ صغيرٍ - يجب القودُ؛ لان السبع يقصد الآدمي إذا اجتمع معه في مضيقٍ؛ فكان هو مُلجئاً للسبع إلى قتله، بخلافِ الحية والعقرب. وإن كان في موضع واسع، أو ألقى [عليه] سَبُعاً في صحراء، أو أغرى عليه كلباً، أو شدهُ فطرحهُ في مسبعةٍ، أو بين يدي سبُعٍ، فقتله - فلا ضمان عليه؛ لأن السبع يهرب من الإنسان إذا وجد سعةً؛ فلم يُلجئه إلى قتله، سواءٌ كان المطروحُ صغيراً، أو كبيراً. وقال أبو حنيفة: إذا حمل صبياً إلى مسبعة، فأكله سبعٌ - يجب الضمانُ، فكل موضعٍ أوجبنا القود بقتل السبع: فلو جرحه جراحةً خفيفةً، لا يموت منها غالباً؛ فمات - فهو شبهُ عمدٍ، وكان شيخي [القاضي] ﵀ يقول: إذا أغرى عليه سبُعاً عقوراً في صحراء، لا يمكنه الهرب منه، فقتله - يجب القودُ؛ لأن فعله مضافٌ غليه؛ بدليل حل الصيد. ولو سلم صبياً إلى سابح ليعلمه السباحة، فغرق - ضمن ديته؛ لأنه سلم إله ليحتاط في حفظه، وهو شبه عمد؛ كما لو ضرب المعلم [الصبي] للتأديب فهلك - ضمن. ولو سلم البالغ نفسه إليه؛ ليعلمه السباحة، فغرق - لم يضمن؛ لأنه في يد نفسه، فعليه أن يحتاط لنفسه. ولو تلوط بصبي فمات، أو أكره امرأة بكراً فافتضها فماتت - يجب القود. ولو قتل رجلاً بسحرٍ يقتل غالباً - يجب القودُ، ولا يمكن إثباتُ القتل بالسحر إلا بإقرار الساحر، حتى لو شهد الشهود أنه قتله بالسحر - لا يُقتل ما لم يشهدوا على إقراره، فإن قال الساحر: سحرته، وسحري يقتل غالباً - يجب القودُ، وإن قال: سحرته، وسحري قد يقتل، وقد لا يقتل- والغالب انه لا يقتل - فهو شبهُ عمدٍ؛ تجب الدية مغلة في ماله؛ لأنه [قد] ثبت بإقراره، إلا أن تصدقه العاقلة؛ فتكون عليهم. وإن قال: سحري يقتل [يقينا]، ولكني سحرت باسم غيره، فوافق اسمه - فهو خطأ؛

стр. 2709

تجب الدية مخففة في ماله، إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم. وإن قال: قصدت المصلحة - فهو شبه عمدٍ، وقيل: خطأ، وإن قال: مرضَ من سحري، ولم يمت منه- فهو موضع القسامة، [يحلف المدعي]. ولو صاح برجل غافل، أو مُراهقٍ على طرفِ سطحٍ أو بئرٍ، أو شجرٍ، فسقط، ومات، أو زال عقله - لا ضمان عليه، سواءٌ واجهه به، أو جاء من ورائه على غفلةٍ منه؛ لان الغالب أنه يتماسك. وقال ابن أبي هريرة: إن صاح به من ورائه على غفلةٍ صيحة شديدةً - تبج الدية على عاقلته مغلة. والأول أصح. أما إذا صاح بصبي صغير، أو مجنون، أو امرأة ضعيفةٍ أو من ضعف عقله على طرف سطح، أو على وجه الأرض، فسقط فمات، أو كان صبياً؛ فزال عقله - تجب الدية، سواءٌ واجهه به، أو صاحب [به] من ورائه، وكذلك لو لم يقصده بالصياح، بل صاح على صيد؛ أو لا على شيء، فهلك به صبيٌّ أو مجنونٌ، وسواءٌ صاح في ملكه، أو [في] غير ملكه، ثم إن قصده بالصياح، فالدية مغلةٌ على العاقلة، وإلا فمخففة. وكذلك: لو صاح بنائمٍ، فمات، أو زال عقلُه. وقال صاحب "التلخيص": إن صاح إلى صيد، فمات به صبي، أو مجنون: إن [كان الصائح محرماً، أو] كان في حرمٍ - تجب الدية على عاقلته؛ لأنه متعدٍّ، وإن لم يكن في حرم ولا إحرامٍ - لا يضمن. وعلى هذا القياس: لو صاح في ملكه، فهل به صبيُّ، أو مجنونٌ - لا يضمن، والمذهبُ: أنه يضمن، سواء كان في الإحرام، أو في ملكه، أو لم يكن؛ لأن ما كان جناية، فلا يختلف بالملك وغيره. كما لو رمى في ملكه، فأصاب إنساناً - ضمن. [وكذلك: إذا شهر سيفه على صبي، أو امرأةٍ، أو هدده؛ فمات، أو زال عقله، أو على مجنونٍ؛ فمات - تجب الدية على عاقلته، وإن كان على عاقلٍ بالغٍ - لم يضمن].

стр. 2710

وكذلك لو ذُكرتِ امرأةٌ بسوءٍ عند الإمام؛ فبعث إليها فاستدعاها، فألقت جنينها - يجب الضمان على عاقلةِ الإمام. رُوي أنعمر أرسل إلى امرأةٍ، فأجهضت ذا بطنها؛ فضمنه عمر ﵁ أما الأم إذا ماتت به - لا يجب ضمانها؛ لأن العادة لم تجر أنها تموتُ بمثله. ولو ذُكر رجلٌ بسوء، فاستدعاه، فمات - لم يضمن؛ لأن الغالب أن الرجل لا يموت منه. ولو أرسل إليها رجلٌ على لسان الإمام، ففزعت، فألقت الجنين، فالضمان على عاقلة المرسل. ولو طلب رجلاً بالسيف، فهرب، فألقى نفسه من سطح أو في بئر، فمات - لا ضمان على الطالبِ؛ لأن المطلوب هو الذي قتل نفسه، وإن سقط فيه - نُظر: إن كانت البئر مكشوفة، والمطلوبُ بصيراً، وكان نهاراً - لا يضمن. وإن كانت البئر مغطاةً، أو كانت مكشوفة، والمطلوبُ أعمى، أو كان ليلاً، فسقط من السطحِ، أو في البئر، أو في ماء؛ فمات - فهو شبه عمدٍ؛ تجب الدية على عاقلة الطالب؛ إلا أن يكون الأعمى عالماً؛ فهو كالبصير. ولو كان المطلوب صبياً، أو مجنوناً، هل يضمن؟ فيه وجهان؛ بناءً على أن عمده عمدٌ، أم خطأٌ؟ إن قلنا: عمد، لم يضمن، وإن قلنا: خطأ، ضمن. ولو انخسف به السطح - لم يضمن، بصيراً، كان أو أعمى؛ بخلاف ما لو كانت البئرُ مغطاة، فسقط فيها - ضمن بكل حال؛ لأن الطالب ألجأه إلى وطء البئر؛ بخلاف السطح، ولو عرض له في طلبه سبعٍ، فأكله - لم يضمن؛ لأن القاتل غيره؛ إلا أن يُلجئه الطالب إلى موضع السبعٍ؛ فيضمن، ولو حفر بئراً على طريق أعمى، فتردى فيها - وجبت الدية على عاقلته، وقيل: يجب القود، ولا يصح.

стр. 2711

فصل إذا قطع مريء رجلٍ وحلقومه، أو قطع حشوته، وأبانها، من جوفه أو جرحه جراحةً لا يبلغ أحدٌ إلى مثلها، فيعيش إلا عيش المذبوح، ثم جاء آخر، وحز رقبته - فالأول قاتل، وعليه القصاص في النفس، أو كمال الدية، ولا شيء على الثاني إلا التعزير؛ كما لو حز رقبة ميتٍ، بخلاف ما لو قتل مريضاً صار إلى أدنى الرمقِ - يجب عليه القودُ؛ لأن المريض قد يبرأ، ومن صار بالجرح إلى حالة المذبوح لا يعيش، وتلك الحالة حالة اليأس التي لا يصح فيها شيءٌ من تصرفاته ولا وصيته، وصار ماله لوارثه. ولو مات له قريبٌ فيها لايرثه، ولا يصح فيها إسلام الكافر، [ولو] جرت فيها كلمةُ الكفر على لسان مسلم لا يحكم بردته، ولو صار مسلمٌ بالجرح إلى هذه الحالة، فأسلم فيها ابنه الكافر - لا يرثه. فأما إذا قطع حشوته، ولم يُبنها من جوفه، أو قطع من المريء والحلقوم [أحدهما] ثم حز آخر رقبته يجب القصاص في النفس على الثاني، وعلى الأول أرش جراحته، أو القصاص في العضو الذي قطعه؛ لأنه لم يصر بجرح الأول إلى حالة المذبوح، وإن كان يتحقق أنه يموتُ منه بعد يوم أو يومين، حتى يصح في تلك الحالة تصرفه، ووصيته وإسلامُ الكافر؛ فإن عمر- ﵁ أوصى بوصايا في مثل هذه الحالة، فنقضت الصحابة وصاياه من بعده. وكذلك لو أوجره سمًّا مجهزاً؛ فقبل زُهوقِ الروح حز آخر رقبته - فالقاتل هو الأول، وإن لم يكن مجهزاً، فالقاتل هو الثاني، وإن لم يعرف أنه هو صار إلى حالِ المذبوح بجرحِ الأول - سُئلَ أهلٌ العلم، فإن قالوا صار إليها، فالقاتلُ هو الأولُ، وإلا فالثاني. ولو قطع يد إنسان إلى الكوع، ثم جاء آخرُ وقطع ساعده من المرفق - نُظر: إن وقف؛ فعلى الأول القصاص في اليد، أو نصف الدية وعلى الثاني: الحكومة، ولا قصاص إلا أن يكون له ساعدٌ بلا كفٌ فيقطع. وإن سرت الجناية إلى النفس - نظر: إن قطع الثاني بعد اندمال الأول - فعلى الأولِ القصاصُ في اليد، أو نصف الدية، وعلى الثاني القصاص في النفس أو كمال الدية، وإن قطع

стр. 2712

الثاني قبل اندمال الأول - فعليهما القود في النفس. وعند أبي حنيفة: يقتلُ الثاني دون الأول؛ لأن القطع الثاني أعدم محل القطع الأول، فانقطعت سرايته؛ كما لو حز الثاني رقبته. قلنا: إن انقطع محلهُ لم ينقطع أثره؛ لأن ألم القطع الأول قد انتشر في أعضائه، وانضم إليه ألمُ القطع الثاني، فتعاونا على إزهاق الروح، فهو كما لو أجاف إنساناً، ثم جاء آخر ووسع تلك الجائفة، فمات - يجب عليهما القود في النفس، وليس كما لو حز رقبته، لأنه يعدم ألم الأول وأثره. فصل في اجتماع الجراحات نم شخصٍ واحدٍ إذا جرح رجلاً جراحاتٍ مثل: إن قطع يديه، [ورجليه]، وجب ذكره، وأنثييه عمداً - نظر: إن وقفت هذه الجراحات - فللمجني عليه أن يقتص عنها. وإن عفا فله أربع دياتٍ، ولو أراد أن يقتص عن بعضها، أو يأخذ ديةَ بعضها - فله ذلك. وإن لم تكن للجراحات أروشٌ مقدرةً، فوقفت ففيها حكومات، وإن سرت الجراحات إلى النفس - فالوليُّ: إن شاء، قطع أطراف الجانين فإن لم يسر، حز رقبته، وإن شاء ترك قطع الأطراف وحز رقبته، ولا شيء له من الدية، وإن عفا فلا يجب له إلا [دية] النفس؛ لأن الأطراف تابعةٌ للنفس؛ إذ لا بقاء لها بعد فوات النفس، فإذا صارت الجراحة نفساً، ووجب بدلها - سقط بدلُ الطرف. ولو قطع أطرافه قصاصاً، ثم عفا عن النفس على الدية - سقط القود عن النفس، ولا دية له؛ لأنه لم يكن له إلا دية واحدة وقد استوفى ما يقابله [كمال الدية؛ حتى لو كان الجاني قطع يديه ورجليه؛ فمات منه، وقطع الولي يدي الجاني، وعفا عن الباقي؛ على الدية - لا دية له؛ لأنه قد استوفى ما يقابله] ديةٌ كاملةٌ. وإن عفا على غير جنس الدية، هل تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب؛ ما لا تجب الدية.

стр. 2713

والثاني: تجب؛ لأنه عوض آخر يأخذه في مقابلة ما يدع من القصاص. ولو قطع إحدى يديه، وعفا عن الباقي على الدية- لا يجب إلا نصف الدية، لأنه قد استوفى ما يقابله نصف الدية. ولو قطع أطراف رجلٍ، ثم عاد فحز رقبته -نظر: إن حز رقبته بعد اندمال الأطراف - فعليه ديات الأطراف ودية النفس. فلو قطع الأطراف؛ فله أن يعفو عن النفس، ويأخذ ديتها. ولو عفا عن النفس، وأراد أخذ ديات الأطراف - له ذلك؛ لأنها قد استقرت بالاندمال، فلا تدخل في بدل النفس. ولو عاد الجاني، وحز الرقبة قبل اندمال الأطراف- فللولي أن يقطع أطرافه، ويحز رقبته. فلو عفا لاتجب إلا دية النفس، لأنها وجبت قبل أن يستقر بدل الأطراف، فيدخل فيها بدلُ الأطراف؛ كما لو سرت الجراحات إلى النفس، فإن حز الرقبة لا يجب بدل الطرف، ولو قطع الأطراف، وعفا عن النفس على الدية - لا دية له. وقال ابن سُريج: إذا قطع أطرافه، ثم حز رقبته قبل الاندمال - لا يدخل بدل الأطراف في بدل النفس؛ كما لو حز الرقبة بعد اندمال الأطراف، حتى لو قطع الأطراف - له أخذ دية النفس. ولو عفا عن الكل - عليه ديات الأطراف، أو مع دية النفس، والأول المذهبُ؛ حتى لو قطع الولي إحدى يدي الجاني، ثم عفا - فهو موقوفٌ. فإن سرت يد الجاني إلى النفسِ - لا شيء للولي، وإن وقف، فله نصف الدية. هذا إذا اتفق قطعُ الأطرافِ وحر الرقبة في العمدية والخطإ. فإن اختلفا فهل يدخل بدلُ الطرفِ في النفس فيه وجهان: أحدهما: يدخل؛ كما إذا كانا عمدين، أو خطأين. والثاني: لا يدخل؛ لأن التداخل من قضية الاتفاق لا من قضية الاختلاف، ولأن من

стр. 2714

يستحق عليه الدية في العمد غير من يستحق عليه الدية في الخطإ. بيانه: إذا قطع يد رجل خطأ، ثم حز رقبته عمداً قبل الاندمال فللولي أن يقتله قصاصاً، وليس له قطع يده، فإذا قتله قصاصاً؛ فإن قلنا: [الحكم للنفس - لا شيء له من الدية]. وإن قلنا: لا يدخلُ بدل الطرف فيه يأخذ نصف الدية لليد من العاقلة، ولو عفا عن النفس: فإن قلنا: الحكم للنفس فلا يجب إلا ديةٌ مغلظةٌ في ماله [للنفس]. وإن قلنا: لا يسقط بدل الطرف - فتجب ديةٌ مغلظةٌ في ماله للنفس، ونصف دية مخففة على العاقلة لليد. وعلى عكسه: لو قطع يده عمداً، ثم حز رقبته قبل الاندمال خطأ - يجوز للولي قطع يده. ثم إن قلنا: الحكمُ للنفس [يأخذ نصف الدية مخففة من عاقلته. وإن قلنا: لا يدخل - فيأخذ منهم مال دية النفس، وإن عفا عن قطع اليد. فإن قلنا: الحكم للنفس]- فلا يجب إلا ديةٌ مخففةٌ على العاقلة للنفس. وإن قلنا: لا يدخل - فتجب دية النفس على العاقلة مخففة، ونصف دية مغلظة في ماله لليد. أما إذا قطع أطراف إنسانٍ، ثم جاء آخر، وحز رقبته، سواء حز بعد اندمال الأطراف، أو قبله - فعلى الأول ديات الأطراف، وعلى الثاني ديةُ النفس؛ لأن فعله يثني على فعل نفسه، لا على فعل غيره. كما لو هتك الحرز، وأخرج المال في دفعات حتى بلغ نصابا ً- قطع، وإن أخرج بعض النصاب غيره - لم يقطع، وهذا بخلاف ما لو جاء الثاني فجرحه قبل الاندمال الأول، ولم يحز رقبته، فمات من الكل - لا تجب إلا ديةٌ واحدةٌ عليهما نصفان؛ لأن جرح الثاني غير موحٍ؛ فالقتل حصلمنهما، وحز الرقبة موحٍ؛ فلا صُنع للآخر في القتل.

стр. 2715

فصل في حصول القتل بجنايات مختلفةٍ قد ذكرنا أنه إذا جرح إنساناً جراحةً، أو قطع منه طرفاً، ثم جاء هو أو غيره، فجرحه جراحة موحيةً بأن حز رقبته عمداً - ثبت القصاص في النفس على من حز الرقبة، سواء كانت الجراحةُ الأولى، وقطع الطرف عمداً، أو خطأ. وإن لم تكن واحدةٌ منهما موحيةً - نظر: إن كانت كلُّ واحدة منهام: لو انفردت بزهوق الروح موحية للقود في النفس- فالاجتماع لا يمنع القصاص، سواءٌ كانتا من شخص واحد، أو من شخصين. وإن كانت إحداهما غير مضمونةٍ بالقود: فإن كانتا من شخص واحد- لا يثبت القود في النفس؛ مثل: إن قطع إحدى يدي رجلٍ عمداً، ثم قطع الأخرى خطأ، فمات منهما - لا يثبت القود في النفس، ويثبت في الطرف الذي [قطعه] عمداً، وعلى عاقلته نصف ديةٍ مخففة. وإن عفا عن قطع الطرف - فنصف الدية مغلة في ماله، ونصفها مخففة على عاقلته. ولو قطع مسلمٌ يد ذمي، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى، [أو قطع حر يد عبدٍ، فعتق، ثم قطع يده الأخرى]، ومات من رايتهما - لا يجب القود في النفس، ويجب في الطرف الذي قُطع بعد الإسلام والحرية، وإن عفا فتجب دية حر [مسلم] في ماله، وإن اقتص من الطرف - فنصف الدية. ولو قطع ذمي يد ذمي، فأسلم الجارحُ، ثم قطع يده الأخرى، ومات منهما - فلا قود في النفس، ويثبت في الطرف الأول، [وإذا] عفا فدية ذمي في ماله، وكذلك لو قطع - فقيمته. ولو قطع مسلمٌ يد حربي أو [يد] مرتدٍّ، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى، ومات منهما، أو قطع يد إنسانٍ قصاصاً، أو سرقه، ثم قطع يده الأخرى ظلماً، أو قطع يد قاصده ثم بعدما ولى قطع يده الأخرى، أو العادل قطع يد الباغي في القتال، ثم بعد التوبة قطع يده الأخرىن أو قطع السيد يد عبده، ثم أعتقه، وقطع يده الأخرى أو حربي قطع يد مسلم، ثم أسلم القاطع،

стр. 2716

فقطع يده الأخرى، ومات منهما [جميعاً]- لا يثبت القود في النفس في [هذا الموضع]، وثبت في الطرف الذي قطعه، وعند العفو: تجب نصف الدية مغلظةً في ماله. وإن كانت الجنايتان من شخصين، فمات منهما، وإحداهما غيرُ مضمونةٍ بالقود - نُظر: إن كانت إحداهما عمداً، والأخرى خطأ - فلا قود على واحد منهما في النفس، وعلى العامد القصاص في الطرف الذي قطعه، وعند العفو: تجب نصف الدية مغلظة في مال العامد، ونصفها مخففة على عاقلة الجاني الخاطئ. وكذلك إذا كانت إحدى الجنايتين عمداً، والأخرى شبه عمدٍ؛ لأن النصف الذي يجب على العاقلة مغلظة. وإن كانت الجنايتان عمدين: محضين، وإحداهما لا توجب القود؛ مثل: إن شارك الأب أجنبيًّا في قتل الابن - فلا قود على الأب، بل عليه نصف الدية مغلظةً في ماله، ويجب على الأجنبي القودُ في النفس. وعند أبي حنيفة ﵀: لا قود على شريك الأب؛ كما لا يجب على شريك الخاطيء. دليلنا: نقول: جرحُ الروح بجنايتين عمدين مضمونتين؛ فامتناع وجوب القصاص على أحد الشريكين - لا يمنع وجوبه على الآخر، كما لو رمى راميان سهمين إلى إنسان، فمات أحدُ الراميين قبل الإصابة، ثم [أصابه] السهم - يجب القصاص على الثاني؛ يؤيده: أنه لو عفا عن أحد القاتلين لا يسقط القود عن الثاني؛ كذلك ههنا. و [قد] قال بعضُ أصحابنا: القصاص ههنا وجب على الأب، ثم سقط بعفو الشرع؛ فلا يسقط عن شريكه، وليس كشري الخاطيء؛ لأن الروح هناك لم تخرج بجناية عمدٍ محضٍ، والخطأ شبهة في فعل الخاطيء؛ بدليل أنه يوصف به الفعل، فيقال: فعلٌ خطأٌ، والفعلان مجتمعان في محلٍّ واحدٍ؛ فصار فعلُ الخاطيء شبهة في حق العامد، وشبهة الأبوة ليست في الفعل، بل في ذات الأب، وذاته متميزة عن ذات الشريك، فلا تورثُ شبهة في حق الأجنبي.

стр. 2717

وعلى هذا: لو شارك حرٌّ عبداً في قتل عبدٍ، أو مسلمٌ ذميًّا في قتل ذميٍّ - لا قود على الحر، والمسلم؛ ويجب على العبد والذميِّ. وكذلك لو جرح مسلمٌ ذميًّا، فأسلم المجروحُ، ثم جرحه آخر، أو جرح حر عبداً، فعتق، ثم جرحه آخر حرٌّ، أو عبدٌ، ومات منهما - يجب القودُ على الثاني دون الأول. أما إذا جرح ذمي ذميًّا، فأسلم المجروح، ثم جرحه مسلمٌ. أو جرح عبدٌ عبداً، فعتق المجروحُ، ثم جرحه حر، ومات منهما - يجب القود عليهما؛ لأن كل واحدٍ من الجرحين عمدٌ موجبٌ للقود. ولو شارك بالغٌ صبيًّا في قتل إنسانٍ، أو شارك عاقلٌ مجنوناً - نُظر: إن كان الصبي لا يعقل عقل مثله، والمجنون لم يكن له تمييزٌ، فلا قود على واحدٍ منهما في النفس؛ كما لو شارك عامدٌ مخطئاً، وإن كان الصبيُّ يعقلُ عقلَ مثله، والمجنون له تمييزٌ - فلا قود على الصبي والمجنون، وهل يجب على شريكهما؟ فعلى قولين؛ بناءً على أن عمد الصبي عمدٌ أو خطأ؟ وفيه قولان: إن قلنا: عمده خطأ، فلا قود على شريكه؛ كشري الخاطيء. وإن قلنا: عمده عمدٌ - يجب، وهو الأصح؛ كشريك الأب، فأما إذا كانت إحدى الجنايتين مضمونة دون الأخرى؛ مثل: إن جرح حربي مسلماً، ثم جرحه مسلمٌ، ومات منهما، أو جرح قاصده، [فثاب]، فجرحه آخر، أو قطعت يد إنسان سرقةً، أو قصاصاً، ثم جرحه آخر، ومات منهما، هل يجب القود على الثاني في النفس؟ قولان: أحدهما: يجب؛ لأن الروح خرج بجنايتين عمدين؛ كشريك الأب. والثاني: لا يجب؛ بل عليه نصف الدية؛ بخلاف شريك الأب؛ لأن فعل الأب مضمون بالدية، [وفعل الحربي، وقطع السرقة، والقصاص غير مضمونٍ]. فأثر في حق الشريك، بل هو أخف حالاً من شريك الخاطيء؛ لأن فعل الخاطيء - مضمون [بالدية]، ثم أثر في حق الشريك، وههنا: فعلُ الأول غير مضمون، فأولى أن يؤثر. وكذلك: لو جرح مسلمٌ مرتداً، أو حربيًّا، ثم أسلم المجروح، فجرحه آخر.

стр. 2718

أو جرح ذميٌّ حربيًّا، ثم عقد المجروح الذمة، فجرحه ذميٌّ آخر؛ فمات منهما - لا شيء على الأول. وهل يجب القود على الثاني في النفس، أو لا يجب إلا نصف الدية؟ فيه قولان: وكذلك: لو جرح رجلٌ عبده، ثم جرحه عبدٌ آخر في حال رقه، أو بعد عتقه جرحه حرٌ، أو عبدٌ، ومات منهما - لا ضمان على المولى، وهل يجب على الآخر القود في النفس؟ فيه قولان: وكذلك: لو جرح نفسه، وجرحه آخر، أو لدغته عقربٌ أو حيةٌ، أو جرحه سبعٌ، وجرحه آدميٌّ؛ فمات منهما. فهل يجب القود في النفس على من شاركه في قتل نفسه، وعلى شريكه [السبع]- فيه قولان. وقيل: يجب القود على شريك السيد؛ لأن فعل السيد مضمونٌ بالكفارة، إن لم يكن مضموناً بالدية - فهو كشري الأب؛ وكذلك من شاركه في قتل نفسه إذا أوجبنا الكفارة على من قتل نفسه، والأول أصح. وقيل: شريك السبع شريك الخاطيء - لا قود عليه؛ لأن [فعل] السبع لا يوصف بالعمد؛ لأن العامد من له رويةٌ قبل الفعل، وفكرة بعد الفعل، ولا يكون هذا في السباع. فإن أوجبنا القود على شريك السبع، فلا فرق بين أن يقصده السبع بالجرح، أو لا يقصده، إذا كان جرحه مما يموتُ منه الرجل غالباً، فإن كان جرحه مما لا يموت منه والرجل غالباً - فلا قود على شريكه في النفس. ولو جرحه كلبان وآدميٌّ، أو جرحه سبع وحيةٌ وآدميٌّ؛ فمات، فكم يجب على الآدمي من الدية؟ [فيه] وجهان أحدهما: النصفُ؛ كما لو جرحه سبعٌ واحدٌ جرحين وآدمي. والثاني: وهو الأصح: عليه ثلث الدية؛ كما لو جرحه ثلاثة نفرٍ. ولو رمى رجلانِ سهمين إلى مسلمٍ في صف الكفار، علم أحدهما أنه مسلم، ولم يعلم

стр. 2719

الآخر أن في الصف مسلماً، فأصاباه فمات - هل يجبُ القودُ على العالم منهما؟ حكمه حكم شريك السيد؛ لأن فعل الجاهل مضمونٌ بالكفارة، ولو جرحه رجلٌ، فداوى المجروحُ جرحه بالسمِّ؛ بأن وضعه عليه، أو شربه للتداوي؛ فمات - نظر: إن كان السمُ مجهزاً للقتل - فلا قود على الجارح في النفس، بل عليه ضمان الجرح، أو القصاص في الطرف الذي قطعه، كما لو حز المجروح رقبةَ نفسهِ. وإن لم يكن السم مجهزاً - نظر: إن كان مما لا يتقل غالباً - فلا قود على الجارح في النفس؛ كشريك الخاطئ، بل عليه نصف الدية، أو القصاص في الطرف. وإن كان مما يقتلُ غالباً - نظر: إن جهل المجروحُ أنه قاتل - فكذلكك. وإن علمه قاتلاً - نص على أنه لا قود على الجارح في النفس قيل: هو ما لو جرح نفسه، وجرحه غيره، وقيل لا قود عليه قولاً واحداً؛ لان المداوي قصد الإصلاح؛ فشريكه كشري الخاطيء، عليه نصف الدية. ولو خاط المجروح جرحه [فمات] نظر: إن خاط في لحم ميتٍ، فعلى الجارح القودُ في النفس، أو كمال الدية، كذلك: لو داواه بما لا يضر، أكواه بما قال أهل البصر: إنه لا يضر من تكميد بصوفة ونحوه، وإن خاط في لحم حيٍّ - نظر: إن قصد الخياطة في لحم ميتٍ، أو في جلدٍ، فوقع في لحم [حي]، فلا قود على الجارح في النفس؛ كشريك الخاطيء، بل عليه نصفُ الدية، أو القصاص في الطرف الذي قطعه. وإن قصد الخياطة في لحم حيٍّ للمصلحة، فكالتداوي بالسم الذي يقتل غالباً. ولو خاط أجنبيُّ جرح المجروح، أو داواه بسم غير موحٍ - نظر: إن فعل بأمره. فهو كما لو خاط بنفسه، ولا شيء على الخياط، وإن فعله بغير أمره - فهما قاتلان؛ عليهما القودُ في النفس. وإن أخطأ في الجلد إلى اللحم - فهما شريكان في القتل؛ أحدهما عامدٌ، والآخرُ مخطيءٌ.

стр. 2720

وإن فعله الإمامُ - نظر؛ إن كان المجروحُ عاقلاً بالغاً - فالإمامُ كالأجنبي. وإن [كان] صبيًّا، أو مجنوناً - فهو كما لو كان سلعةً فقطعها الإمام، وجرحه آخر؛ فمات منهما - ففيه قولان: أحدهما: يجبُ عليهما القودُ. والثاني: لا قود على الإمام بقطع السلعة، بل عليه الديةُ؛ فعلى هذا: لا قود على شريكه؛ لأنه شاركه في فعل عُدَّ خطأ. ولو قطع إصبع إنسانٍ فتآكلت، فقطع المجنيُّ عليه فه، خوفاً من السراية - نظر: إن لم تتآكل إلا رأس الجراحة - فليس على الجاني إلا القصاص في الإصبع، وأرشها إن وقف. فإن سرى إلى النفس [ومات] فعلى الجاني نصف الدية، وهل عليه القصاص في الإصبع، ودية أربع أصابع. وإن سرى إلى النفس؛ فإن كان المجني عليه قطع في لحم ميته، فعلى الجاني القصاص في النفس، أو ديةٌ كاملة. وإن قطع في لحم [حي]- فهو كخياطة الجُرح. ولو جرح عضواً لإنسان، فداواه المجروحُ، فتآكل العضو، فسقط - نظر: إن داواه بما زعم أهل العلم أنه لا يأكل - فعلى الجاني ضمان العضو، وإن داوى بما تأكل - فليس على الجاني إلا أرش الجراحة. فلو قال الجاني: داويته بما يأكل - فالقول قول المجني عليه مع يمينه، لأن الجناية متحققة، والأصل عدم سبب آخر.

стр. 2721

قال الشيخ- ﵀: ويحتمل أن يقال: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءةُ ذمته عن سوى أرش الجراحة، ونيره: لو قطع يد إنسان، فمات، فقال الجاني: قتل نفسه؛ فليس عليَّ إلا نصفُ الدية، وقال الولي، بل مات بسراية قطعك -[ففيه] وجهان: أصحهما: القول قول الوليِّ مع يمينه؛ لأن الجناية منه [حقيقة]. والثاني: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته. فصل في تغير أحوال المجني [عليه] من الجناية والسراية كل جناية لا يكون ابتداؤها مضموناً في حق الآدمي - فلا يجب الضمانُ بتغير الحال في الانتهاء، وإن كان ابتداؤها مضموناً - فالاعتبار في قدر الضمان بالانتهاء. وإن تغير الحال إلى الهدر فلا يجب إلا ضمان الجراحة، أما في القصاص في النفس، وفي تحمل العقل يعتبر الطرفان والواسطةُ؛ لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهة، ويحمل العقل مؤاخذة غير الجاني للتناصر، فإن لم يكن من أحد الطرفين من أهله - لا يحمل: بيانه: لو جرح مرتداً، أو حربياً، فأسلم، ثم مات بالسراية - فلا قود عليه، ولا دية، ولا كفارة. كما لو جرح حربيٌّ مسلماً، ثم أسلم، أو عقد الذمة، ثم مات المجروحُ بالسراية - لا شيء عليه، وكذلك لو جرح قاصده في الدفع، ثم تاب، فمات، أو جرح قاتل أبيه، ثم عفا، أو قطع يد إنسان سرقةً، أو قصاصاً، فمات بالسراية - لا [شيء عليه، وكذلك: لو جرح عبد نفسه، ثم أعتقه، فمات بالسراية - لا] قود عليه، ولا دية أما إذا جرح عبد غيره، فعتق، ومات بالسراية، أو جرح ذميًّا، فأسلم، ومات بالسراية وجب عليه دية حر مسلم؛ لأن ابتداء الجناية كان مضموناً؛ فيعتبر الانتهاء في قدر الضمان، وهو في الانتهاء حرٌّ مسلمٌ، ولا يجب القود إن كان جارح العبد حرًّا، وجارح الذمي مسلماً، وعند أبي حنيفة ﵀[عليه] العتق بقطع السراية حتى لو قطع يد عبد، فعتق، ثم سرى - لا يجب إلا دية اليد:

стр. 2722

فنقول: الجناية إذا كانت مضمونةً، لم يجز أن تكون سرايتها غير مضمونةٍ بتبدل المستحق، كما لو جنى على ذمي، فأسلم، ثم مات- تجب ديةٌ كاملةٌ، وإن كان مستحق ماله بعد الإسلام غير مستحقة لو مات كافراً، ولو قطع إصبع نصرانيٍّ، فأسلم، ثم سرى إلى الكفِّ، ووقف - فعلى الجاني عُشرُ دية ذميٍّ للإصبع، وأربعةُ أخماسِ دية يد مسلمٍ، وكذلك لو قطع إصبع عبد، فعتق ثم سرى إلى الكف، فعليه عُشرُ قيمته للسيد، وأربعة أخماس دية حُرٍّ للمعتق، ولو قطع ذميٌّ يد ذميٍّ، فاقتص من القاطع، ثم أسلم المجني عليه، ومات بالسراية، أو قطع ذمي يد مسلم، فاقتص، ثم مات المسلم بالسراية فلوليه أن يقتص من الجاني، فلو عفا فعلى الجاني خمسةُ أسداسٍ ديةٍ مسلمٍ، ويسقط سُدسها، وهي دية يد ذمي. فمنه وجه آخر: أنه يجب نصف الدية؛ لأن يد الذمي إذا استوت بيد المسلم - لا يجب شيء آخر، ولو قطع ذمي يدي مسلمٍ، واقتص، ثم مات المسلم بالسراية- فللولي قتله، وإذا عفا على الدية - فعلى الوجه الأول: يأخذ ثلثي الدية؛ لأنه أخذ ما يقابله ثلث دية المسلم، وعلى الوجه الآخر: لا شيء له؛ لأنه إذا رضي أن يأخذ نفس [الذمي بنفس] المسلم - لا يكون له دية، وكذلك: لو قطعت امرأة يد رجل، واقتص، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، ووقفت يد الجاني - فللولي قطعها، فلو عُفي على الدية، يجب ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه يستوفي يداً بدلها ربُعُ نفس الرجل. وقيل: يجب نصف الدية، لأن يدها تقابل يد الرجل عند القطع. والأول أصح؛ لأن يدها إنما تقابل يده، إذا وقفت الجناية، فأُقيدت بها، فذا صارت الحادثة نفساً فاستيفاء يدها كاستيفاء ربع الدية، ولو قطعت يدي رجلٍ، فاقتص، ثم مات المجني عليه بالسراية، وعفا الوليُّ عن النفس على الدية - يجب نصف الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني: لا يجب شيء. وعلى هذا: لو قطع عبدٌ يد حرٍّ، فاقتص، ثم مات المجني عليه بالسراية، ثم عتق العبد، ووقفت يده، وعفا الولي عن القصاص في النفس - ماذا يجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط من دية الحر بقدر نصف قيمة العبد، وعلى السيد أقل الأمرين من باقي

стр. 2723

الدية، أو كمال قيمة العبد؛ لأنه بالعتق صار مختاراً للفداء. والوجه الثاني: تسقط نصف الدية، وعلى السيد أقل الأمرين من نصف دية الحر، أو كمال قيمة [العبد] ولو تغير حال المجني عليه من الضمان إلى الهدر، فمات - لا يجب إلا ضمان الجراحة؛ مثل: إن جرح مسلماً، فارتد المجروح، ثم مات بالسراية، أو جرح ذمياً، فنقض العهد، ثم مات بالسراية - فلا قود في النفس، ولا دية، ولا كفارة، ولأن الكفارة لإتلاف النفس، والنفس غير مضمونةٍ، ويجب ضمان الجرح، ويكون فيئاً. وإن كان قد قطع طرفاً في حال الإسلام، فارتد المجروح، فإن عاش له طلب القود في حال الردة، وإن كان موجباً للمال؛ فإن قلنا: ملكه باق - أخذ الدية، وإن قلنا: ملكه زائلٌ، فلا يأخذ، بل يوقف، فإن عاد إلى الإسلام - أخذ، وإلا أخذه السلطان. وإن مات في الردة، فهل لوارثه أن يقتص عن طرف الجاني؟ نص الشافعي ﵁ على أن لوليه أن يقتص. قيل: أراد بالولي السلطان؛ لأن المرتد لا يورث منه؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال، يأخذ السلطان لا الوارث؛ وهذا على قولنا: إن من قُتِلَ، ولا وارث له - يجوز للسلطان أن يستوفي القصاص، وفيه قولان فإن قلنا: هناك: لا يستوفي السلطان [القصاص]- فلا قصاص ههنا. ومن أصحابنا من قال: أراد بالوليِّ القريب، وهو الأصح؛ وعليه الأكثرون؛ فكل من كان وارثاً [له] قبل الردة، فله أن يستوفي، فإن كان القريب صغيراً، أو مجنوناً - توقف حتى يبلغ، أو يفيق؛ فيستوفي، وإنما أثبتنا للقريب أن يقتص من طرفه؛ لأن القصاص لدرك الغيظ، والتشفي؛ فثبت ذلك للقريب الوارث، وإن كان لا يرث المال، فإذا عفا - أخذ الإمام المال كما لو قُتِلَ رجلٌ، وعليه دينٌ- ثبت القصاص للوارث، فإذا عفا - كانت الدية للغرماء، ولو قطع أطراف مُسلمٍ، فارتد، ثم مات بالسراية - فماذا يلزمه؟ فيه وجهان:

стр. 2724

أصحهما: يجب الأقل من دية الأطراف، أو دية النفس؛ لأن دية الأطراف: إن كانت أقل فالسراية كانت في الردة؛ فلا تكون مضمونة، وإن كانت دية النفس أقل فهو [كما] لو مات مسلماً لا يجب أكثرُ منها، فإذا مات في الردة أولى ألا يزاد عليها. والوجه الثاني، وإليه ذهب الإصطخري: تجب عليه دياتُ الأطراف؛ فالردة تقطع حكم السراية كالاندمال؛ لأن الطرف إنما يتبع النفس إذا وجب ضمان النفس بتلك الجناية، وههنا: لا يجب ضمان النفس؛ بدليل أنه لو كان أرش الطرف أقل بأنه أوضحه، أو قطع إحدى يديه، وارتد فمات لا يزاد على أرش الطرف؛ وعلى هذا: لو قطع يد نصراني فتمجس، ثم مات بالسراية فإن قلنا: النصراني إذا تمجس يُقرُّ على المجوسية [فعلى الجاني دية مجوسي؛ اعتباراً بحال الاستمرار، وإن قلنا: لا يُقر على المجوسية]، فهو المسلم يرتد؛ فعلى قول الإصطخري عليه دية طرف نصراني، وعلى الوجه الأول: عليه الأقل من دية طرفه، أو دية نفسه. ولو جرح مسلماً، فارتد المجروح، ثم أسلم، ثم مات بالسراية- تجب الديةُ، والكفارة، ونص على أنه لا يجب القود في النفس، وقال فيها لو جرح ذميٌّ ذميًّا، أومستأمناً، فنقض المجروح العهد، ثم عاد إلى العهد، فمات بالسراية، فهل يجب القود في النفس على الجاني؟ فيه قولان، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين. أحدهما: يجب القود، لأن دمه كان مضموناً بالقصاص من حالتي الجرح، والموت. والثاني: لا يجب؛ لأنه تخلل بينهما حالة الهدر، فيصير شبهة في سقوط القصاص. ومنهم من قال، وهو الأصح: إن طال زمانُ الهدر بحيث حصل فيه شيءٌ من السراية، لا يجب القود، وإن قصر بحيث لم يحصل فيه شيءٌ من السراية - فعلى قولين: فإن قلنا: يجب القود- فعند العفو يجبُ كمالُ الدية. وإن قلنا: لا يجب القود. فإن قصر زمان الردة؛ بحيث لم يوجد منه سراية - يجب

стр. 2725

كمالها، وإن طال - ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب كمالها؛ لأن الجرح والموت - في حال الضمان. والثاني: وهو قول ابن سريج: يجب ثلثاها؛ لأن له حالتي ضمان وحالة هدرٍ. والثالث: وهو الأصح: يجب نصفها، ونجعل حالتي الضمان كحالة واحدة. ولو جرح مرتداً، فأسلم، ثم عاد، فجرحه، ومات منهما - يجب عليه نصف الدية، كما لو كان الجارح اثنين جرحه أحدهما في حال الردة، والآخر بعد الإسلام، وتاب فجرحه ثانياً - يجب على الثاني نصفُ الدية، فلو جرح مرتداً، فأسلم فجرحه ثانياً، ثم ارتدَّ، فجرحه ثالثاً، ثم أسلم، ومات بالسراية - كم يجب عليه من الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: ثلثها؛ لأنه مات بثلاثِ جراحاتٍ: اثنتان في حالة الهدر، واحدة في حالة الضمان،- يجب على الجارح في حالة الضمان ثلثها. والثاني: يجب عليه نصف الدية، يجمع بين حالتي الهدر، كما لو كان الجارح اثنين، جرح أحدهما في حالة الهدر جرحين، والآخر من حالة الضمان جرحاً واحداً - يجب على الجارح في حالة الضمان نصفُ الدية، ولو جرح مرتداً، فأسلم، ثم جاء رجلان، وجرحاه، فمات من الكل - يجب على الجارحين في الإسلام ثلثا. الدية، على كل واحدٍ ثلثها؛ لأنه مات بجناية ثلاثة: واحدة منها هدرٌ، ولو عاد الجارح في الردة مع رجل آخر، فرحاه بعد الإسلام، فمات - فعلى الأول ربعُ الدية، وعلى الثاني نصفها؛ لأن الأول حالتين حالة ضمانٍ، وحالة هدرٍ، والدية توزع على عدد رؤوس الجناة، وإن كانت جناية البعض أكثر [من البعض]، ثم ما يخص كل واحد منهم، يوزع على أحواله من الضمان، والهدر، والعمد، والخطإ، [وما يقابل حالة الهدر - لا يجب] فما يقابل حالة الضمان - يجب، وما يقابل العمد يكون مغلظاً في حالة؛ [وما يقابل الخطأ - يكون على العاقلة] حتى لو عاد الجارح في الردة مع رجلين آخرين، وجرحوه بعد الإسلام، فمات من الكل، يجب على كل واحدٍ من الجارحين في الإسلام ثلث الدية، وعلى الأول سدسها، والسدس هدرٌن ولو جرح مرتداً، فأسلم، فجرحه ثانياً، ثم ارتد فجرحه ثالثاً، ثم أسلم، فجاء آخر، وجرحه، ومات من

стр. 2726

الكل، فعلى الآخر نصف الدية. وماذا يجب على الأول؟ فيه وجهان: أحدهما: سدس الدية؛ لأن له حالتي هدرٍ وحالة ضمان. والثاني: ربعها جمعاً بين حالتي الهدر. ولو جرح رجلاً خطأ، ثم جاء مع آخر، وجرحاه عمداً، ومات من الكل - فعلى الثاني نصف الدية مغلظة في ماله [، وعلى الأول نصفها: النصف منه، وهو من الربع حقه مغلة في ماله]. فصل في تبدُّل الحالتين بين الرمي والإصابة إذا رمى سهماً إلى إنسان، فتغير حال المرمي إليه، ثم أصابه - فلا يجب القصاص حتى يكون ممن يجب القصاص بقتله من حالة الرمي إلى الإصابة، فنعتبر في القصاص الطرفين، والواسطة؛ كما في سراية الجراحة، وكذلك في تغير حال الرامي، وكذلك في تحريم الأكل، ووجوب جزاء العبيد يعتبر الطرفان والواسطة؛ حتى لو رمى إلى صيدٍ، وكان الرامي من أحد طرفي الرمي، أو في الواسطة، مرتدًّا، أو مجوسياً - لا يحل الصيد، ولو كان في أحد الطرفين محرماً - يجب الجزاء، أما الضمان: فإن كان المرميُّ إليه مضمونَ الدم من حالتي الرمي والإصابة، فالاعتبار في قدر الضمان بحالة الإصابة مثل إن أرسل على ذمي، فأسلم، ثم أصابه، أو إلى عبد، فعتق، ثم أصابه - يجب عليه دية حر مسلم، ولا قود إذا كان الرامي حراً مسلماً، وكذلك لو تبدل حال الرامي بأن رمى عبدٌ إلى عبدٍ، فعتق الرامي، ثم أصابه، أو رمي ذميٌّ إلى ذميٍّ، فأسلم الرامي، ثم أصابه - لا يجب القود؛ لأنه لم يكن مما يقاد به في حالة الإصابة، وإن كان مضمون الدم حالة الرمي دون حالة الإصابة - فلا ضمان؛ مثل: إن رمى إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه، أو إلى ذميٍّ، فنقض العهد، ثم أصابه - فلا شيء على الرامي، وكذلك في تبدل حال الرامي بأن رمي ذميٌّ إلى إنسان، فنقض العهد، ثم أصابه لا شيء عليه، وإن كان مضمون الدم حالة الإصابة دون حالة الرمي، مثل: إن رمي إلى مرتد، أو إلى حربي، فأسلم، ثم أصابه، فقد قيل: لا شيء عليه؛ كمالو جرح مرتداً، أو حربياً، فأسلم، ثم مات بالسراية - لا يجب عليه شيء.

стр. 2727

والصحيح من المذهب: أنه تجبُ الدية بخلاف الجرح؛ لأن ثم تحققت الجناية في حالة الهدرن فلم يجب ضمان سرايتها، وههنا: تحققت الجناية بالإصابة، والإصابة كانت في حالة الضمان، وقيل: إذا رمى إلى حربيٌّن فأسلم، ثم أصابه لا يجب الضمان، وفي المرتدِّ يسلم - يجب؛ لأن قتل الحربي مباحٌ لكل أحد، وقتل المرتد إلى الإمام، حتى لو كان الرامي إلى المرتد هو الإمام، فأصابه بعد الإسلام - لا شيء عليه؛ وكذلك لو رمى إلى عبدِ نفسه، فعتق، ثم أصابه، أو إلى قاتل أبيه الذي له عليه القصاص، فعفا ثم أصابه - لا قود عليه، وفي الدية وهان أصحهما: يجب قال الشيخ ﵀: وكذلك لو تبدل حال الرامي بأن رمي حربي إلى مسلم، فأسلم الرامي، فأصابه - فلا قود، وتجب الدية؛ على أصح الوجهين. وعند أبي حنيفة ﵀: الاعتبار بحالة الرمي حتى لو رمى إلى عبد، فعتق، ثم أصابه - تجب القيمة، ولو رمى إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه - تجب الدية، ولو رمى إلى مرتد، فأسلم، ثم أصابه، أو إلى عبد نفسه، فأعتقه، ثم أصابه - لا ضمان عليه، فنقول: أجمعنا على أنه لو رمى إلى عبدٍ صحيح، فشلت يده، ثم أصابه - تجب قيمته بحالة الإصابة، وكذلك إذا عتق وجب أن يعتبر حالة الإصابة. فصل في تبدل العاقلة في قتل بين الجناية والسراية إذا تبدل حالُ الرامي بين الرمي والإصابة في الخطأِ، فلا يحملُ الدية إلا من كان من أهل التحمل عنه من وقت الرمي على وقت الإصابة؛ حتى لو رمى إلى صيد، فأصاب إنساناً، وكان الرامي مرتداً في أحد الطرفين، مسلماً من الآخر، أو كان مسلماً من الطرفين، مرتداً في الواسطة - تجب الدية في ماله؛ لأنه لم يكن ممن له عاقلةٌ في بعضها. وكذلك لو رمى ذمي على صيد، فنقض العهد، ثم عاد إلى العهد، ثم أصاب إنساناً، أو رمى حربيٌّ، فأسلم، ثم أصاب إنساناً، وقلنا: تجب الدية - تكون الدية في ماله؛ لأن الحربي لا عاقلة له، وهو كان في بعضها حربياً. ولو رمى ذميٌّ إلى صيد، فأسلم، ثم أصاب إنساناً، فالدية في ماله لا توجب على [عاقلته] الذميين؛ لأنه كان مسلماً حالة الإصابة، ولا على عاقلته المسلمين؛ لأن كان ذميًّا حالة الرمين ولو رمى نصرانيُّ [إلى صيدٍ] ن ثم تهود، أو تمجس، ثم أصاب السهمُ

стр. 2728

إنساناً: قال الشيخ ﵀: فإن قلنا: يُقر على دينه - تجب الدية على عاقلته من أهل أي دينٍ كان؛ لأن الكفر كله ملةٌ واحدةٌ. وإن قلنا: لا يقر، فيكون في ماله كالمسلم يرتدُّ. ولو رمى عبد إلى صيد، فعتق، ثم أصاب إنساناً - فالدية في ماله لا تجب على السيد؛ لأنه كان حراً حالة الإصابة، ولا على عاقلته؛ لأنه كان عبداً حالة الرمي، حتى لو تزوج عبدٌ معتقةً، فأولدها ولداً، ثم رمى ذلك الولدُ على صيدٍ، فعتق [أبوه]، ثم أصاب السهم إنساناً - تجب الدية في ماله؛ لأن الولاء لا ينجرُّ بعتق الأب من موالي الأم إلى موالي الأب، ولا يمكن إيجابُ الدية على موالي الأب، ولا على موالي الأم؛ لاختلاف حالتي الرمي، والإصابة. وعلى هذا: لو أن عبداً حفر بئر عدوان، ثم عتق، ثم تردى فيها إنسانٌ، ومات - تجبُ الدية في ماله. وكذلك: لو نكح عبدٌ منكحة معتقة، فأتت بولد، ثم ذلك الولد حفر بئر عدوانٍ، أو نصب شبكة، أو أشرع جناحاً، أو ميزاباً في الطريق، فمات به إنسانٌ - تجب الدية على موالي الأم. فلو عتق الأب بعد وجود هذه الأسباب قبل الوقوع، ثم وقع، فالدية تكون في ماله. ولو جرح ذميٌّ إنساناً خطأ، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح من السراية - يجب أرش الجراحة على عاقلته الذميين؛ لأنه قد تحقق ذلك القدر، وهم عاقلته، والباقي يكون في ماله؛ لأنه وجب بسراية حصلت بعد الإسلام، عن جناية كانت في الكفر، ولا يمكن إيجابه على واحدة من العاقلتين إلا أن يزيد أرش الجراحة على دية النفس؛ فلا يجب إلا دية النفس، ويكون الكل على عاقلته الذميين. ولو قطع ذميٌّ يد إنسان خطأ، ثم أسلم، ثم سرى إلى النفس - تجب نصف الدية على عاقلته الذميين، ونصفها من ماله. وفيه وجه آخر أنه إذا رح ذميٌّ إنساناً، أو قطع يده خطأ، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح: أنه تجب جميع الدية على عاقلته الذميين.

стр. 2729

والأول أصح؛ لأن الجناية وجدت منه في حال كونه ذميًّا. قال الشيخ ﵀: ويمن بناءُ هذا على ما ذكرنا، وهو أنه إذا جرح ذميٌّ ذميًّا، ثم أسلم الجارح، ثم مات المجروح بالسراية - هل يجب القصاص في النفس؟ فيه وجهان: إن قلنا: يجب القصاص باعتبار حالة الجُرح، فههنا: يجب جميع الدية على عاقلته الذميين. وإن قلنا: لا يجب القود في النفس - فلا يجب عليهم كمالُ الدية كما ذكرنا؛ وعلى هذا: لو قطع عبدٌ يد إنسانٍ خطأ، فأعتقه المولى، ثم سرى إلى النفس - فالضمانُ كان متعلقاً برقبته؛ فصار المولى بإعتاقه مختاراً بالفداء يفدي بأقل الأمرين من نصف الدية، أو كمالِ قيمة العبد، ونصف الدية في مال الجاني؛ لأنه سرايةٌ بعد العتق بجنايةٍ كانت في الرق. قال الشيخ ﵀ على قياس الوجه الآخر: يفدي السيد بالأقل من كمال قيمة العبد، أو كمال دية المقتول؛ لأن الجناية وُجدت في حال الرق. [والأول المذهب]. ولو قطع ذمي يد إنسانٍ خطأً، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى فمات منهما، أو عاش - تجبُ نصفُ الدية على عاقلته الذميين، والنصف على عاقلته المسلمين، وكذلك لو قطع ذمي إصبع إنسان، فسرى إلى الكفِّ، ثم أسلمَ، فقطع يده الأخرى، ومات منهما. أما إذا قطع ذميٌّ إصبع إنسانٍ خطأًن فأسلم القاطع، ثم سرى إلى الكف، ثم قطع بعد الإسلام يده الأخرى، ومات منهما تجب عُشر الدية على عاقلته الذميين، وأربعةُ أعشارها من ماله؛ لأنها وجبت بسرايةٍ بعد الإسلام عن جناية كانت من الكفر، وتجب نصف الدية على عاقلته المسلمين. وكذلك: لو قطع ذميٌّ إصبع إنسانٍ خطأ، ثم أسلم، فقطع إصبعاً أخرى، فمات منهما يجب نصف الدية على عاقلته المسلمين؛ لوجود إحدى الجنايتين في الإسلام، وعشرها على عاقلته الذميين، وأربعةُ أعشارها في ماله. وكذلك: لو قطع عبدٌ يد إنسان، أو قطع إصبعه، فسرى على الكفِّ، ثم عتق، فقطع يده الأخرى، فمات - فنصف الدية تعلق برقبته، ونصفها على عاقلة الجاني. ولو قطع العبد إصبع إنسان خطأً، فعتق، ثم سرى إلى الكف، ثم قطع يده الأخرى، ومات - فعشر الدية تعلق برقبته، صار السيد بإعتاقه مختاراً للفداء، يفدي بالأقل من عشر الدية

стр. 2730

أو كمال قيمة العبد، وأربعةُ أعشارِ الدية في مال الجاني، والنصف على عاقلة الجاني. ولو قطع مرتدٌّ يد إنسانٍ خطأ، أو قطع إصبعه، فسرى إلى الكف في الردة، أو بعد الإسلام، ثم بعد ما أسلم، قطع يده الأخرى - تجب نصفُ الدية من ماله؛ لأنه لا عاقلة للمرتد، ونصفها على عاقلته المسلمين. ولو جرح مسلمٌ إنساناً خطأً، فارتد الجارح، ثم أسلم، ثم مات المجروحُ - نظر: إن قصر زمانُ الردة بحيث لم يوجد فيه سرايةٌ - فجميع الدية على عاقلته، [وإن طال بحيث وجد فيه سرايةٌ - فقولان: أحدهما: تجب كلها على عاقلته]؛ لأن الجناية، وخروج الروح كان في الإسلام. والثاني: تجب نصف الدية في ماله، والنصف على عاقلته؛ لوجود بعض السراية في حال الردة. قال الشيخ ﵀: ويخرج وجهٌ آخر: أن الثلثين على العاقلة كما ذكرنا في المجروح إذا ارتد، ثم أسلم، فمات - كم تجب من الدية؟ فصلٌ [في دية العبد إذا عتق تكون للمولى بعد موته] إذا قطع يدي عبدٍ، فعتق، ثم مات بعد الاندمال - يجب على الجاني كمالُ قيمته - وإن زادت على ديات - وتكون للمولى؛ سواء كان الاندمال قبل العتق، أو بعده؛ لأن الراحة إذا اندملت، واستقر حكمها. ولو عتق، ولو يندمل الجُرحُ، وسرى إلى النفس - يجب على الجاني كمالُ الدية؛ قلت قيمة العبد أو كثرت؛ اعتباراً بالمال حتى لو كانت قيمة العبد ألفين، فعتق ومات بالسراية - لا تجب إلا دية حرٍّ، ثم ماذا يكو للسيد من تلك الدية؟ نظر: إن كانت الدية قدر قيمة العبد، أو أقل؛ فيكون الكل للسيد؛ لأن هذا القدر قد وجب بالجناية، والجناية كانت على ملكه، وإن كانت الدية أكثر من قيمة العبد فتقدر قيمة العبد تكون للسيد، والباقي للورثة؛ لأن تلك الزيادة بسبب سراية حصلت بعد الحرية، فيكون موروثه، وحق السيد يؤدي من إبل الدية، وليس للوارث أن يأخذ الدية، يدفع حق السيد من غيرها؛ لأن حقه تعين فيها.

стр. 2731

وعند المُزني: إذا كانت قيمة العبد أكثر من الدية - يجب على الجاني كمالُ القيمة، ويكونُ للسيد، وهذا لا يصح؛ لأن ضمان الجناية يعتبر بحالةِ الاستقرار، وهو كان حُرًّا حالة الاستقرار، فلا يجبُ إلا بدلُ الحر؛ بدليل أن قيمته لو كانت أقل من الدية، فيجبُ كمال الدية، إذا مات بعد الحرية. ولو قطع إحدى يدي عبد، أو فقأ إحدى عينيه، فعتق، ثم مات بالسراية - يجب على الجاني كمالُ الدية، وفيما للسيد منها قولان: أصحهما: له الأقلُّ: من نصف [قيمة عبد]، أو تمام الدية؛ لأن نصف القيمة إن كان أقل - فهو لم يُتلف على السيد إلا ذلك القدر، وإن كانت الدية أقل - فلم تجب بالجناية غيرها. والثاني: للسيد الأقل من تمام القيمة، أو تمام الدية؛ لأن السراية حصلت بجناية مضمونةٍ للسيد، فعلى القول الأول: للسيد الأقل من أرش الجناية؛ لو وقفت، أو ما يجب بسرايتها بعد الحرية. وعلى القول الثاني: له الأقل مما يجب بسراية تلك الجناية بعد الحرية، أو ما يناسبها من القيمة، حتى لو قطع إصبع عبدٍ، فعتق ثم سرى - يجب عليه كمالُ الدية. وللسيد؛ على القول الأول، وهو الأصح: الأقل من عشر قيمته، أو كمالِ الدية. وعلى القول الثاني: له الأقل من كمال الدية، أو كمال القيمة. ولو قطع حُر يد عبدٍ، فعتق، ثم قطع يده الأخرى، فمات منهما - له أن يقتص من الطرف الثاني. وإذا عفا يجب كمال الدية، وللسيد منها الأقل من نصف القيمة، أو نصف الدية على القولين جميعاً؛ لأنه لم يجب بجناية الرق وسرايتها- إلا نصف الضمان، والباقي للوارث. فلو اقتص الوارث من الطرف الثاني - فقد استوفى ما يقابله نصفا لدية، وبقي النصف، فإن كان قدر نصف القيمة، أو أقل - أخذه السيد، وإن كان أكثر - فقدر نصف القيمة للسيد، والباقي للوارث. وكذلك: لو قطع يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر، فقطع يده الأخرى، ومات منهما - تجب عليهما الدية، على كل واحد نصفها، وللسيد الأقل من صنف الدية، أو نصف القيمة، ويكون حقه فيما يجب على الأول؛ لأنه الذي جنى على ملكه، ولا حق له فيما يجب على الثاني؛ لأنه لم يجن على ملكه، فلو اقتص الوارث من طرف الثاني بقي على الأول نصف الدية،

стр. 2732

فيأخذه للسيد إن كان قدر نصف القيمة، أو أقل، فإن كان أكثر - فالفضل للوارث. ولو قطع إصبع عبدٍ، فعتق، ثم جاء آخر، وقطع يده، ومات منهما - فعليهما الدية، وللسيد في القول الأول الأقل من عشر قيمته، أو نصف ديته. وعلى القول الثاني: له الأقل من نصف قيمته، أو نصف ديته. ولو قطع يد عبدٍ، فعتق، ثم جاء رجلان، فجرحاه، أو قطع أحدهما يده الأخرى، والآخر رجله، ومات من الكل - فتجب عليهم الدية أثلاثاً، وللسيد من الثلث الذي يؤخذ من الأول الأقل من نصف قيمته، أو ثلث ديته. وعلى القول الثاني [له] الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة. ولو جاء الجاني الأول مع رجلين آخرين، فقطع كل واحد عضواً، ومات من الكل فعليهم الدية أثلاثاً، وللسيد على القول الأول من نصف قيمته، أو سدس ديته؛ لأنهم ثلاثة توزع الدية على عدد رءوسهم، فيخص الجاني في الرق ثلث الدية، وهو جنى جنايتين إحداهما في حال الرق، فيخص تلك الجناية السدس. وعلى القول الآخر: الأقل من سدس ديته، أو سدس قيمته. ولو قطع يدي عبدٍ، فعتق، ثم جاء رجلان، وجرحاه، فمات من الكل - فعليهم الدية. ثم على القول الأول؛ للسيد الأقل من كمال قيمته، أو ثلث ديته. وعلى الثاني: له الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة. وكذلك: لو قطع الأول يديه، ورجليه في الرق؛ لأنه الأطراف إذا صارت نفساً - لا تضمن [بأكثر من القيمة. ولو أوضح رأس عبد، فعتق، ثم جاء تسعة] نفر، فجرحوه، ومات من الكل - فعليهم الدية أعشاراً. وللسيد على القول الأول: الأقل من [نصف] عشر قيمته عبداً، أو عشر ديته حراً. وعلى القول الثاني: له الأقل من عشر ديته، أو عشر قيمته. ولو جاء الجاني الأول مع تسعة نفر بعد الحرية وجرحوه، فمات عليهم الدية أعشاراً،

стр. 2733

وللسيد الأقل من نصف عشر قيمته، أو نصف عشر ديته على القولين جميعاً. وإن كان جرح الثاني موجباً؛ مثل: إن قطع يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر، وحز رقبته - فعلى الأول: نصف القيمة للسيد، وعلى الثاني: القصاص في النفس، أو كمال الدية للوارث؛ لأن حز الرقبة يقطع السارية؛ كما لو جز الرقبة بعد اندمال قطع اليد. ولو قطع حُر يد عبدٍ، فعتق، ثم جاء آخر، فقطع يده الأخرى - ثم قيل: لا يخلو: إما إن قتله الأول، أو الثاني، أو ثالثٌ غيرهما. وإن قتله الأول- فقد استقر جناية الثاني، سواءٌ كانت قد اندملت، أو لم تندمل؛ لأن القتل يقطع السراية، فعليه القصاص في الطرف الذي قطعه، أو ديته. وأما الأول، فإن كان قتله بعد اندمال جرحه - فعليه القصاص في النفس، أو كمالُ دية النفس، ونصف القيمة للسيد؛ بسبب قطع اليد، وإن قتله قبل اندمال جرحه- فالمذهب: أنه يدخل بدل الطرف من بدل النفس، وللولي أن يقتص عن النفس، ويسقط حق السيد، وإن عفا - يجبُ عليه كمال دية النفس، وللسيد الأقل من نصف القيمة، أو نصف الدية. وعلى قول ابن سريج بدل الطرف لا يدخل من بدل النفس؛ فللوارث القصاص في النفس، أو كمال الدية، وللسيد نصف القيمة، كما لو قتله بعد اندمال الطرف، فأما إذا قتله الثاني - فقد استقر جرح الأول؛ سواءٌ كان قبل الاندمال، أو بعده، وعليه نصف القيمة للسيد. وأما الثاني: فهو رجلٌ قطع طرف حر، ثم قتله، وقد سبق الكلام فيه. وإن قتله ثالث غيرهما - فقد استقر حكم القطعين الأولين - فعلى الأول: نصف القيمة للسيد، ولا قصاص عليه، وعلى الثاني: القصاص من الطرف، أو نصف الدية، ويكون للوارث، وعلى القاتل: القود، أو كمال الدية. ولو جنى جانيان في حال الرق، واحدٌ بعد الحرية، ومات من الكل - فعليهم الدية أثلاثاً، وللسيد منها الأقل من أرش جنايتهما، وهو مال ينقص من القيمة، أو ثلثاً الدية على القول الأول. وعلى القول الثاني: له الأقل من ثلثي الدية، أو ثلثي القيمة، حتى لو قطع ثلاثةٌ في حال الرق، كل واحد طرفاً منه، ثم عتق، فقطع آخر الطرف الرابع، ومات - فعليهم الدية أرباعاً. ثم على القول الأول: للسيد الأقل من كمال قيمته، أو ثلاثة أرباع ديته. وعلى القول الثاني: له الأقل من ثلاثة أرباع ديته، أو ثلاثة أرباع قيمته.

стр. 2734

ولو جنى خمسةٌ في الرق، وخمسةٌ في الحرية، ومات من الكل - فعليهم الدية أعشاراً، ثم إن كان أرش جنايات الخمسة في حال الرق مثل نصف الدية - فلا يختلف القول عن للسيد الأقل من نصف قيمته، أو نصف ديته. وإن كان أرش جناياتهم أقل من نصف الدية، أو أكثر - فعلى القول الأول: للسيد الأقل من أرش جناياتهم أو نصف الدية. وعلى القول الثاني: له الأقل من نصف الدية، أو نصف القيمة. ولو جرح ذميٌّ ذميًّا، فنقض المجروح العهد، فاسترق، ثم مات بالسراية، فلا يجب القود في النفس؛ لحالة الهدر المتخللة بين طرفي الجراحة والموت، ويجب القصاص في الطرف، ولو أراد الأرش، فماذا يجب على الجاني؟ فيه قولان: أحدهما: أقل الأمرين من أرش جنايته حراً، أو كمال قيمته رقيقاً، ويكون للسيد؛ لأنه بدل روحه، وكان مملوكاً [له]. والثاني: قال الشيخ ﵀، وهو الأصح: يجب عليه قيمته عبداً، بالغة ما بلغت؛ لأن الاعتبار في قدر الجناية بالمال، إذا كانت مضمونة. فعلى هذا: إن كانت القيمة والأرش سواء، أو كانت القيمة أقل فالكل للوارث، وإن كانت القيمة أكثر - فيقدر الأرش للوارث، والباقي للسيد. فصل في الإكراه قد ذكرنا حد الإكراه في "كتب الطلاق"، فلو أن رجلاً أكره إنساناً على قتل آخر، فقتله - يجب القود على المكره، وفي المكره قولان أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن -: لا قود عليه؛ لأنه قتله للدفع عن نفسه؛ كما لو صال عليه رجلٌ، فقتله في الدفع فلا قود عليه. والثاني: وهو الأصح، وبه قال زُفرُ: يجب عليه القود؛ لأنه قتله لماً؛ لاستبقاء نفسه؛ كالمضطر إلى الطعام، إذا قتل إنساناً، فأكله -يجب عليه القود؛ والدليلُ عليه أنه يأثم إثم القتل؛ كالمختار، وليس كالصائل؛ لأنه جانٍ بالصيال؛ بدليل أن قاتله لا يأثم إثم القتل، وههنا: لا جناية من المقصود قتله، فيجب القصاص على قاتله.

стр. 2735

وقال أبو يوسف: لا قود على المكره، ويجب على المكره. فإن قلنا: يجب القود على المكره؛ فإذا عفا تجب الدية عليهما نصفان [وهو الأصح] فلو أراد الولي أن يقتص من أحدهما، ويأخذ نصف الدية من الآخر له ذلك. وإن قلنا: لا قودَ على المُكره ففي وجوب الدية عليه وجهان: أحدهما: وهو الأصح عندي: لا دية عليه كما لا قود عليه؛ لأنه كالآلة. والثاني: يجبُ عليه نصف الدية؛ لأن الدية لا تسقط بالشبهة، والقصاص يسقط بها، والإكراه شبهة. فإن قلنا: تجب الدية عليه - تجب الكفارة، ويتعلق به حرمان الميراث. وإن قلنا: لا دية عليه - ففي وجوب الكفارة وجهان: أصحهما: وجوبها: فإن أوجبنا الكفارة عليه - تعلق به حرمان الميراث، وإلا فوجهان. ولا فرق بين أن يكون المكرِهُ سلطاناً، أو ولياً، أو متغلباً، يخوفه بعقوبةٍ لا طاقة له بها، ويمكنه تحقيقُ ما توعده به. فإن كان: يخوفه بما لا يمكنه تحقيقه وأمكنه الخلاص منه بالسلطان - فلا يكون تخويفه إكراهاً، ويجب القود على الفاعل دون المخوف؛ كما لو أمره واحد من الرعية بقتل إنسان، فقتل - يجب القود على القاتل دون الآمر. وعند أبي حنيفة: الإكراه لا يكون إلا من السلطان، ولو أكره عبدٌ حراً على قتل عبدٍ، أو أكره ذمي مسلماً على قتل ذمي فقتله - يجب القود على المكره، ولا يجب على المكره. ولو أكره حرٌّ عبداً على قتل عبدٍ، أو أكره مسلمٌ ذمياً على قتل ذمي - لا قود على المكرهِ، وفي المكره قولان: إما الدية؛ إن قلنا: لا شيء على المكره، وكلها من مال المكره. وإن قلنا: تجب الدية على المُكرَهِ - فنصفها في مال المكره، ونصفها في رقبة العبد؛ إن كان المكره عبداً. ولو أكره الأبُ أجنبياً على قتل ولده لا قود على المكره، وفي المكره قولان، وإن كان المكره أباً، والمكره أجنبياً - يجب القود على المكره، ولا يجب على المُكره.
следующие страницы →