← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

فقال: إن دللتني، فلك مائة دينار-: يجوز، ويعطيه من بيت المال، وإن كان الدال مسلماً، فقال: أدلك على أن تعطيني جارية منها، أو ثلث ما فيها هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كما لو كان الدال كافراً. والثاني: لا يجوز؛ لأن هذا العقد فيه أنواع من الغرر، فلا يجوز مثله مع المسلمين، إنما يجوز مع الكفار؛ كعقد الذمة] ولأنه يفترض على المسلم الدلالة؛ فلا يجوز له أخذ العوض عليه؛ كما لا يجوز استئجار المسلم على الجهاد. فإذا عقد هذا العقد مع العلج، فإذا لم يفتح الحصن-: لا شيء للعلج؛ لأن تقديره: من دلني على الحصن، وفتحه-: فله منها جارية؛ لأنه لا يقدر على تسليمها إلا بالفتح، فإن فتح الحصن، ولم يجد فهيا تلك الجارية-: فلا شيء للعلج؛ لأن المشروط له معدوم. وإن وجدها دفعها إلى العلج، ولا حق فيها للغانمين، ولا لأهل الخمس؛ لأنه استحقها بسبب قبل الفتح، فإن وجدها، وقد أسلمت- نظر: إن أسلمت قبل الظفر-: لاتسلم غليه؛ لأن إسلامها يمنع استرقاقها، ويعطي قيمتها من بيت المال؛ لأن النبي ﷺ "صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاءه منهم؛ فمنعه الله من رد النساء، وأمر برد مهورهن". وإن أسلمت بعد الظفر عليها؛ فهي رقيقة - نُظر: إن كان قد أسلم العلج، أو كان الدال مسلماً، وجوزنا هذا العقد مع المسلم -: سلم الجارية إليه. وإن لم يُسلم العلج، فإن قلنا: يجوز للكافر أن يشتري العبد المسلم -: تسلم إليه، ويجبر على إزالة الملك عنها، وإن قلنا: لا يجوز للكافر شراء العبد المسلم-: لا تدفع الجارية إليه، ويعطي قيمتها من بيت المال. وإن أسلم العلج بعد ذلك-: لا يستحقها؛ لأنه أسلم بعد ما انتقل حقه إلى القيمة. وإن ماتت الجارية- نظر: إن ماتت بعد الظفر-: أعطى العلج قيمتها، وإن ماتت قبل الظفر-: فيه قولان: أحدهما: يعطى إليه قيمتها؛ كما لو كانت قد أسلمت. والثاني: لا يعطى؛ لأنه لم يقدر عليها؛ كما لو لم يكن فيها جارية. هذا إذا فتح الحصن عنوة.

стр. 3117

فأما إذا صالح الإمام أهل الحصن- نظر: إن كانت هذه الجارية خارجة عن الأمان؛ مثل: إن صالحهم على أن يكون صاحب الحصن وأهله في أمان، والباقون سبي، وهذه الجارية ليست من أهل صاحب الحصن-: [سلمت إلى العلج. وإن كانت هذه الجارية من أهل صاحب الحصن]- يقال للعلج: أترضى بجارية أخرى من الحصن أو بقيمة الجارية: فإن رضي -: أعطى من بيت المال، وأمضى الصلح، وسلمت الجارية إلى العلج، وإن لم يرض - يقال لصاحب الحصن: أعطيناك ما صالحنا عليه غيرك من قبل؛ فإن لم تسلمها يُنبذ إليك عهدك، فارجع إلى الحصن، وأغلق الباب، فإذا رجع، ثم فتحنا الحصن-: نسلم الجارية إلى العلج؛ كما سبق. وإن لم يحصل الفتح-: هل تجب القيمة للعلج؟ فيه قولان: أحدهما: بلى؛ لأن الإمام قد ظفر بها. والثاني: وهو الأصح-: لا تجب؛ لأن الاستيلاء لم يتم؛ كما لو لم يفتح أصلا. يخرج من هذه المسألة: أنه يجوز تبديل المؤمن؛ فإن عرضنا على صاحب الحصن: أن يعوضه عن الجارية، وأنه يجوز عقد الأمان لمجهولي العدد معلومي الحال. فإذا صالحنا صاحب الحصن على أن يكون أهله في أمان، وإن لم نعرف عددهم-: فكذلك يجوز لمعلومي العدد مجهولي الحال؛ مثل: أن يصالح أهل حصن على أن يكون مائة نفر منهم في أمان، ثم يعينهم صاحب الحصن، فإن عد مائة، ولم يعد نفسه - جاز قتله. فصلٌ: في حكم ما يجري في دار الحرب من محظورات الإسلام من ارتكب من المسلمين في دار الحرب جريمة موجبة للحد-: يجب عليه الحد. وعند أبي حنيفة: لا يجب. ثم قال الشافعي ﵁ في موضع: تؤخر إقامته حتى يرجع إلى دار الإسلام. وقال في موضع: يقام في دار الحرب، ولا يؤخر. وليس على قولين، بل على حالتين؛ حيث قال: "لا يؤخر"، أراد به: إذا لم يخف فتنة المحدود وارتداده أو اجتراء الكفار على المسلمين.

стр. 3118

وحيث قال: "تؤخر" أراد: إذا خاف شيئاً من ذلك. ويجري الربا في دار الحرب في المعاملة بين المسلمين، وبين المسلم والحربي، سواء كان المسلم انتقل إليها من دار الإسلام أو أسلم، ولم يهاجر. وعند أبي حنيفة: لا يجري الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، ولا بين مسلمين لم يهاجرا، أو لم يهاجر أحدهما. وأبو يوسف معنا. وقال محمد بن الحسن: لا يجري بين المسلم والحربي، ويجري بين مسلمين وإن لم يهاجرا. قلنا: أحكام الله على العباد-: لا تختلف باختلاف الدار كالأوامر، فلو أسلم حربي، فقبل أن هاجر إلى دار الإسلام: قتله مسلم-: يجب عليه القود، وعند أبي حنيفة: لا يجب؛ فنقيس على المهاجر. وقد ذكرنا حم الغنيمة، وما صار إلينا من أموال الكفار، وحكم من خان فيها، أو سرق شيئاً منها، أو وطيء جارية منها في كتاب "قسم الفيء" بعون الله تعالى وحسن توفيقه. باب المبارزة روي عن علي بن أبي طالب ﵁: "أنه بارز يوم الخندق عمرو بن عبد وُد". وروي "أنه خرج يوم بدر من صف الكفار عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فتية من الأنصار: عوف ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالو: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا ما لنا بكم حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فأمر النبي ﷺ عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بالخروج إليهم، فخرجوا، فقتلوهم".

стр. 3119

تجوز المبارزة في الحرب لمن كان شجاعاً، وكذلك: الإعلام، وهو أن يتعمم بعمامة سوداء، أو يتعصب بعصابة حمراء، ويعلم فرسه، سواء فعل بإذن الإمام أو دون إذنه؛ فإن ابنى عفراءوعبد الله بن رواحة خرجوا يوم بدر بغير إذن النبي ﷺ فلم يُنكر عليهم. وأعلم حمزة يوم بدر. وعند أبي حنيفة: لا يجوز البراز إلا بإذن الإمام. وإذا خرج مُشرك، ودعا على المبارزة-: يستحب أن يبرز إليه مسلم؛ لأنه إذا لم يبرز-: تضعف قلوب المؤمنين، ويجتريء الكفار عليهم. وهل يجوز للضعيف أن يبارز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز؛ كما يجوز للضعيف أن يجاهد. الثاني: لا يجوز؛ لأن المقصود من المبارزة إظهار القوة؛ وذلك لا يحصل من الضعيف. فإن بارز مسلم مشركاً - نظر: إن لم يكن بينهما شرط -: جاز لكل واحد من المسلمين أن يرمي المشرك؛ لأنه حربي لا أمان له. وإن شرطا ألا يعينهما غيرهما-: لا يجوز لأحدى الطائفتين أن تعين مبارزها، ما داما يتقاتلان. فإن أثخن الكافر المسلم، وأراد قتله-: على المسلمين استنقاذ المسلم، ولهم قتل الكافر؛ لأن الشرط ألا يعينه حالة القتال، وقد ارتفع القتال، وكذلك: لو قتل المسلم الكافر وولى، أو ترك قتاله، فهرب، أو هرب المسلم منه-: جاز قتله؛ لأن الأمان قد ارتفع بترك القتال، إلا أن يكون الشرط أنه آمن إلى أن يرجع إلى الصف؛ فلا يتعرض له ما لم يصل إلى الصف، فإن ولى عنه المسلم، فتبعه ليقتله، أو ترك قتال المسلم، وقصد صف المسلمين-: جاز قتله؛ لأن نقض الأمان. ولو خرج المشركون لإعانة صاحبهم-: كان حقاً على المسلمين أن يعينوا صاحبهم، ثم نظر: إن استعان المشرك المبارز بأصحابه، أو بدأ المشركون بمعاونته، فلم يمنعهم-: فقد نقض الأمان؛ فللمسلمين قتل المبارز، والأعوان جميعاً، وإن لم يستعن بهم، وكان يمنعهم، فلم يقبلوا منه-: قتلوا الأعوان دون المبارز؛ لأن المبارز على أمانه.

стр. 3120

فصلٌ إذا أسر الكفار مسلماًن ثم أطلقوه من غير شرط-: فله أن يقاتلهم في النفس والمال جميعاً؛ لأنهم كفار لا أمان لهم، وإن أطلقوه على أنه في أمان منهم، ولم يستأمنوه-: فالمذهب: أنهم في أمانه؛ لايجوز أن يغتالهم؛ لأنهم لما أمنوه-: كانوا هم في أمان منه. وقال ابن أبي هريرة: لا أمان لهم، وله أن يغتالهم؛ لأنهم لم يستأمنوه. ولو قالوا له: لا نُطلقك حتى تحلف ألا تخرج إلى دار الإسلام، فحلف، وأطلقوه-: فمهما أمكنه الخروج يجب عليه أن يخرج، ولا كفارة عليه؛ لأن يمينه كانت يمين مُكره، ولا ينعقد؛ كما لو أخذ اللصوص رجلاً، وقالوا: لانتركك حتى تحلف ألا تخبر بمكاننا أحداً، فحلف، فتركوه، فأخبر بمكانهم-: لا كفارة عليه. وإن كان حلف بالطلاق-: لا يقع إلا أنه إذا خرج إلى دار الإسلام-: لا يجوز أن يغتالهم بنفس ولا مال؛ لأنهم أمنوه؛ فكانوا في أمان منه، إلا أن يجعلوا الأمان له دون أنفسهم-: فله أن يغتالهم. ولو كان لمسلم عين مال في أيديهم-: فله أخذها ليرد إلى المالك، سواء شرطوا أنهم في أمان منه أو لم يشترطوا. ثم هل تكون تلك العين مضمونة عليه؟ من أصحابنا من قال فيه قولان؛ كما لو أخذ المغصوب من الغاصب ليرد إلى المالك. وقال الشيخ القفال- ﵀: لا يضمن ههنا؛ لأنه لم يكن مضموناً على الحربي؛ فلا ضمان على من أخذ منه؛ بخلاف المغصوب، فإنه مضمون على الغاصب؛ فيجب الضمان على من أخذ منه. ولو حلف ابتداء من غير تحليفهم؛ أنه لا يخرج إلى دار الإسلام - نظر: إن كان مطلقاً -يلزمه أن يخرج، وعليه الكفارة؛ لأنه حلف مختاراً. وإن كان محبوساً-: حلف أنه إن أطلق لا يخرج، فإذا خرج هل يلزمه الكفارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لأنه يمين إكراه، لا تلزمه الكفارة. والثاني: تلزمه الكفارة؛ لأنه حلف مبتدئاً؛ فكان مختاراً. ولو أطلقوه على أنه إذا خرج [إلى دار الإسلام]-: عاد إليهم، فإذا أتى إلى دار

стр. 3121

الإسلام-: لا يجوز أن يعود إليهم، ولا يدعه الإمام أن يعود إليهم، ولا كفارة عليه للإكراه. وقال الزهري، والأوزاعي: يجب أن يعود حتى لا يصير ذلك ذريعة لحبس الأساري. ولو شرطوا عليه أن يعود، أو يبعث إليهم مالاً-: لا يجوز أن يعود، ولا يجب أن يبعث المال، ويستحب أن يبعث المال. وعند الزهري والأوزاعي: يجب أن يعود، ويبعث المال. ولو اشترى الأسير من الكفار شيئاً بأضعاف ثمنه، أو بمثل ثمنه، أو باعوا منه فرساً ليركبه ويأتي به دار الإسلام- نظر: إن اشتراه طوعاً-: لزمه جميع الثمن، وإن أكرهوه عليه-: لم يصح، وعليه رد ما اشترى؛ كما لو أكرهه مسلم على الشراء. وقيل: هو كبيع مال الغير بغير إذنه: في "الجديد": باطلٌ، وترد العين. وفي "القديم": موقوف. فإذا دخل دار الإسلام: إن شاء رد، وإن شاء أجاز، وأعطى الثمن. وقيل: يصح، ويلزمه الثمن قولاً واحداً؛ لأنه معاملة مع أهل الشرك، فيجوز فيها ما لا يجوز في معاملة المسلمين. وفداء الأسير جائز؛ فلو قال الأسير: أطلقوني على كذا، ففعل، وقال الكافر: افتد نفسك على هذا المال، ففعل-: لزم؛ لأنه غر مكره، فلو قال مسلم لكافر: أطلق أسيرك، ولك عليَّ ألف، فأطلقه-: يجب عليه الألف، كما لو قال: أعتق أم ولدك على ألف، ففعل-: يجب الألف. ومن فدى أسيراً بماله، من غير مسألة الأسير-: لا يرجع على الأسير بشيء. ولو قال الأسير: "افدني بكذا" بشرط أن يرجع، ففدى-: يرجع عليه، وإن لم يشترط الرجوع-: هل يرجع؟ فيه وجهان: أصحهما: يرجع. ولو فدى الأسير نفسه بمال، ثم استولى عليه المسلمون-: هل يرد إلى الأسير؟ فيه وجهان: أحدهما: يرد؛ لأنه كان مقهوراً في أدائه؛ كما لو غصبوا من مسلم شيئاً، ثم استولى عليه المسلمون-: يجب رده.

стр. 3122

والثاني: لا يجب [رده]، بل هو غنيمة؛ لأن الكافر ملكه. فصلٌ إذا حاصر الإمام قلعة؛ فنزل أهلها على حكم حاكم-: جاز؛ لأن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، فقال النبي ﷺ : "لقد حكمت بحكم الملك". ويجب أن يكون الحاكم مسلماً حراً ذكراً عاقلاً بالغاً عدلاً عالماً؛ لأنه ولايةٌ كولاية القضاء. ويجوز أن يكون أعمى؛ لأن ما يوجب الحكم بينهم مشهور يدرك بالسماع، كالشهادة فيما طريقه الاستفاضة: تصح من الأعمى، ويكره أن يكون الحاكم حسن الرأي فيهم، ولكن يجوز حكمه؛ [لأنه عدل في الدين. وإن نزلوا على حكم حاكم يختاره الإمام-: جاز؛ لأنه لا يختار إلا من يجوز حكمه]. وإن نزلوا على حكم حاكم يختارونه- لم يجز إلا أن يشترط أن يكون على الصفات التي ذكرناها، وإن نزلوا على حكم اثنين - جاز؛ لأنه تحكيم في مصلحة طريقها الرأي؛ فجاز أن يجعل إلى اثنين؛ كالتحكيم في اختيار الإمام. وإن نزلوا على حكم من لا يجوز حكمه-: ردوا إلى القلعة، وكذلك: لو نزلوا على حكم حاكم، فمات، أو على حكم اثنين، فمات أحدهما-: ردوا إلى القلعة. ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل، أو الاسترقاق، أو المن، أو الفداء. وإن حكم بعقد الذمة، وأخذ الجزية-: ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنهم نزلوا على حكمه. والثاني: لا يجوز: لأنه عقد معاوضة؛ فلا يجوز من غير رضاهم. وإن حكم الحاكم أن من أسلم منهم استرق، ومن أقام على الكفر قتل-: جاز، ثم إن أراد الإمام أن يسترق من حكم بقتله-: لم يجز؛ لأنه لم ينزل على هذا الشرط.

стр. 3123

وإن حكم عليهم بالقتل، ثم رأى الإمام أن يمن عليهم -: جاز؛ لأن سعد بن معاذ؛ حكم بقتل رجال بني قريظة، وسأل ثابت بن قيس الأنصاري أن يهب له الزبير بن باطا اليهودين فوهب له رسول الله ﷺ . وإن حكم باسترقاقهم-: لم يجز أن يمن عليهم إلا برضا الغانمين؛ لأنهم صاروا مالاً لهم. وإن حكم بما لا يوافق الشرع؛ مثل: إن حكم بقتل الصبيان، والنسوان-: لم ينفذ. ولو استنزلهم على أن ما يقضي الله فيكم، نفذته-: لم يجز؛ لأنهم لا يعرفون حكم الله، : رُوي عن بريدة أن رسول الله ﷺ -قال: وإن حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله-: فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا"، والله أعلم. باب فتح السواد سواد "العراق"فتحت في زمن عمر عنوة، وصارت [أراضيها] للغانمين، فاستطاب عمر ﵁ أنفسهم بمال عوضهم عنها، وضرب عليها خراجاً معلوماً، ولولا أن الغانمين ملوها-: لم يكن عمر ﵁ يعوضهم عنها. وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في العقار المغنوم بين أن يقفها؛ كما فعل عمر بسواد "العراق"، وبين أن يترك إلى الكفار؛ كما فعل النبي ﷺ بعقار "مكة"، وبين أن يقسمها بين الغانمين، كالمنقول. وعندنا، يقسم العقار؛ المنقول. "ومكة" فتحت صلحاً، وفي سرد قصة الفتح بيان أنها مفتوحة صلحاً، وسواد "العراق" قسمها عمر بين الغانمين، ثم عوضهم عنها باستطابة أنفسهم. قال جرير بن عبد الله البجلي: "كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم عمر ربع السواد، فاشتغلوا ثلاث سنين". قال جرير: "فقدمت على عمر، فقال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس؛ ففعلوا" وإنما فعل عمر ذلك، خوفاً من أن يشتغل الناس بالزراعة والحرث؛ فيختل أمر الجهاد.

стр. 3124

قال جرير: فعاضني عمر من حقي نيفاً وثمانين ديناراً، ومعى امرأة يقال لها: أم كرز، فقالت: شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلمه حتى تملأ كفي دنانير، وفمي لآليء، وتُركبني ناقة حمراء، ففعل عمر، فتركت حقها". وحد سواد "العراق" من "عبادان" إلى "الموصل" طولاً، ومن "القادسية" إلى "حلوان" عرضاً. قال الشافعي: هو اثنان وثلاثون ألف [ألف جريب. وقال أبو عبيد: ستة وثلاثون ألف ألف جريب، ولا تدخل فيه البصرة، وإن كانت داخلة في حد السواد؛ لأنها كانت أرضاً سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص، وعتبة بن غزوان، بعد الفتح. واختلف أصحابنا فيما فعل عمر بأراضي السواد. قال ابن سريج: باعها من أهلها، وما يؤخذ من الخراج ثمن منجم يؤدون كل سنة شيئاً، بدليل أن من زمن عمر إلى زماننا تباع تلك الأراضي، وتبتاع من غير إنكار [أحد]؛ فعلى هذا: لا يجوز أن يُزاد على ما وضع [عمر]، ولا ينقص. وقال الأكثرون: وقفها عمر على المسلمين، والخراج المضروب عليها أجرة منجمة يؤدونها كل سنة؛ نص عليه في "سير الواقدي"؛ فيجوز أن يزاد عليها وينقص عنها. فإن قلنا: إنه كان بيعاً-: فيجوز لأهلها بيعها، وهبتها، ورهنها. وإن قلنا: كان وقفاً-: لا يجوز بيعها، ولا هبتها، ولا رهنها، وإنما تنقل من يد إلى يد. وعلى الوجهين: يجوز إجارتها. فإن قيل: إذا جعلتموه بيعاً-: كيف يجوز البيع بثمن إلى أجال غير معلومة؟: قلنا: قد يجوز للإمام أن يفعل في أموال الكفار ما لا يجوز في أموال المسلمين؛ لما يرى فيه من المصلحة. فإن قلنا: إنه وقف-: فهل تدخل المنازل في الوقف؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل جميعها في الوقف.

стр. 3125

والثاني: لم يدخل فيه إلا المزارع؛ لأن دخولها في الوقف يؤدي إلى خرابها. د فأما الثمار التي فيها، فهل يجوز لمن هي في يده الانتفاع بها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ بل يأخذها الإمام للأرض؛ فيبيعها، ويصرفها في المصالح. والثاني: يجوز؛ لأن الحاجة تدعو إليه؛ كما في المساقاة، وما يؤخذ من هذه الأراضي-: فلمصالح المسلمين يجوز صرفها إلى أهل الفيء والصدقات، والفقراء والأغنياء؛ على ما يراه الإمام، ومن الأهم فالأهم. وروي الشعبي في قدر الخراج: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث عثمان بن حنيف ﵁ فجعل على كل جريب شعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب القصب والشجر ستة دراهم، وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم، وعلى جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب الزيتون اثني عشر درهماً. وروى أبو مجلز: "أن عثمان بن حنيف فرض على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية". ولو أراد الإمام: أن يقف أرضاً من الغنيمة اليوم بطيبة أنفس الغانمين، أو بمال يرضيهم به، كما فعل عمر ﵁: يجوز، ومن لم يطب به نفساً-: فهو أحق بماله. أما ما فُتحت من أراضيهم صلحاً-: ففيه مسألتان: أحداهما: أن يصالحهم على أن تكون الأراضي للكفار، وهم يؤدون عن كل جريب في كل سنة كذا؛ فهذا جائز، والمضروب عليهم جزية، بشرط أن يكون المضروب عليهم قدراً يبلغ في حق كل حالم ديناراً [فأكثر]، ولا يؤخذ من أراضي الصبيان، والنسوان، والمجانين؛ لأنه لا جزية عليهم. وهل يجب أن يؤدوا ذلك عن الموات؟ نظر: إن كانوا يمنعوننا عنه-: يجب. وإن كانوا لا يمنعوننا عنه- فلا يجب، ومن أحياه-: يملكه. ولو أنهم أحيوا منه شيئاً بعد الصلح-: لا يجب عليهم أن يؤدوا [منه إلا أن يشترط عليهم أن يؤدوا] عما يحيوا؛ فيجب، وإذا أسلموا- يسقط عنهم ذلك بالإسلام، ويجوز

стр. 3126

لهم بيع تلك الأراضي ورهنها؛ لأنها ملكهم. ولو اشترى مسلم أرضاً من تلك الأراضي-: [فلا خراج عليه، ومصرف ذلك المال مصرف الفيء؛ لا حق فيه لأهل الصدقات]. المسألة الثانية: أن يصالحهم على أن تكون الأراضي للمسلمين، وهم يسكنونها، ويؤدون كل سنة عن كل جريب كذا؛ فهذا جائز، ويكون إجارة، والمال المضروب عليهم أجرة الأرض، ويجب عليهم مع تلك الأجرة الجزية، وتجوز تلك الأجرة، قلت أو كثرت، ولا يشترط أن تبلغ في حق كل حالم ديناراً، ويؤخذ من أراضي الصبيان، والنسوان، والمجانين، ويؤخذ من الموات، عن كانوا يمنعوننا عنه، وإلا فلا تسقط تلك الأجرة عنهم بإسلامهم. وإذا وكلوا مسلماً بإعطائه-: يجوز، وفي الصورة الأولى: هو كالتوكيل بإعطائه الجزية، ومصرفه - أيضاً - مصرف الفيء، ولا يجوز لهم بيعها، ولا رهنها؛ لأنهم لا يملكونها. ولو استأجر مسلم أرضاً من هذه الأراضي-: يجوز في الصورتين جميعاً؛ لأن الرقبة؛ إن كانت لهم-: فيجوز لهم إجارتها، وإن كانت للمسلمين-: فهم مكترون، ويجوز الاكتراء من المكتري.

стр. 3127

كتاب الجزية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وروي عن بريدة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه، وقال:"إذا لقيت عدوك - فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وإن أبوا فسلهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم". والكفار على ثلاثة أقسام: قسم لهم كتاب، وقسم لهم شبهة كتاب، وقسم لا كتاب لهم:

стр. 3128

أما أهل الكتاب: فهم اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل، فإنهم يُقرون بالجزية، وكذلك السامرة من اليهود، والصابئون من النصارى؛ سواء كانوا من نسل بني إسرائيل أو كانوا من غيرهم؛ مثل: أهل الأوثان، دخلوا في دينهم قبل التبديل والنسخ: يُقر أولادهم بالجزية، إذا اختاروا المقام على الدين الذي انتقل غليه آباؤهم. أما من دخل في دينهم بعد النسخ؛ مثل: إن دخلوا في اليهودية بعد مجيء عيسى، أو في النصرانية، أو اليهودية بعد مجيء محمد ﷺ لا يقرون بالجزية، ولا حرمة لأولادهم بعدهم. وإن دخلوا فيه قبل النسخ بعد التبديل نظر: إن دخلوا في دين المبدلين: فهو كما لو دخلوا فيه بعد النسخ؛ لا يقر أولادهم بالجزية، وإن دخلوا في دين غير المبدلين-: يقرون بالجزية. [ومن شككنا في حالهم أنهم دخلوا في دينهم بعد النسخ أو قبله-: يقرون بالجزية] تغليباً للحقن، ولا تحل منكاحتهم وذبيحتهم؛ كذلك حكم الصحابة من نصارى العرب. ومن بدل اليوم من أهل الكتاب دينه - ينظر: إن انتقل إلى دين غير أهل الكتاب كاليهودي أو النصراني إذا صار وثنياً-: لا يقر بالجزية. وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب؛ كاليهودي يتنصر، أو النصراني يتهود-: هل يقر عليه بالجزية؟ فيه قولان. أما من لهم شبهة الكتاب: فهم المجوس؛ يقرون بالجزية؛ وكان عمر ﵁ لا يأخذها من المجوس؛ حتى شهد عبد الرحمن بن عوف؛ "أن رسول اله ﷺ أخذها من مجوس هجر".

стр. 3129

واختلفوا في أن المجوس هل لهم كتاب أم لا؟ الأصح: ما قال علي ﵁: هم أهل كتاب بدلوا، فأصبحوا قد أُسري على كتابهم. أما من لا كتاب لهم؛ وهم: عبدة الأوثان، وعبدة الملائكة والشمس والنار، والزنادقة، والمعطلة، فإنهم لا يقرون بالجزية؛ قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ولا فرق بين الكافر العجمي والعربي. وعند أبي حنيفة: تؤخذ الجزية من الوثني العجمي، ولا تؤخذ من الوثني العربي، وتؤخذ من أهل الكتاب عربياً كان أو عجمياً. وقال أبو يوسف: لاتؤخذ من العربي، كتابياً كان أو وثنياً، وتؤخذ من العجمي كتابياً كان أو وثنياً. فالاعتبار -عندنا - بالأديان، وعنده بالأنساب. والخلاف بيننا وبينه في فصلين: أحدهما: في التابي العربي؛ تؤخذ منه الجزية، وعنده لا تؤخذ. والثاني: في الوثني العجمي؛ لا تؤخذ منه الجزية، وعنده تؤخذ. والقرآن دليل على أن أخذ الجزية [مخصوص بأهل الكتاب. وروي: "أن النبي ﷺ اخذ الجزية من أكيدر دومة وهو رجل من غسان أو كندة وأخذ من أهل ذمة اليمن، وعامتهم عرب، ومن أهل نجران وفيهم عرب". ولو اختلط المسلمون بجماعة من أهل الكفر، فقالوا: نحن أهل كتاب-: قبل قولهم وأقروا بالجزية؛ لأنه لا يعرف إلا بقولهم، ثم إن بان بخلافه-: فلا عهد لهم. ولو ادعى بعضهم أنهم أهل الكتاب-: فقولهم مقبول في حق أنفسهم، ولا يضرهم إنكار أصحابهم. فإن أسلم منهم اثنان، وشهدا أنهم على غير دين أهل الكتاب-: يقبل، وينبذ إليهم عهده؛ لأنه ظهر بطلان دعواهم، والله أعلم.

стр. 3130

باب الجزية على أهل الكتاب والضيافة قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وأراد بـ "الإعطاء":الضمان، لا حقيقة الإعطاء. وفي معنى الصغار قولان: أصحهما: التزام أحكام الإسلام، وجريان حكمه عليهم، فإن أشد الصغار على المرء أن يحكم عليه بغير ما يعتقده. والثاني: وهو أن يأخذ من الجزية، وهو قائم، والمسلم الذي يأخذه جالس، ويأمره المستوفي أن يخرج: "من جيبه، ويحني ظهره، فيصب ما يعطيه في كفة الميزان، ثم يأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمته. ولو وكل ذمي مسلماً بأداء الجزية عنه، أو أحال بها على مسلم-: لا يجوز. ولو ضمن عنه مسلم-: هل يجوز أم لا؟ إن قلنا: إن الصغار جريان حكم الإسلام عليهم-: يجوز. وإن قلنا بالثاني-: لا يجوز؛ لأن الاستخفاف بالمسلم لا يجوز. وأقل الجزية دينارٌ، لا يقر أحد بأقل من دينار؛ لما روي عن معاذ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر". ولا تقدير لأكثر الجزية، فإن ماكسهم الإمام حتى قبلوا أضعاف ذلك-: جاز، ولزمهم ما التزموا. ولا يجب على الإمام أن يجيزهم بأقل ما عليهم؛ لأنه مال معاملة؛ كما لو باع شيئاً-: له أن يجعل ثمنه ما يشاء؛ ولا يجب أن يخبره بما اشترى وتجب الجزية على الفقير، والغني جميعاً؛ لأنه بمنزلة كراء الدار فيستوي فيه الفقير والغني. هذا هو المذهب.

стр. 3131

وفيه قول آخر، وبه قال أبو حنيفة: أنها لا تؤخذ من الفقير غير المعتمل؛ كما لا تجب الزكاة على الفقير. [ولا يختلف القول أن عقد الذمة مع الفقير] الذي لا يملك شيئاً-: يجوز؛ لأنه لا يلزمه أداء الجزية في الحال، واختلفوا في محل القولين: منهم من قال: القولان في أنه إذا تم الحول، ولا مال له هل يقر أم لا؟: أحدهما: لا يقرن بل يقال له: إن حصلت الجزية؛ وإلا فالحق بالمأمن. والثاني: يقر، وتكون ديناً عليه، فإذا أيسر أخذ منه لما مضى. ومنهم من قال: لا يختلف القول في أنه يقر بعد مضي السنة، وإن لم يكن له مال. والقولان في أنه إذا أيسر-: هل يأخذ للسنين الماضية أم يستأنف الحول من يوم اليسر؟ فيه قولان، ولا يختلف قدر الجزية بالفقر والغنى، فيقر الكل بدينار، إلا أن المستحب. أن يأخذ من الفقير ديناراً، ومن المتوسط دينارين، ومن الغني أربعة دنانير. وعند أبي حنيفة: لا يجوز إلا كذلك. والدليل على جواز التسوية: أن النبي ﷺ قال لمعاذ: خذ من كل حالم ديناراً" ولم يفصل بين الفقير والغني، ورُوي: "أن النبي ﷺ أخذ من مجوس هجر ثلثمائة دينارٍ، وكانوا ثلثمائة نفر"، ونحن نعلم أنهم لم يكونوا في الغنى والفقر سواء. وإذا عقد معهم عقد الذمة على أكثر من دينار، ثم امتنعوا عن أداء الزيادة-: ففيه وجهان: أحدهما: يؤخذ منهم الدينار؛ كما يجوز ابتداء العقد عليهم. والثاني- وهو الأصح-: صاروا ناقضين للعهد؛ كما لو امتنعوا عن أداء أصل الجزية، فهل يبلغون المأمن أم يقتلون؟ فيه قولان: فإذا بلغناهم المأمن، ثم جاءوا وطلبوا العقد بدينار-: يجابون إليه. ويجوز أن يعقد الذمة على خراج يضربها على أراضيهم، وعلى مواشيهم، إذا كان يبلغ في حق كل حالم ديناراً، فإن لم يبلغ أو شك في أنه هل يبلغ في حق كل حالم ديناراً أم لا -: فلا يجوز، حتى يشرط عليهم: أنه إن لم يبلغ في حق كل حالم ديناراً-: أتموها ديناراً.

стр. 3132

وكذلك: لو صالحهم على عشور زروعهم، وثمارهم: إن علم أنها تبلغ في حق كل حالم ديناراً-: جاز، وإن لم يعلم-: لا يجوز إلا أن يشترط أنها إن لم تبلغ ديناراً-: أتموها. وإن كانت زروعهم أكثر، فقال كل من كثر زرعه: نحن نتطوع بما زاد من عشورنا على من لا زرع له منا، حتى تكون الزيادة على قدر جزيتنا جزية عن رءوس الفقراء-: يجوز، ويشترط أنه إن لم تحصل أتموها. وإن لم يتطوع الأغنياء عن الذين لا زرع لهم-: لم يجز إلا أن يبذل الذين لا زرع لهم جزية رءوسهم. ولو ضرب الجزية على ما يخرج من الأرض، فباع الأرض من مسلم -: يجوز؛ لأنها ملك له، وينتقل ما ضرب عليها على الرقبة، ولا يجو أخذها من المسلم. ويجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين؛ لأنه قد يمر بهم المسلمون في وقت عزة الطعام، ويشترط أن تكون الضيافة زيادة على أقل الجزية؛ لأنه ربما لا يمر بهم في السنة أحد من المسلمين، وربما نزل بهم من يكون من أهل الصدقة، لا يحل لهم الفيء. رُوي أن عمر ﵁ صالح نصارى أيلة على ثلثمائة دينار، وكانوا ثلثمائة رجل، وعلى ضيافة من يمر بهم من المسلمين. ولا يشترط عليهم الضيافة إلا برضاهم؛ كأصل الجزية، ويجب أن يبين عدد أيام الضيافة في الحول؛ أنه في كل عام مائة يوم أو أقل أو أكثر، ويبين عدد الضيفان، كذا فرساناً وكذا رجالة، ويبين ما يطعمونه، وقدره من الخبز والإدام، وعلف الدواب من الشعير والتبن، وأين ينزلونهم من فضول منازلهم وكنائسهم، وما يكن من الحر والبرد؛ لأنها من الجزية، فلم تجز مع الجهل، وإن كثروا، وضاق المكان-: قدم من سبق، وإن جاءوا في وقت واحد-: أقرع بينهم، ويفاوت بين الغني والمتوسط والفقير، يقول: على كل موسر في كل سنة ضيافة عشرة فرسان، وعشرة رجالة وعلى كل متوسط خمسة، وعلى كل فقير ثلاثة، ولا يشترط على الفقير غير المعتمل؛ لأن الضيافة تتكرر، فلا يمكنه القيام بها، ويفاوت بينهم فيقدر الطعام إلا في الجنس؛ لأنه إذا شرط على الغني أطعمة ناعمة، وعلى الفقير خشنة - رغب القوم في الأغنياء، فأجحفوا بهم.

стр. 3133

روى أسلم:"أن أهل الجزية من "الشام" أتوا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج في ضيافتهم، فقال: أطعموهم مما تأكلون، ولاتزيدوهم على ذلك". وقيل: يجوز أن تكون الضيافة من أهل الجزية، ثم يحاسب في آخر الحول، فإن لم يبلغ في حق ل حالم ديناراً أتموها ديناراً. والضيافة تكون ثلاثة أيام، لا يشترط أكثر منها؛ لأن النبي ﷺ قال: "الضيافة ثلاثة أيام" ولأن في الزيادة إضراراً بهم. فصلٌ ولا جزية إلا على حر مكلف ذكر؛ فلا تؤخذ من الصبي؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذٍ: "خذ من كل حالم ديناراً" ولأن الجزية لحقن الدم، والصبي محقون الدم. فإذا بلغ صبي من أولاد أهل الذمة-: فهو في أمان؛ لأنه كان في أمان بعقد الأب؛ فلا يخرج منه من غير عناد. ثم إن قبل جزية أبيه-: أقر عليه، وهل يحتاج إلى استئناف عقد معه أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن العقد الأول كان مع الأب. والثاني: لا يحتاج؛ لأنه تبعٌ للأب في الأمان؛ فتبعه في الذمة. فإن كان جزية أبيه ديناراً، فتبرع هو بأكثر-: قُبل منه، إن لم يكن، سفيهاً، وإن كان سفيهاً-: لا تؤخذ الزيادة. وإن كان جزية أبيه أكثر من دينار - نظر: إن بلغ رشيداً، وقبل جزية أبيه-: أقر عليه، وإن قال: لا أدفع إلا ديناراً-: قيل: فيه وجهان: كما لو قبل أكثر من دينار، ثم امتنع عن أداء الزيادة؛ لأن قبول الأب اشتمل عليه وعلى الأولاد: أحدهما: يعقد معه العقد بدينار. والثاني: يبلغ المأمن، ثم إذا جاء، وطلب العقد بدينار-: يجاب إليه؛ لأن قبول الأب قد سقط بنقضه العهد.

стр. 3134

وقيل ههنا: يؤخذ منه الدينار وجهاً واحداً؛ لأنه لم يلتزم الزيادة بنفسه، حتى يعل بالامتناع ناقضاً للعهد. وهذا أصح. وإن بلغ سفيهاً، وأدى جزية الأب-: هل تؤخذ الزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تؤخذ الزيادة لسفهه؛ ما لو قبل بنفسه. والثاني: تؤخذ؛ لأنه استدامة عقد الأب، ويجوز عقد الذمة مع السفيه بأقل الجزية، من غير إذن الولي؛ لأن فيه مصلحته وإبقاء روحه؛ كما لو كان عليه قصاص، فعفى على الدية-: يلزمه، ولا يجوز على أكثر من دينار، وإن أدى الولي، ولو قبل دينارين، وهو رشيد، ثم صار سفيهاً-: هل تؤخذ الزيادة؟ قيل: فيه وهان؛ كما لو أدى جزية أبيه أكثر من دينار. وقيل ههنا: تؤخذ؛ لأنه التزم بنفسه الزيادة حين كان التزامه صحيحاً. وإذا بلغ الصبي، وأحد أبويه ممن يقر بالجزية، والآخر وثني-: فإنه يقر بالجزية، سواء كان الأب ممن يقر بالجزية، أو الأم؛ تغليباً للحقن، أما في قدر الجزية: فالاعتبار بالأب لا بعشائر الأم؛ لأن الجزية على الأب، حتى لو كان الأب جزيته دينار والأم من قوم جزيتهم ديناران، أو على عكسه-: فعليه جزية الأب. ولا تؤخذ الجزية من المجنون؛ كما لا تؤخذ من الصبي. وإن كان ممن يجن ويفيق - نظر: إن كان جنونه ساعة يسيرة، يقع في الشهر أو في الشهرين مرة-: فلا عبرة به وعليه الجزية؛ لأنه عارضٌ؛ كالمرض والنوم. وإن كان ممن يجن ويفيق-: اختلفوا فيه: فمنهم من قال: لا جزية عليه؛ من نصفه حر ونصفه رقيق. ومنهم من قال: حكمه حكم الصحيح، وعليه الجزية؛ ألا ترى أن المرأة إذا كانت بهذه الصفة-: لا تزوج حتى تفيق [فتأذن]. ومنهم من قال-: وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: تلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغت سنة-: تؤخذ الجزية؛ مثل إن كان يجن يوماً، ويفيق يوماً، فتؤخذ في سنتين جزية سنة واحدة؛ لأن المجنون لو أطبق لا جزية عليه، فإذا تفرق -: لا تجب جزية أيام الجنون، وإن كان مفيقاً في أول السنة، فجن في آخرها-: هل تؤخذ لما مضى من السنة؟ فيه قولان؛ كما

стр. 3135

لو مات في أثناء الحول. ولا جزية على العبد؛ لأنه لا يقتل بالكفر؛ كالصبي والمرأة، وكذلك: من بعضه حر وبعضه رقيق: فلا جزية عليه، ولا على السيد بسببه. وإذا عتق العبد، وأفاق المجنون، وبلغ الصبي-: يعقد معه عقد الذمة، وابتداء حوله من حين عتق، وأفاق، وبلغ، فإن كان في أثناء حول أهل الذمة: [فإذا تم حول أهل الذمة] لاتؤخذ من هؤلاء الجزية لنصف الحول إلا أن يتبرعوا. فإذا تم حولهم: فإن شاء الإمام أن يأخذ منهم جزيتهم، وإن شاء أخر، حتى يتم حول أهل الذمة، ويأخذ من هؤلاء جزية سنة ونصف، حتى تتفق أحوالهم. ولا جزية على النساء؛ لما روى أسلم:"أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الجزية: لا تضربوا الجزية على النساء"؛ ولأن الجزية لحقن الدم، والمرأة محقونة الدم؛ كالصبي، وكذلك لا يؤخذ من الخنثى المشكل؛ لاحتمال أنه أنثى. ولو أدت المرأة الجزية-: لا يأخذها الإمام، حتى يخبرها أن لا جزية عليها فإن علمت، وأدت-: يأخذها وتكون متبرعة، وما أدت هبة-: لا تتم إلا بالقبض. وإن صالح الإمام قوماً على أن يؤدوا الجزية عن أولادهم ونسائهم سوى ما يؤدون عن أنفسهم: فإن كان الصلح على أن يؤدوا من مال الأولاد والنساء-: لم يجز، وإن أدوا عنهم من مال أنفسهم-: جاز، فصار كأنهم قبلوا على أنفسهم أكثر من جزيتهم. وإن طلبت [امرأة] من دار الحرب أن تعقد لها الذمة، وتقيم في دار الإسلام بغير جزية-: جاز. ويشترط أن يجري عليها أحكام الإسلام. وإن صالح الإمام أهل حصن ليس فيه إلا النساء على مال، أو عقد معهن عقد الذمة على جزية، حتى لا يسترقهن-: هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأن المرأة تقي نفسها بهذا العقد عن الرق؛ كالرجل عن القتل؛ فعلى هذا: لا يجوز استرقاقهن، وتجري عليهن أحكام الإسلام، وما بذلنه من المال كالهبة. فإن دفعن-: أخذ منهن، وإن لم يدفعهن-: لم يخرجن عن الذمة؛ كالحربية عقدت بغير جزية.

стр. 3136

والثاني: لا يجوز؛ لأن المرأة ليست ممن عليها جزية؛ فعلى هذا: لا يتعرض لهن حتى يرجعن إلى الحصن، ويغلقن الباب، فإذا فتح الحصن يسترققن. أما إذا كان في الحصن معهن رجل حر عاقل، قبل الجزية-: جاز، وصار النساء، والصبيان تبعاً له. وهل تؤخذ الجزية من الشيخ الفاني، والراهب، والأعمى، والزمن؟ المنصوص: أنه تؤخذ: فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ بناء على جواز قتله، إن جوزنا قتله-: جاز أخذ الجزية؛ وإلا فلا. ومنهم من قال: تؤخذ قولاً واحداً؛ لأن الجزية أجرة السن؛ فلا تسقط بالزمانة. ويجب أداء الجزية في آخر الحول، فلو عجل الذمي في أولا لحول-: قُبِل. ولو شرط الإمام تعجيلها في أول الحول -: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن وجوبها في آخر الحول. والثاني: يجوز؛ كالأجرة في الإجارة. فإذا أسلم الذمي بعد الحول-: لا تسقط عنه جزية ذلك الحول، وإذا مات تؤخذ من تركته. وعند أبي حنيفة: تسقط. وكذلك: إذا مضت سنتان، ولم تؤخذ جزيتهما-: تؤخذ السنتين، ولا تتداخل كأجرة الدور، وعند أبي حنيفة تتداخل فلا تجب إلا جزية سنة واحدة. ولو أسلم، أو مات في خلال الحول: هل تؤخذ بقدر ما مضى [من الحول؟ فيه قولان: أصحهما: تؤخذ؛ كأجرة الدار: تجب بقدر ما مضى]. والثاني: لاتؤخذ؛ كالزكاة، وكما لو مات واحدٌ من العاقلة في خلال الحول: لا تلزمه الدية. ولو مات بعد الحول، وعليه الجزية، وديون الناس بأيها يبدأ؟ فيه أقوالٌ؛ كمن مات، وعليه الزكاة وديون الناس.

стр. 3137

فصلٌ: في عقد الذمة لا يجوز عقد الذمة إلا من الإمام، أو ممن فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العام؛ فلا يتولاه إلا الإمام. وإذا عقد الإمام معهم عقد الذمة-: يجب أن يشترط عليهم شرائط؛ ليعلموا ما عليهم. والذي عليهم قسمان: قسم لابد من ذكره في العقد، وقسم يقتضيه العقد من غير ذكر: أما ما لا بد من ذكره: فشيئان. أحدهما: قبول الجزية. والثاني: جريان حكم الإسلام عليهم مطلقاً بلا تفسير. وذكر أبو إسحاق شرطاً ثالثاً، وهو: ألا يذكروا الله ودينه ورسوله بسوء، فإن ترك شرط [شيء منها]-: لا يصح العقد. وإن شرط عليهم، فتركوا شرطاً، منها-: صاروا ناقضين للعهد، سواء أخبرهم أن تركه نقض للعهد، أو لم يخبرهم. وكل موضع صاروا ناقضين للعهد، هل يجوز قتلهم واسترقاقهم في الحال أم يبلغون المأمن؟ فيه قولان: أحدهما: يبلغون المأمن؛ كمن دخل دار الإسلام بأمان صبي ظنه جائزاً. والثاني: يقتلون أو يسترقون في الحال، وهو الصحيح؛ لأن كافر لا أمان له؛ كالأسير، ولو أراد الإمام المن أو الفداء-: يجوز؛ كالأسير. أما ما يقتضيه العقد من غير ذكر-: فقسمان: أحدهما: ما فعله ينافي عقد الذمة، وهو: نصب القتال مع المسلمين، فإذا فعلوا صاروا ناقضين للعهد، سواء شرط الإمام عليهم ذلك قولاً أو لم يشرط؛ لأن عقد الذمة الكف عن القتال. أما إذا قتل واحدٌ منهم مسلماً، أو قاتله-: فلا يكون نقضاً.

стр. 3138

والثاني: ما لا ينافي فعله عقد الذمة، وهو قسمان: قسم يعود ضرره إلى المسلمين، وقسم هو إظهار منكر: أما ما يعود ضرره إلى المسلمين: هو أن يزني بمسلمة، أو يصيبها باسم نكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو يقطع الطريق، أو يؤوي عيناً للكفار، أو ينمي إليهم أخبار المسلمين، أو يدل على عوراتهم، أو يقتل مسلماً، أو يقذفه، أو يمد يده إلى ماله، أو يذكر الله، أو كتابه، أو رسوله أو دينه بسوء، على قول أبي إسحاق؛ فإن فعلوا شيئاً منها - نظر: إن لم يكن شرط الإمام عليهم في العقد الامتناع منها-: لم ينقض بذلك عهدهم. [وإن شرط-: فعلى قولين]: أحدهما: نعم، ينتقض عهدهم؛ لمخالفة الشرط؛ كما لو امتنعوا عن بذل الجزية. والثاني: وهو الأصح-: لا ينتقض عهدهم؛ كما لو أظهروا منكراً من الخمر والخنزير. وعلى القولين: يقام عليهم موجباتها، فما كان موجباً للحد يقام حده، وما يوجب التعزير يعزر به؛ لأنه ارتكبه حين كان يجري عليه حكم الإسلام. ثم بعد إقامة موجبه: إن جعلناه نقضاً للعهد-: يبلغ المأمن في قول. وفي قول: يقتل أو يسترق في الحال. ومن أصحابنا من قال: من سب رسول الله ﷺ يُقتل حداً؛ لما روي أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر؛ سمعت راهبا يشتم رسول الله ﷺ فقال: "لو سمعته لقتلته؛ إنا لم نعط الأمان على هذا".

стр. 3139

أما ما فيه إظهار منكر-: فعليهم الامتناع منه؛ مثل: أن يسمعوا المسلمين شركهم، وقولهم في المسيح وعُزير، أو يسمعوهم صوت ناقوس أو قراءة كتابهم التوراة والإنجيل، أو يظهروا الصيب، أو يهروا أعيادهم، أو يرفعوا أصواتهم، على موتاهم، أو يحدثوا في أمصار المسلمين بيعة، أو كنيسة، أو مجمعاً لصلاتهم، أو يدخلوا فيها خنزيراً، أو يُظهروا بيع خمر أو خنزير، أو أكله، أو يطعموه مسلماً، أو يطيلوا بناءهم على بناء المسلمين أو يتركوا الغيار، فإذا فعلوا شيئاً منها-: عُزروا، ومنعوا منها، ولا ينتقض به عهدهم، سواء شرط عليهم أو لم يشرط. واختلفوا في تعليله. منهم من قال: لأنه إظهار ما لا ضرر فيه على المسلمين. ومنهم من قال: لأنهم يتدينونه. ولا يحد الذمي على شرب الخمر، ولا على وطء ذوات المحارم بالنكاح؛ لأنهم

стр. 3140

يتدينونه ويعتقدون إباحته؛ بخلاف ما لو زنى وقذف-: يحد؛ لأنهم يعتقدون تحريمه. فإن أظهروا شرب الخمر-: أريقت عليهم، وعزروا، وإن لم يهروا-: لم يدخل عليهم دورهم، ولم يتعرض لهم. وإذا كان أهل الذمة في دار الإسلام-: أخذوا بلُبس الغيار، وألا يساووا المسلمين في الملبس، والمركب، فيعقدوا الزنانير على أوساطهم خارج الثياب، ويتعسلوا بعسلي يخالفلونه لون ثيابهم، فيتعسل اليهودي بعسلي أصفر، والنصراني بأكهب، أو أزرق، ويخيط العسلي على الكتف لا على الذيول؛ فإنه لا صفار فيه، والمجوسي يتقلنس بقلنسوة سوداء، أو يخيط عليها مطارد سودا. ويمنعون من ركوب الخيل، ولا يمنعون من ركوب الحمير والبغال، ويركبونها عرضاً بالأكف لا بالسرج، وتكون ركابهم من الغرز، ولا يتقلدون السيوف، ولا يحملون السلاح، ولا يمنعون من التعمم، والتطيلس، ومن لبس الثياب الفاخرة من القطن والكتان، وهل يمنعون من لبس الديباج؟ فيه وجهان: أحدهما: يمنعون؛ لما فيه من التجبر والتعظم. والثاني: لا يمنعون؛ لأنهم لا يعتقدون تحريمه؛ كالمرتفع من القطن. وإذا دخلوا الحمام، أو في حالة التجرد من الثياب-: يعقدون عليهم الجلاجل، أو يجعلون في أعناقهم خواتيم، وتكون من حديد أو رصاص لا من ذهب ولا فضة. وإن كان لهم شعور يؤمرون بجز النواصي، ويمنعون من إرسالها؛ الأشراف، كذلك: أمر أمير المؤمنين ﵁ أن يفعل بهم. وغير نسائهم: أن تجعل زنانيرهن تحت أزرهن، حتى لا تصف أبدانهن، وأن يختلف لون خفافهن: أحدهما: أسود. والآخر: أحمر. ولا يجوز لهن دخول الحمام مع نساء المسلمين؛ على أظهر الوجهين؛ لأنهن أجانب في الدين. ومن جوز أمرهن أن يربطن على أنفسهن جلاجل، أو يجعلن في أعناقهن خواتيم، وكل هذا لما ضرب الله عليهم من الذلة.

стр. 3141

قال الله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]. ولا يجوز لمسلم أن يوادوا أحداً منهم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]. ولا يجوز أن يسلم على من لقيه منهم، وإن بدأ هو بالسلام، فلا يجبه، لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". يريد: أنه لا يترك له صدر الطريق، بل يلجئه على طريق البهائم، ويضيق عليه الطريق من غير أن يصدم به حائطاً، أو يلقيه في وهدة، ولا يصدرون في المجالس، ولا يوقرون توقير أهل الإسلام. وكل بلدة بناها المسلمون؛ مثل مصر وبغداد-: لا يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا فيها بيعة، أو كنيسة. أو صومعة، إلا أن تكون في المفازة لهم كنيسة، فاتصل بها بنيان المسلمين-: فلا تُهدم. أما ما كان لهم من البلاد - نُظر: عن فتحها المسلمون عنوة، ولم يكن لهم فيها كنيسة، أو كانت قائمة، ولكنها انهدمت، أو هدمها المسلمون في القهر-: لا يجوز لهم بناؤها. وإن كانت قائمة-: هل يجوز تقريرها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز الإحداث؛ لأن ملكهم زال عنها قهراً. والثاني: يجوز؛ لأنه لما جاز إقرارهم مع ما هم عليه من الكفر-: جاز إقرار أبنيتهم. وإذا بنى واحدٌ منهم داراً-: لايجوز أن يرفع بناءه عن بناء جيرانه من المسلمين، فإن فعل-: يهدم، وهل يمنع من المساواة، أم يجب أن يكون دون بناء المسلمين؟ فيه وجهان أحدهما: يمنع، حتى يكون بناؤه دون بناء المسلمين. والثاني: يجوز]، وإنما يمنع من الإطالة على بناء جيرانه، حتى لا يطلع على عورات المسملين.

стр. 3142

فلو كان دون بناء جيرانه، وفوق بناء مسلم آخر في محلة أخرى-: فلا يمنع. ولو اشترى داراً بناؤه طائلعلى جيرانه-: لايهدم، فإذا انهدم-: ليس له أن يعيده طائلاً؛ قال الشيخ- ﵀: وإذا كان جيرانه كلهم منهم، فأطال بعضهم بناءه على بعض-: جاز، وإن فتحها المسلمون صلحاً- نظر: إن فتحوا على أن يكون البلد للكفار-: لا يتعرض لهم فيما يفعلون فيه من إحداث الكنائس والبيع، وإطالة البناء، وإدخال الخمر والخنزير، وإظهار الصليب، وضرب الناقوس، والجهر بقراءة كتبهم، وإظهار مالهم من الأعياد، وترك الغيار؛ لأن الدار لهم ويمنعون من إيواء الجاسوس، وإنما الأخبار، ويعزرون عليه، إن فعلوا. وإن فتحوا على أن تكون البلد للمسلمين-: فما كان لهم فيها من كنيسة، أو بيعة، أو بناء طائل-: لا يهدم، ويمنعون من إحداث شيء منها أو يوسعونها. قال أبو إسحاق: يصير كأنا صالحناهم على أن البلد والأراضي لنا إلا الكنائس؛ كما لو صالحهم على أن يكون نصف الأراضي لنا، والنصف لهم، أو الربع لنا والباقي لهم-: يجوز. فإذا انهدمت الكنيسة كلها-: هل يجوز لهم إعادتها؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الإصطخري، وابن أبي هريرة-: لا يجوز؛ كما لو أرادوا بناءها في موضع آخر: لا يجوز. والثاني: يجوز: لأن الصلح وقع على أن يكون موضع الكنائس لهم، ولا يجوز أن يزيد فيما كانت. أما إذا سقط منها جدار-: جاز البناء، ولا يمنعون من تطيينها داخلاً وخارجاً. فصلٌ يجب على الإمام الذب عن أهل الذمة، ومنع من يقصدهم من المسلمين، أو الكفار، واستنقاذ من أسر منهم، واسترجاع ما أخذ من أموالهم، سواءٌ كانوا مع المسلمين في بلد، أو منفردين عنهم في بلد؛ لأنهم بذلوا الجزية؛ لحفظهم وحفظ أموالهم، فإن لم يدفع عنهم، حتى مضى حول-: لم تجب جزية ذلك الحول؛ كما لا تجب أجرة الدار، إذا لم يوجد التمكين من الانتفاع. وإذا أخذ منهم خمر أو خنزير-: لا يجب استرجاعه؛ لأنه يحرم اقتناؤه في الشرع. وإن عقد في الذمة بشرط ألا يمنع منه أهل الحرب؛ نظر:

стр. 3143

إن [كانوا مع المسلمين أو في موضع إذا قصدهم أهل الحرب] كان طريقهم على المسلمين-: لا يصح العقد؛ لأنه عقد على تمكين الكفار من المسلمين. وإن كانوا [منفردين] في موضع لا طريق لأهل الحرب على المسلمين: صح، وهل يكره هذا الشرط؟: قال الشافعي- ﵁ في موضع: يكره، وقال في موضع: لا يكره. وليست على قولين، بل هي على حالين حيث قال: يكره: أراد به إذا طلب الإمام الشرط؛ لأن فيه إظهار ضعف المسلمين. وحين قال: لا يكره: أراد به: إذا طلب أهل الذمة الشرط. أما إذا كان الإمام قد شرط في العقد الذب عنهم-: يجب الذب. وإن لم يشرط-: فوجهان: أحدهما: يجب؛ كما لو كانوا في موضع، إذا قصدهم أهل الحرب، كان طريقهم على المسلمين-: يجب الذب. والثاني: لا يجب؛ لأن طائفتين كفارٌ، لا يعود ضرر قتالهم إلى المسلمين، ولا إلى دار الإسلام. وإذا أغار أهل الحرب على أهل الذمة، وأخذوا أموالهم، ثم ظفر افمام بهم، واسترجع ما أخذوه-: يجب رده على أهل الذمة، وإن أتلف أهل الحرب أموالهم-: لا ضمان عليهم؛ كما لو أتلفوا أموال المسلمين. وإن أغار من بيننا وبينهم هدنة على أهل الذمة، وأتلفوا أموالهم-: يجب عليهم الضمان، فإن نقضوا العهد، وامتنعوا في ناحية، ثم أغاروا على أهل الذمة، وأتلفوا عليهم مالاً أو نفساً-: ففي وجوب الضمان قولان؛ كأهل الردة إذا امتنعوا، فأتلفوا على المسلمين. فصلٌ: فيما على الإمام تجاه أهل الذمة وعلى الإمام أن يثبت عدد أهل الصذمة في كل بلد، وأسماءهم، وحلاهم بالصفات التي لا تتغير بالأيام؛ أنه طويل أو قصر، أو ربعة، أبيض، أو أسود، أشم، أو أقنى، أدعج

стр. 3144

العينين، مقرون الحاجبين، ويثبت ما يوجد في كل واحد منهم، ويجعل على كل طائفة عريفاً يتعرف أحوالهم، فإن أسلم منهم واحدٌ، أو مات-: اسقط جزيته، وإن بلغ مولودٌ أو دخل فيهم غيرهم-: اثبت اسمه، ومن أخذ جزيته-: كتب له براءة تكون له حجة عند الحاجة، وإن أشكل على افمام، أو على من جاء بعده صلحهم-: رجع غليهم، فمن أقر بأقل الجزية-: قبل منه، فإن اتهمه في الزيادة-: أحلفه استحباباً، وإن قال بعضهم: دينارٌ، وقال بعضهم: ديناران-: أخذ من كل واحد ما أقر به ولا يقبل قول بعضهم على بعض؛ لأن الكافر لا تقبل شهادته. وإن ثبت بعد ذلك بإقرار أو بينة: أن الجزية كانت أكثر مما أقروا-: أخذت الزيادة منهم. وإن قالوا: كنا نعطي دينارين متبرعين، وجزيتنا: لم تكن أكثر من دينار-: أحلفهم، واليمن واجبة؛ فإن نكلوا-: أخذ منهم ديناران. وإن أسلم منهم جماعة، وشهد منهم اثنان: إن جزيتنا وجزيتهم كان دينارين-: يُؤخذ ديناران، وإن شهد مسلمان على دينار، وآخران على دينارين-: أخذ ديناران؛ لأن عندهم زيادة علم. فصلٌ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وأراد بـ"المسجد الحرام": جميع الحرم؛ كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وإنما أسري به من بيت أم هانيء انتهى. بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: الحرم، والحجاز، وسائر بلاد الإسلام: أما "الحرم"-: فلا يجوز لكافر أن يدخلها، لا لإقامة ولا مجتازاً، لا بمال ولا مجاناً؛ فإن كان لذمي على مسلم في الحرم دينٌ، أو له في الحرم مالٌ-: وكل مسلماً بأخذه. وإذا جاء رسول منهم، والإمام في الحرم-: لا يأذن له في دخوله، بل يخرج إليه الإمام، فيسمع رسالته، أو يبعث من يسمعها. وإذا جاء ليسلم- خرج إليه من يسمع كلامه. وإن دخله كافرٌ عالماً- عزر، وأخرج، وإن كان جاهلاً-: أعلم، فإن عاد-: عزر. وإن مرض-: لا يمرض فيه، وإن مات-: لا يدفن فيه، وإن دفن-: نبش قبره، فإن تقطع - ترك؛ لأن النبي ﷺ -لم يأمر بنقل نم مات فيه قبل الفتح".

стр. 3145

وجوز أبو حنيفة دخول المشركين الحرم بإذن أهل الإسلام مجتازاً؛ كالمساجد، والآية حجة عليه. ون أذن له في دخول الحرم بمال-: لم يجز، فإن دخل-: استحق عليه المسمى؛ لأنه قد حصل له العوض، وأخرج، ولا يستحق عوض المثل؛ لأنه لا أجرة لمثله، والحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفة سبعة أميال، ومن طريق جدة على عشرة أميال. أهـ. أما الحجاز: فقال الشافعي ﵁: هي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها. قال الأصمعي: سمي حجازاً؛ لأنه حاجز بين تهامة، ونجد. فيجوز للإمام- أن يأذن للكفار في دخولها، ولا يقيموا بها أكثر من ثلاثة أيام مقام المسافرين؛ لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، ولئن عشت إلى قابل لأخجرن اليهود والنصارى من جزيرة العرب". فلم يعش النبي ﷺ إلى قابل، ولم يتفرغ أبو بكر لذلك؛ لاشتغاله بقتال أهل الردة؛ فأجلاهم عمر ﵁ وضرب لمن يقدم منهم تاجراً ثلاثة أيامٍ. والمراد من "جزيرة العرب": الحجاز، فإن اليمن من جزيرة العرب، ويجوز تقرير أهل الذمة فيها، وحد جزيرة العرب: قال الأصمعي: من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً. ولا يجوز لهم دخول الحجاز، وإقامة ثلاث إلا بإذن الإمام؛ لأن دخولهم إنما أجيز لحاجة المسلمين، فكان مفوضاً إلى الإمام. فإذا استأذن في الدخول: فإن كان للمسلمين منفعة بدخوله؛ بأن كان يحمل ميرة، أو جاء لأداء رسالة، أو عقد ذمة، أو هدنة -: أذن له. وإن جاء لتجارة-: شرط عليه أن يعطي من تجارته شيئاً، وذلك إلى رأي الإمام. ويتسحب أن يأخذ ما كان يأخذ عمر، كان يأخذ من المسلمين من تجاراتهم ربع العشر، ومن أهل الذمة [نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر]، ولا يقيم أكثر من ثلاثة

стр. 3146

أيام، فإن أقام في موضع ثلاثة أيام، ثم انتقل إلى موضع آخر، وأقام ثلاثة أيام، ثم كذلك ينتقل من موضع إلى موضع، ويقيم ثلاثة أيام في كل موضع-: جاز لأنه لم يصر مقيماً في موضع. ولا يُمنع من روب بحر الحجاز؛ لأنه ليس موضع الإقامة، ويمنع من المقام في سواحله، والجزائر المسكونة في البحر أكثر من ثلاثة أيام، لأنه من بلاد الحجاز. ولو دخل الحجاز لتجارة فمرض، ولم يمكنه الخروج-: جاز أن يُمرض فيه حتى يبرأ، وإن زاد على ثلاثة أيام، بخلاف الحرم؛ لأن هذا دخل دخولاً جائزاً، ودخول الحرم-: لم يكن جائزاً، وإن مات فيه: فإن أمكن نقله قبل أن يتغير-: لم يدفن فيه، وإن خيف عليه التغير-: دُفن فيه؛ لأجل الضرورة، وإن دفن-: لم ينبش. أما سائر بلاد الإسلام، سوى الحجاز-: يجوز عقد الذمة مع أهل الكتاب على المقام فيها أبداً بالجزية، ويجوز لهم ولغيرهم من الكفار أن يدخلوها بالأمان، فمن دخل بغير أمان- يقتل، ويسترق. فإن ادعى أني دخلت بأمان مسلم-: يقبل. وقيل: لا يقبل، إلا ببينة يقيمها عليه. وإذا استأذن واحدٌ منهم للدخول: فإن كان للمسلمين في دخوله منفعة من حمل ميرة، أو جاء لأداء رسالة، أو عقد ذمة أو هدنة-: أذن له، وإن جاء لتجارة-: لم يؤذن إلا بمال يؤخذ من تجارته، أما من غير حاجة-: فلا يؤذن له؛ لأنه لا يؤمن من كيده، ولعله يدخل لتجسس الأخبار، أو لشراء السلاح، وغيرهما مما يضر المسلمين، وإذا جاء لرسالة-: فلا يؤذن إلا قدر أداء رسالته، أو لحاجة إلا قدر قضائها. وليس للكافر دخول المسجد إلا بإذن مسلم؛ فإن دخل بغير إذن-: عُزر وأخرج، يروي أن علياً ﵇ كان على المنبر فبصر بمجوسي، فنزل، فضربه، وأخرجه. وإذا استأذن في دخول المسجد، فإن كان لنوم أو أكل-: لا يؤذن له، وإن كان لسماع قرآن، أو علم-: يؤذن له؛ رجاء أن يُسلم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وإن كان جنباً -: هل يؤذن له؟ فيه وجهان: أحدهما: يمنع؛ كما يمنع المسلم الجنب.

стр. 3147

والثاني: لا يمنع؛ لأنه لا يعتقد تعظيمه؛ فلا يؤخذ به؛ كما لا يحد على شرب الخمر؛ لأنه يعتقد إباحته، بخلاف المسلم. وإذا قعد القاضي للحكم في المسجد: فمن وقعت له خصومة من أهل الشرك-: جاز له دخوله؛ لأن قعود القاضي للحكم في المسجد إذن لهم في الدخول. وإذا قدم وفد من الكفار، ولم يكن للإمام دارٌ ينزلها الوفود-: يجوز أن ينزلهم المسجد؛ فإن النبي ﷺ : "أنزل سبايا بني قريظة في المسجد إلى أن بعثهم [للبيع] وربط ثمامة بن أثال في المسجد". وإذا دخل الذمي الحجاز، أو الحربي دخل دار الإسلام لرسالة أو لشغل بالإذن لا للتجارة-: لا يؤخذ منه شيء. وإن دخل تاجراً بالإذن: فإن شرط الإمام عليهم شيئاً-: أخذ المشروط، وإن لم يشرط-: فيه وجهان: أحدهما: يؤخذ ما كان يأخذ عمر؛ اتباعاً له. والثاني: وهو الأصح-: لا يؤخذ إلا بالشرط؛ لأنه أمان بلا شرط؛ كالهدنة، وكان عمر قد شرط ذلك عليهم وعند أبي حنيفة: إن كانوا هم يأخذون من المسلمين، إذا دخلوا دارهم-: يؤخذ منهم من غير شرط؛ وإلا فلا يؤخذ منه. وإذا أخذنا من الذمي بدخول الحجاز بالشرط، أو بغير الشرط-: لا يحسب ذلك من الجزية، وإن شرط أن يؤخذ من تجارته-: أخذ، باع متاعه أو لم يبع. وإن شرط أن يؤخذ من ثمن تجارته، فلم يبع-: لا يؤخذ؛ لأنه لم يحصل الثمن. ولا [يؤخذ] ما شرط على الذمي في دخول الحجاز في السنة؛ كما لا تؤخذ منه الجزية في السنة إلا مرة. أما ما يؤخذ من الحربي في دخول دار الإسلام: فإذا أخذ مرة، وكانوا يطوفون في بلاد الإسلام-: لا يؤخذ في كل بلدة، وتكتب له براءة حتى لا يطالب في بلد آخر قبل مضي الحول، وإن رجعوا على دار الحرب، ثم عادوا قل الحول-: ففيه وجهان: أحدهما: لا يؤخذ في كل سنة إلا مرة؛ كأهل الذمة، إذا تكرر دخولهم الحجاز.

стр. 3148

والثاني: يؤخذ في كل مرة يدخل، وإن تكرر دخوله في السنة، بخلاف الذمي؛ فإنه تحت يد الإمام، فلا يفوت ما شرط عليه، والحربي يرجع إلى دار الحرب، وربما لا يعود عند الحول، فيفوت ما شرط عليه، والله أعلم بالصواب. باب/ نصارى العرب تُضاعف عليهم الجزية رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ في أمر نصارى العرب من تنوخ، وبهراءن وبني تغلب: "أنه رامهم على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم فخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض - يعنون: الصدقة- فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين، قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم عمر على أن تضعف عليهم الصدقة" هـ. إذا امتنع قوم من أداء الجزية باسم "الجزية"، وقالوا: نؤدي باسم "الصدقة"، [فرأى الإمام أن يأخذ منهم باسم "الصدقة"]، ويضعف عليهم ما يأخذ من المسلمين، كما فعل عمر بنصارى العرب-: يجوز، فيأخذ من خمس من الإبل شاتين، ومن خمس وعشرين ابنتي مخاض، ولا يأخذ منها حقة؛ كما يأخذ من خمسين، ويأخذ من أربعين شاة شاتين، ومن ثلاثين من البقر تبيعين. وكذلك: تضعف عليهم صدقة الذهب، والورق، وزكاة التجارة، والثمر، والزرع، وحق المعدن، والركاز؛ فإن كان يأخذ من المسلم الخمس-: يأخذ منهم خمسين، وإن كان يأخذ من المسلم [العشر-: يأخذ منهم الخمس، وإن كان يأخذ من المسلم] نصف العشر يأخذ منهم العشر، وفيما يأخذ من المسلم ربع العشر-: يأخذ منهم نصف العشر. وهل يأخذ من أنصاف النصاب النصف؛ مثل: إن كان له عشرون من الغنم-: هل يأخذ منها شاة، ومن عشر نصف شاة، ومن ثمانين شاة ثلاث شياه؟ فيه قولان: أحدهما: يأخذ؛ لأنه قضية التضعيف. والثاني: لا يأخذ، وهو الأصح؛ لأن الأثر في تضعيف الواجب على المسلم، لا في إيجاب ما لا يجب فيه شيء على المسلم. وإذا وجبت في ست وأربعين من الإبل حقتان، وليستا عنده-: أخذت منه ابنتا لبون، وهل يضعف الجبران؟ فيه وجهان:

стр. 3149

أحدهما: يضعف؛ فعليه معها أربع شياه. والثاني: لا يضعف؛ لأنه تضعيف التضعيف؛ فتجب شاتان. وإذا ضعفنا عليه الصدقة: فمن حصل في حقه دينار أو أكثر-: جاز، ومن لم يبلغ في حقه ديناراً-: يجب عليه تم كيل الدينار، وكذلك: من لم يكن له مال زكاتي، أو كان فقيراً-: يؤخذ منه دينار. فإن تبرع الأغنياء بما زاد على قدر جزيتهم على الفقراء؛ ليون الفضل جزية عنهم - جاز، وإن أضعف الإمام عليهم الصدقة، فبلغ دينارين، فقالوا: أسقط الدينار، وخذ باسم الجزية-: تسقط الزيادة؛ لأن الزيادة وجبت لتغيير الاسم، فإذا رضوا باسم "الجزية"-: وجب إسقاط الزيادة. والتضعيف لا يختص بالعرب، بل كل من طلب ذلك من أهل الكتاب-: أجيب إليه ولا يختص بالتضعيف، بل يجوز أن يُربع ويخمس؛ على ما يراه الإمام؛ لأنه ليس بصدقة على الحقيقة، إنما هي جزية ومصرفها مصرف الفيء، لا مصرف الصدقات، وإن كان لصبي، أو مجنون، أو امرأة منهم أموال زكاتية-: لا يؤخذ نمهم شيءٌ؛ لأنه لا جزية عليهم، والله أعلم. باب/ نقض المهادنة على النظر للمسلمين قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]. إذا عقد والي خراسان، أو والي العراق المهادنة مع أهل قرية أو بلد-: جاز، فأما مع إقليم؛ كالهند، والروم-: فغير جائز إلا للإمام، وعقد الهدنة لا يجوز لأهل إقليم إلا للإمام، أو لمن فوض إليه الإمام؛ كعقد الذمة؛ لأنه المنصوب للنظر لأهل الإسلام. ثم يُنظر: إن كان في حال قوة الإسلام وأهله: فإن لم يكن في الهدنة مصلحة-: لم يكن يجز عقدها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥].

стр. 3150

وإن كان فيها مصلحة: بأن كان يرجو إسلامهم ومعاونتهم على قتال غيرهم-: جاز أن يهادن أربعة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]. [ولا يجوز أن يهادنهم سنة؛ لأنها مدة الجزية]، ولا يجوز تقرير كافرٍ بالعهد سنة بلا جزية. وهل يجوز أكثر من أربعة أشهر وأقل من سنة؟ فيه قولان: أحدهما- وهو الأصح-: لا يجوز؛ لأن الله تعالى أمر بقتل المشركين؛ فقال: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ثم أذن في الهدنة أربعة أشهر فنفى ما زاد على جواز القتل. والقول الثاني: يجوز؛ لأنها مدة تقصر عن مدة الجزية؛ كأربعة أشهر. وإن كان في وقت ضعف أهل الإسلام، وقوة الكفار، وكثرتهم، أو كان بالمسلمين قوة، ولكن العدو على بعد يحتاج في قصدهم إلى مؤن مجحفة-: يجوز عقد الهدنة إلى مدة

стр. 3151

تدعو إليه الحاجة، وأكثرها عشر سنين؛ [لأن النبي ﷺ هادن قريشاً بالحديبية عشر سنين]، فإن زاد على عشر سنين-: لا يجوز؛ لأن الأصل وجوب الجهاد غلا فيما ورد فيه الرخصة، وهي عشر سنين. فإن عقد على عشر سنين، فانقضت، والحاجة باقية-: استأنف العقد فيما تدعو إليه الحاجة، وإن عقد على أكثر من عشر سنين-: بطل فيما زاد على العشر، وفي العشر قولان؛ بناء على تفريق الصفقة [في البيع]: فقيل ههنا: يجوز في العشر قولاً واحداً؛ لأنه عقد مع الكفار؛ فيسامح فيه بما لا يسامح في عقود المسلمين؛ وكذلك: إن دعت الحاجة إلى خمس سنين-: لم يجز أن يزيد عليها؛ فإن عقد على أكثر-: بطلت في الزيادة على الخمس، وفي الخمس هذا الاختلاف. ولو عقد الهدنة مطلقاً-: لا يصح؛ لأن مطلق العقد يقتضي التأبيد. وقيل: يصح، وإن كان في وقت قوة المسلمين-: ينصرف إلى أربعة أشهر. وفي قول: إلى سنة. وإن كان بالمسلمين ضعف-: ينصرف إلى عشر سنين. أما إذا عقد الهدنة على أن له أن ينقض متى شاء-: جاز؛ لأن النبي ﷺ وادع يهود خيبر، وقال: "أقركم على ما أقركم الله". [ولو قال غير النبي ﷺ : "أقركم ما أقركم الله] أو هادنتكم إلى أن يشاء الله-: لايصح؛ لأن النبي ﷺ يعلم ما عند الله بالوحي، وغيره لا يعلم. ولو هادنهم ما شاء فلان، وفلان رجلٌ مسلمٌ أمين عالمٌ، له رأي-: جاز، فإن شاء أن ينقض نقض. وإن قال: هادنتكم ما شئتم-: لا يصح؛ لأنه يجعل الكفار محكمين على المسلمين، وعقد الذمة-: يجوز مؤبداً بخلاف الهدنة، وهل يجوز عقد الذمة مؤقتاً؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كالمهادنة.

стр. 3152

والثاني: لا يجوز؛ لأن الذمي بعقد الذمة يلتزم أحكام المسلمين، ولا يصح التزامها إلا مؤبداً؛ ألا ترى أن من التزمها بالإسلام إلى وقتٍ-: لا يجوز. ولو جاء مشرك يطلب المهادنة-: لا يجب على الإمام الإجابة إليها؛ لأنه لا منفعة للمسلمين فيها، بخلاف ما لو جاءوا، وبذلوا الجزية-: يجب قبولها؛ لقوله تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فوضع عنهم القتل والاسترقاق بقبول الجزية ويجوز عقد الهدنة على مال يؤخذ منهم، ولا يجوز على مال يعطيهم؛ لأنفيه إلحاق صغار بأهل الإسلام، وقد أعز الله الإسلام، وأهله ظاهرون، قُتلوا أو قَتلوا؛ فلا يعطي مشرك على الكف عنهم شيئاً؛ فإن دعت ضرورة بأن أحاط الكفار بالمسلمين، وخافوا الاصطلام-: فيجوز للإمام أن يعطيهم مالاً؛ ليتصرفوا، أو يفدي أسيراً؛ لأن الاصطلام-: فيجوز للإمام أن يعطيهم مالاً؛ ليتصرفوا، أو يفدي أسيراً؛ لأن الاصطلام وتعذيب الأسير في أيديهم أعظم من بذل المال؛ فجاز البذل لدفع أعظم الضررين، وبذل المال واجب في هذا الموضع، ليرد هذا الضرر. وإن عقد الهدنة على ما لا يجوز؛ بأن شرط ألا ينزع أسارى المسلمين من أيديهم، وما أخذوا من أموالهم، أو أسيراً تفلت من أيديهم أن يرده إليهم، وإن أتانا منهم امرأة مسلمة أن نردها إليهم، أو عقد الذمة على أقل من دينار، أو على ألا تجري عليهم أحكامنا، أو على مقامهم في الحجاز، أو على دخولهم الحرم، أو بناء كنيسة في دار الإسلام، أوترك الغيار، أو إظهار الخمر والخنزير-: وجب نقضه. وقد شرط النبي ﷺ يوم الحديبية شروطاً؛ لضعف أهل الإسلام، فرد الله بعضها، ولا يجوز اليوم شرطها؛ لظهور عز الإسلام، وقوة أهله، إلا في موضع قريب من الكفار؛ يخافون على أنفسهم منهم؛ فمنها: الكف عن القتال عشر سنين، وأن من أتى المسلمين من الكفار مسلماً ردوه، ومن أتاهم منا لا يردونه حتى رد أبا جندل وأبا بصير، ثم جاءت بعدها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة، فجاء أخوها في طلبها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ....﴾ إلى قوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فلم يردها النبي ﷺ وكان لا يرد النساء، ويعطي أزواجهن ما أعطوا من مهورهن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] وأراد به: ما أعطوا من الصداق. واختلف القول في أن شرط الرد: هل تناول النساء أم لا؟ أحد القولين: أن الشرط تناول الرجال والنساء جميعاً، وكان ذلك جائزاً في الشرع، ثم صار منسوخاً في حق النساء، لقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 3153

والقول الثاني: الشرط كان في حق الرجال خاصة، وجاز ذلك في حقهم؛ لقوة قلوبهم، وقلة فتنتهم، وأنهم إذا أكرهوا على الكفر أمكنهم إظهار ما ليس في قلوبهم، ولم يدخل فيه النساء؛ لأنهن يضعفن عن ذلك؛ فلا تؤمن فتنتهن وارتدادهن، لنقصان عقولهن، وقلة هدايتهن، ويخشى عليهن من أن يصيبهن الكفار. فإن قلن: شرط الرد لم يتناول النساء، فهل علمه النبي ﷺ أو لم يعلم، إلا بعد نزول الآية؟ فيه احتمالان: أحدهما: لم يعلمه؛ بدليل أنه لم يظهره. والثاني: علمه؛ ولنه لم يهره؛ لما علم فيه من المصلحة. فإن قلنا: الشرط تناول النساء فيما إذا صار منسوخاً-: فيه قولان؛ بناء على أن نسخ السنة بالقرآن-: هل يجوز أم لا؟ [وفيه قولان: أحدهما لا يجوز نسخ السنة بالقرآن. والثاني: يجوز؛ لأنه نسخ الأدنى بالأعلى. فإن قلنا يجوز-: صار منسوخاً بقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وإن قلنا: لا يجوز]-: صار منسوخاً بامتناع النبي ﷺ [عن ردهن] فيكون نسخ السنة بالسنة. هـ. [ذكر الخلاف في رد المهر فيما إذا عقد الهدنة مطلقاً من غير شرط: فإذا جاءت منه امرأة مسلمة- هل يجب رد المهر؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ لعدم الشرط، والنبي ﵇ إنما أعطى؛ لأنه شرط رد من جاء. والثاني: يجب؛ لأن مطلق العقد يقتضي الكف عن أموالهم، وما في معنى المال، فإذا لم يكف-: وجب البدل. قال ﵀: وعندي إذا عقد مطلقاً-: لا يجب رد المهر؛ لأن عقد الهدنة

стр. 3154

لا يقتضي الكف عن الإسلام، بل إذا شرط رد من جاء منهم-: لا ترد الهدنة؛ كما ذكرت]. ولا يجوز عقد الهدنة اليوم على أن من أتى منهم مسلماً-: نرده؛ فإن احتاج إلى شيء من ذلك، لضعف أهل الإسلام، وقوة الكفار-: فلا يجوز أن يشترط رد النساء، ولا يشترط رد الرجال مطلقاً؛ لأنه قد يأتيه من لا يجوز رده، فإن رد من لا عشيرة له-: لا يجوز. فإذا عقد الإمام الهدنة، وشرط رد من جاء منهم مسلماً-: قال الشيخ- ﵀: لاترد الهدنة، وإن لم يعمل ببعضه، وهو رد النساء، ورد العبيد، ورد الرجال على غير عشيرته كما أن صلح الحديبية كان نافذاً، وإن منع عن رد النساء، [ورد العبيد]. فإذا عقد على هذا الشرط، ثم جاء رجل منهم مسلماً؛ فإن جاء في طلبه غير عشيرته]-: لا يرد، وإن جاء من عشيرته-: رده؛ لأنه لا يخاف عليه من عشيرته، بل يقومون عليه بحفظه، والذب عنه، وكان رد أبي جندل على هذا الوجه؛ لأنه رد إلى أبيه، فإن لم يكن له رهط أو عشيرة-: لا يجوز رده؛ لأنه لا يؤمن أن يفتن عن دينه، ولا تجب القيمة؛ لأن الحر لا قيمة له. وكذلك: إن جاء من يطلبه، والمطلوب قادر على قهر الطالب والانفلات منه-: جاز الرد عليه. وعلى هذا الوجه-: كان رد أبي بصير؛ فإنه قد جاء في طلبه رجلان، فدفع إليهما، فقتل أحدهما، وأفلت. ومعنى الرد: هو ألا يمنعه عن الرجوع، إما أن يُكرهه على الرجوع-: فلا، بل نقول: لك في الأرض مراغم كثيرة وسعة. فإن اختار المقام في دار الإسلام-: فلا يمنع، وهو الأولى، وإن اختار الرجوع على أهله في دار الكفر-: فله ذلك، ويقول الإمام للطالب: لا نمنعك منه، إن قدرت عليه، وإن لم تقدر-: لا نعينك عليه، ويقول للمطلوب ويوصيه في السر: إن رجعت إليهم، ثم قدرت أن تهرب، فافعل. وإن جاءت امرأة من أهل الهدنة مسلمة إلى موضع الإمام، وهي حرة عاقلة بالغة،

стр. 3155

فجاء زوجها المشرك، أو رجل من عشيرتها في طلبها -: لا يجوز ردها بحال؛ لأن رهطها وعشيرتها لا يمنعونها عن الزوج، وهي لا تحل له، وهل يجب دفع مهرها؟ نظر: إن جاء في طلبها غير زوجها-: لا يجب. وإن جاء زوجها- نظر: إن لم يكن إليها المهر-: لا يجب، لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ وهو لم ينفق شيئاً. وإن كان دفع إليها المهر-: هل يجب أن ترد إليه؟ فيه قولان: أحدهما: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأن البُضع مقوم، حيل بنيه وبين مالكه؛ فوجب رد بدله، كما لو أخذ مالاً، وتعزر رده-: تجب عليه قيمته. والقول الثاني- وهو الأصح، واختيار المزني-: لا يجب؛ لأنا عاقدناهم على رد العين، والعين قائمة، فإذا لم يجب رد العين؛ فلا يجب رد غيرها؛ ولأنه لو ضمن البضع بالحيلولة-: لضمن بمهر المثل؛ كما يضمن المال بقيمة المثل، فلما لم يضمن بمهر المثل-: لا يضمن بالمسمى. ولا خلاف أنه لا يجب رد ما أطعمها وكساها، والقولان ينبنيان على أن صلح الحديبية-: هل تناول النساء أم لا؟: إن قلنا: تناول رد النساء، ثم نسخ-: فاليوم لا يجب المهر؛ لأن الشرط فاسدٌ، والنبي ﷺ إنما رد المهر؛ لأن شرطه كان صحيحاً. وإن قلنا: الشرط لم يتناول النساء -: فيجب المهر؛ لأن النبي ﷺ غرم مهر من جاءت مسلمة مع عدم الشرط. فإن لم نوجب رد المهر-: فلا تفريع عليه، وإن أوجبنا رد المهر-: فالتفريع عليه: أنه يجب من خمس الخمس سهم المصالح، وإنما يجب رد ما أعطى، حتى لو كان مهرها ألفين، ولم يعط الزوج إلا ألفاً لا يجب إلا رد الألف [دون الألفين]، وإن كان مهرها ألفاً، وهو دفع ألفين-: لا يجب إلا رد الألف؛ لأن الزيادة لم تكن مهراً. وإن خالفته فيما قبضت-: فالقول قولها، وإن كانت أبرأته عن الصداق، أو وهبته الصداق-: لا يجب رد شيء، وإن كان تزوجها على خمر أو خنزير، ودفعه إليها-: لا يجب رد شيء؛ لأنه لم ينفق مالاً.
следующие страницы →