Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
تدعو إليه الحاجة، وأكثرها عشر سنين؛ [لأن النبي ﷺ هادن قريشاً بالحديبية عشر سنين]، فإن زاد على عشر سنين-: لا يجوز؛ لأن الأصل وجوب الجهاد غلا فيما ورد فيه الرخصة، وهي عشر سنين.
فإن عقد على عشر سنين، فانقضت، والحاجة باقية-: استأنف العقد فيما تدعو إليه الحاجة، وإن عقد على أكثر من عشر سنين-: بطل فيما زاد على العشر، وفي العشر قولان؛ بناء على تفريق الصفقة [في البيع]:
فقيل ههنا: يجوز في العشر قولاً واحداً؛ لأنه عقد مع الكفار؛ فيسامح فيه بما لا يسامح في عقود المسلمين؛ وكذلك: إن دعت الحاجة إلى خمس سنين-: لم يجز أن يزيد عليها؛ فإن عقد على أكثر-: بطلت في الزيادة على الخمس، وفي الخمس هذا الاختلاف.
ولو عقد الهدنة مطلقاً-: لا يصح؛ لأن مطلق العقد يقتضي التأبيد.
وقيل: يصح، وإن كان في وقت قوة المسلمين-: ينصرف إلى أربعة أشهر.
وفي قول: إلى سنة.
وإن كان بالمسلمين ضعف-: ينصرف إلى عشر سنين.
أما إذا عقد الهدنة على أن له أن ينقض متى شاء-: جاز؛ لأن النبي ﷺ وادع يهود خيبر، وقال: "أقركم على ما أقركم الله".
[ولو قال غير النبي ﷺ : "أقركم ما أقركم الله] أو هادنتكم إلى أن يشاء الله-: لايصح؛ لأن النبي ﷺ يعلم ما عند الله بالوحي، وغيره لا يعلم.
ولو هادنهم ما شاء فلان، وفلان رجلٌ مسلمٌ أمين عالمٌ، له رأي-: جاز، فإن شاء أن ينقض نقض.
وإن قال: هادنتكم ما شئتم-: لا يصح؛ لأنه يجعل الكفار محكمين على المسلمين، وعقد الذمة-: يجوز مؤبداً بخلاف الهدنة، وهل يجوز عقد الذمة مؤقتاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كالمهادنة.
стр. 3152
والثاني: لا يجوز؛ لأن الذمي بعقد الذمة يلتزم أحكام المسلمين، ولا يصح التزامها إلا مؤبداً؛ ألا ترى أن من التزمها بالإسلام إلى وقتٍ-: لا يجوز.
ولو جاء مشرك يطلب المهادنة-: لا يجب على الإمام الإجابة إليها؛ لأنه لا منفعة للمسلمين فيها، بخلاف ما لو جاءوا، وبذلوا الجزية-: يجب قبولها؛ لقوله تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فوضع عنهم القتل والاسترقاق بقبول الجزية ويجوز عقد الهدنة على مال يؤخذ منهم، ولا يجوز على مال يعطيهم؛ لأنفيه إلحاق صغار بأهل الإسلام، وقد أعز الله الإسلام، وأهله ظاهرون، قُتلوا أو قَتلوا؛ فلا يعطي مشرك على الكف عنهم شيئاً؛ فإن دعت ضرورة بأن أحاط الكفار بالمسلمين، وخافوا الاصطلام-: فيجوز للإمام أن يعطيهم مالاً؛ ليتصرفوا، أو يفدي أسيراً؛ لأن الاصطلام-: فيجوز للإمام أن يعطيهم مالاً؛ ليتصرفوا، أو يفدي أسيراً؛ لأن الاصطلام وتعذيب الأسير في أيديهم أعظم من بذل المال؛ فجاز البذل لدفع أعظم الضررين، وبذل المال واجب في هذا الموضع، ليرد هذا الضرر.
وإن عقد الهدنة على ما لا يجوز؛ بأن شرط ألا ينزع أسارى المسلمين من أيديهم، وما أخذوا من أموالهم، أو أسيراً تفلت من أيديهم أن يرده إليهم، وإن أتانا منهم امرأة مسلمة أن نردها إليهم، أو عقد الذمة على أقل من دينار، أو على ألا تجري عليهم أحكامنا، أو على مقامهم في الحجاز، أو على دخولهم الحرم، أو بناء كنيسة في دار الإسلام، أوترك الغيار، أو إظهار الخمر والخنزير-: وجب نقضه.
وقد شرط النبي ﷺ يوم الحديبية شروطاً؛ لضعف أهل الإسلام، فرد الله بعضها، ولا يجوز اليوم شرطها؛ لظهور عز الإسلام، وقوة أهله، إلا في موضع قريب من الكفار؛ يخافون على أنفسهم منهم؛ فمنها: الكف عن القتال عشر سنين، وأن من أتى المسلمين من الكفار مسلماً ردوه، ومن أتاهم منا لا يردونه حتى رد أبا جندل وأبا بصير، ثم جاءت بعدها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة، فجاء أخوها في طلبها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ....﴾ إلى قوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فلم يردها النبي ﷺ وكان لا يرد النساء، ويعطي أزواجهن ما أعطوا من مهورهن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] وأراد به: ما أعطوا من الصداق.
واختلف القول في أن شرط الرد: هل تناول النساء أم لا؟
أحد القولين: أن الشرط تناول الرجال والنساء جميعاً، وكان ذلك جائزاً في الشرع، ثم صار منسوخاً في حق النساء، لقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
стр. 3153
والقول الثاني: الشرط كان في حق الرجال خاصة، وجاز ذلك في حقهم؛ لقوة قلوبهم، وقلة فتنتهم، وأنهم إذا أكرهوا على الكفر أمكنهم إظهار ما ليس في قلوبهم، ولم يدخل فيه النساء؛ لأنهن يضعفن عن ذلك؛ فلا تؤمن فتنتهن وارتدادهن، لنقصان عقولهن، وقلة هدايتهن، ويخشى عليهن من أن يصيبهن الكفار.
فإن قلن: شرط الرد لم يتناول النساء، فهل علمه النبي ﷺ أو لم يعلم، إلا بعد نزول الآية؟ فيه احتمالان:
أحدهما: لم يعلمه؛ بدليل أنه لم يظهره.
والثاني: علمه؛ ولنه لم يهره؛ لما علم فيه من المصلحة.
فإن قلنا: الشرط تناول النساء فيما إذا صار منسوخاً-: فيه قولان؛ بناء على أن نسخ السنة بالقرآن-: هل يجوز أم لا؟ [وفيه قولان:
أحدهما لا يجوز نسخ السنة بالقرآن.
والثاني: يجوز؛ لأنه نسخ الأدنى بالأعلى.
فإن قلنا يجوز-: صار منسوخاً بقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وإن قلنا: لا يجوز]-: صار منسوخاً بامتناع النبي ﷺ [عن ردهن] فيكون نسخ السنة بالسنة. هـ.
[ذكر الخلاف في رد المهر فيما إذا عقد الهدنة مطلقاً من غير شرط: فإذا جاءت منه امرأة مسلمة- هل يجب رد المهر؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لعدم الشرط، والنبي ﵇ إنما أعطى؛ لأنه شرط رد من جاء.
والثاني: يجب؛ لأن مطلق العقد يقتضي الكف عن أموالهم، وما في معنى المال، فإذا لم يكف-: وجب البدل.
قال ﵀: وعندي إذا عقد مطلقاً-: لا يجب رد المهر؛ لأن عقد الهدنة
стр. 3154
لا يقتضي الكف عن الإسلام، بل إذا شرط رد من جاء منهم-: لا ترد الهدنة؛ كما ذكرت].
ولا يجوز عقد الهدنة اليوم على أن من أتى منهم مسلماً-: نرده؛ فإن احتاج إلى شيء من ذلك، لضعف أهل الإسلام، وقوة الكفار-: فلا يجوز أن يشترط رد النساء، ولا يشترط رد الرجال مطلقاً؛ لأنه قد يأتيه من لا يجوز رده، فإن رد من لا عشيرة له-: لا يجوز.
فإذا عقد الإمام الهدنة، وشرط رد من جاء منهم مسلماً-: قال الشيخ- ﵀: لاترد الهدنة، وإن لم يعمل ببعضه، وهو رد النساء، ورد العبيد، ورد الرجال على غير عشيرته كما أن صلح الحديبية كان نافذاً، وإن منع عن رد النساء، [ورد العبيد].
فإذا عقد على هذا الشرط، ثم جاء رجل منهم مسلماً؛ فإن جاء في طلبه غير عشيرته]-: لا يرد، وإن جاء من عشيرته-: رده؛ لأنه لا يخاف عليه من عشيرته، بل يقومون عليه بحفظه، والذب عنه، وكان رد أبي جندل على هذا الوجه؛ لأنه رد إلى أبيه، فإن لم يكن له رهط أو عشيرة-: لا يجوز رده؛ لأنه لا يؤمن أن يفتن عن دينه، ولا تجب القيمة؛ لأن الحر لا قيمة له.
وكذلك: إن جاء من يطلبه، والمطلوب قادر على قهر الطالب والانفلات منه-: جاز الرد عليه.
وعلى هذا الوجه-: كان رد أبي بصير؛ فإنه قد جاء في طلبه رجلان، فدفع إليهما، فقتل أحدهما، وأفلت.
ومعنى الرد: هو ألا يمنعه عن الرجوع، إما أن يُكرهه على الرجوع-: فلا، بل نقول: لك في الأرض مراغم كثيرة وسعة.
فإن اختار المقام في دار الإسلام-: فلا يمنع، وهو الأولى، وإن اختار الرجوع على أهله في دار الكفر-: فله ذلك، ويقول الإمام للطالب: لا نمنعك منه، إن قدرت عليه، وإن لم تقدر-: لا نعينك عليه، ويقول للمطلوب ويوصيه في السر: إن رجعت إليهم، ثم قدرت أن تهرب، فافعل.
وإن جاءت امرأة من أهل الهدنة مسلمة إلى موضع الإمام، وهي حرة عاقلة بالغة،
стр. 3155
فجاء زوجها المشرك، أو رجل من عشيرتها في طلبها -: لا يجوز ردها بحال؛ لأن رهطها وعشيرتها لا يمنعونها عن الزوج، وهي لا تحل له، وهل يجب دفع مهرها؟ نظر:
إن جاء في طلبها غير زوجها-: لا يجب.
وإن جاء زوجها- نظر:
إن لم يكن إليها المهر-: لا يجب، لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ وهو لم ينفق شيئاً.
وإن كان دفع إليها المهر-: هل يجب أن ترد إليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأن البُضع مقوم، حيل بنيه وبين مالكه؛ فوجب رد بدله، كما لو أخذ مالاً، وتعزر رده-: تجب عليه قيمته.
والقول الثاني- وهو الأصح، واختيار المزني-: لا يجب؛ لأنا عاقدناهم على رد العين، والعين قائمة، فإذا لم يجب رد العين؛ فلا يجب رد غيرها؛ ولأنه لو ضمن البضع بالحيلولة-: لضمن بمهر المثل؛ كما يضمن المال بقيمة المثل، فلما لم يضمن بمهر المثل-: لا يضمن بالمسمى.
ولا خلاف أنه لا يجب رد ما أطعمها وكساها، والقولان ينبنيان على أن صلح الحديبية-: هل تناول النساء أم لا؟:
إن قلنا: تناول رد النساء، ثم نسخ-: فاليوم لا يجب المهر؛ لأن الشرط فاسدٌ، والنبي ﷺ إنما رد المهر؛ لأن شرطه كان صحيحاً.
وإن قلنا: الشرط لم يتناول النساء -: فيجب المهر؛ لأن النبي ﷺ غرم مهر من جاءت مسلمة مع عدم الشرط.
فإن لم نوجب رد المهر-: فلا تفريع عليه، وإن أوجبنا رد المهر-: فالتفريع عليه: أنه يجب من خمس الخمس سهم المصالح، وإنما يجب رد ما أعطى، حتى لو كان مهرها ألفين، ولم يعط الزوج إلا ألفاً لا يجب إلا رد الألف [دون الألفين]، وإن كان مهرها ألفاً، وهو دفع ألفين-: لا يجب إلا رد الألف؛ لأن الزيادة لم تكن مهراً.
وإن خالفته فيما قبضت-: فالقول قولها، وإن كانت أبرأته عن الصداق، أو وهبته الصداق-: لا يجب رد شيء، وإن كان تزوجها على خمر أو خنزير، ودفعه إليها-: لا يجب رد شيء؛ لأنه لم ينفق مالاً.
стр. 3156
وإن مات الزوج، وجاء وارثه في طلب المهر، أو دخل الزوج في دار الإسلام؛ فقبل أن طلب: مات أحدهما-: لا يعطي.
وكذلك: إن كان الزوج قد طلقها بائناً أو خالعها: لا يجب لأنه إنما يجب إذا دفع إليها، ثم جاء في طلبها فمنعت منه، فيعطي المهر؛ لأجل الحيلولة، ولا حيلولة بعد الموت والطلاق البائن.
وإن مات أحدهما أو طلق بعد الطلب -: يعطي؛ لأن الحيلولة قد حصلت فإن كان الزوج هو الميت-: دفع إلى وارثه، وإن طلقها رجعياً-: لا يدفع المهر؛ لأنه قد تركها باختياره، فإن راجعها، ثم طلب-: أعطى؛ لأنه قصد إمساكها بالرجعة، وإن جاءت مسلمة، ثم أسلم الزوج - نظر.
إن أسلم قبل انقضاء عدتها-: فهما على النكاح، وليس له طلب المهر.
وإن كان قد أخذ عليه-: رده؛ لأن الحيلولة زالت، وإن لم تسلم، حتى انقضت عدتها: فإن كان قد طلب المهر قبل انقضاء العدة-: وجب المهر، وإن طلب بعد انقضاء العدة-: لم يجب؛ لأن الحيلولة حصلت بالبينونة، ولا مطالبة له بالمهر بعد البينونة، وإن جاءت المرأة، وهي مجنونة، تصف الإسلام-: لا تعطي مهرها؛ لأنا لا نعرف إسلامها قبل الجنون، ولا نردها على الكفار؛ لاحتمال أنها قد أسلمت قبل الجنون.
فإن أفاقت كافرة-: ردت إليهم، وإن أفاقت مسلمة-: لم ترد، ودفع مهرها على زوجها.
وإن أسلمت، ثم جُنت-: رد المهر، وكذلك: إن جاءت، وهي صبية: تصف الإسلام-: لم ترد إليهم، وإن لم نحكم بصحة إسلامها؛ لأنا نرجو إسلامها، وإن ردت إليهم زهدوها في الإسلام، وإن جاء زوجها يطلب المهر-: هل يعطي؟ وجهان:
أحدهما: يعطى لوقوع الحيلولة بينه وبينها.
والثاني- وهو الأصح-: لا يعطى؛ لأن الحيلولة لم تتحقق؛ لجواز أن تبلغ فتصف الكفر، فإن بلغت، وصفت الكفر-: رُدت إليهم، وإن وصفت الإسلام-: دُفع المهر على الزوج.
وإن جاءت مسلمة ثم ارتدت-: لم ترد إليهم؛ لأنه يجب قتلها، وإن جاء زوجها يطلب مهرها، فإن كان بعد القتل-: لا يجب دفع المهر؛ لأن الحيلولة حصلت بالقتل، وإن كان قبل القتل-: هل يجب دفع المهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن المنع قد حصل بالإسلام.
стр. 3157
والثاني: لا يجب؛ لأنها - الآن- ممنوعة بحكم الردة، وإن جاءت المرأة مسلمة إلى بلد ليس فيها الإمام - نظر:
إن كان الإمام قد شرط أن من جاءني منكم مسلماً، رددته-: لم يجب المهر؛ لأنها لم تأتي الإمام.
ون شرط أن من جاء المسلمين منكم مسلماً-: وجب رد المهر، وكل موضع وجب [لها] المهر-: فيكون من خمس الخمس سهم المصالح، فإن لم يكن في البلد إمامٌ ولا نائبه-: فلا يطالب به غيره.
ولو جاءنا عبد منهم مسلماً مراغماً لمولاه-: فقد عتق؛ لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض؛ فهو ملك بالقهر نفسه؛ فعتق، ولا يجوز رده بحال.
وهل تعطى قيمته؟ نظر:
إن جاء غير سيده في طلبه-: لايعطى، وإن جاء سيده في طلبه-: فعلى قولين؛ كالمهر.
وحكم الأمة غير ذات الزوج كالعبد.
وإن جاءت حرة مسلمة، وزوجها عبدٌ-: جاء في طلب المهر-: لا يعطى؛ لأنه لا ملك للعبد، وإن جاء سيد العبد-: [لا يعطى أيضاً؛ لأن البضع كان للزوج، فلم توجد الحيلولة بينه وبين السيد؛ فإن جاء السيد] والعبد معاً - حينئذٍ: يعطى المهر، ويدفع إلى السيد.
وإن جاءت أمة ذات زوج مسلمة مراغمة-: عتقت، ولا تُرد إليهم، فإن جاء في طلبها غير الزوج والسيد-: لا يعطى شيء، وإن جاءا معاً-: أخذ الزوج المهر، والسيد القيمة، وإن جاء أحدهما-: أخذ حقه.
وإن كان زوجها عبداً-: فلا يُدفع المهر إلا أن يحضر العبد وسيده لطلبه.
وإذا عقد الإمام الهدنة مع قوم-: يجب عليه منع من يقصدهم من المسلمين، وأهل الذمة، ولايجب منع من يقصدهم من أهل الحرب، ولا منع بعضهم من بعض؛ بخلاف أهل الذمة-: يجب منع أهل الحرب عنهم، ومنع بعضهم عن بعض؛ لأن عقد الذمة عقد على حفظهم، فوجب منع من يقصدهم، وعقد الهدنة عقد على تركهم؛ لا على حفظهم؛ فلا يجب منع بعضهم عن بعض.
стр. 3158
وإذا أتلف مسلمٌ أو ذمي على واحدٍ من أهل الهدنة مالاً أو نفساً-: يجب عليه الضمان.
وإن قذفه-: يجب التعزير؛ لأن الهدنة تقتضي الكف عن أنفسهم، وأموالهم وأعراضهم، ومن أتلف منهم مالاً على مسلم-: يجب الضمان، وإن قتله-: يجب القصاص، وإن قذفه-: يجب الحد؛ لأن الهدنة تقتضي الأمان من الجانبين، والله أعلم.
باب نقض العهد
قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
إذا عقد الإمام الهدنة مع قوم إلى مدة-: يجب الوفاء بها إلى انقضاء المدة؛ لقوله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقوله : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ...﴾ إلى قوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
روي عن سليمان بن عامر قال: "كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد-: أغار عليهم، فقال عمرو بن عبسة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان بينه وبين قوم عهدٌ-: فلا يحلن عهداً ولا يشدنه، حتى ينقضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء"؛ قال: فرجع معاوية بالناس.
وإذا مات الإمام الذي عقد الذمة أو الهدنة، وولى غيره - يجب على الثاني إمضاء-: ما فعل الأول، وإذا نقض أهل الذمة، أو أهل الهدنة العهد-: ارتفع عهدهم، وإذا نقض واحد من أهل الذمة العهد، أو بعضهم-: لا يكون نقضاً في حق الباقين.
أما أهل الهدنة؛ إذا نقض واحدٌ منهم أو بعضهم العهد، وعلمه الآخرون، فلم يخالفوهم بقول ولا فعل، ولم يرسلوا إلى الإمام، وآووهم، ومكثوا على ما هم فيه-: ينتقض العهد في حق جميعهم، فإن النبي ﷺ وادع بني قريظة، فقصدوا جيش النبي ﷺ -فآواهم سيد بني قريظة وأعانهم بالسلاح، ولم يخالفه الآخرون، فجعل النبي ﵇ ذلك نقضاً للعهد من الكل، فقتلهم، وسبى ذراريهم ونساءهم إلا ابني سعية: أسيداً، وثعلبة؛ فإنهما فارقاهم وأسلما.
стр. 3159
وكذلك: دخل بنو خزاعة عام الحديبية في عهد النبي ﷺ وبنو بكر في عهد أهل مكة، فعدا بنو بكر على بني خزاعة، وأعانهم ثلاثة نفر من قريش، فجعل النبي ﷺ ذلك نقضاً للعهد في حق الكل بإيوائهم الثلاثة، وقصدهم عام الفتح.
وإن نقض بعضهم العهد، وأنكر الباقون، فاعتزلوهم، أو أرسلوا إلى الإمام بذلك-: ينقض عهد من نقض، ولا ينتقض عهد من أنكر.
وإن كان من لم ينقض مختلطاً بمن نقض-: أمر من لم ينقض بتسليم من نقض، إن قدروا بالتمييز عنهم، فإن لم يفعل هذين مع القدرة: انتقضت هدنتهم؛ لأنهم صاروا مظاهرين لأهل الحرب، والله يقول: ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، فإن لم يقدروا على ذلك-: لم ينتقض عهدهم.
وإن أسر الإمام قوماً منهم، فادعوا أنهم ليسوا ممن نقض العهد، وأشكل على الإمام-: قُبِلَ قولهم؛ لأنه لا يتوصل إلى معرفته إلا من جهتهم، وإن ظهر منهم ما يخاف معه الخيانة-: لا ينتقض به عهدهم، ولكن يجوز للإمام أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لقوله : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
وإن خاف من أهل الذمة خيانة-: لم ينبذ إليهم عهدهم؛ لأن النظر فيعقد الذمة لهم؛ ولهذا: إذا طلبوا عقد الذمة-: وجبت الإجابة؛ فلم ينقض؛ لخوف الخيانة، والنظر فيعقد الهدنة لنا.
وكذلك: إذا طلبوا الهدنة- كان النظر [فيه] على الإمام: فإن رأى عقدها-: عقد؛ وإلا لم يعقد؛ فكان النظر إليه في نقضها عند الخوف؛ وذلك لأن أهل الذمة في قبضته: فإن ظهر منهم خيانة-: أمكنه تداركها، وأهل الهدنة خارجون عن قبضته: فإذا ظهرت خيانتهم-: لم يمكن تدارها، فجاز نقضها بالخوف.
أما إذا لم يظهر منهم ما يخاف معه الخيانة-: لم يجز نقضها؛ لأن الله علق النبذ بخوف الخيانة هـ.
стр. 3160
باب الحكم بين المهادنين
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
إذا تحاكم إلينا ذميان مختلفا الملة-: يجب على حاكمنا أن يحكم بينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يرضى بحكم حاكم صاحبه، كما لو تحاكم إلينا مسلم وذمي-: يجب الحكم بينهما، وإن كان الذميان متفقي الملة-: هل يجب الحكم بينهما؟ فيه قولان قد ذكرناهما في كتاب "النكاح".
وإن تحاكم إلينا معاهدان-: لا يجب أن نحكم بينهما؛ لأنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام.
وقيل: فيه قولان؛ كالذميين.
فإن قلنا: يجب الحكم، أو قلنا لا يجب فاختارا الحكم-: يجب أن يُحكم بحكم الإسلام، لا باعتقادهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
وإذا فعل الذمي ما هو جائز في دينهم غير جائز في دين الإسلام، مثل: شرب الخمر، وأكل الخنزير-: لا نتعرض لهم، إلا أن يظهروا ذلك: منعوا وعزروا، وإذا فعلوا ما حل في دين الإسلام، ولا يحل في دينهم، مثل: أكل الشحوم- لا يمنعون منه.
وكل عقد نقرهم عليه إذا أسلموا: فإذا ترافعوا إلينا-: نقرهم عليه، وما لا نقرهم عليه إذا أسلموا: فإذا ترافعوا إلينا-: نبطله وإذا سرق الذمي مال ذمي أو مسلم أو معاهد-: يُقطع كالمسلم؛ لأنه التزم أحكام الإسلام؛ وكذلك: إذا زنى، يُحد.
ثم إن قلنا: يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم-: يُقام عليه القطع والحد جبراً.
وإن قلنا: لا يجب-: فلا يقام إلا برضاهم، سواء كان المسروق منه مسلماً أو ذمياً
стр. 3161
وإن كان يجب الحكم بين المسلم والذمي بلا خلاف؛ لأن القطع حق الشرع لا حق المسروق منه.
أما المستأمن: إذا زنى-: لا يقام عليه الحد؛ لأنه لم يلتزم أحكام المسلمين، وما يخص حق العباد، كالقصاص، وحد القذف-: يقام عليه.
أما إذا سرق مال مسلم أو ذمي أو معاهد-: هل يقطع؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يُقطع؛ كما لا يحد للزنا.
والثاني: يقطع، لأنه لصيانة المال؛ فيتعلق بحق الآدمي؛ كما يستوفي القصاص؛ لأنه لصيانة النفوس، وحد القذف؛ لأنه لصيانة العرض.
وإذا أتلف مسلم مال ذمي أو معاهد-: يجب عليه الضمان، وإذا أتلفوا هم على مسلم- يجب عليهم الضمان، وإذا أتلف بعضهم على بعض، فترافعوا إلينا، وقلنا: يجب الحكم-: يلزمهم الضمان.
وإذا أراق مسلم أو ذمي خمر ذمي، أو قتل له خنزيراً-: لا يجب الضمان؛ لأنه ليس بمال في دين الإسلام.
وعند أبي حنيفة: يجب الضمان.
وبالاتفاق: لو أتلف ذبيحة موسي-: لا يجب الضمان، وإن كان يعتقده مالاً؛ لأنه في دين الإسلام كالميتة والدم، ولو كسر لهم صليباً- نظر.
إن كانت من ذهب أو فضة-: لا ضمان عليه، وإن كان من خشب، فإن حله-: لا يجب الضمان، وإن كسره - نظر:
إن كان محلوله لا يصلح لشيء مباح-: فلا شيء عليه، وإن كان محلوله يصلح لشيء مباح-: يجب ما بين قيمته محلولاً ومكسوراً.
وكذلك: الطنبور، والمزامير: إن حل أوتارها-: لا شيء عليه، وإن كسرها-: يضمن ما بين قيمتها محلولة ومكسورة، إن كان محلول الأوتار: يصلح لشيء مباح، ويجوز للذمي-: أن يقارض المسلم، ويكره للمسلم أن يقارض الذمي؛ لأنه يتصرف في الخمر والخنزير، وما لا يحل، غير أنه لا يرد.
стр. 3162
ولو كان لمسلم على ذمي ذينٌ، فأداه-: لزم قبوله، إذا لم يعلم أنه ثمن محرم، فإذا علم أنه ثمن محرم؛ من خمر أو خنزير؛ بأن باعه بين يديه-: هل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر؛ لأنه مالٌ في اعتقادهم.
والثاني- وهو الأصح؛ نص عليه-: أنه لا يجوز أن يقبل؛ لأنه حرامٌ في اعتقاد أهل الإسلام.
ولو كان لذمي على ذمي دينٌ، فرهن به خمراً-: لا يتعرض له؛ كما لو باع الخمر: فإذا وضعوها عند مسلم-: لا يجوز للمسلم إمساكها.
ولو كان لمسلم على ذمي دين، فرهن به خمراً-: لا يجوز، وإن شرط وضعها على يدي ذمي، ولو وكل مسلم ذمياً؛ ليشتري له خمراً أو يبيع-: لا يجوز؛ وكذلك: لو وكل ذمي مسلماً.
وعند أبي حنيفة- ﵀: إذا وكل مسلم ذمياً-: يجوز؛ لأن العقد يقع للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل.
ولو اشترى كافرٌ عبداً مسلماً-: هل يصح أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو قوله الجديد-: لا يصح؛ لأن الرق ذُل؛ فلا يجوز إثباته للكافر على المسلم؛ كما لا ينكح الكافر المسلمة.
وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: يصح، ويباع عليه في الحال؛ لأن الاستدلال في الدوام، لا في الابتداء؛ بدليل: أنه يجوز أن يشتري أباه، وإن كان لا يجوز أن يستذله؛ لأنه لا يدوم عليه ملكه.
وبالاتفاق: يرث الكافر العبد المسلم؛ وذلك: أنه إذا كان للكافر عبد كافر، فأسلم العبد-: لا يزول ملكه، ويباع عليه، فلو مات المالك قبل أن يباع عليه-: صار لوارثه، ويباع على الوارث، ولو أوصى للكافر بعبد مسلم، أو وهب له، فقبل-: هل يُملك؟ فعلى قولين؛ كالشراء.
فإن قلنا بقوله الجديد: إنه لا يصح الشراء-: فالتفريع عليه: أنه لو اشترى قريبه المسلم الذي يعتق عليه، أو قال المسلم: أعتق عبدك المسلم عني، فأعتق، أو أقر بحرية عبدٍ مسلمٍ للغير، ثم اشتراه-: هل يصح أم لا؟ فيه وجهان:
стр. 3163
أحدهما: لا؛ لأن فيه إثبات الملك للكافر عليه.
والثاني: يصح؛ لأنه يعتق في الحال؛ فلا يمكنه استذلاله.
ولو اشترى الكافر عبداً مسلماً بشرط الإعتاق-: فهو كما لو اشتراه مطلقاً؛ لأنه لا يزول ملكه بعد الشراء، حتى يزيله بالعتق؛ كما لا يزول عمن اشتراه مطلقاً، حتى يباع عليه.
ولو كان بين مسلم ومشرك عبدٌ مسلمٌ، فأعتق المشرك نصيبه، وهو موسر-: يسري، ويعتق عليه، سواء قلنا: تقع السراية بنفس الإعتاق، أو بأداء القيمة، لأنه يتقوم عيه شرعاً، لأنه باختياره، كالإرث.
ولو وكل كافر مسلماً؛ ليشتري له عبداً مسلماً-: فلا يصح العقد؛ لأن العقد: إما أن يقع للموكل أو ينتقل إليه.
ولو وكل ملم كافراً، ليشتري له عبداً مسلماً: إن قلنا: يقع الملك للموكل-: جاز.
وإن قلنا: يقع للوكيل-: فلا.
ولو اشترى كافر عبداً، فأسلم قبل القبض - هل ينفسخ البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ، كما لا يشتريه ابتداء.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن المانع لم يقترن بالعقد؛ فالحاكم يأمر من يقبض عنه، ويبيع عنه.
ولو اشترى مسلم من كافر عبداً مسلماً أو عبداً كافراً فأسلم عنده، ثم وجد به عيباً-: له الرد بالعيب.
وإن كن قد اشتراه بثوب، فوجد الكافر بالثوب عيباً، فرده-: يجوز.
وهل يسترد العبد؟ فيه وجهان:
أحدهما: تسترد قيمته؛ لأنه ابتداء تملك؛ فلا يجوز، كما لا يشتريه ابتداء.
والثاني: يسترد العبد؛ لأنه ينبني على الملك السابق.
ويجوز للكافر بيع العبد المسلم؛ بشرط الخيار؛ لأن الملك يزول في قول.
وإن قلنا: لا يزول-: فقد عرضه للزوال، ثم إذا اختار الرد-: يجوز، وإذا باع مطلقاً-: ثبت لهم خيار المكان.
ولو اشترى الكافر مصحفاً أو شيئاً من أخبار النبي ﷺ فقد قيل: فيه قولان؛ كشراء العبد المسلم.
стр. 3164
والمذهب: أنه لا يصح قولاً واحداً؛ بخلاف العبد؛ لأن العبد يشتريه للعمل، والمصحف لا يشتريه إلا للاستهانة، وهو لا يعتقد ما فيه؛ ولأن العبد إذا استذله يمكنه الاستغاثة بالمسلمين؛ بخلاف المصحف.
ولو رهن من مشرك عبدا ًمسلماً أو مصحفاً-: فقد قيل: لا يجوز، إذا لم نُجوز البيع.
والمذهب: أنه يجوز مع الكراهية: لأنه لا يملكه؛ فلا يمكنه استذلاله، ويوضع على يدي مسلم عدل.
ولو استأجر كافر مسلماً - نظر:
إن ألزم ذمته عملاً-: جاز؛ لأنه يمكنه تحصيله بغيره، وإن استأجر عينه-: قبل حكمه، وحكم البيع، وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يملك عينه؛ فلا يمكنه أن يستعمله إلا فيما استأجره له.
فإن جوزنا الإجارة: فلو استأجر مسلماً؛ لبناء كنيسة-: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه حرامٌ، وإذا عمل-: لا يستحق الأجرة.
والثاني: يصح، ويستحق الأجرة؛ لأن الكنيسة ما هي إلا بناء يسكنونه؛ كما لو استأجره لبناء دار.
ولو أوصى ذمي ببناء بيعة، أو كنيسة، أو بدهن لسراج البيعة، أو بكتبة التوراة والإنجيل-: لا تصح وصيته؛ لأن كل ذلك حرامٌ، وما في أيديهم من الكتب مبدل، والله أعلم.
تم الجزء السابع، ويليه الجزء الثامن
وأوله: "كتاب الصيد والذبائح"
стр. 3165
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء الثامن
يحتوي على الكتب التالية
الصيد والذبائح- الضحايا- الأطعمة- السبق والرمي- الأيمان
أدب القاضي- الدعوى والبينات- العتق- التدبير- المكاتب
عتق أمهات الأولاد
صول الفحل- السير- الجزية
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
стр. 3166
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصيد والذبائح
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
تحل ذبيحة المسلم العاقل، رجلاً كان أو امرأة، حراً أو عبداً، وكذلك: ما اصطاده بجارحته المعلمة، فقتله، وتحل ذبيحة اليهودي والنصراني؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].
ولا تحل ذبيحة المجوسي والوثني والمرتد، ولا ذبيحة من دخل في دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، أو شككنا أنه دخل فيه بعد النسخ والتبديل أو قبله؛ مثل نصارى بني تغلب.
стр. 3167
أما المتولد بين الكتابي والمجوسي، أو بين الكتابي والوثني- نظر:
إن كان الأب وثنياً أو مجوسياً-: لا تحل ذبيحته، وإن كان الأب كتابياً-: فيه قولان:
أحدهما: تحل؛ لأن النسب إلى الآباء.
والثاني: لا تحل؛ لأنه اجتمع فيه من تحل ذبيحته، ومن لا تحل، فيغلب جانب التحريم؛ كالحيوان المتولد بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم: لا يحل أكله، سواء كان الأب غير مأكول أو الأم.
وعند أبي حنيفة: أي الأبوين كان كتابياً-: تحل ذبيحته.
وتحل ذبيحة الصبي الذي يعقل، وتكره ذكاة الأعمى؛ لأنه ربما يخطئ المذبح، فإن ذبح-: حل، وهل تحل ذبيحة المجنون والسكران؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة-: لا تحل؛ كالنائم: إذا كان بيده سكين، فانقلب على عنق حيوان، فقطعه.
والثاني: تحل؛ لأن لهما قصداً؛ بخلاف النائم: إذا كان بيده سكين، ولم يفقد في حقهما إلا العلم؛ وذلك لا يوجب التحريم؛ كما لو قطع عنق شاة يظنها خشبة لينة، فإن كان للمجنون أدنى تمييز، وللسكران قصد-: يحل.
أما الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة-: حلت ذبيحته؛ وإلا فكالمجنون.
стр. 3168
ويستحب أن يسمي الله على الذبيحة؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨].
فلو ترك التسمية عامداً أو ناسياً-: تحل؛ روي ذلك عن ابن عباس؛ وهو قول مالك.
стр. 3169
وقال الشعبي، وابن سيرين؛ لا تحل؛ سواء تركها ناسياً أو عامداً.
وقال الثوري وأبو حنيفة: إن تركها عامداً-: لا تحل، وإن تركها ناسياً-: تحل؛ واحتج بقوله : ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] والمراد من الآية عند من يشترطها: أن يذكر عليه اسم غير الله؛ بدليل أنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
والفسق في ذكر اسم غير الله، لا في ترك ذكر اسم الله؛ كما قال في آخر السورة: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
يدل على أن الناسي غير ذاكر، وحلت ذبيحته.
والدليل على أن ترك التسمية لا تحرم الذبيحة: ما روي عن عائشة- ﵂ قالت: "قالوا لرسول الله- ﷺ "إن هنا أقواماً حديث عهدهم بشرك، يأتوننا بلحمان لا ندري: يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: "اذكروا أنتم اسم الله؛ وكلوا".
ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة-: كان الشك في وجودها مانعاً من أكلها؛ كالشك في أصل الذبح ويجوز الذبح بكل محدد يجرح من حديد، أو نحاس أو صفر، أو حجر، أو
стр. 3170
زجاج، أو قصب، أو خشب، إلا العظم؛ فإنه لو ذبح به-: لا يحل؛ لما روزي عن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله: إنا لاقو العدو غداً، وليس معنا مدى؟ فقال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه-: فكل ليس السن والظفر، وسأحدثك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبسش".
ولا فرق بين أن يكون العظم عظم آدمي، أو عظم حيوان آخر متصلاً به أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: إن كان منفصلاً-: يحل.
والذكاة قسمان.
ذكاة المقدور عليه، وذكاة غير المقدور عليه.
أما ذكاة المقدور عليه: فذكاته تكون بقطع الحلق واللبة، سواء كان الحيوان إنسياً توحش أو وحشياً استأنس، ولا يحصل إلا بقطع الحلقوم، والمريء، ويستحب قطع الودجين؛ لأنه أوحى للذبيحة.
فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمريء-: أجر؛ لأن الحلقوم مخرج النفس، والمرئ مجرى الطعام، ولا تبقى الروح بعد قطعهما.
أما الودجان: فهما عرقان على صفحتي العنق؛ فلا يشترط قطعهما؛ لأنهما يسلان
стр. 3171
من الحيوان، ويعيش، فلو ترك شيئاً من المريء أو الحلقوم، لم يقطعه-: لم يحل.
وعند أصحاب الرأي: إذا قطع الأكثر-: حل، ثم هم مختلفون في الأكثر.
стр. 3172
قال أبو حنيفة: يجب أن يقطع ثلاثاً من الأربع، وهن: الحلقوم، والمريء والودجان.
وقال أبو يوسف: يجب أن يقطع المرئ والحلقوم، وإحدى الودجين.
وقال محمد بن الحسن: إذا قطع الأكثر من كل واحد-: حل، فلو ذبحه، من جانب قفاه-: يعصي، ثم ينظر:
إن أصاب السكين مريئه وحلقومه، وفيه حياة مستقرة-: حل، وإن لم يبق فيه إلا حركة المذبوح-: ولم تحل؛ وكذلك: لو أدخل السكين في أذن الثعلب؛ ليقطع حلقه في باطن الجلد: فإن أصاب السكين حلقه، والحياة فيه مستقرة، فقطه-: حل؛ وإلا فلا يحل.
والسنة في الإبل: النحر، وهو: قطع اللبة أسفل العنق، وفي البقر والغنم: الذبح، وهو: قطع الحلق أعلى العنق؛ لأن عنق البعير طويل، فإذا قطع فيه أعلى العنق-: يتباطأ خروج روحه.
فلو أنه ذبح الإبل، ونحر البقر والغنم-: جاز.
وقال مالك: لو ذبح البعير، أو نحر الشاة-: لا يحل، وفي البقر: يتخير بينهما.
أما غير المقدور عليه: كالصيد الممتنع: فجميع بدنه مذبح، إذا رمى إليه، أو أرسل كلباً عليه، فأي موضع من بدنه أصاب، ومات-: حل أكله، وكذلك الإنسي إذا توحش، بأن ند بعير، أو شاة، فلم يقدر عليها فرمى إليها، وقتلها، أو أرسل عليها كلباً، حتى قتلها-: حلت.
وقال مالك- ﵀: الإنسي إذا توحش-: فلا يحل إلا بقطع الحلقوم.
والدليل عليه: ما روي عن رافع بن خديج قال: "أصبنا نهب إبل وغنم، فند منها بعير، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله- ﷺ : "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا".
وكذلك: لو وقع بعير في بئر منكوساً، فلم يمكنه قطع حلقه، فطعن في خاصرته، أو في شيء من بدنه، فجرحه، فمات-: حل.
стр. 3173
والآلة التي يصطاد بها قسمان:
أحدهما: الآلات المحددة من السهام، وغيرها.
والثاني: الجوارح من السباع من الفهد، والكلب وغيرهما، ومن الطيور كالبازي، والصقر، وغيرهما.
أما الأول: إذا رمى إلى صيد بشيء محدد سوى العظم من سهم أو رمح، أو سكين، أو خشب محدد الطرف، أو مروة محددة فأصابه وجرحه بحده، فمات-: حل أكله.
ولو رمى إليه بسهم لا نصل له، ولا رأسه محددة، قذفه فقتله، أو كان فيه نصل، ولكن أصابه ثقله [بحرفه]، أو أصابه النصل، ولم يجرحه، فمات-: لا يحل، كما لو رمى إليه بندقة، فقتله.
روي عن عدي بن حاتم الطائي قال: سألت رسول الله ﷺ : عن صيد المعراض؟ فقال: "إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل؛ فإنه وقيذ.
وكذلك: لو نصب أحبولة، وفيها حديدة، فوقع فيها صيد، فجرحته الحديدة، فقتلته-: لا يحل؛ لأنه مات بغير فعل من أحد، إنما هو تسبييب، ولا تحل الذبيحة بالقتل بالتسبيب.
وكذلك: لو كان رأس الحبل بيده، فتعلق به الصيد فجره فمات-: لم يحل، ولو كان الصيد يعدو، وبيده محدد، فضربه-: يحل.
أما الجوارح من السباع: إذا كانت معلمة، وأشلاه صاحبه على صيد، فأخذ الصيد، وجرحه بسنه أو مخلبه أو ظفره، فقتله-: حل أكله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] وإن لم تجرحه الجارحة، فقتلته بالضغطة-: هل يحل؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحل؛ كما لو مات بثقل السهم، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يحل؛ بخلاف السهم؛ لأن تعلم الرماية وتحديد نصل السهم إليه، وليس إليه تعليم الجارحة الجرح؛ فسقط حكمه.
стр. 3174
ولو أرسل كلباً، وفي عنقه قلادة محددة، فجرحه بها-: حل؛ كما لو أرسل سهماً وكلباً، فأصاباه.
أما الجارحة غير المعلمة؟ إذا أخذ صيداً، وقتله-: لا يكون حلالاً وإن خرجت بإرسال صاحبها، وكذلك المعلمة: إذا خرجت من غير إرسال، فقتلته-: لا يكون حلالاً.
والتعلم: أن توجد فيه ثلاث شرائط: إذا أشلى استشلى، وإذا زجر انزجر، وإذا أخذ الصيد أمسك ولم يأكل.
وشرطه: أن توجد هذه المعاني فيه مكرراً، يغلب على القلب، أنه صار معلماً، وأقله ثلاث مرات، فإذا فعل ثلاث مرات، وغلب على القلب تعلمه؛ فما قتل في الرابعة تكون حلالاً، فإذا استقر تعلمه، وأحللنا صيده، فأكل بعد ذلك من صيد-: هل يحل أكل ذلك الصيد؟ نظر:
إن شرب دمه-: يحل ولا يبطل به تعلمه؛ لأنه لم يتناول ما هو المقصود من الصيد، وإن أكل اللحم-: ففيه قولان:
أصحهما-: وهو قول أكثر أهل العلم-: لا يحل؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وهذا لم يمسكه علينا.
وروي عن عدي بن حاتم عن النبي- ﷺ قال: "إذا أرسلت كلبك، وسميت، فامسك، وقتل-: فكل وإن أكل فلا تأكل؛ فإنما أمسك على نفسه"، ولأن عدم الأكل شرط الإباحة في الابتداء، كذلك في الاستدامة؛ كالإرسال من صاحبه، ولأن ترك الأكل دليل التعليم، فإذا أكل بان أنه نسي التعليم.
стр. 3175
والثاني: يحل، لما روي عن أبي ثعلبة الخشني؛ أن النبي- ﷺ قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله-: فكل. قال: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، قال: وإن أكل قال: وإن أكل" ولأن أكله يحتمل أن يكون لفرط جوع، أو لتغيظ على الصيد، فلا يحمل على نسيان التعلم، والأصل: بقاؤه على التعليم.
فإن قلنا: لا يحل أكله-: فلا يحرم ما اصطاده.
وعند أبي حنيفة: يحرم.
أما إذا أكل الحشوة-: فهل يحرم؟:
قيل: فيه قولان؛ كاللحم.
وقيل: لا يحرم؛ لأنه لم يأكل من المقصود، إنما أكل مما يلقى إليه؛ كما لو شرب الدم.
أما جارحة الطير المعلمة إذا أكلت-: هل يحرم؟ ترتب على جارحة السباع: إن قلنا
стр. 3176
ثم: لا يحرم-: [فههنا: أولى؛ وإلا فقولان:
أحدهما: يحرم] كذلك.
والثاني- وهو اختيار المزني- ﵀: لا يحرم؛ لأن جارحة الطير تعلم بالطعم إذ لا يمكن ضربها، وجارحة السباع تعلم بترك الطعم، وتضرب عليه، فإذا أكل ترك ما هو شرط التعليم.
ومن قال بالأول-: اجاب بأن الطائر يعلم بطعم يطعمه صاحبه، حتى لا يطعم ما يأخذه بنفسه:
فإن قلنا: يحرم ما أكل منه-: فيحتاج إلى استئناف التعليم، وإن قلنا: لا يحرم: فإن تكرر ذلك؛ بأن أخذ ثانياً وأكل-: فالثاني حرام [بالاتفاق]، وهل يحرم الأول؟ فيه وجهان.
وكذلك: لو لم يأكل من الثاني، وأكل من الثالث-: يحرم الثالث، وهل يحرم الثاني؟ فيه وجهان.
وإذا عض الكلب الصيد-: فما عض الكلب من اللحم نجس، وهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يطهر إذا غسله سبعاً إحداهن بالتراب؛ كالإناء إذا نجس بالولوغ.
والثاني: لا يطهر، بل يطرح ذلك الموضع؛ لأنه تشرب بلعابه؛ فلا يتخلله الماء.
وكل ما لا تحل ذبحيته: فإذا أرسل سهماً، أو جارحة على صيد، فقتله-: لا يكون حلالاً.
ولو رمى مسلم ومجوسي سهماً، أو أرسلا كلباً معاً، فقتل الصيد-: لا يحل؛ لأنه اشترك فيه من تحل ذبيحته ومن لا تحل؛ كما لو وضع مسلم ومجوسي سكيناً على عنق شاة، فأبانا رأسه-: لا يحل.
ولو أرسلا سهمين، أو كلبين، أو طائرين- نظر:
إن أصابته جارحة المسلم دون المجوسي-: حل، وإن أصابته جارحة المجوسي [دون المسلم]-: لم تحل، وإن أصابا جميعاً-: نظر:
стр. 3177
إن أصابا جميعاً المذبح، أو أصابا غير المذبح-: لا يحل؛ لوقوع الاشتراك في الذبح.
وكذلك: لو أرسل كلباً، وخرج كلب آخر معه من غير إرسال، فأصاباه-: لا يحل، وإن أصاب أحدهما المذبح- نظر:
إن أصاب جارحة المسلم المذبح-: حل وجرح المجوسي بعده لا يضر؛ لأن الذبح بالأول قد تم؛ كما لو ذبح مسلم شاة، ثم قده مجوسي-: لا يحرم.
وإن أصاب جارحة المجوسي المذبح-: لا تحل، وكذلك: لو لم يدر أي الجارحتين أصابت المذبح-: لا تحل؛ تغليباً لجهة التحريم.
ولو حبس كلب المجوسي الصيد، حتى أخذ كلب المسلم، فقتله-: حل؛ لأن القتل حصل من كلب المسلم.
ولو اصطاد مسلم بكلب مجوسي-: حل، ولو اصطاد مجوسي بكلب مسلم-: لا يحل؛ لأن الاعتبار بالمرسل؛ فإنه الصياد والذابح.
ولو أرسل سهماً أو كلباً على صيد، فأصابه، فغاب عنه، ثم وجده ميتاً- نظر:
إن أصابت الجارحة مذبحه-: حل؛ لأن الذبح قد حصل قبل الغيبة، وإن لم يصب مذبحه- نظر:
إن وجده في ماء، أو وجد فيه سهم غيره، أو جراحة غير جراحته-: لم يحل.
وإن لم يكن عليه إلا أثر جرحه-: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان:
أصحهما: يحل، لما روي عن أبي ثعلبة، عن النبي- ﷺ قال: "إذا رميت سهمك، فغاب عنك، فأدركته-: فكل ما لم ينتن.
وعن أبي ثعلبة، عن النبي- ﷺ في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: "فكله ما لم ينتن.
стр. 3178
وعن عدي بن حاتم، عن النبي- ﷺ بمعناه، وقال: "كله إلا أن تجده وقع في ماء".
والقول الثاني: لا يحل؛ وهو قول ابن عباس، قال: "كل ما أصميت، ودع ما أنميت" ما أصميت: ما قتلته، وأنت تراه، وما أنميت: ما غاب عنك مقتله.
ومن أصحابنا من قال: يحل قولاً واحداً؛ لأن الشافعي- ﵁ قد قال: لا يحل إلا أن يكون خبر، وقد ثبت الخبر أنه أمر بأكله.
وعند أبي حنيفة أنه إذا اقتفى أثره في الحال، ولم يشغل بشيء آخر، فوجده ميتاً-: حل؛ وإلا فلا.
أما إذا اتبعه، ولم يغب عن بصره، حتى مات-: حل قولاً واحداً.
ولو أرسل سهماً أو كلباً على صيد، فأصابه، وأدركه صاحبه حياً- نظر:
إن أدركه، والحياة فيه غير مستقرة؛ بأن صار إلى عيش المذبوح، وتركه حتى مات-: حل.
ويستحب: أن يمر السكين على حلقه، فيذبحه.
وإن كانت الحياة فيه مستقرة-: يجب أن يذبحه، فإن انشغل بذبحه [من أخذ الآلة، وسل السكين، ونحوه، فقبل إن أمكنه مات-: حل، وإن لم يذبحه] مع الإمكان، أو اشتغل بطلب سكين أو بتحديده، أو تعلق سكينه بالغمد، فمات-: لم يحل.
والإسراع ليس بشرط؛ ليدركه حياً حتى لو كان يمشي على هينته، فأدركه ميتاً-: حل، وإن كان لو أسرع أدركه حياً.
ولو رمى سهماً إلى هدف أو إلى ذئب أو خنزير، أو رمى على التبخيت، فأصاب صيداً-: لم يحل، سواء كان يرى الصيد أو لا يراه، لأنه لم يقصد الصيد، وكذلك في إرسال الكلب.
وقيل: إذا رمى سهماً على التبخيت، فأصاب صيداً، وهو لا يرى] صيداً-: يحل؛ بخلاف الكلب؛ قاله أبو إسحاق؛ كما لو قطع عنق شاة ظنها خشبة لينة.
وكذلك: لو كان في يده سكين، فوقعت على حلق شاة، فقتله-: حل؛ على قول أبي إسحاق.
والأول المذهب: أنه لا يحل.
стр. 3179
ولو رمى إلى صيد يراه، فأصاب غيره، فقتله: إن كان يرى الثاني حالة الإرسال-: حل.
وقال مالك: لا يحل.
وبالاتفاق: لو أرسل سهماً، أو كلباً على جماعة من الظباء، أو الطيور، ولم يعين واحداً منها، فأصاب واحداً-: حل؛ لأنه رأى الصيد وقصده.
وكذلك: لو أرسل كلباً على صيد معين، فأخذ غيره، وهو يراه، وقتله-: حل؛ كما في الرمي بالسهم.
وقيل في الكلب، إذا أخذ صيداً آخر: لا يحل؛ لأن للكلب فيه اختيارً، فلعله أخذ ذلك الصيد باختياره لا بقصد صاحبه.
والأول أصح.
هذا إذا كان الصيد الذي أخذه في الجهة التي أرسله صاحبه فيها، فإن عدل إلى جهة أخرى، فأخذ صيداً غيره-: ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يحل؛ لأنه عدل عن جهة الإرسال باختياره، فصار كما لو استرسل بنفسه.
والثاني: يحل؛ لأن الكلب لا يمكن منعه عن العدول في طلب الصيد.
أما إذا أرسل سهماً أو كلباً على صيد يراه، فأصاب صيداً آخر لا يراه المرسل حالة الإرسال-: هل يحل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأنه قصد صيداً يراه.
والثاني: لا يحل؛ لأن الذي أصابه كان لا يراه؛ كما لو رمى سهماً، وهو لا يرى صيدا، فأصاب صيداً-: لا يحل.
ولو رمى إلى صيد يراه، فحاد السهم عن سنن الصيد، وردته الريح، فأصابه، أو كان الرمي ضعيفاً لا يبلغ الصيد، فقوته الريح، وبلغته-: حل لأنه لا يمكن حفظ الرمي عن الريح، فعفى عنه.
وكذلك لو أصاب السهم حجراً، فنبا عنه، وأصاب الصيد، أو أصاب شجراً، فقطعه، ونفذ منه إلى الصيد، أو أصاب الأرض، فازدلف، فأصاب الصيد-: حل.
стр. 3180
وكذلك: لو كان يرى صيدين، فرمى إلى أحدهما، فأصابه، ونفذ منه إلى الثاني، أو أرسل كلباً على صيد، فأخذه، ثم تبع آخر، فقتله-: حلاً جميعاً.
وإن كان لا يرى الثاني-: هل يحل الثاني؟ فيه وجهان.
ولو أن الأعمى دله بصير، وقال: من هذا الجانب صيد فارم إليه، فرمى فأصابه:
المذهب: أنه لا يحل؛ لأنه لا يرى الصيد؛ فلا يتحقق قصده؛ كما لو رمى في ظلمة الليل إلى جانب، على ظن أن فيه صيداً، فأصاب صيداً.
وقيل: يحل في الأعمى؛ لأنه فعله بدلالة بصير؛ كما لو دله على القبلة.
والأول المذهب؛ بخلاف القبلة؛ لأن التوجه إلى القبلة يسقط عنه بالأعذار، وعند الاشتباه: يجوز له الاجتهاد، وتصح صلاته، وإن لم يتيقن القبلة؛ بخلاف الصيد.
ولو رمى إلى شخص ظنه حجراً، أو ربوة، فأصابه، فإذا هو صيد المذهب؛ أنه يحل؛ نص عليه؛ كما لو أخطأ بشاة فذبحها لا يريدها؛ بأن كانت له شاتان: هزيلة وسمينة، ظن أنه يذبح السمينة، فإذا هي الهزيلة-: حل.
وقيل: لا يحل؛ لأنه لم يقصد الصيد.
والأول المذهب.
وكذلك: لو قطع عنق شاة ظنها خشبة لينة، أو وضع سكيناً على موضع يحسبه جداراً، فإذا هو حلق شاة-: [يحل].
وكذلك: لو رمى إلى حيوان ظنه خنزيراً، أو حيواناً، غير مأكول، فأصابه، فإذا هو صيد مأكول.
أما إذا أرسل كلباً على شخص ظنه حجراً أو خنزيراً، فبان صيداً-: ففيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ كما في رمي السهم، وهو الصحيح.
والثاني: لا يحل؛ بخلاف السهم؛ لأن للكلب اختياراً.
أما إذا أرسل على شخص يظنه حجراً أو خنزيراً، فلم يصبه، وأصاب صيداً آخر، وبان أن الذي قصده صيد-: هل يحل هذا الثاني؟
أما في إرسال الكلب-: فلا يحل، وفي السهم وجهان:
الأصح: لا يحل؛ لأنه لم يصب ما قصده، وهو لم يقصد بإرساله الصيد.
стр. 3181
قال الشيخ- ﵀: ولو رمى إلى شخص ظنه صيداً، فأصاب السهم صيداً، وبان أن المرمى إليه حجر أو خنزير: إن اعتبرنا الظن في المسألة الأولى حتى قلنا: لا يحل-: فههنا: يحل؛ لأنه ظنه صيداً، وإن اعتبرنا الحقيقة-: فلا يحل.
ولو وقع بعيران في بئر، أحدهما فوق الآخر، فطعن في الأول، ومات الثاني بثقله-: حل الأول، ولم يحل الثاني.
ولو نفذ الطعنة إلى الثاني- نظر:
إن كان عالماً به-: حلاً جميعاً، وإن كان جاهلاً-: فوجهان:
الأصح: يحل.
ولو قصدته دابة، فرمى إليها، فقتلها-: هل تحل؟ فيه وجهان؛ كما لو ظنه ربوة، فبان صيداً، ولو جرح الكلب من غير إرسال صاحبه، فزجره صاحبه، فانزجر، ثم أشلاه، فخرج وأخذ الصيد، وقتله-: حل.
وإن لم يزجره، أو زجره، فلم ينزجر، فأشلاه- نظر.
إن لم يزد حمواً بإشلائه-: فلا يحل ما قتله.
وإن زاد حمواً-: ففيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأنه أحد فعلاً غير الأول؛ فانقطع حكم الأول.
والثاني: لا يحل؛ لأنه وقع الاشتراك من استرساله بنفسه وبين إرسال مالكه؛ كما لو اشترك مسلم ومجوسي في الإرسال.
وعلى هذا: لو أرسل مجوسي كلباً، ثم أشلاه مسلم: إن لم يزدحموا-: لا يحل، وإن زاد حمواً-: فعلى وجهين:
أحدهما: يحل، ويتقطع حكم الأول.
والثاني: لا يحل؛ للاشتراك.
ولو أرسل مسلم كلباً، ثم أشلاه مجوسي: إن لم يزدحموا-: حل، وإن زاد-: فلا يحل؛ لأن زيادة الحمو: إما أن تقطع حكم الأول، أو توقع الاشتراك، وأيهما كان-: فلا يحل.
ولو رمى إلى صيد، فقده بنصفين-: يحل الكل، سواء كان أحد النصفين أكثر أو كانا سواء.
стр. 3182
وقال أبو حنيفة- ﵀: إن كانا سواءً-: حل الكل، وإن كان أحد النصفين أكثر-: قال: إن كان الرأس مع الأصغر-: حل الكل، وإن كان مع الأكبر-: حل الأكبر، ولا يحل الأصغر.
ولو رمى إليه فأبان عضواً منه من يد أو رجل أو أذن- نظر:
إن مات في الحال-: حل الكل، وإن بقي حياً بعد إبانة العضو- نظر.
إن أدركه حياً، فذبحه، أو رماه ثانياً، فمات بعد الرمية الثانية-: حل الأصل، ولا يحل العضو المبان.
وإن مات بعد ساعة قبل أن يتمكن من ذبحه بتلك الرمية-: يحل الأصل، وهل يحل العضو المبان؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأن هذا الجرح ذبح للأصل فكذلك العضو.
والثاني: لا يحل؛ لأنه عضو بين من حي؛ كما لو قطع آلية شاة، ثم ذبحها: لا تحل الآلية.
ولو رمى إلى صيد في الهواء، فسقط على الأرض، ومات-: حل، سواء مات في الهواء، أو مات بعدما أصاب الأرض، أو لم يدر أنه مات في جرحه، أو من إصابة الأرض، لأن الوقوع من ضرورته.
ولو وقع في ماء أو على شيء محدد من قصب، أو حجر، أو سكين-: لم يحل؛ لأنه لم يدر أنه مات من رميه، أو مما وقع عليه.
ولو وقع على سطح أو جبل أو شجر- نظر:
إن ثبت عليه-: حل، وإن وقع عليه، ثم سقط منه على الأرض-: لم يحل؛ لأنه يشبه المتردية.
وكذلك: لو رمى إلى طير واقع على شجر، فأصابه، فسقط على الأرض دفعة واحدة-: حل.
وإن سقط على غصن آخر، ثم منه على الأرض-: لم يحل.
وإن وقع [من الهواء] في بئر: فإن لم يكن فيها ماء-: حل؛ لأن قعر البئر أرضه، وإن كان فيها ماء-: لم يحل، وإن رمى إليه على الأرض، فأصابه السهم فاستن قليلاً-: حل ولو رمى إلى طير الماء- نظر:
стр. 3183
إن كان على وجه الماء، فأصابه فمات-: حل؛ لأن الماء أرضه، وإن كان خارج الماء، فطار في الماء [بعد ما أصابه السهم-: لم يحل.
وإن كان يطير في هواء البحر، فوقع في الماء] نظر:
إن كان الرامي في البر-: لم يحل، وإغن كان في السفينة في البحر-: حل. هذا كله، إذا لم يصب السهم مذبحه.
فأما إذا أصاب مذبحه-: حل بكل حال، سواء وقع في الماء أو على جبل، فتدحرج منه؛ لأن الذبح قد حصل بإصابة المذبح.
ولو جرح السبع صيداً، أو شق بطن شاة، أو هرة جرحت حمامة، فأدركها صاحبها [حية] فذبحها-: نظر:
إن لم تكن الحياة فيها مستقرة بأن صارت إلى حالة المذبوح بجرح السبع-: لا يحل، وإن كانت الحياة فيها مستقرة: فإن كان يتحقق أنه يموت من تلك الجراحة: فإذا ذبحها: حلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وهذا بخلاف الشاة، إذا مرضت، ف صارت إلى أدنى الرمق، فذبحت-: حلت؛ لأنه لم يوجد سبب: يحال بالقتل عليه.
ولو أكلت الشاة الشث، فصارت به إلى أدنى الرمق، بحيث لا تكون الحياة فيها مستقرة، فذبحت-: ذكر شيخي- ﵀: فيه وجهين:
ثم قطع في كرة أنه لا يحل؛ لأنا وجدنا شيئاً نحيل بالموت عليه؛ كما لو صار إلى هذه الحالة بجرح السبع.
ولو ذبح حيوان مأكول، فخرج من بطنها جنين ميت-: حل أكل ذلك الجنين، أشعر أو لم يشعر، وكذلك: لو كان فيه أدنى حياة، ومات في الحال، لما روي عن أبي سعيد قال: "قلنا: يا رسول الله، إنا ننحر الإبل، ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كلوه، إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه" وهذا قول جماعة من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يحل أكل الجنين، إلا أن يخرج حياً، فيذبح.
стр. 3184
أما إذا خرج الجنين حياً والحياة فيه مستقرة-: فلا يحل إلا بالذبح، ولو خرج بعض الجنين ميتاً، فذبحت الأم قبل انفصال الجنين-: حل الجنين، وإن خرج رأسه، والحياة فيه مستقرة-: فلا يحل بذبح الأم؛ لأنه مقدور على ذبحه.
وقال الشيخ القفال: يحل؛ لأن خروج بعض الولد كعدم الخروج؛ بدليل أن عدة الحامل لا تنقضي بخروج بعض الولد.
فصل: فيما يملك به الصيد
إذا أخذ صيداً بيده، أو نصب شبكة، فتعلق بها صيد، أو أرسل عليه كلباً، فأخذه-: ملكه، وكذلك: لو رمى إليه، فأزمنه بأن كانت دابة أعجزها عن العدو، أو كان طائراً أعجزه عن الطيران، وعن العدو-: ملكه، فإن كان بعد إذهاب طيرانه، يفوت بعدوه-: لا يملكه، حتى لو دخل دار إنسان، فأخذه مالك الدار-: كان لمالك الدار، فإن فوت شدة عدوه، بحيث لا يفوته-: ملكه.
والقصد لا يعتبر في تملك الصيد، حتى لو أخذ صيداً؛ لينظر إليه-: ملكه.
قال الشيخ- ﵀: هذا إذا أخذ بيده، أما إذا وقع في ملكه-: فلا بد من قصد، حتى لو وقع صيد في ملكه- لا يملكه، فإن رد الباب؛ لكيلا يخرج-: ملكه.
ولو حفر حفرة لا للصيد، فوقع فيها صيد-: لا يملكه، فإن حفر للصيد-: يملك.
ولو كان له حوض على شط نهر، فدخله السمك: فإن كان الحوض صغيراً لا يمكنه العود إلى النهر-: فقد ملكه.
وإن كان يمكنه العود، أو كان الماء جارياً يمكنه الخروج-: لا يملك.
فإن أرسل فيه شبكة، حتى يخرج الماء، ويبقى السمك-: يملك.
قال الشيخ- ﵀: إن كان الحوض صغيراً؛ إنما يملك، إذا كان اتخذه لاصطياد السمك، فإن لم يتخذه لذلك-: فلا يملك؛ كما لو أفرخ طائر في ملكه-: لا يملك الفرخ، فإن أخذه ورده إلى مكانه- ملكه.
وقيل يملكه قبل الأخذ.
وكذلك السمك يدخل حوضه.
ولو اصطاد سمكة، فوجد في بطنها درة غير مثقوبة-: فهي له؛ لأنها طعامه، فإن
стр. 3185
كانت مثقوبة-: فهي لقطة، ولو اشترى سمكة، فوجد في بطنها درة غير مثقوبة]-: فهي للمشتري، وإن كانت مثقوبة-: فللبائع إن ادعاها.
ولو اخذ صيداً، فأفلت من يده-: لا يزول ملكه، وكل من أخذه-: عليه رده.
وعند مالك: يحل لكل من أخذه.
ولو خلاه مالكه-: هل يزول ملكه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يزول؛ كما لو أعتق عبده.
والثاني- وهو الأصح-: لا يزول ملكه كما لو كانت له بهيمة فسيبها، ولا يجوز أن يفعل ذلك؛ لأنه يشبه السائبة التي كان أهل الجاهلية يفعلونها، فحرمها الله، .
فلو أرسل الصيد، وقال: أبحت لكل من أخذه حل [أكله] لكل من أخذه، وإن لم يقله-: فلا يحل.
ولو انتقلت حمامة من برج مالكها إلى برج آخر-: لا يملكها المنتقل إليه، فإن كان ذكر أو سفد-: فالبيضة والفرج لمالك الأنثى، فإن اختلطت بحمامة-: حمامة له أن يأكل منها بالاجتهاد واحدة واحدة، حتى يبقى واحدة، كما لو اختلطت تمرة للغير بتمره.
ولو غصب رجل سهماً، فاصطاد به: كان الصيد للغاصب.
وكذلك: لو غصب شبكة، فنصبها، فتعلق بها صيد-: كان للغاصب، وعليه أجر مثل السهم، والشبكة للمالك.
ولو غصب كلباً أو جارحة، واصطاد بها-: فالصيد لمن يكون؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون للغاصب؛ كالسهم يصطاد به.
والثاني: يكون للمالك؛ لأن للجارحة اختياراً؛ كما لو غصب عبداً صغيراً، أو أعجمياً، فاحتطب أو احتش بأمره-: كان للمالك العبد.
فإن قلنا: الصيد للغاصب-: فعليه أجر مثل الجارحة، وإن كان كلباً-: فعلى وجهين؛ بناءً على جواز إجارته.
وإن قلنا: الصيد للمالك-: فهل يجب على الغاصب أجر مثل الجارحة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النفع عاد إليه.
والثاني: يجب؛ لأنه استعمل ملك الغير بغير إذنه؛ كما لو غصب عبداً، فاحتطب-:
стр. 3186
كان للمالك، وعلى الغاصب أجر مثله.
وقيل: في العبد لا يجب أجر المثل، إذا دفعنا كسبه إليه.
وعلى هذا: لو غصب مسلم جارحة مجوسي، فاصطاد بها-: كان حلالاً، وحكم الصيد على ما ذكرنا، وإن غصب مجوسي جارحة مسلم، فاصطاد بها-: فالصيد حرام.
ثم إن قلنا: الصيد للغاصب-: يجب على المجوسي أجر مثل الجارحة.
وإن قلنا: للمالك-: فيجب على المجوسي قيمة الصيد للمالك؛ لأنه صار ميتاً بفعله، وهل يجب أجر المثل؟ فيه وجهان.
فصل: فيما لو رمى إلى صيد فأزمنه
إذا رمى إلى صيد فأزمنه، ثم رمى إليه ثانياً، فأصابه-: نظر:
إن أصاب الثاني مذبحه-: كان حلالاً، وإن أصاب الثاني غير مذبحه، فقتله-: فهو حرام؛ لأنه صار مقدوراً على ذبحه بالإزمان، فتكون ذكاته بقطع الحلق واللبة.
ولو رمى رجل إلى صيد، فأزمنه، ثم رمى إليه رجل آخر- نظر:
إن أصاب الثاني مذبحه-: فالصيد حلال، وهو للأول؛ لأنه ملكه بالإزمان، ويجب على الثاني للأول ما بين قيمته مزمناً ومذبوحاً، وإن لم يصب الثاني مذبحه، لكن أجهز قتله-: فالصيد حرام وعلى الثاني للأول قيمته مزمناً، وإن لم يجهر الثاني قتله، بل جرحه، وتعاونت الجراحتان على الموت-: فالصيد حرام، وماذا يجب على الثاني للأول؟ فيه طريقان:
أحدهما: حكمه حكم ما لو جرح رجل عبده أو حماره، ثم جاء رجل آخر فجرحه، فمات منهما، لأن جراحة السيد غير مضمونة، وجراحة الأجنبي مضمونة؛ كما أن ههنا جرح الأول غير مضمون، وجرح الثاني مضمون، ونذكر أولاً حكم أجنبيين جرحاً عبد إنسان، أو دابة إنسان؛ فمات بسرايتهما، ماذا يجب على كل واحد منهما؟ [فههنا: يسقط أحدهما، ونوجب على الثاني ما أوجبنا على الآخر، فنقول: إذا جرح أجنبيان عبد إنسان أو دابته؛ فمات منهما، ماذا يجب على كل واحد [منهما] فيه خمسة أوجه:
أحدها: وهو قول المزني: يجب على كل واحد] أرش جراحته، ثم ما بقي من قيمته مجروحاً جرحين: ينصف بينهما، مثل: إن كانت قيمته عشرة دنانير: ينقص بجراحة
стр. 3187
كل واحد دينار، يجب على كل واحد دينار، بقي ثمانية؛ يجب على كل واحد أربعة.
وإن كان أرش جراحة أحدهما دينارً، وأرش جراحة الآخر ثلاثة-: فعلى هذا دينار، وعلى ذلك ثلاثة؛ بقي سنة؛ فعلى كل واحد ثلاثة.
ففي الصيد قيمته عشرة دراهم؛ عادت بجرح الأول إلى تسعة، وبجرح الثاني إلى ثمانية، فعلى الثاني خمسة دراهم: درهم لأرش الجراحة، وأربعة أخرى نصف قيمته مجروحاً جرحين، ويدخل على هذا أنا أوجبنا على الثاني مثل ما أوجبنا على الأول، وجراحة الثاني صادفت عبداً مجروحاً ناقصاً؛ ولأن فيه إفراد أرش الجراحة عن بدل النفس بعدما صارت الجراحة نفساً.
والوجه الثاني- وهو قول صاحب "التقريب"-: أن على الأول أرش جراحته، ثم ما بقي من قيمته ينصف بينهما.
بيانه: أرش جراحة الأول دينار؛ بقي من قيمته تسعة؛ ينصف بينهما؛ فعلى الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف.
وإنما لم نفرد أرش جناية الثاني؛ لأن الأول بعد أرش جنايته: بقيت سراية جنايته، فقابل جرح الثاني فيستويان.
ففي الصيد: يجب على الثاني أربعة دراهم ونصف، ويدخل على هذا بعض ما دخل على الأول، وهو أن فيه إفراد أرش جراحة الأول بعد ما صارت الجراحة نفساً.
والوجه الثالث: يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جرحه.
بيانه: قيمته عشرة، فعادت بجرحه إلى تسعة، ثم جرح الثاني-: يجب على الأول خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف.
ففي الصيد: يجب على الثاني أربعة دراهم ونصف، ويدخل عليه ما لو أتلف عليه عبد قيمته عشرة، ولم يصل إليه من قيمته إلا تسعة ونصف.
والوجه الرابع- قاله ابن خيران-: هذه العشرة التي هي قيمته-: توزع على قيمته يوم جرح الأول، وهي عشرة، وعلى قيمته يوم جرح الثاني، وهي تسعة. فنجعل العشرة التي هي قيمته تسعة عشر جزءاً: عشرة منها على الأول، وتسعة على الثاني، فلا يدخل على هذا الوجه شيء مما ذكرناه؛ لأنه ليس فيه إفراد أرش الجراحة عن بدل النفس، ولا نقصان عن قيمة العبد.
والوجه الخامس- اختاره الشيخ القفال-: قال: يجب على كل واحد منهما نصف أرش جراحته، ثم باقي قيمته مجروحاً جرحين: ينصف بينهما.
стр. 3188
وإنما قلنا: يجب نصف أرش الجراحة؛ لأن ضمان الطرف إنما يدخل كله في ضمان النفس، إذا كان كل بدل النفس مضموناً عليه.
وههنا: نصف بدل النفس عليه، والنصف على غيره، فيدخل فيه نصف أرش جراحته.
بيانه: قيمته عشرة انتقص بجرح الأول من قيمته دينار، ويجرح الثاني دينار؛ فيجب على كل واحد نصف دينار، ثم ينصف الباقي- وهو ثمانية بينهما، ويكون على كل واحد أربعة ونصف.
ففي الصيد: يجب على الثاني أربعة دراهم ونصف؛ فلم يصل إلى المالك إلا تسعة؛ ويجوز ذلك، وإن كانت قيمته عشرة؛ لأن الجراحات إذا توالت على شخص تارة: توجب زيادة في القيمة، وتارة: توجب نقصاناً؛ مثل: إن قطع يد عبد قيمته ألف، فعادت قيمته إلى مائتين، ثم جاء آخر وقتله، فعلى القاطع خمسمائة، وعلى القاتل مائتان، فكانت قيمة العبد ألفاً، ولم يصل إلى المالك إلا سبعمائة.
ومن قال بهذه الطريقة لا يفصل بين أن يدركه مالكه حياً، فأمكنه ذبحه، فلم يذبح، وبين ألا يدركه.
والطريقة الثانية: لا يجعل هذا كالجناية على العبد؛ لأن تلك الجناية جراحة مفسدة، وجرح الصيد للاصطياد والاكتساب، بل ينظر في المزمن الأول: إن لم يدركه حياً، ولم يتمكن من ذبحه-: يجب على الثاني قيمته مزمناً للأول؛ كما لو أجهز قتله، وإن أدركه حياً، وأمكنه أن يذبح، فلم يذبح، ففيه وجهان:
أحدهما: لا شيء على الثاني إلا أرش جراحته؛ لأن التفريط من الأول يترك الذبح.
والثاني: هو كما لو لم يتمكن من الذبح، فعلى الثاني قيمته مزمناً؛ كما لو جرح شاة لرجل، فماتت-: يجب عليه تمام قيمتها، وإن ترك المالك ذبحها معتالإمكان.
وأما إذا رمى إلى صيد، فأصابه، ولم يزمنه، ورمى إليه آخر، فجرحه، وأزمنه-: فالصيد للثاني، ولا شيء على الأول بسبب جرحه؛ لأنه حين جرحه كان مباحاً، فلو رمى إليه الأول بعدما أزمنه الثاني، وجرحه- نظر:
إن أصاب مذبحه-: فهو حلال، وهو للثاني، وعلى الأول ما بين قيمته مزمناً ومذبوحاً.
стр. 3189
وإن لم يصب الأول مذبحه- نظر:
إن أجهز قتله-: فهو حرام، وعلى الأول- للثاني قيمته مزمناً، وإن لم يجهر قتله، ولكن تغاونت الجراحات على قتله-: فالصيد حرام وماذا يجب على الأول للثاني؟ فيه وجهان:
أحدهما: ثلث قيمته زمناً؛ لأن الموت حصل بثلاث جراحات، واحدة منها مضمونة.
والثاني- قاله الشيخ القفال-: لا يجب على الأول إلا ربع قيمته، لأن الجناة إذا تعددوا يوزع الأرش على عدد رؤوسهم، ثم ما يخص كل واحد منهم يوزع على أحواله؛ فيجب ما يقابل حالة الضمان، ويسقط ما يقابل حالة الهدر؛ كما لو جرح رجلان مرتداً، فأسلم، ثم جرحه أحدهما، ومات من الكل؟ يجب على الجارح في الإسيلام ربع الدية.
ولو رمى رجلان سهماً إلى صيد، فأصاباه معاً، وقتلاه-: فالصيد حلال، وهو بينهما.
قال الشيخ القفال: سواء أصابا المذبح، أو غير المذبح، أو أصاب أحدهما المذبح.
وكذلك قال: لو جرح رجلان رجلاً معاً، فمات-: عليهما القود، أو الدية، وإن أصاب أحدهما المقتل دون الآخر، ولو أصابه أحدهما، ولم يزمنه، ثم أصابه الآخر، فأزمنه، فلو تفردت الرمية الثانية لم تكن تزمنه-: فالصيد لمن يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بينهما؛ لأن الامتناع زال بفعلهما.
والثاني: وهو الأصح-: يكون للثاني؛ لأن الملك يحصل بزوال الامتناع، وحصل ذلك عقيب فعل الثاني، وكان الأول كالمعين له، فهو كمن أرسل كلباً على صيد، فصرف رجل الصيد إلى الكلب، أو ضيق طريقه حتى أخذه الكلب-: كان الصيد للمرسل.
ولو ادعى السابق اني كنت أزمنت، وأنكر الآخر-: فالقول قول الثاني مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤه على الامتناع.
ولو أصاب أحدهما عقيب الآخر، وأحدهما مزمن، والآخر أصاب المذبح، ولم يدر أيهما سبق-: فالصيد حلال.
فإذا اختلفا فقال كل واحد: أنا أزمنته؛ فالصيد لي-: يتحالفان، ثم الصيد يكون بينهما، ولا شيء لأحدهما على الآخر.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر-: فالصيد للحالف، وعلى الناكل ما بين قيمته مزمناً ومذبوحاً.
وإن كان أحدهما مزمناً، والآخر مجهزاً لم يصب المذبح، وشككنا في السابق-:
стр. 3190
فالصيد حرام؛ لاحتمال أن المزمن هو السابق، فإذا اختلفا، فقال كل واحد: أنا أزمنته؛ فعليك قيمته-: تحالفا، ولا شيء لأحدهما على الآخر، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر-: فعلى الناكل قيمته مزمناً للحالف، ولو تينقنا أن المجهز سابق-: فالصيد حلال.
فإذا اختلفا، فقال كل واحد: أنا أجهزته؛ فهو لي-: تحالفا، والصيد بينهما، فإن حلف أحدهما-: كان الصيد للحالف.
وإن دخل اللحم نقص برمي الثاني-: فعليه ضمان ما نقص.
ولو قال أحدهما: أنا أزمنت أولاً، ثم أنت أجهزته؛ فعليك قيمته مزمناً، وقال الآخر: بل أنا أزمنته أولاً، ثم أنت أجهزته؛ فالصيد لي-: فالصيد حرام على الأول.
وهل يحل للثاني؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأنه مقر بحله.
والثاني: لا يحل؛ لأن قوله يعارضه قول الأول؛ وهذا بناءً على ما لو غاب الصيد بعد الجرح، فوجده ميتاً، ويحلف الثاني على نفي الضمان.
فصل في صيد البحر
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان؛ الميتتان؛ الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال".
следующие страницы →