← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

والكركي والقبج والبط والإوز والنعام والديك والدجاج والحبارى؛ روي عن أبي موسى الأشعري قال: "رأيت رسول الله- ﷺ يأكل لحم دجاج"، وعن سفينة قال: "اكلت مع النبي- ﷺ حبارى". وفي اللقلق والعقعق وجهان: أصحهما: حرامان، والغداف الكبير حرام، وفي الغداف الصغير وغراب الزرع وجهان:

стр. 3222

أصحهما: حلال، ولا يحل الغراب الأبقع والرخمة والبغاثة والخفاش؛ وفي الببغاء والطاوس وجهان: أصحهما: حرام، والشقراق: حلال، ويكون منتناً، وإن وجد في العجم حيوان لا يوجد في العرف له اسم- يعرض على العرب؛ فإن سموه باسم حيوان [محرم- حرمناه، وإن سموه باسم حيوان] حلال- أحللناه وإن لم يكن له اسم عندهم- يعتبر بأقرب الأشياء شبهاً بها [كالحادثة إذا وقعت- تقاس على أقرب الأشياء بها شبهاً]. فإن لم يكن له شبه- ففيه وجهان: قال أبو إسحاق يحل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٤٥]، وليس هذا في محرمات الآية. ومن أصحابنا من قال: يحرم؛ لأن الأصل في الحيوان التحريم فإذا أشكل بقي على الأصل. ولا يحل الحيوان المتولد بين مأكول وغير مأكول؛ كالسبع المتولد من الذئب والضبع، والحمار المتولد بين الحمار الوحشي والحمار الأهلي، لأنه تولد من مأكول وغير مأكول، [فيغلب جانب] التحريم؛ كالبغل لا يحل أكله، ولا يحل أكل لحم

стр. 3223

الجلالة، وهي الحيوان الذي يأكل العذرة؛ إذا كان قد ظهر التغيير على لحمها؛ روي عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها"؛ فإن لم يظهر عليهما التغيير- يحل، وكذلك السخلة المرباة بلبن الكلب'، إن ظهر عليه نتن لحم الكلب لا تحل؛ وإلا - فتحل، فإن أطعم الجلالة علفاً طاهراً، حتى طاب لحمها- يحل أكله وقال ابن عمر: تعلف الجلالة؛ عن كانت ناقة أربعين يوماً وإن كانت شاة- سبعة أيام، وإن كانت دجاجة- فثلاثة أيام، فلو غسل لحم الجلالة المتغير أو طبخ؛ حتى زال التغير- لم تحل. قال الشيخ ﵀: وكذلك لو زال التغير بمرور الزمان عليه. ومن أصحابنا من قال: يكره أكل لحم الجلالة المتغير، ولا يحرم؛ وهو قول مالك، وقال أبو إسحاق: لا باس بأكلها بعد الغسل. وأما غير الحيوان- فقسمان: طاهر، ونجس. فالنجس منها: لا يحل أكله إلا عند الضرورة، وكذلك كل ما كان في الأصل طاهراً؛ فنجس بوقوع نجاسة فيه؛ كالدهن، والخل والدبس الذائب تموت فيه فأرة وفي الانتفاع به تفصيل ذكرناه في "كتاب الطهارة". وأما الطاهر- فقسمان: قسم يضر وقسم لا يضر: فأما الذي يضر؛ كالسم والزجاج والحجر- فلا يجوز أكله؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك؛ والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فإن شرب دواء فيه قليل سم، والغالب منه السلامة- يجوز. والذي لا يضر؛ كالحبوب والفواكه- يحل أكلها؛ إذا كان ملكاً له، أو أباح له مالكه، أو نبت من موات المباح، وجملته: كل طاهر لا يخاف الضرر من أكله- حل أكله؛ إذا لم يتعلق به حق الغير؛ إلا ثلاثة أشياء: المني، وجلد الميتة بعد الدباغ، وكل ذي روح، يبتلعه حياً؛ سوى السمك والجراد؛ فإ*ن فيهما وجهين. فصل في كسب الحجام روي عن رافع بن خديج؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر

стр. 3224

البغي خبيث وكسب الحجام خبيث". أما ثمن الكلب ومهر البغي- فحرامان، وأما كسب الحجام فمكروه؛ فخبثه لما فيه من مزاولة النجاسة، وترك المروءة؛ والدليل على أنه غير حرام ما روي عن أنس قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه" ولو كان أجرته حراماً لم يعطه رسول الله ﷺ . وروي أن محيصة سأل النبي- ﷺ عن كسب الحجام، فنهاه؛ فلم يزل يكلمه حتى قال: "أطعمه رقيقك أو اعلفه ناضحك"، ولو كان حراماً- لم يجز أن يطعمه رقيقه ونهيه عن لدناءة الكسب. سأل عثمان- ﵁ ذا قرابة له عن معاشه، فذكر له غلة حجام فقال: إن كسبكم لدنس أو لدنيء".

стр. 3225

ويكره للحر اختيار المكاسب الدنيئة؛ كالحجامة والكنس والذبح والدبغ؛ لأنه يدل على دناءة الهمة وقلة المروءة، وأمر بإطعام الرقيق منه؛ لأنه أدنى حالاً من الحر، والله أعلم. باب ما لا يحل أكله ويجوز للمضطر قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ قيل: أي: لا يبغي في الأرض بالفساد، ﴿وَلا عَادٍ﴾ أي: لا يعدو في الأكل قدر الحاجة. أكل الميتة وشرب الدم والبول- حرام عند عدم الضرورة، وكذلك إذا كان به أدنى جوع أو عطش- لا يحل تناوله، فإذا اضطر إليه، وصار إلى أدنى الرمق، ولم يجد طعاماً حلالاً- يجوز له تناوله، وهل يجب تناوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقال أبو إسحاق: لا يجب؛ لأن له غرضاً من ترك ما هو محرم. أما إذا عيل صبره، وأجهده الجوع- فهل له تناول الميتة؟ فيه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا يجوز ما لم يصر إلى أدنى الرمق؛ لأن الضرروة خوف الهلاك ولم يتحقق ذلك. والثاني: يحل لأنه إذا صار إلى أدنى الرمق [لا يسيغه الطعام اللذيذ، فكيف يتناول الميت، وإن قلنا: لا يحل، فصار إلى أدنى الرمق]، وأبحنا له الأكل- فهل يحل له أن يأكل قدر الشبع؟ فيه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا يحل إلا قدر سد الرمق؛ لأنه بعد سد رمقه غير مضطر إليه. والثاني: يحل؛ لأن كل طعام جاز أن يتناول منه قدر سد الرمق- جاز أن يتناول منه قدر الشبع؛ كالطعام الحلال وليس كالابتداء؛ لأن الأصل هناك التحريم، حتى تتحقق الضرورة، وههنا الإباحة إلى أن يشبع، فإن قلنا: له أن يأكل قدر الشبع، فأكل قدر سد

стр. 3226

الرمق، ثم وجد لقمة من الطعام الحلال- ليس له أن يأكل الميتة بعده؛ حتى يأكل تلك اللقمة، فإذا أكلها- هل له إتمام الشبع؟ قال شيخي- ﵀: يحتمل وجهين: أحدهما: لا؛ حتى يصير إلى أدنى الرمق؛ لأنه عاد إلى أصل التحريم بوجود تلك اللقمة. والثاني: له ذلك؛ لأنا أبحنا له الشبع، ولم يصر إليه. وهل له التزود من الميتة؟ نظر: إن كان لا يرجو وجود طعام حلال- جاز، وإن كان يرجو- فلا. ولو وجد آدمياً ميتاً- هل يجوز أكله؟ المذهب أنه يجوز. وقيل: لا يجوز؛ لحرمته. والأول المذهب؛ لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت؛ حتى لو وجد كافراً مباح الدم من حربي أو مرتد- جاز له قتله وأكله؛ [كالبهيمة، وإن كان زانياً محصناً مسلماً- قيل: له قتله وأكله]، وقيل: لا يجوز [وإن كان الحربي صبياً أو امرأة أو كان الكافر ذمياً أو مستأمناً- لا يجوز] قتله. وإن كان رجل له عليه قصاص- له قتله قصاصاً وأكله، وإن كان المضطر ذمياً، والميت مسلماً؛ هل له أكله؟ فيه وجهان، وهل يجوز للمضطر أن ييقطع شيئاً من لحم بدن نفسه، فيأكله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ [لأنه ربما يؤدي بنفسه إلى الهلاك]. وقال ابن سريج وأبو إسحاق: يجوز؛ لأنه يحيى نفسه بإتلاف جزء منه؛ كما لو قطع يده بسبب الأكلة [يجوز]، ولو وجد المضطر [طعام الغير]، ولم يكن مالكه حاضراً- جاز له أن يتناوله، ويضمن قيمة ما تناول للمالك، وهل يعصي بترك الأكل؟ فعلى وجهين وهل له أن يأكل منه قدر الشبع؟ اختلف أصحابنا فيه. منهم من قال: فيه قولان؛ كالميتة؛ كما أنهما يستويان في الابتداء.

стр. 3227

ومنهم من قال: لا يأكل إلا قدر سد الرمق قولاً واحداً؛ لأن تحريمه لحق الآدمي، ومبناه على الشح والضيق. ومنهم من قال: له أن يأكل قدر الشبع قولاً واحداً؛ لأن جنسه حلال؛ بخلاف الميتة، وكذلك إذا وجد شاةً للغير أو حماراً له- عقره وأكله. وإن كان صاحب الطعام حاضراً- نظر: إن كان صاحب الطعام أيضاً مضطراً إليه- لا يجب عليه أن/ يطعم صاحبه؛ إذا لم يفضل منه، فإن آثر صاحبه، واختار لنفسه الهلاك- جاز؛ إذا كان صاحبه مسلماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وإن كان صاحبه المضطر كافراً؛ سواء كان ذمياً أو حربياً- لا يجوز أن يؤثره على نفسه، وكذلك: إذا كانت لصاحبه دابة جائعة- لا يجوز أن يؤثرها على نفسه؛ وإن لم يكن صاحب الطعام مضطراً إليه في الحال، وإن كان يحتاج إليه في باقي الحال- يجب عليه أن يطعم المضطر؛ سواء كان المضطر مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً- يجب عليه أن يطعمه؛ فإن لم يفعل- فللمضطر أن يكابره، ويأخذ منه قهراً، وإن أتى على نفسه، وهل يجب أن يأخذ منه قهراً؟ نظر: إن كان يخاف عليه- لا يجب؛ وإلا- فوجهان: أما إذا كان المضطر مرتداً أو حربياً- لا يجب أن يطعمه؛ لأن قتلهم مباح. إذا ثبت أن على صاحب الطعام إطعام المضطر [منه] فلا يجب أن يطعمه مجاناً؛ بل يطعمه بالعوض؛ فإن باعه، ومع المضطر ثمنه- يجب عليه أن يشتري؛ حتى لو كان عليه إزار واحد عليه صرفه إلى الطعام؛ إذا لم يخف الهلاك من البرد، ويصلي عرياناً؛ لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة؛ بدليل أنه لا يجوز أن يكابر الغير على أخذ الثوب لستر العورة، ويجوز أن يكابره على أخذ الطعام. فإن لم يكن مع المضطر ثمن الطعام- يجب على صاحب الطعام أن يبيع منه نسيئة، فإن باعه أكثر من ثمنه في مثل تلك الحالة- يجب على المضطر أن يشتري؛ سواء كان له ببلده مال أو لم يكن، ثم كم يلزمه؟ فيه وجهان: أحدهما: جميع المسمى؛ لأنه التزمه مختاراً. والثاني: لا يلزمه إلا ثمن المثل في مثل ذلك المكان والوقت؛ لأنه كان كالمكره في قبول تلك الزيادة.

стр. 3228

ولو أطعمه المالك، ولم يذكر شيئاً- هل له مطالبته بالعوض؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه متبرع. والثاني: له ذلك؛ لأنه أبقى روحه؛ وهذا بناءً على أنه إذا عفا عن القصاص- فمطلق العفو هل يوجب المال؟ قولان. ولو اختلف، فقال المالك: أطعمتك بالعوض، وقال الآكل: بلا عوض- فالقول قول من؟ فيه وجهان. وكذلك: إذا كان لرجل دابة جائعة أو كلب غير عقور جائع، ومع صاحبه علف/ أو لحم يجب أن يعلف دابته، ويطعم كلبه؛ فإن لم يفعل- فلصاحب الدابة أن يغصبه، فإن كان الكلب عقوراً- لا جب؛ لأن قتله مباح، ولو كان لرجل كلب غير عقور جائع، وله شاة- عليه أن يذبح شاته؛ لإطعام الكلب، ثم يجوز له أن يأكل من لحم تلك الشاة، وإن ذبحها للكلب؛ لأنه ذبحه للأكل. ولو وجد المضطر ميتة، وطعاماً للغير- أيهما يأكل؟ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: هو مخير أيهما شاء أكل. والثاني: يأكل الميتة؛ لأن تحريمها لحق الله تعالى؛ فكان أيسر، ولأنه لا يلزمه به الضمان. والثالث: يأكل مال الغير؛ لأن عينه حلال، ويلزمه الضمان. فإن كان مالك الطعام حاضراً، ويبيعه- يجب على المضطر أن يشتري؛ إن كان معه ثمنه، وإن غالى في الثمن، ولا يجوز له أكل الميتة، ثم أي ثمن يلزمه؟ فعلى وجهين، وإن وهب له صاحب الطعام- يجب أن يقبل، ولا يأكل الميتة، وإن لم يبعه صاحب الطعام، ولم يطعمه- ليس له أن يكابره، ولكن يأكل الميتة، قال الشيخ ﵀: إذا قلنا: "إذا وجد الميتة"، وقال الغير- له أن يأكل مال الغير"- يحتمل أن يقال "يكابره، فيأخذ منه الطعام، وإن قلنا بقول التخيير- فليس له ذلك. ولو كان المضطر محرماً، فوجد صيداً- له أن يذبحه، ويأكله، وعليه الجزاء، وإن وجد صيداً وميتة- فأيهما يأكل؟

стр. 3229

إن قلنا: المحرم إذا ذبح الصيد - يصير ميتة يأكل الميتة؛ حتى لا تلزمه الفدية. وإن قلنا: لا يصير ميتة- ففيه ثلاثة أقوال؛ كما لو وجد ميتة وطعام الغير. ولو وجد المحرم صيداً وطعام الغير: إن قلنا: الصيد يصير ميتة بذبحه- فهو كما لو وجد ميتة وطعام الغير، وإن قلنا: لا يصير ميتة- ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يتخير. والثاني: يأكل [طعام الغير]؛ لأن جنسه مباح لكل أحد. والثالث: يأخذ الصيد؛ لأن ضمانه لحق الله تعالى؛ فكان أخف. ولو وجد المحرم ميتة، وصيداً، وطعام الغير فإن قلنا: الصيد يصير ميتة بذبحه- فالصيد كالمعدوم، وإن قلنا: لا يصير ميتة- ففيه أربعة أقوال: أحدها: يتخير؛ إن شاء أكل الميتة، وإن شاء أكل الصيد وفدى، وإن شاء أكل طعام الغير، وضمن قيمته. والثاني: يأكل الميتة؛ حتى لا يلزمه الضمان. والثالث: يأكل طعام الغير؛ لأن جنسه مباح لكل أحد. والرابع: يأكل الصيد، ويفدي؛ لأن الضمان الواجب به لحق لله تعالى؛ فكان أخف. ويجوز للمضطر إلى العطش شرب الدم والبول، ولا يجوز شرب الخمر؛ لأنه يزيده في العطش، ويدعو القليل منها إلى الكثير، ويجوز للعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي؛ إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه؛ فإن النبي- صلى الله عليه وسمل- أمر الرهط العرنيين بشرب أبوال الإبل. وإن قال الطبيب: يتعجل شفاؤكبه- هل له تناوله؟ فيه وجهان، وهل يجوز شرب العليل من الخمر [للتداوي]؛ إذا لم يجد شيئاً يقوم مقامه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه يدفع به الضرر عن نفسه؛ كما لو أكره على شربها [يجوز له شربها]، [وكما يجوز] شرب قليل السم للتداوي مثل السقمونيا ونحوه. والثاني: لا يجوز؛ لما روي عن أم سلمة؛ أن النبي- ﷺ قال: "إن الله لم يجعل

стр. 3230

شفاءكم فيما حرم عليكم"، ولأن الخمر أم الخبائث، يدعو قليلها إلى كثيرها؛ فلا يؤمن أن يتولد منه ما هو شر من العلة، أما إذا غص بلقمة، ولم يجد مائعاً يسيغها سوى الخمر جاز شربها، والله أعلم.

стр. 3231

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب السبق والرمي قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦.]، قال عقبة بن عامر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا إن القوة الرمي" قالها ثلاثاً، وروي عن سلمة بن الأكوع قال: خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق، فقال: "أرموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً" الرماية والفروسية سنتان مستحبان؛ لما فيهما من القوة على الكفار، وأعداء الدين، وروي عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله؛ فارموا، واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا"، "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، ومداعبته امرأته؛ فإنهن من الحق، ومن ترك الرمي بعد ما علمه؛ رغبة عنه- فإنه نعمة تركها"، أو قال: "كفرها". والمسابقة على الخيل مستحبة؛ لما روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ سابق

стр. 3232

بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء إلى ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. ويجوز أخذ المال على المناضلة والمسابقة؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ حيث لم يجوز؛ والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة- ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر"، السبق- بفتح السين والباء- هو المال المشروط للسابق

стр. 3233

على سبقه، وأراد بالنصل: السهم، وبالخف الإبل، وبالحافر؛ الفرس؛ فتجوز المسابقة بالعوض على هذه الأشياء، وتجوز المناضلة بالعوض بالسهام؛ سواء فيه السهام العربية، والعجمية، والنشاب، وهل يجوز على المزراق، والحربة والرمح وغيرها من آلات الحرب؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ لأنها أسلحة يقاتل بها؛ كالسهم. والثاني: لا يجوز؛ لأنه قلما يحتاج إلى الرمي بها في الحرب. وكذلك الرمي بالأحجار إلى موضع معلوم أو أينا أطول مداً، والرمي بالمقلاع والقذافة والمنجنيق هل يجوز أخذ العوض عليها؟ فيه وجهان: الأصح: جوازه، ولا يجوز على رمي الجلاهق والبنادق، ولا على كرة الصولجان لأنها ليست من آلة الحرب، ولا على المداجاة، وهو أن يرمي بعضهم إلى بعض؛ لأنه يخرج ويهيج الفتنة، ولا يجوز على السباحة، ورفع الأحجار، واللعب بالشطرنج، واللعب بالخاتم، والوقوف على رجل واحدة، ولا على معرفة ما في يده، فإن كل ذلك قمار ليس شيء منها من آلات الحرب، وهل تجوز المسابقة بالعوض على البغل والحمار [والفيل؟ فيه قولان: أصحهما: يجوز؛ لأن الفيل يدخل في قوله: "أو: خف"، والبغل والحمار] في قوله "أو حافر"، ولأنه يستعان بهذه الدب في الحروب. والثاني: لا يجوز؛ لأنها لا تصلح للكر والفر؛ فكانت كالبقر.

стр. 3234

واختلفوا في المسابقة على الأقدام بالعوض. منهم من قال: تجوز؛ لأن الحاجة تقع إلى العدو في الحروب/، فالأقدام في حق الرجالة- كالخيل في حق الفرسان. ومنهم من قال: لا تجوز؛ لأن المسابقة بالعوض أجيزت؛ ليتعلم بها ما يستعان به في الجهاد، والمشي بالقدم- لا يحتاج إلى التعلم. واختلفوا أيضاً في الطيارات والزوارق في الماء. منهم من جوز- وهو قول ابن سريج؛ لأن الحرب قد تقع في البحر؛ فهي مراكب الماء؛ كالخيل في البر. ومنهم من لم يجوز؛ لأن سبقها يكون بالملاح، لا بمن يقاتل فيها. وجوز بعض أصحابنا على تطيير الحمامات، للتجربة بعد ذهابها؛ لأنه يحتاج إليه في الحروب، لإنهاء الأخبار. والأصح: أنه لا يجوز؛ لحديث أبي هريرة، ولأنها ليست من آلات الحرب. واختلفوا في المصارعة على العوض. منهم من جوز لما روي أن النبي- ﷺ صارع يزيد بن ركانة على شاة. والصحيح: أنه لا يجوز لا بالعوض ولا بغيره؛ لأنه يهيج العداوة، والنبي- ﷺ فعل مع يزيد بن ركانة؛ لتظهر قوته؛ لعله يسلم، فلما أسلم- رد إليه ما أخذ منه. فصل في الأسباق الأسباق ثلاثة: سبق يعطيه الإمام أو رجل آخر؛ فيقول الرجلين: اركبا فرسيكما إلى موضع كذا، فأيكما سبق- فله علي كذا؛ سمي مالاً معلوماً- يجوز؛ سواء أعطى الإمام من بيت المال أو من مال نفسه، أو واحد من الناس من مال نفسه؛ لأنه تحريض على تعلم الفروسية؛ لقتال العدو؛ وسواء كان الفارس اثنين أو أكثر؛ فمن سبق- سمي سابقاً،

стр. 3235

وسمي الثاني مصلياً؛ لأنه يتبع صلا الفرس الأول، أي: عجزه، ويسمى الأخير فسكلا. فإن كان اثنين- فسمى للأول شيئاً، وللثاني بمثله- لم يجز؛ لأنه لا يجتهد واحد منهما في السبق، وإن سمى للثاني أقل مما سمى للأول- ففيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ لأن كل واحد يجتهد حتى يسبق، فيأخذ الأكثر، وإن كانوا أكثر من اثنين مثل إن كانوا ثلاثة، فسمى للسابق شيئاً، وللمصلي دونه- جاز، فإن سمى للفسكل مثل ما للمصلي- لا يجوز دونه على وجهين، وكذلك: لو كانوا عشرة، فسمى لكل واحد شيئاً أقل مما سمى لمن سبقه- جاز، وفي الأخير وجهان، وإن جعلوا للأول عشرة، وللثالث، خمسة، وللرابع أربعة، ولم يجعل للثاني شيئاً ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه فضل الثالث والرابع على [من] سبقهما. والثاني: يجوز، ويقوم الثالث مقام الثاني، والرابع مقام الثالث، ويجعل [كأن] الثاني لم يكن. وإن كانوا عشرة فقال: من سبق فله عشرة، فإن جاءوا معاً، لم يستحقوا شيئاً، لأنه لا سابق فيهم، وإن جاء تسعة معاً، استحق التسعة العشرة بينهم سواءً. ولو قال: من سبق فله عشرة، ومن صلى فله خمسة؛ فسبق واحد وصلى خمسة، ثم جاء الباقون بعدهم-: فللسابق عشرة، وللخمسة المصلين خمسة، وإن سبق خمسة وصلى واحد؛ استحق الخمسة السابقون عشرة، والواحد المصليل خمسة؛ كما لو قال: من جاء بعدي فله عشرة. فإن جاء به واحد استحقها، وإن جاء به جماعة استحقوا اشتركوا في العشرة. القسم الثاني من الأسباق: أن يكون المال من أحد المتسابقين؛ مثل أن يقول أحد الفارسين: نجري فرسينا: فإن سبقتين فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك- يجوز، وعند مالك: لا يجوز؛ لأنه قمار، قلنا: إن القمار يكون الرجل متردداً بين الغنم والغرم،

стр. 3236

ولم يوجد ههنا؛ لأن المعطي متردد بين أ، يغرم أو لا يغرم، والآخر متردد بين أن يغنم أو لا يغنم، وليس فيها من هو متردد بين الغنم والغرم. القسم الثالث: أن يكون المال منهما، فيقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلي عليك كذا- فهذا لا يجوز؛ لأن كل واحد متردد بين الغرم والغنم، فإن أدخل بينما محللاً، فإن سبق أخذ السبقين، وإن سبق لا شيء عليه- جاز؛ لأن العقد إذا حصل فيه من يغنم ولا يغرم- خرج عن أن يكون قماراً، ويشترط أن يكون فرس المحلل كفئاً لفرسيهما، فإن كان أجود من فرسيهما: يتحقق أنه يسبقهما، أو دون فرسيهما: يتحقق أنهما يسبقانه؛ فلا يجوز، وهو على القمار؛ روي عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ قال: "من أدخل فرساً بين فرسين: إن كان يؤمن أن يسبق فلا خير فيه، وإن كان لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به". ثم المحلل: لتحليل العقد والمال جميعاً؛ هذا هو المذهب، وقال ابن خيران: هو لتحليل العقد، ولا يستحق المال غيره؛ فخرج على هذا سبع مسائل: إحداها: "إذا سبق المحلل، ثم جاء المستبقان معاً- أخذ المحلل/ سبقهما. والثانية: إذا سبق المستبقان معاً، ثم جاء المحلل- لا شيء لواحد منهم. الثالثة: إذا سبق المحلل مع أحد المستبقين، ثم جاء المستبق الثاني- فالذي سبق مع المحلل، أحرز سبقه، وسبق المصلي: للمحلل مع المستبق السابق على ظاهر المذهب، وعلى قول ابن خيران: للمحلل خاصة. الرابعة: إذا سبق أحد المستبقين، ثم جاء المحلل مع المستبق الثاني- فالسابق أحرز سبقه، ولا شيء للمحلل وسبق المستبق الثاني للأول على ظاهر المذهب، وعلى قول ابن خيران: لا شيء عليه. الخامسة: إذا سبق أحد المستبقين، ثم جاء المستبق الثاني، ثم المحلل، فهكذا سبق

стр. 3237

المستبق الثاني للأول على ظاهر المذهب، وعلى قول ابن خيران: لا شيء عليه. السادسة: إذا سبق المحلل، ثم جاء أحد المستبقين مصلياً، ثم جاء الثاني فسكلاً، فسبق المصلي للمحلل، وسبق الفسكل كذلك على ظاهر المذهب، وقيل: إن قلنا للمحلل؛ لتحليل العقد والمال- فهو بين المحلل والمستبق الأول؛ لأنهما سبقاه، وليس بصحيح؛ لأن المصلي لا يستحق شيئاً إلا بالشرط. السابعة: إذا جاء أحد المستبقين أولاً، ثم جاء المحلل، ثم جاء المستبق الثاني- فالسابق أحرز سبقه، وسبق المستبق الثاني ما حكمه؟ إن قلنا: للمحلل لتحليل العقد والمال جميعاً- ففيه وجهان: أظهرهما: سبقه للمستبق الأول؛ لأن المحلل مسبوق. والثاني: بين المحلل والمستبق الأول؛ لأنهما سبقاه. وإن قلنا: لتحليل العقد- فعلى وجهين: أحدهما: لا شيء لأحد؛ لأن المحلل مسبوق. والثاني: هو للمحلل؛ لأنه سبق الفسكل فلو أدخلا بينهما محللين أو أكثر- يجوز، ثم إذا سبق أحد المحللين، ثم جاء أحد المستبقين مصلياً، ثم جاء المحلل الثاني، ثم جاء المستبق الثاني: فسبق المستبق الأول للمحلل الأول، وأما سبق المستبق الثاني: إن قلنا: للمحلل؛ لتحليل العقد والمال جميعاً- ففيه وجهان: أظهرهما: للمحلل الأول لأن ألآخرين مسبوقان. والثاني: يكون بين المحللين والمستبق الأول؛ لأنهم سبقوا، فإن قلنا: لتحليل العقد- ففيه وجهان: أظهرهما: للمحلل الأول. والثاني: بين المحللين. ولو أن مائة نفر تسابقوا، وأدخلو بينهم محللاً واحداً- جاز، ثم السبق بماذا يقع؟

стр. 3238

نُظِرَ: إن كانا يتسابقان على الإبل- يكون بالكتد وهو الكتف، فأيهما سبق الكتد كان سابقاً، وإن كانا يتسابقان على الخيل- فيكون السبق بالهادي، وهو العنق؛ لأن الفرس يمد عنقه في العدو، والبعير يرفع/ عنقه؛ فلا يمكنه اعتبار السبق فيه بالعنق، فإذا سبق أحد الفرسين بالهادي أو بعضه- كان سابقاً إذا استوى الفرسان في الخلقة، فإن كان عنق أحدهما أطول: فإن تقدم هادي القصير- كان سابقاً، وإن تقدم هادي الآخر- نظر: إن تقدم بقدر زيادة الخلقة-: لم يكن سابقاً؛ لأن تقدمه بزيادة الخلقة، لا بجودة السير، وإن تقدم بأكثر من زيادة الخلقة-: كان سابقاً، وقيل: إذا اختلف الفرسان في الخلقة-: فالسبق يكون بالكتد، هذا إذا لم يشرطا السبق بأقدام معلومة، فإن تسابقا على أن من سبق صاحبه بخمسة أقدام أو أكثر- كان له السبق، قال صاحب "الإفصاح": يجوز؛ لأنهما يتحاطان ما تساويا فيه، وينفرد أحدهما بالقدر المشروط؛ كما في "المناضلة"، إذا شرطا المحاطة، قال صاحب "الإفصاح": ورأيت من أصحابنا من منع ذلك، فأبطله، ولا أعرف له وجهاً. ويشترط في المسابقة بيان الموضع الذي يجريان منه، والغاية التي يجريان إليها؛ فإن اختلفا في الابتداء، فوقف أحدهما أقرب [أو في الانتهاء بأن كانت مسافة أحدهما أقرب]- لم يجز؛ لأن المقصود من المسابقة معرفة جودة الفرس وحسن سيره، ولا يعلم ذلك مع اختلاف الغاية؛ لأن غاية أحدهما إن كانت أقرب، فسبقه يكون لقرب المسافة لا لجودة السير، ولو اختلفا في اليمين واليسار- أقرع بينهما، ويركضان معاً في وقت واحد، ولا يجلب وراء الخيل؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي- ﷺ قال: "من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا"، ولو لم يبينا الغاية، بل قالا: تركض، فأينا سبق فله كذا- لا يصح؛ لأنه إذا لم يكن لها غاية لا يدريان أين ينتهيان، فيؤدي إلى إتعاب النفس وعطب الدابة ولأن الفرس قد يكون سريع السير في الابتداء، ثم يلين، فيقف بصاحبه، وصاحبه يطلب قصر الغاية، وقد يكون بطيئاً في الابتداء، ثم يشتد حموه، وصاحبه يطلب [طول] الغاية، فإذا اختلفت الأغراض شرطنا بيان الغاية، وهذا بخلاف المناضلة على

стр. 3239

الإبعاد من غير بيان الغاية؛ بأن يقولا: "أينا أبعد رمياً- يجوز، على أصح الوجهين؛ لأن الإبعاد في الرمي مقصود كالإصابة، وإذا/ بينا الغاية، فسبق أحدهما في خلال الميدان، وسبق الآخر في آخر الميدان- فالسابق: من سبق في آخره، ولو عثر أحد الفرسين أو ساخت قوائمه في الأرض أو وقف لعلة أصابته، فسبقه الآخر- لا يكون سابقاً [لأنه لم يسبقه لجودة الجري]، ولا تأخر الآخر لسوء الجري، ولكن لعارض عرض له، أما "المناضلة": فتأتي فيها الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في "المسابقة"، بأن قال لهما أجنبي: يرميها عشرة أرشاق: فمن أصاب منها خمسة فله كذا، أو قال الراميان أحدهما لصاحبه: نرمي عشرة أرشاق: فإن أصبت خمسة فلك [علي كذا، وإن أصبتها فلا شيء لي عليك- جاز، وإن قال: إن أصبت خمسة فلك علي كذا، وإن أصبت فلي عليك كذا- لم يجز، إلا بمحلل يدخل بينهما، ولو قال رجل لآخر: ارم عشرة أرشاق: واحدة عني، وواحدة عن نفسك: فإن كانت إصابتك عن نفسك أكثر، [فلك كذا]- لا يجوز؛ لأنه يفاضل نفسه، ولو قال: ارم عشرة أرشاق: فإن كانت إصابتك منها أكثر، فلك كذا- يجوز؛ لأنه يبذل المال على عمل معلوم، والمسابقة على الخيل قريب من المناضلة [في المعنى] وإن كانا يختلفان في بعض الأحكام، وذلك أن تعيين الفرس شرط في المسابقة، ولا يجوز تعيين الفرس والنبل في المناضلة، وهما في المعنى يستويان، وذلك أنه يشترط في كل واحد تعيين ما يطلب امتحانه: ففي المسابقة يطلب امتحان المركوب فيشترط تعيينه، وبهلاكه ينفسخ العقد؛ لأن العقد تعلق بعينه، وقد هلك كالمبيع إذا هلك قبل القبض ينفسخ البيع، ولا يجوز إبداله بغيره ولا يطلب امتحان الفارس، فإذا مات لا ينفسخ العقد وقام وارثه مقامه، وفي المناضلة: يطلب امتحان الرامي، فقلنا: يتعين الرمي حتى لا يجوز إبداله، وإذا مات أو شلت يده ينفسخ العقد ولا يطلب امتحان القوس والنبل، وإذا عين لا يتعين، ويجوز إبداله، وإذا تلف لا ينفسخ العقد، ويشترط في المناضلة بيان ستة أشياء؛ منها: عدد الأرشاق، وعدد القرع، وهو: الإصابة، وصفة القرع، وقدر المسافة التي يرميان فيها، وقدر الغرض، وإن بينا أنهما يرميان مبادرة أو محاطة:

стр. 3240

أما الأرشاق: ينبغي أن يكون عدد ما يرمى بها كل يوم وفي كل نوبة معلوماً؛ حتى يكون لرميتهما غاية ينتهيان إليها، ويشترط أن يكون عدد الإصابة معلوماً أنها خمس من عشرين أو أقل أو أكثر؛ لأن استحقاق المال بالإصابة، فإذا لم يبين لا يدري متى يستحق، فإن شرطا إصابة نادرة مثل إن شرطا إصابة عشر [ة] من عشرة، أو إصابة تسعة من عشرة، ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه قد يصيب ذلك؛ كما لو شرطا إصابة خمسة من عشرة. والثاني: لا يصح؛ لأنه يقع نادراً، فلا يحصل مقصود العقد به، وينبغي إن بينا صفة الإصابة من القرع، وهو: أن يصيب الغرض من غير خدش، أو الخرق، وهو: أن يصيب الشيء ويثقبه، ويسقط ولا يثبت فيه، أو الخسق، وهو: أن يصيب الشيء فيثقبه ويثبت فيه، أو الخرم، وهو: أن يصيب طرف الشيء فيخرمه، أو المرق، وهو: أن يثقب الشيء المعلق، فيخرج من الجانب الآخر. فإن أطلقا العقد: حمل على القرع؛ لأنه المتعارف، ويشترط أن تكون المسافة التي يرميان إليها معلومة؛ لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد، وقد يكون الرجل سديد الرمي، يصيب على بعد، فيطلب بعد الغاية، ويكون الآخر دونه، فيطلب قرب الغاية. فإن كان [في موضع فيه غرض- كانا أو] في موضع فيه غرض معلوم المدى- حمل المطلق عليه، وإن لم يكن: فلا بد من البيان، فإن بينا غاية بعيدة، لا يصيب فيه السهم أصلاً- لا يصح، فإن كان يصيب نادراً- نظر: إن شرطا عدداً كثيراً من الرميات وأصابه قليل منها، يعلم إصابتها من ذلك العدد غالباً مثل خمس إصابات من مائة رشق- يصح وإلا فعلى قولين، وقدر أصحابنا ما يصاب منه بمائتين وخمسين ذراعاً، وما لا يصاب نادراً على ثلثمائة وخسين ذراعاً، وما بينهما نادر، ويشترط بيان قدر الغرض طولاً وعرضاً؛ فإن الحاذق في الرماية يصيب الغرض الصغير، ومن لم يكن حاذقاً لا يصيب إلا الكبير، فإذا ترك بيانه لا

стр. 3241

يصح إلا أن يكون في موضع فيه/ غرض معروف؛ فيحمل المطلق عليه؛ كما لو باع شيئاً بثمن مطلق يحمل على نقد البلد، والغرض قد يكون موضوعاً على هدف أو حائط، وربما يعلق على خشبة، فيبين أنه يعلق أو يوضع على الهدف، ويبين أنه يوضع على أسفل الهدف أو أعلاه، فلو لم يبين- فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الأغراض تختلف به. والثاني: يجوز ويوضع على وسط الهدف، وهذا بناءً على ما لو اكترى دابة للحمل، وكان معه معاليق، ولم يبين المعاليق- فيه قولان: أحدهما: لا يجوز للجهل. والثاني: يجوز ويحمل على الوسط. وينبغي أن يبينا موضع الإصابة من الغرض من الشيء أو الدائرة- وهي نقش في وسط الشيء؛ كالقمر قبل استكماله- التي في الشيء، فإن أطلقا جاز وحمل على الغرض، ولو شرطا إصابة الحلقة التي في الدائرة [ففيه] قولان؛ لأن إصابتها نادر [ة]، وكذلك كل موضع تكون الإصابة فيه نادر [ة] على هذا لو تناضلا في ليلة مظلمة لا يبصران الغرض، لا يجوز، وإن كانا يبصرانه- فعلى قولين؛ لأن الإصابة فيه نادرة؛ نظيره: لو نوى المسافر الإقامة في مفازة ليست موضع الإقامة، هل يصير مقيماً؟ فيه قولان، ولا تراميا إلى غير غرض على أن يكون السبق لأبعدهما رمياً- ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه يمتحن به قوة الساعد، ويستعان به على قتال من بعد من العدو. والثاني: لا يجوز؛ لأن المقصود من الرمي الإصابة لا الإبعاد. وإذا تسابقا على فرسين: أحدهما عربي، والآخر برذون- يجوز، وإن كان أحدهما على فرس، والآخر على بغل، أو أحدهما على بغل والآخر على حمار، وجوزنا المسابقة على البغل والحمار- ففيه وجهان: أحدهما: يجوز كالعربي والبرذون.

стр. 3242

والثاني: لا يجوز؛ لأنهما يتفاوتان في السير. ولا يجوز الحمار مع الفرس؛ لأن الحمار لا يعدو عدو الفرس؛ قال [الشيخ]﵀: وفي الفرس مع البعير- أيضاً- وجهان، قال أبو إسحاق: إن تقارب جنسان في السبق كالبغل [والحمار] يجوز، وإن تباعد نوعان من جنس واحد كالعتيق والهجين من الخيل، والبختي والنجيب من الإبل- لا يجوز، وفي المناضلة: إذا عقد العقد مطلقاً، وأحدهما يرمي بالنبل، والآخر بالنشاب أو بالحسبان، أو أحدهما يرمي عن قوس عربي والآخر عن قوس فارسي- يجوز؛ وكذلك القسي الهدني مع الدورانية، وجملته: أنه إذا كان يرمي كل واحد عن سهم ذي نصل، وإن اختلف نوعهما- يجوز، أما السهم مع المزراق والحراب: إذا جوزنا المناضلة عليها، هل يجوز؟ فعلى وجهين، وإن عقدا على نوع - لم يكن له أن ينتقل إلى [نوع آخر، إذا لم يرض شريكه به، فإن من الناس من يرمي بأحد النوعين أجود من رميه بالنوع الآخر، ولو [شرطا] الرمي بالعربي لم يكن له أن ينتقل إلى] الفارسي؛ لأن الصواب بالفارسي أكثر، فإن عقد له على قوس بعين÷، فأراد أن ينتقل إلى غيره من نوعه- يجوز؛ لأن الأغراض لا تختلف باختلاف الأعيان، فإن شرطا في العقد أن يبدله- لا يصح العقد. ولو تناضل رجلان، وأحدهما كثير الإصابة، والآخر كثير الخطأ، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن فضل أحدهما معلوم؛ فلا معنى لأخذ المال على التجربة. والثاني: يجوز؛ لأن المقصود منه بعثه على الرماية، ليصير حازقاً فيه. ويجوز في المناضلة أن يشرطا مبادرة أو محاطة أو حوابي؛ فالمبادرة: أن يبدر

стр. 3243

أحدهما، فيسبق إلى العدد المشروط من الإصابة مع استوائهما في عدد الرمي، مثل: إن شرطا أن من بدر إلى إصابة خمس من عشرين- فله كذا، رمى كل واحد عشرين، فأصاب أحدهما منها خمسة، والآخر أربعة- فالذي أصاب خمسة ناضل؛ لأنه سبق الآخر إلى إصابة الخمسة، ولو سبق أحدهما الآخر إلى إصابة المشروط قبل كمال العدد مع مساواتهما في عدد الرمي- كان ناضلاً، ولا يجب إكمال العدد، مثل: إن شرطا المبادرة إلى خمسة من عشرين، فرمى أحدهما عشرة وأصاب خمسة، ورمى الآخر تسعة وأصاب أربعة، فإنه رمى واحداً حتى يستويا في العدد، فإذا رمى فأصاب، فقد استويا، ولا فائدة في إتمام العدد؛ لأن المشروط من عدد الإصابة قد تم، وإن لم يصب هذه الرمية، فالأول ناضل، وإن كان الذي رمى تسعة، فأصاب منها ثلاثة، فهو منضول لا فائدة في رميه؛ لأنه- وإن أصاب- فالأول قد سبقه إلى الخمسة. أما المحاطة فصورتها أن يشترطا عدداً معلوماً [مثل إن] شرطا عشرين رشقاً، وقالا: نقابل الإصابات، فيخطها؛ فمن فضل له إصابة خمس، فهو ناضل- فذلك جائز، فإذا رميا عشرين، وأصاب كل واحد منهما خمسة، لم ينضل أحدهما صاحبه وإن أصاب أحدهما عشرة، وللآخر خمسة- فالذي أصاب عشرة ناضل، وإن أصاب أحدهماعشرة والآخر ستة فليس بناضل؛ لأنه لم ينضل بخمسة، ولو نضل أحدهما بخمسة قبل إكمال العدد المشروط، هل يكون ناضلاً مثل أن شرطا نضل خمس من عشرين، فرمى كل واحد [خمسة عشر]، وأصاب أحدهما عشرة، ولم يصبها الآخر نظر: إن كان الآخر لا يرجو مساواته بأن لم يكن الآخر أصاب شيئاً- لا يلزمه إتمام الرمي؛ لأن أقصى ما فيه أن يصيب الآخر بقية الرميات، ويخطئ صاحبه، فيكون لصاحبه نضل خمسة، فهو ناضل، وإن كان يرجو مساواته؛ بأن كان قد أصاب من خمسة عشر ستاً- ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه الإتمام؛ لأنه نضله بخمسة، فهو ناضل كما في المبادرة. والثاني: يلزمه الإتمام؛ لأن الآخر ربما يصيب الخمسة الباقية، ويخطئ هو؛ فلا يبقى له نضل خمسة بخلاف المبادرة؛ لأن البدار لا يرتفع نادراً له صاحبه من بعد، ولو تركا في العقد ذكر المبادرة والمحاطة وشرطا إصابة خمس من عشرين- فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ كما لو تركا عدد الإصابة.

стр. 3244

والثاني: يصح، ويحمل على المبادرة؛ لأنه الذي يفهم من إطلاق ذكر المناضلة. قال الشيخ- ﵀ وهذا أصح، ولو شرطا قرع عشرة من عشرين، وأن يحسب خاسق أحدهما قرعين- يجوز؛ لأنهما متساويان فيه فإن أصاب أحدهما تسعة قرعاً، وأصاب الآخر قرعين وأربع خواسق، فقد نضل صاحب الخواسق؛ لأنه استكمل العشر، وقيل: هذا لا يجوز كما لو شرطا أن يحسب خاسق واحد خاسقين، والأول أصح؛ لأن الخسق فوق القرع؛ فيجوز أن يجعل في مقابلة قرعين، وإن كان العقد على الحوابي، وهي التي تسقط قريباً من الغرض وصورتها: أن يشرطا أرشاقاً معلومة على أن ما قرب من الغرض يسقط ما بعد منه، فمن نضل له من القريب إن كان ناضلاً؛ كأنهما قالا: من نضل له خمس من عشرين، فقد نضل- فهذا يجوز، فإذا رمى أحدهما وأصاب من الهدف موضعاً [بينه، وبين] الغرض قدر شبر، ثم رمى الآخر، فأصاب موضعاً بينه وبين الغرض قدر إصبع- أسقط الأول، فإذا عاد الأول ورمى وأصاب الغرض- أسقط ما رماه صاحبه، وكذلك إذا رمى أحدهما أولاً، فوقع سهمه بقرب الشن، ثم رمى الآخر فأصاب الشن، أسقط الأول، لأنه إذا كان أقرب من الشن، أسقطه، فإذا أصاب الشن أولى أن يسقطه، ولو رمى أحدهما، فأصاب الشن وأصاب الآخر الرقعة التي في وسط [الشن]- قال الشافعي- ﵁: من الرماة من يقول: الذي أصاب الرقعة يسقط الآخر، والقياس عندي؛ أنهما سواء؛ لأن القريب إنما يسقط البعيد، إذا كان خارجاً من الشن، فإن كانا في الشن فلا؛ لأن الشن كله موضع الإصابة. ولو رمى أحدهما سهماً، فوقع بقرب الشن، ثم رمى الثاني، فوقع أبعد، ثم رمى البادئ فوقع أبعد من الثاني-: فالأول يسقط الثاني، والثاني يسقط الثالث، ولو رمى أحدهما خمسة، فوقعت كلها بقرب الغرض، وبعضها أقرب من بعض، ثم رمى الثاني خمسة، فوقعت كلها أبعد من الخمسة الأولى تسقط الخمسة الثانية بالخمسة الأولى، ولا يسقط من الخمسة الأولى شيء، وإن كان بعضها أقرب من بعض؛ لأن قريبه يسقط بعيد صاحبه لا بعيد نفسه، وكان هذا ناضلاً بأخذ السبق؛ لأنه فضل بخمسة قريبة من الغرض، وإن رميا سهمين، فكانا سواءً في القرب من الشن- لم يسقط أحدهما الآخر، وإذا سقط بعض السهام أسفل الغرض، وبعضها من جانبيه، وبعضها من فوقه: قال الشافعي

стр. 3245

-﵀: من الرماة من يقول: إن القريب من السهام إنما يسقط البعيد، إذا وقع بين يدي الغرض أو من جانبيه، فأما ما فوقه فلا يسقطه، ثم قال: القياس أن يتقايسا، فيسقط القريب البعيد؛ كما لو وقع بين يديه أو بجنبه، فإذا عقدا على الحوابي وشرطا أن يحسب/ خاسق أحدهما جانبين- جاز؛ نص عليه كما ذكرنا في القرع؛ لأن الخاسق زيادة على الحابي، فتكون تلك الزيادة في مقابلة الحابي للثاني، وهل يشرط في عقد المناضلة بيان من يبدأ بالرمي؟ فيه قولان: أقيسهما: يشترط، فإن لم يبينا لا يصح؛ لوقوع الاختلاف فيه. والثاني: يصح. ثم إن كان المال منهما يقرع بينهما، وإن كان من أحدهما فهو أولى بالبداية، وإن كان من جهة غيرهما فيقدم المستبق من يشاء، وقيل: يقرع بكل حال، سواء كان المال [منهما أو] من أحدهما أو من جهة غيرهما، ويستحب أن يكون الرمي بين غرضين؛ روي عن عقبة بن عامر؛ "أنه كان يرمي بين غرضين"، ومثله عن ابن عمر وأنس، ولأن ذلك أقطع للتنافر وأقل للتعب، فإن كان الرمي بين غرضين، فبدأ أحدهما في غرض بدأ الآخر في الغرض الثاني، فإن كانت البداية لأحدهما فرمى الآخر قبله، لم يحسب له إن أصاب، ولا عليه إن أخطأ، فإن حانت نوبته يرمي ثانياً، وإذا اختلفا في موضع الوقوف كان الأمر إلى من له البداية؛ لأنه لما ثبت له السبق ثبت له اختيار المكان، ثم يقف الآخر بجنبه، وإذا أصاب الثاني إلى الغرض الثاني كان الخيار في موضع الوقوف إليه، ولو وقف أحدهما عن يمين الغرض، والآخر عن يساره- جاز، إذا لم يكن أحدهما أقرب من الغرض، وكذلك لو قدم أحدهما إحدى رجليه حالة الرمي- جاز؛ لأنه جرت به عادة الرماة، وإن طلب أحدهما استقبال الشمس، والآخر الاستدبار- أجيب إلى الاستدبار؛ لأنه أصلح للرمي، وإن بدأ أحدهما فلا يرمي جميع ما معه من النبل، بل يرمي سهماً، ثم يرمي صاحبه سهماً هكذا حتى ينفذ نبلهما، ومطلق العقد يحمل على هذا، فإن شرطا أن يرمي كل واحد في نوبته أكثر من واحد ثلاثاً ثلاثاً، أو خمساً خمساً، أو يرمي أحدهما جميع ما معه، ثم يرمي الآخر- جاز بشرط أن يكونا فيه سواءً، فإن رمى أحدهما أكثر مما له- لم تحسب له تلك الزيادة إن أصاب، ولا عليه إن أخطأ.

стр. 3246

فصل في صفة عد المسابقة والمناضلة عقد المسابقة والمناضلة عقد لازم أم جائز؟ فيه قولان: أصحهما: لازم/ لأنه عقد يشترط فيه أن يكون المعقود عليه معلوماً من الجانبين كالإجارة. والثاني: أنه جائز؛ لأنه عقد يبدل العوض فيه على ما لا يوثق به كالجعالة؛ فإن قلنا: لازم كالإجارة- لا يجوز لأحدهما فسخه دون الآخر، ولا أن يجلس فلا يرمي؛ سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده، ولا تجوز الزيادة على العدد المشروط من الرمي ولا النقصان ولا في المال إلا أن يفسخا العقد الأول، ويستأنفا عقداً آخر، وإن قلنا: جائز كالجعالة- يجوز لكل واحد منهما أن يجلس قبل الشروع في العمل، وكذل كبعد الشروع في العمل، إذا لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، وإن كان لأحدهما فضل- يجوز لمن له الفضل أن يجلس، وهل يجوز لمن عليه الفضل أم لا؟ فيه وجهان، وتجوز الزيادة والنقصان في عدد الرمي والمال بالتراضي، فإن قلنا: هو لازم حتى لا يجوز لأحدهما أن يجلس- فكذلك إذا أراد من عليه الفضل أن يجلس، أو أراد من له الفضل، ويحتمل أن يدركه صاحبه، فإن علم أن صاحبه لا يدركه بأن شرطا إصابة خمسة من عشرين، وأصاب أحدهما خمسة، وقد بقي لصاحبه رميتان، ولم يصب إلا واحداً، ولا يتصور إصابة أربعة من رميتين، فيجوز لمن له الفضل أن يجلس؛ لأنه يبخس بحقه ولا فرق بين أن يكون المال من جهتهما أو من جهة أحدهما أو من جهة أجنبي في أن المسألة على قولين، غير أن المال إذا كان من جهة أحدهما أو من جهة أجنبي، وقلنا: هو عقد لازم- فهو لازم من جهة المعطى، أما الذي شرط له العوض فهو جائز من جهته، له أن يجلس كالرهن لازم من جهة الراهن، جائز من جهة المرتهن، ولو مرض أحد الراميين أو رمدت عينه، لم يبطل العقد؛ لأنه يمكن استيفاء المعقود عليه بعد زوال العذر، ولو عقد على عدد كثير على أن يرميا كل يوم: بكرة كذا وعشية كذا- يجوز، ولا يتفرقان إلا بعد رمي ذلك العدد المشروط من غير عذر/، فإن حدث عذر من مرض أو ريح عاصفة، تركا وبينا في يوم آخر بعد زوال العذر، ولو رميا بعض الأرشاق مثلاً، فقال أحدهما لصاحبه: ارم هذه الرمية فإن أصبته فقد نضلتك- لا يجوز، أو قال: اطرح فضلك، ولك كذا- لا يجوز، ويشترط أن يكون المال في المناضلة والمسابقة معلوماً، عيناً كان أو ديناً، كالأجرة في الإجارة، ثم بعد النضل: يجوز أخذ الرهن

стр. 3247

والصنمين به، إن كان ديناً، وإذا امتنع عن أدائه أجبره السلطان على أدائه وحبسه فيه، وإن كان عيناً يجب تسليمها، فإن هلكت في يده قبل التسليم- يجب عليه ضمانها كالمبيع إذا تلف في يد البائع قبل التسليم، وإن تلفت قبل النضل والسبق- انفسخ العقد، ويجوز الرد بالعيب، وإن شرطا مالاً مجهولاً أو ديناراً أو ثوباً، ولم يصفا الثوب أو شرطا ديناراً إلا ثوباً- لم يصح، ولو شرطا ديناراً إلا دانقاً أو صاعاً من حنطة إلا مداً- يجوز، ولو شرطا ديناراً إلا درهماً- لا يجوز إلا أن يزول إلا قدر درهم، وكانت قيمة الدينار من الدرهم معلومة يعرفان إذا حط عنه قدر [درهم فلم يبقى لا يجوز]، ولو شرطا أن المنضول والمسبوق [يطعم الأصحاب أو الناضل]، إذا أخذ المال أطعم الأصحاب يفسد العقد [أما إذا وعد السابق والناضل؛ أنه إذا أخذ المال أطعم أصحابه- لا يفسد به العقد أيضاً] ولا يلزم فإن شاء وفي بوعده، وإن شاء لم يف به، ولو قال أجنبي لأد الراميين: إن أصبت هذه الرمية فلك كذا، فأصاب استحق ما سمى الأجنبي، ويحسب له في عقد المناضلة، حتى لو جاء عشرة نفر، وضمن كل واحد له شيئاً معلوماً على إصابته، فأصاب الكل- ستحق الكل، وإن كان أحد الراميين يطيل الكلام والجلس يمنع منه، فإذا سأله رجل شيئاً، فقال له: أجبه جواباً وسطاً، لا على عجلة لا يفهم، ولا طويلاً لا يدخل الجلس على أصحابك، ولو رمى أحدهما فطول الآخر الإرسال: إما لإصابة صاحبه حتى يرد يده، ولا يصيب بعده، وإما لخطأ وقع له أن يريد أن يستعتب [عنه]، يقال له: ارم لا متعجلاً ولا متثبطاً، ولو شرطا في الرمي أن يقف أحدهما أقرب من الهدف، أو أنه إذا أخطأ يرد إليه خطأه، أو يحسب/ لواحد إصابة واحدة إصابتين أو يحط من إصاباته شيء، أو يرمي أحدهما عشرة والآخر أقل أو أكثر، أو شرطاً أن يكون في يد أحدهما من النبل أكثر مما في يد الآخر؛ وذلك أن من عادة بعض الرماة أنهم يأخذون النبل فيما بين الأصابع عند الرمي، فمن أخذ أكثر كان رميه أضعف، أو شرطا الرمي بقوس أو نبل واحد، إذا انكسر لا يبدل؛ فهذه وأمثالها تفسد العقد، وإذا فسد العقد فهل يستحق الناضل والسابق الذي شرط له المال أجر المثل؟ - فيه وجهان:

стр. 3248

أحدهما- وهو قول أبي إسحاق- لا يستحق؛ لأن نفع عمله من الفروسية، والرماية له لا لغيره؛ بخلاف الإجارة والجعالة الفاسدة، يستحق العامل فيهما أجر المثل؛ لأن عملهما وقع للغير، فاستحقا الأجرة. والوجه الثاني- وهو الأصح-: يستحق أجر المثل؛ لأن كل منفعة تضمن، فالمسمى في العقد الصحيح يضمن بعوض المثل؛ كالعمل في الإجارة والقراض؛ أما إذا كان المال من أحدهما، وسبق أو نضل الذي يعطى المال- فلا يستحق شيئاً؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يأخذ شيئاً. فصل فيما يحسب من الإصابات وما لا يحسب إذا شرط إصابة الغرض، فأصاب الشن أو الجريد، وهو الذي يدور حول الشن أو العروة، وهو السير أو الخيط الذي يشد به الشن على الجريد- حسب؛ لأن الكل من الغرض، وإن أصاب المعلاق، وهو: الذي يعلق به الغرض، [هل يحسب]؟ فيه قولان: أحدهما: يحسب؛ لأنه من الغرض؛ ألا ترى أنه إذا أمد امتد معه الغرض، فكان كالخيط والعروة. والثاني: لا يحسب؛ لأنه يعلق به الغرض. إما للغرض فهو الشن وما يحيط به. وإن شرطا إصابة الشن، فأصاب الجريد أو العروة أو المعلاق- لم يحسب لأن ذلك كله غير الشن، وإذا شرطا الإصابة، فالشرط: أن يصيب النصل الغرض، فلو أصاب القدح، [فلا يجعل مصيباً، ويحسب عليه، ولو انكسر السهم بنصفين فأصاباه، يحسب له إصابة القرع]، ولا يحسب الآخر، وكذلك لو شرطا إصابة موصوفة/ من خرق أو خسق يشترط أن يحصل ذلك بالنصل، ولو شرطا الإصابة مطلقاً، فأصابه النصل، ولم يخرق، وسقط- حسب، وإن كان الشن بالياً فأصاب موضع الخرق- حسب، ولو أغرق السهم حتى دخل نصله مقبض القوس، فإن أصاب- حسب له، وإن لم يصب لم يحسب عليه، وله أن يعود فيه، وكذلك لو انقطع وتره، وانكسر قوسه، أو حدثت في يده علة، أو عرض دون سهمه شخص أو دابة، فأصابه السهم، إن نفذ فيه، فأصاب- حسب له، وإن لم يصب [لم] يحسب عليه، وكذلك لو انكسر السهم بعد خروجه من القوس، فسقط دون

стр. 3249

الغرض، لم يحسب عليه؛ لأن عدم الإصابة لفساد الآلة، لا لسوء رميه، فإن أصاب ما فيه النصل- حسب، وكذلك لو كان في الغرض سهم، فأصاب سهمه فوق ذلك السهم، فإن كسره، ونفذ إلى الغرض- حسب له، وإن لم يصب لا تحسب عليه؛ لأنه عارض دون الشن وإنما يحسب عليه خطأ يحصل بسوء رميه، ولو عرض عارض تعثر به السهم، فجاوز الغرض ولم يصب، هل يحسب عليه؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يحسب عليه؛ لأن خطأه بسوء الرمي، ولو كان العارض يوقع السهم دون الغرض. والثاني: لا يحسب عليه؛ لأن العارض يشوش الرمي: مرة يقصر عن الغرض ومرة يجاوزه. أما إذا جاء السهم عن سنن الغرض، وخرج من السماطين، فلم يصب- حسب عليه؛ لأنه سوء رمي، وكذلك لو صرفته الريح عن سنن الغرض، فلم يصب- حسب عليه، ولو رمى مفارقاً للشن فردته الريح إلى الشن أو كان ضعيفاً، فقوته الريح، فأصاب- يحسب له، هذا في الريح الخفيفة التي لا ينفك الجو عنها، ولا يمكن الاحتراز عنها، فإن كانت الريح شديدة عاصفة، فرمى، فأصاب أو أخطأ- لا يحسب له ولا عليه؛ لأن الجو ينفك عن هذه الريح، ولو هبت ريح، فنقلت الغرض إلى موضع آخر، فإن أصاب السهم موضعه الذي انتقل عنه- حسب، وإن أصاب الغرض في الموضع الذي انتقل إليه- لا يحسب له وحسب عليه، ولو رمى السهم، فأصاب الأرض وازدلف، وأصاب الغرض، هل يحسب له؟ فيه قولان: أحدهما: يحسب؛ كما لو عرض دونه شيء، فهتكه، وأصاب. والثاني: لا يحسب؛ لأن السهم خرج عن الرمي إلى غير الغرض، وإنما أعانته الأرض حتى ازدلف عنها إلى الغرض- فلا يحسب له، وإن ازدلف ولم يصب الغرض، هل يحسب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يحسب عليه؛ لأنه إنما ازدلف بسوء رميه. والثاني: لا يحسب؛ لأن الأرض تشوش السهم وتزيله عن سننه.

стр. 3250

ولو اصطك السهم بجدار، فصرفه إلى الشن، هل يحسب له؟ فيه وجهان: أحدهما: يحسب؛ كما لو صرفته الريح. والثاني: لا يحسب، بخلاف الريح؛ لأن الهواء لا يخلو عن الريح، ويخلو عن الجدار. وإنشرطا الخسق، فإن أصاب الغرض وثقبه وتعلق بنصله- كان خسقاً ولو ثبت [فيه]، ثم سقط- حسب له؛ لأن الخسق هو أن يثبت، وقد ثبت، فسقوطه من بعد- لا يضر؛ كما لو جاء إنسان، فنزعه. ولو أصاب الغرض، فخدشه، ولم يثقبه- لا يكون خسقاً، ولو ثقبه بحيث يصلح لثبوت السهم فيه، لكنه سقط، ولم يثبت، هل يحسب فيه قولان: أحدهما: لا يحسب؛ لأن الخسق ما يثبت فيه السهم، ولم يثبت. والثاني: يحسب؛ لأنه قد ثقب ما يصلح لثبوت السهم فيه، فلعل سقوطه كان لعارض. ولو خسق إلا أن السهم قد لقي صلابة، فعاد وسقط- حسب خسقاً، ولو كان الشن بالياً أو كان عليه خرق، فأصاب موضع الخرق، وثبت في الهدف- فهو خاسق؛ لأن الشن أضعف من الهدف، فلما ثبت في الهدف، علم أنه كان يثبت في الشن، ولو أصاب الغرض، وهو معلق ملصق بالهدف، فرجع، فاختلفا، فقال الرامي: خسقت إلا أنه لقي صلابة، فرجع، وقال المرمي عليه: لم يخسق- نظر: إن كان الشن بالياً، وفيه خروق، ولم يعرف موضع الإصابة- فالقول قول المرمي عليه؛ لأن الأصل عدم الخسق، وهل يحلف؟ نظر: إن فتش الغرض، فلم يكن فيه شيء يمنع الثبوت- لم يحلف، وإن كان فيه ما يمنع ثبوته- حلف، وإن علم موضع الإصابة، ولم يكن فيه ما يمنع الثبوت، أو كان فيه غلظ، ولم يبلغ السهم موضع الغلظ/- فالقول قول المرمي عليه بلا يمين؛ كما لو أصابه ولم يخدش الغرض، ويحسب على الرامي، وإن كان قد أثر في الغرض: فإن كان الشن جريداً لا ثقب فيه، وبعد الرمي فيه ثقب قد وصل إلى الغلظ؛ إن قلنا: الخرق يقوم مقام الخسق- فالقول قول الرامي بلا يمين، ويحسب له، وإن قلنا: لا يقوم الخرق مقام الخسق- لا

стр. 3251

يحسب له، ولا عليه: لا يحسب له؛ لأنا لا نعلم ثبوته، لولا الغلظ ولا يحسب عليه؛ لأنا لا نعلم عدم الثبوت، وإن أصاب طرف الغرض، فخرمه وثبت فيه، هل يحسب خسقاً أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يحسب له؛ لأنه قد ثقب وثبت فيه. والثاني: لا يحسب؛ لأن الخسق في العادة أن يبقى شيء من الشن جلداً؛ أو حيط محيطاً بالنصل، واختلفوا في محل القولين، منهم من قال: محل القولين، إذا بقيت من الشن طعنة منفطرة محيطة بالنصل، وإن لم يبق، بل كان بعض من النصل خارجاً- لا يحسب؛ قولاً واحداً، ومنهم من قال: محلهما إذا كان بعض من النصل خارجاً، وإن بقيت طعنة منفطرة محيطة بالنصل- يحسب وإن كان الشن منصوباً فأصابه، ومرق منه، هل يحسب خسقاً؟ فيه قولان: أحدهما: يحسب؛ لأن المروق زائد على الثبوت؛ كما لو شرطا الإصابة فمرق- يحسب مصيباً فيه. والثاني: لا، حتى يثبت فيه؛ لأن الثبوت فيه نوع حذاقة. ولو انكسر السهم، فأصاب وخسق- نظر: إن خسق بالنصل حسب، وإن خسق بالقدح فلا يحسب كما في الإصابة، ولو أصاب الشن ومرق، وثبت في الهدف ووجد على نصله قطعة من الشن، فقال الرامي: هذه الجلدة قطعها سهمي بقوته، وقال المرمي عليه: بل كانت في الشن، كانت قد انقطعت من قبل، فتعلقت بالسهم- فالقول قول المرمي عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الخسق. فصل فيما لو اجتمع جماعة للمناضلة إذا اجتمع جماعة للمناضلة، فصاروا حزبين، وخرج من كل حزب زعيم-: مختار الأصحاب- جاز، ولا يجوز أن يكون زعيم الحزبين واحداً؛ كما لا يجوز أن يكون وكيل

стр. 3252

البائع والمشتري/ واحداً، ويشترط أن يكون الحزبان متساويين في العدد؛ لأن المقصود معرفة الحذق، فإذا تفاضلا في العدد، وفضل العدد الكثير- كان ذلك لكثرة العدد، لا للحذاقة وجودة الرمي ولا يجوز التغيير إلا بالاختيار، أما بالاقتراع [فلا يجوز]؛ لأن القرعة غرر لا مدخل لها في العقود، وكذلك لو قسم الحزبان بالسوية، ثم اقترع الزعيمان على أن من خرجت قرعته على أحد الحزبين كان معه- لم يجز؛ لأن تعيين المعقود عليه، لا يجوز بالقرعة في المعاوضات؛ وكذلك لا يجوز على أن من خرجت له القرعة يأخذ السبق والآخر يعطي؛ وكذلك لو قال أحد المستبقين: اختار الأصحاب واسبق والآخر يعطي واختار الجياد، فأعطى السبق، أو اختار غير الجياد، وأخذ السبق. ويشترط أن يكون عدد الأرشاق معلومة؛ فإن صاروا ثلاثة أحزاب كل حزب ثلث الجميع: يجب أن يكون عدد الأرشاق لها ثلث صحيح [كالثلثين والستين، وإن كانوا أربعة يجب أن يكون لها ربع صحيح] كالأربعين والثمانين، حتى لا يقع الاشتراك في سهم واحد، ولو شرط أحد الحزبين على الآخر أن يقدموا فلاناً في الرمي، ثم فلاناً- لم يجز، بل يقدم كل حزب من يشاء، ولو اتفقا على أنه يبدأ فلان، فسبقه غيره بالرمي- لم يحسب له ولا عليه، ويرميه إذا جاءت نوبته، وإن حضر غريب، فقسموه، ثم قال من اختاره: كنا نراه رامياً، فبات بخلافه- نظر: إن كان لا يحسن الرمي أصلاً له- رده وبطل العقد فيه وسقط من الحزب الآخر بمقابلته واحد، كما إذا بطل العقد في أحد المبيعين- سقط ما يقابله من الثمن، وفي بطلان الباقي قولان؛ فإن قلنا: لا يبطل- ثبت للحزبين الخيار بين فسخ العقد وإجازته، وإن اختاروا البقاء على العقد، وتنازعوا فيمن يخرج في مقابلته من الحزب الآخر- فسخ العقد بينهما؛ لأنه تعذر إمضاء العقد على مقتضاه، ومن أصحابنا من قال: يبطل العقد في الجميع قولاً واحداً؛ لأن من في مقابلته من الحزب الآخر غير متعين، ولا سبيل إلى تعيينه بالقرعة؛ فيبطل/ العقد، وإن كان هذا الغريب يحسن الرمي، إلا أنه قلما يصيب- فلا رد لأصحابه، وإن كان حازقاً- قلما يخطئ- فقال الحزب الآخر: كنا نراه غير حازق؛ فيفسخ العقد- ليس لهم ذلك، وإذا نضل أحد الحزبين- ففي قسمة المال بينهم وجهان:

стр. 3253

أحدهما: يقسم بينهم بالسوية؛ كما يقسم على المنضولين بالسوية حتى لو كان فيهم من لم يصب شيئاً- يستحق. والثاني: يقسم بينهم على قدر إصاباتهم؛ لأنهم استحقوا بالإصابة، فاختلفوا باختلاف الإصابة بخلاف المنضولين سوينا بينهم؛ لأنه وجب عليهم بالالتزام، وهم في الالتزام سواء؛ فعلى هذا: إذا كان في الناضلين من لم يصب- لا يستحق شيئاً، والله أعلم بالصواب.

стр. 3254

كتاب الأيمان بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. اليمين: هي تحقيق الأمر أو توكيد الأمر بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، وعند أصحاب الرأي: تحقيق الوعد بما يكفر بضده، وقيدوا بـ"الوعد"؛ لأن اليمين لا تنعقد عندهم في الماضي، والوعد يكون في المستقبل. وقالوا: "إنما يكفر بضده"؛ لأن قصد الحالف بيمينه تعظيم الله- ويكفر بضده، ولذلك قالوا: لو حلف باليهودية والنصرانية- يكون يميناً؛ لأن قصده نفي اليهودية

стр. 3255

والنصرانية عن نفسه، وبضده يكفر، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ فاليمين بالله؛ كقوله: "والذي أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده ونحوه" يكون يميناً" لأنه حلف بذاته، أما اليمين بالأسماء: فالأسماء على ثلاثة أضرب اسم مختص بالله- كقوله: "والله، والرحمن ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والحي الذي لا يموت، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء، وما أشبه ذلك": فإذا حلف بشيء منها- كانت يميناً منعقدة، سواء نوى اليمين أو أطلق أو نوى غير اليمين؛ فإن قال: لم أرد به اليمين- لا يقبل. والضرب الثاني: اسم ينصرف إلى الله- تعالى- عند الإطلاق وإلى غيره عند التقييد؛ كقوله: "والرحيم والخالق والرازق والقادر والرب وما أشبه"؛ فإذا أطلق يكون يميناً، وإن نوى به غير الله- لا يكون يميناً؛ لأنه يقال: "فلان رحيم القلب" و"رب الدين" و"خالق الكذب" و"قادر على المشي" ونحو ذلك؛ فهو كما لو قيد، فقال: "ورازق الجيش، ورب الدين- لا يكون يميناً، وسواء كان هذا الاسم مشتقاً من صفات الذات؛ مثل: "الرحمن الرحيم السميع البصير"، أو من صفات الفعل؛ مثل: "الخالق، والبارئ، وباسط الرزق، وفالق الإصباح، ومقلب القلوب، ونحوه"، فيكون يميناً. والضرب الثالث: يستعمل في غيره؛ كقوله: "والشيء، والموجود، والناطق، والعالم، والحي، والمؤمن"؛ فلا يكون يميناً إلا أن ينوي. فأما اليمين بالصفات: فالصفات قسمان [صفة ذات وصفة فعل؛ فصفة الذات كقوله: "وعظمة الله، وجلال الله، وعزة الله، وكبرياء الله، وبقاء الله، وكلام الله"؛ فهو يمين، وكذلك لو قال: "وعلم الله، وقدرة الله، ومشيئة الله" يكون يميناً؛ لأن العلم والقدرة من] صفات ذاته التي لم يزل موصوفاً بها؛ كالصفات الستة، فإن أراد بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور- لا يكون يميناً؛ لأن العلم يستعمل في المعلوم؛ كما يقال في الدعاء: اغفر لنا علمك الذي فينا، أي: معلومك، ويقال: "انظروا إلى قدرة الله، أي: مقدوره؛ فهو من صفات الفعل؛ كما لو قال: "ومعلوم الله، ومقدور الله"- لا يكون يميناً؛ لأنه

стр. 3256

حلف بمحدث؛ كما لو قال: وخلق الله، ورزق الله، ولو قال: وقرآن الله، وكتاب الله- يكون يميناً؛ كقوله: "وكلام الله"، وعند أبي حنيفة: [كلام الله] لا يكون يميناً، ولو قال: وحق الله- فهو يمين إلا أن يريد به العبادات؛ فإنها من حقوق الله- تعالى- على العباد؛ فلا يكون يميناً، وقال المزني: "وحق الله" لا يكون يميناً؛ لأنه ليس من صفات الذات، قلنا: "الحق" يستعمل ف العبادات، ويستعمل فيما يستحقه الباري من صفات الذات، فحمل مطلقه عليه؛ لكثرة الاستعمال على صفات الذات، ولو قال/: وحق الله، وقدرة الله بالرفع أو بالنصب- لا يكون يميناً، إلا أن يريد به اليمين؛ لأنه يريد: حق الله واجب، وقدرة الله ماضية. وحروف القسم ثلاثة: "الباء" و"الواو" و"التاء"، فإن قال: بالله، لأفعلن، أو: والله، أو: تالله- يكون يميناً، نوى أو لم ينو، والتاء لا تستعمل إلا في اسم الله، فإن أراد بالباء المعجمة بواحدة: بالله أستعين، بالله أثق- فلا يكون يميناً، وقال في "القسامة" "تالله" بالتاء المعجمة من فوق- لا يكون يميناً؛ فمن أصحابنا من جعل فيه قولين والمذهب: أنه يمين؛ قولاً واحداً؛ لقوله تعالى؛ إخباراً عن إبراهيم" ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وعن إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١]، وما نقل في القسامة: وقع مصحفاً؛ إنما قال الشافعي ﵁: "بالله، بالياء المعجمة باثنتين من تحت على سبيل النداء؛ لأنه دعاء ليس بيمين، وقيل: أراد به إذا حلفه الحاكم، فقال: قل: بالله، فقال هو: تالله بالتاء- لا يحسب؛ لأن يمين المدعى عليه يشترط أن يكون على وفق تحليف الحاكم، ولو قال: والله- بالرفع- يكون يميناً، والخطأ في الإعراب لا يمنع انعقاد اليمين، ولو قال: الله، لأفعلن بحذف حرف القسم- فلا يكون يميناً، إلا أن يريده؛ لأنه ليس بمعهود الشرع، ولا العرف، وقال صاحب "التلخيص": إطلاقه يكون يميناً، ولو قال: "الله" منصوباً أو مرفوعاً- فلا يكون يميناً إلا أن ينويه، ولو قال: "وايم الله"- فهو كقوله: "وحق الله"، ومعناه: "وأيمان الله"- يكون يميناً إلا أن يريد غير اليمين؛ لما روي أن النبي- ﷺ قال في أسامة بن زيد: "وايم الله، إنه لخليق بالإمارة" ولو قال: "لاها الله" فهو يمين إن أراده؛ وإن لم يرد فليس بيمين؛ لأنه غير

стр. 3257

متعارف؛ وكذلك لو قال: "لعمرو الله"- فلا يكون يميناً إلا أن يريده فيكون يميناً، قيل: معناه: لقاء الله، ولو قال: "أقسمت بالله، أو: أقسم بالله، أو: حلفت بالله، أو: أحلف بالله لأفعلن كذا". فإن أراد به يميناً في الحال، أو أطلق- كان يميناً؛ لأنه ثبت له عرف الشرع والعادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣]، وإن قال: أردت بقولي "أقسمت بالله وحلفت بالله": أني كنت أقسمت وحلفت وبقولي: "أقسم وأحلف": أني سأقسم- يقبل في الباطن، وهل يقبل في الحكم؟ نص الشافعي/ ههنا: أنه يقبل، ولا يكون يميناً، وقال في "الإيلاء": لا يقبل؛ اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يقبل في الحكم؛ لأنه يمين في العرف. والثاني- وهو الأصح-: يقبل؛ لأن ما يدعيه يحتمله اللفظ. ومنهم من قال: في الإيلاء: لا يقبل في الحكم؛ لأنه تعلق به حق المرأة، ومبنى حقوق الآدميين على الشح والضيق، وفي غير الإيلاء: يقبل؛ لأنه لا يتعلق به إلا الكفارة، وهي من حقوق الله تعالى، ومبنى حقوق الله على المساهلة. ولو قال: "شهدت بالله، أشهد بالله"؛ فإن أراد به اليمين، فإنه يمين؛ لأنه ورد به الشرع؛ قال الله تعالى: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، وأراد به اليمين فإن أراد به غير اليمين، فلا يكون يميناً؛ لأنه قد يريد بالشهادة بالله غير الأيمان بالله، وإن أطلق ولم يكن له نية- ففيه وجهان: أحدهما: هو يمين؛ لورود الشرع به. والثاني: ليس بيمين؛ لأنه لم يجر به العرف. ولو قال: "عزمت بالله، أو: وأعزم بالله" فلا يكون يميناً إلا أن ينويه؛ لأنه يريد: أعزم على الفعل بمعونة الله، ولا يكون ذلك يميناً [إلا أن ينويه]. ولو قال: "أقسمت أو: أقسم، أو: حلفت أو: أحلف، أو: شهدت أو: أشهد، أو: عزمت، أو: أعزم"، ولم يذكر اسم الله- : لم يكن يميناً، نوى أو لم ينو؛ لأنه لم يحلف باسم من أسماء الله، ولا صفة من صفاته، وقال أبو حنيفة- ﵀: يكون يميناً.

стр. 3258

ولو قال: "على عهد الله، وميثاقه، وأمانته، وكفالته"- فهو كقوله: "أشهد بالله". فإن أراد به اليمين، فهو يمين، ويكون المراد من العهد استحقاقه لما أوجبه علينا وتعبدنا به، وإن أراد غير اليمين فهو: ما أخذ علينا من العهد في العبادات- فليس بيمين، وإن أطلق- فعلى وجهين. ولو قال: "نذرت الله" ففيه وجهان، ولو قال: "اعتصم بالله، وأستعين بالله، وأتوكل عليه، وأثق به"- فلا يكون يميناً، وإن نوى، ولو قال لغيره: "أسألك بالله، أو: أقسم عليك بالله، لتفعلن كذا". فإن أراد بذلك الشفاعة، أي: أتشفع بالله عليك لتفعلن كذا- فلا يكون يميناً، وكذلك إن كان أراد يمين من يقسم عليه، أن ينعقد للمسئول- فلا يكون يميناً في حق واحد منهما؛ لأن السائل أراد يمين غيره، وهو المسئول، والمسئول لم يحلف، وإن أراد يمين نفسه؛ كأنه يحلف على المسئول: لتفعلن كذا-: كان يميناً/ في حقه، ويستحب للمسئول أن ينوي في قسمه؛ لما روي عن البراء بن عازب، قال: "أمرنا رسول الله- ﷺ بسبع: بعبادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم"، ولو حلف رجل لا يفعل كذا، فقال غيره: يميني في يمينك، أو: أنا مثلك في اليمين- لا تنعقد اليمين بغير الله- ويكره ذلك؛ كقوله: "والرسول والكعبة والسماء والأرض" ونحو ذلك؛ روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله- ﷺ أدرك عمر بن الخطاب- ﵁ وهو يسير في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت"؛ فإن قيل: أليس، قد أقسم الله تعالى بالمخلوقات، فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] وغيرها من الآيات؟ - قيل: ذكر الرب فيه مضمر، معناه: ورب النجم، ورب السماء؛ كما قال في موضع آخر: "فورب السماء والأرض، إنه لحق"، وقيل: إنما حلف بهذه الأشياء، لأنه ليس فوق الله أحد يعظم تعظيمه، فحلف بأعظم مخلوقاته، وقول النبي- ﷺ : "أفلح وأبيه، إن صدق"- صلة للكلام- ليس بقسم؛ يدل عليه: أن اليمين للتعظيم، ولا يحلف بأب الأعرابي تعظيماً له، ولو قال: إن فعلت كذا، فأنا برئ من الإسلام أو يهودي أو نصراني- فلا يكون يميناً. وعند أبي حنيفة-: يكون يميناً، ومن سبق إلى لسانه لفظ اليمين من غير قصد؛ كقول الإنسان في لجاج أو عجلة، أو في صلة كلام: "لا، والله"، "بلى، والله"- لا يكون يميناً،

стр. 3259

وكذلك: لو أراد اليمين على شيء، فسبق إلى لسانه غيره- فلا ينعقد يمينه، ولا كفارة عليه؛ لقول الله : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت عائشة ﵂: لغو اليمين: "لا والله، بلى والله". وعند أبي حنيفة: لغو اليمين: أن يحلف على أن مقتضى ظنه كذلك؛ فبان بخلافه لنا في هذا قولان؛ بناء على حنث الناسي. ويصح اليمين على الماضي؛ كما يصح على المستقبل؛ فإن حلف على ماض؛ بأن قال: "والله، لقد كان كذا، ولم يكن كذا"/ وكان صادقاً- لا شيء عليه، وإن كان كاذباً- نظر: إن كان عالماً بالحال- فهو اليمين الغموس، وهي من جملة الكبائر؛ روي عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله- ﷺ قال: "الكبائر؛ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" وعندنا: تجب به الكفارة مع العلم، وإن كان جاهلاً، هل يلزمه الكفارة؟ فعلى قولين؛ بناءً على ما لو حلف على شيء [في المستقبل] ألا يفعله ثم فعله ناسياً، هل تلزمه الكفارة؟ فيه قولان، وعند أبي حنيفة- ﵀: اليمين على الماضي: لا يوجب الكفارة، بل إن كان عالماً فهو كبيرة؛ لا تجب بها الكفارة كسائر الكبائر، وإن كان جاهلاً- فهو يمين اللغو، وربما يقولون: اليمين على الماضي لا تنعقد، والحجة عليهم أن الحكام عن آخرهم [يحلفون] على الماضي، ولو لم تكن منعقدة- لم يكن لتحليفهم معنى، وليس في كونه ماضياً أكثر من أنه آثم به، فتكون أولى بوجوب الكفارة؛ كما أن الله تعالى أخبر؛ أن الظهار قول منكر وزور ثم أوجب ب الكفارة. فصل في كراهية الحلف قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، اليمين في الجملة مكروهة إلا فيما لله فيه طاعة؛ كما قال النبي- ﷺ : "والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً".

стр. 3260

ثم إن حلف على ترك مأمور: بأن حلف ألا يصلي، أو على ارتكاب محظور: بأن حلف أن يشرب الخمر، أو لا يكلم أخاه- عصى الله تعالى به ويجب أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه، ولو حلف على ترك مندوب؛ مثل: أن حلف ألا يعود مريضاً أو لا يزور صديقاً، أو على أن يأتي بمكروه- فالأصل: أن يحنث نفسه، ويكره أن يحفظ يمينه، روي عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي- ﷺ "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة، وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير" وعن أبي موسى
следующие страницы →