Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
كان للمالك، وعلى الغاصب أجر مثله.
وقيل: في العبد لا يجب أجر المثل، إذا دفعنا كسبه إليه.
وعلى هذا: لو غصب مسلم جارحة مجوسي، فاصطاد بها-: كان حلالاً، وحكم الصيد على ما ذكرنا، وإن غصب مجوسي جارحة مسلم، فاصطاد بها-: فالصيد حرام.
ثم إن قلنا: الصيد للغاصب-: يجب على المجوسي أجر مثل الجارحة.
وإن قلنا: للمالك-: فيجب على المجوسي قيمة الصيد للمالك؛ لأنه صار ميتاً بفعله، وهل يجب أجر المثل؟ فيه وجهان.
فصل: فيما لو رمى إلى صيد فأزمنه
إذا رمى إلى صيد فأزمنه، ثم رمى إليه ثانياً، فأصابه-: نظر:
إن أصاب الثاني مذبحه-: كان حلالاً، وإن أصاب الثاني غير مذبحه، فقتله-: فهو حرام؛ لأنه صار مقدوراً على ذبحه بالإزمان، فتكون ذكاته بقطع الحلق واللبة.
ولو رمى رجل إلى صيد، فأزمنه، ثم رمى إليه رجل آخر- نظر:
إن أصاب الثاني مذبحه-: فالصيد حلال، وهو للأول؛ لأنه ملكه بالإزمان، ويجب على الثاني للأول ما بين قيمته مزمناً ومذبوحاً، وإن لم يصب الثاني مذبحه، لكن أجهز قتله-: فالصيد حرام وعلى الثاني للأول قيمته مزمناً، وإن لم يجهر الثاني قتله، بل جرحه، وتعاونت الجراحتان على الموت-: فالصيد حرام، وماذا يجب على الثاني للأول؟ فيه طريقان:
أحدهما: حكمه حكم ما لو جرح رجل عبده أو حماره، ثم جاء رجل آخر فجرحه، فمات منهما، لأن جراحة السيد غير مضمونة، وجراحة الأجنبي مضمونة؛ كما أن ههنا جرح الأول غير مضمون، وجرح الثاني مضمون، ونذكر أولاً حكم أجنبيين جرحاً عبد إنسان، أو دابة إنسان؛ فمات بسرايتهما، ماذا يجب على كل واحد منهما؟ [فههنا: يسقط أحدهما، ونوجب على الثاني ما أوجبنا على الآخر، فنقول: إذا جرح أجنبيان عبد إنسان أو دابته؛ فمات منهما، ماذا يجب على كل واحد [منهما] فيه خمسة أوجه:
أحدها: وهو قول المزني: يجب على كل واحد] أرش جراحته، ثم ما بقي من قيمته مجروحاً جرحين: ينصف بينهما، مثل: إن كانت قيمته عشرة دنانير: ينقص بجراحة
стр. 3187
كل واحد دينار، يجب على كل واحد دينار، بقي ثمانية؛ يجب على كل واحد أربعة.
وإن كان أرش جراحة أحدهما دينارً، وأرش جراحة الآخر ثلاثة-: فعلى هذا دينار، وعلى ذلك ثلاثة؛ بقي سنة؛ فعلى كل واحد ثلاثة.
ففي الصيد قيمته عشرة دراهم؛ عادت بجرح الأول إلى تسعة، وبجرح الثاني إلى ثمانية، فعلى الثاني خمسة دراهم: درهم لأرش الجراحة، وأربعة أخرى نصف قيمته مجروحاً جرحين، ويدخل على هذا أنا أوجبنا على الثاني مثل ما أوجبنا على الأول، وجراحة الثاني صادفت عبداً مجروحاً ناقصاً؛ ولأن فيه إفراد أرش الجراحة عن بدل النفس بعدما صارت الجراحة نفساً.
والوجه الثاني- وهو قول صاحب "التقريب"-: أن على الأول أرش جراحته، ثم ما بقي من قيمته ينصف بينهما.
بيانه: أرش جراحة الأول دينار؛ بقي من قيمته تسعة؛ ينصف بينهما؛ فعلى الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف.
وإنما لم نفرد أرش جناية الثاني؛ لأن الأول بعد أرش جنايته: بقيت سراية جنايته، فقابل جرح الثاني فيستويان.
ففي الصيد: يجب على الثاني أربعة دراهم ونصف، ويدخل على هذا بعض ما دخل على الأول، وهو أن فيه إفراد أرش جراحة الأول بعد ما صارت الجراحة نفساً.
والوجه الثالث: يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جرحه.
بيانه: قيمته عشرة، فعادت بجرحه إلى تسعة، ثم جرح الثاني-: يجب على الأول خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف.
ففي الصيد: يجب على الثاني أربعة دراهم ونصف، ويدخل عليه ما لو أتلف عليه عبد قيمته عشرة، ولم يصل إليه من قيمته إلا تسعة ونصف.
والوجه الرابع- قاله ابن خيران-: هذه العشرة التي هي قيمته-: توزع على قيمته يوم جرح الأول، وهي عشرة، وعلى قيمته يوم جرح الثاني، وهي تسعة. فنجعل العشرة التي هي قيمته تسعة عشر جزءاً: عشرة منها على الأول، وتسعة على الثاني، فلا يدخل على هذا الوجه شيء مما ذكرناه؛ لأنه ليس فيه إفراد أرش الجراحة عن بدل النفس، ولا نقصان عن قيمة العبد.
والوجه الخامس- اختاره الشيخ القفال-: قال: يجب على كل واحد منهما نصف أرش جراحته، ثم باقي قيمته مجروحاً جرحين: ينصف بينهما.
стр. 3188
وإنما قلنا: يجب نصف أرش الجراحة؛ لأن ضمان الطرف إنما يدخل كله في ضمان النفس، إذا كان كل بدل النفس مضموناً عليه.
وههنا: نصف بدل النفس عليه، والنصف على غيره، فيدخل فيه نصف أرش جراحته.
بيانه: قيمته عشرة انتقص بجرح الأول من قيمته دينار، ويجرح الثاني دينار؛ فيجب على كل واحد نصف دينار، ثم ينصف الباقي- وهو ثمانية بينهما، ويكون على كل واحد أربعة ونصف.
ففي الصيد: يجب على الثاني أربعة دراهم ونصف؛ فلم يصل إلى المالك إلا تسعة؛ ويجوز ذلك، وإن كانت قيمته عشرة؛ لأن الجراحات إذا توالت على شخص تارة: توجب زيادة في القيمة، وتارة: توجب نقصاناً؛ مثل: إن قطع يد عبد قيمته ألف، فعادت قيمته إلى مائتين، ثم جاء آخر وقتله، فعلى القاطع خمسمائة، وعلى القاتل مائتان، فكانت قيمة العبد ألفاً، ولم يصل إلى المالك إلا سبعمائة.
ومن قال بهذه الطريقة لا يفصل بين أن يدركه مالكه حياً، فأمكنه ذبحه، فلم يذبح، وبين ألا يدركه.
والطريقة الثانية: لا يجعل هذا كالجناية على العبد؛ لأن تلك الجناية جراحة مفسدة، وجرح الصيد للاصطياد والاكتساب، بل ينظر في المزمن الأول: إن لم يدركه حياً، ولم يتمكن من ذبحه-: يجب على الثاني قيمته مزمناً للأول؛ كما لو أجهز قتله، وإن أدركه حياً، وأمكنه أن يذبح، فلم يذبح، ففيه وجهان:
أحدهما: لا شيء على الثاني إلا أرش جراحته؛ لأن التفريط من الأول يترك الذبح.
والثاني: هو كما لو لم يتمكن من الذبح، فعلى الثاني قيمته مزمناً؛ كما لو جرح شاة لرجل، فماتت-: يجب عليه تمام قيمتها، وإن ترك المالك ذبحها معتالإمكان.
وأما إذا رمى إلى صيد، فأصابه، ولم يزمنه، ورمى إليه آخر، فجرحه، وأزمنه-: فالصيد للثاني، ولا شيء على الأول بسبب جرحه؛ لأنه حين جرحه كان مباحاً، فلو رمى إليه الأول بعدما أزمنه الثاني، وجرحه- نظر:
إن أصاب مذبحه-: فهو حلال، وهو للثاني، وعلى الأول ما بين قيمته مزمناً ومذبوحاً.
стр. 3189
وإن لم يصب الأول مذبحه- نظر:
إن أجهز قتله-: فهو حرام، وعلى الأول- للثاني قيمته مزمناً، وإن لم يجهر قتله، ولكن تغاونت الجراحات على قتله-: فالصيد حرام وماذا يجب على الأول للثاني؟ فيه وجهان:
أحدهما: ثلث قيمته زمناً؛ لأن الموت حصل بثلاث جراحات، واحدة منها مضمونة.
والثاني- قاله الشيخ القفال-: لا يجب على الأول إلا ربع قيمته، لأن الجناة إذا تعددوا يوزع الأرش على عدد رؤوسهم، ثم ما يخص كل واحد منهم يوزع على أحواله؛ فيجب ما يقابل حالة الضمان، ويسقط ما يقابل حالة الهدر؛ كما لو جرح رجلان مرتداً، فأسلم، ثم جرحه أحدهما، ومات من الكل؟ يجب على الجارح في الإسيلام ربع الدية.
ولو رمى رجلان سهماً إلى صيد، فأصاباه معاً، وقتلاه-: فالصيد حلال، وهو بينهما.
قال الشيخ القفال: سواء أصابا المذبح، أو غير المذبح، أو أصاب أحدهما المذبح.
وكذلك قال: لو جرح رجلان رجلاً معاً، فمات-: عليهما القود، أو الدية، وإن أصاب أحدهما المقتل دون الآخر، ولو أصابه أحدهما، ولم يزمنه، ثم أصابه الآخر، فأزمنه، فلو تفردت الرمية الثانية لم تكن تزمنه-: فالصيد لمن يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بينهما؛ لأن الامتناع زال بفعلهما.
والثاني: وهو الأصح-: يكون للثاني؛ لأن الملك يحصل بزوال الامتناع، وحصل ذلك عقيب فعل الثاني، وكان الأول كالمعين له، فهو كمن أرسل كلباً على صيد، فصرف رجل الصيد إلى الكلب، أو ضيق طريقه حتى أخذه الكلب-: كان الصيد للمرسل.
ولو ادعى السابق اني كنت أزمنت، وأنكر الآخر-: فالقول قول الثاني مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤه على الامتناع.
ولو أصاب أحدهما عقيب الآخر، وأحدهما مزمن، والآخر أصاب المذبح، ولم يدر أيهما سبق-: فالصيد حلال.
فإذا اختلفا فقال كل واحد: أنا أزمنته؛ فالصيد لي-: يتحالفان، ثم الصيد يكون بينهما، ولا شيء لأحدهما على الآخر.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر-: فالصيد للحالف، وعلى الناكل ما بين قيمته مزمناً ومذبوحاً.
وإن كان أحدهما مزمناً، والآخر مجهزاً لم يصب المذبح، وشككنا في السابق-:
стр. 3190
فالصيد حرام؛ لاحتمال أن المزمن هو السابق، فإذا اختلفا، فقال كل واحد: أنا أزمنته؛ فعليك قيمته-: تحالفا، ولا شيء لأحدهما على الآخر، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر-: فعلى الناكل قيمته مزمناً للحالف، ولو تينقنا أن المجهز سابق-: فالصيد حلال.
فإذا اختلفا، فقال كل واحد: أنا أجهزته؛ فهو لي-: تحالفا، والصيد بينهما، فإن حلف أحدهما-: كان الصيد للحالف.
وإن دخل اللحم نقص برمي الثاني-: فعليه ضمان ما نقص.
ولو قال أحدهما: أنا أزمنت أولاً، ثم أنت أجهزته؛ فعليك قيمته مزمناً، وقال الآخر: بل أنا أزمنته أولاً، ثم أنت أجهزته؛ فالصيد لي-: فالصيد حرام على الأول.
وهل يحل للثاني؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأنه مقر بحله.
والثاني: لا يحل؛ لأن قوله يعارضه قول الأول؛ وهذا بناءً على ما لو غاب الصيد بعد الجرح، فوجده ميتاً، ويحلف الثاني على نفي الضمان.
فصل في صيد البحر
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان؛ الميتتان؛ الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال".
стр. 3191
الحيوانات على ثلاثة أقسام: قسم يعيش في البر، ولا يعيش في البحر، إلا عيش المذبوح-: فلا يحل ميت شيء منها، إلا الجراد: فإنه تحل ميتته.
وما سواه ينقسم: إلى ما تحل ذكاته، وما لا تحل؛ على ما سنبين، إن شاء الله تعالى.
وقسم يعيش في البر والبحر معاً؛ كالضفدع، والسرطان والحية والتمساح-: فلا يحل شيء منها لا ميتاً ولا ذكياً، وقال الحليمي: يحل السرطان [إذا ذبح].
ومنها: ما يعيش في البحر، ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح-: فهو قسمان: سمك وغيره فلا يحل شيء منها إلا السمك يحل ميته، سواء مات بسبب، أو غير سبب، طفا عنه الماء، أو رسب في قعره، حتى لو ذبح حيوان، فخرجت من بطنه سمكة ميتة غير متغيرة-: يحل أكلها، وإن كانت متغيرة-: فهو روث لا يحل.
وقال أبو حنيفة: لا يحل السمك الطافي.
وحقيقة الخلاف: أن عندهم إنما يحل السمك إذا مات بسبب من ضغطة، أو وقوع على حجر، أو انحسار ماء: فإن مات بلا سبب-: فلا يحل، حتى قال: لو مات، ونصفه خارج من الماء: فإن كان راسه خارجاً-: حل؛ لأنه مات بانقطاع النفس، وإن كان النصف الأسفل خارجاً-: فلا يحل والحديث حجة عليه؛ وروي عن أبي أيوب أنه أكل سمكاً طافياً".
ولو اصطاد مجوسي سمكة-: تكون حلالاً.
ولو ذبحت السمكة-: يكره، فإن تباطأ خروج روحها-: فلا بأس بذبحها، ويحل أكلها بعد الذبح؛ سواء ذبحها مسلم أو مجوسي؛ لأن ذبح المجوسي يجعل الحيوان ميتاً، وميت السمك حلال.
ودم السمك وبوله وروثه-: هل يكون طاهراً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون نجساً؛ كدماء سائر الحيوانات.
والثاني: يكون طاهراً؛ لنه ليس بحقيقة دم؛ بدليل أنه إذا أصابته الشمس: يبيض.
ولو قطعت فلقة من سمك حي-: فقد قيل: لا تحل؛ كما لو قطع من غيره: لا يحل.
والمذهب: أنه يحل؛ لأنه إنما لم يحل من غيره للحديث: "ما أبين من حي فهو ميت، وميت السمك: حلال.
стр. 3192
وهل يجوز ابتلاع السمك حياً؛ فإنه ينفع من بعض العلل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأن ميته حلال.
والثاني: لا يحل؛ لأن فيه تعذيب الحيوان.
وكذلك الجراد: تبتلعه حياً: فيه وجهان؛ بخلاف سائر الحيوانات: لا يجوز ابتلاع شيء، منها حياً؛ لأن لها دماً يجب سفحه بالذكاة، ولم يوجد.
أما غير السمك من حيوانات البحر: هل يحل ميته؟ فيه أوجه:
أحدها: لا يحل؛ وهو قول أبي حنيفة- ﵀ لأن النبي ﷺ خص السمك بالحل.
والثاني: وهو الأصح-: يحل الكل؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ولم يفصل، ولقول النبي- ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته".
стр. 3193
وبعضنا قالوا: أصل هذا: أن الكل هل يسمى حوتاً أم الحوت اسم للسمك على الخصوص؟ فيه وجهان:
إن قلنا: الكل يسمى حوتاً-: حل الكل؛ وإلا فلا يحل إلا السمك.
والأول أصح؛ إن الكل حوت، وإن اختلفت صورتها: بعضها يشبه الحمار، وبعضها يشبه الكلب والخنزير؛ كما أن الخرتيت يشبه الحية، وهو نوع من السمك-: يحل ميته بالاتفاق.
والوجه الثالث: ما يؤكل جنسه في البر ذكياً: يحل ميتة في البحر؛ مثل: بقر الماء، وشاة الماء، وما لا يؤكل في البر ذكية؛ مثل الحمار والكلب والخنزير-: فلا يحل ميتة في البحر.
فإذا قلنا: لا يحل إلا السمك فإذا ذبح ما يؤكل جنسه في البر؛ مثل بقر الماء؛ وشاة الماء-: هل يحل؟
قال الشيخ- ﵀: يحتمل وجهين:
أحدهما: يحل؛ كالمذبوح من حيوانات البر.
والثاني: لا يحل؛ لأنه ليس بحقيقة بقر، ولا شاة.
وإذا قلنا: يحل ما يؤكل جنسه في البر، هل يذبح المائي؟ قولان، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين؛ إنه أرحم الراحمين.
стр. 3194
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الضحايا
قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال عكرمة وعطاء: فصل لربك صلاة العيد، وانحر نسكك.
الأضحية: سنة مستحبة، وهي اسم للنعم التي تذبح يوم الأضحى، وثوابها جزيل؛ روي عن عائشة- ﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم؛ إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً".
وروي عن أنس؛ أن النبي- ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين؛ يطأ على صفاحهما ويذبحهما بيده، وييقول: "باسم الله والله أكبر".
стр. 3195
وليست الأضحية بواجبة؛ لما روي أن أبا بكر وعمر- ﵄ كانا لا يضحيان؛ كراهية أن يرى أنها واجبة، وعند أبي حنيفة: هي واجبة على كل مقيم ملك نصاباً من أحد النقدين أن يضحي عن نفسه، وعمن يلزمه نفقته.
ويستحب لمن أراد الأضحية؛ إذا دخل عشر من ذي الحجة.
لما روي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ "إذا دخل العشر، فأراد أحدكم أن يضحي- فلا يمس من شعره ولا من [بشره شيئاً] ".
ولا تجوز الأضحية إلا من النعم، وهي: الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا
стр. 3196
اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾، ولا يجوز من الإبل والبقر والغنم دون الثنية، والثني من الإبل: ما استكمل خمس سنين، وطعن في السادسة ومن البقر والمعز: ما طعن في الثالثة، وتجوز من الضأن الجذعة، وهي التي استكملت سنة، وطعنت في الثانية، وأجذعت سناً من قبل، وتجوز فوق الثنية، ويجوز فيها الذكر والأنثى؛ كما في العقيقة ويستحب أن يختار أعظمها وأسمنها وأحسنها؛ فالبعير أحب إلينا من البقر، والبقر أحب إلينا من الغنم؛ لأنهما أكثر لحماً، والضأن أحب إلينا من المعز؛ [لأن لحمه أطيب] والعفراء أحب إلينا من السوداء لأنها أحسن؛ قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] هو استسمان الهدي واستحسانه وإذا ضحى بشاة- فهو أفضل من أن [يشارك ستة في بدنة أو بقرة، وكذلك لو ضحى بسبع شياه- فهو أفضل من أن] يضحي ببدنة أو ببقرة؛ لأن- لحم الشاة أطيب، وعدد إراقة الدم أكثر، وقيل: إن البدنة والبقرة أولى من سبع شياه، لأن اللحم فيها أكثر، فلو ضحى بشاة واحدة سمينة كان أفضل من شاتين دونهما في السمن، قال الشافعي- ﵁ في الأضحية: استكثار القيمة مع استقلال العدد- أحب إلي من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي
стр. 3197
العتق: استكثار العدد مع استقلال القيمة-[أحب إلي من استكثار القيمة مع استقلال العدد]؛ لأن المقصود من الأضحية: اللحم ولحم السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق: تكمل حال الشخص وتخليصه عن ذل الرق؛ فتخليصه لجماعة من الذل أفضل من تخليص واحد.
ويشترط أن تكون الأضحية سليمة من العيوب، وهو كل عيب يضر باللحم؛ روي عن البراء بن عازب؛ ان النبي- ﷺ سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: أربعاً، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصرم ن يد رسول الله ﷺ : "العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تتقي" وإنما قال: "البين ظلعها [كالعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها]؛ لأنه إذا كان به أدنى عرج أو عمش أو عجف أو مرض- يجوز، ولا تجوز مقطوعة [شيء من] الأذن، وإن قل؛ لأن فيه نقصان اللحم، ولا مقطوعة الذنب؛ روي عن علي- ﵁ قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء" قيل لأن فيه نقصان اللحم "ولا مقطوعة الذنب، ولا الخرقاء".
стр. 3198
قوله: "نستشرف العين والأذن" يعني أي نضحي بواسع العينين- طويل الأذنين، والمقابلة: ما قطع طرف أذنها؛ والمدابرة: ما قطع جانب منها، والشرقاء: مشقوقة الأذن، والخرقاء: مثقوبة الأذن.
وعند أبي حنيفة- ﵀: إن قطع من أذنه أقل من الثلث- يجوز.
وقال أبو يوسف يجوز مقطوع نصف الأذن، وهل يجوز مشقوق الأذن ومثقوبة والموسوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه ليس فيه نقصان.
والثاني: لا يجوز؛ لأن موضع الشق، والوسم يتصلب؛ فلا يمكن أكله؛ فكان كالمقطوع، ولو ضحى بشاة لم يخلق لها أذن أو آلية، أو بعير لم يخلق له ذنب- لا يجوز؛ كما لو كان مقطوع هذه الأعضاء، فإن كانت لها أذن صغيرة أو آلية صغيرة [أو ذنب
стр. 3199
صغير] جاز، وإن لم يكن لها ضرع أو كانت يابسة الضرع- يجوز؛ لأن العجل يجوز، ولا ضرع له، وفي مقطوعة الضرع وجهان.
قال الشيخ- ﵀ ينبغي ألا يجوز؛ كمقطوعة الآلية ويجوز الخصي والموجوء؛ فإنه روي أن النبي- ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجوءين ولأن لحمه يكون أطيب، والخصيبة لا تؤكل؛ ولا تجوز منتثرة الأسنان، ويجوز مكسور سن أو سنين، وتجوز الجلحاء، والتي لا قرن لها، ومكسور القرن دمي أو لم يدم، وقال مالك- ﵀ إن دمي- لم يجز، ولا تجوز التولاء، وهي المجنونة، ولا الجرباء؛ لأن الجرب يفسد اللحم.
ووقت الأضحية، إنما يدخل إذا ارتفعت الشمس يوم النحر قيد رمح، ومضى بعده قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين؛ فمن ذبح قبله- فهو لحم قدمها لأهله- لا يحسب من الأضحية؛ روي عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ : "من ذبح قبل الصلاة فإنما [يذبح] لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين".
وإذا ذبح بعد هذا الوقت- يحسب؛ سواء صلى الإمام أو لم يصل؛ لا فرق فيه بين أهل البلد وأهل السواد، وبين المسافر والمقيم، ويمتد وقته إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق ويجوز في ليالي أيام التشريق.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأهل البلد الذبح ما لم يفرغ الإمام من صلاة العيد، فإن ل م يصل- فحتى نزول الشمس، وأما أهل السواد والمسافرون- قال: جاز لهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر من يوم النحر، وعنده: وقته يوم النحر ويومان بعده، وعند مالك: لا يجوز الذبح في ليالي التشريق.
ويستحب أن يذبح أضحيته بيده؛ لأن النبي- ﷺ ذبح بيده، فإن عجز- أمر غيره بذبحه، والأولى: أن يجعله إلى مسلم؛ فإن جعله إلى امرأة حائض أو نفساء يجوز، وهي أولى من الكتابي، فإن أمر به كتابياً- جاز، وإذا جعله إلى غيره- يستحب أن يشهده؛ فإنه روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي- ﷺ قال لفاطمة- ﵂: "قومي إلى أضحيتك؛ فاشهديها؛ فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك".
стр. 3200
ويذبح بسكين حاد؛ لما روي عن شداد بن أوس؛ أن النبي- ﷺ قال: "إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء؛ فإذا قتلتم- فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم- فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".
والسنة: أن ينحر البعير قائماً على ثلاث معقولاً ركبته، فإن لم يمكن، فباركاً، وتضطجع البقرة والشاة على جنبها الأيسر، وتشد قوائمها الثلاث، وتترك رجلها اليمنى.
وتوجه الذبيحة إلى القبلة حالة الذبح، قيل: يوجه مذبحها، وقيل: جميع بدنها ويسمي الله ، ويقول: "اللهم منك وإليك؛ فتقبل مني"، بعني"، يعني: هذه نعمة منك وسقتها إليك، ولو صلى على النبي- ﷺ لم يكره.
وعند أبي حنيفة: يكره.
وإذا ذبح- يكره أن يبين رأسه حالة الذبح، وأن يبالغ في القطع؛ حتى يبلغ النخاع، بل بعد قطع الحلقوم والمرئ. يتركه حتى تفارق الروح، ولا يسلخه ما لم يسكن، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: "لا تعجلوا الأنفس أن تزهق، ونهى عن النخع".
ولو نذر رجل أضحية معينة لله، فقال: "علي أن أضحي بهذه البدنة، أو هذه الشاة"- يصح ويزول ملكه عنها، ولا يجوز له بيعها، ويجب أن يذبحها يوم النحر، أو في أيام التشريق؛ فلو هلك قبل يوم النحر- فلا شيء عليه، ولو أهلكها- يجب عليه أن يشتري
стр. 3201
بقيمتها مثلها؛ فيذبحها يوم النحر، [ولو ذبحها قبل يوم النحر- عليه أن يتصدق بلحمها، وعليه بدلها، يذبحها يوم النحرن ولو تعيبت قبل يوم النحر- ذبحها يوم النحر]، ولا شيء عليه، ولو نذر أضحية في ذمته، ثم عين في واحدة فقال: "لله علي أن أضحي بهذه عما في ذمتي"، فكذلك يلزمه أن يذبحها يوم النحر أو أيام التشريق، فإن تلفت المعيبة قبل يوم النحر- فالأصل في ذمته، وإن تعينت قبل يوم النحر- له أن يتملكها، والأصل في ذمته، وقد ذكرناها في آخر كتاب الحج بعون الله .
وتشترط النية في الأضحية، فإن لم يكن عين من قبل- يجب أن ينوي حالة الذبح، وإن كان قد نذر معيناً أو عين عما في الذمة- فهل يحتاج إلى النية حالة الذبح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحتاج، ويكفيه النية السابقة.
والثاني: يحتاج؛ لأن الأولى كانت للتعيين لا للذبح.
وإن وكل بالذبح، فينوي عند الدفع إلى الوكيل، أو حين يذبح الوكيل.
ولو ولدت الأضحية الواجبة؛ سواء كانت معينة أو عينها عما في الذمة- يجب أن يذبح معها ولدها، وله أن يشرب من لبنها [بعد] ما فضل عن ري ولدها، وله أن يأكل من أضحية التطوع، وكم يأكل؟ فيه قولان:
أحدهما: النصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
والثاني- وهو الأصح-: الثلث؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، جعلها لثلاثة.
وإذا تصدق بقليل منها، وأكل الباقي- جاز.
أما المنذورة- هل يجوز أن يأكل منها؟ فيه قولان: إن قلنا: مطلق النذر يحمل على أقل إيجاب الله تعالى- لا يجوز؛ وإلا - فيجوز، وإن جوزنا الأكل-[فكم يأكل]؟ فعلى القولين.
ولا يجوز للعبد ولا المدبر ولا أم الولد- التضحية؛ لأنه لا ملك لهم؛ فإن أذن له سيده [فيه]- جاز، وتقع عن السيد، ولا يجوز للمكاتب أن يضحي بغير إذن السيد،
стр. 3202
وهل يجوز بإذنه؟ فعلى قولين؛ بناءً على أن تبرعاته بإذن المولى- هل تنفذ؟ فيه قولان.
ولو ضحى عن الغير بغير أمره- لا يجوز عنه، وكذلك عن ميت إلا أن يكون قد أوصى به، والله أعلم.
باب العقيقة
روي [عن الحسن] عن سمرة. قال: قال رسول الله ﷺ "الغلام مرتهن لعقيقته؛ تذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويحلق رأسه"، وعن أم كرز قالت: سمعت
стр. 3203
النبي- ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، ولا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً".
стр. 3204
العقيقة: سنة، وهو اسم لما يذبح عن المولود، وعند أبي حنيفة: هي بدعة، لما روي أن النبي- ﷺ سئل عن العقيقة، فقال: "لا نحب العقوق"، والمراد من الحديث: أنه
стр. 3205
كره تسميتها بهذا الاسم، بل تسميتها: "نسيكة" أو "ذبيحة" كما نهى عن تسمية صلاة العشاء: "عتمة"؛ فقد روي عن النبي- ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين.
стр. 3206
والمستحب: أن يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة، وعن ابن عمر: يعق عن كل واحدة بشاة، وبه قال مالك.
والشاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز سليمة من العيوب؛ كما في الأضحية.
ويذبحها يوم السابع من ولادة المولود، فإن ذبح قبله- يجوز؛ لأن السبب موجود، وهو الولادة، ويجوز أن يأكل منها، ويتصدق، ولا يجوز أن يبيع شيئاً منها؛ لأنه ذبحها قربة إلى الله تعالى؛ كالأضحية.
ويستحب ألا يتصدق بلحمها نياً؛ بل يطبخه، ويبعث إلى المساكين بالصحائف، ولو دعا إليه قوماً- جاز ولا يكسر عظامها؛ تفاؤلاً بسلامة أعضائه؛ بل يفصل مفاصلها؛ قال الشافعي- ﵁: "ويطبخها بحموضة"؛ لعله ذهب إلى قول النبي- ﷺ : "نعم الإدام الخل"، وقيل: لا يطبخها بحموضة؛ تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه،
стр. 3207
ويستحب أن يحلق رأس الصبي بعد ذبح العقيقة، ويكره أن يحلق بعضه؛ لأن النبي- ﷺ نهى عن القزع، ويلطخ رأسه بالزعفران، ويكره أن يلطخ بدم العقيقة وكان ذلك من عادة أهل الجاهلية، وإذا حلق رأسه- يستحب أن يتصدق بزنة شعره ذهباً أو ورقاً؛ روي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وزنت شعر الحسن والحسين- ﵃ وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنته فضة.
ومن ولد له مولود- يستحب أن يؤذن في أذنه؛ روي عن أبي رافع قال: رأيت النبي- ﷺ أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة، وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يؤذن في اليمنى، ويقيم في اليسرى؛ [إذا ولد له صبي.
стр. 3208
ويستحب أن يحنك المولود]، وهو أن يمضغ التمر فيدلك بحنك الصبي داخل فمه؛ روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم، ويحنكهم".
ويستحب أن يسمى يوم السابع؛ قال الشيخ- ﵀: فإن سمى قبله- يجوز؛ لما روي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم"، ويستحب تسمية السقط؛ لحديث جاء فيه.
стр. 3209
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأطعمة
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤].
ما يحل أكله قسمان: حيوان، وغير حيوان:
أما الحيوان- فقسمان: حيوان البحر، وحيوان البر.
أما حيوان البحر- فقد ذكرناه في "كتاب الصيد".
وأما حيوان البر- فينقسم إلى ما يحل أكله، وإلى ما لا يحل أكله: فكل ما جاء به القرآن أو السنة بتحليله- فهو حلال، وما جاء بتحريمه- فهو حرام. فالأنعام حلال وهي: الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ولحم الخيل حلال، ولا يحل لحم البغل والحمار الأهلي؛ والدليل عليه ما روي عن أسماء قالت: ذبحنا على عهد رسول الله -صل الله عليه وسلم - فرساً، ونحن بالمدينة، فأكلناه، [وعن جابر أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل"].
стр. 3210
وعن جابر أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ ونهى عن لحوم البغال والحمير.
وعند أبي حنيفة: لا يحل لحم الخيل، ويحل الحمار الوحشي؛ كما تحل الظباء وبقر الوحش.
وروي عن أبي قتادة؛ أنه رأى حماراً وحشياً بطريق مكة، فقتله؛ فأكل منه بعض أصحاب النبي- ﷺ وأبى بعضهم؛ لأنهم كانوا محرمين؛ فسألوا النبي- ﷺ : فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله، هل معكم من لحمه شيء"، ويحل أكل الضبع والب والأرنب؛ لما روي عن ابن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، أصيد هي؟ فقال: نعم، فقلت: أتؤكل؟ قال: نعم، فقلت: سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال:
стр. 3211
نعم، وروي عن ابن عمر قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن أكل العنب؟ فقال: "لا اكله، ولا أحرمه"، وعن عبد الله بن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة بنت الحارث، فأتي بضب محنوذ، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" قال خالد بن الوليد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله- ﷺ ينظر فلم ينهني.
стр. 3212
وروي عن أنس أنفجنا أرنباً بمر الظهران، فأدركتها، فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بفخذيها، فقبله ويروى: "فأكل منه".
وفي معنى الأرنب: الثعلب، واليربوع، والفنك والقماقم والسمور،
стр. 3213
والحواصل كلها حلال، وأم حبين حلال قضى فيها عثمان بحلان في الحرم والإحرام.
وعند أبي حنيفة: لا يحل أكل هذه الأشياء.
أما ما جاء الكتاب والسنة بتحريمه؛ فكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وروي عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" وأراد بذي الناب: ما يعدو بأنيابه، ويقصد الحيوانات، فيخرج منه أنه لا يحل: الأسد والنمر والفهد والذئب
стр. 3214
والكلب والبير والدب والقرد والفيل ولا يحل من الطيور: النسر والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة، وفي معناه: ابن آوى؛ لا يحل أكله على ظاهر
стр. 3215
المذهب: وفيه وجه آخر: أنه يحل؛ لصغر نابه، كالثعالب، ولا تحل الهرة الأهلية، وفي الهرة الوحشية وجهان:
أحدهما: تحل؛ كالحمار الوحشي حلال، وإن كان الأهلي حراماً.
والثاني- وهو الأصح-: لا يحل؛ لأنه يعدو بنابه؛ كالذئب؛ بخلاف الحمار؛ فإنه يتنوع إلى وحشي وأنسي.
والهرر كلها نوع واحد، فما بعد من الناس- توحش، وما قرب منهم- استأنس، يدل عليه أن الوحشي منها والأهلي سواء في أنها تتلون ألواناً مختلفة والحمار الوحشي لا يتلون، والأهلي يتلون، وفي ابن عرس وابن مقرض وجهان؛ وكذلك القنفذ والسلحفاة والضيرم والدلدل والوبر فيه وجهان، وروي عن ابن عمر؛ أنه سئءل عن القنفذ؛ فتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ...﴾ [الأنعام: ١٤٥].
стр. 3216
أما كل حيوان لم يرد بتحليله ولا تحريمه نص- قال صاحب "التلخيص": كل ما أمر النبي- ﷺ -بقتله- فهو حرام [وما نهى عن قتله- أيضاً- حرام".
قال أصحابنا: أما قوله: "ما أمر بقتله- فهو حرام"].
فهو صحيح، وذلك مثل ما روي عن عائشة عن النبي- ﷺ أنه قال: "خمس فواسق؛ تقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا" ورواه أبو هريرة، فجعل بدل الغراب "العقرب"، وفي بعض الروايات: "وكل سبع عادي"، فهذه الأشياء حرام كلها.
وأما قوله: "ما نهى عن قتله- فهو حرام" وذلك مثل ما روي أنه نهى عن قتل ستة: النحلة والنملة والخطاف والصرد والهدهد [والضفدع]- فهذا ليس على
стр. 3217
هذا الإطلاق؛ قال الشافعي- ﵁: أوجب في الهدهد والصرد الجزاء، وعنده: لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل لحمه، ولأصحابنا فيهما وجهان:
أحدهما: لا يحل؛ لورود النهي عن قتلهما.
стр. 3218
والثاني: يحل والنهي عن قتلهما ليس لأجل التحريم؛ ولكن لأن الهدهد يكون منتناً، والصرد كانت تتشاءم به العرب، أما الخطاف والنحلة والنملة والذر والذباب- فحرام، وفي معناه جميع حشرات الأرض: من الخنفساء، واللحكاء والعظاء، والوزغ،
стр. 3219
والجعلان، والديدان، وبنات وردان، وحمار قبان.
وأما ما لم يرد به تحليل ولا تحريم، ولا جاء الأمر بقتله ولا النهي عن قتله- فالمرجع فيه إلى غالب عادات العرب؛ فما تستطيبه العرب وتأكله في حال الرفاهية- فهو حلال وما تستخبثه [فهو حرام]؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] خاطب العرب بإباحة الطيبات لهم؛ فدل على أن ما كانوا يستطيبونه- فهو حلال لهم، وهم لا يستطيبون شيئاً مما عددنا من المحرمات، ويرجع فيه إلى أهل الريف وذوي اليسار، وأهل القرى من العرب دون الأجلاف من أهل البادية والقفر أو أهل الضرورة، فإن استطاب قوم شيئاً، واستخبثه قوم؛ فينظر إلى ما عليه الأكثر؛ فيحل من الطيور والحمام، وهو كل ما عب وهدر من اليمام والقمري والدبسي،
стр. 3220
والفواخت.
ويحل العندليب والبلبل والعصافير والصعوة والزرزور، وتحل النعامة
стр. 3221
والكركي والقبج والبط والإوز والنعام والديك والدجاج والحبارى؛ روي عن أبي موسى الأشعري قال: "رأيت رسول الله- ﷺ يأكل لحم دجاج"، وعن سفينة قال: "اكلت مع النبي- ﷺ حبارى".
وفي اللقلق والعقعق وجهان:
أصحهما: حرامان، والغداف الكبير حرام، وفي الغداف الصغير وغراب الزرع وجهان:
стр. 3222
أصحهما: حلال، ولا يحل الغراب الأبقع والرخمة والبغاثة والخفاش؛ وفي الببغاء والطاوس وجهان:
أصحهما: حرام، والشقراق: حلال، ويكون منتناً، وإن وجد في العجم حيوان لا يوجد في العرف له اسم- يعرض على العرب؛ فإن سموه باسم حيوان [محرم- حرمناه، وإن سموه باسم حيوان] حلال- أحللناه وإن لم يكن له اسم عندهم- يعتبر بأقرب الأشياء شبهاً بها [كالحادثة إذا وقعت- تقاس على أقرب الأشياء بها شبهاً].
فإن لم يكن له شبه- ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق يحل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٤٥]، وليس هذا في محرمات الآية.
ومن أصحابنا من قال: يحرم؛ لأن الأصل في الحيوان التحريم فإذا أشكل بقي على الأصل.
ولا يحل الحيوان المتولد بين مأكول وغير مأكول؛ كالسبع المتولد من الذئب والضبع، والحمار المتولد بين الحمار الوحشي والحمار الأهلي، لأنه تولد من مأكول وغير مأكول، [فيغلب جانب] التحريم؛ كالبغل لا يحل أكله، ولا يحل أكل لحم
стр. 3223
الجلالة، وهي الحيوان الذي يأكل العذرة؛ إذا كان قد ظهر التغيير على لحمها؛ روي عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها"؛ فإن لم يظهر عليهما التغيير- يحل، وكذلك السخلة المرباة بلبن الكلب'، إن ظهر عليه نتن لحم الكلب لا تحل؛ وإلا - فتحل، فإن أطعم الجلالة علفاً طاهراً، حتى طاب لحمها- يحل أكله وقال ابن عمر: تعلف الجلالة؛ عن كانت ناقة أربعين يوماً وإن كانت شاة- سبعة أيام، وإن كانت دجاجة- فثلاثة أيام، فلو غسل لحم الجلالة المتغير أو طبخ؛ حتى زال التغير- لم تحل.
قال الشيخ ﵀: وكذلك لو زال التغير بمرور الزمان عليه.
ومن أصحابنا من قال: يكره أكل لحم الجلالة المتغير، ولا يحرم؛ وهو قول مالك، وقال أبو إسحاق: لا باس بأكلها بعد الغسل.
وأما غير الحيوان- فقسمان: طاهر، ونجس.
فالنجس منها: لا يحل أكله إلا عند الضرورة، وكذلك كل ما كان في الأصل طاهراً؛ فنجس بوقوع نجاسة فيه؛ كالدهن، والخل والدبس الذائب تموت فيه فأرة وفي الانتفاع به تفصيل ذكرناه في "كتاب الطهارة".
وأما الطاهر- فقسمان: قسم يضر وقسم لا يضر:
فأما الذي يضر؛ كالسم والزجاج والحجر- فلا يجوز أكله؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك؛ والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
فإن شرب دواء فيه قليل سم، والغالب منه السلامة- يجوز.
والذي لا يضر؛ كالحبوب والفواكه- يحل أكلها؛ إذا كان ملكاً له، أو أباح له مالكه، أو نبت من موات المباح، وجملته: كل طاهر لا يخاف الضرر من أكله- حل أكله؛ إذا لم يتعلق به حق الغير؛ إلا ثلاثة أشياء: المني، وجلد الميتة بعد الدباغ، وكل ذي روح، يبتلعه حياً؛ سوى السمك والجراد؛ فإ*ن فيهما وجهين.
فصل في كسب الحجام
روي عن رافع بن خديج؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر
стр. 3224
البغي خبيث وكسب الحجام خبيث".
أما ثمن الكلب ومهر البغي- فحرامان، وأما كسب الحجام فمكروه؛ فخبثه لما فيه من مزاولة النجاسة، وترك المروءة؛ والدليل على أنه غير حرام ما روي عن أنس قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه" ولو كان أجرته حراماً لم يعطه رسول الله ﷺ .
وروي أن محيصة سأل النبي- ﷺ عن كسب الحجام، فنهاه؛ فلم يزل يكلمه حتى قال: "أطعمه رقيقك أو اعلفه ناضحك"، ولو كان حراماً- لم يجز أن يطعمه رقيقه ونهيه عن لدناءة الكسب.
سأل عثمان- ﵁ ذا قرابة له عن معاشه، فذكر له غلة حجام فقال: إن كسبكم لدنس أو لدنيء".
стр. 3225
ويكره للحر اختيار المكاسب الدنيئة؛ كالحجامة والكنس والذبح والدبغ؛ لأنه يدل على دناءة الهمة وقلة المروءة، وأمر بإطعام الرقيق منه؛ لأنه أدنى حالاً من الحر، والله أعلم.
باب ما لا يحل أكله ويجوز للمضطر
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ قيل: أي: لا يبغي في الأرض بالفساد، ﴿وَلا عَادٍ﴾ أي: لا يعدو في الأكل قدر الحاجة.
أكل الميتة وشرب الدم والبول- حرام عند عدم الضرورة، وكذلك إذا كان به أدنى جوع أو عطش- لا يحل تناوله، فإذا اضطر إليه، وصار إلى أدنى الرمق، ولم يجد طعاماً حلالاً- يجوز له تناوله، وهل يجب تناوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقال أبو إسحاق: لا يجب؛ لأن له غرضاً من ترك ما هو محرم.
أما إذا عيل صبره، وأجهده الجوع- فهل له تناول الميتة؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا يجوز ما لم يصر إلى أدنى الرمق؛ لأن الضرروة خوف الهلاك ولم يتحقق ذلك.
والثاني: يحل لأنه إذا صار إلى أدنى الرمق [لا يسيغه الطعام اللذيذ، فكيف يتناول الميت، وإن قلنا: لا يحل، فصار إلى أدنى الرمق]، وأبحنا له الأكل- فهل يحل له أن يأكل قدر الشبع؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا يحل إلا قدر سد الرمق؛ لأنه بعد سد رمقه غير مضطر إليه.
والثاني: يحل؛ لأن كل طعام جاز أن يتناول منه قدر سد الرمق- جاز أن يتناول منه قدر الشبع؛ كالطعام الحلال وليس كالابتداء؛ لأن الأصل هناك التحريم، حتى تتحقق الضرورة، وههنا الإباحة إلى أن يشبع، فإن قلنا: له أن يأكل قدر الشبع، فأكل قدر سد
следующие страницы →