Полный текст (3 626 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سلطاناً ما دام الصواب معه، وسِجِلُّ حياته وتاريخه حافل بمواقف الرجولة والشجاعة مع الخلفاء والأمراء.
* وفاته:
مات الأوزاعي ﵀ بـ"بيروت"، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائة هجرية.
رابعاً: مذهب الإمام الليث:
* التعريف به:
هو الإمام العلامة الفقيه: أبو الحارث الليث بن سعد، ولد بـ"مصر" بناحية "قلقشندة" عام أربعة وتسعين للهجرة، وأصله من "أصفهان" في "فارس".
* مكانته:
رحل ﵁ كثيراً، وطوّف على مشايخ العلم، وفقهاء المعرفة، فرحل إلى "مكة"، و"بيت المقدس"، و"بغداد"، وسمع على فقهاء ومشايخ هذه البلدان، والتقى بكثير من التابعين، وحدث عن تسعة وخمسين منهم.
واشتهر عنه أنه كان زاهداً ورعاً لا يسعى إلى المناصب، بل كانت المناصب تسعى إليه، غير أنه كان يرفضها تعففاً، وانشغالاً بأمور الآخرة عن أمور الدنيا؛ يروى أن المنصور عرض عليه أن يكون والي مصر، غير أن الليث رفض ذلك، وزهد في السلطان والجاه.
وتحدثنا الكتب التي ترجمت للإمام الليث أنه دارت بينه وبين الإمام مالك بن أنس مجادلات علمية، ومسائل فقهية كثيرة، كل يوضح رأيه، ويرد على الآخر، ومما كان يأخذه الليث على الإمام مالك هو تركه لخبر الآحاد إذا خالف عمل أهل "المدينة"؛ وذلك مبالغة من الإمام مالك في الأخذ بعمل أهل "المدينة".
وخلاصة القول أن الإمام الليث كان فقيهاً حافظاً حُجَّةً ثبتاً ثقة؛ في علمه وأخلاقه، ومبادئه.
стр. 37
يقول عنه الإمام الشافعي: "الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به".
* وفاته:
مات ﵀ بـ"مصر" سنة خمس وسبعين ومائة هجرية.
خامساً: مذهب سفيان الثوري:
* التعريف به:
هو الإمام المحدث الفقيه الثقة: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.
* مولده:
ولده ﵀ بـ"الكوفة" سنة سبع وتسعين للهجرة.
وكان معاصراً للإمام أبي حنيفة النعمان بـ"الكوفة"، غير أنهما من مدرستين متباينتين جداً؛ فأبو حنيفة من زعماء مدرسة الرأي والأخذ به، والثوري من زعماء عدم الأخذ بالرأي.
والإمام الثوري إمام حُجَّة طَبَّقَتْ شهرته الآفاق، فقيه محدث؛ سمع كثيراً من الأحاديث، وحفظ كثيراً منها، وكان له مذهب خاص به، غير أنه لم يكتب له الذيوع وكثرة الأتباع، فاندثر وظلت أفكاره مقصورة على بطون الكتب والتصانيف.
وكان ﵀ كما روت الأخبار شجاعاً مع السلاطين والأمراء؛ كما هو حال الأتقياء من العلماء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم.
وكان ﵀ أيضاً يبغض المناصب العليا، ويكره أن يكون من ذوي الجاه والسلطان؛ عَرَض عليه المهدي قضاء "الكوفة" بشرط ألا يعترض عليه في الأحكام، فما كان من الثوري إلا أن ألقى بكتاب المهدي في نهر دجلة.
يقول عنه الإمام مالك: "كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بالعلم؛ منذ جاء سفيان".
стр. 38
* وفاته:
توفي ﵀ بـ"البصرة" سنة إحدى وستين ومائة هجرية.
سادساً: مذهب داود الظاهري:
* التعريف به:
هو الإمام أبو سليمان داود بن علي الأصفهاني المشهور بـ"داود الظاهري".
مولده:
ولد ﵁ سنة مائتين بـ"الكوفة".
* مكانته:
يعتبر الإمام داود الظاهري من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، ورعاً، حافظاً، ثقة.
اشتهر مذهبه في "بغداد"، و"الأندلس"، وكان له أتباع كثيرون، غير أنهم انقرضوا بعد القرن الخامس الهجري.
وكان داود الظاهري متعصباً للمذهب الشافعي، غير أنه كان يرى أن القياس لا يعتبر مصدراً تشريعياً مطلقاً؛ كما اشتهر عنه الأخذ بظاهر الكتاب والسنة، وأن عمومات الكتاب والسنة تفي بكل أحكام الشريعة، وتكون له بمجموع هذه الآراء وغيرها ما يعرف بمذهب أهل الظاهر.
* وفاته:
توفي داود الظاهري ﵀ بـ"بغداد" سنة سبعين ومائتين هجرية.
تبلور المذاهب الفقهية
ونكتفي بذكر الأقطاب الأربعة أركان الإسلام: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
أولاً: المذهب الحنفي:
ومصادر المذهب الحنفي وموطنه يتمهد في أن عبد الله بن مسعود، والإمام عليا قدما
стр. 39
إلى الكوفة واستقرا فيها، وأخذا يعلمان الناس أمر دينهم، ويلقنانهم مبادءهم، وقد كان ابن مسعود متأثراً بطريقة عمر بن الخطاب في الاستنباط والبحث، وشدة ميله للرأي، واحتياطه الزائد في الأخذ بالحديث؛ كما أن علياً كان واسع الأفق قوي الحجة.
برز في مدرستها فطاحل الفقهاء؛ فهذا شريح الكندي الذي مارس القضاء حقبة من الزمن، مع ميله الشديد للأخذ بالرأي، وكان بعده الفقيه إبراهيم النخعي فقيه الرأي، وعامر بن شراحيل الشعبي، غير أنه كان رغم أنه درس في مدرسة الرأي- يكره الأخذ بالرأي، ويقف عند الآثار؛ ولذا فإنه غذى هذه المدرسة بما جمع وحفظ من أحاديث، ثم جاء من بعدهما حماد بن سليمان، فأخذ عنهما، ومزج فقه النخعي بفقه الشعبي، ولقن هذا المزيج لتلاميذه بالكوفة، وكان فيهم أبو حنيفة النعمان الذي فاق جميع أقرانه، وتلقى زعامة هذه المدرسة من بعد شيخه حماد، والتفَّ حوله الراغبون في التفقه، وبرز منهم أبو يوسف ومحمد وزفر، وعملوا معه على تكوين المذهب الحنفي في القرن الثاني الهجري، في أواخر العهد الأموي.
وأخيراً أطلق الفقهاء على أبي يوسف ومحمد كلمة الصاحبين، وعلى أبي يوسف وأبي حنيفة كلمة الشيخين، وعلى أبي حنيفة ومحمد كلمة الطرفين، أما زفر فيسمى باسمي لقصر مدته.
وفي العهد العباسي ازداد نفوذ هذا المذهب، وتغلغل في أنحاء الدولة العباسية، ووصل جميع أطرافها، وبقي حتى الآن يعتبر المذهب الرئيسي في باكستان، وبعض بلاد العراق، وتركيا، ومصر.
ولقد كان لاتصال أبي يوسف بالخلفاء العباسيين، وشدة نفوذه عندهم، وتعيينه على ولاية القضاء الفضل في الانتشار السريع الذي لاقاه هذا المذهب، وفي هذا يقول ابن حزم: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان؛ الحنفي بالمشرق، والمالكي بالمغرب ... " وهذه سنة الله في كونه إذا أقبل الحاكم على شيء تسابق الناس عليه.
أما أصول هذا المذهب التي كان يرجع إليها في استنباط الأحكام- فهي أولاً القرآن، وهو المصدر الذي يرجع إليه فقهاء جميع المذاهب أو لا يختلفون عليه، وإن اختلفوا في فهم مدلوله وإشارته، وطرق الاستنباط منه، ثم يرجعون إلى السنة، وقد تشدد الفقه الحنفي في قبول الحديث، والتحري عنه وعن رواته؛ فلا يأخذون بالحديث إلا إذا كان متواتراً ترويه جماعة عن جماعة، أو كان مشهوراً اتفق فقهاء الأمصار على العمل به، أو رواه صحابي واحد أمام جمع منهم، ولم يخالف فيه أحدهم؛ إذ يعتبر سكوتهم إقراراً له، ثم بعد ذلك يرجعون إلى ما كان في عهد الصحابة هل أجمعوا على حكم في مثل هذه المسألة المعروضة
стр. 40
عليهم، وليس لها حكم ظاهر في كتاب الله، وما صح من سنة رسوله؛ فإن كان اتبعوه وإلا أخذوا بالرأي عن طريق القياس والاستحسان، وقد كان تشددهم في الحديث، وعدم أخذهم بخبر الآحاد الذي لم يرو أمام جمع من الصحابة - سبباً في توسيعهم في الاجتهاد والرأي، وسنقدم لك أئمة هذا المذهب.
الإمام أبو حنيفة:
هو النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة، وقيل: إنه من أبناء فارس الأحرار، ولد بالكوفة سنة ٨٠ هـ. وتفقه فيها، وهو من أتباع التابعين، جلس في مسجد الكوفة إلى حلقات درس علم الكلام.
ويروى عن زفر بن الهذيل؛ أنه قال؛ سمعت أبا حنيفة يقول: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغاً؛ ليشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يوماً فقالت: رجل له امرأة يريد أن يطلقها للسنة، كما يطلقها؟ فأمرتها أن تسأل حماداً فترجع فتخبرني، فرجعت وأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، فأخذت نعلي فجلست إلى حماد ...
ويروى أنه لازمه نحو ثماني عشرة سنة، جالسه نحو عشر سنوات، ثم حدثته نفسه أن يستقل عنه، ويكون له حلقة خاصة، ولكنه خجل من شيخه، ولما غاب حماد فترة بالبصرة جلس مكانه، وعرضت عليه نحو ستين مسألة جديدة فأفتى فيها برأيه، ولما عاد شيخه عرضها عليه فأقره على أربعين منها، فلزمه أبو حنيفة حتى مات حماد، فاختار الطلاب ابنه إسماعيل، ليجلس مكانه، غير أنه تنحى، لأنه كان متجهاً إلى الأدب والشعر لا إلى الفقه، فترأس الدرس موسى بن أبي كثير؛ لكبر سنه ومجالسته الشيوخ الكبار، ولما خرج للحج جلس مكانه أبو حنيفة، فملأ مكان حماد واستمر حتى مات.
كان أبو حنيفة أعلم أهل عصره إماماً محققاً، قال فيه الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"، وكان فقيهاً أميناً ثبتاً في رواية الحديث، لا يروي إلا الصحيح، واسع المال ميسور الحال، مصدر ماله تجارته، فقد كان خزازاً يبيع الخز، أزهد الناس في الجاه والسلطان.
منهجه في استنباط الأحكام:
بيَّنا لك من قبل أنه من مدرسة عبد الله بن مسعود؛ ولذا كان من أهل الرأي، إماماً في القياس بارعاً في الاستحسان، وقد نقل عنه أنه قال في طريق استنباطه للأحكام: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد لا في كتاب الله أو سنة رسوله أخذت بقول أصحابه من
стр. 41
شئت، وأدع قول من شئت، ثم أخرج من قولهم على قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن بن سيرين، وسعيد بن المسيب - فلي أن أجتهد كما اجتهدوا.
كان ﵀ يتشدد في الأخذ بالحديث، على طريقة مدرسة الرأي، فيتحرى عنه وعن سنده، لا يأخذ بالحديث إلا إذا كان متواتراً أو مشهوراً عمل به فقهاء الأمصار، وهذا يضطره إلى التوسع في القياس والاستحسان، وقد رأيت مما نسب إليه أنه كان يوازن بين ما يروى عن الصحابة في المسألة الواحدة من أحكام مختلفة، ويختار أعدلها وأقربها إلى الأصول العامة، ولا يأخذ برأي التابعي إلا إذا وافق اجتهاده، وعرف بالمهارة في فقه الحديث؛ فسرعان ما يفرع من الحديث ويستخرج الأحكام بعد أن تصح روايته، وقال الأعمش لما سمع أحكاماً فقهية خرَّجها أبو حنيفة مما رواه له من أحاديث: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.
خلقه ومريدوه:
كان ﵁ ورعاً تقياً محباً لأهل بيت رسول الله، كثير الصمت لا يتكلم إلا إذا سئل في مسألة فقهية فيتدفق علمه، تتلمذ عليه الكثير وأتى له الراغبون في فقه من كل جهة، برز منهم البعض فاصطفاهم وآخاهم، واستمروا معه يعاونونه في وضع المسائل والإجابة عنها، ولا يرى بأساً في مناقشتهم لرأيه، ومعارضتهم له ومخالفته إن تبينوا أن الصواب في غير دليله؛ ولذا فهم بحق قد شاركوه في تأسيس المذهب وسأقدمهم لك.
القاضي أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الأنصاري أحد أصحاب رسول الله ﵇ عربي الأصل، ولد سنة ١١٣ هـ بالكوفة.
محمد بن الشيباني: متفق على أنه من الموالي فهو شيباني، ولد سنة ١٣٢ هـ نشأ بـ"الكوفة"، ثم أقام بـ"بغداد"، أدرك الإمام أبا حنيفة، وتتلمذ عليه فترة قصيرة لوفاة الإمام ومحمد لم يتمم العشرين، ثم درس على أبي يوسف، ثم رحل إلى الحجاز، وحفظ الحديث، والتقى بالإمام مالك في المدينة، فدرس عليه الفقه والحديث، ومكث في المدينة في طلب العلم أكثر من ثلاث سنين؛ كما أخذ الفقه أيضاً عن الأوزاعي جمع كصاحبه من قبله بين مدرستي الرأي والحديث وعمل على التقريب بينهما، وقد كان ميسور الحال وفي بحبوحة من العيش.
ثانياً: مذهب مالك:
مدرسة الحديث:
كانت المدينة المنورة مصدر الإشعاع العلمي فهي المقر الأصلي لأصحاب الرسول من الأنصار والمهاجرين، وبينا من قبل أنه من الطبيعي جداً أن تكون المدينة المنورة هي مقر
стр. 42
مدرسة الحديث، لأنها موطنه الأصلي، ولأن بها الكثير من حفظة الحديث ورواته، فهي وإن كان بها عمر الذي كان يتشدد بالأخذ بالحديث؛ فإن فيها عثمان، وعبد الله بن عمر، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، ثم كان بها بعد عصر الصحابة سعيد بن المسيب الذي كان رأس هذه المدرسة، ومن بعده كان ابن شهاب الزهري، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وربيعة الرأي، وغيرهم ممن تخرج عليهم مالك بن أنس، الذي تركزت فيه مدرسة المدينة، وكان رأس مدرسة الحديث بها.
مصادر المذهب وأصوله:
أول مصدر يرجع إليه فقهاء هذا المذهب هو كتاب الله، فإذا لم يكن به الحكم ظاهراً يرجعون إلى سنة الرسول ﵇ المتواترة، فالمشهورة مثل غيرهم من فقهاء المدرسة الأخرى، غير أن هؤلاء يقدمون خبر الواحد الثقة عن القياس، بشرط أن يكون موافقاً لعمل أهل المدينة، وإلا فهم ينظرون هل في الموضوع حكم إجماعي سابق من الصحابة يأخذون به، فإذا لم يكن اعتبروا عمل المدينة حجة يستندون إليه في أحكامهم، وقدموه على خبر الواحد الذي يخالف ما هم عليه، يقول مالك في كتابه إلى الليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، ونزل بها القرآن، والمالكية إذ يقدمون عمل أهل المدينة على خبر الواحد الثقة، وعلى القياس - من باب أولى؛ فإنهم يرون أن عمل أهل المدينة بمنزلة روايتهم عن الرسول، ورواية جماعة عن جماعة مقدمة على رواية فرد عن فرد، ومقدمة على الرأي، ليس هذا فحسب، وإنما يؤخرون القياس أيضاً عن قول الصحابي الحجة الثقة، إذا صحت الرواية عنه فيما لا مجال فيه للرأي، ولم يرد في المسألة حديث صحيح يعارضه، وكان يعتبر ذلك مصدراً تشريعياً، وقد كان هذا المصدر محل جدل ومناقشة، إذ الصحابي غير معصوم، واجتهاده ليس بحجة ما دام لم يكن محل إجماع، وإلا لزم التناقض.
وإن كان مالك قد توسع في الأخذ بالحديث، وليس للقياس عنده المكانة التي له في المذهب الحنفي، إلا أنه كثيراً ما كان يبني أحكامه على أساس ما سماه المصالح المرسلة، والاستصلاح، والاستصحاب، وسد الذرائع؛ وبذا تجد أن مجال الرأي موجود في مذهبه ومدرسته، لكن بصورة أضيق مما عند الآخرين، فلم يكن الخلاف بين مالك والأحناف في الأخذ بالسنة أو الأخذ بالرأي، ولكن التوسع في إحدى الناحيتين؛ ومع هذا فلم يكن مالك متساهلاً في الأخذ بالحديث، بل كان شديد التحري فيما يثبت منه، لكن كما تبينت لا يشترط في الأخذ به شهرته، ولم تكن مدرسة الرأي تهمل الحديث، ولكنهم كانوا يشترطون التواتر أو الشهرة، وإلا قدموا القياس على خبر الواحد الذي لم يشتهر العمل به، ولعل
стр. 43
اختلاط تلاميذ أبي حنيفة بالإمام مالك وأخذهم عنه، وكذلك أخذ مالك عن ربيعة الرأي مما قرب بين المذهبين بعض الشيء.
التعريف بالإمام مالك:
هو مالك بن أنس بن أبي عامر وإن كان بعض المؤرخين يرون أن مالكاً وجدوده وأعمامه موالي لبني تميم بن مرة، إلا أن المشهور والمعروف أنه عربي الأصل، وانه منسوب إلى قبيلة ذي أصبح اليمنية، ولد بالمدينة سنة ٩٣ هـ، وتثقف بها ولم يخرج منها طول حياته إلا حاجًا إلى مكة، تعلم الفقه والحديث على علماء أهل المدينة، الذين كان طابعهم الاستدلال بالسنة ولا يتجهون إلى الرأي اتجاه أهل العراق، وكان متأثراً في فقهه بالبيئة التي هو فيها، ومركز المدينة التي بها صحابة رسول الله والمحيطين به، والتي كانت موطن الحديث والسنة.
معاونوه على نشر المذهب:
ومن أشهر تلاميذه الذين عاونوه في نشر مذهبه عبد الله بن وهب المصري، وقد كان أعلم أصحاب مالك بالسنة والأثر، وكذلك عبد الرحمن بن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن الحكم؛ وكلهم فقهاء مصريون، بل كانوا عماد المدرسة الدينية بمصر في ذلك العهد، وعملوا على نشر مذهب مالك في بلاد مصر والسودان.
ثالثاً: مذهب الشافعي:
الإمام الشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، قرشي من بني طالب، ولد بغزة سنة ١٥٠ هـ، ورحلت به أمه صغيراً يتيماً فقيراً إلى مكة موطن آبائه، حفظ القرآن قبل التاسعة؛ كما حفظ الكثير من الحديث، وكان قوي الذاكرة إلى حد بعيد، ولما شب انتقل إلى البادية، وتعلم فيها لغتها كما تعلم الشعر والأدب، وبرع في فن الرواية، ثم عاد إلى المسجد الحرام، وفيه أخذ علوم الفقه والحديث، وحفظ موطأ الإمام مالك، وكان الشافعي قد قارب على الثلاثين فانتقل إلى اليمن، واشتغل على ولاية نجران، وفي سنة ١٨٤ هـ وشى به إلى الخليفة الرشيد؛ فجيء به إلى بغداد متهماً بتشيعه للعلويين ومناصرته لهم، لكنه قد خرج من هذه التهمة بقوة حجته، وشهادة محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة الذي كان في حضرة الخليفة، بقي الشافعي بعد ذلك في بغداد، ودرس تعاليم مدرسة أهل الرأي على يد محمد بن الحسن وناظره، وكثيراً ما كان ينتصر لمدرسة الحديث.
مصادر المذهب وأصوله:
وكانت أصول المذهب الشافعي القرآن يعمل بظاهره ما لم يقم الدليل على وجوب صرفه إلى ما يخالف الظاهر، ثم السُّنة المتواترة فالمشهورة، حتى خبر الواحد الثقة، ولو لم
стр. 44
يكن مشهوراً؛ كما اشترط الأحناف، ولا موافقاً لعمل أهل المدينة؛ كما يقول مالك، ثم الإجماع، ثم القياس بشرط أن يكون له أصل من الكتاب والسنة، وهو لم يتوسع في القياس كما توسع الأحناف، بل روى أنه ذهب إلى بطلان الأخذ بالاستحسان، وقال: من استحسن فقد شرع، ولم يعمل بالقياس إلا إذا كانت علته منضبطة، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، ولم يأخذ بقول الصحابي، ورد المصالح المرسلة، ولم يأخذ بالحديث المرسل إلا إذا كان لسعيد بن المسيب، وكان متفقاً على صحته، مع أن مالكاً والأحناف أنفسهم يأخذون بها، وهاجم أبا حنيفة ومالكاً في عدم أخذ الأول بخبر الواحد، واشتراط الثاني للأخذ به أن يكون موافقاً لعمل أهل المدينة، وقد بيَّن الشافعي أصول مذهبه في كتاب "الأم"، فيقول: "الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الإسناد به - فهو المنتهى، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسناداً أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل".
تلاميذ الشافعي وعدم مخالفتهم له:
وكان للشافعي أتباع ومريدون درسوا عليه، ونهجوا منهجه وتشبعوا بطريقة بحثه واستنباطه، وعملوا على نشر مذهبه، ومن أشهر تلاميذه في مصر يوسف بن يحيى البويطي الذي خلف إمامه في رياسة دروسه، وهو من بويط من قرى بني سويف، وإسماعيل بن يحيى المزني، وقد كان أقدر أصحاب الشافعي على المناظرة، وأكثر من دون في المذهب، والربيع المرادي، ومن الملاحظ أن تلاميذ الشافعي كانوا يتبعون إمامهم فلا يخالفونه في آرائه، اللهم إلا المزني، وفي حالات نادرة، بخلاف ما لاحظناه قبل بالنسبة لتلاميذ المذهبين السابقين، وخصوصاً تلاميذ أبي حنيفة الذي كان من طبيعة مذهبهم الاتساع في الأخذ بالرأي.
أتباع الإمام أحمد بن حنبل:
كان للإمام أحمد بن حنبل أتباع كثيرون شأنه شأن الأئمة والفقهاء غيره، وقد التف هؤلاء الأتباع حول ابن حنبل يتلقون عنه العلم، وينشرون مذهبه، بل يرجع إليهم الفضل الأول في تدوين آراء الإمام أحمد؛ إذ بسبب تلاميذه وأتباعه، كان لابن حنبل شأن كبير يذكر ضمن الفقهاء.
ومن أتباعه ﵁ ابناه: صالح، وعبد الله؛ حيث نشر صالح فقه أبيه، واعتنى عبد الله بمسند أبيه الذي جمع فيه الإمام أحمد الأحاديث الصحاح ورتبتها وبوبها.
وهناك أيضاً: أحمد بن محمد بن هانئ وأبو بكر الأثرم، وعبد الملك بن
стр. 45
عبد الحميد بن مهران الميموني، وحرب الكرماني، وابن إسحاق الحربي، وأحمد بن محمد أبو بكر المروذي، وأبو بكر الخلال الذي يُعَدُّ - بحق - جامع الفقه الحنبلي.
وأخيراً، فإن المذهب الحنبلي لم ينتشر انتشار باقي المذاهب الأخرى، كما أن أتباعه قلة بالقياس إلى أتباع المذاهب الأخرى "الشافعية، والحنفية، والمالكية"، ويرجع ذلك إلى أسباب منها:
أولاً: أن ذلك المذهب تكوَّن، واستقر بعد نضوج المذاهب الأخرى واستقرارها.
ثانياً: تزهيد ابن حنبل وأصحابه الناس للسلطان والجاه، وعدم اشتغالهم بولاية القضاء، أو غيرها من ولايات السلطان.
ثالثاً: تشدد الحنابلة في الاستمساك بالفروع الفقهية.
رابعاً: شدة تعصبهم لمذهبهم مما أدى إلى إثارة الفتن والأحداث في كثير من الأوقات.
خامساً: مهاجمتهم للمذاهب الأخرى وأصحابها.
стр. 46
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ كُتُب مَذْهَبِ السَّادَةِ الشَّافعيَّة وَمَرَاتِبِ عُلمَائِهِ وَبَيَانِ
مَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ
اعلم أن كتب الإمام الشافعي (رحمه الله تعالى) التي صنفها في الفقه أربعة: الأم، والإملاء، والبويطي، ومختصر المزني، فاختصر الأربعة إمام الحرمين في كتابه "النهاية"؛ كذا رأيته في غير موضع للمتأخرين، لكن نقل عن البابلي- وسيأتي أيضاً عن ابن حجر- أن النهاية شرح لمختصر المزني، وهو مختصر من "الأم" اختصر الغزالي "النهاية" إلى "البسيط" ثم اختصر "البسيط" إلى "الوسيط"، وهو إلى "الوجيز"، ثم اختصر "الوجيز" إلى "الخلاصة".
وفي "البجيرمي على شرح المنهج" وغيره أن الرافعي اختصر من "الوجيز" "المحرر" لكن في "التحفة": "وتسميته- أي "المحرر"- مختصراً لقلة لفظه، لا لكونه ملخصاً من كتاب بعينه" أهـ ومثله في شرح البكري على المنهاج، فتنبه.
ثم اختصر الإمام النووي "المحرر" إلى "المنهاج"، ثم اختصر شيخ الإسلام زكريا "المنهاج" إلى "المنهج"، ثم اختصر الجوهري "المنهج" إلى "النهج"، وشرح الرافعي "الوجيز" بشرحين:
صغير لم يسمه.
وكبير سماه "العزيز"، فاختصر الإمام النووي "العزيز" إلى "الروضة"، واختصر ابن مقري "الروضة" إلى "الروض"، فشرحه شيخ الإسلام زكريا شرحاً سماه "الأسنى"، واختصر ابن حجر "الروض" إلى كتاب سماه "النعيم"، جاء نفيساً في بابه، غير أنه فقد عليه في حياته، واختصر "الروضة" أيضاً المزجد في كتابه "العباب" فشرحه ابن حجر شرحاً جمع فيه فأوعى، سماه "الإيعاب"، غير أنه لم يكمل، واختصر الروضة أيضاً السيوطي مختصراً سماه "الغنية"، ونظمها أيضاً نظماً سماه "الخلاصة" لكنه لم يتمّ؛ كما ذكره في فهرست مؤلفاته.
стр. 47
وكذلك اقتصر القزويني "العزيز شرح الوجيز" إلى "الحاوي الصغير" فنظمه ابن الوردي في بهجته، فشرحها شيخ الإسلام بشرحين، فأتى ابن المقري فاختصر "الحاوي الصغير" إلى "الإرشاد"، فشرحه ابن حجر بشرحين.
قال ابن حجر (رحمه الله تعالى) في أثناء كلام من ذيل تحرير المقال: وقولهم: إنه منذ صنف الإمام كتابه "النهاية" الذي هو شرحه لمختصر المزني الذي رواه من كلام الشافعي ﵁ وهي في ثمانية أسفار حاوية لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام؛ لأن تلميذه الغزالي اختصر النهاية المذكورة في مختصر مطول حافل، وسماه "البسيط"، واختصره في أقل منه وسماه "الوسيط"، واختصره في أقل منه وسماه "الوجيز"، فجاء الرافعي وشرح الوجيز شرحاً مختصراً، ثم شرحاً مبسوطاً ما صنف في مذهب الشافعي مثله، وأسفاره نحو العشرة غالباً، ثم جاء النووي واختصر هذا الشرح ونقحه وحرره واستدرك على كثير من كلامه مما وجده محلاً للاستدراك، وسمى هذا المختصر "روضة الطالبين" وأسفاره نحو أربعة غالباً، ثم جاء المتأخرون بعده فاختلفت أغراضهم.
فمنهم المحشون وهم كثيرون، أطالوا النفس في ذلك حتى بلغت حاشية الإمام الأذرعي التي سماها "التوسط بين الروضة والشرح" إلى فوق الثلاثين سفراً؛ كما رأيتها في نسخة كانت عندي، وكذلك الأسنوي حشى، وابن العماد، والبلقيني، وهؤلاء هم فحول المتأخرين بالمحل الأسنى، ثم جاء تلميذ هؤلاء الأربعة: الأسنوي والأذرعي وابن العماد والبلقيني، فجمع ملخص حواشيهم في كتابه المشهور، وسماه "خادم الروضة" وهو في نحو العشرين سفراً، ووقع لجماعة أنهم اختصروا الروضة ومنهم المطول ومنهم المختصر؛ كـ"الروض" للشرف المقري، فأقبل الناس على تلك المختصرات، فلما ظهر "الروض" رجع أكثر الناس إليه؛ لمزيد اختصاره وتحرير عباراته. ثم جاء شيخنا شيخ الإسلام فشرحه شرحاً حسناً جداً، وآثر فيه الاختصار؛ فانثال الناس عليه، إلى أن جاء صاحب "العباب" أحمد بن عمر المزجد الزبيدي فاختصر "الروضة" وضم إليها من فروع المذهب ما لا يحصى، ثم شرحته شرحاً مبيناً محاسنه وقد وصلت فيه إلى باب الوكالة، فأقبل عليه الذين تيسرت لهم تلك القطعة من الشرح، وكذلك اختصر صاحب "الحاوي الصغير" الشرح الكبير اختصاراً لم يسبق إليه؛ فإنه جمع حاصل المقصود منه في ورقات نحو ثمن جزء من أجزائه العشرة، فأذعن له أهل عصره أنه في بابه ما صنف مثله، فأكب الناس عليه حفظاً وشروحاً، ثم نظمه صاحب البهجة، فأكبوا عليها حفظاً وشروحاً؛ كذلك إلى أن جاء الشرف المقري صاحب "الروض" فاختصره في أقل منه بكثير وسماه "الإرشاد"، فأكب الناس عليه حفظاً وشروحاً؛ وبحمد الله لي عليه شرحان أهـ. المقصود.
стр. 48
وهذا خلاصة الكلام في هذا المقام، وهناك اضطراب في النقول لجملة من أهل العصر في ذلك لم أقف لها على مستند، لا سيما ما في حاشية لبعضهم على "فتح المعين"؛ فهو إن لم يكن تغييراً من النساخ غلط غريب وخبط عجيب.
وقوله: "ثم جاء تلميذ هؤلاء الأربعة" يعني به الزركشي.
قال العلامة العلنبجي تلميذ الكردي في تذكرة الإخوان: قال الشيخ ابن حجر وغيره من المتأخرين: قد أجمع المحققون على أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتد بشيء منها إلا بعد كمال البحث والتحرير، حتى يغلب على الظن أنه راجح في مذهب الشافعي.
ثم قالوا هذا في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، فإن تعرضا له فالذي أطبق عليه المحققون أن المعتمد ما اتفقا عليه، فإن اختلفا - ولم يوجد لهما مرجح، أو وجد ولكن على السواء- فالمعتمد ما قاله النووي، وإن وجد لأحدهما دون الآخر فالمعتمد ذو الترجيح أهـ.
قال الكردي في "المسلك العدل والفوائد المدنية"، فإن تخالفت كتب النووي، فالغالب أن المعتمد: "التحقيق"، فالمجموع فـ"التنقيح"، فـ"الروضة" والمنهاج ونحو فتاواه، فـ"شرح مسلم" فتصحيح التنبيه ونكته.
فإن اتفق المتأخرون على أن ما قالاه سهو، فلا يكون حينئذٍ معتمداً لكنه نادر جداً، وقد تتبع من جاء بعدهما كلاهما وبينوا المعتمد من غيره بحسب ما ظهر لهم. ثم إن لم يكن للشيخ ترجيح؛ فإن كان المفتي من أهل الترجيح في المذهب أفتى بما ظهر له ترجيحه مما اعتمد أئمة مذهبه، ولا تجوز له الفتوى بالضعيف عندهم، وإن ترجح عنده؛ لأنه إنما يسأل عن الراجح في المذهب لا عن الراجح عنده، إلا أن نبه على ضعفه وأنه يجوز تقليده للعمل به، وحيث كان كذلك فلا بأس، وغن لم يكن من أهل الترجيح- وهم الموجودون اليوم- فاختلف فيهم: فذهب علماء مصر - أو أكثرهم- إلى اعتماد ما قاله الشيخ محمد الرملي في كتبه خصوصاً في نهايته؛ لأنها قرئت على المؤلف إلى آخرها في أربعمائة من العلماء فنقدوها وصححوها، فبلغت صحتها إلى حد التواتر، وذهب علماء حضرموت والشام والأكراد وداغستان، وأكثر اليمن والحجاز إلى أن المعتمد ما قاله الشيخ ابن حجر في كتبه بل في تحفته؛ لما فيها من إحاطة نصوص الإمام مع مزيد تتبع المؤلف فيها، ولقراءة المحققين لها عليه الذين لا يحصون كثرة. ثم "فتح الجواد"، ثم "الإمداد"، ثم "شرح العباب" ثم فتاويه أهـ.
стр. 49
قال الشيخ العلامة علي بن عبد الرحيم باكثير في منظومته التي في التقليد وما يتعلق به: [من الرجز]:
وشاع ترجيح مقال ابن حجر ... في يمن وفي الحجاز فاشتهر
وفي اختلاف كتبه في الرجح ... الأخذ بالتحفة ثم الفتح
فأصله لا شرحه العبابا ... إذ رام فيه الجمع والإيعابا
أهـ.
قال الكردي: هذا ما كان في السالف عند علماء الحجاز، ثم وردت علماء مصر إلى الحرمين وقرروا في دروسهم معتمد الشيخ الرملي، إلى أن فشا قوله فيهما حتى صار من له إحاطة بقولهما يقررهما من غير ترجيح.
وقال: علماء الزمازمة تتبعوا كلامهما فوجدوا ما فيهما عمدة مذهب الشافعي ﵁.
ثم قال: وعندي لا تجوز الفتوى بما يخالفهما، بل بما يخالف "التحفة" و"النهاية" إلا إذا لم يتعرضا له، فيفتي بكلام شيخ الإسلام، ثم بكلام الخطيب، ثم بكلام حاشية الزيادي، ثم بكلام حاشية ابن قاسم، ثم بكلام عميرة، ثم بكلام حاشية الشبراملسي، ثم بكلام حاشية الحلبي، ثم بكلام حاشية الشوبري، ثم بكلام حاشية العناني، ما لم يخالفوا أصل المذهب؛ كقول بعضهم: لو نقلت صخرة من أرض عرفات إلى غيرها يصح الوقوف عليها.
ثم قال: وأقول: والذي يتعين اعتماده أن هؤلاء الأئمة المذكورين من أرباب الشروح والحواشي كلهم أئمة في المذهب، يستمد بعضهم من بعض، يجوز العمل والإفتاء والقضاء بقول كل منهم وإن خالف من سواه، ما لم يكن سهواً أو غلطاً أو ضعيفاً ظاهر الضعف؛ لأن الشيخ ابن حجر نفسه قال في مسألة الدور: "زلات العلماء لا يجوز تقليدهم فيها" أهـ.
قال السيد عمر في فتاويه: "والحاصل أن ما تقرر من التخيير لا محيد عنه في عصرنا هذا بالنسبة إلى أمثالنا القاصرين عن رتبة الترجيح؛ لأنا إذا بحثنا عن الأعلم بين الحيين لعسر علينا الوقوف، فكيف بين الميتين؟ فهذا هو الأحوط الأورع الذي درج عليه السلف الصالحون المشهود لهم بأنهم خير القرون" أهـ.
وفي "المسلك العدل حاشية شرح بأفضل": "ورفع للعلامة السيد عمر البصري سؤال من الإحساء فيما يختلف فيه ابن حجر، والحمال، الرملي، فما المعوّل عليه من الترجيحين؟ فأجاب: إن كان المفتي من أهل الترجيح، أفتى بما ترجح عنده، قال: وإن لم
стр. 50
يكن كذلك - كما هو الغالب في هذه الأعصار المتأخرة - فهو راوٍ لا غير؛ فيتخير في رواية أيهما شاء أو جميعًا أو بأيها من ترجيحات أجلاء المتأخرين، ثم الأولى بالمفتي التأمل في طبقات العامة، فإن كان السائلون من الأقوياء الآخذين بالعزائم وما فيه الاحتياط اختصهم برواية ما يشتمل على التشديد، وإن كانوا من الضعفاء الذين هم تحت أسر النفوس، بحيث لو اقتصر في شأنهم على رواية التشديد أهملوه ووقعوا في وهدة المخالفة لحكم الشرع - روى لهم ما فيه التخفيف؛ شفقة عليهم من الوقوع في ورطة الهلاك، لا تساهلاً في دين الله أو لباعث فاسد؛ كطمع، أو رغبة، أو رهبة.
ثم قال: "وهذا الذي تقرر هو الذي نعتقده وندين الله به؛ قال: وكان بعض مشايخنا يجري على لسانه - عند مرور اختلاف المتأخرين في الترجيح في مجلس الدرس وسؤال بعض الحاضرين عن العمل بأي الروايتين: من شاء يقرأ لـ"قالون"، ومن شاء يقرأ لـ"ورش"، وأما التزام واحد على التعيين في جميع المواد وتضعيف مقابله، فالحامل عليه محض التقليد" أهـ.
وفي القضاء من "التحفة" ما نصه في الخادم عن بعض المحتاطين: "الأولى لمن بلي بوسواس الأخذ بالأخف والرخص؛ لئلا يزداد فيخرج عن الشرع، ولضده الأخذ بالأثقل؛ لئلا يخرج إلى الإباحة أهـ.
وهذا الذي قاله السيد عمر البصري هو الذي يميل إليه الفقير، وقد نقله تلميذه ابن الجمال مختصرًا، وأقره في رسالته فتح المجيد، ورأيت نقلاً ع ن العلامة السيد عبد الرحمن بن عبد الله الفقيه العلوي في آخر جواب طويل: "وإذا اختلف ابن حجر والرملي وغيرهما من أمثالهما، فالقادر على النظر والترجيح يلزمه، وأما غيره فيأخذ بالكثرة، إلا إذا كانوا يرجعون إلى أصل واحد، ويتخير بين المتقاربين؛ كابن حجر والرملي خصوصاً في العمل؛ كما حرره السيد عمر بن عبد الرحيم البصري في فتوى له" أهـ.
وسئل سيدنا الإمام العلامة السيد عبد الرحمن بلفقيه عما إذا اختلف ابن حجر ومعاصروه، فقال: اعزل الحظ والطمع، وقلد من شئت؛ فإنهم أكفاء أهـ.
ونقل عن الإمام العلامة السيد حامد بن عامر حامد علوي أن معتمد سلفنا العلويين في الفقه على ما قاله الشيخ ابن حجر، وليس ذلك لكثرة علمه؛ فإن الشيخ عبد الله بامخرمة أوسع علماً منه، ولكن ابن حجر له إدراك قوي أحسن منه بل ومن غيره من الفقهاء المصنفين؛ فلذا اعتمده سلفنا بتريم أهـ.
فما قوي مدركه هو المتقدم عند المحققين، وإن لم يقل به إلا واحد أو خالف كلام الأكثرين، ومن ثم وافق الأصحاب على كثرتهم الشافعي ﵁ في مسائل انفرد بها
стр. 51
عن أكثر الأئمة؛ نظراً إلى قوة مدركه؛ ذكره في شرح "العباب"؛ قال الكردي في المسلك واعلم أني أذكر كثيراً في هذه الحاشية وأصليهما الخلاف الكائن بين الشارح م ر وشيخهما شيخ الإسلام والخطيب؛ فإنهم مما اتفق على جلالتهم، وعذري في عدم التصريح بالترجيح في كثير من المسائل المختلف فيها بينهم - ما تقدم في كلام السيد عمر وغيره؛ فإنَّ من هو أهل للترجيح لا يتقيد بما رجحه، ومن لا، فرتبته التخيير، فأي ثمرة له في الترجيح؟ نعم، وقع في كلامهم حتى "التحفة" و"النهاية" مسائل من قبيل الغلط أو الضعيف الواضح الضعف، فلا يجوز الإفتاء بها مطلقاً، وقد أوضحت جملة منها في كتابي "الفوائد المدنية" فيمن يفتي بقوله من متأخري السادة الشافعية بما لم أقف على من سبقني إليه، فليراجعه من أراد الإحاطة بذلك؛ فإنه جمع فأوعى أهـ كلام الكردي بالحرف.
تنبيه: ينبغي لكل فقيه الوقوف على هذه المسائل التي وقعت في كلامهم من قبيل الغلط أو الضعيف الواضح الضعف المحررة في "الفوائد المدنية" (شكر الله سعي مؤلفها)، ولو قيل بوجوب ذلك على كل مفت؛ لئلا يقع في الإفتاء بشيء منها، لم يبعد.
فائدة من "الفوائد المدنية": سئل العلامة السيد عمر البصري عن توافق عبارات "المغني" و"التحفة" و"النهاية"، هل ذلك من وضع الحافر على الحافر أو استمداد بعضهم من بعض؟ فأجاب (رحمه الله تعالى) بقوله: شرح الخطيب الشربيني مجموع من خلاصة شروح "المنهاج" مع توشحه من فوائد من تصانيف شيخ الإسلام زكريا، وهو متقدم على التحفة وصاحبه في مرتبة مشايخ شيخ الإسلام ابن حجر؛ لأنه أقدم منه طبقة. وأما صاحب النهاية فالذي ظهر لهذا الفقير من سبره أنه في الربع الأول يماشي الشيخ الخطيب الشربيني ويوشح من التحفة ومن فوائد والده وغير ذلك، وفي الثلاثة الأرباع يماشي التحفة ويوشح من غيرها أهـ. ما أردت نقله من فتاوى السيد عمر البصري.
وأقول: إن ابن حجر يستمد كثيرًا في التحفة من حاشية شيخه ابن عبد الحق على شرح المنهج للجلال المحلي، والخطيب في "المغني" يستمد كثيراً من كلام شيخه الشهاب الرملي ومن شرح ابن شهبة الكبير على "المنهاج"؛ كما يقضي بذلك السبر أهـ بالحرف.
تتمة: مراتب العلماء ست:
الأولى: مجتهد مستقل؛ كالأربعة وأضرابهم.
الثانية: مطلق منتسب؛ كالمزني.
الثالثة: أصحاب الوجوه؛ كالقفال وأبي حامد.
الرابعة: مجتهد الفتوى؛ كالرافعي والنووي.
стр. 52
الخامسة: نظار في ترجيح ما اختلف فيه الشيخان؛ كالأسنوي وأضرابه.
السادسة: حملة فقه ومراتبهم مختلفة فالأعلون يلتحقون بأهل المرتبة الخامسة، وقد نصوا على أن المراتب الأربع الأول يجوز تقليدهم، وأما الأخيرتان فالإجماع الفعلي من زمنهم إلى الآن الأخذ بقولهم وترجيحاتهم في المنقول حسب المعروف في كتبهم؛ ذكره في "مطلب الإيقاظ"، وفي حواشي "المحلي" للقليوبي: "إن قدر المجتهد على الترجيح دون الاستنباط، فهو مجتهد الفتوى، وإن قدر على الاستنباط من قواعد إمامه فهو مجتهد المذهب، أو على الاستنباط من الكتاب والسنة فهو المطلق" أهـ.
قال في "فتح المعين": "والمجتهد من يعرف بأحكام القرآن من العام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وبأحكام السنة من المتواتر؛ وهو ما تعدّدت طرقه، والآحاد وهو بخلافه، والمتصل باتصال رواته إليه ﷺ ويسمى المرفوع، أو إلى الصحابي فقط ويسمى الموقوف، والمرسل وهو قول التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو بحال الرواة قوّة أو ضعفاً، وما تواتر ناقلوه وأجمع السلف على قبوله لا يبحث عن عدالة ناقليه، وله الاكتفاء بتعديل إمام عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل، ويقدم عند التعارض الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والنص على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل، والقوي على مقابلها، ولا تنحصر الأحكام في خمسمائة آية ولا خمسمائة حديث؛ خلافاً لزاعمها - وبالقياس بأنواعه الثلاثة: من الجلي وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق؛ كقياس ضرب الوالد على تأفيفه، أو المساوي وهو ما يبعد فيه انتفاء الفارق؛ كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، أو الأدون وهو ما يبعد فيه انتفاء الفارق؛ كقياس الذرة على البرّ في الربا بجامع الطعم، وبلسان العرب: لغة، ونحو أو، صرفاً، وبلاغة، وبأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولو فيما يتكلم فيه فقط لئلا يخالفهم أهـ.
وفي "التحفة": قال ابن الصلاح: "اجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه أمَّا مقيد لا يعد ومذهب إمام خاص، فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع؛ فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع؛ ومن ثم لم يكن له عدول عن نص إمامه؛ كما لا يجوز الاجتهاد مع النص.
وقال السيوطي (رحمه الله تعالى) في نقايته في المجتهد: "شرطه العلم بالفقه أصلاً وفرعًا، خلافاً ومذهباً، والمهم من تفسير آيات، وأخبار، ولغة، ونحو، وحال رواة.
قال ابن دقيق العيد: "لا يخلو العصر عن مجتهد، إلا إذا تداعى الزمان وقربت الساعة، وأما قول الغزالي كالقفال: إن العصر خلا عن المجتهد المستقل، فالظاهر أن المراد
стр. 53
مجتهد قائم بالقضاء لرغبة العلماء عنه، وكيف يمكن القضاء على الأعصار بخلوّها عنه والقفال نفسه كان يقول لسائله في مسائل الصبرة: تسألني عن مذهب الشافعي أم عما عندي؟ وقال هو وآخرون منهم تلميذه القاضي حسين: "لسنا مقلدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه".
قال ابن الرفعة: ولا يختلف اثنان أن ابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد بلغا رتبة الاجتهاد.
وقال ابن الصلاح: "إمام الحرمين والغزالي والشيرازي من الأئمة المجتهدين في المذهب أهـ ووافقه الشيخان، فأقاما- كالغزالي- احتمالات الإمام وجوهاً، وخالفه ابن الرفعة، والذي يتجه أن هؤلاء - وإن ثبت لهم الاجتهاد - فالمراد التأهل له مطلقاً أو في بعض المسائل؛ إذ الأصح جواز تجزئه، أما حقيقته بالفعل في سائر الأبواب فلم يحفظ ذلك من قريب عصر الشافعي إلى الآن؛ كيف وهو متوقف على تأسيس قواعد أصولية وحديثية يخرّج عليها استنباطاته وتفريعاته؟! وهذا التأسيس هو الذي أعجز الناس عن بلوغ حقيقة مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا يغني عنه بلوغ الدرجة الوسطى فيما سبق؛ فإن أدون أصحابنا ومن بعدهم بلغ ذلك ولم يحصل له مرتبة الاجتهاد المذهبي، فضلاً عن الاجتهاد النسبي، فضلاً عن الاجتهاد المطلق أهـ ما نقله عن التحفة.
ولنتعرّض لطبقات الفقهاء أيضاً من السادة الحنفية؛ إتماماً للفائدة وللاحتياج إليها لديهم في كل قضية.
قال خاتمة المحققين العلامة ابن عابدين ﵀ ما نصه: "وقد أوضحها المحقق ابن كمال باشا في بعض رسائله، فقال: لا بد للمفتي أن يعلم حال من يفتي بقوله، ولا يكفيه معرفته باسمه ونسبه، بل لا بد من معرفته في الرواية ودرجته في الدراية وطبقته من طبقات الفقهاء؛ ليكون على بصيرة في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين.
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع؛ كالأئمة الأربعة ﵃ ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول وبه يمتازون عن غيرهم.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب؛ كأبي يوسف، ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قرّرها أستاذهم أبو حنيفة في الأحكام، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكن يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب؛ كالشافعي وغيره المخالفين له في الأحكام غير مقلدين له في الأصول.
стр. 54
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا نص فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضيخان وأمثالهم؛ فإنهم يقدرون على شيء من المخالفة لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب الأصول والقواعد.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه؛ فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم - لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ - يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو أحد أصحابه برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، وما في الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين؛ كأبي الحسن القدوري، وصاحب الهداية، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض؛ كقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس.
والسادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقويّ، والضعيف، وظاهر المذهب، والرواية النادرة؛ كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين؛ مثل صاحب "الكنز"، وصاحب "المختار"، وصاحب "الوقاية" وصاحب "المجموع" وشأنهم أَلاَّ ينقلوا الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
والسابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر ولا يفرقون بين الغث والسمين أهـ بنوع اختصار أهـ كلام ابن عابدين في رد المختار.
وقال (رحمه الله تعالى) قبل ذلك:
تتمة: قدمنا عن "فتح القدير" كيفية الإفتاء مما في الكتب، فلا يجوز الإفتاء مما في الكتب الغريبة، وفي شرح الأشباه لشيخنا المحقق هبة الله لبعلي: قال شيخنا العلامة صالح الجينيني: إنه لا يجوز الإفتاء من الكتب المختصرة؛ كالنهر، وشرح الكنز للعيني، والدر المختار شرح تنوير الأبصار؛ إما لعدم الإطلاع على حال مؤلفيها كشرح الكنز لمنلا مسكين، وشرح النقاية للقهستاني، أو لنقل الأقوال الضعيفة فيها كالقنية للزاهدي، فلا يجوز الإفتاء من هذه إلا إذا علم المنقول عنه وأخذه منه؛ هكذا سمعته منه وهو علامة في الفقه مشهور والعهدة عليه أهـ.
أقول: وينبغي إلحاق الأشباه والنظائر بها؛ فإن فيها من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم
стр. 55
معناه إلا بعد الإطلاع على مأخذه، بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخلّ يظهر ذلك لمن مارس مطالعتها مع الحواشي، فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بد له من مراجعة ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها، ورأيت في حاشية أبي السعود الأزهري على شرح منلا مسكين أنه لا يعتمد على فتاوى ابن نجيم ولا على فتاوى الطوري أهـ كلام ابن عابدين أيضاً بالحرف.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِن اصْطِلاَح الْفُقَهَاءِ فِي عِبَارَاتِهِمْ، وَمَا أَوْدَعُوهُ في طَيِّ إِشَارَاتِهِمْ
وَفِي تَعْرِيفِ اصْطِلاَح الإِمَامِ شَيْخِ الْمَذْهَبِ يَحْيى الْنَّوَويِّ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى)
فِي الْمِنْهَاجِ وَاتِّبَاعِ الْكَثِيرِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الانْتِهَاجِ
اعلم: أن الاصطلاح هو اتفاق طائفة على أمر مخصوص بينهم؛ فحيث قالوا: الإمام، يريدون به: إمام الحرمين الجويني بن أبي محمد.
وحيث يطلقون "القاضي" يريدون به: القاضي حسيناً، أو القاضيين فالمراد بهما: الروياني والماوردي.
وإذا أطلقوا "الشارح" معرفاً أو "الشارح المحقق" يريدون به: الجلال المحلي شارح المنهاج؛ حيث لم يكن لهم اصطلاح بخلافه، وإلا كالشارح في شرح الإرشاد؛ حيث أطلق الشارح يريد به: الجوجري شارح الإرشاد.
وإن قالوا "شارح" فالمراد به واحد من الشراح لأيّ كتاب كان كما هو مفاد التنكير، ولا فرق في ذلك بين التحفة وغيرها كما أوضحت ذلك في غير هذا المحل، خلافاً لمن قال: إنه يريد: شهبة.
وحيث قالوا: قال بعضهم أو نحوه، فهو أعم من شارح.
وحيث قالوا: قال الشيخان ونحوه، يريدون بهما: الرافعي والنووي، أو: الشيوخ، فالمراد بهم: الرافعي والنووي فالسبكي.
وحيث قال: "الشارح شيخنا" يريد به: شيخ الإسلام زكريا، وكذلك الخطيب الشربيني وهو مراد الجمال الرملي بقوله: "الشيخ".
وإن قال الخطيب: "شيخي" فمراده: الشهاب الرملي، وهو مراد الجمال بقوله: أفتى به الوالد ونحوه.
وإذا قالوا: لا يبعد كذا، فهو احتمال.
стр. 56
وحيث قالوا: على ما شمله كلامهم ونحو ذلك، فهو إشارة إلى التبريّ منه أو أنه مشكل؛ كما صرّح بذلك الشارح في حاشية "فتح الجواد" ومحله؛ حيث لم ينبه على تضعيفه أو ترجيحه، وإلا خرج عن كونه مشكلاً إلى ما حكم به عليه.
وحيث قالوا: كذا قالوه أو كذا قاله فلان، فهو كالذي قبله.
وإن قالوا: إن صحّ هذا فكذا، فظاهره عدم ارتضائه؛ كما نبه عليه في الجنائز من "التحفة".
وإن قالوا كما أو لكن، فإن نبهوا بعد ذلك على تضعيفه أو ترجيحه فلا كلام، وغلا فهو معتمد، فإن جمع بينهما فنقل الشيخ سعيد سنبل عن شيخه الشيخ عبد المصري عن شيخه الشوبري أن اصطلاح التحفة أن ما بعد "كما" هو المعتمد عنده، وأن ما اشتهر من أن المعتمد ما بعد "لكن" في كلامه إنما هو فيما إذا لم يسبقها "كما"، وإلا فهو المعتمد عنده وإن رجح بعد ذلك ما يقابل ما بعد "كما" إلا إن قال: لكن المعتمد كذا أو الأوجه، فهو المعتمد أهـ.
وعندي أن ذلك لا يتقيد بهاتين الصورتين بل سائر صيغ الترجيح كهما، ورأيت عن الشارح أن ما قيل فيه "لكن" إن كان تقييداً لمسألة بلفظ "كما" فما قبل "لكن" هو المعتمد، وإن لم يكن لفظ "كما" فما بعد "لكن" هو المعتمد أهـ وهو يؤيد ما سبق عن شيخنا الشيخ سعيد، وعلى هذا الأخير يحمل ما نقله ابن اليتيم في حواشي التحفة عن مشايخه الأجلاء أنهم تتبعوا كلامٍ الشارح، فوجدوا أن المعتمد عنده ما بعد "لكن" إذا لم ينص على خلافه أنه المعتمد، لكن رأيت نقلاً عن تقرير البشبيشي في درسه أن ما بعد "لكن" في التحفة هو المعتمد سواء كان قبلها "كما" أو غيره أهـ إلا أن يقال هو المعتمد عنده لا عند الشارح، وقد أفردت الكلام على ما يتعلق بهذا بالتأليف فليراجعه من أراده أهـ من المسلك العدل بزيادة من مختصر فتاوى ابن حجر لابن قاصي.
وفي فتاوى الكردي ﵀: سئل إذا سجد ثم رفع من السجود، وشك هل وضع يده أو رجله، أو اطمأنت يده أو رجله - هل يضر ذلك أو لا؟
الجواب: يجب عليه العود للسجود فوراً مطلقاً؛ على المعتمد في التحفة إن قلنا: قاعدتها حيث لم يكن في العبارة "كما" أن ما بعد "لكن" فيها هو المعتمد، وهو ما ذكرناه من وجوب العود، وإن قلنا بما ملت إليه في كتابي "الفوائد المدنية" من أن محلّ تلك القاعدة حيث لم يرد ما بعد "لكن" وقد ردّه في مسألتنا في "التحفة" فيكون المعتمد ما قبل "لكن" وهو عدم وجوب العود، وهو الذي يظهر للفقير ويؤيده اعتماده في غير التحفة كالإيعاب وشرح الإرشاد وغيره، والله أعلم أهـ.
стр. 57
قال في "المطلب": ويظهر من "تذكرة الإخوان" للعليجي أن اصطلاح الشمس الرملي والخطيب الشربيني كاصطلاح الشيخ في هذه الألفاظ المذكورة عن الكردي أهـ.
قال العليجي: "وإذا قالوا: على ما اقتضاه كلامهم، أو على ما قاله فلان بذكر "على"، أو قالوا: هذا كلام فلان - فهذه صيغة تبري كما صرحوا به، ثم تارة يرجحونه وهذا قليل، وتارة يضعفونه وهو كثير، فيكون مقابله هو المعتمد؛ أي: إن كان، وتارة يطلقون ذلك فجرى غير واحد من المشايخ على أنه ضعيف، والمعتمد ما في مقابله أيضاً أي إن كان كما سبق أهـ كلام العليجي.
وتوقف العلامة الكردي في صورة الإطلاق؛ قال: لأنه لا يلزم من تبريه اعتماد مقابله، فينبغي حينئذٍ مراجعة بقية كتب ابن حجر فما فيها هو معتمده، فإن لم يكن ذلك فيها فما اعتمده معتمد ومتأخري أئمتنا الشافعية، فحرّر ذلك وهو حسب ما ظهر للفقير، والله أعلم بحقائق الأحوال وتفصيل المعتمد من الأقوال أهـ.
قال العليجي: وقال الشيخ محمد باقشير: تتبع وكلام الشيخ ابن حجر، فإذا قال: على المعتمد، فهو الأظهر من القولين أو الأقوال، وإذا قال: على الأوجه مثلاً، فهو الأصح من الوجهين أو الأوجه أهـ.
وقال السيد عمر في الحاشية: وإذا قالوا: والذي يظهر مثلاً، أي بذكر الظهور، فهو بحث لهم أهـ.
وقال الشيخ ابن حجر في رسالته في الوصية بالسهم: "البحث ما يفهم فهماً واضحاً من الكلام العام للأصحاب المنقول عن صاحب المذهب بنقل عام أهـ.
وقال السيد عمر في فتاويه: "البحث هو الذي استنبطه الباحث من نصوص الإمام وقواعده الكليين.
وقال شيخنا: "وعلى كلا التعريفين لا يكون البحث خارجاً عن مذهب الإمام وقول بعضهم في بعض مسائل الأبحاث لم نر فيه نقلاً - يريد به نقلاً خاصاً؛ فقد قال إمام الحرمين: لا تكاد توجد مسألة من مسائل الأبحاث خارجة عن المذهب من كل الوجوه أهـ.
قال السيد عمر في الحاشية في الطهارة: كثيراً ما يقولون في أبحاث المتأخرين وهو محتمل؛ فإن ضبطوا بفتح الميم الثاني، فهو مشعر بالترجيح؛ لأنه بمعنى قريب، وإن ضبطوا بالكسر فلا يشعر به؛ لأنه بمعنى ذي احتمال، أي قابل للحمل والتأويل، فإن لم يضبطوا بشيء منهما فلا بد أن تراجع كتب المتأخرين عنهم؛ حتى تنكشف حقيقة الحال أهـ.
وأقول: والذي يظهر أن هذا إذا لم يقع بعد أسباب التوجيه كلفظ "كل"، أما إذا وقع
стр. 58
بعدها فيتعين الفتح؛ كما إذا وقع بعد أسباب التضعيف فيتعين الكسر أهـ.
قال شيخنا: الاختيار هو الذي استنبطه المختار عن الأدلة الأصولية بالاجتهاد، أي: على القول بأنه يتحرى وهو الأصح من غير نقل له من صاحب المذهب، فحينئذٍ يكون خارجاً عن المذهب ولا يعوّل عليه، وأما المختار الذي وقع للنووي في الروضة فهو بمعنى الأصح في المذهب لا بمعناه المصطلح اهـ كلام العليجي رحمه الله تعالى.
وأما تعبيرهم بوقع لفلان كذا، فإن صرحوا بعده بترجيح أو تضعيف - وهو الأكثر - فذاك، وإلا حكم بضعفه كما حقق ذلك شيخنا خاتمة المحققين مفتي الديار اليمنية السيد محمد بن أحمد بن عدب الباري، والإمام العلامة السيد سليمان بن محمد بن عبد الرحمن مفتي زبيد في جواب سؤال قدمته إليهما في ذلك ضمن أسئلة بعد أن فتشت على نقل في ذلك فلم أظفر به، وفي "مطلب الإيقاظ": سئل العلامة الشريف عمر بن عبد الرحيم الحسيني المكي عن قول المصنفين: كذا في أصل الروضة كأصلها أو أصلها، ما المراد بما ذكر؟ فأجاب: بخط بعض الأئمة المحققين من تلامذة شيخ الإسلام زكريا بهامش نسخته الغرر لشيخه ما حاصله: أنه إذا قال قال: في أصل الروضة، فالمراد منه عبارة النووي في الروضة التي لخصها واختصرها من لفظ العزيز، رفع هذا التعبير بصحة نسبة الحكم إلى الشيخين، وإذا عزى الحكم إلى زوائد الروضة فالمراد منه زيادتها على ما في العزيز، وإذا أطلق لفظ الروضة فهو محتمل لتردّده بين الأصل والزوائد، وربما يستعمل بمعنى الأصل؛ كما يقضي به السبر، وإذا قيل: كذا في الروضة وأصلها، أو كأصلها، فالمراد بالروضة ما سبق التعبير بأصل الروضة وهي عبارة الإمام النووي الملخص فيها لفظ "العزيز" في هذين التعبيرين، ثم بين التعبيرين المذكورين فرق؛ وهو إذا أتى بالواو فلا تفاوت بينهما وبين أصلها في المعنى وإذا أتى بالكاف فبينهما بحسب المعنى يسير تفاوت، وهذا الذي أشار إليه هذا الإمام يقضي به سبر صنيع أجلاء المتأخرين من أهل الثامن والعشرين ومن داناهم من أوائل العشائر وأما من عداهم فلا التزم وجود هذا الصنيع في مؤلفاتهم لا عرض فيها من التساهل في ذلك بل في ما هو أهم منه بتحرير الخلاف، والله أعلم أهـ.
وقوله: "نقله فلان عن فلان وحكاه فلان عن فلان" - بمعنى واحد؛ لأن نقل الغير هو حكاية قوله، إلا أنه يوجد كثيراً مما يتعقب الحاكي قول غيره بخلاف الناقل له؛ فإن الغالب تقريره والسكوت عليه؛ كما أفاد ذلك العلامة عبد الله بن أبي بكر الخطيب، والسكوت في مثل هذا رضا من الساكت؛ حيث لم يعترضه بما يقتضي ردّه؛ إذ قولهم: سكت عليه، أي: ارتضاه، وقولهم: أقرّه فلان، أي: لم يرده، فيكون كالجازم به.
ومن فتاوى العلامة عبد الله بن أحمد بازرعة: والقاعدة أنّ من نقل كلام غيره وسكت عليه فقد ارتضاه.
стр. 59
قال العلامة الكردي في "كشف اللثام" من أثناء كلام: "لأنّ نقله منه وسكوته عليه مع عدم التبري منه، ظاهر في تقريره أهـ.
وقال في موضع آخر منه: "وكون تقرير النقل عن الغير يدل على اعتماده هو مفهوم كلامهم في مواضع كثيرة، فقول الجمال الرملي في باب زيارة قبره ﷺ من "شرح الإيضاح"- عند قول المصنف: "ويقف": ما نصه: "ونقل التخيير عن غيره ولم يتعقبه، لا يقتضي ترجيحه- لا يخلو عن نظر، وإن وافقه ابن علان في شرحه، وسبقهما إليه ابن حجر في الحاشية، نعم، قد يجاب عنه بأن عدم التعقب ظاهر في ترجيحه، لا أنه يقتضيه؛ فإنّ الاقتضاء رتبة فوق الظاهر كما في الشوبري على شرح "المنهج" بل في كلامهم ما يفيد أن المراد بالاقتضاء الدخول في الحكم من باب أولى، لكن الظاهر أن الاقتضاء رتبة دون التصريح؛ كما يفيده كلام "التحفة" في فصل الاختلاف في المهر أهـ.
وأما قولهم: "نبه عليه الأذرعي" فالمراد أنه معلوم من كلام الأصحاب، وإنما للأذرعي مثلاً التنبيه عليه- أو: "كما ذكره الأذرعي" مثلاً فالمراد أن ذلك من عند نفسه؛ ذكر ذلك الشوبري عن شيخه الزيادي.
وأما قولهم: "الظاهر كذا" فهو من بحث القائل لا ناقل له؛ ففي الإيعاب لابن حجر ما لفظه: "قد جرى في العباب على خلاف اصطلاح المتأخرين من الاختصاص التعبير بـ"الظاهر"، ويظهر، ويحتمل، ويتجه، ونحوها عما لم يسبق إليه الغير بذلك؛ ليتميز ما قاله مما قاله غيره، والمصنف يعبر بذلك عما قاله غيره ولم يبال بإيهام أنه من عنده غفلة عن الاصطلاح المذكور أهـ.
وقال الكردي: "جرى عرف المتأخرين على أنهم إذا قالوا: الظاهر كذا، فهو من بحث القائل لا ناقل له أهـ.
وقال السيد عمر في الحاشية: "إذا قالوا: والذي يظهر" مثلاً، أي: بذكر الظهور فهو بحث لهم أهـ.
قال بعضهم: "إذا عبروا بقولهم وظاهر كذا، فهو ظاهر من كلام الأصحاب، وأما إذا كان مفهوماً من العبارة فيعبروا عنه بقولهم: والظاهر كذا أهـ.
وأما تعبيرهم بالفحوى فهو ما فهم من الأحكام بطريق القطع وبالمقتضى، والقضية هو الحكم بالشيء لا على وجه الصراحة؛ كما أفتى به العلامة عبد الله الزمزمي، وقولهم: وزعم فلان، فهو بمعنى قال، إلا أنه أكثر ما يقال فيما يشك فيه؛ ذكره العلامة بحرق في شرحه الكبير على لامية الأفعال.
ومن اصطلاحهم أنهم إذا نقلوا عن العالم الحي فلا يصرحون باسمه؛ لأنه ربما رجع
стр. 60
عن قوله، وإنما يقال: قال بعض العلماء ونحوه، فإن مات صرحوا باسمه؛ كما أفاد ذلك العلامة عبد الله بن عثمان العمودي.
قال ابن حجر (رحمه الله تعالى) في كتابه "الحق الواضح": "المقرر الناقل متى قال: "وعبارته" و"كذا"- تعين عليه سوق العبارة المنقولة بلفظها، ولم يجز له تغيير شيء منها وإلا كان كاذباً، ومتى قال: قال فلان كان بالخيار بين أن يسوق عبارته بلفظها أو بمعناها من غير نقلها، لكن لا يجوز له تغيير شيء من معاني ألفاظها أهـ.
وفي "التحفة" من الشهادات: "وأنه يجوز التعبير عن المسموع بمرادفه المساوي له من كل وجه لا غير" أهـ.
وقولهم: أهـ ملخصاً، أي: مؤتى من ألفاظه بما هو المقصود دون ما سواه، والمراد بالمعنى التعبير عن لفظه بما هو المفهوم منه؛ ذكر ذلك عبد الله الزمزمي أهـ.
قال بعضهم: "إن الشارح والمحشي إذا زاد على الأصل، فالزائد لا يخلو: إما أن يكون بحثاً واعتراضاً إن كان بصيغة البحث والاعتراض، أو تفصيلاً لما أجمله، أو تكميلاً لما نقصه وأهمله، والتكميل- إن كان له مأخذ من كلام سابقه أو لاحقه- فإبراز وإلا فاعتراض فعلي.
وصيغ الاعتراض مشهورة ولبعضها محل لا يشاركها فيه الآخر؛ فيرد وما اشتق منه لما لا يندفع له بزعم المتعرض ويتوجه، وما اشتق منه أعم منه من غيره ونحوه إن قيل له مع ضعف فيه، وقد يقال: "ونحوه" لما فيه ضعف شديد، و"نحوه لقائل" لما فيه ضعف ضعيف، "وفيه بحث ونحوه" لما فيه قوّة، سواء تحقق الجواب أو لا، وصيغة المجهول ماضياً- كان أو مضارعاً- "ولا يبعد" و"يمكن" - كلها صيغ التمريض، تدل على ضعف مدخولها بحثاً كان أو جواباً.
وأقول: "وقلت" لما هو خاصة القائل.
وإذا قيل: "حاصله"، أو "محصله"، أو "تحريره"، أو "تنقيحه"، أو نحو ذلك - فذلك إشارة إلى قصور في الأصل أو اشتماله على حشو، وتراهم يقولون في مقام إقامة الشيء مقام آخر مرة "ننزل منزلته"، وأخرى: "أنيب منابه"، وأخرى: "أقيم مقامه".
فالأوّل: في إقامة الأعلى مقام الأدنى.
والثاني: بالعكس.
والثالث: في المساواة.
وإذا رأيت واحداً منها مقام آخر فهناك نكتة.
стр. 61
وإنما اختاروا في الأول التفعيل وفي الآخرين الأفعال؛ لعلة الإجمال؛ لأن تنزيل الأعلى مكان الأدنى يحوج إلى العلاج والتدريج، وربما يختم المبحث بنحو "تأمل"، فهو إشارة إلى دقة المقام مرة وإلى خدش فيه أخرى، سواء كان بالفاء أو بدونها أهـ إلا في مصنفات الإمام البوني، فإنها بالفاء إلى الثاني وبدونها إلى الأول.
والفرق بين "تأمل" و"فتأمل" و"فليتأمل"- أن "تأمل" إشارة إلى الجواب القوي، و"فتأمل" إلى الضعيف، و"فليتأمل" إلى الأضعف؛ ذكره الدماميني.
وقيل: معنى "تأمل" أن في هذا المحل دقة، ومعنى "فتأمل" أن في هذا المحل أمراً زائداً على الدقة بتفصيل، و"فليتأمل" هكذا مع زيادة بناء على أن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى.
"وفيه بحث" معناه أعمّ من أن يكون في هذا المقام تحقيق أو فساد، فيحمل عليه على المناسب للحمل، و"فيه نظر" يستعمل في لزوم الفساد، وإذا كان السؤال أقوى يقال: و"القائل" فجوابه "أقول" أو تقول بإعانة سائر العلماء، وإذا كان ضعيفاً يقال: فإن قلت فجوابه قلنا أو قلت، وقيل: "فإن قلت" بالفاء سؤال عن القريب، وبالواو عن البعيد، و"قيل" يقال فيما فيه اختلاف، و"قيل فيه" إشارة إلى ضعف ما قالوا محصل الكلام إجمال بعد التفصيل.
و"حاصل الكلام" تفصيل بعد الإجمال، و"التعسف" ارتكاب ما لا يجوز عند المحققين، وإن جوّزه بعضهم، ويطلق على ارتكاب ما لا ضرورة فيه والأصل عدمه، وقيل: حمل الكلام على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة، وهو أخف من البطلان، و"التساهل" يستعمل في كلام لا خطأ فيه ولكن يحتاج إلى نوع توجيه تحتمله العبارة، ولا نصب قرينة دالة عليه؛ اعتماداً على ظهور الفهم من ذلك المقام و"التحمل" الاحتيال وهو الطلب، و"التأمل" هو إعمال الفكر، و"التدبر" تصرف القلب بالنظر في الدلائل، والأمر بالتدبر بغير فاء للسؤال في المقام، وبالفاء يكون بمعنى التقرير والتحقيق لما بعده أهـ من كليات أبي البقاء.
والفرق بين "وبالجملة" و"في الجملة" أن "في الجملة" يستعمل في الجزئي و"بالجملة" في الكليات؛ كذا وجد بخط العلامة علوي بن عبد الله باحسن، وفي كليات أبي البقاء و"في الجملة" يستعمل في الإجمال، و"بالجملة" في التفصيل، وفي الصبان علي الأشموني و"جملة القول"، أي: مجمله، أي: مجموعه، فهو من الإجمال بمعنى الجمع ضدّ التفريق لا من الإجمال ضد التفصيل والبيان أهـ.
стр. 62
وقولهم: "اللهم إلا أن يكون كذا" قد يجيء حشواً أو بعد عموم؛ حثاً للسامع المقيد المذكور قبلها وتنبيهاً، فهي بمثابة نستغفرك؛ كقولك إنا لا نقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنع مانع؛ فلذا لا يكاد يفارق حرف الاستثناء وتأتي في جواب الاستفهام نفياً وإثباتاً كتابة، فيقال: اللهمّ نعم، اللهم.
وقولهم: "وقد يفرق"، و"إلا أن يفرق" و"يمكن الفرق"- فهذه كلها صيغ فرق.
وقولهم: "وقد يجاب" و"إلا أن يجاب"، و"لك أن تجيب"- فهذا جواب من قائله، وقولهم: "ولك ردّه" و"يمكن رده"- فهذه صيغ رده.
وقولهم: "لو قيل بكذا لم يبعد" و"ليس ببعيد" أو "لكان قريباً" أو "أقرب" - فهذه صيغ ترجيح.
وإذا وجدنا في المسألة كلاماً في المصنف وكلاماً في الفتوى، فالعمدة ما في المصنف، وإذا وجدنا كلاماً في الباب وكلاماً في غير الباب، فالعمدة ما في الباب، وإذا كان في المظنة وفي غير المظنة استطراد، فالعمدة ما في المظنة.
ومن اصطلاحاتهم أن أدوات الغايات كـ"لو" و"إن" - للإشارة إلى الخلاف، فإذا لم يوجد خلاف فهو لتعميم الحكم. وعندهم أن "البحث" والإشكال والاستحسان والنظر لا يرد المنقول، والمفهوم لا يرد الصريح أهـ.
ومن فتاوى الشيخ ابن حجر: "معنى قولهم في تكبير العيد والشهادات "الأشهر كذا والعمل خلافه"- تعارض الترجيح من حيث دليل المذهب والترجيح من حيث العمل، فساغ العمل بما عليه العمل أهـ. وقول الشيخين: "وعليه العمل" صيغة ترجيح؛ كما حققه بعضهم، وفي كتاب "كشف الغين عمن ضل عن محاسن قرة العين" لابن حجر: أن قولهم "اتفقوا"، و"هذا مجروم به"، و"هذا لا خلاف فيه"- يقال فيما يتعلق بأهل المذهب لا غير.
وأما قولهم "هذا مجمع عليه" فإنما يقال فيما اجتمعت عليه الأئمة أهـ.
وقال في "قرة العين" له ما نصه: أدى الاستقرار من صنيع المؤلفين بأنهم إذا قالوا: "في صحته كذا" أو "حرمته" أو نحو ذلك نظر - دل على أنهم لم يروا فيه نقلاً أهـ وسئل الشهاب الرملي عن إطلاق الفقهاء نفي الجواز هل ذلك نص في الحرمة فقط أو يطلق على الكراهة؟ فأجاب بأن حقيقة نفي الجواز في كلام الفقهاء التحريم، وقد يطلق "الجواز" على رفع الحرج أعم من أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مكروهاً، أو على "مستوى الطرفين" وهو التخيير بين الفعل والترك، أو على "ما ليس بلازم" من العقود كالعارية أهـ.
стр. 63
وفي باب الطهارة من "الإقناع": "يجوز" إذا أضيف إلى العقود، كان بمعنى الصحة، وإذا أضيف إلى الأفعال، كان بمعنى الحلّ، وهو هنا بمعنى الأمرين؛ لأن من أمرّ الماء على أعضاء طهارته بنية الوضوء والغسل، لا يصح ويحرم؛ لأنه تقرّب بما ليس موضوعاً للتقرّب؛ فعصى لتلاعبه أهـ.
و"ينبغي" الأغلب فيها استعمالها في المندوب تارة والوجوب أخرى، ويحمل على أحدهما بالقرينة، وقد تستعمل للجواز والترجيح، و"لا ينبغي" قد تكون للتحريم أو الكراهة أهـ تحفة بزيادة من النهاية.
ومن فتاوى ابن حجر ما لفظه: "وفي الاصطلاح": المراد "بالأصحاب" المتقدمون، وهم أصحاب الأوجه غالباً، وضبطوا بالزمن وهم من الأربعمائة ومن عداهم، لا يسمون بالمتقدمين ولا بالمتأخرين، ويوجد هذا الاصطلاح بأن بقية هذا القرن الثالث من جملتهم السلف المشهود لهم على لسانه ﷺ بأنهم خير القرون، أي: ممن بعدهم، فما قربوا من عصر المجتهدين خصوا؛ تمييزاً لهم على من بعدهم باسم المتقدمين، فاحفظ ذلك؛ فإنه مهم.
وقال في "التحفة" في باب الفرائض بعد قول الأصل: وأفتى المتأخرون من أثناء كلام؛ ومن هذا يؤخذ أن "المتأخرين" - في كلام الشيخين ونحوهما- كل من كان بعد الأربعمائة، وأما الآن وقبله فهم من بعد الشيخين أهـ- ومثله في النهاية أهـ ما أردت نقله من مطلب الإيقاظ بزيادة من مختصر فتاوى ابن حجر.
وأما اصطلاح الإمام شيخ المذهب الشيخ يحيى النووي في المنهاج فقال (رحمه الله تعالى) ونفعنا به في منهاجه مع شرحه للجمال الرملي ما لفظه: فحيث أقول "في الأظهر" أو "المشهور" فمن القولين أو الأقوال للشافعي ﵁، ثم قد يكون القولان جديدين أو قديمين، أو جديداً وقديماً، وقد يقولهما في وقتين أو وقت واحد، وقد يرجح أحدهما وقد لا يرجح، فإن قوي الخلاف لقوة مدركه.
قلت الأظهر المشعر بظهور مقابله؛ وإلا بأن ضعف الخلاف فالمشهر المشعر بغرابة مقابله لضعف مدركه، وحيث أقول "الأصح" أو "الصحيح" فمن الوجهين أو الأوجه لأصحاب الشافعي يستخرجونها من كلامه، وقد يجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله، ثم قد يكون الوجهان لاثنين، وقد يكونان لواحد، واللذان للواحد ينقسمان كانقسام القولين، فإن قوي الخلاف لقوّة مدركه، قلت: "الأصح" المشعر بصحة مقابله، وإلا بأن ضعف الخلاف فالصحيح ولم يعبر بذلك في الأقوال؛ تأدباً مع الإمام الشافعي كما قال، فإن الصحيح منه مشعر بفساد مقابله وظاهر أن المشهور أقوى من الأظهر، وأن الصحيح أقوى
стр. 64
من الأصح، وحيث أقول "المذهب" فمن الطريقين أو الطرق وهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب؛ كأن يحكي بعضهم في المسألة قولين أو وجهين لمن تقدم، ويقطع بعضهم بأحدهما، ثم الراجح الذي عبر عنه بالمذهب: إما طريق القطع، أو الموافق لها من طريق الخلاف، أو المخالف لها كما سيظهر في المسائل، وما قيل من أن مراده الأول وأنه الأغلب، ممنوع، وإن قال الأسنوي والزركشي: إن الغالب في المسألة ذات الطريقين أن يكون الصحيح فيها ما يوافق طريقة القطع أهـ.
قال الرافعي في آخر زكاة التجارة: وقد تسمى طرق الأصحاب وجوهاً، وذكر مثله في مقدمة المجموع؛ فقال: وقد يعبرون عن الطريقين بالوجهين وعكسه، وحيث أقول "النص" فهو نص الشافعي (رحمه الله تعالى) من إطلاق المصدر على اسم المفعول، سمي بذلك؛ لأنه مرفوع إلى الإمام، أو لأنه مرفوع القدر لتنصيص الإمام عليه، والشافعي هو خير الأمة وسلطان الأئمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جدّ النبي ﷺ والنسبة إليه شافعي لا شفعوي، ولد بغزة التي توفي بها هاشم جدّ النبي ﷺ سنة خمسين ومائة، ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشر سنين، تفقه بمكة على مسلم بن خالد الزنجي، وكان شديد الشقرة، وأذن له مالك في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، ورحل في طلب العلم إلى اليمن والعراق إلى أن أتى مصر فأقام بها إلى أن توفاه الله شهيداً يوم الجمعة سلخ شهر رجب سنة أربع ومائتين، وفضائله أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تستقصي، ويكون هناك أي مقابله وجه ضعيف، أو قول مخرّج من نص له في نظير المسألة لا يعمل به، وكيفية التخريج- كما قاله الرافعي في باب التيمم- أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يظهر ما يصح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جوابه من كل صورة إلى الأخرى؛ فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص، ومخرّج، والمنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، وحينئذٍ فيقولون: قولان بالنقل والتخريج، أي: نقل المنصوص، من هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها وكذلك بالعكس؛ قال؛ ويجوز أن يكون المراد بالنقل الرواية، والمعنى أن في كل من الصورتين قولاً منصوصاً وآخر مخرجاً، ثم الغالب في هذا عدم إطباق الأصحاب على التخريج، بل ينقسمون إلى فريقين: فريق يخرّج، وفريق يمتنع ويستخرج فارقاً بين الصورتين؛ ليستند إليه، والأصح أن القول المخرج لا ينسب إلى الشافعي إلا مقيداً، إلا أنه ربما يذكر فرقاً ظاهراً لو روجع فيه.
وحيث أقول "الجديد" فالقديم خلافه، أو "القديم" أو "في قول قديم" فالجديد خلافه، و"القديم" ما قاله الشافعي بالعراق أو قبل انتقاله إلى مصر، وأشهر رواته أحمد بن
стр. 65
حنبل، والزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وقد رجع الشافعي عنه، وقال: لا أجعل في حل من رواه عني، وقال الإمام: لا يحل عد القديم من المذهب، وقال الماوردي في أثناء كتاب الصداق: "غير الشافعي جميع كتبه القديمة في الجديد إلا الصداق، فإنه ضرب على مواضع منه وزاد مواضع، و"الجديد" ما قاله بمصر، وأشهر رواته: البويطي، والمزني، والربيع المرادي، والربيع الجيزي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى أو عبد الله بن الزبير المكي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبوه، ولم يقع للمصنف التعبير بقوله "وفي قول قديم" ولعله ظن صدور ذلك منه فيه، وإذا كان في المسألة قولان قديم وجديد، فالجديد هو المعمول به إلا في نحو تسع عشرة مسألة أفتى فيها بالقديم، قال بعضهم: وقد تتبع ما أفتى فيه بالقديم فوجد منصوصاً عليه في الجديد أيضاً، وقد نبه في "المجموع" على شيئين:
أحدهما: أن إفتاء الأصحاب بالقديم في بعض المسائل محمول على أن اجتهادهم أداهم إليه؛ لظهور دليله، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي؛ قال: وحينئذٍ فمن ليس أهلاً للتخريج، تعين عليه العمل والفتوى بالجديد، ومن كان أهلاً للتخريج والاجتهاد في المذهب، يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتوى، مبيناً أن هذا رأيه وأن مذهب الشافعي، كذا وكذا؛ قال: وهذا كله في قديم لم يعضده حديث لا معارض له، فإن اعتضد بذلك فهو مذهب الشافعي، فقد صح أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
الثاني: أن قولهم "إن القديم مرجوع عنه، وليس بمذهب الشافعي محله في قديم نص في الجديد على خلافه، أما قديم لم يتعرض في الجديد لما يوافقه ولا لما يخالفه، فإنه مذهبه، وإذا كان في الجديد قولان فالعمل بما رجحه الشافعي، فإن لم يعلم فبآخرهما، فإن قالهما في وقت واحد ولم يرجح شيئاً - وذلك قليل- أو لم يعلم هل قالهما معاً أو مرتباً - لزم البحث عن أرجحهما بشرط الأهلية، فإن أشكل توقف فيه كما مر إيضاحه، وحيث أقول: "وقيل كذا" فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه، وحيث أقول: "في قول كذا" فالراجح خلافه، ويتبين قوّة الخلاف وضعفه في قوله وحيث أقول المذهب إلى هنا من مدركه أهـ عبارة النهاية وقوله: "إلا في نحو تسع عشرة مسألة. قال العلامة الكردي في "الفوائد المدنية" قد نظمها بعضهم في قوله: [من الرجز]:
مسائل الفتوى بقول الأقدم ... هي للإمام الشافعي الأعظمِ
لا ينجس الجاري ومنع تباعدٍ ... والطهرُ لم ينقض بلمس المحرم
واستجمرن بمجاوزٍ عن مخرجٍ ... للصفحتين ولو تلوث بالدم
والوقت مُد إلى مغيب المغرب ... ثوب بصبحٍ والعشاء فقدم
لا تأتين في الأخريين بسورةٍ ... والاقتداء يجوز بعد تحرم
والجهر بالتأمين سُنّ لمقتدٍ ... والخط بين يدي مُصَلٍّ علم
стр. 66
والظفر يكره أخذه من ميتٍ ... وكذا الركاز نصابه لم يلزم
ويصح عن ميتٍ صيامُ وليه ... ويجوز شرط تحللٍ للمحرم
ويجوز إجبار الشريك على البنا ... وعلى عمارة كل ما لم يقسم
والزوج إن يكن الصداق بيده ... فضمان يد حكمه في المغرم
والجلد بعد الدبغ يحرم أكله ... والحد في وطء الرقيق المحرم
أهـ.
قال: وثمة مسائل أخر مذكور على القديم منها، إلى أن قال: ولو تتبعت كلام أئمتنا لزادت المسائل على الثلاثين بكثير، وقد نبه (رحمه الله تعالى) على كل فرد منها أنه مما يفتي فيه بالجديد، وبيَّن أيضاً أن الفتوى بنجاسة الماء الجاري القليل بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير كالراكد، وأن المذهب اشتراط النصاب في الركاز، وأن المعتمد أنه لا يجوز إجبار شريكه على العمارة في الجديد، وأن الصحيح أن الصداق مضمون ضمان عقد، وأن المدبوغ يحرم أكله عند ابن حجر بلا تفصيل.
وأما الجمال الرملي: "يحل أكل المدبوغ من المذكى ويحرم غيره؛ سواء كان مما لا يؤكل لحمه أو من ميتة المذكى، وأن المعتمد عدم وجوب الحد بوطء أمته المحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وهو القول الجديد، وبرهن على ذلك فانظره إن شئت أهـ.
قال في التحفة: وقد يقع للمصنف أنه في بعض كتبه يعبر بالأظهر، وفي بعضها يعبر عن ذلك بالأصح، فإن عرف أن الخلاف أقوال أو أوجه فواضح، والأرجح الدال على أنه أقوال؛ لأن مع قائله زيادة علم بنقله عن الشافعي (رضي الله تعالى عنه) بخلاف نافيه عنه أهـ. وفي المطلب عن فتاوى الأشخر: الصحيح أن الأقوال المخرجة على قواعد المذهب تعد منه، وقول الشربيني: الأصح أن القول المخرّج لا ينسب للشافعي؛ لأنه ربما لو روجع فيه ذكر فارقاً أهـ أي من حيث نسبته إليه، فلا يقال: قال الشافعي مثلاً، أي: وإن كان معدوداً من مذهبه بشرطه كما عن الأشخر وغيره أهـ.
تتمة من "الحق الواضح": المقرر من المعلوم بين الأئمة أن ما يقع لبعضهم بعضاً؛ كقوله: هذا غلط وخطأ، لا يريدون به تنقيصاً ولا بغضاً، بل بيان المقالات الغير المرتضاة، وهذا شأن الأسنوي مع الشيخين، والأذرعي، والبلقيني، وابن العماد وغيرهم في الرد على الأسنوي بإغلاظ وجفاء، ونسبته لما هو برئ منه غالباً، لكنه لما تجاوز في حق الشيخين قيض له من تجاوز في حقه جزاء وفاقاً، ومع ذلك معاذ الله أن يقصد أحد منهم غير بيان وجه الحق مع بقاء تعظيم بعضهم لبعض، فكذا نحن ومن اعترضنا عليه واعترض علينا مع اعتقاد صلاحهم، وأنهم القدوة للناس في ذلك الإقليم، جزاهم الله خيراً ونفعنا بهم، وختم لنا ولهم بالحسنى والتوفيق أهـ مختصر فتاوى ابن حجر.
стр. 67
ترجمة الإمام البغوي
اسمه وكنيته ولقبه ونسبه:
هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، ركن الدين الملقب بـ"محيي السنة".
يقول: طاش كبري زاده - في كتابه "مفتاح السعادة": ورأيت في بعض المجامع أنه لقب بـ"محيي السنة"، وسبب ذلك أنه لما صنف "شرح السنة" رأى رسول الله ﷺ وقال له: أحييت سنتي بشرح أحاديثي، فلقب من ذاك اليوم بـ"محيي السنة".
ويلقب - أيضاً - بـ"الفراء"، و"ابن الفراء" نسبة إلى عمل الفراء وبيعها؛ كما يقول ابن خلكان.
والبغوي نسبة إلى "بغ" و"بغشور".
يقول السمعاني: البغوي هذه النسبة إلى بلدة من بلاد خراسان، ومرو، وهراة، يقال لها: "بغ" و"بغشور" دخلتها غير مرة، ونزلت بها وكان بها جماعة من الأئمة والعلماء قديماً وحديثاً.
وقال ياقوت الحموي: بغشور بُلَيْدَةٌ بين "هراة" و"مرو الروذ"، شربهم من آبار عذبة، وزروعهم ومباطخهم أعذاء، وهي في برية ليس عندهم شجرة واحدة، ويقال لها: "بَغْ" أيضاً رأيتها في سنة ٦١٦ هـ، والخراب فيها ظاهر، وقد نسب إليها خلق كثير من العلماء والأعيان ...
ويقول النسبة إليها "بَغَويِّ" على غير قياس على أحدهما.
стр. 68
مولده ونشأته ورحلاته وسماعاته:
لم يحدد لنا سنة ولادته سوى صاحب "معجم البلدان" فقد جاء فيه:
ومولده في جمادى الأولى سنة ٤٣٣ هـ.
وقد انتقل من موطن رأسه "بغا" إلى "مرو الروذ" بعد الستين وأربعمائة، حيث كان عمره سبعاً وعشرين عاماً، فأقام بها، وتلقى العلم على شيوخها واتخذها وطناً ثانياً له، ولم يغادرها حتى توفي بها.
ويقول السبكي: وسماعاته بعد الستين وأربعمائة، ويقول: ولم يدخل بغداد، ولو دخلها لاتسعت ترجمته .... وقال: مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة بمرو الروذ وبها كانت إقامته، ويقول في موضع آخر: قال شيخنا الذهبي: ولم يحج وأظنه جاوز الثمانين.
فأما رحلاته فتفرد بذكرها ابن تغري بردي من بين المصادر التي ترجمت للبغوي حيث يقول:
رحل إلى البلاد، وسمع الكثير.
ولم يذكر هذه البلاد، والذي ترجمه أنه رحل من بلدة "بغشور" إلى مرو الروذ و"بنج ده"، وهما البلدان الوحيدان اللذان نصت عليهما سائر المصادر، وأن أكثر سماعه للعلم كان في "مرو الروذ".
وكانت نشأته - إضافة لما ذكرنا من رحلته في طلب للعلم- نشأة الزاهد الورع.
يقول ابن خلكان:
ونقلت عنه- أي: المنذري في الفوائد السفرية- أنه ماتت له زوجة، فلم يأخذ من ميراثها شيئاً، وأنه كان يأكل الخبز وحده، فعدل في ذلك، فصار الخبز مع الزيت.
ويقول الذهبي:
وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان مقتصداً في لباسه له ثوب خام وعمامة صغيرة.
ويقول أيضاً: وكان من العلماء الربانيين، كان ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير.
стр. 69
أسرته:
لم تذكر المصادر التي تحت أيدينا إلا ثلاثة من أفراد أسرته، هم: أبوه، وأخوه، وزوجته.
أما أبوه: فقال عنه الذهبي: وكان أبوه يعمل بالفراء ويبيعها.
وأما أخوه: فقال عنه ياقوت الحموي: وأخوه الحسن، وكان أيضاً من أهل العلم ذكره في "التحبير"- أي: السمعاني - وقال كان ﵀ رقيق القلب، أنشد لرجل: [الوافر]:
ويوم تولت الأظعان عنا ... وقوَّض حاضرٌ وأرنَّ حادي
مددت إلى الوداع يدي، وأخرى ... حبستُ بها الحياة على فُؤادي
فتواجد الحسن الفراء، وخلع عليه ثيابه التي عليه سنة ٥٢٩.
وأما زوجته: فقال ابن خلكان: ماتت زوجته فلم يأخذ من ميراثها شيئاً.
مذهبه العقدي والفقهي:
يعدُّ البغوي إماماً من أئمة أهل السنة والجماعة، ورجلاً من رجالات الحق والهدى، فبعقيدة السلف يؤمن وعلى مذهبهم يسير.
قال الذهبي: (بورك في تصانيفه، ورزق فيها القبول التام؛ لحسن قصده وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان مقتصداً في لباسه، له ثوب خام، وعمامة صغيرة على منهاج السلف حالاً وعقداً.
ويقول طاش كبرى زاده: وكان متورعاً، ثبتاً، حُجَّة، صحيح العقيدة في الدين.
قال السبكي في تكملة شرح المهذب: قل أن رأيناه يختار شيئاً إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كبير، وهو حري بذلك؛ فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه.
وتفقه البغوي على مذهب الشافعي حتى صار من أئمته، وله فيه كتاب "التهذيب" الذي يعتبر من الكتب المعتمدة عند الشافعية، وقد بلغ البغوي درجة الاجتهاد؛ كما يصفه بذلك عامة من ترجم له، وتكلم عنه.
стр. 70
ثقافته ومكانته العلمية:
جمع البغوي اختصاصات متعددة في فروع العلم والمعرفة؛ كالتفسير، والقراءات، والحديث، والفقه.
يقول التاج السبكي: "فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه- ﵀".
شُيُوخُ الإِمَامِ البغويِّ
تلمذ الإمام البغوي على كثير من كبار العلماء والفقهاء، الذين كان لهم دورٌ ملحوظ في تكوين شخصيته العلمية، وتوجيه مسارِه الثقافي والمعرفي إلى مرتبة عالية لا تنبغي إلا للإمام الغزالي.
وسنذكر بإيجاز ما استطاعنا الوقوف عليه من تراجم هؤلاء الأئمة:
١ - أحمد بن أبي نصر الكوفاني، أبو بكر، شيخ الزهاد بهراة.
٢ - أحمد بن عبد الرحمن الكتاني، أبو الحسن.
٣ - أحمد بن عبد الرزاق الصالحي.
٤ - أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد، أبو صالح النيسابوري، الحافظ الثقة، محدث وقته بخراسان، المتوفي سنة (٤٧٠ هـ).
٥ - أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أبو سعد.
٦ - أحمد بن محمد الشريحي، أبو سعد.
٧ - إسماعيل بن عبد القاهر.
٨ - حسان بن سعيد، أبو علي، المنيعي المروزي، من أهل مرو الروذ، كان ثرياً سخياً متواضعاً، عابداً، توفي سنة (٤٦٣ هـ).
٩ - الحسين بن محمد بن أحمد، وسنفرد بحثاً في ترجمته، بعد الفراغ من ترجمة الإمام البغوي، إن شاء الله.
١٠ - زياد بن محمد الحنفي، أبو الفضل، ويكثر من ذكره في تفسيره "معالم التنزيل".
١١ - سعيد بن إسماعيل الضبي، أبو عثمان.
стр. 71
١٢ - عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح بن عبد الملك، المراغي، أبو تراب، مفتي نيسابور، الفقيه الشافعي، المتوفي سنة (٤٩٢ هـ).
١٣ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني المروزي، أبو القاسم، ذكره التاج السبكي (٧٧١ هـ) في "طبقات الشافعية الكبرى" وقال: (كان إماماً حافظاً للمذهب، شيخ أهل مرو، سمع الحديث وكان كثير النقل، روى عنه البغوي، توفي سنة (٤٦١ هـ).
١٤ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن المظفر الداودي، أبو الحسن، البوشنجي، شيخ خراسان.
١٥ - عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري، أبو القاسم القشيري، شيخ خراسان في عصره المتوفي سنة (٤٦٥ هـ).
١٦ - عبد الله بن أحمد الطاهري، أبو سعيد.
١٧ - عبد الله بن عبد الصمد بن أحمد بن موسى الجوزجاني، أبو محمد.
١٨ - عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم، أبو عمر المليحي الهروي، المحدث، راوي الصحيح عن النعيمي، كان صالحاً، أكثر عنه البغوي، توفي سنة ٤٦٣ هـ.
١٩ - عبد الوهاب بن محمد الخطيب.
٢٠ - عبد الوهاب بن محمد الكسائي.
٢١ - علي بن الحسين بن الحسن، أبو الحسن القرينيني، نسبة إلى ناحية بين مرو الشاهجان، ومرو الروذ.
٢٢ - علي بن يوسف الجويني، أبو الحسن، المعروف بشيخ الحجاز، عمّ إمام الحرمين، المحدّث الصوفي، أملى بخراسان وتوفي سنة (٤٦٣ هـ).
٢٣ - عمر بن عبد العزيز بن أحمد يوسف الفاشاني، المروزي، أبو طاهر، الإمام الفاضل والفقيه البارع، والمتكلم، والأصولي.
٢٤ - محمد بن أحمد التميمي.
٢٥ - محمد بن عبد الرحمن النسوي، أبو عمرو.
٢٦ - محمد بن عبد الصمد الترابي، أبو بكر المروزي، المتوفي سنة ٤٦٣ هـ.
٢٧ - محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أبو بكر.
٢٨ - محمد بن عبد الله بن محمد بن المعلم الطوسي.
٢٩ - محمد بن عبد الملك المظفري السرخسي، أبو منصور.
стр. 72
٣٠ - محمد بن علي بن محمد بن علي بن بويه الزرّاد.
٣١ - محمد بن الفضل بن جعفر الخَرَقي، نسبة إلى خَرَق، قرية من قرى مرو.
٣٢ - محمد بن محمد الشيرزي، أبو الحسن، نسبة إلى شيرز، قرية بسرخس.
٣٣ - محمد بن أبي الهيثم الترابي، أبو بكر المروزي، المتوفي سنة ٤٦٣ هـ.
٣٤ - المطهر بن علي الفارسي.
٣٥ - المظهر بن إسماعيل التميمي، أبو الفرج.
٣٦ - يحيى بن علي الكشمهيني، أبو القاسم.
٣٧ - يعقوب بن أحمد الصيرفي، أبو بكر النيسابوري، المتوفي سنة ٤٦٦ هـ.
تلاميذه:
وهذا مسرد بتلاميذ المصنف:
١ - أسعد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن يوسف، أبو الغنائم البامنجي الخطيب، المتوفي سنة (٥٤٨ هـ)، ذكره التاج السبكي في "طبقات الشافعية".
٢ - الحسن بن محمد بن أبي جعفر البلخي، الشافعي، القاضي أبو المعالي. روى عنه أبو سعد بن السمعاني، وأثنى عليه، وذكر سنة وفاته سنة ٥٤٨ هـ.
٣ - الحسن بن مسعود البغوي، أبو علي، أخو الإمام البغوي، تفقه على أخيه، كما يذكر النووي (٦٧٦ هـ) في طبقات الشافعية.
٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين، أبو محمد النبهي، ابن أخي الحسين بن عبد الرحمن النبهي، تلميذ القاضي حسين. ذكره ابن العماد في "شذرات الذهب" ٤/ ١٤٨.
٥ - عبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي الموفقي، الفقيه، المناظر، الورع، العابد، أقام عند أبي حامد الغزالي مدة، وعند البغوي مدة، وتوفي سنة (٥٤٢ هـ).
٦ - عبد الرحمن بن عمر الأصفر، أبو نعيم البامنجي.
٧ - عبد الرحمن بن محمد، أبو القاسم بن أبي سعد الفارسي ثم السرخسي، الفقيه، الورع، المتوفي سنة (٥٥٥ هـ).
٨ - عبد الله بن محمد بن المظفر بن علي، أبو محمد المتولي البغوي.
٩ - عمر بن الحسن بن الحسين الرازي، والد الإمام الرازي صاحب "التفسير الكبير"، ذكره طاش كبرى زادة.
стр. 73
١٠ - فضل الله بن محمد النوقاني، نسبة إلى نوقان، قصبة طوس، أبو المكارم، وهو آخر من روى بالإجازة عن البغوي، توفي سنة ستمائة، ذكره الذهبي.
١١ - مثاور بن فزكوه، أبو مقاتل الديلمي اليزدي، عماد الدين الفقيه، الأديب، الشاعر، الزاهد، المتوفي سنة (٥٤٦ هـ) وكان من كبار تلامذة البغوي، كما يذكر التاج السبكي.
١٢ - محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين بن القاسم، مجد الدين، أبو منصور المعروف بحَفَدَة العطاري الشافعي، من أهل نيسابور، أصله من طوس، وتفقه بها على الغزالي، كان من أئمة الدين وأعلام الفقهاء، حدّث بكتابي "معالم التنزيل" و"شرح السنة" للبغوي.
١٣ - محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب المروزي الزاغولي. الفاضل، الصالح، العارف بالحديث، سافر إلى هراة ونيسابور، وسمع البغويَّ بمرو الروذ.
١٤ - محمد بن داود بن رضوان الإيلاقي، أبو عبد الله، المتوفي سنة (٥٣٩ هـ).
١٥ - محمد بن عمر بن محمد بن محمد الشاشي، أبو عبد الله، الفقيه العابد، حدّث عن البغوي بالأربعين الصغرى له، وتوفي سنة (٥٥٦ هـ).
١٦ - محمد بن محمد بن علي الطائي الهمذاني، أبو الفتوح، الفقيه، المحدث، الأديب، المتوفي سنة (٥٥٥ هـ).
١٧ - محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان، أبو محمد العباس، توفي سنة ٥٦٨ هـ، وترك أعقاباً علماء.
١٨ - مسعود بن أحم بن يوسف بن أحمد بن يوسف، أبو الفتح، تفقه بـ"مرو الروذ" على الإمام أبي محمد البغوي، وتوفي سنة نيف وأربع وخمسمائة.
١٩ - ملكدار بن علي بن أبي عمرو العمركي، القزويني، كان من أئمة المذهب الشافعي، توفي سنة (٥٣٥ هـ).
٢٠ - أبو محمد الموفق بن علي بن محمد بن ثابت الثابتي الخرقي الفقيه، توفي سنة ٥٤٠ هـ.
٢١ - العماد التيمي. ذكره طاش كبرى زادة في "مفتاح السعادة" ٢/ ٤١٠.
نتاجه العلمي (تصانيفه):
ترك الإمام البغوي كتباً متنوعة في التفيسر، والقراءات، والحديث، والفقه، وقد
стр. 74
لاقت كتبه قبول العلماء، وذاع صيتها وانتشرت، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي: بورك له في تصانيفه ورزق فيها القبول التام لحسن قصده، وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها.
وتناوله للعلوم تناول الناقد البصير الفقيه ببواطن الأمور، قال السيوطي: كان إماماً في التفسير إماماً في الحديث في الفقه. ومن تصانيفه:
١ - أربعون حديثاً نص عليه الذهبي.
٢ - الأنوار في شمائل النبي المختار أو "آثار الأنوار في شمائل النبي المختار".
٣ - ترجمة الأحكام في الفروع: وهو باللغة الفارسية في الفقه الشافعي.
٤ - تعليق على فتاوى القاضي حسين، وهي عبارة عن مسائل سئل عنها شيخه الإمام أبو علي.
٥ - التهذيب في الفقه وهو كتابنا هذا: وهو كتاب جليل في فقه الشافعي ﵁ وله مختصران؛ أحدهما للمروزي، والآخر لشهاب الإسكندري.
٦ - الجمع بين الصحيحين.
٧ - شرح "الجامع" للترمذي.
٨ - شرح السنة وله مختصرات كثيرة.
٩ - فتاوي البغوي: وتوجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة السليمانية رقم ٦٧٥: ٣.
стр. 75
١٠ - فتاوي المرو الروذي: وهي فتاوي شيخ القاضي حسين. وتوجد منها نسخة في الظاهرية بدمشق رقم ٢٣١١ (٣٧٤ فقه الشافعي).
١١ - الكفاية في الفروع: وهو مختصر في الفقه الشافعي بالأعجمية.
١٢ - الكفاية في القراءة.
١٣ - المدخل إلى مصابيح السنة.
١٤ - مصابيح السنة.
١٥ - معالم التنزيل: وهو تفسير للقرآن متوسط الحجم جامع لأقاويل السلف في تفسير الآي محلى بالأحاديث النبوية الشريفة وهو مطبوع ومتداول بين أهل العلم وله عدة مختصرات.
١٥ - معجم الشيوخ: وهو من قبيل الفهرسة والمشيخة، والبرنامج، وهي كتب درج العلماء على تأليفها، يضمنون فيها أسماء شيوخهم، ومروياتهم من الكتب والأجزاء عنهم.
وفاته:
رحل إمامنا إلى الرفيق الأعلى بعد أن خلف وراءه تراثاً فكرياً ضخماً ونتاجاً علمياً بارعاً، على أنه من حملة العلم العدول، ودفن عند شيخه القاضي حسين، بمقبرة الطالقان، وقبره مشهور هنالك.
وكانت وفاته ﵀ في شوال ستة عشر وخمسمائة "بمرو الروذ".
وذكر المنذري أن وفاته سنة ست عشرة وخمسمائة وهو الراجح والله أعلم.
следующие страницы →