Полный текст (3 626 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فتوفي رسول الله- ﷺ والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر.
وروي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، وإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهط فقال عمر: إني أراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، وروي أنه وظّف عليهم عشرين ركعة.
ومن السُّنن الرواتب صلاة التراويح في شهر رمضان عشرون ركعة بعشر تسليمات، والأفضل أن يصليها جماعة أو منفرداً، نظر إن كان الرَّجُلُ لا يحسن القرآن، أو تختل الجماعة بتخلفه، أو يخاف النوم والكسل ففعلها جماعة أفضل، وإن لم يكن شيء من ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: الجماعة أفضل؛ لأن عمر بن الخطاب جمعهم على أبي بن كعب.
والثاني: منفرداً أفضل؛ لأن النبي- ﷺ صلى ليالي في المسجد، ثم لم يخرج باقي الشهر، وقال: "صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
стр. 597
والأول أصح، وإنما لم يخرج النبي- ﷺ خشية أن تفرض عليهم. والقنوت في الوتر سُنَّة، وعندنا يقنُتُ في النصف الأخير من شهر رمضان بعد الركوع.
وعند أبي حنيفة يقنت في جميع السَّنة قبل الركوع.
وقيام الليل من سُنن المرسلين، ودأب الصالحين.
روي عن أبي أُمامة عن رسول الله- ﷺ أنه قال: عليكم بقيام الليل فإنَّه دأب الصالحين قبلكم وهو قُربة إلى ربَّكُم ومكفرة للسيئات ومنهاةٌ عن الإثم".
وإذا أراد قيام بعض الليل، فآخر الليل أفضل لقوله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] وإذا جزأ الليل أثلاثاً، فالجزء الأوسط أفضل؛ لأنه وقت غفلة الناس.
стр. 598
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله- ﷺ قال: "أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً، ويفطر يوماً".
ويكره أن يقوم الليل كله؛ لما روي عن أنس أن النبي- ﷺ قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ومن صلى بالليل جعل آخر صلاته بالليل الوتر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر عن النبي- ﷺ ، قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".
стр. 599
والاحتياط ألا ينام إلا بعد الوتر؛ لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي- ﷺ بثلاث لأدعُهُنَّ حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.
فإذا كان الرجل قد اعتاد قيام الليل فيؤخر الوتر.
روي عن جابر قال: قال رسول الله- ﷺ : "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل".
وعن عائشة قالت: من كل الليل أوتر رسول الله- ﷺ من أوَّل الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر.
وإذا أوتر ونام، ثم قام للصلاة لا يعيد الوتر وقيل: يصلي ركعة حتى يصير ما مضى شفعاً يسمى ذلك نقض الوتر، ثم يصلي ما شاء، ثم يوتر ثانياً، يروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال إسحاق.
ولا يحسب التراويح، ولا الوتر قبل صلاة العشاء، فلو صلَّى فرض العشاء على أنه متطهر، ثم أحدث فتوضأ، ثم أوتر، ثم ظهر أنه كان محدثاً في فرض العشاء يجب عليه إعادة صلاة العشاء، ويعيد الوتر بعدها، كما لو طاف وسعى، ثم بان أنه كان محدثاً في الطواف يجب عليه إعادة الطَّواف، والسَّعي جميعاً، ويستحب أن يقرأ في الوتر ما روي عن عائشة أنها سئلت بأي شيء كان يوتر رسول الله- ﷺ قالت: كان يقرأ في الأول ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.
стр. 600
وعن أُبيِّ بن كعب قال كان رسول الله- ﷺ إذا سلَّم في الوتر قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يرفع في الثالثة صوته".
وصلاة الضُّحى سُنَّة أفضلها ثمان ركعات؛ لما روي عن أم هانئ أن النبي- ﷺ دخل بيتها يوم فتح "مكة"، فاغتسل وصلى ثمان ركعات لم أرَ صلاة قط أخف منها، غير أنه
стр. 601
يُتم الركوع والسجود، وذلك ضحى.
وقالت معاذة: سألت عائشة كم كان رسول الله- ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء، وأقلُّها ركعتان؛ لحديث أبي هريرة "ركعتي الضُّحى".
стр. 602
وعن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله- ﷺ : "يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
ووقت صلاة الضحى من حين ترتفع الشمس إلى وقت الاستواء.
روي عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله- ﷺ على أهل "قباء" وهم يصلُّون الضحى فقال: "صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى".
ويستحبُّ لمن دخل المسجد ألا يجلس حتى يُصلّي ركعتين تحيَّة المسجد، لما روى أبو قتادة أن النبي- ﷺ قال إذا دخل أحدكم فلا يجلس حتى يصلي ركعتين فإذا دخل
стр. 603
رجل وحضرت الجماعة لا يشتغل بالتحية، بل يصلي الفرض معهم، وتحصل به التحية، ولا يقعد وإن كان المؤذن في الإقامة، ولو دخل المسجد، فصلى فريضة أو سُنَّة، أو قضى ورداً حصلت تحيَّة المسجد، سواء نواها أو لم ينوها، ولو نوى التحية مع الفرض لا يضرُّ، كما لو كبَّر وقصد به إعلام الناس، ولو صلَّى على جنازة أو سجد لتلاوة أو شُكر لا يحصل به تحية المسجد.
فصلٌ
إذا فاتته سُنَّة من هذه السنن الرواتب، هل تقضي؟ فيه قولان، وكذلك صلاة العيد، وصلاة الضحى إذا فاتت هل تقضي؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تقضي؛ لأنها صلاة نفل كصلاة الخسوف والاستسقاء لا تقضى بعد الانجلاء.
والثاني: وهو المذهب أنها تقضى؛ لأنها صلاة راتبة في وقت كالفرائض، وليس كالخسوف والاستسقاء؛ لأنها غير راتبة، وإنما تفعل لعارض، وقد زال العارض.
وعند أبي حنيفة: لا تقضى إلا ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض، فإن قلنا: تقضى، فالمذهب أنه يجوز قضاؤها أبداً في أي وقت كان، ونقل المُزنيّ أنه لا تقضى الوتر بعد ما صلّى صلاة الصُّبح، ولا ركعتي الفجر بعد أن يقام الظهر.
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: هذا قول الشافعي أنه لا يقضى الوتر بعد صلاة الصبح؛ لأنه تبعٌ للعشاء، فلا تجعل تبعاً للصبح، ولا يقضي ركعتي الفجر بعد صلاة الظُّهر؛ لأنها تبع للصبح، فعلى هذا الاعتبار بدخول وقت الصبح والظهر أم بفعل الصلاة؟ فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال وهو المذهب: يجوز قضاؤها في جميع الأوقات، والشافعي لم يقل: ولو فاتته ركعتا الفجر حتى صلّى الظهر، بل قال: حتى أقام الظهر، وكذلك قال: لو فاته الوتر حتى يقام الصبح لم يقض، وأراد بهذا إذا أقيم لصلاة الوقت لا يشتغل بقضاء ما فات من ركعتي الفجر والوتر، بل يصلي صلاة الوقت، ثم يقضي ما فاته، وكذلك جميع الصلوات إذا أقيم لها لا يشتغل بسنّتها، بل يصلِّي الفرض، ثم بعده يصلّي السُّنَّة وهو قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
стр. 604
إلا المكتوبة" وعند أبي حنيفة يشتغل بالسُّنة إذا علم أنه مُدرك مع الإمام ركعة، ومن قال: يشتغل بالسُّنة مجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، والحديث حُجَّة عليهم.
بابُ صلاة الجماعة
روي عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع
стр. 605
وعشرين درجة".
стр. 606
الجماعة في صلاة الجمعة فرض عين، وفي سائر الصلوات ليست بفرض عين، وهل هي فرض على الكفاية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أن سُنَّة مؤكدة شرعت لاكتساب الفضيلة.
стр. 607
والثاني: وهو قول ابن سُريج فرض على الكفاية إذا قعد أهل قرية أو محلَّة عن إقامتها عصوْا وقوتلوا عليه؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ قال: "لقد هممت أن آمُر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمُر رجلاً فيؤمَّ الناس ثم أخالف على رجال لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو حسنتين لشهد العشاء".
стр. 608
وروي عن أبي الدرداء أن النبي- ﷺ قال: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
وقال عطاء، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق: الجماعة فرض عين لا يجوز تركها من غير عذر، وأقل الجماعة اثنان.
روي عن أبي موسى الأشعري أن النبي- ﷺ قال: "الاثنان فما فوقها جماعة".
стр. 609
ويجوز إقامة الجماعة في البيت، وفي المسجد الكبير الذي يكثر فيه أفضل من المسجد الصغير.
روي عن أُبيِّ بن كعب أن النبي- ﷺ قال: "صلاة الرَّجُل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجل وما كَثُرَ فهو أحبُّ إلى الله تعالى".
فإن كان المسجد الصغير أقرب إليه، نظر إن كان لا تختلُّ الجماعة فيه بغيبته، فالأولى أن يخرج إلى المسجد الأعظم، وإن كان يختلُّ، فالأفضل أن يُصلّي في المسجد الأقرب، حتى لو لم يكن فيه أحد يُؤذِّن ويقيم، ويصلّي فيه منفرداً ويخفف، ثم يخرج إلى المسجد الأعظم فيصلّي معهم ليحوز فضيلة الجماعة.
وقيل: إن كان لا تختل الجماعة في المسجد الأصغر بغيبته، فالأولى أن يصلي فيه، ثم يخرج إلى المسجد الأعظم، ويجوز تركُ إتيان الجماعة بالعذر بأن يكون مريضاً، أو عارياً لا لباس له، أو يخاف على نفسه أو ماله في الطريق، أو كان هارباً من سلطان، أو كان عليه قصاص يرجو عفوه، أو يطلب ضالَّة له، أو كان مخفياً من غريم يطالبه ولا وفاء له، أو وجب عليه حدّ، أو يخاف ضياع متاعه.
стр. 610
روي عن ابن عباس أن النبي- ﷺ قال: "من سمع النِّداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر قالوا: يا رسول الله وما العذر قال: خوف أو مرضٌ".
стр. 611
أما إذا كان خوفه من حق هو في منعه ظالم، أو وجب عليه حدّ لا يقبل العفو، فلا يكون عذراً.
والمطرُ عذرٌ، والبرد الشديد عذر.
روي عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرِّحال.
والوحلُ عذرٌ على أصح الوجهين، والرياح العاصفة عذر بالليل دون النهار، وما جاز له ترك الجماعة جاز ترك الجمعة به، وإن كان به جوع أو عطش غالب يبدأ بالأكل والرب، ولا يأكل للشبع، بل يأكل لقماً يسكن فورةَ جوعه؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : "إذا وُضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء".
وكذلك إذا كان يدافع أحد أخبثيه ببول أو غائط أو ريح يكره له معه حضور الجماعة، بل يفرغ نفسه، وإن فاتته الجماعة لما روي عن عبد الله بن الأرقم قال: قال رسول الله- ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط".
стр. 612
وعن عائشة أن رسول الله- ﷺ قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان".
هذا إذا كان في الوقت سعة، فإن كان يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالأكل أو الشرب، أو قضاء الحاجة يبدأ بالصلاة.
وقيل: يشتغل بقضاء الحاجة، وإن فات الوقت، ثم يقضي، كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء، يجب عليه أن يتوضأ.
ويستحب للرجل إذا أتى الصلاة أن يأتيها ماشياً من غير إسراع؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَوْن، وأتوها تمشُون، وعليكم السَّكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
وصلاة الجماعة مستحبة للنساء، لكنها في حق الرجال آكد، وجماعتهن في البيت أفضل؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خيرٌ لهن".
стр. 613
وإذا أرادت المرأة حضور المسجد بجماعة الرجال، جاز إذا كان لا يخشى منها الفتنة، وإذا خرجت لا تمس طيباً؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وإذا خرجن فليخرجن تفلات، وإذا صلين جماعة يقوم إمامهن وسطهن ليكون أستر.
روي عن عائشة أنها صلَّت بنسوة العصر، فقامت وسطهن.
وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء، حرّاً كان أو عبداً، لكن لا يجوز أن يخلو الرجل بهن من غير محرمٍ، وإذا أمَّهُنَّ رجل يقوم أمامهُنَّ، ولا يقوم وسطهن، ومن صلّى منفرداً.
ثم أدرك جماعة يصلون يستحب له أن يصلِّي معهم ثانياً أي صلاة كانت ليحوز فضيلة الجماعة، وينوي الفرض كالأولى، وهو قول الحسن، والزُّهري، وأحمد، وإسحاق.
وقال النَّخعي، والأوزاعي يصليها ثانياً إلا الصبح والمغرب.
وقال أبو حنيفة: إلا الصبح والعصر والمغرب؛ لأن الصبح والعصر لا يتنفَّل بعدها، والمغرب وتر النهار، فيصير شفعاً.
والدليل على أنه يصليها ثانياً ما روي عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله- ﷺ حجَّته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد "الخيف"، فلما قضى صلاته وانحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم، ولم يصليا معه، قال: "عليَّ بهما" فجيء بهما ترتعد فرائصُهما قال: "ما منعكما أن تصليا معنا" فقالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا قال: "فلا تفعلا إذا صليتُما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة".
стр. 614
وإذا صلى ثانياً أيهما تكون فرضاً؟ فيه قولان.
قال في الجديد، وهو المذهب: الأولى فرضه للخبر ولأن الفرض قد يسقط عنه بالأولى، والثانية لحيازة الفضيلة.
وقال في القديم: يحتسب الله بالفريضة أكملها وهو قول ابن عمر.
ولو صلى صلاة جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى هل يعيدها معهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعيد؛ لأنه حاز الفضيلة.
والثاني: وهو الأصح يستحب أن يعيد، كما لو صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة.
وقيل: يعيد الظهر والمغرب والعشاء، ولا يعيد الصبح والعصر.
وقيل: إن كان في الجماعة الثانية فضيلة زائدة بأن كان الإمام أعلم أو أورع، أو الجمع أكثر، أو المكان أفضل يعيد، وإلا فلا.
وإذا أخَّر الإمام الخروج للصلاة يستحب أن يبعث إليه ليحضر، وإن خيف فوت أول الوقت يستحب أن يتقدم غيره؛ لأن النبي- ﷺ خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فقدَّم الناس أبا بكر حتى صلى بهم.
وإن لم يكن أحد يتقدم صلى منفرداً، ثم إن جاء الإمام صلى معه ثانياً، ولو شرع في الصلاة منفرداً، ثم أقيمت الجماعة قال: أحببت أن يكمل ركعتين يكونا له نافلة، ويبتدئ الصلاة مع الإمام، وإن أراد أن يترك نية الفرض، فيبقى نفلاً، ويسلم عن ركعتين، ويكره أن يقطع صلاته فيبطلها.
قال الشيخ: وإن كانت الصلاة ذات ركعتين، أو ذات أربع، ولكنه قد قام إلى الثالثة يتمها ثم يشرع مع الإمام، فلو لم يسلم، بل نوى الاقتداء بالإمام، ووصل صلاته بصلاته، هل يجوز؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد يجوز؛ لأن أبا بكر كان يصلي بالناس في مرض
стр. 615
رسول الله- ﷺ فخرج رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فوصل أبو بكر صلاته بصلاته.
والإمام يكون في حكم المنفرد، ولأنه لما جاز أن يصلي بعض الصلاة منفرداً، ثم يصير إماماً بأن يقتدي به جماعة جاز أن يصلي بعضها منفرداً، ثم يصير مأموماً.
وقال في "الإملاء": لا يجوز، وهو الأصح في طريقة القاضي وتبطل صلاته؛ لأنه خالف الإمام في التحريمة، كما لو حضر معه، وأحرم قبله. فمن أصحابنا من قال: القولان فيما إذا اتفقا في الركعة، فإن اختلفا بأن كان الإمام في ركعة، والمأموم في أخرى متقدماً عليه، أو متأخراً عنه لا يجوز.
والصحيح: أن لا فرق بين الحالتين، ثم إن اختلفا في الركعة بأن يقعد المأموم في موضع قعود الإمام، ويقوم في موضع قيامه، فإذا تمت صلاة الإمام، ولم تتم صلاة المأموم، فإذا سلم الإمام يقوم المأموم، ويتم صلاته كالمسبوق، وإذا تمت صلاة المأموم، ولم تتم صلاة الإمام لا يتابعه في الزيادة، بل إن شاء خرج عن متابعته، وسلم وإن شاء انتظر في التشهد حتى تتم صلاته، فيسلم معه.
فإن سها الإمام بعد أن اقتدى به أو قبله، فإذا أتم صلاته منفرداً سجد في آخر صلاته على أصح القولين كالمسبوق، وإن سها الإمام، نظر إن سها بعد أن وصل صلاته بصلاة الإمام يحمل عنه الإمام، وإن سها قبل أن وصل صلاته بصلاته، فلا يتحمل عنه الإمام، فإذا سلم الإمام يسجد هو في آخر صلاته.
وسئل القاضي عمن شرع في فائتة، ثم افتتح جماعة صلاة الوقت، قال: أستحب أن يقتصر على ركعتين ليصلي تلك الصلاة معهم؛ لأن الفائتة لا تشرع لها الجماعة، وبمثله لو شرع في فائتة وقت العصر في يوم فانكشف الغيم، وخاف فوت الوقت يسلم الفائتة عن ركعتين؛ لأن مراعاة حق الوقت أولى من مراعاة الجماعة، ألا ترى أن أداء جميع الصلاة في الوقت أولى من انتظار جماعة يصلي معهم بعض الصلاة في الوقت، والمسبوق إذا أدرك
стр. 616
الإمام في التشهد الأخير يكبّر ويقعد للتشهد معه، ويصير مدركاً لفضيلة الجماعة، وقد ورد أخبار في فضل التكبيرة الأولى.
روي عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ : "من صلى أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق".
اختلفوا فيما يصير مدركاً للتكبيرة الأولى؛ منهم من قال: يدرك الركوع مع الإمام ومنهم من قال: لا يكون مدركاً حتى يدرك شيئاً من القيام.
ومن حضر بعد فراغ الإمام من الصلاة يستحب لبعض من صلى مع الإمام أن يقوم، فيصلي معه ليحصل له الجماعة؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري أن رجلاً جاء وقد صلى النبي- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل وصلى معه.
والأولى للإمام ألا ينتظر أحداً في الصلاة حتى تكون صلاته خالصة لله- تعالى- فلو أحسَّ بداخل فانتظره، نظر إن انتظره في قيام أو سجود لا يجوز؛ لأنه لا فائدة له في ذلك الانتظار. وإن انتظره في الركوع قال في موضع: لا ينتظر، وقال في موضع: لا بأس أن ينتظره، فحصل قولان، وكذلك إذا انتظره في التشهد الأخير فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز أن ينتظره حتى تكون خالصة لله- لا يدخلها تشريك.
والثاني: يجوز؛ لأن الجماعة لحصول الفضيلة، فيجوز الانتظار فيها لفضيلة تحصل للمأموم، ففي الركوع ينتظر ليحصل للمأموم إدراك الركعة، وفي التشهد الأخير ينتظر
стр. 617
لتحصل له فضيلة الجماعة، كما ينتظر فراغ قوم، ومجيء قوم في صلاة الخوف، وكما يرفع الصوت بالتكبير لإعلام القوم، ولا يكون تشريكاً.
فإن قلنا: لا يجوز، فلو فعل هذا هل تبطل صلاته؟.
قيل: فيه قولان، بناءً على أنه لو زاد على انتظارين في صلاة الخوف، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه قولان.
وقيل وهو المذهب: لا تبطل صلاته قولاً واحداً.
أما إذا كان يصلي في مسجد محلَّةٍ أو سوق، ويطول القراءة ليجتمع الناس، أو يؤم مسجداً وثَمَّ رجل شريفٌ يصلّي فيه، فيطول القراءة لأجله، فهذا مكروه.
والسُّنَّة للإمام أن يخفِّف الصلاة، ولا يطولها، فينفّر القوم عن الجماعة، وفي التخفيف لا يترك من أبعاضها وهيئاتها شيئاً.
روي عن أنس قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتمّ من رسول الله- ﷺ وإن كان يسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتتن أمه.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفِّف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء".
وعن أبي مسعود أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل
стр. 618
فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله- ﷺ في موعظة أشد غضباً منه يومئذٍ، ثم قال: "إنَّ منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوَّز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
وإذا رضي القوم بالتطويل يجوز أن يطوّل، وإن رضي بعضهم دون بعض فليخفِّف؛ مراعاةً لحق الضعيف.
باب صلاة الإمام قاعداً بقيام
روي عن عائشة أن رسول الله- ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فوجد النبي- ﷺ خفَّة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر فأمَّ النبي- ﷺ أبا بكر وهو قاعد وأَمَّ أبو بكر الناس وهو قائمٌ.
إذا مرض الإمام الرَّاتب، أو حدث به عذر يستحب أن يستخلف في الإمامة قادراً، كما استخلف رسول الله- ﷺ أبا بكر في مرضه، فلو صلى بهم قاعداً يجوز، وهم يصلون خلفه قياماً عندنا، وعند أكثر [الفقهاء].
وقال مالك: لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد.
وقال أحمد، وإسحاق: إذا صلى الإمام قاعداً، فالقوم يقعدون خلفه؛ لما روي عن أنس أن النبي- ﷺ قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون.
стр. 619
وهذا منسوخ بحديث عائشة أن النبي- ﷺ صلى قاعداً، وأبو بكر والناس خلفه قياماً وهذا متأخر، فإنه كان في مرض موته.
وكذلك يجوز اقتداء القائم والقاعد بالنائم إذا وقف على أفعاله، ويجوز اقتداء القاعد بالقائم، واقتداء النائم بهما ووافقنا أبو حنيفة في القائم والقاعد.
أما النائم فلا يجوز اقتداؤه بهما، ولا اقتداؤهما بالنائم، ولو كان يصلِّي الفرض قاعداً فقدر على القيام فلم يقم بطلت صلاته على ظاهر المذهب.
وفيه قول آخر: تنقلب صلاته نفلاً.
فإن قلنا: بأنه تبطل صلاته، فكل من عرف حاله من المأمومين، ووقف على متابعته بطلت صلاته، ولمن لم يعرف حاله لا تبطل صلاته. والله أعلم.
стр. 620
فصلٌ: في الاستخلاف
الإمام إذا سبقه في خلال الصلاة الحدث أو رَعَفَ وانصرف هل يجوز له الاستخلاف؟ فيه قولان:
في الجديد وهو الأصح: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه ليس فيه أكثر من أنه صلى بعض صلاته خلف من لم يكن إماماً له في ابتداء الصلاة، وذلك لا يمنع صحَّة الصلاة، فإن أبا بكر كان يصلّي بالناس في مرض النبي- ﷺ فلما دخل النبي- ﷺ وجلس إلى جنب أبي بكر، واقتدى به أبو بكر- ﵁ والقوم.
وقال في القديم: لا يجوز؛ لأن هذه صلاة واحدة، فلا تجوز خلف إمامين، كما لو اقتدى بهما في حالة واحدة.
وإن قلنا: يجوز فلا فرق بين أن يحدث الإمام عمداً، أو سبقه الحدث، أو ينصرف عمداً من غير سبب، ولو لم يستخلف الإمام أحداً، فتقدَّم رجل بغير إذنه جاز، وشرطه أن
стр. 621
يكون الخليفة قد اقتدى بالإمام قبل حدثه، فإن لم يدرك شيئاً من صلاة الإمام لا يجوز أن يتقدم خليفة.
وعند أبي حنيفة: يجوز الاستخلاف إذا سبقه الحدث، ولا يجوز أن يتقدم أحد دون إذنه، فإن خرج عن المسجد، ولم يستخلف بطلت صلاتهم، وإذا تقدم الخليفة، فمن شاء من القوم ثبت على متابعته، ومن شاء أتمَّ صلاته منفرداً.
ولا يجب على من ثبت على متابعته نيَّة الاقتداء بالخليفة؛ لأنه نوى الجماعة في الابتداء.
وقيل: تجب نيَّة الاقتداء بالخليفة؛ لأنه بعد ذهاب الإمام في حكم الانفراد، ولذلك يلزمه سجود السهو إذ سها، وإن كان الخليفة مسبوقاً يجب عليه مراعاة نظم صلاة الإمام، يقعد في موضع قعوده، ويقوم في موضع قيامه، فإن كان في صلاة الصبح، وأدركه مسبوق في الركعة الثانية، فإذا أحدث الإمام وتقدم هذا المسبوق يقنُتُ في هذه الركعة؛ لأنه موضع قنوت الإمام، ويقعد للتشهد في هذه الركعة ثم يقوم، ويتم صلاته، ويقنت في الركعة الثانية لنفسه، فإذا تمَّت صلاة الإمام، فقام الخليفة لإتمام صلاته لا يجوز لمن تمَّت صلاته من القوم متابعته، بل إن شاءوا خرجوا عن متابعته وسلموا، وإن شاءوا ثبتوا جالسين حتى يتم الخليفة صلاة نفسه، فيسلم بهم.
وإذا كان الإمام قد سها قبل اقتداء هذا المسبوق به، أو بعده سجد المسبوق للسهو في آخر صلاة الإمام ومتابعة القوم، ثم إذا قضى بقية صلاته سجد ثانياً على القول الأصح أن المسبوق يسجد في آخر صلاته لسهو الإمام، وإن كان المسبوق لا يعرف نظم صلاة الإمام هل يجوز أن يتقدم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يمكنه مُرَاعاة نظم صلاة الإمام.
والثاني: يجوز، فإذا أتمَّ ركعة يرقب للقوم، فإن همُّوا للقيام قام، وإلا قعد، ولا يمنعه قبول قول غيره من أن يكون خليفة كالإمام إذا أخبره أن الباقي من الصلاة كذا له أن يقبل قوله ويتقدم.
ولو سها الخليفة قبل حدث الإمام، فقد تحمل عنه الإمام سهوه، لو سها بعد حدثه عليه سجود السهو، وعلى من دام على متابعته، كمن كان يصلّي منفرداً فسها، ثم اقتدى به رجل، يلزمه أن يسجد معه للسهو.
стр. 622
ولو سها بعض القوم، نظر إن سها قبل حدث الإمام، أو بعد تقدُّم الخليفة، فلا سجود عليه؛ لأن الإمام قد تحمَّل عنه، وكذلك الخليفة، وإن سها بعد حدث الإمام قبل تقدُّم الخليفة، فعليه أن يسجد للسهو بعد تسليم الخليفة؛ لأنه كان وقت السهو في حكم الانفراد، وإن كان يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح، فأحدث الإمام وتقدم هذا الذي يصلي الظهر يقنت في الركعة الثانية؛ لأنه محل قنوت الإمام، ولا يقنت في آخر صلاة نفسه، وإن كان يصلي الصبح خلف مني صلي الظهر، فأحدث الإمام وتقدم هو لا يقنت في آخر صلاته.
قال الشيخ إمام الأئمة وهو صاحب الكتاب: يحتمل أن يقال: يقنت في المسألة الأخيرة، ولا يقنت في الأولى، وإنما يؤخذ عليه مراعاة نظم صلاة الإمام إذا اتفقت الصلاتان، وإن اختلفتا يراعي نظم صلاة نفسه بعد مفارقة الإمام، كما في عدد الركعات.
ولو تقدم الخليفة، وسبقه الحدث يجوز للثالث أن يتقدم، فإذا سبقه الحدث يجوز لرابع أن يتقدم، وعلى الكل مراعاة نظم صلاة الإمام الأول، ويشترط أن يكون كل من تقدم قد أدرك شيئاً من صلاة الإمام الأول، واقتدى به قبل حدثه، ولو ذهب الإمام وتوضأ، ثم عاد، واقتدى بخليفة ثم أحدث الخليفة، فتقدم الإمام الأول جاز، ولو أحدث الإمام، فتقدم رجلان، وتابع كل واحد منهما بعض القوم جاز إلا في الجمعة؛ لأنه لا يجوز إقامة جمعتين في موضع واحد.
باب اختلاف الإمام والمأموم
روي عن جابر قال: كان معاذٌ يصلي مع النبي- ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها لهم هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة العشاء.
اختلاف نيَّة الإمام والمأموم لا تمنع الاقتداء، حتى يجوز أداء الفرض خلف من يصلي النفل، وأداء النفل خلف مني صلي الفرض، ويجوز أداء فريضية خلف من يصلي أخرى سواء كان الإمام قاضياً أو المأموم، وسواء اتفقت الصلاتان في عدد الركعات مثل أن كان أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي العصر، أو اختلفا مثل أن كان أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي الصبح أو المغرب، وهو قول الأوزاعي، وأحمد.
وقال الزهري، وربيعة، ومالك: اختلاف النيَّة يمنع الاقتداء.
وقال أبو حنيفة: يمنع إلا النَّفل خلف مَن يصلي الفرض يجوز، والحديث حجة عليه ولمن جوَّز، ولأن الاقتداء يقع في الأفعال الظاهرة، وذلك ممكن مع اختلاف النية، ثم إن كان صلاة الإمام أقل عدداً بأن كان يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح أو المغرب، فإذا تمَّت صلاة الإمام وسلَّم قام المأموم، وأتم صلاته كالمسبوق، وإذا قنَتَ الإمام تابعه، كما يقعد في المغرب في الجلسة الأخيرة معه، كالمسبوق يقعد في موضع بقعود الإمام، ويقنت
стр. 623
في موضع قنوته، وإن كان صلاة الإمام أقل عدداً بأن كان يصلي الصبح أو المغرب خلف من يصلي الظهر، فإذا تمَّت صلاة المأموم لا يجوز إن يتابع الإمام في الزيادة، بل إذا قام هو بالخيار إن شاء خرج عن متابعته وسلّم، وإنشاء انتظره في التشهد حتى يسلم معه، فإن وقف الإمام في محل القنوت يسيراً قنت المأموم، وإن لم يقف يتابعه ولا يشتغل بالقنوت.
وقيل: إن كان صلاة المأموم أقل عدداً فيه قولان؛ لأنه يحتاج إلى الخروج عن صلاة الإمام قبل فراغه، والأوّل أصحّ، وإن كانت الصلاتان مختلفتين في الأركان، مثل أن اقتدى في فريضة بمن يصلي صلاة الخسوف، أو صلاة الجنازة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه متابعته مع اختلاف الأفعال.
والثاني: وبه قال الشيخ القفال يجوز؛ لأن المقصود من الاقتداء اكتساب الفضيلة، كما لو أدرك الإمام في التشهد الأخير اقتدى به جاز، فعلى هذا في صلاة الخسوف يتابعه في الركوع الأول، فإذا رفع رأسه خرج عن متابعته، وإذا أدركه في القيام الثاني تابعه في الركوع، وصلى معه تلك الركعة، ويركع معه في الثانية، ثم يخرج عن متابعته، وإذا أدركه في الركوع الثاني من إحدى الركعتين كان مدركاً للركعة، وفي صلاة الجنازة إذا كبَّر الإمام الثانية خرج عن متابعته حتى قال القفال: إذا اقتدى بمن يسجد شكراً أو تلاوة جاز، وكما كبَّر كبَّر لا يهوي إلى السجود معه، بل يخرج عن متابعته.
وتجوز إمامة الأعمى؛ لما روي عن أنس أن النبي- ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤمّ الناس، وهو أعمى، والأعمى والبصير سواء في الإمامة.
وقال أبو حنيفة: البصير أولى؛ لأنه أحفظ لثوبه عن النجاسات.
قلنا: الأعمى أحفظ لقلبه عن التفرُّقات.
وتجوز الصلاة خلف الصبي الذي يعقل، والبالغ أولى منه، وكره عطاء، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة إمامة الصبي.
وتجوز إمامة العبد، والحرُّ أولى منه؛ لأنه أكمل حالاً، ويجوز اقتداء المقيم
стр. 624
بالمسافر، واقتداء من غسل الرجلين بمن مسح على الخُف، واقتداء المتوضئ بالتيمِّم، والمتوضئ وغاسل الرجل أولى بالإمامة.
وقيل: المقيم أولى من المسافر.
ولو اجتمع جماعة من العراة فصلّوا جماعة يجوز، ويقف إمامهم وسطهم ليكون أستر قال في القديم: الأولى أن يُصلُّوا فرادى، ولو كان فيهم لابس، فهو أولى بالإمامة، ويقف قدامهم، فلو تقدم عارٍ، واقتدى به اللابس يجوز.
وعند أبي حنيفة لا يجوز.
ولو اقتدى طاهر بِسَلِسِ البول، أو اقتدت طاهرت بمستحاضةٍ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز، كما لو اقتدى رجل على ثوبه نجاسة عفوة، أو اقتدى بمن استنجى بالحجر.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن صلاة الإمام صلاة ضرورة، ولو اقتدى بمربوط على خشبة يصلي بالإيماء إن قلنا: عليه الإعادة لا يصحّ الاقتداء به.
وإن قلنا: لا يجب عليه فيصح كالمريض بالإيماء، ولو صلّى خلف جُنُب أو مُحدث أو خلف مَن على ثوبه نجاسة غير معفوة، وهو عالم بحال الإمام لا تصحّ صلاته، وإن اقتدى به، وهو غير عالم بحاله، فلما فرغ علم، لا تجب عليه الإعادة، سواء كان الإمام عالماً بحالة يتعمَّد الإمامة، أو كان جاهلاً، هذا قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن عمر بن الخطَّاب- ﵁ أنه صلَّى بالناس، ثم رأى على ثوبه أثر احتلام، فاغتسل وأعاد الصَّلاة، ولم يأمر القوم بالإعادة.
وقال حمَّاد، وأبو حنيفة: تجب الإعادة، وروي ذلك عن عليٍّ- ﵁.
وقال مالك: إن كان الإمام عالماً بحدِثِهِ، فتعمَّد الإمامة لا تصح صلاة القوم خلفه.
وتكره إمامة من يلحن في القراءة، ثم ينظر إن كان لحناً لا يحيل المعنى بأن نصب الدَّال من "الحمد" ورفع الهاء من "لله" صحّـ صلاته، وصلاة من اقتدى به.
وإن كان لحناً يحيل المعنى، أو يعطّله، نظر إن كان يطاوعه لسانه، ويمكنه التعلم لا تصح صلاته، ولا صلاة من خَلفه، كما لو تكلم في صلاته، وإن كان في الفاتحة، فصلاة من هو في مثل حاله خلفه صحيحة، ومن لم يكن في مثل حاله وإن كان لا يطاوعه لسانه فصلاته صحيحة، ثم كان ذلك في غير الفاتحة فصلاة القوم خلفه صحيحة فاقتداؤه به كاقتداء
стр. 625
القارئ بالأمِّي، وذلك إذا كان الإمام أرتَّ، وهو الذي يبدل الرَّاء بالتاء، أو ألثغَ، وهو الذي يبدل السين بالثاء، تصح صلاة من هو في مثل حاله خلفه.
ولو اقتدى بأحدهما من هو صحيح اللسان، أو الأرثّ مع الألثغ اقتدى أحدهما بالآخر، فهو كاقتداء القارئ بالأُمي؛ لأن كل واحد أمي في الحرف الذي لا يحسنه، ويكره إمامة التمتام والفأفاء، ولكن تصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما لا يبدلان حرفاً بآخر، وهل يجوز اقتداء القارئ بالأمي؟ فيه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة، وهو قوله الجديد- لا يصح؛ لأن الإمام ناقص، كما لو اقتدى رجل بامرأة لا تصح.
وقال في القديم: يجوز؛ لأن القراءة رُكن من أركان الصلاة، فيجوز للقادر عليه أن يقتدي بمن هو عاجز عنه كالقيام يجوز للقائم أن يقتدي بالقاعد.
ونعني بالأُمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، وإن كان يحسن جميع القرآن سواها، وبالقارئ من يحسن الفاتحة وإن كان لا يحسن غيرها من القرآن، وهذا في أمي لا يطاوعه ولكن لم يأت عليه من الزمان ما يمكنه فيه التَّعلُّم، وإن مضى عليه زمان إمكان التعلُّم، فلم يتعلم عليه أن يصلي لحقِّ الوقت، ولا يصح الاقتداء به؛ لأن صلاته بشرط الإعادة كالمقيم إذا لم يجد ماء، فصلّى بالتراب أو من لم يجد ماءً ولا تراباً فصلى لحقِّ الوقت لا يصح الصلاة خلفه.
ولو أن رجلين كل واحد منهما يحسن نصف الفاتحة اقتدى أحدهما بالآخر، هل تصح صلاة المأموم؟ نظر إن كان كل واحد يحسن ما يحسن صاحبه يصح الاقتداء، وإن كان أحدهما يُحسن النصف الأول والآخر النصف الآخر، فلا يصح على أصحِّ القولين.
ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة لنقصان المرأة قال النبي- ﷺ : "ألا لا تؤمَّنَّ امرأة رجلاً ولا أعرابي مهاجراً".
стр. 626
ويجوز اقتداء المرأة بالرجل، وبالمرأة، ويجوز اقتداء المرأة بالخُنثى المشكل، وإذا أم خنثى النساء، يتقدم عليهن؛ لاحتمال أنه رجل، ولا يجوز اقتداء الرجل بالخنثى؛ لاحتمال أن الخنثى امرأة، فلو فعل يجب على الرجل الإعادة، فإن لم يُعِد حتى بان الإمام رجلاً هل تسقط الإعادة عنه؟ فيه قولان.
وكذلك لا يجوز اقتداء الخنثى بالخنثى، لاحتمال أن الإمام امرأة، والمأموم رجل، وإذا اقتدى به يجب على المأموم الإعادة، فلو لم يعد حتى بانا رجلين أو امرأتين، أو بان الإمام رجلاً فهل يسقط الإعادة؟ فيه قولان:
أصحهما: لا تسقط؛ لأن الاقتداء لم يكن صحيحاً لاشتباه الحال.
والثاني: تسقط اعتباراً بما ظهر من بعد، وكذلك لا يجوز اقتداء الخنثى بالمرأة؛ لاحتمال أن الخنثى رجل، فلو فعل ولم يُعِد حتى بان الخنثى امرأة، فعلى القولين.
ولو صلى خلف إنسان ظنه رجلاً فبان امرأة أو خنثى يجب عليه الإعادة، وكذلك لو ظنَّه قارئاً فبان أمياً على قولنا: إن الصلاة خلف الأمي لا تصح، وكذلك لو بان مجنوناً وكذلك لو بان الإمام كافراً تجب الإعادة، بخلاف ما لو بان الإمام محدثاً أو جُنباً لا إعادة على المأموم؛ لأن الحدث ليس بنقض، ولأن الطهارة والحدث يتعاقبان، فقد يكون الرجل طاهراً، فيحدث من غير أن يطلع عليه، فلم ينسب المقتدي إلى التَّفريط، بخلاف الكُفر، فإن الغالب أن صاحبه يظهره، ومن كان على دين لا يتركه، فانتسب المقتدي إلى التفريط، بترك التفحُّص، فإن كان كفراً يسترُ كالزَّندقة، وكُفر القرامطة والدَّهرية ففي وجوب الإعادة وجهان:
стр. 627
أصحهما: لا إعادة عليه؛ لأنه قلَّ ما يطلع عليه، فإن صاحبه لا يظهره، وكذلك إن بان مرتداً؛ لأن المرتد يخفي كفره خوفاً من القتل، فإن كان قد علمه مرتداً فنسي تجبُ الإعادة، وإمامة الكافر لا تكون إسلاماً.
وعند أبي حنيفة إن صلى إماماً في الحضر يكون إسلاماً.
قلنا: لو كان إسلاماً لكان لا يفرق الحكم بين أن يفعله إماماً أو في جماعة أو وحده، كما إذا أتى بكلمة التَّوحيد يحكم بإسلامه، سواء أتى بها في جماعة أو وحده، وعكسه الصوم وأداء الزكاة لا يكون إسلاماً على أي وجه فعلها، ويجوز الصلاة خلف الفاسق وتكره.
وروي عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ قال: "الصلاة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر".
ويجوز خلف ولد الزنا، وغيره أولى منه، ويجوز خلف أهل البدع والأهواء، والصلاة خلف المبتدع أشد كراهية منها خلف الفاسق؛ لأن فسق الفاسق يفارقه في الصلاة، واعتقاد المبتدع لا يفارقه، ويجوز خلف المخالفين في الفروع، ولا يكره حتى تجوز صلاة الشافعي خلف الحنفيّ، ولو صلى الحنفي على وجه، لا يراه الشافعي بأن أبدل الفاتحة بغيرها، أو لم يعتدل عن الركوع والسجود أو مس فرجه أو لمس امرأته، ولم يتوضأ، وعلمه الشافعي فاقتدى به هل يصح أم لا؟
قال الشيخ القفال: يصح اعتباراً باعتقاد الإمام؛ لأنا لا نقطع بخطئه.
وقال الشيخ أبو حامد: لا تصح اعتباراً باعتقاد المأموم؛ لأنه يعتقد فساد صلاة الإمام.
ولو صلى الحنفي على خلاف مذهبه بأن افتصد ولم يتوضأ، أو توضأ بما دون قُلّتين وقعت فيه نجاسة، فصلّى، هل يصح اقتداء الشافعي به؟.
стр. 628
على قول الشيخ القفال لا يصح اعتباراً باعتقاد الإمام.
وعلى قول الشيخ أبي حامد يصح اعتباراً باعتقاد المأموم.
ولو صلى شافعيٌّ صلاة الصبح خلف حنفي فإن مكث الحنفي بعد الركوع قليلاً قنت المأموم، وإن لم يمكث ليس له أن يشتغل بالقنوت، بل يتابعه، ثم سواء قنت أو لم يقنت هل يسجد للسهو إذا سلّم الإمام؟ إن اعتبرنا اعتقاد الإمام لا يسجد، وإن اعتبرنا اعتقاد المأموم يسجد؛ لأن اعتقاد المأموم أن الإمام لزمه سجود السهو بترك القنوت ولحقه سهوه، وعلى عكسه لو صلى الحنفيّ خلف شافعي، فلو وقف مع الإمام قائماً حتى قنت لا تبطل صلاته، ولو ترك الإمام القنوت ساهياً يسجد للسهو، ويتابعه المأموم، فلو ترك الإمام سجود السهو، على المأموم أن يسجد إن اعتبرنا اعتقاد الإمام يسجد، وإن اعتبرنا اعتقاد المأموم فلا يسجد.
فصلٌ
روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله- ﷺ يعلمنا يقول: "لا تبادروا الإمام إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعُوا، فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد".
يجب على المأموم متابعة الإمام، وهو أن يجري على أثره في الأفعال متأخراً عنه قال البراء بن عازب: كنا نصلي خلف النبي- ﷺ فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم يحنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبي- ﷺ جبهته على الأرض.
فإذا أتى بالأفعال مع الإمام يكره، وتفوته فضيلة الجماعة؛ لأنه مأمور بالمتابعة لا بالموافقة، ولكن تصح صلاته إلا تكبيرة الافتتاح، فإنه لو ابتدأها قبل فراغ الإمام منها لم يصح اقتداؤه به، ولو بدأ السلام معه فيه وجهان.
ولو تقدّم على الإمام بأن ركع قبلهُ أو سجد قبله لم يجز؛ لما روي عن أبي هريرة قال
стр. 629
محمد- ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل الله رأسه رأس حمار.
فلو أنَّ المأموم خالف الإمام، لا يخلو إما أن خالفه بالتقدم عليه، أو بالتأخر عنه، فإن خالفه بالتقدم عليه، نظر إن لم يسبقه برُكن كامل لا تبطل صلاته، مثل أن كان الإمام في القيام، فركع قبله، ولم يرفع حتى ركع الإمام، أو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ولم يرفع حتى سجد الإمام لا تبطل صلاته؛ لأنها مخالفة يسيرة.
ثم إن ركع، أو رفع قبل الإمام عمداً، لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركناً، فإن رفع رأسه سهواً بأن سمع حساً ظن أن الإمام رفع رأسه فرفع، هل يجب أن يعود؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب حتى لو لم يُعِد بطلت صلاته، كما لو رفع رأسه لينتقل يجب عليه أن يعود.
والثاني: وهو الأصح لا يجب، بل إن شاء عاد، وإن شاء لم يُعِد بخلاف ما لو رفع رأسه لينتقل يجب أن يعود؛ لأنه لم يقطع الرُّكن، فلو كان هو في العود فرفع الإمام رأسه.
قال الشيخ: على الوجه الأول يضع جبهته، وعلى الوجه الآخر، وهو الأصح إن شاء وضع جبهته، وإن شاء عاد مع الإمام.
أما إذا سبق الإمام بركن كامل مقصود عمداً، مثل أن ركع قبل الإمام، فرفع رأسه، والإمام بعد في القيام بطلت صلاته، وكذلك لو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ورفع بطلت صلاته.
ولو سبقه بركن غير مقصود، مثل أن كان الإمام في الركوع، فرفع قبله وسجد، أو كان الإمام في السجود الأول، فرفع قبله، وسجد الثانية هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
стр. 630
أحدهما: تبطل؛ لأنه سبقه بركن كامل؛ لأن الاعتدال عن الركوع والقعود بين السجدتين ركنان في الصلاة.
والثاني: وهو المذهب لا تبطل صلاته؛ لأن الاعتدال عن الركوع تبعٌ للركوع، والقعود بين السجدتين تبع للسجود، وهو لم يسبقه بركن مقصود، كما لو رفع أو سجد قبله، ولم يزد عليه لا تبطل صلاته، هذا إذا خالف الإمام بالتقدم عليه.
أما إذا خالفه بالتخلف عنه، لا يخلو إما أن يتخلف عنه بغير عذر أو بعذر، فإن تخلف بغير عذر، مثل أن ركع الإمام، وهو في خلال قراءة السورة، عليه أن يقطعها أو يتابعه، فإن لم يفعل أو اشتغل بتسبيحات الركوع والسجود حتى سبقه الإمام، فهو كما لو تقدم على الإمام.
فإن سبقه الإمام بركن كامل مقصود، مثل أن ركع، ورفع، وهو بعد في القيام أو سجد ورفع، وهو بعد في الاعتدال بطلت صلاته.
وقيل: لا تبطل صلاته حتى يشتغل الإمام بركن آخر مقصود، مثل أن يدوم في القيام حتى يركع، ويرفع ويسجد، أو يدوم في الاعتدال عن الركوع حتى يسجد الإمام، ويرفع ويسجد الثانية، حينئذ تبطل صلاته، وهذا القائل يقول: يشترط أن يسبقه الإمام بركنين، ولا يشترط فراغه من الركن الثاني، بخلاف المأموم إذا سبق الإمام بركن كامل تبطل صلاته؛ لأن من شرط المأموم أن يجري على أثر الإمام، فتخلُّفه عنه بركن واحد لا يضر، ولا يجوز له التقدم عليه، فإذا تقدم بركن كامل بطلت، وإن سبقه بركن غير مقصود بأن دام في الركوع حتى رفع الإمام وسجد، أو دام في السجود حتى رفع الإمام رأسه وسجد الثانية، فالمذهب أن صلاته لا تبطل؛ لأن الإمام لم يسبقه بركن مقصود، كما ذكرنا في تقدم الإمام.
أما إذا تخلف عن الإمام بعذر بأن كان بطيء القراءة، فرفع الإمام، وهو في خلال الفاتحة، عليه أن يتمَّها، أو زُحِم عن بعض الأركان حتى سبقه الإمام، عليه أن يجري على أثره ما لم يسبقه بثلاثة أركان مقصودة، ولا يحسب فيها الاعتداء عن الركوع والقعود بين السجدتين على ظاهر المذهب، فإن زاد على ثلاثة أركان ففيه وجهان:
أحدهما: أن يجري على أثره أبداً، ويراعي نظر صلاة نفسه؛ لأنه معذور.
стр. 631
والوجه الثاني: الذي حُكي لنا أنه يخرج عن متابعته: لأن الاقتداء للموافقة، ولا يمكنه موافقة الإمام.
قال الشيخ: وهو صاحب الكتاب: الخروج عن المتابعة ثابت [له]، ويكون كمن خرج عن متابعة الإمام بالعذر، فإن اختار المقام على متابعته يجوز، ثم فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنه يجري على متابعته.
قال الشيخ: والثاني: أن يوافق الإمام في الركن الذي هو فيه، ثم يقضي ما فاته بعد ما سلّم الإمام، وهذا أصح كما قال الشافعي في الجمعة: إذا ازدحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى، فلم يمكنه السُّجود حتى ركع الإمام في الثانية، ثم أمكنه السجود ففيه قولان:
أحدهما: يشتغل بالسجود.
والثاني: وهو الأصح يتابع الإمام في الركوع، ثم إذا سلَّم الإمام يقضي ركعة، كذلك ها هنا، وإذا سمع المسبوق بركعة حساً ظنَّ أن الإمام قد سلم فقام، وقضى ركعة، ثم بان الإمام لم يسلم لم يحسب له تلك الركعة، فإذا سلم الإمام قام وقضى ركعة، ولا يسجد للسهو؛ لأنه كان خلف الإمام، فلو سلم الإمام وهو قائم هل يقعد أو يمضي؟ فيه وجهان.
وفائدته: أنه لو لم ينتبه لتسليم الإمام في حال قيامه حتى صلى ركعة إن قلنا: عليه القعود لم تحسب له تلك الركعة، وإلا حسبت.
فإن قلنا: لا تحسب له تلك الركعة يسجد للسهو؛ لأنه زاد في صلاته بعد تسليم الإمام.
وإن قلنا: تحسب، فلا سجود عليه.
ولو سها الإمام في صلاته، فإن كان سهوه في قراءة فتح المأموم عليه، وجهر به حتى سمعه الإمام، وإن كان في فعل تركه سبَّح ليعلم، فإن لم يقع للإمام أنه سها، كأنه قام إلى ركعةٍ، وعنده أنها رابعته، وعند المأموم أنها خامسته، فنبهه لا يعمل الإمام بقول المأموم، لأنه شك في فعل نفسه، فلا يأخذه بقول غيره، كالحاكم إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان لا يأخذ به.
وقيل: إذا كان في القوم كثرة يركن القلب إليهم يقلدهم الإمام، وكذلك هل يُقلد
стр. 632
بعض المأمومين بعضاً؟ فيه وجهان إذا ثبت أن الإمام لا يأخذ بقول المأموم، فالمأموم هل يتابعه أم لا؟.
نظر إن كان سهو الإمام في ترك فرض بأن قعد وفرضه القيام، أو قام وفرضه القعود لا يجوز أن يتابعه؛ لأنه إنما يلزمه المتابعة في أفعال الصلاة، وما يأتي به ليس من أفعال الصلاة، وإن كان سهوه في ترك سُنَّة مقصودة بأن ترك التشهد الأول، أو القنوت، عليه متابعته؛ لأن متابعته فريضة لا يجوز أن يشتغل عنها بالسُّنَّةِ.
وإن نسي التسليمة الثانية، أو سجود السهو لا يتركه المأموم؛ لأنه يأتي به بعد سقوط المتابعة عنه.
فصلٌ
إذا أخرج المأموم نفسه عن متابعة الإمام فأتم صلاته هل تبطل صلاته؟ فيه قولان:
أحدهما: تبطل لقول النبي- ﷺ : "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه".
والثاني: لا تبطل؛ لما روي عن جابر أن معاذاً كان يصلي مع النبي- ﷺ العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه، فصلى ليلة مع النبي- ﷺ ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح سورة "البقرة" فتنحَّى رجل من خلفه، فصلى وحده، فقالوا له: نافقت، فأتى النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله إنك أخَّرت العشاء، وإن معاذاً صلى معك، ثم رجع فأمَّنا، فافتتح سورة البقرة، فلما رأيت ذلك تأخَّرت وصلّيت، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل النبي- ﷺ على معاذ فقال: "أفتّان أنت يا معاذٌ؟ أفتّانٌ أنت يا معاذ؟ اقرأ بسورة كذا" ولم يأمر الرجل بالإعادة لمفارقته الإمام. واختلفوا في محل القولين.
منهم من قال وهو المذهب: القولان فيما إذا خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، فإن نخرج بعذر بأن كان ضعيفاً لا يصبر على طول القراءة، أو عرض له شغل، أو قام الإمام إلى الخامسة، أو ترك سُنّة مقصودة كالتشهد الأول والقنوت لا تبطل صلاته قولاً واحداً لحديث معاذ.
وقيل: القولان فيما إذا خرج لعُذرٍ، فإن خرج لغير عذر تبطل صلاته.
وقيل: في الكل قولان.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته بكل حال، والحديث حُجّة عليه. والله أعلم بالصواب.
стр. 633
بابُ موقف الإمام والمأمُوم
روي عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة، والنبي- ﷺ عندها، فقام من الليل
стр. 634
يُصلِّي، فقمت عن يساره، قال: فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشِّق الأيمن.
إذا كان مع الإمام رجل واحد يقوم على يمين الإمام، وكذلك الصبي، فإن قام عن يساره أو خلفه كُره، وصحّت صلاته.
وإن وقف على يساره ولم يعلم، علَّمه الإمام، كما فعل النبي- ﷺ بابن عباس.
وإن كان معه رجلان أو رجل وصبي قاما خلف الإمام صفاً واحداً، وإن كان معه امرأة قامت خلف الإمام، وإن كان رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه، والمرأة خلفهما وإن كان رجلان، أو رجل وصبي وامرأة، قام الرجلان أو الرجل والصبي خلف الإمام صفاً وقامت المرأة خلفهما؛ لما روي عن أنس قال: صليت أنا ويتيم خلف رسول الله- ﷺ في بيتنا وأم سليم خلفنا.
ولو كان معه رجل وامرأة وخنثى قام الرجل عن يمينه، والخنثى خلفهما، والمرأة
стр. 635
خلف الخنثى، فالخنثى يتخلف عن الرجل؛ لاحتمال أنه امرأة، ويتقدم على المرأة؛ لاحتمال أنه رجلٌ.
ولو كان خلفه جماعة من الرجال والنساء والصبيان، يقف الرجال خلف الإمام، ثم الصبيان ثم النِّسوان؛ لقوله ﵇: "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى".
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "خير صفوف الرِّجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرُّها أولها".
فلو وقف صبي في صف الرجال، ثم دخل رجل لا ينحِّيه، ولو وقفت امرأة يؤخرها الرجل إذا دخل، ولو وقفت المرأة بجنب إمام الرجال، أو اقتدت به يكره، ولكن تصح صلاته.
وقال أبو حنيفة: إذا اجتمعا في الرُّكوع بطلت صلاة الإمام والقوم جميعاً، ولو وقفت في صف الرجال، واقتدت به قال: تصح صلاة الإمام، وصلاة من أمامها وصلاتها، وتبطل صلاة رجل عن يمينها ورجل عن يسارها.
وقال في صلاة الجنازة: لا تبطل صلاة أحد، والدليل عليه ما روي عن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القِبلة كاعتراض الجنازة.
فإذا كان نوم المرأة بين يدي المصلي لا تبطل صلاته، فوقوفها بجنبه مصلّية أولى ألّا تبطل صلاته، ولو تقدَّم المأموم على الإمام فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله في الجديد- لا تصح صلاة المأموم، لأن هذه المخالفة أبلغ من المخالفة في الأفعال.
وقال في القديم، وبه قال مالك: تصح صلاته؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام، وذلك لا يمنع جواز الصلاة، كما لو وقفوا مستديرين بالكعبة يجوز وإن كان بعض المأمومين أقرب إلى الكعبة من الإمام، قلنا: لأن ثمَّ لم يتقدم المأموم
следующие страницы →