← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته، وإن تذكر قبل أن يضع جبهته يعود، ويقنت، ثم إن عاد بعد بلوغه حد الراكعين يلزمه سجود [للسهو]، وإن عاد قبل بلوغه هذا الحدَّ لا يلزمه سجود السهو. ولو كان يصلي مع الإمام فترك الإمام التشهد الأول، وقام، أو ترك القنوت وسجد لا يجوز للمأموم أن يشتغل به، فلو فعل بطلت صلاته، بل يجب عليه متابعة الإمام، فلو خرج عن متابعته وتشهد، فهو خروج بالعذر. ولو قعد الإمام للتشهد الأول، فقام المأموم ساهياً، يجب عليه أن يعود؛ لأن متابعة الإمام فرض، فإن لم ينتبه حتى قام الإمام لا يجوز أن يعود، فلو نسي الإمام التشهد، فقام، وقام المأموم معه، ثم عاد الإمام لا يجوز للمأموم أن يعود معه، بل يخرج عن متابعته، فلو انتظره قائماً وحمل عوده على النسيان هل يجوز؟ فيه وجهان. ولو ترك التشهد الأول عمداً، ثم عاد قبل أن اعتدل قائماً، نظر إن عاد بعد ما صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته، وإن عاد قبله لا تبطل صلاته، وكذلك القُنُوت. فصلٌ إذا جلس في الركعة الأولى على اعتقاد أنها ثانيته، نظر إن زاد جلوسه على جلسة الاستراحة يلزمه سجود السهو، سواء قرأ شيئاً من التشهد، أو لم يقرأ، وإن فعله عمداً بطلت صلاته، وإن لم يزد، نظر إن لم يقرأ شيئاً من التشهد، لا سجود عليه؛ لأن هذا الجلوس سُنة، ولو أوجبنا سجود السهو لقصده عن غيره، لأوجبنا بمجرَّد عمل القلب، ومجرد عمل القلب لا يوجب سجود السهو. وإن قرأ شيئاً من التشهد وإن قلَّ، فهو كما لو تشهد في القيام أو قرأ الفاتحة في التشهد ساهياً، فيلزمه سجود السهو، كما لو سجد أو ركع في غير محله، هذا هو المذهب،

стр. 562

وقيل: لا يلزمه سجود السهو؛ لأن حكم الذِّكر أخف من حكم الفعل ولو فعله عمداً، والمذهب أن صلاته لا تبطل. وقيل: تبطل، وكذلك لو مد الاعتدال عن الركوع في غير محل القنوت [بالقنوت]، أو بذكر آخر، أو بالسكوت، أو أطال القعود بين السجدتين عمداً، بطلت صلاته، ولو سها يلزمه سجود السهو، فلو لم يطل، لكنه قرأ [فيه] التشهد، أو الفاتحة، أو قنت، فالمذهب أنه يلزمه سجود السهو، وإن تعمد فالمذهب أن صلاته لا تبطل. واعلم أن سجود السهو إنما يجب بأحد أمرين: إما بترك مأمور، أو بارتكاب منهيّ أما ترك المأمور، فما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو، مثل أن يترك ركوعاً أو سجوداً أو قراءة، وما لا يوجب عمده بطلان صلاته، مثل إن ترك قراءة السورة، وتكبيرات الانتقالات والتسبيحات والجهر والإسرار وغيرها من السنن، فسهوه لا يوجب سجود السهو إلى الأبعاض، وهي التشهد الأول قعوداً وقراءة؛ والقنوت والصلاة على النبي- ﷺ في التشهد الأول على أحد قولين، فإن تركها عمداً لا توجب بطلان الصلاة، ولو تركها سهواً يلزمه سجود السهو. وأما ارتكاب المنهي، فما يوجب عمده بطلان الصلاة، يوجب سهوه سجود السهو، إن لم تبطل الطهارة، وذلك مثل أن يتكلم أو يسلم في غير موضعه، أو يعمل عملاً، أو يزيد ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً. وما لا يوجب عمده بطلان الصلاة، فسهوه لا يوجب سجود السهو، مثل الالتفات، والخطوة والخطوتين، إلا نفل القراءة، فإن عمده لا يوجب بطلان الصلاة على ظاهر المذهب، وسهوه يوجب سجود السهو. أما إذا أحدث فيستوي عمده وسهوه؛ لأنه يبطل الطهارة في الحالين. فصلٌ الترتيب في أركان الصلاة واجب، فإن ترك عمداً بأن سجد قبل الركوع، أو ركع قبل القراءة، بطلت صلاته، وإن سها عليه أن يعود إلى الركن المتروك. بيانه: إذا نسى السجدة الأخيرة من الركعة الأولى فقام، ثم تذكَّر، لا يخلو إما أن يذكر قبل أن يسجد، أو بعد ما سجد.

стр. 563

فإن تذكر قبل أن يسجد في الثانية، عليه أن يعود لإتمام الركعة الأولى، حتى لو كان في الركوع لا يجوز أن يعتدل قائماً، بل يهوي، ثم ينظر إن كان قد قعد بين السجدتين في الركعة الأولى يهوي إلى السجود، هذا هو المذهب. وإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فإنه يجلس، ثم يسجد. وقيل: يهوي إلى السجود، ولا يجلس؛ لأن الجلوس بين السجدتين للفصل بينهما، وقد حصل الفصل بالقيام، وليس بصحيح؛ لأن الجلوس فريضة، فلا يقوم القيام مقامه، كما لا يقوم الجلوس مقام التشهد. وإن كان قد جلس بين السجدتين بنية جلسة الاستراحة، أو بنية التشهد الأول، فقد قيل: يعود ساجداً، ويحسب هذا الجلوس غير الجلوس بين السجدتين. والمذهب أنه لا تحسب، لأنه جلس بنيَّة السُّنة، فلا يقوم مقام الفرض، كما لو سجد للتلاوة، أو للسهو لا يقوم مقام [سجود] الفرض، بل عليه أن يجلس ثم يسجد. وإن وقع هذا في الركعة الأخيرة، فجلس بنيَّة التشهد الأخير، قام مقام القعود بين السجدتين؛ لأنه فرض. أما إذا تذكَّر بعد أن سجد في الثانية نظر إن تذكر في السجدة الأولى، وكان قد قعد بين السجدتين، تمَّت الأولى بهذه السجدة، فعليه أني قوم، فإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فلا تتم أولاه بهذه السجدة، بل يقعد، ثم يسجد الثانية حتى يتم الركعة الأولى، ثم يقوم، وأعماله في الثانية كلا عملٍ إلا هذه السجدة الواحدة. وإن تذكر في السجدة الثانية تمَّت الأولى بإحدى السجدتين، إما بالأولى إن كان قد قعد بين السجدتين، أو بالثانية إن لم يكن قد قعد، فيقوم إلى الركعة الثانية. وإذا صلى صلاة ذات أربع ركعات، ففي التشهد الأخير تذكر أنه نسي سجدة منها، نظر إن علم أنه نسيها من الأخيرة سجدها، واستأنف التشهد، وسجد للسهو وسلم، وإنما قلنا: يسجد للسهو؛ لأنه طوَّل الجلوس بين السجدتين بالتشهد، فإن لم يكن طوَّل، ولا قرأ شيئاً من التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن علم أنه تركها من إحدى الركعات الثلاث، أو لم يدرِ أنه ترك من الركعة الأخيرة، أو من إحدى الثلاث يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنه تركها من إحدى الثلاث، فعليه أني قوم ويصلي ركعة، ويسجد للسهو. وإنما قلنا: يصلي ركعة؛ لأنه إن تركها من الأولى تمَّت الأولى بالثانية، وأعماله في

стр. 564

الثانية كلا عملاٍ، وإن ترك من الثانية تمَّت الثانية بالثالثة، وأعماله في الثالثة كلا عمل. وإن ترك من الثالثة تمَّت الثالثة بالرابعة وأعماله في الرابعة كلا عملٍ، فعليه أن يصلِّي ركعة. وإن تذكر أنه نسي سجدتين، ولا يدري كيف تركهما من الرَّكعة الأخيرة، أو من إحدى الركعات، وعلم أنه تركهما من ركعة واحدة، حصل له ثلاث ركعات، فعليه أن يقوم ويصلِّي ركعة، وإن شك لم يدرِ أنه تركهما من ركعة واحدة، أو من ركعتين، يحصل له ركعتان لاحتمال أنه ترك واحدة من الأولى، وواحدة من الثانية تتم الأولى بالثانية، وتتم الثالثة بالرابعة، واعماله فيما بينهما كلا عملٍ، فيقوم ويصلِّي ركعتين. وإن تذكر أنه نسي ثلاث سجدات لا يدري كيف تركها؟ يحصل له ركعتان، يجعل كأنه ترك من كل ركعة من الأوليات سجدة. وإن نسي أربع سجدت تجعل له ركعتان إلا سجدة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدة، تمت الأولى بالثانية، وصارت رابعته ثانيته، فيسجد في الحال سجدة، حتى تتم هذه الركعة، ثم يقوم ويصلّي ركعتين. وإن نسيَ خمس سجدات، حصلت له ركعة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ولم يسجد في الثانية، ولا في الثالثة، وسجد في الرابعة سجدة، تتم الأولى بهذه السجدة، فيقوم ويصلي ثلاث ركعات. ولو ترك ست سجدات، يحصل له ركعة. وإن ترك سبع سجدات فركعة إلا سجدة يسجد في الحال سجدة، ثم يقوم، ويصلي ثلاث ركعات، هذا كله فيما إذا علم أنه قعد بين السجدتين، ثم نسي السجدة الثانية، أو قلنا بالوجه البعيد أن القيام يقوم مقام القعود بين السجدتين. فإن قلنا: لا يقوم مقامه، ولم يكن قعد بين السجدتين، أو شكّ هل قعد أم لا؟ فإذا شك في أربع سجدات، لا يحصل له إلا ركعة ناقصة سجدة، ثم قعود للتشهد الأخير، يقوم مقام القعود بين السجدتين، فيسجد سجدة أخرى، ويقوم ويصلّي ثلاث ركعات. ولو أن مسافراً شرع في الظهر بنيَّة القصر، فصلاها أربع ركعات ساهياً، وترك من كل ركعة سجدة حصلت له ركعتان، وصحت صلاته، فيسجد للسهو، ويسلم، وكذلك الجمعة لو صلاها أربعاً سهواً. كذلك لو قعد للتشهد في صلاة الصبح، فتذكر أنه ترك ركوعاً، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، تمَّت الأولى بركوع الثانية، وما قبل الركوع لغوٌ، فيقوم ويصلي ركعة، وإن علم أنه ترك من الثانية يعود إلى القيام، ثم إلى الركوع، ويعيد السجدتين والتشهد.

стр. 565

وإن شك لم يدرِ من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، فيقوم ويصلّي ركعة ولو كان في الركوع من الرَّكعة الثانية، فتذكر أنه ترك الفاتحة من إحدى الركعتين، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، فهذه الركعة أولاه يتمُّها، ويصلي ركعة أخرى، وإن علم أنه تركها من الثانية يعود إلى القيام فيقرأ ثم يركع. وإن شك لم يدر من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، وحصل له قيام وركوع، فيمضي في ركعة فيتمها، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى. وإن تيقَّن في آخر الصلاة أنه ترك ركناً يعرف عينه، يجب عليه أن يصلي ركعة كاملة إذا تحقق الإتيان بالنية والتكبير، فإن شك في واحد منهما عليه استئناف الصلاة. فصلٌ إذا شك المصلّي أنه هل سها أم لا؟ أو هل ارتكب منهياً؟ فلا سجود عليه؛ لأن الأصل عدم السهو، وكذلك لو شك في الجملة أنه هل ترك مأموراً أم لا؟ فلا سجود عليه. أما إذا شك مفصلاً، نظر إن كان في ارتكاب منهي، مثل أن شك هل تكلم ناسياً؟ أو هل سلم في غير موضعه؟ أو هل شك في عدد الركعات فبنى على اليقين؟ فالأصل أنه لم يفعل، ولا سجود عليه وإن شك في ترك مأمور، مثل أن شك هل ترك مأمور كذا؟ فالأصل أنه لم يأت به، وكذلك لو شك هل قعد للتشهد الأول، أو هل قنت أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، فعليه سجود السهو ولو تيقن السهو، لكنه لم يدرِ أنه ترك مأموراً وارتكب منهياً يجب عليه سجود السهو؛ لأن السهو يقينٌ، ولو تيقَّن السهو، وشكّ أنه هل سجد لسهو أم لا؟ فالأصل أنه لم يسجد، فعليه أن يسجد، وكذلك لو شك أنه سجد للسهو واحدة أو ثنتين، سجد سجدة أخرى، فإذا سجد ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين، لا يلزمه أن يسجد ثانياً؛ لأنه سهو في سجود السهو، والسهو في سجود السهو لا يوجب سجود السهو، حتى لو تكلم في سجدتي السهو، أو في أحدهما، أو سلّم بينهما لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه لا يمن من وقوع مثله في السجود فيؤدي إلى ما لا يتناهى كما يقال في اللغة: التصغير لا يُصغّر. وقال صاحب "التلخيص": إذا سها بعد سجدتي السهو، يلزمه سجود السهو؛ لأن السجود السابق لا يجبر سهواً وقع بعده، والأول المذهب للاتفاق على أنه لو سجد ثلاثاً لا يلزمه سجود السهو. أما السهو بسجود السهو موجب سجود السهو، مثل أن شك هل قعد للتشهد الأول أو هل قنت أم لا؟ فسجد للسهو، ثم بان أنه قد أتى به، يلزمه أن يسجد ثانياً، لأن سهوه هذا السجود، فعليه جبرُهُ.

стр. 566

وسئل القاضي عمَّن ظن أن سهوه ترك القنوت، فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يتركه بل تكلم ناسياً، قال: عليه أن يسجد للسهو ثانياً؛ لأنه قصد بالأوليين جبر ما هو مجبور، وجبر الخلل عليه، وإن كان عنده أنه ترك القنوت، وتكلم ناسياً، فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يترك القنوت، لا يلزمه إعادة سجود السهو. وقيل: لا يلزمه أن يسجد ثانياً في الموضعين، وقطع به في كرَّة أخرى؛ لأن سجود السهو لجبر الخلل، وقد قصد جبر الخلل. ولو سها في صلاة سهوين، أو أكثر، لا يلزمه إلا سجدتان، بدليل حديث ذي اليدين أن النبي- ﷺ تكلّم ومشى، ولم يزد على سجدتين، وتأخير سجود السهو عن حالة السهو إلى آخر الصلاة لهذا المعنى، فلو كان لا يتداخل لكان يؤمرُ بالسجود حالة السهو، كسجود التلاوة يأتي به حالة ما يتلو. ولو سها في صلاة الجمعة، فسجد للسهو، فقبل أن سلم خرج الوقت، يجب عليه إكمال الظهر ويسجد ثانياً في آخر صلاته، وكذلك المسافر لو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، فسها وسجد للسهو، فقبل أن سلّم نوى الإتمام، أو صار مقيماً، عليه أن يتم الصلاة، ويسجد ثانياً في آخر صلاته؛ لأن محلَّ سجود السهو آخر الصلاة، وسجود السهو سُنَّة، فلو نسي سجود السَّهو وسلم، نظر إن تذكر، والفصل قريب، سجد، فلو لم يفعل فصلاته صحيحة، وإن طال الفصل، ففيه قولان: قال في الجديد: لا يسجد؛ لأن محله الصلاة، فبعد طول الفصل لا يبنى، كما لو ترك ركناً من الصلاة، فتذكر بعد ما سلم، وطال الفصل لا يبنى. وقال في القديم: يسجد بعد طول الفصل؛ لأنه جبران عبادة، فيجوز أن يتراخى عنها، كجبران الحج، فحيث قلنا: يسجد بعد السلام فسجد، هل يعود إلى حكم الصلاة؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن محلّ سجود السهو قبل السلام. والثاني وهو المذهب لا يعود على حكم الصلاة؛ لأنه تخلَّل عنها بالسلام، بدليل أنه لو سجد جاز، ولو كان سلامه غير محسوب للزمه الرجوع، وفائدته تتبين في مسائل. منها: أنه لو تكلم عامداً، أو أحدث بعد ما عاد إلى السجود، هل تبطل صلاته؟ إن قلنا: عاد إلى حكم صلاته تبطل، وإلا فلا، وهل يكبر للافتتاح؟ وهل يتشهد بعد السجدتين؟ فيه وجهان:

стр. 567

أحدهما: يتشهَّد؛ لأن سجود الصلاة بعده يتشهد. والثاني: وهو الأصح لا يتشهد؛ لأن المتروك هو السجود، فلا يلزمه معه شيء آخر. والصحيح: أنه لو سلّم، سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد، ولو ترك سجود السهو عمداً وسلّم، فبعد طول الفصل لا يسجد، وهل يسجد على قرب الفصل فيه وجهان: أصحهما: لا يسجد؛ لأنه قطع الصّلاة بالسلام العمد. فصلٌ روي عن معاوية بن الحكم قال: بينما أصلِّي أنا مع رسول الله- ﷺ إذ عطس رجل، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: ما شأنكم تنظرون إليَّ فلما صلى رسول الله- ﷺ قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". أو كما قال رسول الله- ﷺ : "إذا سها المأموم خلف إمامه فلا سجود عليه ويتحمل عنه الإمام. فإن معاوية بن الحكم لم يأمره النبي- ﷺ بالسجود، مع أنه تكلم خلفه، وقد قال النبي- ﷺ : "الأئمة ضمناء والضمين من يتحمل، فلو سها الإمام يجب على المأموم سجود السهو، فالإمام لما لزمه سهو نفسه تحمَّل عنه سهوه، فلو سها الإمام ولم يسجد للسهو، فالمأموم يسجد؛ لأن سهو الإمام أوقع خللاً في صلاة المأموم، فعليه جبرُهُ فقال

стр. 568

المزني: لا يسجد المأموم؛ لأنه لزمه متابعة الإمام، كسجود التلاوة، فإذا تركه الإمام لا يأتي به المأموم. قلنا: لأن سجود التلاوة يكون في خلال الصلاة، فإذا تركه الإمام لا يجوز للمأموم مخالفته، وسجود السهو يأتي به بعد مفارقة الإمام، فلا يكون فيه مخالفة الإمام، فلو ترك الإمام سجود السهو وسلّم، ثم عاد ليسجد، فهل على المأموم موافقته لا يخلو إما أن يسلم المأموم معه، أو لم يسلم، فإن سلَّم معه ناسياً فإذا سجد الإمام يسجد معه، فإن لم يفعل هل تبطل صلاته أم لا؟ إن قلنا: عاد الإمام إلى حكم صلاته بطلت، وإلا فلا، وإن سلَّم المأموم عمداً ذاكراً للسهو، فإذا عاد الإمام لا يلزمه متابعته، وصحَّت صلاته، وإن لم يسلم المأموم، فعاد الإمام ليسجد، نظر إن عاد بعد أن سجد المأموم للسهو، فلا يجوز أن يتابع الإمام؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالسجود، وإن عاد قبل أن يسجد المأموم إن قلنا: عاد إلى حكم صلاته يلزمه متابعته، فإن لم يفعل بطلت صلاته. وإن قلنا: لم يعد إلى حكم صلاته لا يجوز أن يتابعه، بل يسجد منفرداً، فإن تابعه بطلت صلاته، وكذلك إذا كان خلف الإمام مسبوق، فبعد تسليم الإمام قام المسبوق لقضاء ما فاته، فإذا عاد الإمام ليسجد لا يتابعه المسبوق؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالقيام. وإن كان الإمام حنفياً فسلّم قبل أن يسجد للسهو، فلا يسلم معه المأموم، بل يسجد قبل السلام منفرداً، ولا ينتظر سجود الإمام؛ لأنه فارقه بالسلام. ولو سها الإمام، ثم سبقه الحدث، فالمأموم يتم صلاته منفرداً، ويسجد للسهو. ولو سها المأموم، ثم سبق الإمام الحدث لا يسجد للسهو؛ لأن الإمام تحمل عنه. ولو قام الإمام إلى الخامسة ساهياً، فخرج المأموم عن متابعته، نظر إن خرج قبل بلوغه حد الرَّاكعين لا سجود عليه؛ لأنه فارقه قبل أن يحقِّق سهوه، وإن خرج بعد بلوغه حدّ الراكعين سجد للسهو؛ لأن سهو الإمام لحقه. ولو سجد الإمام في آخر صلاته سجدتين يجب على المأموم متابعته، ويحمل على أنه سها، ولم يطلع عليه المأموم حتى لو لم يسجد إلا واحدة سجد المأموم أخرى، ويحمل على أن الإمام نسيها، بخلاف ما لو قام الإمام إلى الخامسة لا يجوز للمأموم أن يتابعه حملاً على أنه ترك الفاتحة في ركعة؛ لأنه لو تحقق ذلك لم تكن له متابعته؛ لأن المأموم قد أتى به يقيناً. قيل للقاضي- ﵀: لو كان مسبوقاً بركعة أو شاكّاً في قراءة الفاتحة في ركعة،

стр. 569

قال: لا يجوز أن يتابع الإمام في الخامسة؛ لأن الواجب عليه قضاء ما فاته منفرداً، وإذا سها الإمام وخلفه مسبوق يجب على المسبوق أن يسجد مع الإمام في آخر صلاته، سواء أدرك سهو الإمام، أو لم يدرك، فلو لم يسجد الإمام في آخر صلاته لا يجوز للمسبوق أني سجد في آخر صلاة الإمام حتى لو سجد بطلت صلاته؛ لأن ذلك يلزمه لمتابعته الإمام، ثم إذا تم المسبوق صلاته، هل يلزمه أن يسجد في آخر صلاة نفسه، سواء سجد مع الإمام أو لم يسجد؟ نظر إن أدرك سهو الإمام فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المُزنيّ- ﵀ لا يسجد؛ لأنه لمتابعة الإمام، وقد ارتفعت المتابعة. والثاني: وهو الأصح نصّ عليه في "الأم"- أنه يسجد؛ لأن سهو الإمام أوقع خللاً في صلاته، وما أتى مع الإمام كان لمتابعة الإمام، فلا يكون محسوباً له؛ لأنه في غير محله، وإن لم يدرك سهو الإمام ترتب على ما لو أدركه إن قلنا ثم لا يسجد في آخر صلاته، فها هنا أولى وإلا فقولان، والأصح أنه يسجد حتى لو اقتدى بهذا المسبوق بعدما فارق الإمام مسبوق آخر، وبذلك المسبوق ثالث، فعلى كل واحد أن يسجد لمتابعة إمامه، ثم يسجد ثانياً في آخر صلاته. ولو سها المسبوق في قضاء ما فاته عن قلنا: لا سجود عليه لسهو الإمام في آخر صلاته سجد لسهو نفسه. وإن قلنا: يلزمه أن يسجد لسهو الإمام يكفيه لذلك سجدتان لسهوه وسهو الإمام، ولو سلّم المسبوق بتسليم الإمام ساهياً، ثم تذكر يتم صلاته، ويسجد للسهو؛ لأن سهوه بالسلام كان بعد مفارقة الإمام، فلو قدر المأموم الموافق أن إمامه قد سلم فسلّم، فبان أنه لم يسلم، عليه أن يسلم معه، ولا سجود عليه، ولو تيقَّن المأموم في التشهد أنه ترك الفاتحة في ركعة، أو شك في فواتها، فإذا سلَّم الإمام، عليه أن يقوم ويُصلِّي ركعتين، ولا سجود عليه؛ لأن سهوه كان خلف الإمام، فلو سها في هذه الركعة سجد للسهو؛ لأنه منفرد. فصلٌ: في سجود الشُّكر روي عن النبي- ﷺ أنه رأى نغاشياً فسجد شكراً لله .

стр. 570

وعن أبي بكر أنه سجد حين بلغه فتحُ "اليمامة". وسجد على حين بلغه قتل ذي الثّدية. سجود الشكر سنة لنعمة تحدثن أو بليَّة تندفِعُ. وعند أبي حنيفة بِدعة، والحديث حُجة عليه، ولا يشرع لجميع النِّعَم، لأن نعم الله متواترة لا تُحصى، بل لنعمة طال ما كان يرقبها أو بليَّة طال ما يتوقع انكشافها، أو رأى مبتلىً ببليَّة أو بمعصية، ولو أراد أن يصلي أو يتصدق شكراً فحسن، ثم إن كان يسجد لنعمة حدثت له من شفاء مريض، أو حدوث ولد، أو قدوم غائب، يجوز أن يظهره، وإن كان لبليَّة في غيره، ينظر فإن كانت به علة أو زمانةٌ يخفى السجود عنه حتى لا يضجر به المُبتلى، فيحمله ذلك على الكُفران، وإن لم يكن معذوراً بأن كان في فسق أو فجور، فيظهر السجود بين يديه لعله يحمله ذلك على التوبة. ولا يجوز سجود الشُّكر في الصلاة، فلو فعل بطلت صلاته. وإذا أراد أن يسجد يستقبل القِبلة، ويكبر، ويرفع يديه، ثم يكبر للهُوِيِّ، ثم يكبر فيرفع، ولا يتشهد وهل يسلم؟ فيه وجهان كما ذكرناه في سجود التلاوة. ويسجد الرَّاكبُ في السَّفَرِ بالإيماء إلى الطريق، والماشي يسجد على الأرض مستقبل القبلة، ويشترط فيه الطهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والمكان عن النجاسة، كما في سجود التلاوة. والله أعلم. باب الصلاة بالنَّجاسة قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. قد ذكرنا أن شرائط جواز الصلاة خمسة، وذكرنا حكم الطَّهارة عن الحدث، وستر العورة، والقِبلة، والوقت، ومن شرائطه [طهارة] البدن، والثوب، والمكان عن النَّجاسة، فلا خلاف أن القليل من دم البرغوث والقمل والبعوض، وما يخرج من بدن الإنسان من الدم والقيح والصديد يكون عفواً تصح الصلاة معه، سواء كان على بدنه، أو [على] ثوبه؛ لأن الإنسان قلّ ما يخلو عن بثرةٍ ببدنه يخرج منها شيءٌ.

стр. 571

وعن البرغوث والقمل فيشق عليه الاحتراز فعفا عنه الشرع حتى لا يضيق الأمر على النَّاس، فإن كثر ذلك وعرق في ذلك الثوب حتى انتشر، هل يكون عفواً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعفى؛ لأن الكثير لا يشق الاحتراز عنه. والثاني: يعفى؛ لأن هذا الجنس يتعذر الاحتراز عنه، فوقع عفواً، وإن أصابه دمٌ من غيره، فلا يعفى عن كثيره، وهل يعفى عن قليله؟ فيه قولان: أحدهما: قاله في "الإملاء" [لا يعفى]، لأنه لا يشق الاحتراز عنه. وقال في "الأم" وهو الأصح: يعفى؛ لأن مما يتعافاه الناس في العادة. والمرجع القليل والكثير إلى العادة. وقال في القديم: ما دون الكف عفو، ولا يعفى عن الكف. وقال في موضع: يعفى عن قدر دينار من الدم، وحكم ونيم الذُّباب وبول الخُفَّاش حكم الدم لتعذر الاحتراز عنه. أما سائرا لنجاسات مثل: البول والعذرة والخمر، فلا يعفى عن شيء منها، وإن قل إذا أدركه الطرف إلا محل الاستنجاء، فإنه عفو بعد المسح بالحجر، وإن كان لا يدركه الطرف، نظر إن أصاب بدنه، فلا يعفى عنه؛ لأنه يشعر به إذا أصابه، وإن أصاب ثوبه ففيه قولان: أصحهما: لا يعفى؛ لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز عنها كالذي يدركه الطرف. والثاني: يعفى؛ لأنه قد يصيب ثوبه ولا يشعر به فكان عفواً. ولو حمل في الصلاة مستنجياً بالحجر، أو رجلاً على ثوبه نجاسة معفوة هل تصح صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنه نجاسة معفوة. والثاني: لا تصح؛ لأنه عفو في حق من عليه لتعذُّر الاحتراز عنه، فلا يكون عفواً في حق غيره. وقال أبو حنيفة: النجاسات قسمان: مغلَّظة ومخففة، فالمغلَّظة مثل العذرة، والخمر، وبول ما لا يؤكل لحمه، فقدر الدِّرهم البغلي منها يكون معفواً، والمخففة بول ما

стр. 572

يؤكل لحمه، فإن لم يزد على ربع الثوب، أو ربع العضو يكون عفواً. ولو صلى وعلى ثوبه نجاسة غير معفوة لم يعلمها يجب عليه الإعادة على قوله الجديد، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة، كما لو بان محدثاً، وكذلك لو وقعت عليه في خلال الصلاة، ولم يشعر حتى مضى زمان تجب عليه الإعادة. وقال في القديم: لا تجب الإعادة؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري قال: بينما رسول الله- ﷺ يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله- ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم" قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله- ﷺ : "إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذراً" أو قال: أذى إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه ويصلِّي فيهما". ومن قال بالأول حمل ذلك الأذى على ما يستقذره الإنسان من الطاهرات كالنُّخامة ونحوها أمر بمسحه تنزيهاً للمسجد عنها، وكذلك لو صلى، ثم علم أن على إزاره ثقبة يظهر منها العورة يجب عليه الإعادة على الصحيح من المذهب. أما إذا علم النجاسة، فنسي وصلّى تجب الإعادة، وخرج قول من نسي الماء في الرَّحل من قوله القديم أنه لا يعيد. وعند مالك إن كان الوقت باقياً يعيد، وإن كان فائتاً فلا يعيد. قلنا: الإعادة إذا وجبت، فلا تسقط بفوات الوقت، كما لو بان محدثاً، فإذا أوجبنا الإعادة يجب عليه إعادة كل صلاة تيقن كونها معه فيها حتى لو صلّى صلوات في مكان واحد لم يفارقه، ولا يتصور حدوثها في ذلك المكان يجب عليه إعادة كلها، وإن احتمل حدوثها بعد الفراغ من الصلوات لا تجب إعادة شيء منها.

стр. 573

وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة يجب عليه إعادة صلاة واحدة، وإن كانت يابسة، فإن كان في الصيف يعيد صلاة واحدة، وإن كان في الشتاء يعيد صلوات يوم وليلة، ولو وقعت عليه نجاسة في خلال الصلاة، نظر إن كانت يابسة، فلما أصابته سقطت، أو نفض الثوب حتى سقطت، أو ألقى الثوب الذي وقعت عليه في الحال صحَّت صلاته، وإن استقرت عليه أبطلت صلاته، وإن وقعت على مُصلّاه، فإن نحَّاها بيده أو كُمِّه بطلت صلاته؛ لأنه قصد النجاسة، وإن تنحى عنها أو ألقى عليها ثوباً صحَّت صلاته. وإن كان عليه ثوب طاهر وطرف منه موضوع على نجاسة، كالعمامة طرف منها على رأسه، والطرف الآخر منها على النجاسة فإن كان بعيداً منه لا تصح صلاته؛ لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة، وكذلك لو شد حبلاً على وسطه، وطرف منه متصل بنجاسة أو مشدود في [عنق] كلب لم تصح صلاته؛ لأنه إذا مشى انجر معه. أما إذا كان أحد طرفيه تحت قدميه، والطرف الآخر متصل بالنجاسة تصح صلاته؛ لأنه كالبساط تحت قدميه، ولو صلى على طرف بُساطه، والطرف الآخر نجس، يجوز؛ لأن البساط كالأرض، ولو أخذ طرف حبل بيده، والطرف الآخر منه نجس أو متصل بنجاسة، هل تصح صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تصح؛ لأنه حامل للنجاسة، كما لو كان مشدوداً على وسطه. والثاني: تصح لأنه مباين عنه. والثالث: يفصل، فإن كان الطرف الآخر نجساً، أو متصلاً بعين النجاسة بأن كان في عنق كلب لا يصح، وإن كان متصلاً بشيء طاهر بأن كان متصلاً بساجور أو خرقة، والسَّاجور والخرقة في عنق الكلب، أو في عنق حمار، وعليه حمل نجاس صح. ولو بسط ثوباً على موضع نجس وصلَّى عليه، أو صلى على سرير وقوائمه على النجاسة تصح، سواء كان يتحرك بتحركه أو لا يتحرك. وقال أبو حنيفة: إن كان يتحرك بتحركه لا تصح، ولو كان على مُصلّاه نجاسة، فإن كانت تلاقي بدنه أو ثياب بدنه لا تصح صلاته، وإن كان لا يلاقيه، ولكن في محاذاة صدره إذا ركع وسجد، هل تصح صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنها لا تلاقيه.

стр. 574

والثاني: لا تصح؛ لأن النجاسة ظاهرة في موضع صلاته. ولو حمل في الصلاة صبياً أو طائراً تصح صلاته، وإن كان باطنه نجساً؛ لأن النبي- ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت أبي العاص. ولو جعل نجاسة في قارورة فسدَّ رأسها، فحملها لا تصح صلاته؛ لأن تلك النجاسة أودعها بصنعته، ونجاسة باطن الحيوان خلقة في معدتها، فهو كنجاسة باطن المصلِّي. وتجوز الصلاة في ثوب الحائض والنفساء، وفي الثوب الذي ينام فيه، ويجامع فيه أهله إذا لم يعلم به نجاسة؛ لأن الأصل طهارته. قالت ميمونة زوج النبي- ﷺ كان رسول الله- ﷺ : "يصلِّي في مرطٍ بعضه عليَّ وبعضه عليه وأنا حائض. فصلٌ: في مواضع الصلاة روي عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله- ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". الصلاة في المقبرة مكروهة، فلو صلى، نظر إن بسط ثوباً فصلى عليه، أو صلى على تربتها وهي جديدة لم تنبش تصح صلاته، وإن كانت منبوشة لا تصح صلاته على تربتها لاختلاط صديد الموتى بها، وإن شك في نبشها هل تصح صلاته على تربتها؟ فيه قولان:

стр. 575

أحدهما: لا تصح؛ لأن الظاهر من أمر المقبرة النجاسة، والأصل انشغال ذمته بغرض الصلاة، فلا تسقط عنه بالشك. والثاني: يصح؛ لأن الأصل طهارة الأرض، وكذلك لو صلى في الشارع الذي هو ممرُّ الدواب، أو أصابه وحل الطريق، فصلى معه، فعلى قولين: أحدهما: لا تصح: لأن الظاهر من أمر الطريق بول الدواب وروثها. والثاني: تصح؛ لأن الأصل طهارة الماء والتُّراب، وكان القاضي الإمام- ﵀ يبني عليه الصلاة في ثياب الأساكفة الذين يستعملون الهُلب والقصَّابين والصبيان الذين لا يحترزون عن النجاسات، والكفَّار الذين يتديَّنون باستعمال النجاسات، فنجعلها على قولين. وروي عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: في "المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى".

стр. 576

والنهي في كلها تُنزيه إلا الصَّلاة فوق ظهر الكعبة لا يجوز، لأنه لا قِبلة له. وأما المزبلة والمجزرة، فالنهي فيها لنجاسة المكان، فإن بسط ثوباً طاهراً، وصلى عليه، صحت صلاته. وأما قارعة الطريق، فالنهي فيها لنجاستها غالباً، ولما أن مرور الناس يشغله عن الصلاة، فلو بسط ثوباً لا تزول الكراهة، وتصح صلاته. وأما الحمام فلأنه محل غسل النجاسات، ودخول الناس يشغله عن الصلاة، فإن صلى فيه والمكان طاهر تصح مع الكراهة. وأما معاطنُ الإبل؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، ولأ، فيها نفاراً فربما تنفر، فتشغله عن الصلاة، فإن كان المكان طاهراً، وصلى فيه تصح صلاته مع الكراهية، ولا تكره في مراح الغنم إذا كان المكان طاهراً، لأن لها سكينةً لا يشغل بها قلب المصلِّي. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل". وإن كان الرجل محبوساً في حُشٍّ أو مكان نجس، فدخل عليه وقت الصلاة يجب عليه أن يصلي، وهل يضع جبهته على الأرض في السجود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب وضعها؛ لأنه قادر عليه. والثاني: لا يضع، بل يدني جبهته من الأرض بحيث لو زاد عليه أصاب الأرض؛ لأن الصلاة تجزئ بالإيماء، ولا تجزئ مع النجاسة، وعلى القولين يجب عليه الإعادة، وإن

стр. 577

كان معه ثوب زائد على ستر عورته يجب أن يبسطه ويُصلي عليه، وإن كان الثوب واحداً لو بسطه يحتاج أن يصلي عارياً ففيه قولان: أحدهما: يستر عورته، ويصلّي على النجاسة؛ لأن ستر العورة مأمور به لحقِّ الله- وحق العباد. والثاني: يبسط ويصلي عارياً، وهو الأصح؛ لأن صلاة العُريان محسوبة، ومن صلَّى على النجاسة تلزمه الإعادة، كما لو كان محدثاً، وعلى بدنه نجاسة، ووجد من الماء ما يكفي لأحدهما يلزمه صرفه إلى غسل النجاسة، ويتيمَّمُ للحدث حتى لا يلزمه الإعادة. باب الساعات التي يُكره فيها صلاة التطوع روي عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".

стр. 578

خمسة أوقات في النهار لا تجوز صلاة التطوع فيها: وقتان تعلَّق النهي فيهما بالفعل، وهو بعد ما صلَّى الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رُمح، وبعد ما صلى العصر حتى تغرب الشمس، وتعلق النهي بالفعل من حيث إن من لم يُصلِّ الصبح والعصر يجوز له أن يتطوَّع، ولا يجوز ذلك لمن صلاهما. وثلاثة أوقات تعلق النهي فيها بالزَّمان، وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند دنوِّها من الغروب حتى تغرب. والدليل عليه ما روي عن الصُّنابحي أن رسول الله- ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا آذنت

стр. 579

للغروب قارنها، ونهى رسول الله- ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات.

стр. 580

وقيل: أراد أن الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الساعات، حتى أن من سجد لها يكون ساجداً للشيطان، وإنما لا يجوز في هذه الأوقات فعل صلاة لا سبب لها. أما مالها سببٌ مثل قضاء الفرائض وقضاء السُّنن، والأوراد التي فاتته، وصلاة الخسوف، وتحية المسجد، إن اتفق دخوله، وسجود التلاوة والشكر، فلا يكره، يروى ذلك عن علي وابن عباس وهو قول جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة الوقتان اللذان تعلَّق النهي فيهما بالفعل يجوز فيهما قضاء الفرائض، ولا يجوز غيرها، ولا يجوز في الأوقات الثلاثة صلاةٌ ما إلا عند غروب الشمس عصر يومه حتى قال: لو فاتت ركعتا الفجر لا يقضيها بعد فرض الصبح حتى ترتفع الشمس، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. والدليل على جوازه ما روي أن النبي- ﷺ دخل بيت أم سلمة بعد صلاة العصر، فصلى ركعتين، فسألته أم سلمة، فقال: "أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان. وروي أن النبي- ﷺ رأى قيس بن فهد يصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: "ما هاتان الركعتان" قال: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت النبي- ﷺ . ولو شرع في هذه الأوقات في صلاة لا سبب لها، هل تنعقد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تنعقد لأنه منهي عنه، كما لو صام يوم العيد لا تصح. والثاني: تنعقد؛ لأن هذه الأوقات قابلة للصلاة في الجملة، بخلاف يوم العيد، وكذلك لو نذر أن يصلّي في هذه الأوقات، هل ينعقد نذره على هذين الوجهين؟ فإن قلنا: ينعقد نذره يستحبّ أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحِّي بشاة،

стр. 581

ونوى أن يذبحها بسكين مغصوب صح نذره، وذبحها بسكين غير مغصوب. أما إذا نذر أن يصلِّي مطلقاً يجوز أن يصلِّي في هذه الأوقات، ولو قضى في هذه الأوقات فائتة لا يصير ذلك سبباً يجوز أن يتنفل فيها بعده. وروي عن عائشة قالت: ما كان رسول الله- ﷺ يأتيني بعد العصر إلا صلى ركعتين، وكان ذلك مخصوصاً به، فإنه كان يداوم على العمل قالت عائشة كان إذا صلى صلاة أثبتها وروي عنها أن رسول الله- ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهي عنها. ولو قصد دخول المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية هل يكره؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، كما لو قصد فعل الصلاة. والثاني: لا يكره؛ لأن دخول المسجد مباح، ثم التحية ترتب عليه، كما لو وقع الدخول اتفاقاً، ولو أراد أن يحرم في هذه الأوقات بحجِّ أو عمرة لا يصلي ركعتي الإحرام على الأصح لأن سببهما الإحرام وهو متأخر، فربما لا يحرم، كما يكره صلاة الاستسقاء والاستخارة في هذه الأوقات؛ لأنها للدعاء وهو متأخر، ولو تطهَّر في هذه الأوقات جاز أن يصلي ركعتين. وروي أن النبي- ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "حدِّثني بأرجى عملٍ عملتهُ في الإسلام فإني سمعت دويَّ نعليك بين يدي في الجنة" قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. ولا تكره الصلاة يوم الجمعة عند الاستواء لمن حضر الجمعة؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة.

стр. 582

أما من لم يحضر الجامع، هل له أن يصلي في هذا الوقت؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو مخصوص بمن حضر الجامع، فإنه قد يبتكر إلى الصلاة، فيغلبه النوم، فيحتاج إلى دفع النوم عن نفسه بركعتين يصليهما. أما من لم يحضر أو حضر، ولكن لا يؤذيه النوم، فلا يفعل، كما لا يفعل وقت الطلوع والغروب. والوجه الثاني: الرُّخصة عامة في حق من حضر، ومن لم يحضر لفضيلة الوقت. قال الشيخ- ﵀: وهذا أصح لما روي عن أبي قتادة عن النبي- ﷺ أنه كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة وقال: "إنَّ جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". وروي عن أبي ذرِّ أن رسول الله- ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرُب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة".

стр. 583

أما ما تُسنُّ له الجماعة فخمسة: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء، فهذه الخمس آكد من السُّنن التي لا تُسَنُّ لها الجماعة، ومن جميع التطوعات لشبهها بالفرائض في سُنة الجماعة، وآكد هذه الخمس صلاة العيدين، لأن لها وقتاً معلوماً من حيث الزَّمان كالفرائض، ثم صلاة الخُسوف؛ لأن وقتها مضيق يفوت بالانجلاء، ثم صلاة الاستسقاء، لأن فعلها ممكن في جميع النهار، وتقبل التأخير. أما ما لا تُسَنُّ له الجماعة فآكدها السُّنَنُ الرواتب، وهي ثنتا عشرة ركعة سوى الوتر. روي عن عائشة قالت: قال رسول الله- ﷺ : "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السُّنة بنى الله له بيتاً في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر". وأقل السُّنن الرواتب عشر ركعات سوى الوتر؛ لما روي عن ابن عمر قال: صلَّيت مع رسول الله- ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته. وحدثتني حفصة أن رسول الله- ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر. وفي رواية: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، والأفضل والأكمل أن يصلي بعد الظهر أربعاً، وقبل العصر أربعاً؛ لما روي عن أم حبيبة

стр. 584

قالت: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار". وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : "رحم الله امرأ صلَّى قبل العصر أربعاً". وروي عن عليٍّ أن النبي- ﷺ كان يصلّي قبل العصر أربع ركعات وروي أنه كان يصلي قبل العصر ركعتين.

стр. 585

واختلفوا في هذا الاستثناء، فمنهم من قال: لا فرق بين "مكة" وغيرها، والاستثناء لأجل ركعتي الطَّواف، وذكر أنه يجوز أن يطوف بالبيت أيَّ وقت شاء، وإذا طاف يصلي ركعتي الطواف؛ لأنها صلاة لها سبب ومنهم من قال: الاستثناء لشرف البقعة، وذلك أن الناس يتناوبونها من البلاد البعيدة، والصلاة فيها أفضل من الصلاة في سائر البقاع فمن حضرها له أن يصلي في أي وقت شاء استكثاراً للفضيلة؛ لأنه لا يمكنه أن يأتيها في كل وقت لبعد الشُّقة، وكثرة المشقة. وكره قوم الصلاة في هذه الأوقات بـ "مكة كما في البلاد، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، والحديث حُجَّة لمن رخص، والله أعلم.

стр. 586

باب صلاة التطوع روي عن ثوبان أن رسول الله- ﷺ قال: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". والصلاة أفضل عبادات البدن، وهي منقسمة إلى فرائض ونوافل. فالفرائض خمسة بالشَّرع لا يزيد عليها إلا أن ينذر صلاة، فيلزمه بالنذر، والنَّوافل على ثلاثة سُنن ومستحبات، وتطوعات. فالسُّنن ما واظب عليه الرسول- ﷺ والمستحب ما فعل مرة أو مرتين والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره، واسم التطوع والنافلة يطلق على ما عدا الفرائض. ثم جملة السُّنن قسمان: قسم تُسَنُّ له الجماعة، وقسم لا تُسنُّ له الجماعة.

стр. 587

وآكد هذه السُّنن ركعتا الفجر والوتر، فمن ترك واحداً منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل، وفي الوتر وركعتي الفجر أيهما آكد؟ فيه قولان: أصحهما: وهو قوله الجديد الوتر آكد؛ لما روي عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله- ﷺ فقال: "إن الله أمدَّكم بصلاة هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النّعَم الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر". والثاني: ركعتا الفجر آكد؛ لما روي عن عائشة قالت: لم يكن النبي- ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر.

стр. 588

وعن عائشة قالت: قال رسول الله- ﷺ : "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها". ثم بعدهما سائر السنن الرواتب سواء في الوكادة، وما يفعل من هذه السُّنن قبل الفرائض يدخل [وقتها] بدخول وقت الفريضة، ويبقى إلى أن يذهب وقت الفريضة، وما كان بعد الفريضة يدخل وقتها بالفراغ من الفريضة، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفريضة؛ لأنها تابعة للفريضة، والسُّنن بعد صلاة الجمعة كهي بعد صلاة الظهر. وقال أبو حنيفة وإسحاق: يصلي بعدها أربعاً، لما أن النبي- ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربعاً". ثم بعد السُّنن الرواتب: صلاة الليل ثم صلاة الضُّحى، ثم السنن التي تتعلق بفعل مثل: ركعتي الإحرام، وتحية المسجد، وركعتي الطواف إذا قلنا: إنها سُنَّ'، ثم بعده ما لا يتعلق بسبب، وهو تطوع يبتدئ به الإنسان من عند نفسه. فصلٌ: في الوتْرِ وصلاة الليل روي عن عبد الله بن عُمر أن رسول الله- ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي

стр. 589

أحدهم الصبح صلى ركعة واحدة توتِرُ له ما قد صلّى". الأفضل في تطوعات الليل والنهار أن يصليها مثنى مثنى، يسلِّم من كل ركعتين، وبه قال مالك وأحمد. وإذا صلى قبل الظهر، أو قبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بالتسليم؛ لما روي عن عليّ قال: كان النبي- ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين، ومن تبعهم من المسلمين المؤمنين. وقال الثوري، وأبو حنيفة: تطوعات الليل أربعاً أربعاً أفضل، ويصلي قبل الظهر والعصر أربعاً بتسليمة واحدة؛ لما روي عن أبي أيوب قال: قال رسول الله- ﷺ : "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح له أبواب السماء".

стр. 590

ولو شرع في نافلة، نظر إن لم ينو عدداً سلم من أي عدد شاء من واحدة إلى عشرة أو أكثر. يروى أن عمر مر بالمسجد، فصلى ركعة، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، قال: إنما هي تطوُّع من شاء زاد، ومن شاء نقص، غير أن الأولى أن يسلم على شفعٍ لقول النبي- ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى". وإن نوى عدداً لا يجوز أن يزيد عليه، ولا أن ينقص عنه إلا بعد تغيير النية [فلو] فعل عمداً من غير تغيير النية بطلت صلاته. بيانه: شرع فيها بنيَّة أن يصلي أربعاً، فسلم عن ركعتين، نظر إن نوى قبل السلام الاقتصار على ركعتين جاز، وإن سلم قبل تغيُّر النية عمداً بطلت صلاته، وإن سلم ساهياً أتم أربعاً، وسجد للسهو، ولو بدا له بعد ما سلم ساهياً أن يقتصر على ركعتين يسجد للسهو ويسلم ثانياً؛ لأن التسليم الأول لم يكن محسوباً. ولو شرع فيها بنيَّة ركعتين، فقام إلى الثالثة، نظر إن نوى الزيادة، ثم قام صحَّت صلاته، وإن قام قبل تغير النِّية عمداً بطلت صلاته، وإن قام ساهياً يعود ويسجد للسهو، ويسلم، فلو بدا له بعد ما قام ساهياً أن يتم أربعاً يعود إلى القعود ثم يقوم؛ لأن هذا القيام لم يقع محسوباً.

стр. 591

وقيل: يمضي قائماً، ويسجد للسهو في آخره حتى لو أتم أربعاً ساهياً، ثم نوى إكمال أربع يصلّي ركعتين أخرتين، وإذا شرع فيها بنيَّة أربع، فهو بالخيار إن شاء صلاها بتشهد واحد، وإن شاء بتشُّهدين يقعد في الثانية والرابعة. فإن صلى بتشهد واحد يقرأ السورة في الركعات كُلّها، وإن صلى بتشهدين هل يقرأ في الأخريين؟ فعلى القولين كالفرائض وإن نوى ستَّ ركعات، فإن شاء صلى بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين يقعد في الرابعة والسادسة، وكذلك إن نوى أكثر ولا يزيد على تشهدين، ولا يجعل بين التشهد الأول والآخر أكثر من ركعتين. وقيل: له أن يتشهد في كل اثنتين، ولا يسلم. أما صلاة الوِتْرِ فسُنَّةٌ مؤكدة. وعند أبي حنيفة: الوتر واجب، والواجب عنده أحطُّ رتبة من الفرض، وأعلى من السُّنة، واختلفوا في عدده، فعندنا- وعليه تدل الأخبار- أنه يجوز أن يوتر بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، وثلاث عشرة. روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل". وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله- ﷺ : "الوتْرُ حقٌّ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتِر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتِر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتِر بواحدة فليفعل".

стр. 592

وعن ابن عباس أنه رقد عند النبي- ﷺ فاستيقظ فتسوَّك وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ...﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السُّورة، ثم قام يصلي ركعتين أطال فيها القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث. وعن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها

стр. 593

بخمس لا يجلس إلا في آخرها. وعن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: يا أمَّ المؤمنين أنبئيني عن وترِ رسول الله- ﷺ قالت: كنا نعدُّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله إلى ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوَّك ويتوضّأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض فلا يسلم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسنّ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول، فتلك تسع يا بُنيّ. وكان نبي الله- ﷺ إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبيّ الله- ﷺ قرأ القرآن كلَّه في ليلة، ولا صلّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان.

стр. 594

فإن أوتر بثلاث فإن شاء صلّى بتشهد واحد، كما فعل النبي- ﷺ في خمس، وإن شاء بتشهدين، كما فعل في سبع وتسع. وإن أوتر بخمس، فإن شاء صلّى بتشهد واحد، كما فعل النبي- ﷺ وإن شاء بتشهدين يقعد في الرابعة والخامسة، كما فعل النبي- ﷺ في سبع وتسع. وإن أوتر بسبع، فإن شاء صلى بتشهدين، كما فعل النبي- ﷺ يقعد في السادسة والسابعة، وإن شاء بتشهد واحد، كما فعل في الخمس، وإن أوتر بتسع، فكذلك إن شاء صلى بتشهدين كما فعل النبي- ﷺ يقعد في الثامنة والتاسعة، وإن شاء بتشهد واحد كما في الخمس، وإن شاء أوتر بإحدى عشرة، فإن شاء صلّى بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين، ويقعد في العاشرة والحادية عشرة. وإن أوتر بثلاث عشرة ركعة، فإن شاء قعد بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين يقعد في الثانية عشرة والثالثة عشرة، ولا يزيد على تشهدين، ولا يجعل بين التشهد الأول والآخر إلا ركعة واحدة. وقيل: إن شاء فعل هكذا، وإن شاء جلس في كل ثنتين، ويتشهد ولم يسلم، وهل يجوز أن يزيد الوتر على ثلاث عشرة ركعة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، كما يجوز أن يوتر بأقل. والثاني: لا يجوز، لما روي عن عائشة أنها سئلت بكم كان رسول الله- ﷺ ؟ قالت: لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة. وعند أبي حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتشهدين وتسليمة كالمغرب، إلا أنه يجهر في الركعات كلها. [ويقنت] وعند مالك: ثلاث [ركعات] بتشهدين وتسلمتين، ولا يتكلم بعد التسليمة الأولى. وذهب جماعة إلى أنه يوتر بواحدة، وروي ذلك عن عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء وغيرهم.

стр. 595

واختلف أصحابنا في أن الوِتر بواحدة أفضل أو بثلاث موصولة أفضل. منهم من قال: بثلاث موصولة أفضل؛ لأنه فعل أهل "المدينة"، ولأن العلماء اتفقوا على جواز الثلاث. واختلفوا في إفراد الوتر، وهو اختيار الشيخ أبي زيد قال؛ ثلاث بتشهدين وتسليمة. ومنهم من قال: الإتيان بواحدة أفضل؛ لأنه اجتمع فيه قول النبي- ﷺ وفعله، فالقول ما روينا عن ابن عمر: الوتر ركعة من آخر الليل، والفعل ما روي عن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن بالإقامة، فإن فعل هكذا فحسن، وإن لم يفعل يصلي قبل الوتر ركعتين بنيَّة التهجد ويسلم، ثم يوتر بواحدة ليحوز فضيلة الثلاث، وليس المراد من قولنا: الوتر بواحدة أفضل أن يقتصر على ركعة واحدة، بل المراد منه أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها. فصلٌ: في قيام رمضان روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله- ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

стр. 596

فتوفي رسول الله- ﷺ والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر. وروي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، وإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهط فقال عمر: إني أراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، وروي أنه وظّف عليهم عشرين ركعة. ومن السُّنن الرواتب صلاة التراويح في شهر رمضان عشرون ركعة بعشر تسليمات، والأفضل أن يصليها جماعة أو منفرداً، نظر إن كان الرَّجُلُ لا يحسن القرآن، أو تختل الجماعة بتخلفه، أو يخاف النوم والكسل ففعلها جماعة أفضل، وإن لم يكن شيء من ذلك ففيه وجهان: أحدهما: الجماعة أفضل؛ لأن عمر بن الخطاب جمعهم على أبي بن كعب. والثاني: منفرداً أفضل؛ لأن النبي- ﷺ صلى ليالي في المسجد، ثم لم يخرج باقي الشهر، وقال: "صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".

стр. 597

والأول أصح، وإنما لم يخرج النبي- ﷺ خشية أن تفرض عليهم. والقنوت في الوتر سُنَّة، وعندنا يقنُتُ في النصف الأخير من شهر رمضان بعد الركوع. وعند أبي حنيفة يقنت في جميع السَّنة قبل الركوع. وقيام الليل من سُنن المرسلين، ودأب الصالحين. روي عن أبي أُمامة عن رسول الله- ﷺ أنه قال: عليكم بقيام الليل فإنَّه دأب الصالحين قبلكم وهو قُربة إلى ربَّكُم ومكفرة للسيئات ومنهاةٌ عن الإثم". وإذا أراد قيام بعض الليل، فآخر الليل أفضل لقوله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] وإذا جزأ الليل أثلاثاً، فالجزء الأوسط أفضل؛ لأنه وقت غفلة الناس.

стр. 598

روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله- ﷺ قال: "أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً، ويفطر يوماً". ويكره أن يقوم الليل كله؛ لما روي عن أنس أن النبي- ﷺ قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". ومن صلى بالليل جعل آخر صلاته بالليل الوتر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر عن النبي- ﷺ ، قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".

стр. 599

والاحتياط ألا ينام إلا بعد الوتر؛ لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي- ﷺ بثلاث لأدعُهُنَّ حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام. فإذا كان الرجل قد اعتاد قيام الليل فيؤخر الوتر. روي عن جابر قال: قال رسول الله- ﷺ : "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". وعن عائشة قالت: من كل الليل أوتر رسول الله- ﷺ من أوَّل الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر. وإذا أوتر ونام، ثم قام للصلاة لا يعيد الوتر وقيل: يصلي ركعة حتى يصير ما مضى شفعاً يسمى ذلك نقض الوتر، ثم يصلي ما شاء، ثم يوتر ثانياً، يروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال إسحاق. ولا يحسب التراويح، ولا الوتر قبل صلاة العشاء، فلو صلَّى فرض العشاء على أنه متطهر، ثم أحدث فتوضأ، ثم أوتر، ثم ظهر أنه كان محدثاً في فرض العشاء يجب عليه إعادة صلاة العشاء، ويعيد الوتر بعدها، كما لو طاف وسعى، ثم بان أنه كان محدثاً في الطواف يجب عليه إعادة الطَّواف، والسَّعي جميعاً، ويستحب أن يقرأ في الوتر ما روي عن عائشة أنها سئلت بأي شيء كان يوتر رسول الله- ﷺ قالت: كان يقرأ في الأول ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.

стр. 600

وعن أُبيِّ بن كعب قال كان رسول الله- ﷺ إذا سلَّم في الوتر قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يرفع في الثالثة صوته". وصلاة الضُّحى سُنَّة أفضلها ثمان ركعات؛ لما روي عن أم هانئ أن النبي- ﷺ دخل بيتها يوم فتح "مكة"، فاغتسل وصلى ثمان ركعات لم أرَ صلاة قط أخف منها، غير أنه
следующие страницы →