Полный текст (3 626 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
بالعين؛ فهو كسائر المؤن. وإن قلنا: بالذمة، فكأنه استرد بعض المال. وإن قلنا: يملك العامل نصيبه من الربح بنفس الظهور، فيجب على رب المال زكاة رأس المال، وزكاة نصيبه من الربح. ولا يجب عليه زكاة نصيب شريكه وهل تجب على العامل زكاة نصيب نفسه؟ اختلف أصحابنا فيه.
قيل: فيه قولان؛ كالمال المغصوب؛ لأن العامل لا يقدر على النصيب كيف شاء؛ المغصوب.
وقال صاحب "التقريب": يجب قولاً واحداً؛ لنه يصل إليه متى شاء بالفسخ، فهو كدين له على مليء. فإن أوحد نصاباً ومجموع المال نصاب، فمن أثبت الخلطة في النقدين، تجب عليه الزكاة، ومن لم يُثبت فلا توجب، إلا أن يكون له من جنسه [ما يكمل به] نصيبه معه نصاباً، فتجب عليه زكاة نصيبه، ولا يجوز للعامل [الأخذ] من مال القراض. فلو فعل، فهو كما لو أتلف بعض المال، ولا [له أن يأخذ] من موضع آخر في الحال؛ لأنه لا يدري هل يسلم له الربح، أم لا؟ ويخرج لما مضى وقيل: يجب الإخراج في الحال؛ لأنه يصل إليه متى شاء رب المال [و] يكون من يوم ملك رأس المال، إن كان رأس المال [باقياً وإن] لم يكن، فمن وقت الشراء للتجارة، وحول حصته من الربح يبني [على حول الأصل] وحول العامل يكون من وقت ظهور أدنى شيء من الربح، وإن كان أحدهما ذمياً أو مكاتباً، والآخر حُراً مسلماً - نظر: إن كان [ذلك] بعد المُقاسمة.
فإن قلنا: يملك بنفس الظهور، فلا زكاة على [العامل]، ويجب على رب المال زكاة رأس المال، وحصته من الربح إن بلغت نصاباً. وإن لم تبلغ، فلا تكمل بنصيب العامل؛ لأن حكم الخلطة لا يكون بين الحر المسلم؛ وبين الذمي والمكاتب. ون كان رب المال ذمياً مكاتباً: ن قلنا: لا يملك العامل إلا بعد المقاسمة، فلا زكاة [في المال؛ لأن جميعه ملك الذمي وإذا لم يبلغ] نصاباً فعلى الاختلاف الذي ذكرناه. والله أعلم.
стр. 912
بسم الله الرحمن الرحيم: رب يسر ووفق للخير
باب زكاة المعدن والركاز
رُوي أن رسول الله ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المُزني معادن القبلية؛ وهو من ناحية الفرع؛ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
المَعْدنُ: اسم للمال المخلوق في الأرض.
والرِّكازُ: المدفون، ولا شيء فيما يستخرج من المعدن، إلا في الذهب والفضة.
وعند أبي حنيفة يجب من كل جوهر يتطبع ويصير على المطرقة؛ كالحديد والنحاس؛ قياساً على الذهب والفضة.
فتقول: كل مال لو ورثه، لا يبتدئ الحول عليه، ولا يتكرر الحق فيه إذا بقي من ملكه، فإذا استخرج من المعدن لا يجب فيه شيء؛ كالفيروزج، ثم ماذا يجب في الذهب والفضة المستخرجين من المعدن؟ فيه ثلاثة أقوال:
стр. 913
أصحهما: ربع العشر؛ لحديث بلال بن الحارث.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: يجب فيه الخمس؛ لأنه يب فيه الحق بالوجود؛ كالركاز.
والثالث - وبه قال مالك -: إن وجد ندرة مجتمعة من غير تعب ومؤنة، ففيه الخمس وإن أصابه بتعب، ومؤنة، ففيه ربع العشر؛ لأن المؤنة إذا كثرت، قل الواجب، وإذا قلت المؤنة كثر الواجب؛ كالزرع المسقي بالسماء يجب فيه العشر، وفي المسقي بالنضح نصف العشر؛ لكثرة المؤنة.
فإن قلنا: يجب فيه ربع العشر، فيشترط فيه النصاب، لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض؛ كالزرع.
وهل يشترط فيه الحول؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يشترط؛ كما في الثمار والزروع.
والثاني: يشترط؛ كسائر الزكاوات.
وإن قلنا: الواجب فيه الخمس، لا يشترط فيه الحول. وفي النصاب قولان؛ كالركاز.
وعلى القولين: مصرفة مصرف الصدقات. وقيل: إذا قلنا: فيه الخمس، فمصرفه مصرف الفيء؛ الخمس لأهله، والباقي له؛ وبه قال أبو حنيفة أن مصرفه مصرف الفيء. وإذا اشترطنا النصاب؛ فليس من الشرط أن يكون المستخرج في نفسه نصاباً، بل إذا استخرج قدراً، وله مال لو ضم إليه بلغ نصاباً، يجب عليه إخراج ربع عشر المستخرج على قولنا: إن الحول ليس بشرط فيه؛ مثل: أن ملك تسعة عشر ديناراً، واستخرج من المعدن ديناراً - يجب أن يخرج ربع العشر من الدينار المستخرج في الحال، ثم إن أخرج ربع العشر من موضع آخر غير هذه العشرين - ينعقد الحول على العشرين. وإن قلنا: الحول يشترط في المستخرج من المعدن، فلا شيء عليه في الحال، وينعقد الحول عليه في الكل بإخراج الدينار.
وإن قلنا: الواجب في المعدن الخمس، يجب عليه إخراج الخمس من هذا الدينار في الحال، وإن قلنا: النصاب شرط؛ لأنه مع ما عنده وكذلك الركاز إذا وجد أقل من نصاب، وعنده ما يكمل به نصاب.
وإن قلنا: النصاب شرط دون الحول، فأصابه دفعات، هل يضم البعض إلى الكل في تكميل النصاب نظر: إن كان العمل متتابعاً، والنيل غير منقطع، ضم البعض إلى البعض، ولا يشترط بقاء ما استخرج في ملكه. وإن لم يقطع العمل، ولكن حضر المعدن فلم يجد
стр. 914
النيل؛ نظر: إن كان يسيراً يوماً أو يومين، ثم وجد، ضم الثاني إلى الأول، ون طال الزمان ففيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح -: يضم؛ لأن نيل المعدن لا يدوم.
وقال في القديم - وبه قال مالك: لا يضم: كما لو قطع العمل، والمعدن غير حافر، ثم عاد؛ نظر: إن قطع لغير عذر، لا يضم الثاني إلى الأول؛ طال الزمان أو قصر. وإن قطع لعذر من: مرض، أو هرب عبد، أو بعذر أذاه - ضم ما يجد بعد زوال العُذر إلى ما قبله؛ طال الزمان أو قصر. ولا فرق بين أن يون المعدن في موات، أو في ملكه في وجوب الحق فيما يستخرج منه.
وعند أبي حنيفة: إن كان في ملكه، لا يجب فيه الحق.
وإن استخرجه من معدن في ملك الغير، فهو لصاحب الملك، فإذا أخذه المالك أخذ منه الحق؛ ويجب حق المعدن بالوجود؛ على ظاهر المذهب الذي يقول: إن الحول فيه ليس بشرط، ويجب الإخراج بعد التمييز؛ كما أن عُشر الزرع يجب إخراجه بعد التنقية؛ فلو أخرج قبل التمييز عن الحجر والتراب، لا تقع عن الزكاة، والساعي ضامن لما أخذه، وعليه رده. وإن تلف؛ فن اختلفا في مقداره، فالقول قول الساعي مع يمينه؛ لأنه غارم، ولو ميزه الساعي، ثم حسبه المال عن الزكاة، جاز، ومؤنة التمييز على المالك، إلا أن يتبرع به الساعي، فلو تلف بعضه قبل التمييز في يد المالك، فهو كتلف بعض المال قبل الإمكان.
فصلٌ: في الركاز
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يجب في الركاز الخُمس" والباقي للواجد وله شرطان:
стр. 915
أحدهما: أن يجده مدفوناً في موات لم يجر عليه ملك مسلم، أو القلاع العادية، والقرى القديمة التي لم تكن عامرة لأهل الإسلام، ولا لأهل العهد.
стр. 916
والثاني: أن تكون بضرب الجاهلية.
والحول فيه ليس بشرط؛ لأن الحول في الأموال الزكوية بحصول النماء اولفائدة، والركاز نفسه فائدة. وهل يشترط فيه النصاب وهل يختص بالنقدين؟
قال الشافعي ﵀: لو كنت أنا الواجد لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرهما.
فمن أصحابنا من قال هذا تعليق القول منه، وجعل في اشتراط النصاب، وفي وجوب الحق في غير الذهب والفضة قولين.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: بشرط النصاب، ولا يجب في غير الذهب والفضة قولاً واحداً، وما قاله الشافعي ﵁ احتياط؛ للخروج عن الخلاف. فإن قلنا: النصاب ليس بشرط، يخرج الخمس عن قليله وكثيره، والباقي للواجد.
стр. 917
وإن قلنا: النصاب شرط، فإن وجد أقل من نصاب، ولم يكن عنده ما يكمل به النصاب - فكله للواجد. وإن كان عنده ما يكمل به النصاب، ضم إليه؛ لإخراج الخمس من الركاز ولو وجد مائة، وعنده نصاب من جنسه، ووجد الركاز مع تمام الحول في النصاب الذي عنده - يجب إخراج الخمس من الركاز، وربع العُشر من النصاب؛ لأن الحول لا يعتبر في الركاز في النصاب.
ومصرف خمس الركاز مصرف الصدقات.
وقيل: إذا قلنا: لا يعتبر النصاب، ولا يختص بالنقدين، فمصرفه مصرف الفيء. والأول المذهب.
ولو وجد الركاز بضرب الإسلام، فهو لقطة؛ في أي موضع وجد؛ كما لو كان على وجه الأرض. وقال الشيخ القفال: لا يكون لقطة؛ لأنه محرز بالدفن؛ كالإبل الممتنعة من السباع، توجد في صحراء - تدخل بالأخذ في ضمانه والأول المذهب.
وإن لم يعرف أنه من ضرب الجاهلية بأن ضرب مثله في الإسلام والجاهلية، أو كان إناء أو حلياً لم يدر أنه من دفن الجاهلية أو الإسلام - فالمنصوص أنه لقطة؛ تغليباً لحكم الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: هو ركاز؛ لأن الموضع الذي وجده فيه يشهد له، وإن وجده في قرية مسكونة، أو في خربة جرى عليها ملك في الإسلام، أو في العهد، أو في ميناء، أو في مسجد، أو كان في موات، لنكه شيء لا يبقى مدفوناً من وقت الجاهلية - فهو لقطة. فإن وجده في ملك غيره، فهو لمالكه إن ادعاه بلا يمين، بأي ضرب كان. فإن لم يجد مالكه فللورثة، وإن لم يدعه مال الدار، كان لمن تلقى المالك الملك من جهته؛ هكذا حتى يرجع إلى من أحياها. وإن وجده في ملك نفسه؛ نظر: إن كان هو الذي أحياها، فهو ركاز. وإن ملكها من غيره، دفع إلى من يملكها منه. فإن تنازع فيه مُكترى الدار أو مستعيرها مع مالكها، كان للمكتري أو للمستعير؛ لأن اليد له، وإن وجده في أرض موقوفة، فهو لمن في يده الأرض.
وإذا وجد العبد ركازاً أو استخرج من المعدن شيئاً، فهو لسيده يخرج الحق منه، والباقي له.
وإذا وجده، أو استخرجه مكاتب، له فهو له، ولا حق عليه فيه؛ كما لا زكاة عليه في ماله.
وإذا وجده أو استخرجه ذمي في دار الإسلام، فلا حق فيه؛ لأنه ليس من أهل وجوب
стр. 918
الزكاة، ويمنع الذمي من أخذ المعدن والركاز من دار الإسلام؛ كما يمنع من إحياء الموات.
باب زكاة الفطر
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس؛ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبدٍ، ذكر أو أنثى من المسلمين.
زكاة الفطر فريضة على كل مسلم؛ صغيراً كان أو كبيراً؛ ذكراً كان أو أنثى، حُراً أو عبداً، إذا ملك فضلاً عن قوته يوم العيد وليلته
وعند أبي حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة. والحديث حجة عليه.
ولا تجب على الكافر. وفي المرتد أقوال: كما في زكاة المال. وهل تجب على المكاتب فطرة نفسه؟ فيه وجهان:
стр. 919
أصحهما - وهو المذهب -: لا تجب؛ كما لا تجب عليه زكاة ماله؛ لأن ملكه ضعيف.
والثاني: تجب في كسبه؛ كما أن نفقته تكون في كسبه.
وكما يجب على المسلم فطرة نفسه، يجب عليه فطرة كل مسلم يلزمه نفقته ابتداء عند القدرة؛ لما رُوي عن ابن عمر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون فيجب عليه فطرة من تلزمه نفقته من الوالدين وإن علوا، والمولودين وإن سفلوا، وإن كانوا معسرين صغاراً أو مجانين أو زمنى. فإن كانوا موسرين، فلا تجب فطرتهم، فإن كانوا عقلاء كباراً غير زمني. فإن كانوا موسرين، فلا تجب فطرتهم، فإن كانوا عقلاء كباراً غير زمني، ففي وجوب فطرتهم قولان.
ولا تجب فطرة الجنين، ولا تجب فطرة غير الوالدين والمولودين من الأقارب؛ كالإخوة، وبني الإخوة، والأعمام، والأخوال؛ كما لا تجب نفقتهم.
ويجب على الزوج فطرة زوجته غنية؛ كانت أو فقيرة، حرة كانت أو أمة أو مكاتبة؛ كما يجب نفقتها.
وعند أبي حنيفة: لا يجب فطرة الزوجة على الزوج. والحديث حجة عليه.
ويجب فطرة خادم الزوجة، وفطرة زوجته الرجعية. أما فطرة المبتوتة الحامل إن قلنا:
стр. 920
النفقة للحمل، لا تبج. وإن قلنا: للحامل، تجب. ولا تجب فطرة الناشزة، ولا تجب فطرة الزوجة الأمة إذا لم يئويها سيدها معه بيتاً بل فطرتها على سيدها. وهل تجب فطرة زوجة الأب المعسر الزمن، وفطرة أم ولد الأب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما يجب نفقتها.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجب؛ بخلاف النفقة، لأنه بسبب فقد النفقة يثبت لها سخ النكاح، ثم يجب على الابن تزويجه، وبسبب فقد الفطرة لا يثبت لها الفسخ.
ولا يجب على العبد فطرة زوجته؛ حرة كانت أو أمة. وهل يجب على المكاتب فطرة زوجته؟ فعلى وجهين؛ كفطرة نفسه. المذهب: أنه لا يجب.
ويجب على السيد فطرة عبيده وإمائه، وفطرة المدبر، وفطرة أم الولد، والمعلق عتقة بالصفة؛ كما يجب نفقتهم، ويجب فطرة عبده المرهون، والجاني، والمغصوب، والذي في إجارة الغير، وعبده الآبق والغائب إذا علم حياته. وإذا شك في حياته فقولان:
أحدهما: يجب؛ لأن الأصل حياته.
والثاني: لا تجب؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ويجب الإخراج في الحال؛ لأنها لا تجب لمعنى النماء؛ بخلاف زكاة المال، ويجب فطرة العبد المأذون له في التجارة وعبيده، ولا يجب على المولى فطرة مكاتبه، ولا عبيد مكاتبه. وهل يجب على المكاتب فطرة عبيد نفسه؟ فعلى وجهين؛ كفطرة نفسه.
ولا تجب فطرة العبد الموقوف على أحد، وكذلك قيم المسجد إذا اشترى عبداً لخدمة المسجد، لا تجب فطرته. ويجب فطرة العبد المشترك على السادات؛ على كل واحد بقدر ملكه.
وعند أبي حنيفة: لا يجب فطرة العبد المشترك.
ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، فيجب نصف فطرته على مولاه، ونصفها في ماله، إن ملك بنصفه الحر نصف صاع فاضلاً عن نصف قوته ليوم الفطر وليلته، وإن كان بينه وبين السيد مهايأة فهذا من المؤن النادرة، هل تدخل في المهايأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تدخل؛ فيكون عليهما في أي يوم كان. والمذهب: أنه تدخل في المهايأة. فإن أهل هلال شوال في نوبة السيد، فعليه جميع فطرته، وإن أهل في نوبة العبد، فعليه جميعها. وكذلك العبد المشتر إذا كان بين السيدين مهايأة.
стр. 921
إذا ثبت أن فطرة الزوجة والعبد على الزوج والمولى، فالوجوب يلاقيها، ثم يتحمل عنها الزوج والمولى، أم لا في الزوج والمولى ابتدأ؟ فيه قولان:
أحدهما: يلاقي الزوجة والعبد؛ لأن في الحديث: "عُلَى كل حر وعبد" دل على أن الوجوب يلاقي العبد.
والثاني: يلاقي الزوج والسيد؛ لأنه قال:"عن الحر والعبد ممن تمونون" دل على أن الوجوب على من تمونون.
وكل إذا وجبت فطرته على قريبه، فالوجوب يلاقي المؤدي أو المؤدى عنه؟ فيه قولان:
وفائدته: تتبين فيما إذا كان الزوج معسراً، وهي غنية، لا يجب على الزوج فطرتها، وهل تجب عليها فطرة نفسها؟
إن قلنا: الوجوب يلاقيها، يجب؛ لأنه ليس هاهنا من يتحمل عنها.
وإن قلنا: يلاقي الزوج، لا يجب. فإن كانت الزوجة أمة، والزج معسر، فهل يجب على سيدها فطرتها؟
فيه قولان؛ كالحرة.
وقيل - وهو الأصح -: يجب قولاً واحداً؛ لأنها لا تخرج عن قبضه المولى بالتزويج؛ بدليل أنه يجوز أن يسافر بها، ولا يجبر على تسليمها إلى الزوج، بل هو متبرع بتسليمها؛ فلا يسقط بذلك ما وجب عليه من الزكاة، والحرة غير متبرعة بالتسليم؛ لأنه يجب عليها تسليم نفسها؛ فسقطت الفطرة، وكذلك العبد لا يجب عليه فطرة زوجته. وهل يجب عليها فطرة نفسها، إن كانت حرة؟ قيل: فيه قولان؛ كما لو كان الزوج حراً معسراً.
وقيل: يجب قولاً واحداً؛ لأن الزوج ليس من أهل أن يخاطب بالفطرة. وإن كانت زوجة العبد أمة، فالمذهب: أنه يجب على سيدها فطرتها، وكذلك إذا كان الزوج مكاتباً وقلنا: لا يجب عليه فطرة نفسه، فحكم زوجته حكم زوجة العبد.
ولا يجب على المسلم فطرة عبد الكافر، ولا قريبه الكافر، ولا زوجته الذمية؟ لحديث ابن عمر قال: "على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" ولأنها لتطهير المؤدي عنه، والكافر ليس ممن يطهر بالصدقة.
стр. 922
وعند أبي حنيفة: يجب على المسلم فطرة عبده الكافر، وهل يجب على الكافر فطرة عبده المسلم وأم ولده المسلمة؟ إن قلنا: الوجوب يُلاقي المولى، لا يجب.
وإن قلنا: يلاقي العبد، ثم يتحمل عنه المولى، يجب.
وقيل: في وجوب فطرة المسلم على قريبه الكافر قولان، كالعبد المسلم.
ولو تكلف من وجبت فطرته على قريبه، فأخرجها من موضع آخر بغير إذن من عليه، أو أخرجت المرأة فطرتها دون إذن الزوج - هل يجوز أم لا؟
إن قلنا: الوجوب يلاقيها، ثم يتحمل الزوج والقريب، يجوز؛ لأنهما أخرجا ما وجبت عليهما.
وإن قلنا: يلاقي الزوج والقريب، لا يجوز؛ كما لو أخرج زكاة ماله عنه بغير إذنه.
وإذا أهل شوال، وله أب معسر فقبل أن يخرج الابن فطرته أيسر الأب - إذا قلنا: الوجوب يلاقي الأب، فعليه فطرة نفسه، ولا يجب على الابن. وإن قلنا: يلاقي الابن ابتداء، فعلى الابن فطرة الأب.
"فصلٌ: فيمن لا يلزمه إخراج صدقة الفطر"
من لم يفضل عن قوته وقوت عياله، ومن تلزمه نفقته لليلة الفطر ويومه - شيء - لا يجب عليه فطرته وفطرة غيره. وإن فضل قدر صاع من أي جنس من المال، كان عليه فطرة نفسه، ولا يجب فطرة غيره؛ حتى لو أخرج ذلك الصاع عن غيره، يكون فرضه في ذمته. فإن فضل عن قوته بعض صاع، هل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ كما في الفارة إذا وجد نصف رقبة، لا يجب إعتاقه.
والثاني- وهو الأصح -: يلزمه إخراجه؛ لأن صدقة الفطر تتبعض؛ كما لو مل نصف عبد، يلزمه بسببه نصف صاع، والكفارة لا تتبعض.
ولو كان له عبد محتاج إلى خدمته، هل يباع بعضه في صدقة الفطر عن العبد، وعن نفسه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وهو كالمعدوم؛ كما في الكفارة.
والثاني: يباع؛ كما يباع في الدين؛ بخلاف الكفارة، فإن لها بدلاً. والأول أصح؛ فإن الشافعي نص على أنه لو كان لابنه الصغير عبدٌ، وهو محتاج إلى خدمته - يجب على الأب نفقه ذلك العبد وفطرته.
стр. 923
وعند أبي حنيفة: لا يجب صدقة الفطر ما لم يملك نصاباً من المال، ولو لم يملك شيئاً وقت الوجوب، ووجد بعضه، لا يلزمه؛ فإن كان واجداً يوم الوجوب، فلم يخرج؛ حتى تلف ماله بعد الإمكان - كانت في ذمته. ولو فضل عن قوته صاعان، وله زوجة وقريب، يخرج عن الزوجة، وإن كان له قريبان، يخرج عمن هو أولى نفقته.
فصلٌ: في وقت الوجوب
صدقة الفطر متى تجب؟ فيه أقوال:
أصحهما: تجب بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، إذا أهل هلال شوال؛ لحديث ابن عمر؛ أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر من رمضان وحينئذٍ يكون الفطر في رمضان.
وقال في القديم - وهو مذهب أبي حنيفة -: يجب بطلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن حقيقة الفطر تكون في قوت كان يصوم فيه قبله.
وفيه. قول ثالث: أنه يجب بإدراك الوقتين. يخرج من هذا: أنه لو ولد له مولود قبل غروب الشمس، ومات بعد الغروب، أو ملك عبداً قبل الغروب، أو نكح زوجته، وماتا بعد الغروب - تجب فطرتهم؛ على القول الأول.
ولا تجب على القولين الآخرين.
وكذلك لو أسلم كافر قبل الغروب، ومات بعد الغروب، ولو ولد أو ملك العبد، أو أسلم الكافر بعد الغروب، ومات بعد طلوع الفجر - فلا يجب فطرته؛ على القول الأول والثالث، وتجب على الثاني.
ولو ولد أو ملك أو أسلم بعد الغروب، ومات قبل طلوع الفجر - فلا تجب فطرته على الأقوال كلها.
ولو اشترى عبداً بعد غروب الشمس، أو باعه بعد طلوع الفجر، فعلى القول الأول: تجب فطرته على البائع الأول، وعلى القول الثاني: تجب على المشتري الثاني، وعلى القول الثالث: لا تجب على أحد.
ولو دخل وقت الوجوب - وهم عنده - فماتوا قبل إمكان الأداء - فيه وجهان:
أحدهما: تسقط؛ كزكاة المال تسقط بهلاك المال.
стр. 924
والثاني: لا تسقط؛ لأنها تجب في الذمة، فلا تسقط بموت المرأة؛ ككفارة الظهار.
ولو باع عبداً بشرط الخيار؛ فأهل هلال شوال في زمان خيار الشرط وخيار المكان، إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع: فعليه فطرته، وإن تم البيع بينهما. وإن قلنا: للمشتري، فعليه وإن فسخ البيع. وإن قلنا موقوف فإن تم البيع، يجب على المشتري، وإن فسخ فعلى البائع. وإن تم البيع بينهما، ثم فسخ بعد هلال شوال بعيب، أو تحالف- فزكاة الفطر على المشتري.
فلو مات عن رقيق بعد هلال شوال، فزكاة فطره، وفطرة رقيقه في ماله مقدماً على لميراث والوصايا، وهو كزكاة المال. وهل يقدم على ديون العباد؟ فيه أقوال:
أقيسها أن الكل سواء.
وإن مات قبل هلال شوال عن رقيق، ثم أهل هلال شوال، فصدقة فطرهم على الورثة، وإن بيعوا في دين الميت بعده.
ولو أوصى لإنسان بعبد، فمات الموصي بعد هلال شوال، ففطرته من تركته، وإن مات قبل هلال شوال نظر: إن قبل الموصى له قبل هلال شوال، فعلى الموصى له فطرته، ون لم يقبل؛ حتى أهل شوال، يُبنى على أن الموصى له متى يملك الوصية؟
إن قلنا: يملك بالموت، فعليه فطرته، وإن رد الوصية.
وإن قلنا: يون موقوفاً فإن قبل فتكون عليه، وإن رد فعلى ورثة الموصى.
وإن قلنا: يملك بالقبول، فالملك قبل القبول لمن يكون؟ فيه وجهان:
أصحهما: للورثة؛ فعلى هذا عليهم فطرته.
والثاني: يكون باقياً على ملك الموصى، فعلى هذا لا يجب فطرته على أحد؛ لأن الزكاة لاتجب ابتداء على الميت.
وقيل: يجب في تركته، ولو مات الموصى قبل هلال شوال، ومات الموصى له بعد هلال شوال قبل لقبول-قام وارثه مقامه في القبول، ويقع الملك للموصى له بقبول الوارث.
وكل موضع أوجبنا الفطرة عليه لو قبل بنفسه، فإذا قبل وارثه يجب في تركته، فإن لم يكن له تركة فلا يجب على الوارث؛ كمن أوصى له ببعض من يعتق عليه، فقبل وارثه بعد موته، عتق وقوم على الميت الباقي؛ وإن كان له تركة هذا إذا كان موت الموصى له بعد غروب الشمس، فإن كان موته مع غروب الشمس أو قبله، كانت الصدقة على ورثة الموصى
стр. 925
له إذا قبلوا؛ لأن الملك حصل للموصى له قبل هلال شوال، ووقت وجوب الصدقة كان في ملك الوارث.
ولو أوصى برقبة عبده لإنسان، وبمنفعته لآخر، وقبلا، وأهل شوال - ففطرته على الموصى له بالرقبة.
ولو وُهِبَ له عبد فقبل، فأهل شوال قبل القبض، فالمذهب: أنه لا يملكه قبل القبض، وفطرته على الواهب.
فصلٌ: في مكيلة زكاة الفطر
روي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب.
يجب إخراج صدقة الفطر، وطعام الكفارة مما يُقتات غالباً من الحبوب، أو من التمر والزبيب، ولايجوز من الأقوات النادرة؛ كالقت وحَب الحنظل، وأشباه ذلك؛ وإن كان ذلك قوته وقوت بلده. ويجب من هذه الأقوات العامة ما هو غالب قوت البلد.
وقال أبو عبيد بن حربويه: تجب من غالب قوت نفسه.
стр. 926
قال إمام الأئمة: والصحيح: أنه تجب من غالب قوت أمثاله في البلد، فإن كان مثله يقتات الحنطة، وهو يقتات الشعير - يجب عليه الحنطة. وإن كان مثله يقتات الشعير، وهو يقتات الحنطة. فهل يجوز له إخراج الشعير فيه وجهان:
القياس: أنه يجوز.
ولو عدل عن قوت البلد إلى قُوتٍ أعلى، فإن كان قوته الشعير؛ فأخرج الحنطة، جاز وزاد خيراً. وإن عدل إلى شيء دونه؛ مثل: أن كان قوته الحنطة؛ فأخرج الشعير - لايجوز. وإن كان قوتهم تمراً؛ فأخرج حنطة أو شعيراً - جاز؛ على الأصح؛ لأنه أبلغ في الاقتيات. وإن كان قوتهم حنطة، وشعيراً؛ فأخر تمراً، لم يجز؛ على الأصح.
وإن كان قوتهم اللحم، أو ثمرة لا عشر فيها، فلا يجوز أن يُخرج منها، بل يخرج من غالب قوت أقرب البلاد إليه. فإن كان يقربه بلدان متساويان، وقوتهما مختلفٌ، أخرج من قوت أيهما شاء، وإن كنا قوتهم الأقط ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا عشر فيه؛ كاللحم.
والثاني: يجوز؛ ظاهر الحديث.
والجبن كالأقط، ولا يجوز المصل؛ لأنه منزوع الزبد. وإن كان قوت لبناً فهل يجوز منه؟ ترتب على الأقط: إن لم يجز الأقط، فاللبن أولى، وإلا فوجهان. والفرق: أن الأقط مما يُدخر للاقتيات، واللبن لا يدخر.
وإن كان أهل البلد يقتاتون أصنافاً مختلفة، يخرج من الأغلب، فإن لم يكن بعضها أغلب فالأفضل أن يخرج من أفضلها، ومن أيها أخرج جاز.
وإن كان له عبد غائب، وقوت بلد العبد مخالف لقوت بلد المولى - فمن أيهما يجب إن قلنا: الوجوب يلاقي المولى، فيخرج من قوت بلد المولى.
وإن قلنا: يلاقي العبد، فمن قوت بلد العبد.
ومن أي نوع أدى لا يجوز أقل من صاع بصاع النبي ﷺ والصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث؛ فجملة الصاع: خمسة أرطال وثلث.
وعند أبي حنيفة: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطلان؛ فجملته: أربعة أمداد.
стр. 927
وعنده. يجوز من البُر نصف صاع، ويجب من غيره صاعٌ. وإن كان في البلد قوتان متساويان، لا يجوز أن يفرق الصاع؛ فيخرج نصف صاع من هذا، ونصف صاع من ذلك. وكذلك إذا كان قوته الشعير، فلا يجوز أن يخرج نصف صاع حنطة، ونصف صاع شعيراً؛ كما في كفارة اليمين، لا يجوز أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة.
ولو كان عبد بني اثنين في بلدين قوتهما، مختلف، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما - قاله ابن سريج-: يخرج كل واحد منهما بقدر ملكه من غالب قوته، وقوت بلده.
والثاني - قاله أبو إسحاق-: لا يجوز التفريق، بل عليهما صاع من أدنى القوتين؛ لأن تفريق الصاع لا يجوز، ولو أوجبنا من أعلى القوتين؛ لتضرر به صاحب أدنى القوتين.
والثالث: يخرجان صاعاً من غالب قوت بلد العبد، وكذلك إذا كان العبد بعضه حراً، وبعضه رقيقاً، وقوت العبد والمولى مختلف.
ولو ملك عبدين وقوته الشعير؛ فأخرج عن أحدهما الحنطة، وعن الآخر الشعير، أو ملك نصفين من عبدين، وأخرج عن أحدهما نصف صاع بُرٍّ، وعن الآخر نصف صاع شعير - يجوز.
ولا يجوز أن يخرج في صدقة الفطر خبزاً، ولا دقيقاً ولا سويقاً؛ لأن الحب يصلح لما لا يصلح له الدقيق.
وكذلك لا يجوز إخراج القيمة.
وعند أبي حنيفة: يجوز كل ذلك.
ولا يجوز حب معيب ولا مسوس فإن كان قديماً لم يتغير طعمه ولونه، جاز.
ويستحب أن يخرج صدقة الفطر ليلة العيد أو يومه، قبل الخروج إلى صلاة العيد؛ لما روي عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى صلاة.
ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد؛ لقول النبي ﷺ "اغنوهم عن الطلب في هذا
стр. 928
اليوم" فإن أخر حتى خرج يوم العيد، عصى الله تعالى، وعليه القضاء.
ويستحب أن يقيمها بنفسه، فلو دفع إلى الأمام، أو طرحها إلى من يجمع عنده؛ ليفرقها - جاز.
ويجب على الولي إخراج صدقة فطر الصبي والمجنون من مالهما، ولو أخرج عنهما من مال نفسه عنه متطوعاً؛ نظر: إن كان أباً أو جداً، جاز، وجعل كأنه ملكه، ثم يولي عنه في الأداء. وإن كان وصياً أو قيماً، لا يجوز إلا بإذن الحاكم، فإذا أذن، جعل كأنه يملك للصبي منهما، ثم أذن لهما في الإخراج. ولو قال رجل لآخر: أد عني زكاة فطرتي؛ ففعل، جاز؛ كما لو قال: اقض ديني.
"باب صدقة التطوع"
رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول".
صدقة التطوع أمر مندوب إليه، عظيم الأجر والثواب.
стр. 929
وروي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها؛ ما يربي أحدكم فلوه؛ حتى يكون مثل الجبل".
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
وإخفاء صدقة التطوع أفضل؛ لقول الله : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وروي عن ابن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ قال: "صدقة السر تطفيء غضب الرب". وذلك لأن الإخفاء أبعد من الرياء. أما إعطاء الفرض فالإعلان به أفضل؛ ترغيباً
стр. 930
للناس فيه، ونفياً للتهمة عن نفسه بمنع الزكاة؛ كما أن الصلاة المكتوبة في المسجد بالجماعة أفضل، والتطوع في البيت.
ويجوز أن يدفع صدقة التطوع إلى الفقراء، والأغنياء، والكفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: ٨] قل نزلت في علي ﵁ حين أطعم أسيراً حربياً.
ويجوز أن تدفع إلى أقاربه الذين تلزمه نفقتهم، وهو أولى من الدفع إلى الجانب.
روي عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، ألى أجر أن أنفق على بني أبي سلمة، إنما هم بني فقال: "أنفقي عليهم، ولك أجر ما أنفقت عليهم".
وقالت امرأة عبد الله بن مسعود لبلال: سل رسول الله ﷺ أتجزيء الصدقة عني على زوجي، وأيتام لي في حجري؟ فسأله فقال: "نعم لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
ولا يجوز للرجل أن يتصدق صدقة التطوع؛ وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته، أو نفقة عياله؛ لما روي أبو هريرة؛ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: "أنفقه على نفسك". قال: عندي آخر. قال: "أنفقه على ولدك". قال عندي آخر قال: "أنفقه على أهلك". قال: عندي آخر. قال: "أنفقه على خادمك". قال: عندي آخر. قال: "أنت أعلم".
стр. 931
وروي أن النبي ﷺ قال: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت".
ولا يجوز أن يتصدق إلا بما يفضل عن دين إن كان عليه؛ لأنه حق واجب؛ فلا يجوز تركه بالتطوع. فإن فضل عن حاجته، يستحب أن يتصدق به؛ لما روي عن جرير، عن النبي ﷺ قال: "يتصدق الرجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره؛ حتى قال: ولو بشق مرة وهل يستحب للرجل أن يخرج عن جميع ماله؛ فيتصدق به؟ اختلف الأخبار فيه، روينا أن النبي ﷺ قال:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى".
وروي أن الصديق ﵁ -خرج عن جميع ماله؛ فلم يُنكر النبي ﷺ .
стр. 932
وروي أن النبي ﷺ قال لأسماء: "تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك" وقال لبلال: "أنفق يابلال، ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً".
ووجه الجمع بين هذه الأخبار: أن الرجل إذا قويت نفسه، وتم يقينه؛ بحيث ألا يضطرب عليه حاله إذا أصابته فاقة - فالأفضل أن يتصدق بجميع ماله. وكذلك كان حال الصديق، وبلال ﵄ وإن لم يكن له تلك القوة، فالأولى أن يتصدق عن ظهر غنى. والله أعلم ومن يتصدق بشيء، وأخرجه في زكاة أوكفارة، ثم باعه المتصدق عليه - يكره للمتصدق أن يشتريه.
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، ثم وجده يباع؛ فأراد أن يبتاعه. فسأل رسول الله ﷺ -عن ذلك. فقال: "لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك" ولأنه إذا علم أنه تصدق عليه، ربما يحابي معه في الثمن؛ فيكون كنم رجع في بعض صدقته. فإن باعه المسكين من أجنبي؛ فاشتراه المتصدق من الأجنبي، أو اشترى وكيل المتصدق من المصدق ليه، ولم ين الوكيل معروفاً به - لم يكره، ولكن الأولى ألا يفعل.
стр. 933
كتاب الصيام
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وروي عن عائشة قالت: كانوا يصومون يوم عاشوراء قبل أن يُفرض
стр. 934
رمضان، فلما فرض الله رمضان، قال رسول الله ﷺ :"من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه".
صوم رمضان فريضة على كل مسلم مكلف مقيم قادر طاهر، وهو أحد أركان الإسلام، وكان صوم يوم عاشوراء واجباً؛ فنسخ بصوم شهر رمضان؛ وحين نزل صوم شهر رمضان، جعل الله القادر مخيراً بين أن يصوم، وبين أن يفطر، ويفتدي. وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] وذهب ابن عباس إلى أن الآية غير منسوخة؛ وهي في الشيخ الكبير الذي لا يستطيع، يفطر ويفدي، وكان يقرأ:
стр. 935
"وعلى الذين يطوقونه فدية" أي: يكلفون الصوم، ولا يطيقونه؛ فعليهم الفدية.
ولا يصح الصوم إلا بالنية؛ لقول النبي ﷺ :"إنما الأعمال بالنيات" ولأنه عبادة، فتفتقر إلى النية؛ كسائر العبادات.
ثم إن كان الصوم فرضاً، فلا يصح إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر؛ سواء كان صوم رمضان، أو صوم نذر، أو كفارة.
стр. 936
وعند أبي حنيفة: يصح صوم رمضان، والنذر المعين بنية من النهار قبل الزوال.
والحجة عليه: ما روي عن حفصة عن النبي ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له".
стр. 937
ولأنه صوم مفروض، فأشبه صوم القضاء والفارة.
ولو نوى مع طلوع الفجر، فوجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن طلوع الفجر أسرع من نيته؛ فيقع جزء من النية بالنهار.
وأما صوم التطوع يجوز بنية من النهار قبل الزوال؛ لما روي أن رسول الله ﷺ -
стр. 938
كان يدخل على أزواجه فيقول: "هل من غداء"؟ فإن قالوا: لا، قال: إني صائم".
وقال المزني: لا يجوز صوم النفل إلا بنية من الليل. والحديث حجة عليه، ولأنحكم النفل أخف من حكم الفرض؛ ألا ترى أن [أداء] صلاة النفل تجوز قاعداً مع القدرة على القيام، ولا يجوز أداء الفرض قاعداً؛ مع القدرة على القيام.
ولو نوى صوم التطوع بعد الزوال، لايصح، وروى حرملة قولاً: أنه يجوز؛ لأنه تطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص. والمذهب الأول؛ لأنه قد فات معظم النهار؛
стр. 939
كالمسبوق إذا أدرك الإمام بعد ما رفع رأسه من الركوع، لا يكون مدركاً للركعة؛ لأنه فاته معظم الركعة.
وإذا نوى صوم التطوع بالنهار، رفعن أي وقت يصير صائماً؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقت النية؛ لأن العبادة لا تسبق النية.
والثاني- وعليه الأكثرون -: من أول النهار؛ لأن صوم بعض النهار لا يصح. وعلى الوجهين جميعاً إن كان قد جامع في أول النهار ثم نوى، لا يصح صومه؛ لأن الإمساك من أول النهار شرط. فإن جعلناه صائماً من وقت النية؛ كصلاة الجمعة انعقادها بالشروع فيها، ويشترط تقدم الخطبة عليها؛ ليصح شروعه في الصلاة.
ولا يصح نية صوم الغد قبل غروب الشمس، وبعده يجوز في جميع الليل؛ بخلاف الصلا يشترط أن يقرن النية بالتكبير؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، والشروع في الصوم يحصل بطلوع الفجر، ويشق عليه مراعاة طلوع الفجر؛ حتى يقرن به النية.
ولو نوى بالليل، ثم أكل بعده، أو شربن أو جامع - لا تبطل نيته؛ لأن هذه الأفعال تُضاد الصوم، ولاتضاد النية. ويجب أن ينوي في كل ليلة من رمضان صوم الغد، وكذلك في الكفارة.
وعند مالك: لو نوى في الليلة الأولى صوم جميع الشهر، أو في الكفارة نوى في الليلة الأولى صوم الشهرين - جاز.
قلنا: صوم كل يوم عبادة على حدة؛ لأنه يتخلل اليومين زمان يُضاد الصوم؛ وهو زمان الليل؛ كالصلاتين يتخللهما الصيام؛ فلابد لكل واحد من نية جديدة.
ويجوز صوم التطوع بنية مطلقة، أما صوم الفرض يجب فيه تعيين النية؛ فيقول بقلبه: نويت أن أصوم غداً من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غداً من الفرض، أو من فرض رمضان - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر.
وقيل: يجوز؛ لأن هذا الشهر لا يقبل غير فريضة.
ولو قال: نويت أن أصوم غداً من رمضان هذا الشهر، فوجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينو الفرض، ولو نوى في رمضان أن يصوم غداً عن نذر أو قضاء كفارة أو تطوع - لم يصح؛ لا عن رمضان، ولا عن ما نوى؛ مسافراً كان، أو مقيماً.
стр. 940
وقال أبو حنيفة: تعين صوم رمضان ليس بشرط، فلو نوى صوم الغد مطلقاً، أو عن تطوع، يقع عن رمضان. ولو نوى قضاء أو نذراً أو كفارة. قال: إن كان مقيماً يقع عن رمضان، وإن كان مسافراً يقع عما نوى؛ فيقيس صوم رمضان عن صوم القضاء والكفارة في تعيين النية.
ولو نوت الحائض بالليل صوم الغد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع بالليل - هل يصح صومها بتلك النية؟ نظر: إن كانت مبتدأة؛ يتم لها خمسة عشر بالليل، أو معتادة عادتها خمسة عشر - يصح، وإن كانت معتادة عادتها أقل من خمسة عشر، وتتم عادتها بالليل - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن العادة معمول بها.
والثاني: لا يجوز؛ لأن العادة قد تختلف؛ فلا تكون نيتها مجزومة، وإن لم يكن لها عادة، أو كانت لها عادة مختلفة، لا يصح.
ولو شك في النية؛ فتذكر بعد ما مضى أكثر النهار، أنه نوى، صح صومه؛ كما لو شك في نية الصلاة، فتذكر قبل إحداث ركن.
ولو نوى الصائم الخروج من الصوم، أو قال: أبطلت الصوم، أو تركت النية- هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يبطل، للصلاة؛ لأن النية شرط في جميعه، فإذا رفض النية في أثنائه، بقي الباقي بلا نية.
والثاني: لا تبطل؛ وبه قال أبو حنيفة؛ بخلاف الصلاة؛ لأنها أفعال تباشر، فلا تصير عبادة، إلا بالنية، ما يأتي به بعد رفض النية فعل بلا نية؛ فلم يصح والصوم مجرد كف - كان القياس أن يصح بلا نية، غير أنا شرطنا النية، لتتميز عن العادة، وقد وجدت النية.
فإن قلنا: تبطل، فإن كان هذا في خلال صوم قضاء أو منذور، فرفض نية الفرضية- هل يبقى نفلاً؟ فيه وجهان.
وكذلك لو نوى الانتقال إلى صوم آخر، لا ينتقل إليه. وهل يبطل ما هو فيه؟ فعلى وجهين.
فإن قلنا: يبطل؛ فإن كان في غير رمضان، هل يبقى نفلاً؟ فيه وجهان.
وإذا قال: إذا جاء فلان خرجت عن صومي، فإذا جاء فلان، فعلى وجهين.
فإن قلنا: يخرج إذا جاء فلان، ففي الوقت هل يخرج؟ فعلى وجهين كالصلاة.
стр. 941
"فصلٌ: في رؤية الهلال"
رُوي عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا؛ حتى تروا الهلال، ولا تفطروا؛ حتى تروه. فإن غُم عليكم، فاقدروا له". ويروي: "فإن غُم
стр. 942
عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين".
يجب صوم رمضان برؤية الهلال، أو باستكمال شعبان ثلاثين، ولا يجوز تقليد
стр. 943
المُنجم في حسابه؛ لا في الصوم، ولا في الإفطار. وهل يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه فيه وهان.
أحدهما: يجوز؛ لقوله ﵇: "فاقدروا له" ولأن القمر يعرف وقوعه بعد الشمس بالحساب.
والثاني: لا يجوز أن يعمل بقوله؛ لأن الشرع علق الحمك برؤية الهلال، ومعنى قوله: "فاقدروا له": هو كمال الثلاثين.
وإذ رأى الهلال بالنهار يوم الثلاثين، فهو لليلة المستقبلة؛ سواء رأى قبل الزوال، أو بعده.
وقال أبو يوسف: إذا رأى قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، واليوم من الشهر الثاني.
ولو رأى الهلال ببلد، ولم ير ببلد آخر؛ نظر: إن كان البلدان متقاربين، وجب على أهل البلدين الصوم والفطر رؤية أحد البلدين. وإن كانا متباعدين؛ بأن كان بينهما مسافة القصر، فهل يجب على أهل البلد الذين لم يروا الهلال الاقتداء بالذين رأوا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما لو قربت المسافة.
والثاني- وهو الأصح -: لا يجب؛ لأن سير القمر يختلف ذا تباعدت البلدان، فلكل بلد حكم رؤية أنفسهم.
والدليل عليه: ما روي عن كُريب قال: رأينا الهلال بـ "الشام" ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيت؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأينا ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم؛ حتى يكمل العدد، أو نراه. قلت: ولا تكفي رؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ وإذا رأى الهلال ببلد، ثم انتقل إلى بلد آخر رأى فيه الهلال بعده بيوم، وقلنا: لا يلزم أحد البلدين حُكم الآخر - فالمنتقل غليه له حكم البلد المنتقل عنه، إذا
стр. 944
كمل ثلاثين: نفطر؛ كمن أجر يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه.
وقال الشيخ القفال: حكمه حكم المنتقل إليه.
روي أن ابن عباس أمر كُريباً حين قدم "الشام" أن يقتدي بأهل "المدينة".
وإذا شهد عدلان على رؤية الهلال، يحكم به في الصوم والفطر جميعاً، ولا يشترط فيه العدالة الباطنة. وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال، لا يحكم به. وإذا شهد على هلال رمضان هل يحكم به؟ فيه قولان: أقيسها، وهو اختيار المزني: لا يحكم به، كما في هلال شوال.
стр. 945
والثاني: لا يحكم به؛ احتياطاً لأمر الصوم.
روي أن علياً شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان، فصام، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان.
ولا فرق: بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة يثبت بقول واحد، وإن كانت السماء مصحية يشترط الاستفاضة؛ وهو أن يشترط عدد القسامة.
فإن قلنا: يقبل قول الواحد، فلا يقع الطلاق المعلق، والعتق المعلق بهلال رمضان،
стр. 946
ولا يحل به الدين؛ لأن هذه الأشياء تثبت بقول الواحد.
فإن قلنا: تثبت بقول الواحد، فيشترط أن يكون ذلك الرجل عدلاً، ولا يثبت بقول صبي، ولا فاسق. وهل يثبت بقول عبد، أو امرأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ لأن ما يثبت بقول الواحد، يقبل فيه قول العبد والمرأة؛ كما في رواية الأخبار، وهذا طريقه الخبر؛ لأن هذا أمر يستوي فيه المخبر والمخبر، والشهادة ما يكون الشاهد منه بريئاً.
والثاني - وهو الأصح -: لا يثبت؛ لأنها شهادة فرع؛ بدليل أنه يشترط فيه لفظ الشهادة، ولاتقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل؛ بخلاف الأخبار؛ فنه لو روي خبراً عن حاضر يسمع، ولا يقبل من المراهق، وروايته مسموعة؛ على أحد الوجهين.
وهل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان؛ كالحدود.
وقيل: يثبت قولاً واحداً؛ لأنه لا يسقط بالشبهة؛ بخلاف الحدود؛ كما تثبت الحقوق المالية التي هي لله مثل الزكاة، وإتلاف بواري المسجد وغيرها.
فإن قلنا: تثبت، فما حكم عدد الفرع؟
إن قلنا: لا يثبت الأصل إلا بعدلين، فحكم شهود الفرع في العدد حكم سائر الشهادات. وإن قلنا: يثبت الأصل برجل واحد.
فإن قلنا: طريقه طريق الأخبار، ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل من واحد؛ كالرواية تُقبل من واحد عن واحد.
والثاني - وهو الأصح-: لا تُقبل إلا من اثنين؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه؛ بدليل أنه لا يقبل فيه: أخبرني فلان عن فلان؛ أنه رأى الهلال؛ حتى يقول: أشهد على شهادة فلان.
وإن قلنا: ليس طريقه طريق الأخبار، فلابد من رجلين يشهدان على شهادة شاهد الأصل، ولو شهد عدلان على رؤية هلال رمضان، فصام الناس بشهادتهما ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال ليلة الحادي والثلاثين - يجب عليهم أن يفطروا من الغد، سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة.
وغلط ابن الحداد؛ حيث قال: إن كانت السماء مصحية، يجب عليهم أن يصوموا.
أما إذا شهد واحد على هلال رمضان، وقلنا: يحكم به، فصاموا ثلاثين يوماً، ثم لم يروا الهلال - نظر: إن كانت السماء مغيمة، فعليهم أن يفطروا من الغدو إن كانت مصحية، ففيه وجهان.
стр. 947
ومنهم من لم يُفصل بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة. قال: وفيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم الإفطار؛ لأن الفطر لا يثبت بقول الواحد.
والثاني: لهم أن يفطروا؛ لأن ثبوت الفطر في ضمن الصوم؛ كالنسب والميراث لا يثبت بشهادة النساء على الانفراد.
ولو شهدن على الولادة، يثبت في ضمنه النسب والميراث. ومن رأى هلال رمضان وحده، يجب عليه أن يصوم، وكذلك لو رأى هلال شوال وحده، يجب عليه أن يفطر؛ حيث لا يراه أحد؛ لأنه إذا ظهر الفطر عرض نفسه للتهمة، وعقوبة السلطان، وإذا صام برؤيته وحده، فأفطر بالجماع يجب عليه الكفارة.
وقال الحسن وعطاء: لا يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر.
وقال أبو حنيفة: يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر، وإذا صام برؤيته وحده، فإذا جامع قال: لا كفارة عليه؛ لأن فطر الناس شبهة في سقوط الكفارة عنه.
وكذلك قال: لو صام بنية من النهار؛ فجامع، لا كفارة عليه. فنقول: فطر لا يكون شبهة في حقه؛ من عرف طلوع الفجر، لزمته الكفارة، وإن لم يعرفه غيره؛ كما لو أفطر أهل قرية بعذر المرض، وهو صحيح صائم؛ فجامع -لزمته الكفارة، وإن لم يعافه غيره.
وإذا رُؤي رجل يطعم يوم الثلاثين من رمضان بلا عُذر - يعزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال، لا يقبل؛ لأنه متهم في شهادته بإسقاط التعزير عن نفسه.
أما إذا شهد أولاً، فردت شهادته، ثم أكل، لا يعزر؛ ما لو توجه الحكم على رجل فروي فيه خبراً على وفق دعواه لا تقبل، وإن كان عدلاً، فإن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً فلم يؤذن له، فانصرف فدعاه فسأله، فروي أن النبي ﷺ قال: "الاستئذان ثلاثاً" فلم يعتمده؛ حتى شهد عليه غيره.
ولا يجوز أن يصوم يوم الشك عن رمضان؛ وهو يوم الثلاثين من شعبان.
إذا وقع الشك في رؤية الهلال؛ بأن وقع في ألسن الناس أن الهلال قد رؤي، ولا
стр. 948
يقول عدل: إني قد رأيت، أو تقول جماعة من العبيد والصبيان والفُساق: إنا قد رأيناه - فلا يجوز لأحد أن يصوم هذا اليوم عن رمضان، ولا عن تطوع لا سبب له؛ لما روي عن عمار بن ياسر قال: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
فإن صامه عن قضاء، أو نذر نذره من قبل، أو عن كفارة، أو وافق تطوعاً كان يصومه - فلا يكره؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم".
стр. 949
ولو نوى صوم يوم الشك عن تطوع لا سبب له، هل يصح؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه منهي عنه، وفعله معصية؛ كما لو صام يوم العيد.
والثاني: يصح؛ لأن هذا اليوم قابل للصوم في الجملة؛ بخلاف يوم العيد.
وكذلك لو نذر صوم يوم الشك، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان
فإن قلنا: ينعقد، صام يوماً آخر، فن صام في هذا اليوم، يخرج عن نذره.
ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غداً من رمضان، فبان بعد ما أصبح أنه من رمضان لا يصح صومه؛ لأنه شرع فيه على الشك، وعليه القضاء؛ كما لو أصبح مفطراً، ثم ثبت بشهادة الشهود؛ أنه من رمضان يلزمه إمساكه بقية النهار، وعليه القضاء.
стр. 950
ولو عقد بقلبه من غير شك؛ أن غداً من رمضان، ونوى وسمع من ثقة؛ أنه رأى الهلال، أو سمع من زوجته، أو جاريته؛ أني رأيت الهلال؛ وهو يثق بقولها، أو شهد عند القاضي عدل، فلم يحكم القاضي بقوله، ثبت دقه عند رجل فنوى وصام - صح صومه، وعليه أن يصوم بقوله.
ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غداً من رمضان إن ثبت، وإن لم يثبت فهو مفطر أو متطوع؛ فبان من رمضان- لم يصح صومه؛ لأن الأصل كان بقاء شعبان؛ فنيته لم تستند إلى أصل في الصوم.
ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني صائم غداً من رمضان إذا كان منه، وإن لم يكن فمفطر؛ فبان أنه من رمضان - صح صومه؛ لأن الأصل بقاء رمضان، ومطلق نيته كان يقع هكذا. أما إذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني أصوم غداً من رمضان إن كان منه، أو أفطر؛ فكان من رمضان - لم يصح صومه؛ لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى أن يصوم أو لا يصوم، لا يصح صومه.
وإذا اشتبه على الأسير شهر رمضان، يجب أن يجتهد فيصوم شهراً بالاجتهاد؛ كما يجتهد في القبلة، وفي وقت الصلاة؛ حتى لو صام شهراً من غير اجتهاد، لم يصح؛ وإن وافق شهر رمضان. وإذا اجتهد، وصام شهراً؛ نظر: إن وافق شهر رمضان، أو شهراً بعد رمضان -صح صومه، ثم إذا وافق شهراً بعد رمضان، يكون قضاء أم أداء؟ فيه جوابان:
следующие страницы →