← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ولا يحل به الدين؛ لأن هذه الأشياء تثبت بقول الواحد. فإن قلنا: تثبت بقول الواحد، فيشترط أن يكون ذلك الرجل عدلاً، ولا يثبت بقول صبي، ولا فاسق. وهل يثبت بقول عبد، أو امرأة؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت؛ لأن ما يثبت بقول الواحد، يقبل فيه قول العبد والمرأة؛ كما في رواية الأخبار، وهذا طريقه الخبر؛ لأن هذا أمر يستوي فيه المخبر والمخبر، والشهادة ما يكون الشاهد منه بريئاً. والثاني - وهو الأصح -: لا يثبت؛ لأنها شهادة فرع؛ بدليل أنه يشترط فيه لفظ الشهادة، ولاتقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل؛ بخلاف الأخبار؛ فنه لو روي خبراً عن حاضر يسمع، ولا يقبل من المراهق، وروايته مسموعة؛ على أحد الوجهين. وهل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان؛ كالحدود. وقيل: يثبت قولاً واحداً؛ لأنه لا يسقط بالشبهة؛ بخلاف الحدود؛ كما تثبت الحقوق المالية التي هي لله مثل الزكاة، وإتلاف بواري المسجد وغيرها. فإن قلنا: تثبت، فما حكم عدد الفرع؟ إن قلنا: لا يثبت الأصل إلا بعدلين، فحكم شهود الفرع في العدد حكم سائر الشهادات. وإن قلنا: يثبت الأصل برجل واحد. فإن قلنا: طريقه طريق الأخبار، ففيه وجهان: أحدهما: يقبل من واحد؛ كالرواية تُقبل من واحد عن واحد. والثاني - وهو الأصح-: لا تُقبل إلا من اثنين؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه؛ بدليل أنه لا يقبل فيه: أخبرني فلان عن فلان؛ أنه رأى الهلال؛ حتى يقول: أشهد على شهادة فلان. وإن قلنا: ليس طريقه طريق الأخبار، فلابد من رجلين يشهدان على شهادة شاهد الأصل، ولو شهد عدلان على رؤية هلال رمضان، فصام الناس بشهادتهما ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال ليلة الحادي والثلاثين - يجب عليهم أن يفطروا من الغد، سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة. وغلط ابن الحداد؛ حيث قال: إن كانت السماء مصحية، يجب عليهم أن يصوموا. أما إذا شهد واحد على هلال رمضان، وقلنا: يحكم به، فصاموا ثلاثين يوماً، ثم لم يروا الهلال - نظر: إن كانت السماء مغيمة، فعليهم أن يفطروا من الغدو إن كانت مصحية، ففيه وجهان.

стр. 947

ومنهم من لم يُفصل بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة. قال: وفيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لهم الإفطار؛ لأن الفطر لا يثبت بقول الواحد. والثاني: لهم أن يفطروا؛ لأن ثبوت الفطر في ضمن الصوم؛ كالنسب والميراث لا يثبت بشهادة النساء على الانفراد. ولو شهدن على الولادة، يثبت في ضمنه النسب والميراث. ومن رأى هلال رمضان وحده، يجب عليه أن يصوم، وكذلك لو رأى هلال شوال وحده، يجب عليه أن يفطر؛ حيث لا يراه أحد؛ لأنه إذا ظهر الفطر عرض نفسه للتهمة، وعقوبة السلطان، وإذا صام برؤيته وحده، فأفطر بالجماع يجب عليه الكفارة. وقال الحسن وعطاء: لا يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر. وقال أبو حنيفة: يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر، وإذا صام برؤيته وحده، فإذا جامع قال: لا كفارة عليه؛ لأن فطر الناس شبهة في سقوط الكفارة عنه. وكذلك قال: لو صام بنية من النهار؛ فجامع، لا كفارة عليه. فنقول: فطر لا يكون شبهة في حقه؛ من عرف طلوع الفجر، لزمته الكفارة، وإن لم يعرفه غيره؛ كما لو أفطر أهل قرية بعذر المرض، وهو صحيح صائم؛ فجامع -لزمته الكفارة، وإن لم يعافه غيره. وإذا رُؤي رجل يطعم يوم الثلاثين من رمضان بلا عُذر - يعزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال، لا يقبل؛ لأنه متهم في شهادته بإسقاط التعزير عن نفسه. أما إذا شهد أولاً، فردت شهادته، ثم أكل، لا يعزر؛ ما لو توجه الحكم على رجل فروي فيه خبراً على وفق دعواه لا تقبل، وإن كان عدلاً، فإن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً فلم يؤذن له، فانصرف فدعاه فسأله، فروي أن النبي ﷺ قال: "الاستئذان ثلاثاً" فلم يعتمده؛ حتى شهد عليه غيره. ولا يجوز أن يصوم يوم الشك عن رمضان؛ وهو يوم الثلاثين من شعبان. إذا وقع الشك في رؤية الهلال؛ بأن وقع في ألسن الناس أن الهلال قد رؤي، ولا

стр. 948

يقول عدل: إني قد رأيت، أو تقول جماعة من العبيد والصبيان والفُساق: إنا قد رأيناه - فلا يجوز لأحد أن يصوم هذا اليوم عن رمضان، ولا عن تطوع لا سبب له؛ لما روي عن عمار بن ياسر قال: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ . فإن صامه عن قضاء، أو نذر نذره من قبل، أو عن كفارة، أو وافق تطوعاً كان يصومه - فلا يكره؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم".

стр. 949

ولو نوى صوم يوم الشك عن تطوع لا سبب له، هل يصح؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يصح؛ لأنه منهي عنه، وفعله معصية؛ كما لو صام يوم العيد. والثاني: يصح؛ لأن هذا اليوم قابل للصوم في الجملة؛ بخلاف يوم العيد. وكذلك لو نذر صوم يوم الشك، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان فإن قلنا: ينعقد، صام يوماً آخر، فن صام في هذا اليوم، يخرج عن نذره. ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غداً من رمضان، فبان بعد ما أصبح أنه من رمضان لا يصح صومه؛ لأنه شرع فيه على الشك، وعليه القضاء؛ كما لو أصبح مفطراً، ثم ثبت بشهادة الشهود؛ أنه من رمضان يلزمه إمساكه بقية النهار، وعليه القضاء.

стр. 950

ولو عقد بقلبه من غير شك؛ أن غداً من رمضان، ونوى وسمع من ثقة؛ أنه رأى الهلال، أو سمع من زوجته، أو جاريته؛ أني رأيت الهلال؛ وهو يثق بقولها، أو شهد عند القاضي عدل، فلم يحكم القاضي بقوله، ثبت دقه عند رجل فنوى وصام - صح صومه، وعليه أن يصوم بقوله. ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غداً من رمضان إن ثبت، وإن لم يثبت فهو مفطر أو متطوع؛ فبان من رمضان- لم يصح صومه؛ لأن الأصل كان بقاء شعبان؛ فنيته لم تستند إلى أصل في الصوم. ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني صائم غداً من رمضان إذا كان منه، وإن لم يكن فمفطر؛ فبان أنه من رمضان - صح صومه؛ لأن الأصل بقاء رمضان، ومطلق نيته كان يقع هكذا. أما إذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني أصوم غداً من رمضان إن كان منه، أو أفطر؛ فكان من رمضان - لم يصح صومه؛ لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى أن يصوم أو لا يصوم، لا يصح صومه. وإذا اشتبه على الأسير شهر رمضان، يجب أن يجتهد فيصوم شهراً بالاجتهاد؛ كما يجتهد في القبلة، وفي وقت الصلاة؛ حتى لو صام شهراً من غير اجتهاد، لم يصح؛ وإن وافق شهر رمضان. وإذا اجتهد، وصام شهراً؛ نظر: إن وافق شهر رمضان، أو شهراً بعد رمضان -صح صومه، ثم إذا وافق شهراً بعد رمضان، يكون قضاء أم أداء؟ فيه جوابان:

стр. 951

أحدهما: يكون قضاء؛ لأنه أتى به بعد الوقت. والثاني: يكون أداء، وجعل ما بعد الوقت وقتاً للعذر؛ كما لو جمع بين الظهر والعصر في وقت العصر، يكون أداء. وفائدته: تتبين فيما لو كان شهر رمضان ثلاثين، وهذا الشهر الذي صامه ناقص، هل يلزمه إتمام ثلاثين أم لا؟ إن قلنا [قضاء] يجب عليه إتمام ثلاثين. وإن قلنا: أداء، لا يجب؛ كما لو صام في رمضان، وكان ناقصاً، وعلى عكسه لو كان شهر رمضان ناقصاً، وهذا كامل، هل يجوز أن يفطر يوماً منه، أم لا؟ إن قلنا: قضاء، يجوز؛ لأن الواجب عليه قضاء تسع وعشرين. وإن قلنا: أداء، لا يجوز، بل يجب إتمامه. وإن وافق شوال يجب عليه قضاء يوم العبد، وإن وافق ذي الحجة يجب قضاء يوم العيد، وأيام التشريق. وعلى الوجهين: إذا جامع لا كفارة عليه؛ لأنه لا يون له حرمة شهر رمضان.

стр. 952

وإن وافق شهراً قبل رمضان؛ نظر: إن علم ورمضان بين يديه أو بعضه، فعليه أن يصومه. وإن لم يعلم؛ حتى مضى رمضان، هل يجزيء ما صام عن رمضان؟ فيه قولان: قال في القديم: يجزئه؛ لأنه بالاجتهاد كالحجيج إذا أخطؤوا فوقفوا يوم الثامن يكون محسوباً. وقال في الجديد - وهو الأصح - لا يجزئه؛ لأن العبادة لا تسبق الوقت؛ كما لو اجتهد في وقت الصلاة؛ فوافق قبل الوقت، لا تصح صلاته. والقولان يبنيان؛ على أنه إذا وافق شهراً بعد رمضان يون قضاء أو أداء. إن قلنا: يكون قضاء، فلا يصح؛ لأن القضاء لا يسبق الوقت. وإن قلنا: أداء، لا يصح؛ لأنه لما جاز أن يصير ما بعد الوقت كالوقت للعذر، كذلك ما قبله جاز أن يصير كالوقت؛ كما في الجمع بين الصلاتين؛ يصير وقت إحدى الصلاتين وقتاً للأخرى؛ قدم أو أخر. "فصلُ: في وقت الدخول في الصوم والخروج منه" قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمراد من الخيط الأبيض: طلوع الفجر. يدخل الصائم في الصوم بطلوع الفجر، ويخرج منه بغروب الشمس. وروي عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقبل الليل - من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم. ويجوز للصائم الأكل، والشرب، والمباشرة بالليل إلى طلوع الفجر. ولو شك في طلوع الفجر، يكره له الأكل والشرب والجماع بعده، فإن فعل جاز؛ لأن الأصل بقاء الليل؛ بخلاف ما لو أكل شاكاً في غروب الشمس يقضي، ويلزمه القضاء إذا لم يتبين؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار؛ فإن بان أنه أكل بعد غروب الشمس، فلا قضاء عليه.

стр. 953

لو أكل شاكاً في طلوع الفجر؛ فبان أنه كان طالعاً - نقل المزني؛ أن عليه القضاء؛ كما لو أكل شاكاً في غروب الشمس، فإذا هي لمتغرب. فمن أصحابنا من وافقه؛ فقال في الموضعين: يجب القضاء؛ وهو قول مالك. ومن أصحابنا من قال: إذا أكل شاكاً في طلوع الفجر؛ فبان طالعاً، لا قضاء عليه؛ لأن الأصل كان بقاء الليل؛ بخلاف ما لو أكل شاكاً في غروب الشمس؛ فبان أنها لم تغرب، يجب القضاء؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار، وتحريم الأكل. والشافعي لم يلزمه القضاء إذا بان الفجر طالعاً، بل قال: واجب تأخير السحور، فإذا خشي الفجر أمسك، وأحب تعجيل الفطر؛ فإذا بان أن الشمس لم تغرب، أعاد. فحيث قلنا: يجب القضاء، فإن كان قد جامع، قضى، ولا فارة عليه في الموضعين جميعاً؛ لأن كفارة الجماع تسقط بالشبهة فيه. ولو طلع الفجر، وفي فيه طعام، يجب أن يلفظه، فإن ابتلعه فسد صومه، ولو أمسكه ساعة، ثم لفظه، لا يفسد صومه. ولو طلع الفجر- وهو جامع وعلم به-يجب أن ينزع في الحال؛ فإن نزع في الحال، لا يفسد صومه. قال المزني ﵀ وزفر: عليه القضاء؛ لأن المفسد قارن انعقاد الصوم؛ فمنع الانعقاد. قلنا: النزع ترك للجماع، فلا يفسد الصوم؛ كما لو حلف لا يلبس ثوباً، وهو لابسه، فنزعه - لا يحنث. وإن نزع ثم أولج ثانياً، فسد صومه، وعليه القضاء والكفارة. وإن مكث، ولم ينزع، فسد صومه، وعليه القضاء. ونص على أنه: يلزمه الكفارة. وقال في "الإملاء": إذا قال لامرأته: إذا قربتك، فأنت طالق ثلاثاً؛ فإذا غيب الحشفة، طلقت ثلاثاً، وعليه النزع. فلو مكث، لم يذكر هناك وجوب المهر. واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من جعل فيهما قولين: أحدهما: يجب هناك المهر، ويجب هاهنا الكفارة، كما لو نزع وأولج. والثاني: لا يجب واحد منهما؛ لأن ابتداء الفعل كان مباحاً. ومنهم من فرق بينهما - وهو الأصح - فقال: هاهنا يجب الكفارة؛ لأن ابتداء هذا الفعل لم يتعلق به الكفارة، فجاز أن يتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماع في نهار رمضان

стр. 954

عمداً عن الكفارة، وهناك يعلق المهر بابتداء الفعل؛ لأن مهر النكاح يقابل جميع الوطئات؛ فلم يجب بدوامه مهر آخر. وعند أبي حنيفة: لاتجب الكفارة. ولو أصبح الرجل جُنُباً من جماع، أو احتلام، ووقع غسله بالنهار - صح صومه. روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ -يُدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم. وكذلك الحائض إذا طهرت بالليل ونوت الصوم، ولم تغتسل؛ حتى طلع الفجر - صح صومها. فصلٌ: فيما يُبطل الصوم روي عن عبد الله بن عمر قال: "من استقى وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء، فلا قضاء عليه". وروي عن أبي هريرة مرفوعاً: "الصائم إذا تقيأ عمداً بطل صومه". ولأي معنى بطل؟ قيل: لنفسه؛ الإنزال يبطل الصوم، وإن لم يصل به إلى جوفه شيء. وقيل: لأن القيء لا يخلو: من أنا يعود شيء إلى البطن، فإذا تعمد القيء، جعل كأنه تعمد الابتلاع. فأما إذا ذرعه القيء، فلا يبطل صومه.

стр. 955

وجملته: إذا وصل شيء من الخارج إلى أحد جوفي التغذي بالاختيار مع ذكر الصوم، يبطل صوم الصائم، وأحد جوفي التغذي: الدماغ، والثاني؛ البطن، وهذا يطرد، ولا ينعكس بالحيض، وإنزال المني، والجماع، والقيء، والجنون، والإغماء؛ فإنها تبطل الصوم؛ وإن لم يصل بها شيء إلى جوف التغذي. خرج من هذا: إذا أكل شيئاً متعمداً وإن قل، أو شرب، أو استعط، أو قطر شيئاً في أنفه، أو أذنه؛ حتى وصل إلى الدماغ، أو احتقن، أو قطر في إحليله شيئاً فوصل إلى المثانة - فسد صومه. وقيل: إذا صب في أذنه شيئاً لا يفسد صومه، وإن ظهر أثره في الدماغ؛ لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ، وإنما يصل إليه من المسام؛ كما لو اكتحل لا يبطل صومه وإن وجد طعمه. وكذلك لو ابتلع ما لا يؤكل من حصاة، أو درهم، أو استف تراباً - بطل صومه. والحلق كالجوف؛ فوصول الواصل إليه كالوصول إلى الجوف. ولو قطر في إحليله شيئاً، ولم يصل إلى المثانة، وأدخل فيه ميلاً - هل يبطل صومه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه لم يصل إلى جوف التغذي؛ هو المثانة؛ كما لو وضع في فيه شيئاً. والثاني: يبطل؛ كما لو وصل إلى حلقه، ولم يصل إلى المعدة.

стр. 956

وإن كان على بطنه جائفة، أو على رأسه مأمومة؛ فوضع عليها دواء؛ فوصل إلى جوفه، أو إلى خريطة دماغه - بطل صومه؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء، أو إلى باطن الخريطة، سواء كان الدواء رطباً أو يابساً. وعند أبي حنيفة: إن كان الدواء يابساً، لا يبطل صومه. ولو شق بطن نفسه، أو شق غيره بإذنه، يبطل صومه. وإن فعل بغير أمره، لا يبطل. وعند أبي حنيفة: إذا شق بطن نفسه، لا يبطل صومه، ولو شق فخذه، أو كان على فخذه جراحة؛ فوضع عليه دواء؛ فوصل إلى مُخهِ - لا يبطل صومه؛ لأنه ليس جوف التغذي. ولو كان به باسورٌ؛ فخرجت مقعدته، ثم عادت، لا يبطل صومه. فإن ردها بإصبعه، ففيه وجهان: الأصح: لا يبطل؛ لنه مضطر إليه؛ كما لا يبطل طُهر المستحاضة بخروج الدم. ولو ابتلع الريق، لا يبطل صومه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن خرج إلى ظاهر فمه، فرده وابتلعه، بطل صومه. وإن أخرج لسانه وعليه ريق، ثم رده؛ فابتلعه، ففيه وجهان ولو جمع الريق في فمه، فابتلعه، ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه وصل جوفه من معتده؛ كم لو ابتلعه متفرقاً على العادة. والثاني: يبطل؛ لأن الاحتراز عنه ممكن، كما لو قلع ما بين أسنانه فابتلعه. ولو دميت لثته؛ فابتلع الدم، أو الريق المتغير، بطل صومه. ولو بزق الدم؛ حتى عاد الريق أبيض، لا يجوز ابتلاعه؛ لأنه نجس ولو ابتلعه، فالمذهب: أنه يبطل صومه. وقيل: لا يبطل؛ لأن ابتلاع الريق مباح، وتلك النجاسة حكمية؛ كما لو ذاق شيئاً؛ فوصل الطعم إلى حلقه. ولو قتل خيطاً مصبوغاً؛ فتغير ريقه؛ فابتلعه، بطل صومه. ولو قلع النخامة من صدره، أو جذبها من رأسه؛ فحصلت في فمه؛ فابتلعها - بطل

стр. 957

صومه، وإن لم تصل من حلقه إلى فمه: بحيث يمكنه أن يبزقها، لا يبطل وكذلك لو نزلت من رأسه، فلم يشعر بها؛ حتى وصلت إلى حلقه - لم يبطل صومه. وداخل الفم والأنف في حكم الظاهر في بعض الأحكام؛ وهو وجوب غسله إذا نجس، وأنه لو ابتلع منه نخامة، أو خرج إليه القيء، يبطل صومه. ولو وضع فيه شيئاً لا يبطل، وفي حكم الباطن من حيث إنه لا يجب غسله في غسل الجنابة، ولو ابتلع منه الريق، لا يبطل صومه. ولو ابتلع طرف خيط، والطرف الآخر خارج، يبطل صومه. ولو ابتلع بالليل، فأصبح وأحد طرفيه خارج، فإن تركه كذلك، لا تصح صلاته، وإن نزعه أو ابتلعه، بطل صومه؛ فالأولى أن ينزع أو يبتلع؛ حتى تصح صلاته، ثم يقضي الصوم؛ لأن الصوم يترك للقضاء؛ فإن نزعه وهو نائم، لم يبطل صومه. ولو وصل إلى جوفه غبار الطريق، أو غربلة الدقيق، أو طارت ذبابة في حلقه - لا تبطل صومه؛ لأنه مضطر إليه. ولو فتح فاه؛ حتى وصل الغبار إلى جوفه، ففيه وجهان: أصحهما: لا يبطل؛ لأن الاحتراز عنه لا يمكن؛ فوقع عفواً. فلو أكل ناسياً، لا يبطل صومه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي وهو صائم؛ فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه". وإن أكل كثيراً، ففيه وجهان:

стр. 958

أحدهما: يبطل صومه؛ لأنه ناسٍ؛ كما لو أكل قليلاً. والثاني: يبطل؛ لأن الاحتراز عن الكثير ممكن في الغالب. وإن أكل جاهلاً؛ بأن الأكل يبطل الصوم، فلا يعذر، إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام، أو ناشئاً ببادية لا يعرف الأحكام؛ فلا يبطل صومه. ولو أوجر الطعام كرهاً، أو نائماً، لا يبطل صومه. وكذلك لو جومعت المرأة كرهاً وإن خوف حتى أكل بنفسه، أو خوفت المرأة حتى مكنت من نفسها؛ فوطئت - ففيه قولان: أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه مكره، كما لو أوجر الطعام.

стр. 959

والثاني: يبطل؛ لأنه فعل ما ينافي في الصوم؛ لدفع الضرر؛ كما لو شرب دواء لدفع المرض، أو شرب لدفع العطش. ولو أعمي على الصائم، وقلنا: لا يبطل الإغماء؛ فأوجر دواء لصلاحه - هل يبطل صومه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل؛ كغير المغمي عليه إذا أوجر كرهاً. ولو تمضمض؛ فوصل الماء إلى جوفه، واستنشق؛ فوصل الماء إلى دماغه - هل يفسد صومه؟ نقل المزني فيه قولين. واختلف أصحابنا في محل القولين: فمنهم من قال- وهو الأصح -: إن القولين فيما إذا لم يبالغ، فإن بالغ بطل صومه؛ لأن المبالغة منهي عنها. قال النبي ﷺ للقيط بن صُبرة: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً". ولو كان وصول الماء إلى الباطن بالمبالغة لا يبطل الصوم، لم يكن للنهي عن المبالغة معنى. ومنهم من قال: هي على قولين: بالغ، أو لم يبالغ: أحدهما: يبطل صومه؛ وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار المزني؛ لأنه وصل الماء إلى جوفه بفعله مع ذكر الصوم. والثاني: لا يبطل؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره؛ كغبار الطريق. ولو دمي فمه؛ فغسله؛ فوصل الماء إلى جوفه، فكالمضمضة. ولو غل فمه تبريداً، أو مضمض أربعاً؛ فوصل الماء إلى جوفه في المرة الرابعة، فإن بالغ بطل صومه، ون لم يبالغ ترتب على المضمضة؛ فهذا أول بوجوب القضاء؛ لأنه غير مأمور به.

стр. 960

ولو كان بين أسنانه شيء من الطعام، فابتلعه، فسد صومه. وإن جرى به الريق من غير قصد، نقل المزني: أن لا قضاء عليه، ونقل الربيع: أن عليه القضاء. فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو وصل الماء إلى جوفه في المضمضة. ومن أصحابنا من قال: لا قضاء عليه قولاً واحداً؛ لأن الأكل كان مباحاً له؛ فوصوله إلى جوفه كان بسبب مباح. وهذا القائل يقول: إذا مضمض، ولم يبالغ، فوصل الماء على جوفه - لا قضاء عليه. ويُكره للصائم التسوك [بعد الزوال]؛ لما فيه من إزالة الخلوف، ولا يكره قبله؛ فلو استاك فوصل شيء من رطوبة السواك إلى جوفه، فسد صومه، وإن وصل الطعم إلى جوفه لم يفسد. ويكره له مضغ العلك؛ لأنه يحلب الفم، ويجففه، ويزيل الخلوف. ثم إن كان مستعملاً، لا يبطل الصوم. وإن كان جديداً يتفتت فوصل منه شيء إلى الجوف بطل صومه؛ كما لو وضع في فمه سُكرة؛ ثم ابتلع الريق، فسد صومه. ويجوز للصائم أن يكتحل، وأن يضع الدهن على رأسه، وأن ينزل في الماء وينغمس فيه ولو وجد أثراً في باطنه. ويجوز أن يحتجم؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم. ويجوز أن يُقبِّل زوجته؛ غير أنه يكره للشباب؛ خوفاً من حركة الشهوة، ولا يُكره للشيخ، وتركه أولى. روي أن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه. أما على من تحركه الشهوة تحرم القبلة.

стр. 961

وإذا جامع الرجل امرأته بالنهار عمداً، بطل صومه. فإن كان في نهار رمضان، يجب عليه القضاء والكفارة العظمى؛ وهو عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ كما في كفارة الظهار. والدليل: ما روي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: هلكت قال: "ما شأنك؟ " قال: واقعت أهلي في رمضان قال: "تستطيع عتق رقبة؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تُطعم ستين مسكيناً؟ " قال: لا. قال: "اجلس" فجلس فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر" العرق: المكيل الضخم. قال: "خُذ هذا فتصدق به". قال: أعلى أفقر منا؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: "أطعمه عيالك".

стр. 962

وعند مالك: كفارة الجِماع على التخيير. وإن جامع ناسياً، لا يبطل صومه؛ كما لو أكل ناسياً، وكذلك إن كان نائماً؛ استدخلت المرأة ذكره، لا يبطل صومه؛ كما لو احتلم. ولو جامع الرجل مكرهاً؛ فهل يتصور إكراه الرجل على الوطء؟ فيه وجهان: إن قلنا: لا يتصور؛ حتى يجب عليه الحد إن كان في زنا، فهاهنا يفسد صومه، وعليه الكفارة. وإن قلنا: يتصور، فهل يبطل صومه؟ فيه قولان؛ كما لو أكره على الأكل: فإن قلنا: يبطل صومه، لا كفارة عليه؛ لأنها تسقط بالشبهة. ولو زنا أو تلوط أو أتى بهيمة في نهار رمضان، فعليه القضاء والعقوبة والكفارة، أنزل، أو لم ينزل. أما المرأة الصائمة إذا جُومعت وهي مُكرهة، أو نائمة لا يبطل صومها؛ وإن كانت طائعة، بطل صومها. وفي الكفارة قولان: أحدهما - وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليها الكفارة؛ ما تجب الكفارة على الرجل فعلى هذا: إن كان الزوج صائماً عليهما كفارتان، وإن كان مفطراً فعليها الكفارة دونه، وإن كان أحدهما موسراً فعلى الموسر العتق، وعلى الآخر الصوم. والقول الثاني - وهو الجديد -: إذا جامعها زوجها؛ وهو صائم، لا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر الأعرابي إلا برقبة واحدة. فعلى هذا: تلك الكفارة على الرجل وجانبها خلو، أم يجب عليها والزوج يتحمل عنها؟ فيه قولان: أحدهما: هي على الرجل وجانبها خلو؛ لأنه غُرم مالي يختص بالجماع؛ فيجب على الرجل؛ كالمهر. والثاني: هي عليها، والزوج يتحمل عنها؛ كثمن ماء الاغتسال. وفائدته: تتبين في أنا إن قلنا: جانبها خلو، فلا كفار على المرأة؛ سواء كان الزوج صائماً أو مفطراً أو نائماً؛ فاستدخلت فرجه، أو وطئت بالشبهة، أو بالزنا. وإن قلنا: الزوج يتحمل عنها، فإنما يتحمل إذا وجبت عليها الكفارة، فإن كان الزوج مفطراً أو ناسياً، أو استدخلت ذكره، فيجب عليها الفارة، ولا يتحملها الزوج. وكذلك إذا كان الزوج مجنوناً؛ فوطئها، لا يتحمل الزوج؛ لأنه لا كفارة عليه. وكذلك

стр. 963

لو زنا بامرأة، أو وطئها بالشبهة عالماً بالصوم، فعليها الكفارة، ولا يتحمل الواطيء عنها؛ لأن التحمل يكون بالملك؛ ولا ملك هاهنا. وكذلك إذا كانت كفارتهما الصوم، فلا يتحمل الزوج عنها؛ لأن الصوم لا يجزيء فيه التحمل، بل يجب على كل واحد صوم شهرين. وإن كانت كفارة أحدهما بالعتق، وكفارة الآخر بالإطعام، ففيه وجهان: أحدهما: إذا أتى الزوج بما عليه، سقط عنها. والثاني: يجب على كل واحد أن يُكفر بما عليه؛ لأن التحمل كالتداخل؛ فلا يجزيء عند اختلاف الجنس. وقيل: إن كان الرجل من أهل العتق، وهي من أهل الصوم أو الإطعام؛ فأعتق الزوج رقبة - يجوز عنهما؛ لأن من فرضه الصوم أو الإطعام يجوز إعتاقه. وإن كانت المرأة أمة، فهي من أهل الصوم لا يجوز غعتاقه عنها، وإن كان هو من أهل الصوم، والمرأة من أهل العتق والإطعام - يجب على الرجل كفارتان: يصوم عن نفسه، ويطعم أو يعتق عنها؛ لأن النيابة تجزيء في الإطعام والإعتاق. وإن كان الرجل من أهل الإطعام، وهي من أهل الصوم، أطعم هو عن نفسه، وعليها الصوم؛ لأنه لا يُجزيء فيه النيابة. ولو باشر امرأته فيما دون الفرج؛ أو لمسها بشهوة، أو قبلها إن لم ينزل لا يبطل صومه، وإن أنزل بطل صومه، ولا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تجب بالجماع ولم يوجد. وإن أنزل بنظر أو فكرة، لا يبطل صومه؛ كما لو احتلم. وكذلك لو جامع قبل طلوع الفجر؛ فأخرج مع الفجر؛ فأنزل - لا يبطل صومه؛ لأن الفعل كان مباحاً؛ وهو مضطر إلى الإنزال. ولو استمنى بيده، بطل صومه، ولا كفارة عليه. ولو جامع في يوم واحدٍ مراراً، لا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن الفطر قد حصل بالجماع الأول، والثاني لا يصادف الصوم؛ كما لو أفطر بالأكل، ثم جامع أو فأخذ؛ فأنزل، ثم أولج - لا كفارة عليه. ولو جامع في يومين عليه كفارتان؛ سواء وجد الجِماع الثاني بعد ما كفر عن الأول، أو قبله. وقال أبو حنيفة: إن لم يكن كفر عن الأول، لا يجب إلا كفارة واحدة. وبالاتفاق لو جامع في عامين عليه كفارتان؛ وإن أكل الصائم ناسياً؛ فظن أن صومه قد بطل، فجامع بعده عامداً - يبطل صومه بالجماع، ولا كفارة عليه؛ لأنها تسقط بالشبهة. وكذلك لو شك في النية؛ فجامع، ثم تذكر أنه كان قد نوى - يجب عليه القضاء، ولا كفارة عليه.

стр. 964

ولو أصبح المسافر صائماً؛ فأفطر بالجماع، والمريض الذي يباح له الفطر أصبح صائماً، ثم جامع: إن نوى الترخيص، لا كفارة عليه، وإلا فوجهان: أصحهما: لا كفارة عليه؛ لأن الفطر مباح له؛ فيصير شبهة في سقوط الكفارة. وكذلك الصحيح إذا أصبح صائماً؛ فمرض ثم جامع، لا كفارة عليه إن نوى الترخيص. أما المُقيم إذا أصبح صائماً؛ فسافر، ثم جامع، يجب عليه الكفارة؛ لأن الفطر لا يباح له إذا أصبح مقيماً. أما المقيم الصحيح إذا أصبح صائماً؛ فأفطر بالجماع، ثم سافر في آخر النهار، أو مرض مرضاً يبيح الفطر - لا تسقط عنه الفارة. وعند أبي حنيفة: يسقط بالمرض. أما إذا أفطر بالجماع؛ فجن في آخر النهار، أو المرأة أفطرت بالجماع، وقلنا: يلزمها الكفارة، فحاضت في آخر النهار- هل يسقط عنه الكفارة؟ فيه قولان: أحدهما: لا تسقط؛ كما لو مرض؛ أو سافر في آخر النهار. والثاني: تسقط؛ لأن الحيض والجنون في آخر النهار بعدم الصوم في أوله؛ بخلاف المرض والسفر. "فصلٌ: في الفطر الذي يوجب الفدية" من أفطر في رمضان بغير جماع من غير عذر، يجب عليه القضاء، ويعصي الله - تعالى - ويعزره السلطان، ولكن لا تجب الكفارة العظمى. وهل تجب الفدية الصغرى؛ وهي أن يطعم عن كل يوم مسكيناً مُداً من الطعام؟ فيه وجهان: أصحهما: يجب؛ لأنها لما وجبت على المرضعة مع كونها معذورة، فلأن يجب على غير المعذور أولى. وقال أبو حنيفة: إن تناول ما يقصد أكله، يجب عليه الكفارة العظمى، وإن ابتلع حصاة أو نواة، لا يجب. وقال مالك: كل فطر يعصي به، يجب فيه الكفارة العظمى، إلا القيء؛ فإن الطبع لا يميل إليه. وعندنا: يختص ذلك بالجماع؛ لورود الشرع به؛ فلا يُقاس عليه سائر أنواع الفطر؛ كما لا يقاس عليه سائر أنواع الفطر؛ كما لا يقاس عليه القيء، وابتلاع الحصاة مع استوائهما في بطلان الصوم، ووجوب القضاء.

стр. 965

والمرأة الحامل، أو المرضعة إذا أجهدها الصوم، لها أن تفطر، ثم تقضي ولا فدية عليها؛ كالمريض. وإن كان خوفها على الولد من الصوم، فلها أن تفطر، ثم تقضي، وعليها الفدية لأنه فطر بسبب إحياء نفس عاجزة عن الصوم؛ كالشيخ الهِمُّ يفطر ويفدي. والفدية: هي أن يطعم كل يوم مسكيناً مداً من الطعام من غالب قوت البلد، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد. سُئل ابن عمر عن المرأة إذا خافت على ولدها؛ فقال: تفطروتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من الحنطة؛ وهذا قول مال وسفيان وأحمد. وفي الحامل قول آخر: أن لا فدية عليها؛ لأن ضرر الجنين متصل بها، بخلاف المرضعة؛ فكانت الحامل كالمريض. وعند أبي حنيفة: لا فدية عليها؛ وهو اختيار المزني. وإن كانت المرضعة مسافرة أو مريضة؛ فأفطرت إن نوت بالفطر الترخص بعذر السفر والمرض - فلا فدية عليها، وإلا فوجهان؛ كالمسافر يفطر بالجماع. ولو أفطر لتخليص غريق، جاز، وعليه القضاء. وفي الفدية وجهان أحدهما: يجب؛ كما تجب على المرضعة. والثاني: لا تجب؛ لأن فطرة ليس لإحياء نفس عاجزة عن الصوم؛ فإن الغريق غير عاجز. والشيخ الكبير الذي يُجهده الصوم، له أن يفطر؛ وهل يلزمه الفدية؟ فيه قولان. وكذل المريض الذي لا يرجى زوال مرضه-قال في القديم - وبه قال مالك -: لا فدية عليه؛ كالمريض الذي مرضه مرجو الزوال. وقال في الجديد - وهو المذهب -: يجب عليه الفدية؛ فيطعم عن كل يوم مسكيناً مُداً من الطعام؛ روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. ولو خرج رمضان تسعاً وعشرين، لا يجب عليه إلا تسعة وعشرون مُداً. ولو فاته صوم في صبائه، ولم يقض؛ حتى كبر وعجز، تجب الفدية قولاً واحداً؛ وإن كان الشيخ الكبير معسراً، هل يلزمه الفدية إذا قدر؟ فيه قولان؛ كالمكفر إذا لم يقدر على شيء، ثم قدر- هل يلزمه الكفارة؟ فيه قولان.

стр. 966

ولو أن عبداً كبيراً أفطر بعذر الكبر، ثم مات من قبل أن أعتق، فلا فدية عليه، وإن أعتق ترتب على الحر المعسر إذا أيسر إن قلنا: لا يجب، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان. والفرق: أن العبد لم يكن وقت الفطر من أهل الفدية؛ بخلاف الحر. ولو أفطر الكبير بعذر الكبر، ثم قدر على الصوم لا يلزمه الصوم؛ بخلاف المعضوب إذا أحج الغير، ثم قدر، يلزمه يحج في قول؛ لأنه كان مخاطباً بالحج، لا بأداء المال، والشيخ الكبير لم يكن مخاطباً بالصوم، بل كان مخاطباً بالفدية. قال الشيخ: عندي إذا قدر قبل أن يفدي، يجب عليه أن يصوم، وإن قدر بعد ما فدي؛ فيحتمل أن يكون كالحج؛ لأنه كان مخاطباً بالفدية على توهم أن عُذره غر زائل، وبان خلافه؛ المعضوب لم يكن مخاطباً؛ بأن يحج بنفسه، إنما كان مخاطباً بأن يحج الغير عنه على توهم أن عذره غير زائل. "فصلٌ: فيما يبيح الفطر" قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. صوم شهر رمضان فريضة على كل مسلم عاقل بالغ إذا كان مقيماً قادراً؛ حُراً كان أو عبداً؛ رجلاً أو امرأة، إذا كانت طاهرة؛ فالكافر لا يصح صومه، وإذا أسلم لا قضاء عليه؛ لقوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] والمرتد لا يصح صومه، وإذا عاد إلى الإسلام يجب عليه القضاء، ولا يجب على الحائض والنفساء، إذا طهرتا يجب عليهما القضاء. قالت عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ويجوز الفطر بعذر المرض والسفر وشرط السفر وشرط المرض أن يجهده الصوم، ويلحقه به ضرر يشق عليه

стр. 967

احتماله. أما المرض اليسير الذي لا يجهده، فلا يبيح الفطر. ثم إن كان المرض مطبقاً، له ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع فإن كان محموماً حالة الشروع فيه، له ترك النية، وإلا فيجب أن ينوي من الليل، ثم إذا أخذته الحمى بالنهار أفطر.

стр. 968

وشرط السفر أن يكون ستة عشر فرسخاً، ويكون مباحاً؛ فيجوز له أن يفطر فيه. ولو صام كان أفضل، إلا أن يجهده الصوم، فالأول أن يفطر؛ لما روي عن جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ زمان غزوة تبوك [إذ] مر برجل في ظل شجرة يرش الماء عليه فقال: ما بال هذا" قالوا: صائم. فقال رسول الله ﷺ "ليس من البر الصيام في السفر".

стр. 969

والدليل على أنه يتخير بين الصوم والفطر إذا كان قادراً: ما روي عن أبي سعيد الخدري. قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ليست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام، ومنا من أفطر؛ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. ولو أصبح صائماً في السفر، جاز له أن يفطر، وإن كان يعرف أنه يصل إلى مقصده قبل الغروب؛ لما روي عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ خرج إلى "مكة" عام الفتح في رمضان؛ فصام؛ حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس معه. فقيل: يا رسول الله، إن الناس شق عليهم الصيام. فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشربه والناس ينظرون إليه.

стр. 970

ولو أصبح صائماً في السفر، فلم يفطر، حتى دخل عُمرانات البلد - لم يجز له أن يفطر، وكذل المريض إذا أصبح صائماً، ثم بريء في خلال النهار، لايجوز أن يفطر. ولو أصبح صائماً في الحضر، ثم خرج إلى السفر، لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم؛ فلو فعل، عصى الله؛ من دخل في الصلاة مقيماً، ثم سافر في خلالها، لا يجوز له قصرها، ولو جامع فيه، يجب عليه الكفارة. وعند أبي حنيفة: لا تجب. وعند أحمد، والمزني: يجوز له أن يفطر. ولو نوى المقيم بالليل، ثم خرج إلى السفر قبل طلوع الفجر- نظر: إن فارق عُمرانات البلد قبل طلوع الفجر، له أن يفطر؛ لأن ابتداء صومه كان في السفر، وإن فارقها بعد طلوع الفجر، لا يجوز أن يفطر. ولا يجب على الصبي والمجنون صوم رمضان؛ لقول النبي ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي؛ حتى يبلغ، وعن المجنون؛ حتى يفيق، وعن النائم؛ حتى يستيقظ" ويؤمر الصبي بعد بلوغه سبع سنين إذا أطاق الصوم، ويضرب على تركه إذا بلغ عشر سنين؛ كالصلاة. وإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون بعد مضي أيام من رمضان -يجب عليه أن يصوم ما بقي منه، ولا يجب عليه قضاء ما مضى. وعند أبي حنيفة: إذا أفاق المجنون، وقد بقي جزء من رمضان، لزمه قضاء جميع الشهر. أما إذا بلغ الصبي؛ نظر: إن كان نوى من الليل، ثم بلغ في خلال النهار بالسن، أو بالاحتلام - يجب عليه إتمام صوم ذلك اليوم، ولا يجب قضاؤه. وقيل: يستحب له إتمام ذلك اليوم، ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض؛ فهو كتطوع شرع فيه يستحب إتمامه؛ والأول أصح.

стр. 971

فلو جامع في ذلك اليوم بعد البلوغ، تجب الكفارة عليه، ولو جامع قبل البلوغ؛ فلا كفارة عليه؛ بخلاف المراهق إذا جامع في الحج يجب عليه الفدية؛ لأن المال في الحج ألزم؛ ولذلك قلنا: إذا جامع ناسياً يفسد حجه في قول، وفي الصوم لا يبطل. وإن لم يكن قد نوى الصوم من الليل؛ أكل أو لم يأكل، هل يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه؛ كما تلزمه الصلاة إذا أدرك شيئاً من الوقت. والثاني: لاتلزمه؛ بخلاف الصلاة؛ لأنه يمكنه الشروع في الصلاة في الوقت، ولا يمكنه الشروع في الصوم في الوقت؛ فهو كما لو زال العذر بعد ذهاب الوقت لا يلزمه القضاء. أما المجنون إذا أفاق في خلال النهار، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ قيل: فيه قولان؛ كالصبي. وقيل: لا يجب هاهنا قولاً واحداً؛ لأنه لم يكن مأموراً بالصوم في أول النهار، والصبي كان مأموراً به. ولو أسلم كافر في خلال النهار، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ قيل: فيه قولان؛ كالصبي. وقيل: يجب قولاً واحداً؛ لأنه كان مخاطباً بالصوم في أول النهار. بخلاف الصبي؛ فإنه لم يكن مخاطباً. أما إذا أغمي على الرجل أياماً من رمضان، أو جميع الشهر؛ فإذا أفاق، لزمه القضاء؛ بخلاف المجنون؛ لأن الجنون يزيل العقل؛ فزال عنه الخطاب، والاغماء لا يزيل العقل، بل يغشيه؛ فهو كالمرض؛ ولذلك يجوز الإغماء على الأنبياء ﵈، ولا يجوز الجنون عليهم. وقال ابن سريج: الاغماء كالجنون؛ في أنه إذا استغرق النهار لا يجب القضاء؛ كما في الصلاة يستوي الإغماء والنون في إسقاط القضاء إذا استغرق الوقت. قلنا: إنما فرقنا بين الصلاة والصوم في الإغماء؛ لأن الصلوات تتكرر في الأيام، وربما يمتد زمان الإغماء؛ فيشق عليه القضاء، والصوم لا يتكرر في السنة، فلا يشق عليه القضاء ما فات منه، ولذلك أوجبنا قضاء الصوم على الحائض، ولم نوجب قضاء الصلاة. وعلى المغمي عليه القضاء؛ فإن نوى من الليل، ثم أغمي عليه في النهار، هل يبطل صومه نص في الصوم على أنه إذا كان مفيقاً في جزء من النهار، يصح صومه. وقال في الظهار: إذا كان مفيقاً حالة طلوع الفجر، صح صومه. وقال في "اختلاف الحديث": إذا حاضت المرأة، أو أغمي عليها، يبطل صومها؛ ففيه

стр. 972

دليل على أنه إذا كان مُغمى عليه في جزء من النهار وإن قل، لا يصح صومه؛ كالحيض إذا وجد في جزء من النهار يبطل الصوم. وقال المزني: صح صومه، وإن استغرق الإغماء جميع النهار إذا كان قد نوى من الليل؛ كما لو نام جميع النهار يصح صومه. وخرج ابن سريج قولاً من الظهار أنه يشترط أن يكون مفيقاً في طرفي النهار وقت طلوع الفجر، ووقت غروب الشمس. فمن أصحابنا من جعل المسألة على خمسة أقوال، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد؛ وهو أنه إذا كان مفيقاً في جزء من النهار يصح صومه؛ كما قال هاهنا. وما ذكر في الظهار ليس المراد منه تعيين حالة طلوع الفجر، بل قصده بيان إفاقته في جزء من النهار. وجوابه في اختلاف الأحاديث يرجع إلى الحيض، والقولان الآخران ليسا للشافعي ﵁. وقيل: المسألة على قول واحد؛ أنه يشترط أن يكون مقيماً حالة طلوع الفجر؛ لأنه أول حالة الشروع في الصوم؛ كالنية في الصلاة يعتبر أولها. وما قال في الصوم أراد به: الجزء الأول من النهار. وجوابه في اختلاف الأحاديث: راجع إلى الحيض. أما ما ذكره المزني أنه وإن استغرق جميع النهار يصح صومه؛ كما لو نام جميع النهار. وقال أبو الطيب بن سلمة إذا نام جميع النهار، ولم ينتبه في جزء منه - لا يصح صومه؛ كما لو أغمي عليه جميع النهار. والمذهب: أنه يصح صوم النائم؛ بخلاف الإغماء؛ لأن الإغماء يزيل الخطاب؛ ولذلك لا يجب عليه قضاء الصلوات، والنوم لا يزيله؛ فإنه إذا نبه تنتبه؛ فلم يسقط عنه القضاء. ولو جُن الصائم في خلال النهار، فقد قيل: هو كالإغماء. والمذهب: أن صومه يبطل؛ لأن الجنون مناف للصوم؛ فإنه يزيل العقل، ولا يجب عليه قضاء ذلك اليوم ولو نوى بالليل، ثم شرب دواء فزال عقله، فان زائل العقل بالنهار - هل يصح صومه ترتب على الإعماء: إن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان. والأصح: أن عليه القضاء؛ لأنه كان بصنعه ولو ارتد الصائم، أو حاضت المرأة الصائمة، بطل صومها، وعليها القضاء.

стр. 973

"فصلٌ: فيمن يلزمه التشبه بالصائمين" إذا أفطر يوماً من رمضان عمداً، عصى الله - تعالى - وعليه الإمساك، والتشبه بالصائمين. وكذلك لو نسى النية من الليل، فيلزمه التشبه؛ حتى لو أكل شيئاً عصى الله . وكذلك لو أصبح يوم الثلاثين من شعبان مُفطراً للشك، ثم ثبت أنه من رمضان - يجب عليه الإمساك والتشبه. ولو طهرت الحائض والنفساء في خلال النهار لا يلزمها التشبه. ولو أصبح غر صائم بعذر سفر، أو مرضن ثم أقام وبريء في خلال النهار - نظر: إن كان أكل شيئاً، لا يلزمه التشبه بالصائمين، وله أن يأكل، لكنه يُخفي الأكل عن الناس؛ حتى لا يتهم. وإن كانت امرأته قد طهرت من الحيض، جاز له وطؤها. وإن لم يكن أكل شيئاً. قيل: إن أقام أو بريء، هل يلزمه التشبه؟ فيه وهان: أصحهما: لا يلزمه. وقال أبو حنيفة: يلزمهما التشبه؛ سواء أكلا أو لم يأكلا؛ كالأكل عامداً. قلنا: هناك ما أبيح له الأكل، وهاهنا المسافر والمريض أبيح لهما الأكل، وليس كيوم الشك إذا ثبت كونه من رمضان يجب عليه التشبه، مع أن الأكل مباحاً له؛ لأن هناك أبيح له الكل لأن الشهر لم يتحقق؛ فإذا تحقق لزمه التشبه. والمسافر والمريض أبيح لهما الأكل مع تحقق الشهر، فلم يلزمهما. ولو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم كافر في خلال النهار - هل يلزمهم التشبه إن قلنا: يجب عليهم قضاء صوم ذلك اليوم، يلزمهم التشبه، وإلا فلا يلزم. والتشبه يختص برمضان، فمن نذر صوم يوم بعينه، ثم أفسده، أو لم ينو من الليل - يجب عليه القضاء، ولا يلزمه التشبه بالصائمين في ذلك اليوم. "فصلٌ: في تعجيل القضاء" من أفطر يوماً من رمضان بغير عذر، عصى الله - تعالى - وإذا خرج رمضان يلزمه تعجيل قضائه، ويعصي بالتأخير. وإن كان في السفر، وإن أفطر بعذر، يستحب له أن يعجل القضاء، فلو أخر يجوز، بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان الثاني.

стр. 974

رُوي عن عائشة قالت: إن كان ليكون على صيام من رمضان، فما أقضي منه؛ حتى يأتي شعبان تعني: بالشغل بالنبي ﷺ . ولو فاتته أيام، يُستحب أن يقضيها متتابعة، فلوقضاها متفرقة جاز، فإن كان عليه صوم اليوم الأول، فقضى ونوى اليوم الثاني - فيه وجهان: أحدهما: يجزئه؛ لأن تعيين اليوم ليس بواجب عليه. والثاني: لا يجزئه؛ لأنه يقضي غير ما عليه؛ كما لو كان عليه عتق عن كفارة اليمين؛ فنوى عن الظهار -لم يجز. فإذا أخر القضاء؛ حتى دخل رمضان الثاني؛ نر: إن لم ينقطع عذره إن دام مرضه، أو سفره، حتى مات - فلا شيء عليه؛ كما لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء، لا زكاة عليه؛ بخلاف الشيخ الهِمِّ إذا مات يطعم عنه؛ لأن الإطعام كان واجباً عليه في الحياة. وإذا أخر القضاء بلا عذر إلى رمضان الثاني، يجب عليه أن يقضي، ويطعم عن كل يوم مسكيناً مداً من غالب قوت البلد. وعن أبي حنيفة ﵀ لا يجب الفدية بسبب التأخير. وإن كان عليه قضاء أيام، يجوز أن يصرف الأمداد كلها إلى مسكين واحد؛ لأن فدية ل يوم بمنزلة كفارة أخرى. فإن فدى، ولم يقض؛ حتى مضى رمضان آخر، عليه القضاء، والفدية ثانياً. فن لم يقض، ولم يفد؛ حتى مضى رمضانان، هل تتداخل الفديتان؟ فيه وجهان: أحدهما: تتداخل؛ كالحدود تتداخل. والثاني: لا تتداخل؛ لأنه من الحقوق المالية، وزاد بالتأخير عن كل رمضان فدية. فإن كان قد أفطر متعمداً وقلنا يلزمه الفدية، فلا تدخل فدية الإفطار في فدية التأخير؛ لأن موجبهما مختلف. وكذلك لو أفطر بالجماع، فكان من أهل الإطعام؛ فأخر القضاء، لا تدخل فدية التأخير في الكفارة؛ كما لو كفر - بالصيام لايدخل القضاء في صوم الكفارة. ولو جعل فدية التأخير قبل دخول رمضان الثاني؛ ليؤخر القضاء مع الإمكان - هل يجوز؟ فيه وجهان؛ بناء على جواز تعجيل الكفارة في الجنب المحظور. ومن مات وعليه صوم عن قضاء رمضان، أو عن نذر وكفارة - هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان: قال في القديم: يصوم عنه؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من

стр. 975

مات وعليه صوم صام عنه وليه" وبه قال أحمد وإسحاق ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقضي عنه بعد الموت؛ كالحج. وقال في الجديد: يطعم عنه؛ لما روي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:"من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً" والصحيح أنه موقوف على ابن عمر؛ وهذا قول مال، وسفيان، وأبي حنيفة. ولأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا تدخل بعد الموت؛ كالصلاة. فإن قلنا: يجوز أن يصوم وليه، لا يجب عليه ذلك، إلا أن يتبرع. ولو صام عنه أجنبي، فيه وجهان ولو أمر الولي أجنبياً؛ حتى صام بأجرة أو غيرها، يجوز؛ الحج. فإن قلنا: يطعم عنه، فإن كان قد أخر القضاء عن رمضان الثاني؛ فمات، لا تدخل فدية التأخير في فدية القضاء؛ حتى لو قام عشرة أيام من رمضان؛ فأخر فمات أول رمضان الثاني - يجب عليه عشرون مدا: عشرة عن أصل الصوم، وعشرة بسبب التأخير. ولو أخر القضاة؛ حتى بقي من شعبان عشرة أيام؛ فمات - لا يجب عليه إلا فدية أصل الصوم، ولا يجب عليه فدية التأخير؛ لأنه لم يكن مفرطاً بالتأخير إلى هذا الوقت. ولو مات يوم الخامس والعشرين من شعبان، يجب عليه خمسة عشر مداً عشرة عن أصل الصوم وخمسة عن التأخير؛ لأنه مفرط بتأخير خمسة؛ فنه لو عاش لم يمكنه قبل رمضان إلا قضاء خمسة أيام. ولو مات وعليه صلاة لاتقضي عنه، ولا تسقط عنه بالفدية، وكذلك الاعتكاف.

стр. 976

وقال أبو حنيفة: يُطعم عنه عن كل صلاة نصف صاع حنطة، أو صاعاً من غيرها. وحكى البويطي عن الشافعي: من مات وعليه اعتكاف، اعتكف عنه وليه. وفي رواية: يطعم عنه أولياؤه. قال الشيخ: لا يبعد تخريج هذا في الصلاة؛ فيطعم عن كل صلاة حداً. ولو نذر أن يعتكف يوماً صائماً؛ فتعر عليه، فلم يعتكف ومات - فإن قلنا: يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف، فلا يعتكف عنه الولي. وهل يصوم؟ فعلى قولين. فإن قلنا: لا يجوز إفراد الصوم، فإن قلنا: لا يصوم عنه الولي، فهاهنا لا يصوم، ويطعم. وإن قلنا: يصوم عنه الولي، فهاهنا يعتكف عنه الولي صائماً؛ وإن كانت النيابة لا تجزيء في الاعتكاف، فهاهنا تجوز تبعاً للصوم؛ كما لا تجوز النيابة في الصلاة، وتجوز في ركعتي الطواف؛ تبعاً للحج. ولو شرع في قضاء رمضان، أو فيصوم الكفارة فأفطر بعذر، أو بغير عذر بالجماع أوغيره - لا كفارة، إنما تجب الكفارة بالجماع في أداء رمضان؛ لحرمة الوقت. ثم ينظر إن كان قد أفطر بغير عذر، فالقضاء عليه مضيق، وإذا أفطر في القضاء يعصي. وكذلك إذا كانت الكفارة لزمت بسبب غير مباح؛ كالقتل بغير حق، فلا يجوز له الفطر؛ لأن التكفير مضيق عليه. وإن كان أفطر رمضان بعذر؛ كالمرض والسفر، أو في صوم كفارة - لزمته بسبب لم يكن عاصياً فيه؛ فلا يعصي في القضاء. والله أعلم. "فصلٌ: فيمايلزم الصائم من السنن والآداب" روي عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".

стр. 977

السنة للصائم تعجيل الفطر بعد ما تيقن غروب الشمس، ويستجب له أن يتسحر بالليل؛ فيكون أقوى على الصوم. روي عن أنس؛ أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرعا من سحورهما، قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة قيل لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. ويستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى الماء؛ لما رُوي عن سليمان بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء؛ فإنه طهور". ويستحب أن يقول عند الفطر ما روي عن معاذ: قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" ويجب على الصائم أن يصون جوارحه بصون بصره عن النظر إلى مالا يحل، ولسانه عن الغيبة والمشاتمة.

стр. 978

روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به، فلي سلله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

стр. 979

وعن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "الصوم جنة؛ فإذا كان أحدكم صائماً؛ فلا يرفث ولا يجهل؛ فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم".

стр. 980

والسنة أن يكثر الصدقة في شهر رمضان، والجود والسماحة أمر مندوب إليه في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر استحباباً؛ اقتداء برسول الله ﷺ وليكن في أهل الحاجة من الصائمين والقائمين بعض مؤناتهم؛ ليتفرغوا للعبادة. روي عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان. وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان؛ فيعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. باب صيام التطوع، وما يستحب منه، وما نهي عنه رُوي عن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ فقلت: إنا خبئنا لك حيساً. قال: "أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قريبه".

стр. 981

من شرع في صوم تطوع، أو في صلاة تطوع، يستحب له أنيتمه، ولا يخرج منه من غير عذر، فإن خرج جاز، ولا قضاء عليه؛ غير أنه يكره إذا لم يكن له عذر. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء؛ سواء خرج بعذر، أو بغير عذر، ويعصي إن خرج بغير عذر. وقال مالك: إن خرج عن صوم التطوع بغير عذر عليه القضاء. وبالاتفاق: لو شرع في صلاة ظنها عليه، أو في صوم ظنه عليه؛ فبان أنه لم يكن عليه -جاز له الخروج منه، ولا قضاء عليه. أما حج التطوع والمظنون إذا شرع فيه، لا يجوز الخروج منه؛ لأن مبناه على اللزوم. والوصال في الصوم من خصائص رسول الله ﷺ وهو أن يصوم يومين فأكثر، ولا يطعم بالليل شيئاً؛ فمن واصل، عصى الله تعالى. روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والوصال إياكم والوصال إياكم والوصال" قالوا: فإنك تواصل، يا رسول الله. قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت فيطعمني ربي ويسقيني" وهذا العصيان لقصده إلى الوصال، وألا فالفطر قد حصل بدخول الليل؛ كالحائض إذا صلت عصت، وإن لم ين لها صلاة؛ فإن طعم بالليل شيئاً وإن قل، خرج عن النهي.

стр. 982

وصوم الدهر مكروه؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "إنك لتصوم الدهر" قلت: نعم. قال "إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين وتفهت له النفس لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر له قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "فصم صوم داود؛ كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى".

стр. 983

روي عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة، أكان النبي ﷺ يصوم شهراً كله؟ قالت: ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطر كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله ﷺ .

стр. 984

وروي أن عائشة كانت تصوم الدهر. فقيل لها: أتصومين الدهر وقد نهى رسول الله ﷺ عن صيام الدهر؟ قالت: من أفطر يوم النحر والفطر فلم يصم الدهر. ولو نذر رجل صوم الدهر، يلزم، ويكون يوم العيدين والتشريق مستثنى لا يصومها؛ وكذلك يصوم رمضان عن الفرض، لا عن نذر. وإن فاته صوم رمضان بعذر، أو بغير عذر، جب قضاؤه، ويكون ذلك مستثنى عن نذر صوم الدهر؛ كأداء رمضان، ولا فدية عليه. ولو أفطر يوماً من الدهر لا يمكنه القضاء؛ لأن جميع الأيام مستحق للصوم. وهل عليه الفدية لما أفطر؟ نظر: إن أفطر بعذر، لا فدية عليه، وإن أفطر بغير عذر، يجب عليه الفدية. ولو نذر صوم الدهر، ثم نذر صوماً آخر، لا ينعقد الثاني؛ لأن جميع أيامه مستحقة لنذر صوم الدهر. وإن لزمه صوم عن كفارة، يصوم عن الكفارة، ويفدي عن النذر. ولو نذرت المرأة صوم الدهر، للزوج منعها، ولا قضاء، ولا فدية عليها. فإن أذن لها الزوج، فمل تصم، أو بعد موت الزوج، لا يمكن القضاء، ويجب الفدية. وصوم يوم "عرفة" مستحب لغير الحاج؛ وهو أفضل أيام السنة. روي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ "صيام يوم عرفة كفارة سنتين: السنة التي قبلها، والسنة التي بعدها. وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة".

стр. 985

أما الحاج فيستحب له ألا يصوم يوم "عرفة"؛ لأن النبي ﷺ لم يصمه؛ وأن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه عن الدعاء. وصوم عاشوراء كفارة سنة. روي عن ابن عباس قال: ما علمت رسول الله ﷺ صام يوماً يتحرى صيامه على الأيام إلا هذا اليوم يعني: يوم عاشوراء. واختلف العلماء في يوم عاشوراء: قال بعضهم: هو اليوم العاشر من المحرم. وقال بعضهم: هو اليوم التاسع. وروي عن ابن عباس أنه قال: "صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود" وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. ويستحب صوم الإثنين والخميس؛ لما روي عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يتحرى صوم الإثنين والخميس. وعن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس
следующие страницы →