آراء ابن الجوزي التربوية
«دراسة وتحليلا وتقويما ومقارنة»
د. ليلى عبد الرشيد عطار
أستاذ مساعد التربية الإسلامية بكلية التربية للبنات - جدة
منشورات أمانة للنشر
آرَاءُ ابن الجوزيّ التَّربَويَّةَ
«دراسةً وتحليلًا وتقويمًا ومقارنةً»
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
الإهداء
إلى الأجيال الحاضرة. . .
إن تراث أُمّتنا الإسلامية المتمثّل في فكر علمائها الأفذاذ، ينتظر من أبنائه البررة الأخيار أن ينفضوا عنه غبار السنين، ويظهروه على الوجود بكل ما فيه من قوة وأصالة ونقاء، ليحفظوا به أُمّتهم الإسلامية من الذوبان والتبعية والانبهار بالفكر الغربي وغيره. . .
فاقتحموا هذا المجال. . . فأنتم لها. . . وبكم سيكمل البناء التربوي الإسلامي المنشود.
ليلى ... ,
стр. 6
شكر وتقدير
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على إمام المربين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد:
فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١). فالمستحق للشكر والحمد والثناء هو الله ، فلولا فضله وعونه وهدايته لما ظهر هذا البحث بهذه الصورة، التي أدعوه ﷻ أن يقبلها خالصةً لوجهه الكريم وينفع بها، هذا وقد قال ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (٢)، الاعتراف بالفضل والمعروف لأهله هو الشكر لهم والثناء عليهم، لقوله ﷺ : "من صُنع إليه معروف فليجزه، فإن لم يجد ما يجزه فليثنِ عليه فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره (جحده) " (٣). وتمام الشكر هو الدعاء لهم بأن يجزيهم الله أحسن ما يجزي به عباده الصالحين، مصداقًا لقول الرسول ﷺ : "ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه" (٤).
فالشكر الجزيل، والدعاء الصادق، تقدمه الباحثة لكل من مدّ لها يد العون والمساعدة، أو غمرها باهتمامه -من سؤال ودعاء- ولا يسع المجال ذكر الأسماء، ولكنها تخص بالشكر والتقدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، التي أتاحت للباحثة فرصة تكملة تعليمها العالي في جامعتها العريقة، وفي داخل مملكتنا الحبيبة، وعلى أيدي علمائها الأفاضل.
стр. 7
كما تتقدم الباحثة بالشكر والتقدير والامتنان لعمادة كلية العلوم الاجتماعية، ورئاسة قسم التربية على ما لمسته منهم من تفهم وتعاون صادق فيما تحتاجه الباحثة.
أما أستاذي المشرف الدكتور الفاضل مقداد يالجن، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية لعام ١٤٠٨ هـ فله عظيم الشكر والتقدير والامتنان على ما قدّمه للباحثة من توجيهات وإرشادات قيمة كان لها الأثر الكبير في تذليل الصعوبات التي واجهت الباحثة، يضاف إلى ذلك ما اكتسبته منه، مما كان يتميز به من صدق في العطاء العلمي، ودقة في نقد المعلومات والحقائق، وروح محبة للمناقشة الموضوعية بالإضافة إلى بذله وكرمه الجم مع الباحثة، ولاسيما ما يخص إهداءها مؤلفاته القيمة، أو مؤلفات غيره مما تحتاج إليه الباحثة.
وتتقدم الباحثة أيضًا بالشكر الجزيل لكل من فضيلة الشيخ عبد الرحمن الباني، الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود بالرياض، والدكتور محمد علي البار الطبيب المعروف، والأستاذ علي عمر بادحدح المحاضر بجامعة الملك عبد العزيز بجدة - قسم الدراسات الإسلامية على ما قدموه للباحثة من توجيهات علمية قيمة كلّ في مجال تخصصه. والأخت الأستاذة خديجة بابيضان المحاضر بقسم اللغة العربية بكلية التربية للبنات بجدة على قراءتها للرسالة وتصويبها من الناحية اللغوية. كما تتقدم باسمى آيات الشكر والعرفان بالجميل للجنة المناقشة المكونة من الشيخ الفاضل عبد الرحمن توفيق الباني الأستاذ بجامعة الملك سعود، الذي لم يبخل على الباحثة بملاحظاته القيمة أثناء كتابة البحث وبعدها، ثم تفضله بقبول مناقشة الرسالة وتقويمها.
والدكتور الفاضل بشير الحاج توم الأستاذ المشارك بجامعة أُمّ القرى بمكة المكرمة، على تفضله بقبول مناقشة الرسالة وتقويمها، وعلى ما أبداه من ملاحظات قيمة، فجزاهما الله عني خير الجزاء.
ولا تنسى الباحثة اهتمام ورعاية أُسرتها الممثلة في والديها الكريمين، وإخوانها وأخواتها وما هيّأوه لها من جو مناسب حتى تتم كتابة الرسالة، وبخاصة أخي "حسن" الذي كان حلقة الوصل بيني وبين المشرف، فجزى الله الجميع خير الجزاء وأحسن مثوبتهم.
стр. 8
تقديم الأستاذ الدكتور مقداد يالجن
إن هذا الكتاب كان رسالة الدكتوراه في الأصل وقد أشرفت عليها وعايشتها من بدايتها إلى نهايتها قرابة خمس سنوات، وبعد تعديلات وتصحيحات أصبح كتابًا متميزًا من عدة نواح:
أولها: أنه يتصف بكل مواصفات البحث العلمي.
وثانيها: أنه يتناول كل جوانب آراء ابن الجوزي التربوية.
وثالثها: أنه يعقد مقارنة بين شخصية ابن الجوزي مع بعض شخصيات قرنائه وبين آرائه التربوية وآراء تربوية لأحد المعاصرين في المجال نفسه للتعرف على آثار الزمان والعصر على بناء شخصية الإنسان وعلى نهج تفكيره وآرائه.
ورابعها: أنه لا يكتفي بوضع آراء ابن الجوزي التربوية على بساط البحث، بل يعقد دراسة لوجوه الاستفادة من تلك الآراء ومن منهجه وطريقة اجتهاداته في حياتنا المعاصرة. كما يتناول تقويم آرائه دون مجاملة.
ومع كتاب متميز نجد أنفسنا مع كاتبة وباحثة متميزة فقد وجدتها تمتلك قدرات علمية وأهداف عالية وطموحة ومواصفات بحثية مثل الصبر والجلد والإخلاص والكتابة عن قناعة والشعور بالمسؤولية واستهداف خدمة الدين والأمة. وهي وإن كانت في بداية الطريق، فإن هذه المواصفات إذا بقيت معها سوف تدفعها إلى التقدم والتفوق وإلى أعمال أخرى إن شاء الله.
وبالله التوفيق أولًا وأخيرًا، وبه نستعين وعليه نتوكل.
стр. 9
ملخّص الرسالة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المربين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد:
أنجبت الأُمةُ الإسلامية -خلال تاريخها الطويل- الكثيرَ من العلماء الأفذاذ الذين كان لهم دور كبير في استخلاص العديد من الأسس والمبادئ التي تقوم عليها التربية الإسلامية من خلال دراستهم تعاليم القرآن الكريم وسُنة الرسول ﷺ ، ومن خلال تطبيقهم مناهج الفكر الإسلامي في التربية.
ومن هؤلاء العلماء الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ (سبع وتسعين وخمس مائة من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم)، والذي صنف أكثر من أربعمئة مؤلف ما بين مطبوع ومخطوط.
وقد دفعني إلى إيثار الكتابة حول آراء هذه الشخصية التربوية جملة من الأمور:
أولا: أن تلك الآراء في معظمها نابعة من الوحيين العظيمين كتاب الله الكريم، وسنة رسوله ﷺ الشريفة.
ولا تخفى حاجة عصرنا الراهن إلى مثل هذا النوع من الآراء التربوية لمواجهة تيار التغريب وطمس الشخصية الإسلامية.
ثانيًا: أن هذه الآراء التربوية متناثرة في ثنايا مؤلفات هذه الشخصية، مما يجعل الاستفادة منها -والحال هذه- ضئيلة.
ثالثًا: خلو الساحة من الكتابة والتأليف حول هذه الأفكار التربوية
стр. 10
بشكل بحثٍ علمي، يلم شتاتها ويسلط الأضواء عليها، ويجلي للأنظار أصالتها، ومن ثم يعرضُها مرتبة منسقة على نهج تربوي، مع تحليلها، وتقويمها، ومقارنتها ببعض الاتجاهات التربوية المعاصرة.
رابعًا: رجاء أن تسهم هذه الدراسة في تأصيل الفكر التربوي، الموجود اليوم عند علماء المسلمين، وأن تسهم مع جهودهم في محاولة امتصاص موجات الاعجاب والانبهار والتبعية للفكر التربوي الغربي ونظرياته المعاصرة -التي طغت على عقول الكثير من أبناء هذا العصر- مفكرين وعاميين.
وقد تكونت هذه الرسالة من سبعة أبواب وخاتمة، وبلغ عدد فصولها عشرين فصلًا، وفيما يلي عرض موجز لمحتوى هذه الأبواب والفصول (١):
الباب الأول: مدخل عام للبحث
ويتكون هذا الباب من فصلين هما:
• الفصل الأول: خطة البحث وتشمل:
أولًا: المقدمة
تحدثت فيها الباحثة عن أهمية البحث بصفة خاصة وأهمية الاستفادة من التراث التربوي الإسلامي الذي خلفه علماء المسلمين بصفة عامة ومدى الحاجة إلى هذا التراث في تأصيل الفكر التربوي حاليًا في البلاد الإسلامية.
كما تحدثت عن الأسباب التي دفعتها إلى اختيار هذا الموضوع.
ثانيًا: تحديد المشكلة
تتلخص مشكلة البحث فى الإجابة على التساؤلات الآتية:
١ - ما مدى توافر فكر تربوي متكامل في ثنايا مؤلفات ابن الجوزي؟
стр. 11
٢ - ما مدى موافقة آراء ابن الجوزي ومبادئه التربوية القرآن والسنة باعتبارهما المصدرين الأساسيين للتربية الإسلامية؟ وما مدى مراعاته القواعد الأصولية التشريعية في اجتهاده التربوي؟
٣ - ما مدى اتفاق آراء ابن الجوزي التربوية واختلافها مع بعض الاتجاهات التربوية المعاصرة؟
٤ - ما مدى الاستفادة من تراث ابن الجوزي التربوي في خدمة نظامنا التربوي وفي تأصيل التربية بشكل عام.
ثالثًا: أهداف البحث
وتتلخص فيما ياتي:
١ - الكشف عن الفكر التربوي لابن الجوزي واستخراج المبادئ والأساليب والأسس التربوية لديه وتحليل آرائه.
٢ - إبراز طريقة اجتهاداته التربوية في ضوء المبادئ الإسلامية وفي ضوء مقتضيات عصره.
٣ - مقارنة بعض آرائه ببعض الآراء التربوية المعاصرة.
٤ - تقويم آرائه في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية.
٥ - استخلاص توجيهات تربوية وبيان مدى الاستفادة منها في واقعنا التعليمي والتربوي واقتراح تطبيق ما يمكن تطبيقه منها.
رابعًا: تحديد أهمية البحث
وتبرز أهمية البحث في النقاط الآتية:
١ - إن هذه الدراسة محاولة لاستخراج الآراء التربوية الإسلامية لابن الجوزي، والتي تشكل في معظمها بعض أبعاد النظرية التربوية الإسلامية التي نحن بحاجة إليها في تأصيل التربية.
٢ - الاستفادة من الآراء التربوية لابن الجوزي في مجال تربيتنا وتعليمنا الحالي، وإبرازها في ثوب جديد معاصر يتلاءم مع الحياة الحاضرة مما يخدم الأهداف التربوية.
٣ - إبراز إسهام ابن الجوزي في مجال التربية، والاسترشاد به في توجيه تربيتنا وتعليمنا المعاصرين.
стр. 12
٤ - الإسهام في تحقيق أهداف الدراسات العليا بقسم التربية بالكلية؛ فمن هذه الأهداف الكشف عن التراث التربوي الإسلامي.
٥ - الاستجابة لتوصيات الندوات والمؤتمرات في التربية الإسلامية، بشأن دراسة آراء أعلام المربين المسلمين وإسهاماتهم، لتأصيل التربية والاستفادة منها.
٦ - التعريف برجل من رجال الفكر التربوي من أبناء السلف الصالح، وبيان جهوده في مجال التربية والتعليم.
٧ - الكشف عما سبق به ابن الجوزي الفكر التربوي الحديث في بعض القضايا.
خامسًا: حدود البحث
اقتصرت هذه الدراسة على بعض مؤلفات ابن الجوزي التي لها صلة بالتربية مباشرة، مثل كتاب اللطائف والطب الروحاني، وكتاب لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، وكتاب صيد الخاطر .. إلى غير ذلك. يضاف إلى ذلك مؤلفاته الأخرى التي تحمل بين ثناياها بعض آرائه التربوية.
سادسًا: منهج الدراسة
تعتمد هذه الدراسة على خمسة مناهج هي:
أولًا المنهج التاريخي: القائم على جمع المعلومات والوثائق عن التراث من خلال الدراسة التاريخية لعصر ابن الجوزي وحياته وبيئته.
ثانيًا: المنهج الوصفي: القائم على جمع المعلومات (آراء ابن الجوزي) ثم تصنيفها وتبويبها وتحليلها.
ثالثًا: المنهج التقويمي: والذي يتم فيه تقويم آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية والقواعد الأصولية والفقهية.
رابعًا: المنهج المقارن: وفيه يتم مقارنة آراء ابن الجوزي التربوية ببعض الآراء المعاصرة بحيث تستطيع الباحثة إصدار أحكام خاصة في ضوء نتائج هذه المقارنة بما يخدم هدف البحث، وإبراز بعض خصائص
стр. 13
التفكير المعاصر وخصائص تفكير ابن الجوزي.
خامسًا: المنهج الاستنباطي: وفيه يتم استنباط واستخراج مباديء واستفادات تربوية بعد دراسة النصوص التي قالها ابن الجوزي.
سابعًا: الخطوات الاجرائية
تمت كتابة أبواب هذا البحث وفصوله من خلال الخطوات الإجرائية.
ثامنًا: مصطلحات البحث
المصطلحات التي تم تحديد معناها هي:
١ - التربية.
٢ - الفكر.
٣ - الأصالة.
٤ - المبدأ.
٥ - الرأي.
٦ - التحليل.
٧ - التقويم.
• الفصل الثاني: الدراسات السابقة.
وقد تناولت الباحثة في هذا الفصل الدراسات السابقة الآتية:
١ - دراسة الباحثة (آمنة محمد بن نُصَير).
٢ - دراسة الباحثة (حليمة علي مصطفى أبو رزق).
٣ - دراسة الدكتور (حسن بن إبراهيم عبد العال).
٤ - دراسة الدكتور (عبد الرحمن بن صالح عبد الله).
٥ - دراسات أُخرى ليست لها صلة مباشرة بالموضوع، وذكرت حتى يكون القارئ على علم بها.
الباب الثاني: ابن الجوزي: عصره وحياته وآثاره
ويتكون هذا الباب من أربعة فصول هي:
• الفصل الأول: وفيه بيان لطبيعة العصر الذي عاش فيه ابن الجوزي من الناحية العلمية والتربوية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية
стр. 14
والاقتصادية.
• الفصل الثاني: وفيه ترجمة لحياة ابن الجوزي من حيث اسمه ونسبه وتاريخ ولادته ونشأته الأُسَرية.
• الفصل الثالث: وفيه تفصيل لحياته العلمية ومؤلفاته المتعددة.
• الفصل الرابع: وفيه توضيح لمدى تأثر ابن الجوزي بشيوخ عصره أو غيرهم، ومدى تأثيره في غيره، ومكانته العلمية والتربوية وأقوال العلماء فيه.
وهذا الباب يكشف عن الجوانب المتعددة التي أثرت في شخصية ابن الجوزي وفكره التربوي.
الباب الثالث: آراء ابن الجوزي في أساسيات التربية
ويتكون هذا الباب من فصلين هما:
• الفصل الأول: رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية وأساليب تهذيبها وتوجيهها وعلاجها. وفيه ذكرت الباحثة رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية من حيث تكوينها الذي يدل على وجود الخالق ، وطبيعة خلق الإنسان في الجانبين المادي والروحي، وطبيعة العقل والدماغ وصلتهما بالجسم، ثم ذكرت الباحثة جوانب النفس البشرية وخصائصها من حيث الهوى والدوافع والانفعالات والعواطف وكيفية توجيه هذه الخصائص، ثم ذكرت أسباب الانغماس في الشهوات، وطرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها. ثم لخصت أهم الآراء التربوية المستخلصة من هذا الفصل.
• الفصل الثاني: رأي ابن الجوزي في مراحل نمو الإنسان.
وفيه تعرضت الباحثة لرأي ابن الجوزي في تقسيم مراحل النمو في ضوء علم النفس، ثم رأيه في مراحل النمو الإنساني من الطفولة المبكرة إلى الهرم، ثم لخَّصَت أهم الآراء التربوية التي تمخضت عنها الدراسة.
الباب الرابع: رأي ابن الجوزي في تربية جوانب شخصية المسلم
ويتكون هذا الباب من الفصول الآتية:
стр. 15
• الفصل الأول: التربية الصحية
وفيه ذكرت الباحثة رأي ابن الجوزي في دوافع الطعام والجنس والتداوي من الأمراض، وفي دافع النظافة باعتبارها وسيلة للوقاية من الأمراض ثم بيّنت أهم الآراء التربوية المستخلصة من هذه التربية في نظر ابن الجوزي.
• الفصل الثاني: التربية العقلية
وفيه ذكرت الباحثة مفهوم العقل في اللغة والقرآن الكريم والسنة النبوية، ومفهوم العقل عند ابن الجوزي ودرجاته وتعريفاتها. كذلك بينت أنواع القدرات العقلية الفطرية والمكتسبة وعلاقة هذه القدرات بالصفات الجسمية والسلوكية. ورأي أبن الجوزي في العلم والتعليم من حيث فضله ومفهومه والهدف منه، وسمات العلم النافع. والمقومات الأساسية للعالم والمتعلم، وطريقة تعلم أنواع العلوم، والعوامل المساعدة على التعليم الجيد، والأسباب التي تؤدي إلى النسيان وطرق مقاومته، ثم لخصت الباحثة اْهم الآراء التربوية في هذه التربية.
• الفصل الثالث: التربية الاعتقادية
وفيه وضحت الباحثة معنى العقيدة والإيمان وأهم طرق ووسائل التربية الاعتقادية في نظر ابن الجوزي من حيث الابتعاد عن التلقين الصوري للمبادئ الإسلامية، والتركيز على جوانب العقيدة المؤثرة، واستخدام الأدلة الفطرية للإقناع، وتكوين عاطفة إيمانية قوية دافعة للسلوك، والتبصير بأساليب الإلحاد والملحدين كما ذكرت أهم الآراء التربوية المستخلصة من هذه التربية.
• الفصل الرابع: التربية الروحية
وفيه ذكرت الباحثة ماهية الروح وصفاتها عند ابن الجوزي وأساليب التربية الروحية ووسائلها التي حددها في أساليب عدة متمثلة في تبصير الناشئ بالآيات الدالة على وجود الله تعالى وقدرته العظيمة في الكون والنفس مع التفكر في ظاهرة الموت وما بعده، بالإضافة إلى تكوين روح الطاعة والإخلاص لله وحده، وممارسة العبادات المفروضة رغبًا ورهبًا وأدائها بالروح التربوية، بالإضافة إلى ذكر أهم الآراء التربوية
стр. 16
المستخلصة من هذه التربية.
• الفصل الخامس: التربية الأخلاقية
وفيه ذكرت الباحثة معنى الخلق في اللغة وفي رأي ابن الجوزي، وطبيعته الفطرية والاكتسابية، وبعض الأخلاقيات السلبية التي ذكرها ابن الجوزي وعلاجها. وأهم الآراء التربوية المستخلصة من هذه التربية.
• الفصل السادس: التربية الإرادية
وفيه ذكرت الباحثة مفهوم الإرادة وطبيعتها بصفة عامة، ثم شروط التربية الإرادية عند ابن الجوزي من حيث مراعاة طاقة الطفل عند تدريبه، وتكليفه ما يعقله، وتنشئته على الفضائل والآداب الصالحة.
ثم ذكرت الباحثة أساليب التربية الإرادية في نظر ابن الجوزي من حيث ممارسة أنواع التدريب الإرادي للسلوك الفطري، والسلوك الخاص بالبذل والعطاء والتحمل والصبر مع ذكر الوسائل المُعِينَة على الصبر، ووسائل وقاية الإرادة من ضعفها قبل ارتكاب المعاصي والعلاج بعد الوقوع فيها، والوسائل النفسية الإيحائية لتقوية الإرادة. وأهم الآراء المستخلصة من هذه التربية.
الباب الخامس: تقويم آراء ابن الجوزي ومقارنتها بغيرها من الآراء المعاصرة واللاحقة
ويتكون هذا الباب من فصلين هما:
• الفصل الأول: تقويم آراء ابن الجوزي في ضوء القرآن الكريم والسُّنة المطهرة، وفي ضوء القواعد الأصولية ونواحٍ أُخرى.
وفيه عرضت الباحثةُ آراء ابن الجوزي التربوية التي وثقها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقواعد الأصولية وبعلم الكلام والمنطق وبالقصص والشعر وبالتجارب والخبرات الذاتية. ثم ذكرت الباحثة الآراء التربوية لابن الجوزي المخالفة للمنهج التربوي الإسلامي.
• الفصل الثاني: مقارنة وموازنة آراء ابن الجوزي في ضوء بعض آراء معاصريه وفي ضوء الآراء التربوية الحديثة المعاصرة. وفي هذا الفصل قارنت الباحثة جوانب الحياة الثقافية والتعليمية والتربوية في عصر ابن الجوزي عند المسلمين وعند الأوروبيين، ثم قارنت آراء ابن الجوزي بآراء
стр. 17
معاصريه من المسلمين في الفترة الزمنية نفسها التي عاشها أمثال: أبي بكر ابن العربي، وعبد الكريم بن محمد السمعاني، وبرهان الدين الزرنوجي، وابن طفيل، وابن رشد. ثم قارنت بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة، وأخيرًا قارنت بعض آراء ابن الجوزي بآراء د. عمر محمد الشيباني أحد المربين المسلمين المعاصرين في وقتنا الحالي.
الباب السادس: أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها
ويتكون هذا الباب من فصلين هما:
• الفصل الأول: أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها.
وفيه أجملت الباحثة أهم الآراء التربوية في الطبيعة البشرية، وفي تربية الطفل في ضوء مراحل النمو، وفي جوانب التربية الإسلامية ووجوه الاستفادة منها.
• الفصل الثاني: طريقة اجتهاداته التربوية ووجوه الاستفادة منها.
وفيه وضحت الباحثة طريقة اجتهاداته التربوية من خلال شروط الاجتهاد وضوابطه التي تتمثل في العلم بالقرآن من حيث ناسخه ومنسوخه، والعلم بالسنة النبوية واللغة العربية. مع معرفة مواضع الإجماع ومواضع الخلاف، ومعرفة القياس ومقاصد التشريع، مع ما يتميز به المجتهد من صحة الفهم وحسن التقدير وصحة النية وسلامة الاعتقاد. ثم ذكرت الباحثةُ وجوه الاستفادة من طريقة اجتهادات ابن الجوزي التربوية في الوقت الحالي، وكيفية استفادة الباحث التربوي الإسلامي منها.
الباب السابع: نتائج البحث ومقترحاته
ويتكون هذا الباب من فصلين هما:
• الفصل الأول: نتائج البحث.
ويمكن حصر نتائج البحث في النقاط الآتية:
١ - الكشف عن الفكر التربوي لابن الجوزي واستخراج المبادئ
стр. 18
والتوجيهات والأساليب التربوية لديه.
٢ - تقويم آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية والقواعد الأصولية وبيان مدى أصالة هذه الآراء وثباتها لأنها مستمدة من المنهج التربوي الإسلامي.
٣ - أسبقية ابن الجوزي لعلماء التربية وعلم النفس الحديث في بعض آرائه التربوية والنفسية.
٤ - إمكانية الاستفادة من التوجيهات والمبادئ التربوية لابن الجوزي في تعليمنا وتربيتنا المعاصرين.
٥ - إمكانية الاستفادة من طريقة اجتهاداته التربوية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن ضوابط القواعد الأصولية، ومن استغلاله القصص والشعر والتجارب والخبرات الذاتية في تعليمنا وتربيتنا المعاصرة.
٦ - توضيح مدى تحليله العواطف والانفعالات الايجابية والسلبية. وتقديم معالجات لبعض الحالات النفسية المَرَضِية معالجة إسلامية فذة.
٧ - من جوانب سمات اهتمامات ابن الجوزي التربوية، الاهتمام بآداب العالم والمتعلم، وغياب مثل هذا الاهتمام في العصر الحديث، إذ نرى ظاهرة سوء أدب المتعلمين مع المعلمين، ومع الآباء والكبار.
٨ - هناك العديد من وجوه الاستفاد من آراء ابن الجوزي في مجال تربيتنا الإسلامية المعاصرة. ذكرتها الباحثة بالتفصيل في موضعها.
• الفصل الثاني: المقترحات.
ويمكن حصر المقترحات في النقاط الآتية:
١ - تشكيل لجنة علمية تهتم بجمع التراث وتحقيقه ونشره، ثم يتفرع منها لجان تهتم بجمع الآراء التربوية لعلماء المسلمين ودراستها ثم تصنيفها في مجالات متعددة مثل "أهداف التربية الإسلامية"، أو "تربية الأطفال"، ثم التوفيق بين الآراء وإخراجها في صورة مبادئ تربوية مناسبة للتلاميذ في جميع المراحل التعليمية.
стр. 19
٢ - الاهتمام بالفكر التربوي لابن الجوزي ولغيره من العلماء المسلمين، إذ يمثل ذلك الفكرُ محاولة جادة للاستفادة من المنهج التربوي الإسلامي بمصدريه الكتاب الكريم والسنة النبوية.
٣ - أوصي القائمين على المناهج التعليمية في المملكة، باختيار الآراء التربوية المناسبة لكل مرحلة من المراحل التعليمية وإدراجها ضمن المقررات الدراسية.
٤ - توجيه الفكر التربوي الإسلامي المعاصر إلى الاستفادة من طريقة ابن الجوزي عند عرضه الآراء التربوية، من خلال فهمه الصحيح للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقواعد الأصولية.
٥ - دراسة التراث التربوي الإسلامي وتصنيفه حسب العصور الإسلامية أو الموضوعات المختلفة.
٦ - إنشاء مكتبة تربوية إسلامية تراثية عن طريق جمع كل هذه الرسائل والبحوث التربوية التراثية.
٧ - طبع الرسائل التربوية التراثية بعد إجراء التعديلات الضرورية عليها.
٨ - دراسة خصائص التربية التراثية ومميزاتها، ومعرفة المناهج العلمية المستخدمة عند كتابتها.
٩ - دراسة تطور التفكير التربوي الإسلامي عبر العصور السابقة من خلال دراسة ملامح كل عصر من تلك العصور، وأهم المؤثرات الموجهة للتربية.
١٠ - دراسة خصائص الفكر التربوي لدى العلماء المسلمين السابقين، ومقارنتها بالواقع الحالي للمتعلمين.
١١ - عقد بعض المؤتمرات والندوات التربوية التي تركز على طرق إحياء التراث التربوي الإسلامي للعلماء المسلمين، وإبراز أنماط دراستها دراسة مكتبية فنية، بحيث يستفيد منها الباحثون وتساعد على سرعة إنجاز بحوثهم، وتعمل أدِلة لتلك البحوث وفهرسة تحليلية لها.
١٢ - دراسة عوامل اندثار مثل هذه الدراسة، وبقائها في طي
стр. 20
النسيان في واقعنا التربوي، ثم دراسة وضع التربية الغربية المنفذة في الأنظمة التعليمية والتربوية في البلاد الإسلامية، وأثرها في تشكيل الشخصية المسلمة.
١٣ - العمل على كشف المنهج التربوي لدى علماء المسلمين وبخاصة في عصور ازدهار العلم والحضارة الإسلامية التي سبق فيها المسلمون غيرهم في العلوم والصناعات الاقتصادية.
стр. 21
الباب الأول مدخل عام للبحث
• الفصل الأول: خطة البحث
• الفصل الثاني: الدراسات السابقة
стр. 22
• الفصل الأول خطة البحث
أولًا: مقدمة البحث
ثانيًا: تحديد المشكلة
ثالثًا: أهداف البحث
رابعًا: تحديد أهمية البحث
خامسًا: حدود البحث
سادسًا: منهج البحث
سابعًا: الخطوات الاجرائية للبحث
ثامنًا: مصطلحات البحث
стр. 23
• الفصل الأول خطة البحث
أولًا: مقدمة البحث
الحمدُ لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، يليق بعظمته تعالى، والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي العربي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد، فقد ثبت للأمة الإسلامية -خلال تاريخها الطويل- أنها تحتاج دائمًا وأبدًا إلى الرجوع إلى قرآنها المجيد وسُنة نبيها الكريم محمد ﷺ ، باعتبارهما المنبع الصافي. . . والمنهل العذب والنور الذي تسترشد به في تسيير أمور حياتها كلها وخصوصًا تملك الأمور التي تتصل بتربيتها وتعليمها وتزكيتها النفس البشرية، وتكوين شخصية الإنسان الصالح المستخلَف بما يتوافق وفطرته البشرية، والمعرفة الصحيحة بالإنسان مستمدة من كتاب خالقها، لأنه خالقه وموجده ومكونه، وهو سبحانه أعلم بما يصلحه ويهبه القوة والقدرة لعمارة الأرض وفق منهجه وشرعه، ليكون الكون كله قانتًا له ﷻ ، فتتحقق العبودية المطلقة لله تعالى.
وبعد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كان لعدد من العلماء المسلمين، دور كبير في استخلاص العديد من الأسس والمبادئ التي تقوم عليها التربية الإِسلامية من خلال دراستهم تعاليم القرآن الكريم وسُنة الرسول ﷺ ، ومن خلال تطبيقهم مناهج الفكر الإسلامي في التربية.
وقد تمكن هؤلاء العلماء من تسجيل هذه الآراء في كتاباتهم وترجموها في سلوكياتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم، فكانت أعمالهم خير برهان على أصالة التربية الإسلامية وتكاملها، لهذا فنحن بحاجة إلى دراسة التراث التربوي لأولئك العلماء، للاستفادة من تراثهم ولتأصيل
стр. 24
التربية التي نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الحاضر لأنها خير وسيلة لتسير الأمةُ على نهجها، ولإنقاذ أبنائها من ضياع الشخصية، ومن الانحرافات التي نشاهدها في الشباب، لهذا "إذا جاز لأُمة أن تتعثر في وضع أسس تربوية تنشئ عليها أبناءها، أو تضطرب في البحث عن أهداف تربوية تحمي أجيالها من الزلل، فإنه لا يغتفر لأمُتنا الإِسلامية أن تتجرع غصص الحيرة في هذا السبيل. لأن أمتن الأُسس التربوية، وأرفع أهداف التربية والتعليم موجودة بين أيدينا متمثلة بعقيدة هذه الأُمة، وقواعد هذا الدين وتوجيهاته وتعليماته التي أنعم الله بها علينا" (١).
ومن أولئك العلماء الأفذاذ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي البغدادي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ؛ فهو قد تبخر في العلوم وكتب في معظم فنون عصره، ناظرًا الى العلم -كغيره من علماء المسلمين- كوحدة ثقافية معرفية مترابطة دون فصل أو تجزئة وذلك من خلال فهمه الإسلام الذي يقيم "التخصص في دائرة الشمول والتكامل فلا يجعله منفصلًا انفصالًا يذهب به إلى الاستعلاء أو التفرد حتى لا يفقد المسلمُ روحَ الوحدة ولا يفقد الفكرُ الإِسلامي طابعَ الترابط الجامع بين القيم والعناصر" (٢).
ومن خلال مؤلفاته التي تبلغ ٣٥٠ مؤلفًا (٣) حسب بعض الدراسات وأكثر من ٤٠٠ مؤلف حسب دراسات أُخرى (٤)، وذلك ما بين مطبوع ومخطوط، تجد الباحثة أن آراءه ومبادئه التربوية متناثرة في ثنايا مؤلفاته المختلفة التي حَوَت الكثير من الآراء التربوية منها على سبيل المثال:
стр. 25
رأيه في تربية الأطفال من جميع الجوانب الخلقية والعقلية والجسمية والتعليمية المتمثل في قوله:
"واعلم أن الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حال، ولا ينبغي أن يؤخذ أولًا بالعنف ولكن بالتلطف ثم يمزج الرغبة بالرهبة ويعين على الرياضة صحبة الأخيار، والبعد عن الأشرار، ودراسة القرآن والأخبار، وإجالة الفكر في الجنة والنار، ومطالعة سِيَر الحكماء والزهاد" (١).
كما كان له رأي في تهذيب الغرائز والدوافع الفطرية، فهو يقول في هذا المجال مثلا: "إن جميع ما وُضِع في الآدمي إنما وضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم، أو لدفع ضرر كالغضب، فإذا زادت شهوة المطعم صارت شرها فآذت، وإذا زاد الغضب أخرج إلى الفساد" (٢). كما كانت له آراؤه في الجوانب الروحية والعقلية والجسمية.
ولم ينضب معينُ ابن الجوزي، فكانت له آراؤه في الناحية التعليمية من حيث العلم وهدفه وفضيلته كقوله: "فأقرب الخلق من الله العلماء، وليس العلم بمجرد صورته هو النافع بل معناه، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به" (٣).
كما وضح أهم العلوم التي ينبغي أن يبدأ بها الإنسان "أعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه، غير أن العمر قصير، والعلم كثير" (٤)، "وأفضل ما تُشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما بعد هذا بمنزلة تابع" (٥)، إلى غير ذلك من الآراء.
وبعد هذا العرض الموجز لبعض آراء ابن الجوزي التربوية، فإن
стр. 26
إحساسي بالحاجة إلى استخراجها وجمعها من ثنايا مؤلفات ابن الجوزي الكثيرة، ورؤيتي القصور في دراستها، ثم محاولة إبرازها منظمة ومرتبة ومنسقة على نهج تربوي، ثم تحليلها وتقويمها ومقارنتها ببعض الاتجاهات التربوية المعاصرة مع بيان وجوه الاستفادة من نهجه التربوي في تربيتنا المعاصرة. . . . كل ذلك دفعني إلى اختيار هذا الموضوع.
ولذا فإن هذه الدراسة خطوة على طريق البناء التربوي الإسلامي المنشود لإرساء قواعده وأسسه وأهدافه وأغراضه وأساليبه من منطلق الفهم العميق للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ثم من خلال مؤلفات ابن الجوزي وما خطته يداه .. وأملته تجربته من مبادئ وآراء وأساليب، علّها تفيدنا في تربيتنا وتعليمنا المعاصر .. وتساهم في تأصيل الفكر التربوي الموجود اليوم عند عامة المسلمين، وتخفف من انبهارهم وتبعيتهم للفكر الغربي ونظرياته المعاصرة.
ثانيًا: تحديد المشكلة
لما بدأ المسلمون استعارة المناهج والنظم التربوية من الشرق والغرب، غلب على تلك النظم التعليمية "طابع الاستيراد والتقليد، الذي جعلها لا تتلاءم مع متطلبات المجتمع أو البيئة، كما أنها قد لا تُعنى برغبات الطلاب ومواهبهم الخاصة، فهي لذلك لا تحل مشكلات البلاد الناهضة، بل هي بدورها قد تولد مشكلات عديدة جديدة للمجتمع الذي استوردها. . . ." (١) لذلك فإن ترجمة بعض الكتب ونقلها وتقليدها بكل ما تحويه من عقائد ومبادئ وقيم تتعارض مع عقيدة وقيم أمتنا العربية الإسلامية نتج منه "أنه وُجدت في العالم الإسلامي الشخصية المتناقضة في الفكر والسلوك، حتى أصبح الجيل المسلم ركامًا من التناقضات، ونهبًا للعديد من الأفكار، وأصبح غارقًا في محيط النظريات والآراء، وأضحى لا لون له ولا ميزة" (٢)، وبذلك لا يمثل المسلمون
стр. 27
اليوم حقيقة الإسلام وروحه وقيمه وفكره وحضارته، "وزاد الأمر تعقيدا أنه في غمرة المحاولات للحاق بالركب تم نقل هذه الكتابات بخيرها وشرها، وبما تحمله في طياتها من خلفية إلحادية منكرة لا تؤمن بغير المادة، مما أدى إلى إثارة الكثير من البلبلات الفكرية في العالم الإِسلامي في وقت فُتن الناس فيه بمنجزات العلوم والتقنية، وحوصرت معاهد التربية الإسلامية حتى خُنقت وفُرضت على الأمة نظم تعليمية علمانية في جوهرها وفلسفتها ومحتواها ومناهجها وأهدافها وإن نطقت الأُمّة بالشهادتين، وأدت من العبادات ما استطاعت أن تؤديه" (١).
ومن هنا كان لابد من الرجوع إلى كتب التراث واستخراج درره القيمة .. وكنوزه النفيسة، وهو الرجوع بالتربية والتعليم إلى أصالة الأمة الإسلامية وعزتها .. وإلى توحيد الفكر التربوي الإسلامى للأُمة العربية والإسلامية كلها، بالاعتماد على الكتاب والسنة اللذَين يتميزان بالأصالة والثبات والصدق والواقعية والشمول والتكامل وتصوير النفس البشرية كما خلقها الله تعالى، حتى نصل في النهاية إلى تكوين الشخصية المؤمنة المجاهدة التي تستطيع مواجهة صعوبات ومتطلبات الحياة، مهتدية بمبادئ تتفق مع عقيدة هذه الأُمة ومنهجها.
ومن خلال هذا التصور لمشكلة البحث، تبرز لنا تساؤلات عدة تدور حول موضوع الدراسة، وهي التساؤلات الآتية:
١ - ما مدى توافر فكر تربوي متكامل في ثنايا مؤلفات ابن الجوزي؟
٢ - ما مدى موافقة آراء ابن الجوزي ومبادئه التربوية للقرآن والسنة باعتبارهما المصدرين الأساسيين للتربية الإِسلامية؟ وما مدى مراعاته القواعد الأصولية التشريعية؟
٣ - ما مدى اتفاق واختلاف آراء ابن الجوزي التربوية مع بعض الاتجاهات التربوية المعاصرة؟
стр. 28
وما أهمية دور تلك المبادئ والآراء في بناء الشخصية الإِسلامية وفي خدمة نظامنا التربوي الحالي في المملكة بوجه خاص، وفي تأصيل الفكر التربوي في العالم الإِسلامي بوجه عام؟
ثالثا: أهداف البحث
ستركز هذه الدراسة على الأهداف الآتية:
١ - الكشف عن الفكر التربوي الإسلامي لابن الجوزي واستخراج المبادئ والأساليب والأسس التربوية لديه وتحليل آرائه.
٢ - إبراز طريقة اجتهاداته التربوية في ضوء المبادئ الإِسلامية وفي ضوء مقتضيات عصره.
٣ - مقارنة بعض آرائه ببعض الآراء التربوية المعاصرة.
٤ - تقويم آرائه في ضوء القرآن والسنة النبوية الشريفة.
٥ - استخلاص توجيهات تربوية وبيان مدى الاستفادة منها في واقعنا التعليمي والتربوي واقتراح تطبيق ما يمكن تطبيقه منها.
رابعًا: تحديد أهمية البحث
تبرز أهمية هذه الدراسة في النقاط الآتية:
١ - إن هذه الدراسة محاولة لاستخراج الآراء التربوية الإسلامية من مؤلفات أحد أعلام المسلمين "ابن الجوزي"؛ لأن مؤلفاته لم تحظ بالدراسة التربوية الكافية، كما سنتبين ذلك من خلال عرضنا الدراسات السابقة على الرغم من أن آراءه التربوية في مؤلفاته تشكل بعض أبعاد النظرية التربوية الإِسلامية التي نحن بحاجة إليها في تأصيل التربية.
٢ - الاستفادة من الآراء والمبادئ التربوية لابن الجوزي في مجال تربيتنا وتعليمنا الحالي، وإبرازها في ثوب جديد معاصر يتلاءم مع الحياة الحاضرة بما يخدم الأهداف التربوية.
٣ - إبراز إسهام ابن الجوزي في مجال التربية والاسترشاد به في توجيه تربيتنا وتعليمنا المعاصر.
стр. 29
٤ - الإسهام في تحقيق أهداف الدراسات العليا بقسم التربية بالكلية؛ فإن من هذه الأهداف الكشف عن التراث التربوي الإسلامي" (١).
٥ - الاستجابة لتوصيات الندوات والمؤتمرات في التربية الإسلامية، بشان دراسة آراء وإسهامات أعلام المربين المسلمين، لتأصيلَ التربية والاستفادة منها (٢). فمن هذه التوصيات، توصية المؤتمر العالمي الخامس للتربية الإسلامية المنعقد بالقاهرة، وجاء فيه: "يوصي المؤتمر بضرورة الاهتمامَ بجهود وإسهامات العلماء المسلمين في كل جوانب المعرفة الإنسانية قديمًا وحديثًا، لبث الثقة في نفوس التلاميذ بأصالة وعمق الفكر الإسلامي، والانتفاع بهذه الجهود الخيرة في المناهج والمقررات الدراسية وحماية المسلمين من المذاهب الفكرية الهدامة" (٣)، ومؤتمر التربية الإِسلامية في عمان المنعقد في المدة من ٢ - ٥ محرم ١٤١١ هـ. ومن قبل مؤتمر مكة المنعقد سنة ١٣٩٧ هـ.
٦ - التعريف برجال الفكر التربوي الإِسلامي في العالم -ومنهم ابن الجوزي- بما لدى المسلمين من رجال تربويين ومن أفكار تربوية.
٧ - الكشف عما سبق ابن الجوزي به الفكر التربوي الحديث فى بعض القضايا.
خامسًا: حدود البحث
إن هذه الدراسة تركز أولًا على مؤلفات ابن الجوزي التي لها صلة بالتربية مباشرة مثل:
١ - اللطائف والطب الروحاني.
٢ - لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.
стр. 30
٣ - صيد الخاطر.
٤ - الأذكياء.
٥ - أخبار الحمقى والمغفلين.
٦ - تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر.
٧ - تلبيس إبليس.
٨ - الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ.
ثانيًا: دارسة كل المؤلفات الأُخرى التي يمكن الحصول عليها، وتحمل بين ثناياها بعض آرائه التربوية، لتكون الدراسة شاملة -قدر المستطاع- لآرائه التربوية.
سادسًا: منهج البحث
إن طبيعة هذه الدراسة هي التي تحدد نوع المنهج المستخدم في سردها وتحليلها وتصنيفها وتبويبها وتقويمها ومقارنتها، ولهذا استخدمت الباحثة حسب طبيعة الموضوع ومتطلبات البحث.
الأول: المنهج التاريخي: لأن الموضوع يرتبط بالماضي ويعتمد على جمع المعلومات والوثائق عن الرجل وعن التراث من أجل الدراسة التاريخية لعصر ابن الجوزي وحياته وبيئته ومؤلفاته، ثم من أجل الوصول إلى آرائه التربوية.
الثاني: المنهج الوصفي ويعتمد على "الدراسة العلمية لظروف المجتمع وحاجاته بقصد تقويم فعلي واقعي للإصلاح" (١) في المرحلة التي عاشها ابن الجوزي، وستستخدم الباحثة هذا المنهج باعتبار أن البحث يتناول بعض الدراسات المعاصرة في واقعنا التعليمي، وفيه ستقوم الباحثة بجمع المعلومات (آراء ابن الجوزي التربوية) ثم تصنيفها وتبويبها وتحليلها.
стр. 31
ومع استخدام هذين المنهجين التاريخي والوصفي، لابد من استخدام الجانب التحليلي الذي يعتمد على تصنيف الآراء التربوية تحت مسماها الطبيعي بطريقة واضحة لا غموض فيها، ثم استخلاص النتائج.
الثالث: المنهج التقويمي: وفي هذا المنهج يتم تقويم آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية لأنهما المعياران الأساسيان لإِسلامية التفكير في المجالات المختلفة.
الرابع: المنهج المقارن: وفيه تقارن الباحثة آراء ابن الجوزي ببعض الآراء المعاصرة، بحيث تستطيع إصدار أحكام خاصة في ضوء نتائج هذه المقارنة بما يخدم هدف البحث، وإبراز خصائص التفكير المعاصر أو تفكير ابن الجوزي.
الخامس: المنهج الاستنباطي: يعرف بأنه الطريقة التي يقوم فيها الباحث ببذل أقصى جهدٍ عقلي ونفسي عند دراسة النصوص بهدف استخراج مبادئ تربوية مدعمة بالأدلة الواضحة من المصدرين الأساسيين في غالب الأمر، وفيه ستقوم الباحثة باستنباط واستخراج المبادئ التربوية وأهم وجوه الاستفادة من آراء ابن الجوزي بعد الدراسة التحليلية لهذه الآراء.
ومن خلال هذه المناهج العلمية المستخدمة في هذه الدراسة يمكن الكشف عن الإطار النظري العام للآراء التربوية لابن الجوزي، وتصنيفها بطريقة يمكن تعميمها وتطبيقها والاستفادة منها في واقعنا التعليمي والتربوي المعاصر.
سابعًا: الخطوات الإجرائية
تمت كتابة أبواب وفصول هذا البحث بناء على الخطوات الآتية:
الخطوة الأولى: بالنسبة لاستخلاص الآراء التربوية تمت كالآتي:
١ - قراءة كتب ابن الجوزي -التي تستطيع الباحثة الوصول إليها- ثم التركيز على الكتب المحتوية على أفكاره التربوية بالدرجة الأولى.
٢ - استخراج الأفكار والمفاهيم التربوية من ثنايا مؤلفاته.
стр. 32
٣ - تصنيف هذه الأفكار المستخرجة في مجموعات حسب فصول الخطة المقترحة.
٤ - ترتيب أفكار كل مجموعة على حدة حسب تسلسلها المنطقي.
٥ - عرض هذه الأفكار وتحليلها تربويًا بطريقة متسلسلة ومترابطة ومتكاملة لتصبح في النهاية كلا موحدا بحيث تعطي فكرة واضحة عن آراء ابن الجوزي التربوية وسيكون التحليل مدعما وموثقًا بالكتابات التربوية المختلفة.
الخطوة الثانية: أما دراسة الآراء التربوية وتقويمها في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فقد تمت خطة السير فيها على النحو الآتي:
١ - البحث عن آرائه التربوية فيما إذا كان يدعمها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية أو لا يدعمها.
٢ - البحث عن الأحاديث التي يستخدمها فيما إذا كانت الأحاديث صحيحة أو موضوعة وهل يخرَّج الأحاديث ويبين مرجعها من كتب السنة أو لا؟ ولهذا ترجع الباحثة إلى كتب السنة بشأن الأحاديث التي استشهد بها، لتعرف حكم أهل الحديث فيما إذا كانت صحيحة أو ضعيفة في متنها أو سندها.
٣ - البحث عن مدى اعتماده على القواعد الأصولية والفقهية في اجتهاده في ضوء القرآن والسنة، ومدى تقيده بضوابط الاجتهاد وقواعده للوصول إلى آرائه التربوية.
الخطوة الثالثة: أما مقارنة آرائه ببعض الآراء التربوية المعاصرة:
فإنه بعد تقويم آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن والسنة، وفي ضوء قواعد الاجتهاد على النحو السابق قامت الباحثة بالآتي:
١ - أعتمد على الآراء التربوية المتفقة مع الكتاب والسنّة والقواعد الأصولية، وأوضح الآراء المخالفة للكتاب والسنّة أو التي لا تتمشى مع قواعد الاجتهاد الأصولي.
٢ - أختار من آرائه الآراء التي يمكن أن تطبق في حياتنا المعاصرة.
стр. 33
٣ - أقرأ بعض كتب التربية المعاصرة والمترجمة، ثم اختار في ضوء هذه القراءة بعض الآراء المعاصرة والمنتشرة المقابلة لآراء ابن الجوزي في الموضوع نفسه.
٤ - أقوم بالمقارنة بينها سواء كانت متفقة أو مخالفة ثم أقوم بتحليلها في ضوء ذلك.
٥ - وفي النهاية أصل إلى أهم أوجه الاتفاق والاختلاف بين آراء ابن الجوزي واتجاهات التربية المعاصرة، ثم أوضح ما أضافه ابن الجوزي من آراء تربوية وما سبق غيره وأهمية هذه الآراء في حياتنا.
ثامنا: مصطلحات البحث
توجد في هذه الدراسة بعض المصطلحات التي لابد من تحديد معناها وهي الآتية:
١ - التربية
معنى التربية من المعاني المعروفة لغويًا واصطلاحيًا، ولها تعريفات كثيرة في الفكر التربوي الإسلامي والغربي، لذلك سأذكر تعريفًا واحدًا من تعريفات المسلمين وواحدًا من تعريفات الغربيين وثالثا من الفكر الإِسلامي المعاصر ثم أذكر التعريف الذي يناسب موضوع هذه الرسالة.
١ - تعريف أحد المسلمين للتربية
تعريف القاضي البيضاوي: "التربية هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا" (١).
وقد علق د. مقداد يالجن على هذا التعريف قائلًا: "يلاحظ على هذا التعريف أنه أعم من شموله على الإِنسان حيث إنه يشمل الإنسان
стр. 34
والحيوان والزراعة حتى بناء أي شيء. كما نلاحظ أنه غير مصبوغ بالصبغة الإِسلامية" (١).
٢ - تعريف أحد الغربيين للتربية
عرف سبنسر التربية بأنها هي: "التي تعد للحياة الكاملة، وتركز في محتوياتها على الخبرات وأنشطة الحياة ذات القيمة الواضحة في الإِعداد للحياة الكاملة" (٢).
الملاحظ على هذا التعريف أن سبنسر ربط التربية بالحياة، وجعل الوظيفة الأساسية للتربية هي الإعداد للحياة الكاملة، وهذا المفهوم غير وافٍ في الفكر الإِسلامي لأنه اقتصر على الحياة الدنيا وأهمل الحياة الآخرة.
٣ - تعريف التربية الإسلامية
عرف د. صبحي طه رشيد إبراهيم التربية الإسلامية بأنها: "تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإِسلام وتعاليمه، بغرض تحقيق أهداف الإِسلام في شتى مجالات الحياة" (٣).
والملاحظ على هذا التعريف أنه أغفل بعض جوانب الشخصية الإسلامية المتكاملة مثل الجانب الاعتقادي والروحي والأخلاقي والإرادي والإبداعي، ولم يؤكد على استمرارية التربية الإسلامية في جميع مراحل النمَو الإنساني، كذلك قصر تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياة الدنيا ولم يربطها بالحياة الآخرة، ولم يحدد الأساليب والطرق التربوية الإِسلامية التي ينبغي مراعاتها عند الإِعداد. لذلك رأت الباحثة
стр. 35
أن تعريف د. مقداد يالجن أنسب التعريفات التي تتناسب مع موضوع هذه الرسالة، ولاسيما أنه يتميز بخصائص أغفلها تعريف د. صبحي، والتعريف يقول: إن التربية الإسلامية هي: "علم إعداد الإنسان المسلم لحياتي الدنيا والآخرة إعدادًا كاملا من الناحية الصحية والعقلية والعلمية والاعتقادية والروحية والأخلاقية والاجتماعية والإرادية والإبداعية في جميع مراحل نموه في ضوء المبادئ والقيم الإِسلامية وفي ضوء أساليب ووسائل وطرق التربية التي بينها الإِسلام" (١).
أما الألفاظ التي استخدمها ابن الجوزي في أقواله فهي كلمة "الرياضة" بمعنى التربية كما في قوله في مواضع عدة نذكر منها على سبيل المثال: "إن الرياضة لا تصلح إلا في نجيب" (٢) وقوله: "الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حال" (٣).
أما اللفظ الثاني والثالث فقد جاءا بمعنى "التأديب" و"التربية" كما في قوله: "ما ينفع تأديب الولد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد، فإنه سبحانه إذا أراد شخصًا رباه من طفولته وهداه إلى الصواب" (٤).
٢ - الفكر
معنى الفكر لغة: "إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، ويطلق بالمعنى العام على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية" (٥).
стр. 36
الفكر التربوي عند ابن الجوزي
هو مجموعة الآراء التي تتعلق بنظام التربية من جميع جوانبه وما يتعلق بها من الوسائل والأساليب لبناء المسلم المتكامل، من خلال مؤلفاته المختلفة.
٣ - الأصالة
معناه اللغوي هو: "امتياز الشيء أو الشخص على غيره بصفات جديدة صادرة عنه، فمعنى الأصالة في الإنسان إبداعه، وفي الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته، والأصالة بهذا المعنى ضد السخف والإسفاف والابتذال وهي أن يأتي المرء بشيء جديد مبتكر لم يسبقه إليه غيره، فإذا قلد غيره أو أتى بشيء مبتذل أو سخيف لم يكن أصيلًا" (١) وهذا ينطبق على الإِسلام لأنه تشريع إلهي لم يُسبَق إليه.
وعلى هذا فمعنى تأصيل التربية:
"توجيه الدراسات التربوية توجيهًا تربويًا إسلاميًا وذلك بإيجاد منهج فكري تربوي يقوم على الأسس الإسلامية وعلى نحو يحقق أهداف التربية الإِسلامية وغايتها" (٢).
٤ - المبدأ
عرف البعض كلمة المبدأ بأنها عبارة "عن فكرة عامة شاملة، تنبثق عنها أفكار فرعية، أو تنظم على ضوئها عمليات تربوية مثل مبدأ رعاية اليتيم، أو مبدأ فرضية التعليم والتعلم وبعض هذه المبادئ يمكن استنباطه من أساليب الرسول ﷺ ، وأساليب القرآن الكريم في التعامل مع النفس
стр. 37
الإنسانية والمجتمع، كمبدأ "التربية الذاتية" ومبدأ "مراعاة الفروق الفردية" (١).
ويمكن تعريفه بأنه، القاعدة العامة التي تبنى عليها آراء وأفكار تربوية جزئية وهي تستخلص من المصادر التشريعية الإسلامية مثل القرآن الكريم والسُّنة واجتهادات العلماء وتجاربهم في ضوئهما.
٥ - الرأي
يعرفه البعض بأنه: "الاعتقاد المحتمل، لا الاعتقاد اليقيني وهو وسط بين الشك واليقين" (٢)، وقد يكون الاعتقاد الجازم حول قضية من القضايا، أو صدق الحكم أو الفكر السديد في مسألة من المسائل العلمية.
معنى آراء ابن الجوزي: هو ما يعتقده من أفكار، يحتمل أن تكون صحيحة أو خاطئة في نظر الآخرين على وفق ما بنى عليه تلك الأفكار، سواء كانت مستخرجة من الكتاب والسنّة أو من أحاديث نبوية قد تكون أحاديث صحيحة أو ضعيفة أو موضوعة، أو من اجتهاداته الشخصية.
٦ - التحليل
وهو "عكس التركيب. وهو إرجاع الكل إلى أجزائه" (٣) وقيل: "التحليل هو عزل أجزاء الشيء بعضها عن بعض" (٤).
كذلك يقصد بالتحليل "تجزئة الكل إلى أجزائه التي يتألف منها، بسيطة كانت أو مركبة، ودراسة كل جزء منها دراسة خاصة به، لمعرفة صفاته وخصائصه، ووظائفه، ثم النظر في وجه ترابط الأجزاء بعضها
стр. 38
ببعض، وأداء كل جزء منها وظيفته الخاصة به، بحسب موضعه من الكل، حتى اجتمع منها الكل فأدى وظيفته الكبرى القائمة على تعاون الأجزاء" (١).
وعلى هذا فمعنى التحليل في هذه الدراسة هو الكشف عن أجزاء المعرفة بطريقة متعمقة وشاملة وبعيدة عن التعقيد والغموض من جميع أطراف الفكرة الواحدة.
٧ - التقويم
معنى التقويم كما وضحه د. محمد مصطفى زيدان هو: "العملية التي يتم بها إصدار حكم على مدى تحقيق العملية التربوية لأهدافها الموضوعة لها" (٢).
وسيستخدم هذا الجانب التقويمي في إصدار حكم على آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة والقواعد الأصولية والفقهية، وضوابط الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لمعرفة مدى مواءمتها روح الإِسلام.
стр. 39
• الفصل الثاني الدراسات السابقة
أولًا: دراسة الباحثة آمنة محمد نصير
ثانيًا: دراسة الباحثة حليمة علي مصطفى أبو رزق
ثالثًا: دراسة الدكتور حسن إبراهيم عبد العال
رابعًا: دراسة الدكتور عبد الرحمن صالح عبد الله
خامسًا: دراسات أخرى ليست لها صلة مباشرة بالموضوع
стр. 40
• الفصل الثاني الدراسات السابقة
لقد قامت الباحثة بعمل استقراء مبدئي لبحوث بعض جامعات المملكة العربية السعودية مثل جامعة أم القرى بمكة المكرمة، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والمركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا بالرياض، ومركز تبويب المعلومات في جامعة البترول والمعادن بالظهران، وحاولت الباحثة أيضا بقدر الإمكان خارج المملكة، وقد استطاعت الباحثة -بتوفيق من الله تعالى- أن تقف على الموضوعات التي عالجت تراث ابن الجوزي بفروعه المختلفة. وكانت نتيجة هذا البحث الوصول إلى العديد من الدراسات التي لها صلة مباشرة بالمجال التربوي، وإلى دراسات أخرى ليست لها صلة مباشرة بالتربية، ولكنها تتعلق بالمجالات الإسلامية المتخصصة التي كتب فيها ابن الجوزي مثل العقيدة، وعلوم القرآن ومصطلح الحديث، والتفسير والتاريخ والوعظ .. إلى غير ذلك.
وستركز الباحثة في عرضها الدراسات السابقة على الدراسات التي لها صلة مباشرة بالمجال التربوي وهو موضوع البحث، وهذا ما أكده الدكتور صالح العساف بقوله: "فالذي يُراجع هو الدراسات العلمية وحدها التي لها علاقة مباشرة بمشكلة البحث ككل أو بجانب من جوانبها. وهذه تشمل: الرسائل العلمية: المنشورة وغير المنشورة؛ والبحوث العلمية: المنشورة وغير المنشورة.
سواء أكان النشر في دورية علمية أم بصورة كتاب مطبوع. أما عدا ذلك من كتب تناولت النظرية، أو تقارير، أو صحف ومجلات، أو