الفكر التربوي عند ابن الجوزي
هو مجموعة الآراء التي تتعلق بنظام التربية من جميع جوانبه وما يتعلق بها من الوسائل والأساليب لبناء المسلم المتكامل، من خلال مؤلفاته المختلفة.
٣ - الأصالة
معناه اللغوي هو: "امتياز الشيء أو الشخص على غيره بصفات جديدة صادرة عنه، فمعنى الأصالة في الإنسان إبداعه، وفي الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته، والأصالة بهذا المعنى ضد السخف والإسفاف والابتذال وهي أن يأتي المرء بشيء جديد مبتكر لم يسبقه إليه غيره، فإذا قلد غيره أو أتى بشيء مبتذل أو سخيف لم يكن أصيلًا" (١) وهذا ينطبق على الإِسلام لأنه تشريع إلهي لم يُسبَق إليه.
وعلى هذا فمعنى تأصيل التربية:
"توجيه الدراسات التربوية توجيهًا تربويًا إسلاميًا وذلك بإيجاد منهج فكري تربوي يقوم على الأسس الإسلامية وعلى نحو يحقق أهداف التربية الإِسلامية وغايتها" (٢).
٤ - المبدأ
عرف البعض كلمة المبدأ بأنها عبارة "عن فكرة عامة شاملة، تنبثق عنها أفكار فرعية، أو تنظم على ضوئها عمليات تربوية مثل مبدأ رعاية اليتيم، أو مبدأ فرضية التعليم والتعلم وبعض هذه المبادئ يمكن استنباطه من أساليب الرسول ﷺ ، وأساليب القرآن الكريم في التعامل مع النفس
стр. 37
الإنسانية والمجتمع، كمبدأ "التربية الذاتية" ومبدأ "مراعاة الفروق الفردية" (١).
ويمكن تعريفه بأنه، القاعدة العامة التي تبنى عليها آراء وأفكار تربوية جزئية وهي تستخلص من المصادر التشريعية الإسلامية مثل القرآن الكريم والسُّنة واجتهادات العلماء وتجاربهم في ضوئهما.
٥ - الرأي
يعرفه البعض بأنه: "الاعتقاد المحتمل، لا الاعتقاد اليقيني وهو وسط بين الشك واليقين" (٢)، وقد يكون الاعتقاد الجازم حول قضية من القضايا، أو صدق الحكم أو الفكر السديد في مسألة من المسائل العلمية.
معنى آراء ابن الجوزي: هو ما يعتقده من أفكار، يحتمل أن تكون صحيحة أو خاطئة في نظر الآخرين على وفق ما بنى عليه تلك الأفكار، سواء كانت مستخرجة من الكتاب والسنّة أو من أحاديث نبوية قد تكون أحاديث صحيحة أو ضعيفة أو موضوعة، أو من اجتهاداته الشخصية.
٦ - التحليل
وهو "عكس التركيب. وهو إرجاع الكل إلى أجزائه" (٣) وقيل: "التحليل هو عزل أجزاء الشيء بعضها عن بعض" (٤).
كذلك يقصد بالتحليل "تجزئة الكل إلى أجزائه التي يتألف منها، بسيطة كانت أو مركبة، ودراسة كل جزء منها دراسة خاصة به، لمعرفة صفاته وخصائصه، ووظائفه، ثم النظر في وجه ترابط الأجزاء بعضها
стр. 38
ببعض، وأداء كل جزء منها وظيفته الخاصة به، بحسب موضعه من الكل، حتى اجتمع منها الكل فأدى وظيفته الكبرى القائمة على تعاون الأجزاء" (١).
وعلى هذا فمعنى التحليل في هذه الدراسة هو الكشف عن أجزاء المعرفة بطريقة متعمقة وشاملة وبعيدة عن التعقيد والغموض من جميع أطراف الفكرة الواحدة.
٧ - التقويم
معنى التقويم كما وضحه د. محمد مصطفى زيدان هو: "العملية التي يتم بها إصدار حكم على مدى تحقيق العملية التربوية لأهدافها الموضوعة لها" (٢).
وسيستخدم هذا الجانب التقويمي في إصدار حكم على آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة والقواعد الأصولية والفقهية، وضوابط الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لمعرفة مدى مواءمتها روح الإِسلام.
стр. 39
• الفصل الثاني الدراسات السابقة
أولًا: دراسة الباحثة آمنة محمد نصير
ثانيًا: دراسة الباحثة حليمة علي مصطفى أبو رزق
ثالثًا: دراسة الدكتور حسن إبراهيم عبد العال
رابعًا: دراسة الدكتور عبد الرحمن صالح عبد الله
خامسًا: دراسات أخرى ليست لها صلة مباشرة بالموضوع
стр. 40
• الفصل الثاني الدراسات السابقة
لقد قامت الباحثة بعمل استقراء مبدئي لبحوث بعض جامعات المملكة العربية السعودية مثل جامعة أم القرى بمكة المكرمة، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والمركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا بالرياض، ومركز تبويب المعلومات في جامعة البترول والمعادن بالظهران، وحاولت الباحثة أيضا بقدر الإمكان خارج المملكة، وقد استطاعت الباحثة -بتوفيق من الله تعالى- أن تقف على الموضوعات التي عالجت تراث ابن الجوزي بفروعه المختلفة. وكانت نتيجة هذا البحث الوصول إلى العديد من الدراسات التي لها صلة مباشرة بالمجال التربوي، وإلى دراسات أخرى ليست لها صلة مباشرة بالتربية، ولكنها تتعلق بالمجالات الإسلامية المتخصصة التي كتب فيها ابن الجوزي مثل العقيدة، وعلوم القرآن ومصطلح الحديث، والتفسير والتاريخ والوعظ .. إلى غير ذلك.
وستركز الباحثة في عرضها الدراسات السابقة على الدراسات التي لها صلة مباشرة بالمجال التربوي وهو موضوع البحث، وهذا ما أكده الدكتور صالح العساف بقوله: "فالذي يُراجع هو الدراسات العلمية وحدها التي لها علاقة مباشرة بمشكلة البحث ككل أو بجانب من جوانبها. وهذه تشمل: الرسائل العلمية: المنشورة وغير المنشورة؛ والبحوث العلمية: المنشورة وغير المنشورة.
سواء أكان النشر في دورية علمية أم بصورة كتاب مطبوع. أما عدا ذلك من كتب تناولت النظرية، أو تقارير، أو صحف ومجلات، أو
стр. 41
أشرطة ومحاضرات، أو خطابات رسمية ومحاضر اجتماعات .. الخ. فيستفيد منها الباحث في توضيحه لأهمية البحث وإطاره النظري، ولكنها ليست دراسات سابقة، إلا إذا كانت فعلًا عبارة عن دراسة علمية ألقيت بمحاضرة عامة، أو سجلت على شريط فتعد حينئذ دراسة سابقة ولكن لا يرجع لها الباحث إلا اضطرارًا كان يتعذر عليه أن يرجع إلى الدراسة مكتوبة" (١). ثم تعرض الباحثة بإيجاز الدراسات التي ليست لها صلة مباشرة بالموضوع، ليكون القارئ على علم بها.
ستركز الباحثة في عرضها الدراسات السابقة على الرسائل العلمية المنشورة وغير المنشورة وعلى الكتب، وهي كالآتي:
أولًا: دراسة الباحثة آمنة محمد نُصير ، وعنوانها: أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية. وهي رسالة دكتوراه في تخصص العقيدة، نشرتها دار الشروق بالقاهرة في طبعتها الأولى عام ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
تتضمن الرسالة ثلاثة أبواب، مقسمة إلى فصول ومنها إلى مباحث، تناولت الباحثة في الباب الأول ترجمة ابن الجوزي من حيث نسبه ومولده ونشأته ودراسة عصره من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأثر ذلك في شخصيته وآرائه الكلامية والأخلاقية. كذلك تحدثت الباحثة عن شيوخ ابن الجوزي وثقافته ومصادرها. وتعرضت لفقه ابن الجوزي وشخصيته الفقهية ومكانته بين الفقهاء ونماذج لفتاويه، كما ذكرت تلاميذه ومؤلفاته.
أما في الباب الثاني فعرضت الباحثة آراء ابن الجوزي الكلامية من حيث مبدأ علم الكلام والظروف التي صاحبت نشأته وتطوره خلال العصور، ونشأة الفرق الكلامية وأساس اختلافها، وأشهر هذه الفرق ولاسيما فرقة الجبرية والقدرية. كذلك تناولت الباحثة علم الكلام من حيث الوجود والوحدانية، والتأويل والصفات والقول، بخلق القرآن،
стр. 42
ومن حيث الإيمان (طبيعته - وموضوعه) والقضاء والقدر. كذلك ناقشت الباحثة رأي ابن الجوزي في العقل وماهيته وحدوده، ووصلت إلى حاجة البشرية إلى الرسل للسير في الطريق الشرعي، ومن الرسل يتم التقليد المحمود على حسب تفاوت المستويات العقلية المختلفة، والتي صنفتها إلى تقليد العامة وتقليد الخاصة.
وقد ناقشت الباحثة في الباب الثالث مفهوم التصوف وتطوره كما يراه ابن الجوزي، وموقفه من الزهد والتصوف والفرق بينهما، ثم موقفه من الإمام الغزالي، ونقده لكتاب إحياء علوم الدين، كما وضحت الباحثة التصوف المشروع كما يراه ابن الجوزي من خلال الالتزام بمنهج الإسلام الصحيح. وتحدثت عن معنى الخُلُق عند ابن الجوزي، وأنواع النفس البشرية وما فيها من فضائل ورذائل وكيفية علاجها، كما تعرضت لبعض آرائه التربوية في تنشئة الأطفال، وسياسة النساء.
أهم النتائج التي أسفر عنها البحث
١ - أثبتت الباحثة ان ابن ناصر هو شيخ ابن الجوزي الأول وليس خاله، وأن أبا القاسم ابن الجوزي ولد قبل عام ٥٧٠ هـ بكثير، وأن المقتول عام ٦٥٦ هـ. هو يوسف ابن الجوزي سفير الخليفة المعتصم.
٢ - أثبتت الباحثة أن كتابه لفتة الكبد قد كتب قبل عام ٥٨٠ هـ. وأن مخطوط الجليس الصالح والأنيس الناصح لسبطه أبي المظفر وليس لابن الجوزي. وأن كتاب تجريد التوحيد المفيد للمقريزي وليس له.
٣ - أثبتت الباحثة أن علوم القرآن والسنة تزود صاحبها بالقدرة على تقويم كل الثقافات ومناقشة مختلف الآراء وهذا ما تميزت به ثقافة ابن الجوزي.
٤ - أثبتت الباحثة أن النظرة الفلسفية إلى الكون والحياة يتسع لها كتاب الله بل يدعو إليها، وقد حصل ابن الجوزي من خلالها أدلته على وجود الله.
٥ - أثبتت الباحثة أن ما حصله ابن الجوزي هو ذات ما حصله الفيلسوف ابن رشد الذي يعاصره في الزمان مع اختلاف المكان، فبان
стр. 43
بذلك مدى ما يصنعه التأثير القرآني من وحدة الفكر بين المؤمنين به مع تباعد الأقطار.
٦ - رأت الباحثة أن الفاصل دقيق بين المشروع والمحظور في علم الكلام حتى لدى أفذاذ العلماء وهو مما أوقع ابن الجوزي في الخوض في التأويل وذهابه فيه إلى المدى الذي أثار ندمه من بعد فوصفه بأنه مقام خطير.
٧ - أثبتت الباحثة أن العقل يتسع لجميع قضايا الإيمان إذا خلا من التقليد والغرور، والعقل يدل على وجود الله، وعلى وجوب بعثة الرسل، وأنه لابد أن يكونوا من البشر.
٨ - استخلصت الباحثة رأي ابن الجوزي في مشكلة القضاء والقدر، وأنه يذهب إلى أن الله خالق العباد وأفعالهم ومجازيهم عليها ولا ظلم في ذلك؛ إذ ليس لمخلوق على الخالق حق يعد سلبه ظلمًا، فالله مالك يتصرف في ملكه ولا يُتصور نسبة الظلم إليه، وأن الحكمة في ذلك تخفى على العقول فعليها بالتسليم.
٩ - بينت الباحثة موقف ابن الجوزي بين العقل والتقليد وتقريره أن العقل له وجوده وماهيته ووظائفه وأنه محدود بقدرة يتعين عليه استعمالها وعدم تجاوزها.
١٠ - بينت الباحثة موقف ابن الجوزي من التصوف ونقده الصوفية والإمام الغزالي.
١١ - بينت الباحثة موقف ابن الجوزي من الأخلاق وأن أساسها الشرع والعقل.
١٢ - منهج ابن الجوزي في اجتناب الهوى هو الاعتدال في كل شيء.
١٣ - منهج ابن الجوزي التربوي يدل على فهم واسع منه.
أوجه الاتفاق:
والذي يبدو من خلال هذا العرض الموجز لموضوعات البحث ونتائجه، أنه رغم تركيزه على الآراء الكلامية والأخلاقية لابن الجوزي،
стр. 44
وهي من الموضوعات التي تتعلق بالعقيدة، والأخلاق، فإنه تعرض لبعض الآراء التربوية والأخلاقية التي بُحثت في هذه الدراسة ولاسيما تربية الأطفال، وهذا يدل على وحدة الفكر الإسلامي وترابطه مهما كانت دقة التخصص الذي يبحث فيه.
أوجه الاختلاف:
والذي يميز موضوع هذه الدراسة أنها في مجال التربية الإسلامية الشاملة لجميع الجوانب المهمة في تربية الإنسان من خلال آراء ابن الجوزي، ولم تقتصر على الجانب الأخلاقي أو تربية الأطفال كما في بحث د. آمنة محمد نصير.
ثانيًا: دراسة الباحثة حليمة علي مصطفى أبو رزق ، وعنوانها: التربية العقلية عند ابن الجوزي وهي رسالة ماجستير في تخصص التربية الإسلامية، غير منشورة، مقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام ١٤٠٧ هـ.
يتضمن البحث ستة فصول، وقد بدأته الباحثة بخطة الدراسة من حيث المقدمة وأهمية الموضوع وسبب اختياره، وتحديد الموضوع وأهدافه ومنهج البحث فيه والدراسات السابقة عليه.
وقد اشتمل الفصل الأول على التعريف بابن الجوزي من حيث مولده ونشأته ومجالسه العلمية وشيوخه وطبيعة العصر الذي عاش فيه من النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية، والتعريف بكتابيه الأذكياء وأخبار الحمقى والمغفلين اللذين ركز فيهما على العقل وما يتعلق به. ثم بينت الباحثة طريقته في معالجة موضوعات الكتابين من حيث استشهاده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والشعر والأدب الرمزي والأحداث التاريخية، ثم قوَّمت منهجه في الكتابين.
أما الفصل الثاني فقد ناقشت فيه معنى العقل في اللغة، والاصطلاح، والقرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم أهم خصائص التربية العقلية المستمدة من الكتاب والسنَّة مثل: الإقرار بوحدانية الله تعالى، والتوازن والوسطية والتفكر في الكون وفي النفس الإنسانية.
стр. 45
وقد خصت الباحثة الفصل الثالث بالعقل عند ابن الجوزي من حيث تعريفه، وثمرات العقل، ودرجاته المرتفعة والمنخفضة، وصفات السلوك الذكي والسلوك الأحمق، وهل الذكاء وكذا الحمق فطري أو مكتسب؟ ثم مقارنة آراء ابن الجوزي بآراء بعض العلماء القدامى والمحدثين كالمحاسبي وابن حبان وجون ديوي، وأخيرًا تقويم مفهوم العقل عند ابن الجوزي في ضوء نظريات العلم الحديث.
أما الفصل الرابع فقد ذكرت فيه الباحثة أهداف التربية العقلية عند ابن الجوزي، وتتمثل في تنمية الإيمان بالله تعالى والعمل بموجبه، وتنمية القيم الإسلامية وإدراك الظواهر الاجتماعية والبعد عن الأسباب التي تؤدي إلى الغفلة مثل النسيان وقلة العلم، وعدم مصاحبة الحمقى والمغفلين، والحسد.
وقد اشتمل الفصل الخامس على نهج ابن الجوزي في تربية العقل باستخدام الترويح عن النفس، والتربية بالقصة والحادثة، والتربية من خلال مراعاة الفروق الفردية، والتربية بالقدوة الحسنة، والتربية بالثواب والعقاب. كذلك بينت الباحثة محتوى المنهاج الذي يصلح لتربية العقل عند ابن الجوزي وهو يشتمل على حفظ القرآن الكريم وتفسيره، وتعلم الأحاديث النبوية والفقه، وتعلم الحساب والخط والآداب والسيرة النبوية.
وقد أسفر البحث عن نتائج عدة منها:
١ - أن ابن الجوزي يهدف من تربية العقل الوصول به إلى الإيمان بالله تعالى.
٢ - أن العقل يختلف عن الذكاء، فالعاقل هو الذي يعقل عن الله أوامره ونواهيه والذكي قد يستعمل ذكاءه في إصلاح نفسه وعقله أو في انحرافه.
٣ - أن ابن الجوزي استخدم أساليب عدة في تربية العقل منها: التربية بالقصة، والحادثة، والقدوة، والثواب والعقاب.
٤ - تعلم العلوم الدينية من أهم العلوم اللازمة لتربية العقل عند ابن الجوزي، حتى يستطيع أن يقوم بالعبادات التي فرضها الله عليه على خير وجه.
стр. 46
٥ - تقسيم ابن الجوزي العقل إلى درجات، والربط بين هذه الدرجات ومقدرة الفرد على التعلم تؤدي إلى مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، وهذه نعمة من الله تعالى على البشر حتى تستمر الحياة، ويكمل الناس بعضهم بعضًا.
٦ - أن ابن الجوزي قسم العقل إلى غريزي ومكتسب.
٧ - أن العقيدة في الإسلام ثابتة والأخلاق الإسلامية ناتجة من هذه العقيدة وهي أيضًا ثابتة.
توصيات الباحثة:
١ - توصي المسؤولين عن وضع المناهج الدراسية بالاهتمام بمحتوى المادة العلمية وربطها بالعقيدة الإسلامية مع مراعاة التوازن بين جميع جوانب الإنسان، والاهتمام بالممارسات العملية وتنمية الاتجاهات الايجابية نحو الدين الإسلامي.
٢ - أهمية أن يكون المعلم قدوة صالحة لطلابه.
٣ - الاهتمام بتقويم النظريات الغربية التي تدرس وذلك وفق المعايير الإسلامية.
٤ - اهتمام التربية بتنمية ذكاء المتعلمين في جميع المراحل التعليمية وفي مختلف فروع المعرفة.
٥ - الاهتمام بتنويع طرق التدريس التي تساعد على تنمية ذكاء المتعلم.
أوجه الاتفاق:
الذي يبدو من خلال هذا العرض الموجز لموضوعات البحث ونتائجه وتوصياته، أنها تركز على تربية الجانب العقلي من خلال كتابين هما كتاب الأذكياء وكتاب أخبار الحمقى والمغفلين، أما هذه الدراسة فهي تشمل معظم الآراء التربوية لابن الجوزي بما فيها الجانب العقلي.
أوجه الاختلاف:
إن هذه الدراسة تشمل معظم الآراء التربوية لابن الجوزي من معظم مؤلفاته، مع الاهتمام بالجانب التقويمي لآراء ابن الجوزي في
стр. 47
ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية والقواعد الأصولية وشروط الاجتهاد، ثم مقارنة بعض هذه الآراء ببعض الآراء والاتجاهات التربوية المعاصرة لابن الجوزي واتجاهات العصر الحاضر، وأخيرًا استخلاص أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها في تعليمنا وتربيتنا المعاصرة لتأصيل التربية إسلاميًا، وطريقة اجتهادات ابن الجوزي التربوية في ضوء شروط الاجتهاد وضوابطه، ومعرفة كيفية الاستفادة منها في إعداد التربوي الإسلامي المعاصر.
ثالثًا: دراسة الدكتور حسن إبراهيم عبد العال ، وعنوانها: الفكر التربوي عند الإمام أبي الفرج ابن الجوزي. وهو بحث نشره مكتب التربية العربي لدول الخليج في سلسلة "من أعلام التربية العربية الإسلامية" المجلد الثالث عام ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م، ص ٩٧ - ١٣٧.
وقد تضمنت هذه الدراسة نبذة موجزة عن حياة ابن الجوزي من حيث نسبه ومولده، ودراسته وشيوخه، وعن حياته، واعظًا ومحدثًا ومؤرخًا، وقد ذكر مؤلفاته وصفاته وشمائله، وأخيرًا محنته ووفاته.
وقد ركزت هذه الدراسة على الطبيعة الإنسانية في فكر ابن الجوزي من حيث مكانة الإنسان في الكون وتفضيله على كثير من المخلوقات، ومن حيث كونه مخلوقًا مكلفًا. كذلك تناولت الدراسة مكونات الطبيعة الإنسانية عند ابن الجوزي على أنها كل متكامل من حيث الجسم والعقل والنفس، فذكر في الجسم أهمية إشباع دافع الجوع والعطش، والحاجة إلى الراحة والنوم، وإشباع الدافع الجنسي، وحتى تتم العناية بالجسم لابد من تناول الغذاء المناسب، ومراعاة النظافة والتزام قواعد الصحة العامة.
ثم ناقش موضوع العقل من حيث شرفه وفضله ومعانيه عند ابن الجوزي الذي حدد لها معان عدة منها:
العقل الغريزي، والعقل الضروري، والعقل بمعنى العلوم المستفاده من التجارب، والعقل المستفاد. ثم ذكر د. حسن عبد العال حدود العقل عند ابن الجوزي. وأخيرًا ذكر معنى النفس وصلتها بالبدن وماهية النفس وطبيعتها الموجودة وخلودها، ولم يحدد الباحث نتائج أو توصيات في هذه الدراسة الموجزة.
стр. 48
أوجه الاتفاق:
الآراء التربوية في الطبيعة الإنسانية في نظر ابن الجوزي، والتي تعرض لها د. حسن عبد العال في هذه الدراسة، هي -تقريبًا- الآراء نفسها التي بُحثت في هذه الرسالة، يضاف إلى ذلك أن هذه الدراسة شملت معظم الآراء التربوية لابن الجوزي ولم تقصرها على الطبيعة الإنسانية فقط.
أوجه الاختلاف:
تتضح أوجه الاختلاف من خلال العرض الموجز لطبيعة النفس الإنسانية، لأن دراسة د. حسن عبارة عن بحث قصير، أما هذه الدراسة فقد ركزت على الكثير من الموضوعات التربوية. كما أن دراسة د. حسن لم تتناول موضوع تقويم آراء ابن الجوزي التربوي كما ذكرتُ ذلك في الدراسة الثانية.
رابعًا: دراسة الدكتور عبد الرحمن صالح عبد الله ، وعنوانها: ابن الجوزي وتربية العقل، وهو مؤلف نشرته شركة مكة للطباعة والنشر في مكة المكرمة، صدرت طبعته الأولى عام ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م. وهذه الدراسة تهدف إلى التعريف بالتربية العقلية عند ابن الجوزي، وقد بدأها بذكر نبذة عن حياة ابن الجوزي وبعض الملامح العامة عن عصره، ثم ذكر أهمية العقل في الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، وتعريفًا موجزًا لكتاب الأذكياء، وكتاب أخبار الحمقى والمغفلين ومنها استخرج مفهوم العقل والذكاء والحمق عند ابن الجوزي، ثم ماهية العلاقة بين العقل والذكاء في نظره، وأخيرًا تقويم آراء ابن الجوزي.
أوجه الاتفاق:
إن هذا المؤلف يركز على إبراز الجانب العقلي عند ابن الجوزي من خلال كتاب الأذكياء، وكتاب أخبار الحمقى والمغفلين فقط.
أوجه الاختلاف:
هي أوجه الاختلاف نفسها الواردة في الحديث عن الدراسة الثانية، رغم أن الباحث قام بتقويم آراء ابن الجوزي بطريقة موجزة جدًا
стр. 49
وليست مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقواعد الأصولية كما فعلت هذه الدراسة.
خامسًا: دراسات أخرى ليست لها صلة مباشرة بالموضوع
وهذه الدراسات ذكرت للعلم بها وهي الآتية:
١ - دراسة الباحث أحمد عطية الزهراني، وعنوانها: ابن الجوزي بين التأويل والتفويض وهي رسالة ماجستير في تخصص العقيدة، غير منشورة، مقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام ١٣٩٦ هـ.
٢ - دراسة الباحث أحمد عبد الله العماري الزهراني، وعنوانها إعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه، وهي رسالة ماجستير، مقدمة إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة عام ١٣٩٨ هـ.
٣ - دراسة الباحث عبد القادر منصور منصور، وعنوانها: تذكرة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي الفرج بن الجوزي. وهي رسالة ماجستير في التفسير مقدمة إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٩ - ١٤٠٠ هـ.
٤ - دراسة الباحثة ناجية عبد الله إبراهيم، وعنوانها: المصباح المستضيء لابن الجوزي وهي رسالة ماجستير، مقدمة إلى جامعة بغداد، كلية الآداب.
٥ - دراسة الباحث عبد الرحيم بن أحمد الطحان، وعنوانها: منهج ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير. وهي رسالة دكتوراه في التفسير وعلومه، مقدمة إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.
٦ - دراسة الباحث عوض السميري، وعنوانها: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. وهي رسالة دكتوراه في التاريخ، مقدمة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، كلية العلوم الاجتماعية عام ١٤٠٦ هـ.
٧ - دراسة الباحث علي جميل مهنّا، وعنوانها: ابن الجوزي ومقاماته الأدبية. وهي رسالة دكتوراه، مقدمة إلى جامعة الأزهر - كلية اللغة العربية عام ١٩٧٦ م.
стр. 50
٨ - دراسة الباحث سوارتز ميرلن لوري، وعنوانها: دراسة عن حياة وأعمال ابن الجوزي كواعظ. وهي رسالة دكتوراه، مقدمة من جامعة هارفارد عام ١٩٦٧ م. باللغة الانكليزية.
٩ - دراسة الباحث جبور جبرائيل، وعنوانها: كتاب عن فضائل القدس للشيخ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي يرحمه الله. وهي رسالة دكتوراه، مقدمة من جامعة برنستون عام ١٩٤٧ م. باللغة الانكليزية.
١٠ - دراسة الدكتور نور الدين بوياجلار، وعنوانها: أبو الفرج ابن الجوزي ومنهجه في الحديث. وهي رسالة دكتوراه، مقدمة إلى كلية الإلهيات - قسم الحديث بجامعة أنقرة عام ١٩٧٨ م.
стр. 51
الباب الثاني ابن الجوزي عصره وحياته وآثاره
• الفصل الأول: عصر ابن الجوزي من الناحية العلمية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية
• الفصل الثاني: اسمه ونسبه وولادته ونشأته
• الفصل الثالث: حياته العلمية ومؤلفاته
• الفصل الرابع: تأثره وتأثيره ومكانته العلمية والتربوية
стр. 52
• الفصل الأول عصر ابن الجوزي من الناحية العلمية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية
أولًا: عصر ابن الجوزي من الناحية العلمية
ثانيًا: عصر ابن الجوزي من الناحية السياسية
ثالثًا: عصر ابن الجوزي من الناحية الأخلاقية
رابعًا: عصر ابن الجوزي من الناحية الاجتماعية
خامسًا: عصر ابن الجوزي من الناحية الاقتصادية
стр. 53
• الفصل الأول عصر ابن الجوزي من الناحية العلمية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية
أولًا: عصر ابن الجوزي من الناحية العلمية
تميزت الفترة التي عاشها ابن الجوزي من سنة ٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ، بوجود اتجاهين متضادين -نتيجة للظروف السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية- وهذان الاتجاهان يتمثلان فيما يأتي:
١ - "اتجاه إلى كبت الفكر وطمس المعرفة والضيق بكل رأي مبناه العلم والحقيقة.
٢ - واتجاه نقيض له يفتح الطريق أمام الثقافات على اختلافها ويعطي كل ذي رأي فرصة إظهار رأيه والدفاع عنه" (١).
ويؤيد الاتجاه الأول ما ظهر من بعض الخلفاء وما حدّث عنه ابن الجوزي من منع الناس من قراءة الحديث (٢)، ومن اضطهاد الفقهاء وضربهم ونفيهم من الدار (٣)، ومن منع الوعاظ من الوعظ والإرشاد (٤).
стр. 54
أما الذي يؤيد الاتجاه الثاني فهو ما ظهر من اهتمام الخلفاء بالعلم والعلماء، ومنهم المستنجد بالله (١) الذي كان صاحب نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والاسطرلاب (٢)، وكذلك الخليفة المستضيء بأمر الله (٣) الذي كان يحضر مجالس ابن الجوزي الوعظية من وراء الستر، والذي أهدى إليه ابن الجوزي كتابه النصر على مصر (٤)، والخليفة المقتفي لأمر الله (٥) الذي "كان في أول أمره متشاغلًا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن" (٦).
وتميز بعض وزراء ذلك العهد بالعلم والتأليف مثل الوزير "أبي المظفر بن هبيرة الذي قرأ بالقراءات، وسمع الحديث الكثير، وكانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض والفقه، وصنف في تلك العلوم،
стр. 55
وكان متشددًا في اتباع السنة وسير السلف" (١) وله مؤلفات قيمة منها كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح في مجلدات عدة، وكتاب في النحو سماه المقتصد وكتاب العبادات الخمس على مذهب الإمام أحمد ﵀ (٢).
كما كانت تلك الفترة غنية بالمكتبات الخاصة والعامة، وقد ساعدت على انتشار العلم، وقد ذكر ابن الجوزي "ثمان وثلاثين مكتبة" (٣) في كتابه المنتظم، وهي تشمل المكتبات العامة والخاصة والملحقة بالمدارس والمؤسسات الاجتماعية في بغداد. وقد بلغ عدد الكتب في المدرسة النظامية "نحو ستة آلاف مجلد" (٤). وهذا يدل على ثراء المكتبات بالمؤلفات العلمية.
كذلك قامت الجوامع الإسلامية بمهمة العلم والتعليم، ومن أهمها جامع المنصور (٥) وجامع القصر (٦) وجامع نيسابور (٧) وجامع الترمذي (٨).
يضاف إلى ذلك انتشار المدارس التعليمية على المذاهب الأربعة، من هذه المدارس المدرسة النظامية (٩)، التي بناها الوزير السلجوقي نظام
стр. 56
الملك، "والمدرسة التي بناها صاحب المخزن بباب العامة" (١) "المدرسة التي بناها ابن الأبري بباب الأزج" (٢) والمدرسة التتشية على شاطئ دجلة بباب الأزج" (٣)، و"مدرسة ابن الجوزي بدرب دينار" (٤) إلي غير ذلك من المدارس.
وقد تميزت تلك الفترة بوجود عدد كبير من العلماء الذين عُرفوا بتبحرهم في العلوم المختلفة، وبكثرة مؤلفاتهم القيمة، منهم على سبيل المثال: أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام وأبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي (٥)، وأحمد بن محمد الدينوري صاحب كتاب التحقيق في مسائل التعليق (٦) وموهوب بن أحمد الجواليقي (٧) الذي صنف كتاب أدب الكاتب وكتاب المعرب وتتمة درة الغواص للحريري.
وقد تميزت هذه الفترة بكثرة الاتجاهات الفكرية، التي كانت نتيجة طبيعية للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية المتقلبة، وما
стр. 57
سببته تلك الاتجاهات للمجتمع العباسي من فوضى أو بلبلة أو تناقض.
ومن أبرز هذه الاتجاهات، الاتجاه المذهبي المتمثل في التعصب للمذهب الحنبلي، الذي وجد دعمًا وتشجيعًا من بعض خلفاء الدولة العباسية مثل المستضيء بأمر الله (١). ومن الكثير من العلماء منهم ابن الجوزي الذي كان معتدلا في تمسكه بهذا المذهب، كذلك ذكر ابن الجوزي ظهور "أقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون بالمذاهب" (٢)، ومن هؤلاء فرقة الشيعة التي قال عنها "وظهر في هذه الأيام من الروافض أمر عظيم من ذكر الصحابة وسبهم وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحول العين ضربوه" (٣)، ثم تجدد الخلاف بين السنة والشيعة بعد موت محمود بن زنكي (٤).
كما كانت فرقة الباطنية من الفرق التي هددت السلطة وعامة الناس بما كانت ترتكبه من قتل وسرقة وغيرها من أعمال الرعب (٥).
ولم يخل المجتمع العباسي "من شرّ اليهود وما سببوه من فتن واضطرابات وفوضى بين الناس" (٦).
ونتيجة لشيوع الفرق والمذاهب المختلفة، وازدياد الترف الحضاري، وُجدت فرقة المتصوفة التي نقدها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس.
стр. 58
ثانيًا: عصر ابن الجوزي من الناحية السياسية
عايش ابن الجوزي فترة طويلة من الخلافة العباسية تمتد من سنة ٥١٠ هـ إلى سنة ٥٩٧ هـ ابتداء من خلافة المستظهر بالله حتى بداية خلافة الناصر لدين الله أحمد.
فقد عاصر فترة حكم كل من المستظهر بالله (٤٧٠ - ٥١٢ هـ) (١) والمسترشد بالله أبي منصور (٤٨٥ هـ- ٥٢٩ م) (٢)، والراشد بالله أبي جعفر (٥٠٢ هـ- ٥٣٢ هـ) (٣).
والمقتفي لأمر الله (٤٨٩ هـ- ٥٥٥ هـ) والمستنجد بالله المظفر (٥١٨ هـ - ٥٦٦ هـ) والمستضئ بأمر الله (٥٣٦ هـ- ٥٧٥ هـ) والناصر لدين الله أحمد (٥٥٣ هـ-٦٢٢ هـ) (٤).
стр. 59
ومع تعدد الخلفاء .. تنوعت الأحداث السياسية ما بين قوة وضعف، وعدالة وظلم، واضطراب واستقرار، فمن عهد المستظهر بالله "الذي كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب، وفيها أخذت الروم بلنسية ثم جاءت الفرنج فأخذوا نيقية حتى وصلوا إلى كفرطاب واستباحوا تلك النواحي (١). ولم يكتفوا بذلك حتى استولوا على "بيت المقدس وقتلوا فيه ما يزيد على سبعين ألف مسلم" (٢)، كما أخذوا مدينة طرابلس بعد حصار طويل، "وكان قد عظم بلاء المسلمين بالفرنج وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام، فطلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج وصالحوهم بألوف الدنانير الكثيرة، فهادنوهم ثم غدروا" (٣)، ثم بعد ذلك استقرت الخلافة للمسترشد الذي كانت "أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك" (٤)، كما زادت الحروب الشديدة بين سلاطين السلاجقة، إلى أن "سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة وملكوها وقتلوا من أهلها خلقا، فسار إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أرتق في جيش كثيف فهزمهم ولحقهم إلى جبل قد تحصنوا به، فقتل منهم هنالك مقتلة عظيمة ولم يفلت منهم إلا اليسير" (٥).
وكان مذهب الباطنية منتشرًا في عهد هذين الخليفتين، حتى إن وفاة المسترشد كانت بسبب خلاف بينه وبين السلطان السلجوقي مسعود الذي "دس له عشرة من الباطنية قتلوه" (٦)، ثم تولى بعده الخليفة الراشد بالله الذي خُلع بعد سنة من توليه الحكم بعد وفاة أبيه المسترشد وذلك "لما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج الراشد إلى الموصل، فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضرًا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر، واستفتوا
стр. 60
الفقهاء فيمن فعل ذلك: هل تصح إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه؟ فأفتوا بجواز خلعه، وحكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولُقب المقتفي لأمر الله" (١).
"وقد تمكن الخليفة المقتفي من الحكم، وزادت حرمته، وعلت كلمته، وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية، وفي أيامه عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق له منازع" (٢)، كما كتب "المقتفي عهدًا لنور الدين زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولًا بحرب الفرنج، وهو لا يفتر عن الجهاد، وكان قد ملك دمشق في صفر من هذا العام -سنة تسع وأربعين- وملك قلاع وحصون عدة بالسيف والأمان من بلاد الروم، وعظمت ممالكه وبَعُد صيته، فبعث إليه المقتفي تقليدًا وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه "بالملك العادل" وعظم سلطان المقتفي، واشتدت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلو إلى أن مات سنة ٥٥٥ هـ" (٣)، ثم بويع لابنه المستنجد بالله "في يوم موت أبيه، وكان موصوفًا بالعدل والرفق، أطلق من المكوس شيئًا كثيرًا بحيث لم يترك بالعراق مكسًا، وكان شديدًا على المفسدين" (٤) وفي عهده زادت الحروب بين المسلمين والفرنج واستطاع نور الدين زنكي إخراجهم من مصر (٥) وغيرها من الدول، "ويقال إن المستنجد توفي مريضًا" (٦)، ثم خلفه ابنه المستضيء الذي بدأ عهده "برفع المكوس وردّ المظالم وإشاعة العدل والكرم، كما أذن للوعاظ بعد أن كانوا منعوا مدة، وفرق مالًا عظيمًا على الهاشميين والعلويين والعلماء والأربطة" (٧). "وفي خلافته انقضت
стр. 61
دولة بني عُبيد" (١) واستمر الأيوبيون في قمع انتشار الفرنجة في الدولة الإسلامية.
ويعتبر الناصر لدين الله الذي تولى الحكم بعد أبيه المستضيء، آخر الخلفاء الذين عاصرهم ابن الجوزي، وكانت "مدة حياته في عز وجلالة، وقمع الأعداء، واستظهار على الملوك، ولم يجد ضيمًا، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دفعه، وكان شديد الاهتمام بمصالح الملك، ولا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم، وكان قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيا بهيبته الخلافة، وكانت (الخلافة) قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته" (٢).
ومجمل القول أن القرن السادس الهجري كان صورة صادقة عن ضعف الدولة العباسية من حيث زوال هيبة الخلافة وتعدد الخلفاء وتناحرهم وتفشي الفرق الباطنية ووقوع المقدسات الإسلامية في يد الصليبيين ثم تحررها على يد صلاح الدين الأيوبي.
موقف ابن الجوزي من تلك الأحداث السياسية:
عاصر ابن الجوزي تلك الأحداث السياسية بقوتها وضعفها .. حروبها وسلمها .. فما موقفه منها؟
ومن خلال استعراضنا أهم الأحداث السياسية التي عاصرها ابن الجوزي في مدة حياته، لم يتضح لنا موقفه تمامًا فيما سبق عرضه، ولكن من خلال كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم نلاحظ الآتي:
١ - علاقة ابن الجوزي بهؤلاء الخلفاء كانت طيبة وعلى الأخص بالمستضيء الذي أهدى إليه ابن الجوزي كتابيه المصباح المضيء في دولة المستضيء وكتاب النصر على مصر.
٢ - كان له دور في محاربة البدع، إما عن طريق الكتابة أو مجالس
стр. 62
الوعظ وفي ذلك يقول "وكان الرفض في هذه الأيام قد كثر فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين المستضيء إن لم تقو يدي ابن الجوزي لم تطق على دفع البدع، فكتب أمير المؤمنين بتقوية يدي" (١).
٣ - اكتفى ابن الجوزي بسرد الأحداث السياسية كما هي دون نقد أو تمحيص أو حتى محاولة بيان النواحي الطيبة أو السيئة في المجتمع، ما عدا نقده للمتصوفين. كما أنه لم يتفاعل مع أحداث عصره بالفرح أو الحزن من دخول الصليبيين أو خروجهم من الدولة الإسلامية بل سرد الأحداث سردًا عاديًا، وهذه النقطة أثارت استغراب الدكتور الصباغ الذي تساءل قائلًا: "لماذا لم يطرق ابن الجوزي موضوع الحرب الصليبية؟ علمًا أن مدة حياة ابن الجوزي كانت في أيام الحروب الصليبية، فكنت أنتظر من هذا الرجل أن يعالج هذا الخطب الجلل في موضوعاته الوعظية، ومؤلفاته العديدة، غير أنني لم أجد أنه وفى هذا الموضوع حقه .. بل لم يطرقه ولو طرقًا خفيًا. ولا أدعي أن الرجل لم يتكلم في الجهاد ولا أنه لم يبين ضلال النصارى وعداوتهم للإسلام .. لكن الذي أريد أن أقرره أن من يتصل بالناس كثيرًا عن طريق الوعظ يجب أن يلمس أثر الواقع المؤلم الذي يحياه الناس في كلامه ونصحه، وهذا الذي لم أحس به وأنا أقرأ في كتبه وآثاره من زمن بعيد، وربما كانت هناك أوضاع سياسية معينة تمنع من الكلام، لكن الأثر كان يظهر على الرغم من المنع، لو أن هذا الواقع والألم منه سيطر على المتكلم سيطرة تامة -نقول هذا- ونحن نمر اليوم في وضع مشابه وتغيب سحائب الألم وزفرات الحسرة في كتابة كثير من الكتاب المعاصرين" (٢).
ثالثًا: عصر ابن الجوزي من الناحية الأخلاقية
نتيجة تعدد الخلفاء، وكثرة الحروب، والفتن والاضطرابات،
стр. 63
اختلفت الظواهر الأخلاقية في المجتمع، ما بين الأمن والاستقرار النسبي عند بعض الخلفاء، وانتشار الفساد بأنواعه من ظلم ورشوة وخمر وسلب ونهب عند بعضهم الآخر. والمظاهر الأخلاقية الموجودة في المجتمع، كانت نتيجة أسباب عدة منها: الاضطراب السياسي والحروب بين السلاطين، وما يترتب عليه من فوضى وفساد كما حدث عندما "قدم السلطان مسعود (١) في ربيع الآخر من سنة (٥٣٨ هـ)، فنزل أصحابه في دور الناس وتضاعف فساد العيارين (٢) بدخوله، وكثرت الكبسات والاستقفاء نهارًا ونقل الناس رحالهم إلى دار الخلافة وباب المراتب، وكان اللصوص يمشون بثياب التجار في النهار فلا يعرفهم الإنسان حتى يأخذوه" (٣).
كذلك احتفال سلاطين السلاجقة بأفراحهم، كان عاملًا من عوامل انتشار الفساد كما حدث في زواج السلطان مسعود من ابنة دبيس، عندما أمر وزيره "بأن تعلق بغداد سبعة أيام .. فظهر بالتعاليق فساد عظيم، بضرب الطبول والزمور والحكايات وشرب الخمر ظاهرًا" (٤)، وكما حدث في الاحتفال بقدوم المولود، "عندما ولدت ابنة دبيس للسلطان مسعود ولدًا ذكرًا فعلقت بغداد، وأخذ الناس في اللعب سبعة
стр. 64
أيام ثم ظهر المفسدون، وأخذت أموال الناس (١).
ولم يقف الأمر عند السلاطين بل تعداه إلى القضاة الذين كانوا يأخذون الرشوة، ومنهم "ابن المرخم الذي كان قاضيًا وكان بئس الحاكم يأخذ الرشا" (٢)، كما زاد القتل بين الناس فقد "جيء بصبي صغير مقتولًا ومعه صبي آخر فأقر أنه قتله بمنجل كان معه بسبب حلقة أخذها من أذنه فاخذت منه الحلقة وقتل" (٣).
حتى النساء ساهمن في نشر الفساد، فقد أقدمت "أربع نسوة في الأسواق على بقر السقائين مسودات الوجوه لأنهن شربن المسكر في الشط مع الرجال" (٤).
وهكذا انتشرت الفوضى والتسيب الخلقي نتيجة أمور كثيرة سبق ذكرها، وزادت حدتها مع "عودة الجبايات على الناس. بعنف وشدة وظلم" (٥) بالإضافة إلى شدة وطأة عسكر السلطان الذين كانوا يستغلون الاضطرابات السياسية والحروب والفتن في "السلب والنهب والقتل" (٦).
رابعًا: عصر ابن الجوزي من الناحية الاجتماعية
عايش ابن الجوزي ظواهر طبيعية متعددة أثرت في الأوضاع الاجتماعية، من هذه الظواهر الطبيعية أنه حصلت "زلزلة عظيمة" (٧) و"هبت ريح شديدة قصفت النخل والشجر" (٨) ولم يأت مطر إلا قطرات لا تبل الأرض وأشرفت المواشي على العطب من قلة العشب وظهر بالناس علة انتفاخ الحلق، فمات به خلق كثير وغارت المياه من الأنهار
стр. 65
والآبار" (١)، ونتيجة هذه الظواهر الطبيعية "وقع الغلاء والقحط" (٢) و"مات الناس جوعًا حتى أكلوا الكلاب" (٣)، بينما بالغ السلاطين والوزراء في الترف والبذخ إلى حد الإسراف والمجاهرة بالمنكرات كما حدث عندما "ولدت ابنة قاروت من السلطان مسعود ولدًا ذكرًا فعلقت بغداد وظهرت المنكرات" (٤). فاحتج بعضهم مثل الزاهد ابن الكواز على ذلك قائلا "إن أزلتم هذا وإلا بتنا في الجوامع وشكونا إلى الله تعالى فحطوا التعاليق فمات الولد" (٥). كذلك كانت لهم مظاهر اجتماعية مختلفة في احتفالات الزواج والولادة والختان وفي الاحتفال بالخليفة الجديد. وقد جرت العادة عند تنصيب الخليفة "نثر الدنانير" (٦) وإقامة الولائم "عند الختان" (٧) وغلق الأسواق "عند الموت" (٨).
ومما سبق نرى أن الظواهر الطبيعية وما نتج منها من المجاعة والأمراض وإسراف الطبقات المترفة في المجتمع، وما نتج عنه من الفوضى والفساد، بالإضافة إلى تقديس العادات والتقاليد الموجودة في المجتمع، كل ذلك أدى إلى عدم استقرار الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد، كما أدى إلى وجود الطبقية (٩) بين الأفراد، فالطبقات الخاصة وقوامها الخلفاء والأمراء والقادة والوزراء، والطبقات العامة تضم العلماء والصنّاع والكسبة والتجار والمفسدين في المجتمع كفئة العيارين، الذين كثر فسادهم "ففتكوا وقتلوا ودخلوا إلى دكاكين البزازين يطالبونهم بالذهب ويتهددونهم بالقتل" (١٠)، كذلك ساعدت هذه الأوضاع
стр. 66
الاجتماعية المختلفة على وجود فرقة المتصوفة التي اتسمت بالعزلة والانغلاق كرد فعل للترف والفساد الحضاري، كما استغلت هذه الأوضاع فرقة الباطنية التي قتلت وسفكت الدماء.
خامسًا: عصر ابن الجوزي من الناحية الاقتصادية
صحب الظواهر الطبيعية الحادثة في المجتمع ارتفاع وانخفاض في أسعار المواد الغذائية، مما أثر على المستوى الاقتصادي للأفراد، فأدى إلى وجود الطبقية في المجتمع، والذي أدى بدوره إلى وجود فئة العيارين والشطار الذين أعلنوا سخطهم على تركز الثروة الهائلة في يد فئة معينة، فاستغلوا هذه الأوضاع وقاموا بالسلب والنهب والقتل (١) طمعًا في الثراء السريع.
كما كانت الضرائب تشكل جانبًا من موارد الدولة الرئيسية، فقد كانت تفرض (٢) أو تخفف أو تلغى (٣) وفقًا لاتجاه كل خليفة والظروف المحيطة به، فمثلًا الخليفة المقتفي لأمر الله كان محتجًا على فرض الضرائب وأخذِ أموال الناس من غير وجه، وقد عبر عن رأيه ذلك للسلطان مسعود عندما تولى الحكم "وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلّمها" (٤)، والبعض الآخر كان متشددًا في فرض الضرائب لدرجة أنه يجعل أشخاصًا يطوفون "بالألواح التي نقش عليها ترك المكس" (٥) في الأسواق وضربت بين يديها الدبابات والبوقات" (٦).
стр. 67
ونتيجة تذبذب الأسعار بين ارتفاع وانخفاض، وتفاوت الطبقات الاجتماعية ومستواها الاقتصادي، والضرائب وويلاتها، أدى ذلك إلى انتشار الفوضى الخلقية بشتى صورها، والظلم وما لحقه من طغيان واستبداد، والفقر وما نتج منه من سلب ونهب وقتل لتأمين الضروريات.
وهكذا فإن جميع الأوضاع السياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية المتغيرة أدت إلى ضعف الدولة العباسية وتمزق وحدتها الإسلامية، وتشتت أفرادها وذهاب هيبتها وتكالب القوى الصليبية عليها.
стр. 68
• الفصل الثاني اسمه ونسبه وولادته ونشأته الأُولى
أولًا: اسمه ونسبه وولادته
ثانيًا: نشأته الأولى
стр. 69
أولًا: اسمه ونسبه وولادته
" جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي" (١).
ولادته:
ولد ابن الجوزي في "درب حبيب" (٢) ببغداد. وقد اختلفت رواية المؤرخين في تحديد وقت ولادته فمنهم من قال "ولد تقريبًا سنة (٥٠٨ هـ) أو (٥١٠ هـ) " (٣) وقيل سنة تسع. "ووجد بخطه: لا أحقق مولدي، غير أنه مات والدي في سنة أربع عشرة، وقالت الوالدة: كان لك من العمر
стр. 70
نحو ثلاث سنين. فعلى هذا يكون مولده سنة إحدى عشر أو اثنتي عشرة" (١)، إلا أن أغلب المؤرخين رجحوا ولادته في "سنة (٥١٠ هـ) " (٢).
كما اختلف في سبب نسبته الجوزي فقيل "عرف جدهم بالجوزي بجوزة (٣) كانت في داره بواسط لم يكن بواسط جوزة سواها" (٤)، "وقال المنذري: هو نسبة إلى موضع يقال له فرضة الجوز، وذكر الشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش: أنه منسوب إلى محلة بالبصرة تسمى محلة الجوز" (٥).
ثانيًا: نشأته الأُولى
نشأ ابن الجوزي يتيمًا، فقد "مات أبوه وعمره ثلاث سنين" (٦) وأمه لم تلتفت (٧) إلى تربيته وتوجيهه، وإنما قامت بذلك عمته التي أرسلته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ (٨) ليتلقى جميع العلوم منه ومن
стр. 71
غيره من الشيوخ.
وعلى الرغم من أنه كان يتيمًا مبكرًا، إلا أنه عاش مرفهًا، فقد قال عن نفسه "وقد ربيت فى نعيمها وغذيت بلبانها، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة" (١)، وهذا الترف ناتج من أن أباه كان "موسرًا وخلف ألوفًا من المال" (٢) جعلته كما ذكر "لا يذل في طلب العلم قط ولا يخرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ، ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئا قط " (٣). والغالب على تنشئة ابن الجوزي التدين ذلك أنه كان "صبيًا ديِّنًا مجموعًا على نفسه لا يخالط أحدًا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان" (٤) كما ذكر عن نفسه قائلًا "فما أذكر أني لعبت في طريق الصبيان قط ولا ضحكت ضحكًا عاليًا" (٥). وكانت اهتماماته الأولية مركزة على طلب العلم، كما عبر عن ذلك بقوله "وكان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءًا وأقعد حجزة من الناس إلى جانب الرقة فأتشاغل بالعلم" (٦)، وقد ظهرت علامات النبوغ وحبه للعلم في وقت مبكر، فقد "رُزق عقلًا وافرًا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ" (٧) يضاف إلى ذلك أن الله تعالى "حبب إليه العلم من زمن طفولته فتشاغل به" (٨)، وتلقى العلم على عدد كبير من المشايخ، ذكر منهم قائلًا "وسمعت من أبي بكر الدينوري (٩) الفقه وعلى أبي منصور الجواليقي (١٠) اللغة وتتبعت
стр. 72
مشايخ الحديث وانقطعت مجالس أبي علي ابن الراذاني (١)، وقد تلقى العلم في حلقات المسجد فكان يقول "ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر ﵀، وكان يحملني إلى الشيوخ فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت فناولني ثبتها ولازمته إلى أن توفي ﵀، فنلت منه معرفة الحديث والنقل" (٢). وقد حفظ القرآن وقرأه على جماعة من القراء بالروايات وسمع بنفسه الكثير وعني بالطلب في جميع الفنون وألف فيها" (٣)، وقد أمضى ابن الجوزي عهد صباه وشبابه في طلب العلم، ولقي في سبيل الحصول عليه الكثير من المصاعب والشدائد، التي جعلته يحس بحلاوة الطلب ومتعة العلم، فكان يخرج إلى نهر عيسى ومعه أرغفة يابسة لا يقدر على أكلها إلا بالماء، فهو يقول "فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول ﷺ وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم" (٤) وقد أمضى فترة شبابه في الوعظ الذي تمرس فيه من صغره "وقد فاق فيه الأقران" (٥)، ثم حصلت له
стр. 73
في شبابه من "الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط وحضر مجالسه ملوك ووزراء بل وخلفاء من وراء الستر، ويقال في بعض المجالس حضره مائة ألف" (١)، وقد أكسبته تنشئته الاجتماعية والعلمية الكثير من الصفات الخلقية، فقد كان "لطيف الصوت، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة، وكان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، يعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، لباسه الأبيض الناعم المطيب" (٢).
وقد نالت ابن الجوزي محنة في أواخر عمره، ملخصها: "أن الوزير ابن يونس الحنبلي (٣) كان في ولايته قد عقد مجلسًا للركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي. وأحرقت كتبه، وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيئًا كثيرًا، وذلك بمحضر من ابن الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جده، وسلَّمها إلى ابن الجوزي. فلما ولي الوزارة ابن القصاب -وكان رافضيًا- سعى في القبض على ابن يونس، وتتبع أصحابه فقال له الركن: أين أنت عن ابن الجوزي فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبي بمشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر، وكان الناصر له ميل إلى الشيعة ولم يكن له ميل إلى الشيخ أبي الفرج، بل قد قيل: إنه كان يقصد أذاه، وقيل: إن الشيخ ربما كان يعرِّض في مجالسه بذم الناصر فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه، وأغلظ عليه وختم على كتبه
стр. 74
وداره، وشتت عياله" (١) "ثم أخذه -الركن- في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت، فبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حمامًا. ثم كان السبب في خلاص الشيخ أن ابنه يوسف نشأ واشتغل وعمل في الوعظ وتوصل، فشفعت أم الخليفة في الشيخ فأطلق" (٢). وكان له من الأولاد عشرة، "خمسة ذكور وخمس إناث، فمات من الإناث اثنتان ومن الذكور أربعة، فلم يبق من الذكور سوى ولده أبي القاسم" (٣).
"وكانت جنازته مشهودة، شيعه الخلائق يوم الجمعة ثالث عشر شهر رمضان إلى مقبرة باب حرب سنة (٥٩٧ هـ) " (٤).
стр. 75
• الفصل الثالث حياته العلمية ومؤلفاته
أولًا: حياته العلمية
ثانيًا: مؤلفاته