غيره من الشيوخ.
وعلى الرغم من أنه كان يتيمًا مبكرًا، إلا أنه عاش مرفهًا، فقد قال عن نفسه "وقد ربيت فى نعيمها وغذيت بلبانها، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة" (١)، وهذا الترف ناتج من أن أباه كان "موسرًا وخلف ألوفًا من المال" (٢) جعلته كما ذكر "لا يذل في طلب العلم قط ولا يخرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ، ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئا قط " (٣). والغالب على تنشئة ابن الجوزي التدين ذلك أنه كان "صبيًا ديِّنًا مجموعًا على نفسه لا يخالط أحدًا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان" (٤) كما ذكر عن نفسه قائلًا "فما أذكر أني لعبت في طريق الصبيان قط ولا ضحكت ضحكًا عاليًا" (٥). وكانت اهتماماته الأولية مركزة على طلب العلم، كما عبر عن ذلك بقوله "وكان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءًا وأقعد حجزة من الناس إلى جانب الرقة فأتشاغل بالعلم" (٦)، وقد ظهرت علامات النبوغ وحبه للعلم في وقت مبكر، فقد "رُزق عقلًا وافرًا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ" (٧) يضاف إلى ذلك أن الله تعالى "حبب إليه العلم من زمن طفولته فتشاغل به" (٨)، وتلقى العلم على عدد كبير من المشايخ، ذكر منهم قائلًا "وسمعت من أبي بكر الدينوري (٩) الفقه وعلى أبي منصور الجواليقي (١٠) اللغة وتتبعت
стр. 72
مشايخ الحديث وانقطعت مجالس أبي علي ابن الراذاني (١)، وقد تلقى العلم في حلقات المسجد فكان يقول "ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر ﵀، وكان يحملني إلى الشيوخ فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت فناولني ثبتها ولازمته إلى أن توفي ﵀، فنلت منه معرفة الحديث والنقل" (٢). وقد حفظ القرآن وقرأه على جماعة من القراء بالروايات وسمع بنفسه الكثير وعني بالطلب في جميع الفنون وألف فيها" (٣)، وقد أمضى ابن الجوزي عهد صباه وشبابه في طلب العلم، ولقي في سبيل الحصول عليه الكثير من المصاعب والشدائد، التي جعلته يحس بحلاوة الطلب ومتعة العلم، فكان يخرج إلى نهر عيسى ومعه أرغفة يابسة لا يقدر على أكلها إلا بالماء، فهو يقول "فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول ﷺ وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم" (٤) وقد أمضى فترة شبابه في الوعظ الذي تمرس فيه من صغره "وقد فاق فيه الأقران" (٥)، ثم حصلت له
стр. 73
في شبابه من "الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط وحضر مجالسه ملوك ووزراء بل وخلفاء من وراء الستر، ويقال في بعض المجالس حضره مائة ألف" (١)، وقد أكسبته تنشئته الاجتماعية والعلمية الكثير من الصفات الخلقية، فقد كان "لطيف الصوت، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة، وكان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، يعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، لباسه الأبيض الناعم المطيب" (٢).
وقد نالت ابن الجوزي محنة في أواخر عمره، ملخصها: "أن الوزير ابن يونس الحنبلي (٣) كان في ولايته قد عقد مجلسًا للركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي. وأحرقت كتبه، وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيئًا كثيرًا، وذلك بمحضر من ابن الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جده، وسلَّمها إلى ابن الجوزي. فلما ولي الوزارة ابن القصاب -وكان رافضيًا- سعى في القبض على ابن يونس، وتتبع أصحابه فقال له الركن: أين أنت عن ابن الجوزي فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبي بمشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر، وكان الناصر له ميل إلى الشيعة ولم يكن له ميل إلى الشيخ أبي الفرج، بل قد قيل: إنه كان يقصد أذاه، وقيل: إن الشيخ ربما كان يعرِّض في مجالسه بذم الناصر فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه، وأغلظ عليه وختم على كتبه
стр. 74
وداره، وشتت عياله" (١) "ثم أخذه -الركن- في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت، فبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حمامًا. ثم كان السبب في خلاص الشيخ أن ابنه يوسف نشأ واشتغل وعمل في الوعظ وتوصل، فشفعت أم الخليفة في الشيخ فأطلق" (٢). وكان له من الأولاد عشرة، "خمسة ذكور وخمس إناث، فمات من الإناث اثنتان ومن الذكور أربعة، فلم يبق من الذكور سوى ولده أبي القاسم" (٣).
"وكانت جنازته مشهودة، شيعه الخلائق يوم الجمعة ثالث عشر شهر رمضان إلى مقبرة باب حرب سنة (٥٩٧ هـ) " (٤).
стр. 75
• الفصل الثالث حياته العلمية ومؤلفاته
أولًا: حياته العلمية
ثانيًا: مؤلفاته
стр. 76
أولًا: حياته العلمية
تميزت طفولة ابن الجوزي بجده واجتهاده في تحصيل العلم مع ما وهبه الله تعالى من حب للعلم، وما توافر له من أسبابه، كما ذكرها ابن الجوزي "وهيأ لي أسباب العلم وبعث إليَّ الكتب من حيث لا أحتسب. ورزقني الفهم وسرعة الحفظ والخط وجودة التصنيف" (١)، عرف عن ابن الجوزي فضل الله عليه بتحبيبه العلم منذ صغره فنمَّى هذه النعمة وصقلها بالقراءة والاطلاع، فقال عن نفسه: "ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب. فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع" (٢)، ولم يقف عند حد القراءة والاطلاع بل تعداه إلى التأليف فكان "لا يضع من زمانه شيئًا يكتب في اليوم -أربع كراريس- (٣) ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدًا إلى ستين وله في كل علم مشاركة" (٤).
وكان ابن الجوزي حريصًا على وقته، لا يضيعه فيما لا يفيد، ومن شدة حرصه يقول: "فصرت أدافع اللقاء (زيارات الناس له) جهدي، فإذا غُلِبتُ قصرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغًا. فجعلت من المستعد
стр. 77
للقائهم قطع الكاغد (الورق) وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي" (١).
قال ابن الجوزي عن نفسه: "ثم لم يحبب إليّ فن واحد منه بل فنونه كلها" (٢) ومن هذا الحب، انطلق ابن الجوزي يكتب في جميع ميادين المعرفة؛ فقد فاق أقرانه في الوعظ وتفرد فيه حتى أطلق عليه واعظ الآفاق، وتميزت مجالسه الوعظية بكثرة عدد حاضريه، "فكان يحزر جمع مجلسي على الدوام بعشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا" (٣)، وجمعت في مجالسه كل الطبقات الاجتماعية من "الخليفة والوزير وصاحب المخزن وكبار العلماء" (٤)، وكان أسلوبه مؤثرا فإذا وعظ "اختلس القلوب، وتشققت النفوس دون الجيوب" (٥)، ومن شدة تأثيره "أسلم على يده -كما ذكر- نحو من مائتين من أهل الذمة وتاب في مجالسه أكثر مائة ألف، وقد قطع أكثر من عشرين ألف سالف (٦) مما يتعاناه الجهال" (٧).
-أعتقد- أن ابن الجوزي بما أوتي من فصاحة وبلاغة وعذوبة بالإضافة إلى "حلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه وغوصه على المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة فيها يشاهد من الأمور الحسية، بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة" (٨)، و"استشهاده بالأحاديث الموضوعة في كتبه
стр. 78
الوعظية" (١)، أعطاه القدرة على التأثير في قلوب سامعيه، هذا التأثير -الذي أعتقِده- تأثيرًا وقتيًا لا يلبث أن يزول بانتهاء مجالسه، وهذا الاعتقاد جاء نتيجة المبالغة في ذكر عدد المتأثرين به دون أن يكون له أثر مباشر في إصلاح المجتمع العباسي مما فيه من الفساد والفوضى والفتن، ويبدو أنه لم يقدم مشروعات إصلاحية.
أما في الحديث، فقد اعتُبر من الحفاظ، وقال عن نفسه مادحًا "ولا يكاد يذكر لي حديث إلا ويمكنني أن أقول إنه صحيح أو حسن أو محال" (٢) -يقصد بالمحال الضعيف- وله مؤلفات كثيرة في هذا المجال، "بلغت (٤٢) كتابًا" (٣)، منها على سبيل المثال: كتاب الموضوعات في ثلاثة أجزاء، وكتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية وهو "مجلدان"، إلا أنه يستدل أحيانًا ببعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد ذكر الإمام السيوطي نقلًا من "خط السيد أحمد بن أبي المجد قال: صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل، وما لم يصب فيه، إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها كقوله فلان ضعيف أو ليس بالقوي أو لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في رواية، وهذا عدوان ومجازفة، وقال شيخ الإسلام: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع" (٤). (المقصود كتاب الموضوعات).
стр. 79
كما انتقده ابن رجب في ذيله على الطبقات فقال: "وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه وابن الجوزي تابع له في هذا التلون" (١)، وقد رد الذهبي نقلًا عن الموفق عبد اللطيف أسباب ذلك إلى كثرة مصنفاته دون مراجعتها فقال: "وكان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره" (٢). بمعنى لا يراجعه. أما في التفسير فقد مدح نفسه قائلًا: "ما عرفت أن واعظًا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن فالحمد لله المنعم" (٣)، وكان يعتبر في "التفسير من الأعيان" (٤)، وقد بلغت تصانيفه "في القرآن وعلومه سبعة وعشرين كتابًا" (٥) ومن أشهرها كتاب زاد المسير في علم التفسير في تسعة مجلدات. أما في التاريخ فكان من المتوسعين، وأبرز كتبه كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، كما كان له الكثير من كتب التراجم وأخبار المشاهير. كذلك كان لابن الجوزي علم بالأدب واللغة، ويتميز بالفصاحة والبلاغة وله "ملكة قوية في السجع الوعظي" (٦)، ظهرت في كتاباته ومجالسه الوعظية، "وله من النظم والنثر شيء كثير جدًّا. وله كتاب سماه لقط الجمان في كان وكان (٧)، كما كان له الكثير من الأبيات الشعرية" (٨)، وله كتاب المختار من الأشعار في عشرة مجلدات، وقد بلغ عدد كتبه في مجال الشعر واللغة (١٦) مؤلفًا" (٩).
стр. 80
ومن العلوم التي كتب فيها ابن الجوزي الطب، فقد كتب "عشرة مؤلفات فيه" (١). أما بقية التخصصات العلمية الأُخرى كالفيزياء والكيمياء والجيولوجيا وغيرها فلم يكتب فيها. ومِع هذه الثروة العلمية الهائلة من مؤلفات ابن الجوزي، فإن له تراثا علميًا ضائعًا بلغ " (٢٣٣) " (٢)، ويكفي ابن الجوزي ما قاله الإمام الحافظ الذهبي "ما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل" (٣).
ثانيًا: مؤلفاته
لقد كان لنبوغ ابن الجوزي المبكر، وحبه للعلم وجِدِّه ومثابرته على التحصيل، أثر كبير في غزارة إنتاجه وتنوع مؤلفاته، فقد كتب في معظم علوم عصره كما أشرنا، "وله اليد الطولى والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها" (٤).
وقد اتفق المؤرخون على أنه كثير الكتابة والتأليف في جميع العلوم، إلا أنهم اختلفوا في عدد مصنفاته اختلافا كبيرًا، فهذا ابن خلكان يقول: "فكتبه أكثر من أن تعدّ، وكتب بخطه كثيرًا، والناس يغالون في ذلك حتى قالوا إنه جمعت الكراريس التي كتبها، وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة، فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل" (٥).
"وقال سبطه (٦) سمعت جدي يقول على المنبر: كتبت بأصبعي (٢٠٠٠) مجلدًا ..
стр. 81
إلى أن قال (سبطه): ومجموع تصانيفه (٢٥٠) كتابًا" (١).
"وقال الإمام أبو العباس بن تيمية في أجوبته المصرية: كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف .. وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من (١٠٠٠) مصنف" (٢).
وقد ذكر ابن الجوزي في مواضع عدة عدد مصنفاته قائلًا: "قد صنفت (١٠٠) كتاب، فمنها التفسير الكبير عشرون مجلدًا، والتاريخ عشرون مجلدًا، وتهذيب المسند عشرون مجلدًا، وباقي الكتب بين كبار وصغار يكون خمس مجلدات، ومجلدين وثلاثة وأربعة وأقل وأ كثر" (٣). وسئل عن عدد تصانيفه فقال: زيادة على (٣٤٠) مصنفًا منها ما هو عشرون مجلدًا وأقل" (٤).
بالإضافة إلى ما بيع من مصنفات على يد ابنه أبي القاسم علي الذي كان "عاقًا لوالده إلبًا عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن" (٥).
ومع هذا الاختلاف في عدد مصنفاته، فقد ذكر الدكتور نور الدين بن شكري بوياجلار "أن ما ألفه ابن الجوزي يقرب من (٣٥٠) مؤلفًا في فنون مختلفة" (٦).
стр. 82
أما الكاتب عبد الحميد العلوجي فقد أكد أن عدد مؤلفات ابن الجوزي "أكثر من (٤٠٠) كتاب استقر منها مخطوطًا أكثر من (١٣٩) كتابا في خزائن الكتب الشرقية والغربية المنتشرة في أوروبا وأميركا والاتحاد السوفياتي والوطن العربي وإيران والهند وتركيا. وضاع أكثر من (٢٣٣) كتابًا وهو العدد الذي وصلت إلينا عناوينه. وطبع منها (٣٠) كتابًا في القاهرة وحيدر أباد ودمشق وليبزك بألمانيا والقسطنطينية (استنبول) وليدن بهولندا وبومبي (في الهند) وبيروت وبغداد" (١).
على الرغم من الاختلاف في عدد مصنفاته، إلا أنه يتضح لنا أن ابن الجوزي موسوعة علمية جليلة، ترك بصماته في معظم علوم عصره. وتميزت مؤلفات ابن الجوزي بكثرتها، وتعدد معارفها، مع تفاوت قيمتها العلمية، فقد كانت عليه بعض المآخذ، فقال ابن رجب في ذيله على طبقات الحنابلة: "كثرة أغلاطه في تصانيفه، وعذره في هذا واضح، وهو أنه كان مكثرًا من التصانيف، فيصنف الكتاب ولا يعتبره، بل يشتغل بغيره، وربما كتب في الوقت الواحد في تصانيف عديدة. ولولا ذلك لم تجتمع له هذه المصنفات الكثيرة. ومع هذا فكان تصنيفه في فنون من العلوم بمنزلة الاختصار من كتب تلك العلوم، فينقل من التصانيف من غير أن يكون متقنًا لذلك العلم من جهة الشيوخ والبحث، ولهذا نقل عنه أنه قال: أنا مرتب ولست مصنفًا" (٢).
وقال الشيخ موفق الدين المقدسي: "كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب قبول. وكان يدرس الفقه ويصنف فيه. وكان حافظًا للحديث. وصنف فيه، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة ولا طريقته فيها" (٣). كما ذكر زلاته محقق كتاب القُصاص والمذكِّرين، الدكتور محمد بن لطفي الصباغ الذي نقده قائلًا: لأكان لابن الجوزي مواقف يبدو أنها متعارضة .. ويبدو هو من خلالها مزدوج الموقف، فهو عندما ينتقد
стр. 83
المتصوفة والمتساهلين في الحديث يكون إنسانًا على منهج سليم، يدعو إلى الحق الذي يراه بجرأة وحرارة كما يظهر ذلك جليًا في تلبيس إبليس أو في مقدمة صفة الصفوة أو كتاب الموضوعات. ولكنه في مواضع من مؤلفاته تراه من أشدّ الناس تساهلًا في إيراد الأحاديث الضعيفة التالفة كما نطالع ذلك في كتابه المدهش أو ذم الهوى، وتراه في مواضع أُخرى يأتي بالقصص الباطلة والخرافات المردودة ويورد ما يقوله المتصوفة ويحكونه في مجالسهم مع أنه انتقدهم وعاب عليهم فكرهم وسلوكهم وذكرهم بما يستحقون ووجه إليهم اللوم اللاذع" (١).
стр. 84
• الفصل الرابع تأثره وتأثيره ومكانته العلمية والتربوية
أولًا: تأثر ابن الجوزي
ثانيًا: تأثير ابن الجوزي
ثالثًا: مكانته العلمية
رابعًا: مكانته التربوية
стр. 85
أولًا: تأثر ابن الجوزي
تأثر ابن الجوزي بالشيوخ الذين تلقى عنهم مختلف العلوم، ولاسيما العامل بعلمه منهم، فقال: "أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه وإن كان غيره أعلم منه" (١)، لذلك كان لا يهتم بكثرة عدد المشايخ، بل يهتم بدرجة إتقانهم وتمكنهم من العلم، وقد عبر عن رأيه ذلك قائلًا: "حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر وأسمعني العوالي، وقد أثبتَ سماعاتي كلها بخطه، وأخذ لي إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم وأوثر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت همتي تجويد العُدَد لا تكثير العدد" (٢)، وعلى الرغم من ذلك، فإن ابن الجوزي أخذ عن "ستة وثمانين شيخًا وثلاث شيخات من النساء" (٣)، إلا أنه تأثر بشخصية اثنين من العلماء منهم الشيخ عبد الوهاب الأنماطي (٤)، الذي قال فيه ابن الجوزي: "إنه كان على قانون
стр. 86
السلف لم تُسمع في مجلسه غيبة ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه فكان -وأنا صغير السن حينئذ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل" (١).
أما الشخصية الثانية فهو الشيخ أبو منصور الجواليقي (٢)، الذي قال بشأنه ابن الجوزي: "فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقنًا محققًا. وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن. وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما" (٣).
كما تأثر ابن الجوزي بالإمام الغزالي، على الرغم من أنه توفي سنة ٥٠٥ هـ قبل ولادته بخمس سنوات تقريبًا. وتأثر ابن الجوزي بالغزالي جاء نتيجة قراءته واطلاعه على مؤلفاته التي قال عنها: "وصنف الكتب الحسان في الأصول والفروع التي انفرد بحسن وضعها وترتيبها وتحقيق الكلام فيها حتى إنه صنف في حياة أستاذه الجويني (٤)، فنظر الجويني في كتابه المسمى بـ المنخول فقال له: دفنتني وأنا حي هلا صبرت حتى
стр. 87
أموت؟ وأراد أن كتابك قد غطى على كتابي" (١).
وقد سار ابن الجوزي في تأليف بعض كتبه على نهج الإمام الغزالي، مثال: رسالته لابنه لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، ورسالة الغزالي أيها الولد، وكما في كتابه تلبيس إبليس الذي قال عنه الغزالي: "ولعلنا إن أمهل الزمان صنفنا فيه كتابًا على الخصوص نسميه تلبيس إبليس، فإنه قد انتشر الآن تلبيسه في البلاد والعباد لاسيما في المذاهب والاعتقادات حتى لم يبق من الخيرات إلا رسمها، كل ذلك إذعانًا لتلبيسات الشيطان ومكايده" (٢)، على الرغم من أن ابن الجوزي لم يشر إلي ذلك. ولم يكتف ابن الجوزي بالسير على النهج نفسه في التأليف بل كان يقتبس بعض الآراء بعباراتها الحرفية دون إسنادها إلى الإمام الغزالي، كما حصل عند بيان رأيه في الروح: "إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ ولا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له، وإنما آلات البدن خادم له تعين على السفر، له في زجاجة القلب نار كالسراج، الحياة ضوؤها والدم دهنها، والحركة نورها، والشهوة حرارتها، والغضب دخانها، وقد اتخذ من مقدم الدماغ حارسًا، ومن وسطه وزيرًا، ومن مؤخره حافظًا، وجعل العقل أستاذًا، والحس تلميذًا، وفرق الأعضاء في خدمته رجالًا وركبانًا" (٣).
ولبيان مدى التشابه في اقتباس الفكرة والألفاظ، نعرض كلام الغزالي، فهو يقول: "والروح الحيواني جسم لطيف، كأنه سراج مشتعل، والحياة هي السراج، والدم دهنه، والحس والحركة نوره، والشهوة حرارته، والغضب دخانه، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات. لأنه مشترك
стр. 88
بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان" (١).
تأثر ابن الجوزي بالغزالي واضح إلا أنه نقد طريقته في التصوف عندما ترجمه في المنتظم مع ذكر فضائله (٢) ونقده كذلك في كتابه تلبيس إبليس قائلًا: "وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الإحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه وقال: "إن المراد بالكواكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية" (٣). كذلك نقده ابن الجوزي في موضوعات عدة منها العزلة، السياحة والتجرد عن الأموال، محاربة النفس، الغناء والتشبب بالجمال، والتوكل وترك الأسباب، وقد ردَّ عليها بما يتفق مع الكتاب والسنة. ولا يسعنا في هذا المجال أن نوضح ذلك بالتفصيل ومن أراد التفصيل والزيادة يمكنه الرجوع إلى رسالة الدكتوراه للباحثة آمنة محمد نُصير، بعنوان: أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية (٤).
ثانيًا: تأثير ابن الجوزي
أما تأثيره فكان من خلال مؤلفاته العلمية الكثيرة في شتى العلوم والمعارف الإنسانية، التي ساهم بها -فقد أثرت في عصره وإلى يومنا هذا- في ثراء الحركة العلمية. كما وقد كان له تأثير من خلال مواعظه "التي حصل له فيها القبول والاحترام. حُكي أن مجلسه حزر بـ (٠٠٠، ١٠٠)
стр. 89
وحضر مجلسه الخليفة المستضيء مراتٍ من وراء الستر" (١). وظهر تأثيره في ما تركه من بصمات واضحة على غيره من العلماء المسلمين. ويعتبر ابن قيم الجوزية (٢) من العلماء المتأثرين به في السير على النهج نفسه عند كتابة المؤلفات، فكتاب ابن قيم روضة المحبين ونزهة المشتاقين يقابله كتاب ابن الجوزي ذم الهوى، وكتاب ابن قيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان يقابله كتاب ابن الجوزي تلبيس إبليس.
كذلك ظهر تأثر ابن قيم الجوزية واضحًا في اقتباسه لبعض الأفكار بألفاظها مثال: ذلك أن ابن الجوزي قال: "الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد. . . الخ" (٣).
وبمثل هذا القول تحدث به ابن قيم الجوزية في الموضوع نفسه إذ قال: "الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح، فالهوى مستحث لما يريده. . . الخ" (٤).
قال ابن الجوزي أيضًا: "وقد عرفت ثمرة العقل وفائدته، فإنه هو الذي دل على الإله وأمر بطاعته وامتثال أمره، وأثبت معجزات الرسل
стр. 90
وأمر بطاعتهم، وتلمح العواقب فاعتبرها فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى فرد غَربَه، وأدرك الأمور الغامضة، ودبر على استخدام المخلوقات فاستخدمها، وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل، وشد أسر الحزم، وقوى أزر العزم، واستجلب ما يزين، ونفى ما يشين، فإذا تُرك وسلطانه، أسر فضول الهوى، فحصرها في حبس المنع" (١).
وفي هذا المعنى قال ابن قيم الجوزية: "وهذا ثمرة العقل الذي به عُرف الله وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله، وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته، وبه عُرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله، وبه امتثُلتِ أوامره واجتنبت نواهيه، وهو الذي تلمح العواقب فراقبها، وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى فرد جيشه مغلولًا، وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولًا، وحث على الفضائل، ونهى عن الرذائل، وفتق المعاني وأدرك الغوامض، وشد أزر العزم فاستوى على سوقه، وقوّى أزر الحزم حتى حظي من الله بتوفيقه، فاستجلب ما يزين، ونفى ما يشين، فإذا نزل وسلطانُه أسر جنود الهوى فحصرها في حبس (من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه). ." (٢).
كما سار ابن قيم الجوزية على نهج ابن الجوزي -تقريبًا- في عرض الموضوعات، فمثلًا في كتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين، بدأه بذكر فضل العقل وأهميته في ضبط الشهوات، ثم تكلم على الحب، وأحكام النظر والمحبة والعشق وذم الهوى، وهي الموضوعات نفسها التي عالجها ابن الجوزي في كتابه ذم الهوى، وكثير منه مقتبس باللفظ والمعنى منه.
مثال: أورد ابن قيم الجوزية التعريفات نفسها الخاصة بالعشق، والتي ذكرها ابن الجوزي وهي كالآتي:
قال ابن الجوزي: "قال أفلاطون: العشق حركة النفس الفارغة بغير فكرة.
стр. 91
وسئل يوذجانس عن العشق، فقال: سوء اختيار صادف نفسًا فارغة.
وقال أرسطاطاليس: العشق هو عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب.
وقال فيثاغورس: العشق طمع يتولد في القلب، ويترك وينمى، ثم يتربى ويجتمع إليه موادّ من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع، والفكر في الأماني، والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغمَّ المقلق. . . الخ" (١).
وقال ابن قيم الجوزية: "وقال بعض الفلاسفة: العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمى، ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص، وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق، .. وقال أفلاطون: العشق حركة النفس الفارغة. وقال أرسطاطاليس: العشق عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب. ." (٢).
وهناك الكثير من العبارات المستقاة من كتابات ابن الجوزي في مؤلفات ابن قيم الجوزية ولا يسعنا المقام لذكرها جميعًا.
كما ظهر تأثير ابن الجوزي في كتابات المحدثين وبحوثهم، التي تتناول علمه من جميع الجوانب، وتترجم إلى رسائل ماجستير ودكتوراه للاستفادة منه.
ثالثًا: مكانته العلمية
يتمتع ابن الجوزي بمكانة علمية مرموقة، اكتسبها من كثرة كتاباته في مختلف العلوم والمعارف وإجادته معظمها.
وسأورد بعضًا من أقوال العلماء فيه:
стр. 92
قال عنه ابن رجب صاحب الذيل على طبقات الحنابلة: إنه "الحافظ المفسر، الفقيه الواعظ، الأديب، شيخ وقته، وإمام عصره" (١).
وقال أيضا: "قرأت بخط الإمام ناصح الدين بن الحنبلي الواعظ في حق الشيخ أبي الفرج اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره. وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والحسان" (٢).
وقال صاحب شذرات الذهب: "الواعظ المتفنن صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والأخبار والتاريخ والطب وغير ذلك" (٣).
وقال الذهبي عنه: "ما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل" (٤).
وقال الموفق عبد اللطيف: "وكان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية" (٥).
"وذكره ابن البزوري في تاريخه، وأطنب في وصفه، وقال: أصبح في مذهبه إمامًا يشار إليه، ويعقد الخنصر في وقته عليه، ودرس بعدة مدارس، وبنى لنفسه مدرسة بدرب دينار ووقف عليها كتبه. وبرع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء عصره، وعلا على فضلاء دهره، وله التصانيف العديدة. ولم يترك فنًا من الفنون إلا وله فيه مصنف. كان أوحد زمانه، وما أظن الزمان يسمح بمثله" (٦).
وقال ابن النجار: "من تأمل ما جمعه بان له حفظه وإتقانه، ومقداره في العلم. وكان ﵀ مع هذه الفضائل والعلوم الواسعة ذا
стр. 93
أوراد وتألُّه، وله نصيب من الأذواق الصحيحة، وحظ من شرب حلاوة المناجاة. وقد أشار هو إلى ذلك، ولا ريب أن كلامه في الوعظ والمعارف ليس بكلام ناقل أجنبي مجرد عن الذوق بل كلام مشارك فيه" (١).
وقال الداودي صاحب طبقات المفسرين: "الإمام العلامة، حافظ العراق، وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم" (٢).
وقد مدحه مدحًا طويلًا الرحالة ابن جبير فقال: "شاهدنا مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد، جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي. . . . فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا زيد، وفي جوف الفرا (٣) كل الصيد، آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة، مالك أزمة الكلام في النظم والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدرر، فأما نظمه فرضي الطباع (٤) مهياري (٥) الانطباع، وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويُعطل المثل بقس وسجان" (٦).
ومع هذا التقدير لمكانة ابن الجوزي العلمية، فإن هناك بعض المآخذ عليه، وهي كما ذكر ابن رجب أنه "نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله إلى التأويل في بعض كلامه واشتد نكيرهم عليه في ذلك. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطلعًا على الأحاديث والآثار فلم يكن يحل شبهة المتكلمين وبيان
стр. 94
فسادها، وكان معظمًا لأبي الوفاء بن عقيل يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه وإن كان قد ردَّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون" (١).
كما "كان أستاذًا فريدًا في الوعظ وغيره، وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر في كلامه وفي نثره ونظمه، فمن ذلك قوله:
ما زلتُ أدركُ ما غلا بل ما علا ... وأكابدُ النهجَ العسيرَ الأطولا
تجرى بي الآمالُ في حلباتِه ... جريَ السعيدِ مدى ما أملا
أفضى بي التوفيق فيه إلى الذي ... أعيا سوايَ توصلًا وتغلغلا
لو كانَ هذا العلمُ شخصًا ناطقًا ... وسألتهُ هل زارَ مثليَ؟ قال: لا" (٢)
ويكفي ابن الجوزي ما قاله ابن كثير فيه: "ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخًا وما أحقه بقول الشاعر:
ما زلتَ تدأبُ في التاريخ مجتهدًا ... حتى رأيتكَ في التاريخِ مكتوبًا (٣)
رابعًا: مكانته التربوية
يعتبر ابن الجوزي كغيره من علمائنا المسلمين، الذين ما زال تراثهم التربوي بحاجة إلى بحث ودراسة وإعادة صياغة بطريقة تربوية سليمة. وقد كان لبعض الأساتذة المتخصصين في مجال التربية رأيهم في تراث ابن الجوزي التربوي، فهذا د. حسن عبد العال يقول: "كان له ﵀ مشاركات في مختلف العلوم والفنون، فلم يعدم الفكر التربوي مشاركته، فضمَّن مؤلفاته نظرات ثاقبة في تقويم الطباع ورياضة الولدان وتأديب الإنسان وسياسته، غير أن نظراته التربوية المتناثرة في مؤلفاته، التي تربو على (٣٠٠) مصنف بين مخطوط ومطبوع، لم تجد طريقها حتى الآن إلى أيدي الناس، فما زال تراثه التربوي كتراث الكثيرين غيره من أعلام
стр. 95
المسلمين ينتظر من ينفض عنه غبار السنين، ليكشف عن صفحات مشرقه من إسهامات علماء الإسلام الأفذاذ الذين أطلعوا العالم -ردحًا من الزمن- على معالم نظام تربوي متكامل البنيان راسخ الأصول، وأرسوا باجتهاداتهم أصول التربية الصحيحة ومبادئها. لقد جاءت اجتهادات ابن الجوزي التربوية لتبرز إلى جانب اجتهادات أقرانه من رجالات الفكر الإسلامي، معالم صورة رائعة لنتاج الثقافة الإسلامية في مجال التربية" (١).
كذلك عبر د. عبد الرحمن صالح عبد الله عن رأيه في ابن الجوزي بقوله: "من خلال قراءة آراء ابن الجوزي نصل إلى نتيجة واضحة وهي أنه دعا إلى العديد من المبادئ التي لم يتنبه إليها علماء النفس إلا حديثًا، ومن أهم هذه الآراء ارتباط الذكاء بالجانب الأدائي. ثم إن تأكيد ابن الجوزي على الربط بين العقل وبين بعض السمات الانفعالية واهتمامه بالجانب الترويحي وإشاراته المتكررة إلى الجانب الإيماني يُظهر بجلاء أنه نظر إلى العقل نظرة متكاملة، إذ لا فصل بين العقل وبين الجوانب الأخرى في الشخصية الإنسانية. ومع أن سبق ابن الجوزي وغيره من العلماء المسلمين واضح جلي إلا أن المربين وعلماء النفس كثيرًا ما يتجاهلون هذه الحقائق ويقفزون عند معالجة موضوعاتهم من الفكر اليوناني والروماني إلى عصر النهضة فالعصر الحديث" (٢).
وقال فيه الباحث محمد أحمد خلف الله بعد أن بين "أَن العلماء الأوروبيين لم يتعرضوا لبحث ظاهرة الذكاء إلا في القرن التاسع عشر" (٣): "أليس مما يطمئن له قلب الباحث العربي الحديث أن يجد من بين شيوخ الإسلام من اتجه إلى مثل هذا النوع من البحث والتأليف منذ
стр. 96
أكثر من ثمانية قرون؟ إلا أنه لو عثر على مثل هذا الكتاب بين المؤلفات الأوروبية القديمة لجعل له الباحثون مكانا ظاهرًا في تاريخ علم النفس، ولاعتبروه من المراجع (١) التي لابد من دراستها لكل متخصص في هذا الفرع" (٢).
كذلك للدكتورة آمنة محمد نُصَير رأي في ابن الجوزي عبرت عنه قائلة: وحيثما تأملنا كلام ابن الجوزي في تربية الصغار وهو الموضوع الذي أولاه عناية ملحوظة نراه بلغة عصره أخصائيًا نفسيًا ومربيًا عظيمًا وناصحًا أمينًا" (٣).
هذا ولصاحب كتاب الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية، رأي في ابن الجوزي من الناحية التربوية، عبر عنه قائلًا: "وابن الجوزي صاحب رسالة لفتة الكبد إلى نصيحة الولد وهي من الدرر الغوالي شبيهة برسالة أيها الولد كتبها لقرة عينه ووحيده الباقي له من خمسة ذكور، فهي فى أسلوبها وقوة إشراقها. . . تعتبر رسالة جيدة من كنوز تراثنا التربوي" (٤).
ومن هنا يتضح لنا أن ابن الجوزي، بدأ فعلًا يحتل مكانًا علميًا وتربويًا بارزًا بين علماء المسلمين، بسبب اهتمام الباحثين بآرائه التربوية ومحاولة استخراجها وتصنيفها وتحليلها وبلورتها في وحدة تربوية متكاملة.
وهذه الدراسة -بإذن الله تعالى- ستكون ضمن المحاولات التي ستبرز منزلة ابن الجوزي التربوية، وقد سبقتها دراسة الباحثة حليمة أبو رزق عن التربية العقلية عند ابن الجوزي وقد عُرضت الدراسات السابقة، وقد أثبتت ريادته في مجال التربية العقلية وَسَبقه علماء الغرب.
стр. 97
الباب الثالث آراء ابن الجوزي في أساسيات التربية
• الفصل الأول: رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية وأساليب تهذيبها وتوجيهها وعلاجها
• الفصل الثاني: رأي ابن الجوزي في مراحل نمو الإنسان
стр. 98
• الفصل الأول رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية وأساليب تهذيبها وتوجيهها وعلاجها
أولًا: طبيعة الإنسان تدل على وجود الخالق في نظر ابن الجوزي
ثانيًا: طبيعة خلق الإنسان في نظر ابن الجوزي
ثالثًا: جوانب النفس البشرية وأساليب تزكيتها وتوجيهها
رابعًا: خصائص النفس البشرية
خامسًا: أسباب الانغماس في الشهوات
سادسًا: طرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها
سابعًا: الآراء التربوية المستخلصة من آراء ابن الجوزي في هذا الموضوع
стр. 99
• الفصل الأول رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية وأساليب تهذيبها وتوجيهها وعلاجها
ستقوم الباحثة في البابين الثالث والرابع بعرض آراء ابن الجوزي التربوية كما هي موثقة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي استشهد بها، دون تخريجها أو بيان درجة صحة الحديث، لأن الباحثة ستؤجل ذلك إلى الباب الخامس حتى تتمكن من تحليل الآراء التربوية تحليلًا علميًّا مناسبًا يخدم الهدف من البحث.
اختلفت نظرة الفلاسفة والمفكرين بشأن ماهية الطبيعة البشرية اختلافًا كبيرًا، فمنهم من رأى أن "الطبيعة الإنسانية واحدة في جميع الأزمنة والعصور، وأن الإنسان هو الإنسان حيثما وجد، وهناك أيضًا من نادى بأن الطبيعة الإنسانية تختلف باختلاف الأفراد أنفسهم وباختلاف استعداداتهم وقدراتهم" (١). وهناك فريق آخر أكد أن طبيعة الإِنسان ثنائية في أصلها، أي تتكون من العناصر الروحية، والعناصر المادية (٢) ومنهم من أنكر وجود الروح واهتم بالجسم البشري ورأى أنه مادة تعمل كالآلة. وهناك من اعتبر الطبيعة الإنسانية شريرة في أصلها، وآخرون اعتبروها "خيرة يحيلها المجتمع إلى شر إذا مسّتها يد البشر" (٣).
стр. 100
ومن العلماء "من أرجع التأثير في الطبيعة الإنسانية إلى عامل الوراثة وحدها، وإلى الميراث الفطري الحيوي (البيولوجي) فقط، وتغاضى عن أثر البيئة في تشكيل هذه الطبيعة. وكانت النظرية الغرضية التي وضعها (ويليام مكدوجل) تؤكد الدور الفعال للوراثة في تحديد السلوك، وتُرجع هذا السلوك إلى مجموعة الغرائز التي يولد الإنسان مزودا بها. ومنهم من أرجع كل التأثير في الطبيعة الإنسانية إلى البيئة وتغاضى عن أثر الوراثة إلى حد كبير، ورأى أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء، وليست هناك استعدادات موروثة، إن هي إلا عادات يكتسبها الفرد في أثناء حياته" (١).
وهناك الكثير من التصورات الخاصة بالطبيعة البشرية -كما نعرضها فيما بعد- والتي أثبتت قصور الفلاسفة والمفكرين في وضع تصور صحيح عن طبيعتها كما خلقها الله تعالى، وفي هذا يقول اليكسس كاريل موضحا هذا القصور: "وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبًا على كل شيء موجود على ظهر البسيطة فيما عدا أنفسنا"، ثم أضاف قائلا "على الرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظات التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل .. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا .. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة. وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب" (٢).
ومن خلال هذه التصورات التي تتسم بالجهل والقصور البشري، تبرز لنا بوضوح نظرة الإسلام إلى الطبيعة البشرية بما فيها من شمول وتكامل واتزان، لأن الله تعالى هو الذي خلقها وهو أعلم بخصائصها
стр. 101
ومكوناتها وطبيعتها ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
وسنظهر وجهة النظر الإِسلامية من خلال آراء ابن الجوزي في هذا الموضوع.
أولًا: طبيعة الإنسان تدل على وجود الخالق في نظر ابن الجوزي
قبل أن نوضح خلق الإنسان، لابد من التعرض لخالق هذا الإنسان، ولا نُرجع خلق الإنسان إلى الصدفة أو الطبيعة أو غيرها كما فعَل أصحاب المذاهب المختلفة. بل نقول كما قال ابن الجوزي إن هذه الطبيعة "من أكبر الأدلة على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع" (٢).
هذا وإيمان الإنسان بوجود الله تعالى مركوز في أصل خلقته وفطرته، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٣).
ولبيان وجود الإيمان بالله تعالى في أصل فطرة الإنسان، فقد عرف الإمام الجرجاني الفطرة بقوله: "الجبلة المتهيئة لقبول الدين" (٤)، وفسر الإمام القرطبي قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٥). بقوله: "وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقةً مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته.
стр. 102
واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، والفاطر الخالق؛ لقول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) يعني خالقهن، وبقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٢) يعني خلقني، وبقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ (٣) يعني خلقهن. قالوا: فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق؛ وأنكروا أن يكون المولود يُفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقةً وطبعًا وبنيةً ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة؛ ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا. واحتجوا بقوله ﷺ في الحديث: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء -يعني سالمة- هل تحسون فيها من جدعاء، يعني مقطوعة الأذن. فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلّهم" (٤).
وقد عبّر ابن الجوزي عن هذه الفطرة المتجهة نحو الله تعالى بداهةّ بقوله: "إن الله وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل، فالنفوس تعلمها ضرورة وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها؛ فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابدّ له من صانع" (٥).
إن أمر النشأة الأُولى غيب لم يطلع الله البشر عليه؛ فإنه يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٦)، وابن الجوزي يقول في ذلك "ولا يُعرف مع هذا ماهيتها ولا كيفيتها ولا جوهرها
стр. 103
ولا محلها. ولا يُفهم من أين جاءت، ولا يُدرَى أين تذهب ولا كيف تعلقت بهذا الجسد وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرًا وخالقًا وكفى بذلك دليلًا عليه" (١).
ومع أن الله تعالى هو خالق البشر وموجدهم، فإنه لم يخلقهم عبثًا، بل خلق الإنسان لأمر عظيم يتجلى في عبادته المطلقة له، فهو "مطالب بمعرفة خالقه بالدليل، ولا يكفيه التقليد" (٢) حتى يستشعر عظمة الله تعالى من خلال مخلوقاته في الكون والنفس ويعبده وهو أعلم بقَدْرِه وسلطانه وجلاله، فيدفعه ذلك لإقامة المطالب الشرعية التي أوجبها الله عليه، واجتناب المحارم (٣)، ولن يقوم بعبوديته الكاملة لله تعالى إلا إذا وقر الإيمان في قلبه وأدرك عظم مسؤوليته وأنه محاسب أمام الله تعالى على أداء ما وكل إليه أو التفريط فيه.
ثانيًا: طبيعة خلق الإِنسان في نظر ابن الجوزي
اهتم المربون قديمًا وحديثًا بمعرفة الطبيعة الإنسانية باعتبارها موضوع التربية التي تهتم بصناعة الإنسان، وبقدر معرفَة الصانع أو جهله بموضوعها فإنه سوف ينجح أو يخفق فيها. وقد أدرك ابن الجوزي أهمية معرفة طبيعة خلق الإِنسان في التربية، ففصَّل في هذا الموضوع موضَّحًا أن الإنسان مخلوق متميز بكل صفات الكمال البشري المحدود، فسبحان الله الذي "أنشأ الأبدان من النطف، وحفظ فيها المهج (٤)، ونوَّر العيون فأحسن في تركيبها الدعج (٥)، وأنطق اللسان، فأبان سبل المراد ونهج،
стр. 104
وعلم الإِنسان البيان، فإذا خاصم فلج (١) " (٢).
وقد ذكر أن أصل خلقه من طين، مستندًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٣)، والمراد بالإنسان هاهنا آدم ﵇. والسلالة -على وزن- فعالة، وهي القليل مما يُسل، فاستل من كل الأرض. وقد روى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض" (٤).
أ- رأي ابن الجوزي في الجانب المادي
وقد وضح ابن الجوزي خلق الإِنسان فقال: "خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه، وخلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها، وركب البشر من الضدين، فظلام نفسه مقترن بنور عقله، بينهما حاجز لطيف، لا تعلمه إلا بالمجاهدة" (٥).
إن الكيان البشري ذو طبيعة مزدوجة، فهو قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٦).
"والتحليل المخبري يقول: "إنه لو أرجعنا الإنسان إلى عناصره الأولية، لوجدناه أشبه بمنجم صغير، يشترك تركيبه حوالي (٢٢) عنصرًا، تتوزع بشكل رئيسي على:
١ - أُكسجين (o)، وهيدروجين (H)، على شكل ماء بنسبة ٦٥ -
стр. 105
٧٠ % من وزن الجسم.
٢ - كربون (C)، وهيدروجين (H) وتشكل أساس المركبات العضوية من سكريات ودسم، وبروتينات، وفيتامينات، وهرمونات أو خمائر.
٣ - مواد جافة يمكن تقسيمها إلى:
أ- سبع مواد هي: الكلور (CL)، والكبريت (S)، والفوسفور (P)، والمغنزيوم (MG)، والكالسيوم (Ca)، والبوتاسيوم (K) والصوديوم (Na) , وهي تشكل ٦٠ - ٨٠ % من المواد الجافة.
ب - سبع مواد أُخرى بنسبة أقل هي: الحديد (Fe)، والنحاس (Cu)، واليود (I)، والمغنيز (Mn)، والكوبالت (co)، والتوتياء (Zn)، والمولبيديوم (Mo).
ج - ستة عناصر بشكل زهيد هي: الفلور (F)، والألمونيوم (AL)، والبور (B)، والسيلينيوم (Se)، والكادميوم (Cd)، والكروم (cr) " (١) .
وقبضة الطين هذه تتمثل في مطالب الجسد وحاجاته الضرورية من أكل وشرب وجنس ولبس، وحب جميع متاع الدنيا وزينتها، وهذه التي نعبر عنها بالشهوات حسب التعبير القرآني لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢). أو حسب مسمى علم النفس "الدوافع الفطرية الإِنسانية".
وقد تطرق علم النفس إلى نوعين من الدوافع هي: "الدوافع الإنسانية المادية الشهوية، والروحية السامية. وكذلك الدوافع الفطرية التي يولد الإنسان مزودًا بها من قبل الله في شكل إمكانيات واستعداداتٍ تؤهّله لممارسة دوره ووظيفته المكلف القيام بها من
стр. 106
قِبَل الخالق " (١). وهذه الشهوات أو الدوافع هي التي أشار إليها ابن الجوزي في قوله "وخُلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها وركب البشر من الضدين" وهذه الظلمة مقصود بها قبضة الطين المقتضية لشهوات الإِنسان ودوافعه.
ب: رأي ابن الجوزي في الجانب الروحي
والجانب الثاني المكوَّن لطبيعة الإنسان، هي النفخة من روح الله تعالى، وهذه النفخة من روح الله تعالى "تتمثل في الجانب الروحي للإنسان. تتمثل في الوعي والإدراك والإرادة. تتمثل في كل القيم والمعنويات التي يمارسها الإنسان" (٢). وهذه النفخة من روح الله .. هي إشراقة النور الرباني الذي تميزت به الملائكة والتي عبر عنها ابن الجوزي بقوله: "خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه".
فعلى ذلك نجد أن ابن الجوزي يقرر الحقيقة القرآنية حين رأى أن البشر مركب من الضدين .. الطين والروح، لأنه بطبيعته المزدوجة يجمع بين "درجات تختلف بين الشدة واللطف، بين اللهفة والتمهل، بين الغلظة والرقة، بين العتامة والصفاء. أدناها شبيه بالحيوان، وأعلاها صاف رائق جميل. درجات تبدأ عند الطرف الحيواني من الإنسان، فتغلب عليها حركة الجسد الفائر المتلمظة، وتنتهي عند الطرف الملائكي من الإِنسان، فتغلب عليها رقة الروح ونورانية الشعاع" (٣).
ثم وضح ابن الجوزي أن الكائن الإنساني مترابط الأجزاء يعمل عمل الوحدة المتكاملة وبطريقة متداخلة ومتشابكة؛ فلكل عضو من أعضائه دوره الخاص، ووظيفته المكلف أداءها، فالروح في نظر ابن الجوزي "جوهر لا يتجزأ ولا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له، وإنما آلات البدن خادم له تعين على السفر، له في زجاجة القلب نار
стр. 107
كالسراج، الحياة ضوؤها، والدم دهنها، والحركة نورها، والشهوة حرارتها، والغضب دخانها" (١)، وهو بذلك يعتبر الروح العنصر الأساسي للكائن البشري، وله ارتباط وثيق بجميع جوانب النفس البشرية، فهو مركز الكيان البشري، والمهيمن الأكبر على حياة الإنسان. وقد بَّين الإمام الغزالي للروح معنيين: أحدهما: "أنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه" (٢).
وثانيهما: فهو "اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله:، ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣)، وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته" (٤)، والمقصود من وصف ابن الجوزي، "إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ، له في زجاجة القلب نار كالسراج .. الخ العبارة"، ووصفه الغزالي بأنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن" ليس إلا الأوكسجين، الذي يتحد مع خضاب الدم (الهيموجلوبين) الموجود في كريات الدم الحمراء وذلك في أثناء دورة الدم في الرئة .. فينفذ إليها الأوكسجين بواسطة الانتشار من الأسناخ (الحويصلات) الهوائية الموجودة في الرئة، عابرًا الحواجز الرقيقة من جدار الحويصلة الهوائية والشعيرات الدموية المنتشرة حول الحويصلة. ثم ينتقل بواسطة الأوردة الرئوية إلى الأذين الأيسر ومنه إلى البطين الأيسر، ومنه إلى
стр. 108
العروق الضوارب إلى سائر البدن بواسطة الشريان الأبهر (الأورطَى) فينتشر بواسطتها إلى كل خلية في جسم الإنسان ويدخل إلى كل خلية حيث توجد الميتوكوندريا (المقدرة أو المصورة الحية) وهناك يقوم الأوكسجين بوظيفته في إحراق السكر والدهون في عمليات كيميائية بالغة التعقيد. وكما يقوم الأوكسجين بإشعال البنزين في موتور السيارة فيعطيها قوة الدفع والحركة، فكذلك يفعل الأوكسجين في الجسم حيث يحرق السكر والدهن ويحولهما إلى طاقة وثاني أوكسيد كربون وماء .. وهي عملية الاحتراق نفسها التي تحدث في البنزين وفي قطعة الفحم وفي قطعة الخشب" (١).
ج - رأي ابن الجوزي في طبيعة العقل والدماغ وصلتهما بالجسم
وبعد بيان رأي ابن الجوزي في الروح، نبين رأيه في العقل الذي قال فيه: "وقد اتخذ من مقدم الدماغ حارسًا، ومن وسطه وزيرًا، ومن مؤخره حافظًا، وجعل العقل أستاذًا، والحس تلميذًا، وفرق الأعضاء في خدمته رجالًا وركبانًا" (٢).
وقبل أن نحلل ما قاله، لابد من بيان أن كلمة الدماغ أصح وأشمل من كلمة المخ، لأن لفظ المخ "يطلق في الطب على جزء من الدماغ، وأما لفظ الدماغ فيطلق على المخ والمخيخ وجذع الدماغ" (٣).
وقد قسم ابن الجوزي الدماغ إلى ثلاثة أقسام: مقدّم الدماغ ووسطه ومؤخره. وهذا ما أثبته الطب الحديث، وجعله ثلاثة أجزاء رئيسية وهي:
١ - الدماغ المقَدّمي: ويشمل فَصي المخ وبكل فص مراكز هامة، عديدة إذ يكونا مهد الفطنة والذكاء والعبقرية في الإِنسان الذي يمتاز بوساطة المخ المقدمي على باقي المخلوقات، إذ يحكم ويملك ويسيطر، علاوة على وجود مراكز تتحكم في السيطرة على عضلات الجسم الإِرادية
стр. 109
وأُخرى في السيطرة على الإحساسات المتباينة المختلفة وثالثة للحواس وضبط النفس، ولكل مركز أو حاسة جزء خاص به.
٢ - الدماغ المتوسط: وأهميته تأتي من أنه مسؤول عن اليقظة والوعي.
٣ - الدماغ المؤخر: ويتكون من:
أ- قنطرة فارول وهي تربط النخاع الستطيل بالمخ المتوسط والمخيخ.
ب - النخاع المستطيل وهو: حلقة الاتصال بين النخاع الشوكي والدماغ، وبه مراكز الحياة الأساسية التي تتحكم في التنفس والدورة الدموية والقلب.
جـ - المخيخ: ويتصل بالدماغ المتوسط وبالنخاع المستطيل وقنطرة فارول، وينحصر عمله في السيطرة على العضلات، ويحفظ قوة اتزان الجسم وينظم حركة العضلات الإرادية" (١).
وإذا أصيب الدماغ المؤخري بأي إصابات، فإنه يسبب إغماء طويلًا أو فقدانًا للوعي. لذلك يقول ابن الجوزي: "وجعل العقل أستاذًا والحسّ تلميذًا"، إنها مجرد عبارة أدبية، تنقصها الدقة العلمية، لأن العقل ليس مهيمنًا على تصرفات الإنسان وسلوكه، وكذلك الحواس لها وظائف لا يسيطر عليها العقل البشري، بل هي مستقلة عنه كما يظهِر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم المؤمنين الذين استخدموا حواسّهم في طريقها الصحيح: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣). لولا العقل المفكر لَمَا دمعت العيون بمجرد معرفة الحق. أما الذين عطلوا حواسهم عن وظائفها الحقيقية فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ
стр. 110
مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١).
وهكذا نجد أن الجسم الإنساني وما فيه من أعضاء وحواس لها وظائف متباينة ومتداخلة، لتمكن الفرد من القيام بواجب الاستخلاف في الأرض. وقد أثبت النص السابق قدرة ابن الجوزي وسَعة اطلاعه وثقافته في ترابط خلق الإِنسان الذي يعمل عمل وحدة متكاملة بما أثبت أكثره الطب الحديث من معلومات علمية قيمة، وقد صاغ ابن الجوزي تلك المعارف في أسلوب أدبي لطيف.
د - رأي ابن الجوزي في وظائف العقل البشري وصفاته
يرى ابن الجوزي أن الكائن البشري يتميز عن الحيوان بالعقل لأنه مناط التكليف، ويقرر أنه أجل الأشياء التي وهبها الله للإنسان وبه معرفة الإله وبه تضبط المصالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وتجمع الفضائل (٢). وهذه تعتبر من وظائف العقل البشري الأساسية.
ثنم وضَّح ابن الجوزي أربعة جوانب يتميز بها الإنسان عن الحيوان بصفات العقل فقال: "العقل ويطلق بالاشتراك على أَربعة معان أحدها الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية وهو الذي أراده من قال: هو غريزة وكأنه نور يقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء، والثاني ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، والثالث علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا. والرابع أن منتهى قوته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، والناس يتفاوتون في هذه الأحوال إلا في القسم الثاني الذي هو العلم الضروري" (٣).