حلو وكلّه حامض، وليس هذا الغرض منه، وقال الأخفش: الخبر الثانى وقع كالصّفة (١): للأوّل، وإنما أرادو بالإخبار: أنّ هذا حلو فيه حامضه.
المتعلّق الخامس: لا تعطف الأخبار على مبتدآتها بحرف، الّا بالفاء فى موضعين؛ أحدهما لازم، والآخر غير لازم.
أمّا اللازم ففى موضعين:
أحدهما: أن يكون المبتدأ شرطا جازما بالنيابة (٢)، وجزاؤه جملة اسميّة أو أمريّة أو نهييّة، كقولك: من يأتني فله درهم، ومن يأتك فأكرمه، ومن يكرمك فلا تهنه، ومثله قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (٣)، وحمل عليه سيبويه (٤) وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (٥) تقديره: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، فالفاء داخلة على مبتدأ محذوف، ومنه قول الشّاعر (٦):
ورد وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما غيرّ الغلى منه فهو مأكول
فأمّا قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٧) فتستجئ في باب الشّرط (٨).
стр. 247
الموضع الثانى من اللازم: قولهم: أمّا زيد فقائم، وقوله تعالى:
وَأَمَّا/ ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١)؛ لأنّ" أمّا" يفصّل بها ما أجمله المدّعى، قال سيبويه: تقديره مهما يكن من شيئ فزيد قائم (٢)؛ ففيها معنى الشّرط؛ فلزمت الفاء الخبر، وسيجئ معنى" أمّا" مبيّنا فى (٣) أبنية الحروف، فأمّا قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (٤) فحذف الفاء، لأن المعنى: فيقال لهم: أكفرتم؟!.
وأمّا غير اللازم ففي موضعين:
الأوّل: الأسماء الموصولة، إذا كانت صلتها فعلا أو ظرفا، تقول:
الّذى يأتينى فله درهم، والّذى فى الدّار فله درهم، وفى التنزيل قوله تعالى:
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (٥) وقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ (٦)؛ وأمّا قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٧) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما (٨) فالمبرّد (٩) يحمله على هذا الباب ويقدّره: والذّى سرق والتي سرقت، وسيبويه (١٠)
стр. 248
يرفعهما بالابتداء والخبر محذوف، تقديره: وممّا يتلى عليكم السّارق والسّارقة، ولم يرتكبه سيبويه (١)، لعدم الفعل المحض والظّرف، فحذف الخبر، كما حذف المبتدأ فى قوله:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا (٢)
وأمّا قوله (٢):
أرواح مودّع أم بكور ... أنت فانظر لأىّ أمر تصير
وأنت مرفوع بفعل مضمر يفسّره الظّاهر، ورواح خبر مبتدأ محذوف تقديره: أهذا رواح؟ أو أصاحب رواح أنت؟ فيكون مبتدأ، وما تقدّم خبره، أو هو مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، أو مبتدأ، ورواح (٣) خبره.
فإن وقعت الصّلة جملة اسميّة، أو شرطيّة، لم يجز دخول الفاء، أمّا الاسميّة؛ فلخلّوها من معنى الشرط، وأمّا الشّرطيّة؛ فلانّ الشّرط قد أخذ ما يقتضى من الجواب، فلم يبق فى الكلام معنى مجازاة يقتضى/ دخول الفاء.
стр. 249
الموضع الثّانى من غير اللازم: النكرات الموصوفة، إذا كانت صفتها فعلا أو ظرفا، مثل الصّلة تقول: كل رجل يأتينى فله
درهم، وكل رجل فى الدّار فله درهم، ويجرى حكمها مجرى الأسماء الموصولة، ومنه قول الشّاعر (١):
نرجو فواضل ربّ سيبه حسن ... وكل خير لديه فهو مبذول
وجوّز السّيرافىّ (٢): كلّ رجل فيه شهامة فله درهم، والفرق بين وجود" الفاء" وعدمها: أنّ الدّرهم مع" الفاء" يستحقّ بالإتيان، ولا يستحقّ مع عدمها ويتنزّل منزلة الإخبار، كقولك: زيد له درهم، فإذا ثبتت هذه القاعدة، فلا يجوز دخول الفاء مع الأسماء التى لا تتضمّن نوعا من الشّرط، كزيد وعمرو؛ فلا تقول: زيد فقائم، إلّا على تقدير مبتدأين محذوفين، تقديره: هذا زيد فهو قائم، فتكون الفاء عاطفة جملة على جملة، وعليه قوله:
وقائلة خولان .... (٣) البيت
المتعلّق السّادس: يعتبر الخبر أنّك متى سئلت عنه أجبت بالمبتدأ، لأنّه يرجع إلى أنّه هو فى المعنى؛ تقول: زيد قائم، فيقال: من القائم؟ فتقول: زيد، وتقول: عمرو أخوك، فيقال: من أخوك؟ فتقول: عمرو، وتقول: زيد أبوه منطلق، فيقال: من الذى أبوه منطلق؟ فتقول: زيد، وكذلك إذا سئلت عن المبتدأ أجبت بالخبر، فيقال: من زيد؟ فتقول: الذى أبوه منطلق.
المتعلّق السّابع: تقول: زيد ضربته، فالاختيار فيه: الرّفع على (٤) الابتداء وضربته الخبر، ويجوز النّصب بفعل مضمر يفسّره الظاهر، تقول: زيدا
стр. 250
ضربته، كأنّك قلت: ضربت زيدا ضربته، ومثله قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ (١)، بالرّفع (٢) والنصب (٣)، وقريب منه قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤)، لأنّك إذا نصبت" القمر" لم تجد للنّصب فائدة لا توجد فى الرّفع وإذا نصبت/ كلا اشتمل الخلق على جميع (٥) الأشياء، كأنه قال:
خلقنا كلّ شئ بقدر، وفى حال الرّفع لا يتمحّض (٥) للعموم.
وهذا الضّمير الّذى فى أمثال هذا الخبر على ثلاثة أضرب:
الأوّل: أن يكون الفعل متعدّيا إلى ضمير الاسم المنصوب، ويكون من جنس الأوّل فى العمل، كقولك: زيدا أكرمته،
ألا تراه تعدّى إلى ضمير زيد، وهو مثل المضمر فى العمل.
الثّانى: أن يكون الفعل المظهر متعدّيا إلى ما هو من سبب الاسم المنصوب بفعل مضمر، كقولك: زيدا ضربت أخاه، وهذا يتنزّل منزلة الأوّل فى إضمار فعل ينصب الاسم ويدلّ عليه المظهر؛ من حيث التبس بما هو من سببه حتّى لو قلت: زيدا ضربت عمرا، لم يجز حتى تقول: فى داره أو نحو ذلك.
الثّالث: أن يكون الفعل الظاهر من جنس المضمر فى العمل، كقولك:
زيدا مررت به، فالفعل المضمر ناصب، والمظهر متعدّ بحرف الجرّ، لكنّه لمّا كان فى موضع نصب قدّر المضمر فعلا بمعنى المظهر، وهو: جزت زيدا مررت به، أو ما أشبه ذلك.
فإن عطفت هذا الاسم المختار فيه الرّفع على جملة فعليّة، اختير فيه
стр. 251
النّصب بمضمر كما سبق، تقول: قام زيد وعمرا أكرمته؛ لأنّه لا يعطف اسم على فعل، وسيجئ هذا الفصل مبسوطا فى باب المفعول (١) به؛ حيث هو أولى به.
المتعلّق الثاّمن: حذف الخبر، ولا يخلو الكلام أن يكون فيه دليل على الخبر إذا حذف، أو لا يكون، فإن لم يكن فلا يجوز الحذف، كما قلنا فى حذف المبتدأ، وإن كان فيه دليل على المحذوف جاز حذفه، وقد حذف مفردا وجملة.
أمّا المفرد: فعلى ضربين: ضرب يجوز وجوده فيه، وضرب لا يجوز وجوده فيه.
فالأوّل: كقولك فى جواب من قال لك: من عندك؟ فتقول: زيد، أى زيد عندى، فحذفت" عندى"/ - وهو الخبر - تخفيفا، وهو الأكثر، ولك إظهاره للتّأكيد، ومنه قول الشّاعر (٢):
وإنّى من قوم بهم يتّقى العدا ... ورأب الثّأى والجانب المتخوف
أى: وبهم رأب الثأى، فحذف" بهم" وهو الخبر، وأمّا قول الشاعر:
أرواح مودّع أم بكور
فقد سبق القول (٣) فيه، ومن هذا النّوع قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ (٤)
стр. 252
الخبر محذوف فى أحد القولين (١)، تقديره: أمثل وأولى، وإنّما حسّن الابتداء بالنكرة العطف عليها بنكرة موصوفة.
الثانى: خبر المبتدأ الواقع بعد" لولا" فى قولك: لولا زيد لأكرمتك، أى:
لولا زيد موجود، فهذا الخبر المحذوف لا يظهر، وقد تقدّم ذكر ذلك فى باب (٢) المبتدأ.
ومنه؛ خبر" لعمرك" فى القسم، فى قولك: لعمرك لأفعلنّ، ف" عمرك" مبتدأ خبره محذوف تقديره:
لعمرك قسمى، ولأفعلنّ جواب القسم، وطول الكلام يحسن معه أشياء لا تحسن مع القصر، من الحذف وغيره.
وأمّا الجملة فعلى ضربين:
الضّرب الأوّل: أن لا يكون فى اللّفظ ما ينوب عنه، وإن دلّ عليه، كقولك:
زيد ضربته وعمرو، تقديره: وعمرو ضربته، فحذفت، ضربته؛ لدلالة الأولى عليه، ومنه قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (٣) فحذف الخبر، وهو:
فعدّتهنّ ثلاثة أشهر؛ لدلالة ما قبله عليه، ومثله فى كلامهم كثير، قالوا:" كلّ رجل وضيعته، وأنت أعلم وربّك؛" فكلّ، رفع بالابتداء،" وضيعته" عطف عليه والخبر محذوف، تقديره: مقرونان، والمراد بالضّيعة هنا: الصّنعة (٤) والحرفة وكذلك،" أنت؛ مبتدأ، وأعلم خبره، وربّك، عطف عليه، وخبره محذوف تقديره: كافيك، ولا يجوز أن يكون مثل قولك: أنت أعلم وزيد، أى:
أنتما أعلم من غير كما؛ لأنّ هذا مع الله تعالى/ لا يجوز؛ وإنّما جاز هذا الحذف لأنّ فى الكلام دليلا عليه؛ ولأنّ المعنى: كلّ رجل مع ضيعته، وأنت مع
стр. 253
ربّكّ، ومثله: الحملان حمل (١) ودرهم، فإن ذكرت بعده رخيصا فرفعت (٢) أو نصبت، قلت: بدرهم، وإن جمعت قلت: رخاص؛ ورفعت أو نصبت، فالواو بحالها؛ لأنّ فى الواو معنى مع، ولو وجدت لأغنت.
فأمّا قولهم:" سواء على أقمت أم قعدت"، فكلام محمول على المعنى، تقديره: سواء علىّ القعود والقيام؛ فسواء خبر مقدّم؛ لأنّه نكرة، وقيل: إنّه مبتدأ، وخبره ما بعده، لأنّ ما فى حيّز الاستفهام لا يتقدّم عليه؛ ولأنّ المبتدأ لا يكون جملة، ومثله قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ * (٣) أى: سواء عليهم الإنذار وعدمه، وأمّا قوله: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (٤)، فتقديره: [سواء عليكم أدعوتموهم (٥)] أم صمتّم.
قالوا: ولا يجوز أن يقع بعد سواء فعل مضارع؛ فلا تقول: سواء علىّ أتقوم أم تقعد؛ لأنّ معناه الشّرط ولم يظهر له عمل.
الضّرب الثانى: أن يكون فى اللّفظ ما ينوب عنه، وهو أن يسدّ المعمول مسدّ الخبر، كقولهم: ضربى زيدا قائما"، و" أكثر شربى السّويق ملتوتا" و" أخطب ما يكون الأمير قائما، فضربى،" وأكثر" وأخطب" يرتفعن بالابتداء و" قائما" نصب على الحال، والخبر محذوف، ولا بدّ من إضماره، وتقديره:
إذ كان قائما، وإذا كان قائما، فإذا ظرف زمان، وقد جعل خبرا عن المبتدآت كما تجعل ظروف الزّمان أخبارا عن الأحداث، نحو قولك: ضربى زيدا يوم الجمعة،" وكان" تامّة بمعنى وجد، وحدث، وفيها ضمير - لزيد، وللسّويق
стр. 254
وللأمير، و" إذا" مضاف إليها، كما تضاف سائر ظروف الزّمان إلى الجمل كقولك: زمن يكون زيد قائما، فالمعنى: ضربى زيدا واقع إذا وجد زيد قائما، وأكثر شربى السّويق واقع إذا وجد السّويق ملتوتا، وأخطب ما يكون الأمير واقع إذا وجد الأمير/ قائما، إلّا أنّ فى مسألة الأمير اتّساعا ليس فى الأوليين وهو: إضافة أفعل إلى الظّرف المنزّل منزلة المصدر الذى دلّ عليه قوله:
ما يكون الأمير، وهو: كون الأمير، وتقدير الكلام: أخطب أوقات الأمير إذا وجد قائما.
فأمّا قولهم:" حسبك درهمان"، ف" فحسبك" مبتدأ، و" درهمان" معموله تقديره: ليكفك درهمان؛ لأنّ فيه معنى الأمر، ولا خبر له؛ ولهذا المعنى جزموا ما بعدها من الجواب، كقولهم:" حسبك ينم النّاس" والمازنىّ (١) يعتقد أنّ" حسبك" مبتدأ، ودرهمان خبره.
стр. 255
الباب الثامن: من القطب الأوّل: فى الفاعل
وفيه أربعة فصول
الفصل الأوّل: فى حدّه
اعلم أن كلّ فرقة من العلماء قد اتفقوا فيما بينهم على أوضاع يعرفونها، واصطلاحات يتداولونها، فالنّحوىّ: يسمّى الجملة التى صدرها معتمد البيان وعجزها معتمد الفائدة مبتدأ وخبرا، والمنطقىّ: يسمّيها موضوعا ومحمولا.
وفى اللّغة أسماء تنقل عن وضعها العامّ الحقيقىّ إلى الخاصّ المجازىّ، كالصّوم والصلاة، وقد ذكرنا ذلك مبسوطا فى كتاب «الباهر فى الفروق (١)».
فالفاعل فى أصل الوضع هو: من أظهر الفعل من العدم إلى الوجود، وهو الفاعل الحقيقىّ، ثم نقل عن هذه الرّتبة إلى ما يقاربها، فقال قوم: مؤثّر، وقال قوم: موجد، وقال قوم: سبب، وقال قوم: علّة، وأطلقه النحاة على معنى آخر
وضعا واصطلاحا، وله عندهم شرائط، باجتماعها يصحّ أن يكون فاعلا نحويّا:
الأولى: أن يكون اسما مفردا متمكّنا من الإخبار عنه، ليسند الفعل إليه ويضمر ويرفع؛ لفظا أو موضعا؛ فإنّ الفعل والجملة لا يسند إليهما، والجملة لا تضمر، والظرف والمصدر غير المتمكّن لا يرفعان، فأمّا قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٢) فالفاعل مقدّر وهو
стр. 256
البداء (١) كقوله (٢):
لعمرك والموعود حق لقاؤه ... بدالك فى تلك القلوص بداء
فالمظهر ها هنا، هو المضمر فيه، فأمّا قوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (٣) فإنما رفع على الاتّساع (٤) بإسناد الفعل إلى الظرف، كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، وقيل: البين: الوصل، وهو من الأضداد (٥).
الثّانية: أن لا يكون شرطا ولا استفهماما، لأنّهما لا يتقدّمهما عاملهما إلا أن يكون ابتداء، أو حرف جرّ، أو إضافة.
الثّالثة: أن يكون فى الكلام فعل نحوىّ، كقام وقعد، وما يشبه الفعل كقائم وحسن، إذا اعتمد على حرف الاستفهام أو حرف النّفى، أو كانا صفة أو حالا أو خبرا.
стр. 257
الرّابعة: أن يتقدّم الفعل ومشبهه على الفاعل.
الخامسة: أن لا تغيّر له صيغة الفعل، احتزازا من تغيّره لما لم يسمّ فاعله.
السّادسة: أن يكون الفعل حديثا عنه ومسندا إليه، إيجابا أو سلبا.
فمتى خلا من هذه الشّرائط أو بعضها، لم يكن فاعلا نحويّا.
وتحرير الحدّ: اسم مفرد متمكن غالبا، ليس بشرط ولا استفهام يأتى بعد فعل نحوىّ على وضعه الأصلىّ، أو ما أشبه الفعل معتمدا، ويكون مسندا إليه، إيجابا أو سلبا، كقولك: قام زيد، ومات بكر، وما قام عمرو.
الفصل الثّانى: فى إعرابه
وهو مرفوع، لفظا أو موضعا، أمّا اللفظ فتقول: قام زيد، وأمّا الموضع: فتقول: قام الّذى فى الدّار، ف «الّذى» فى موضع رفع.
ورافع الفاعل: المسند إليه، وكأنّ حقيقة الرّافع إنّما هى المعنى الّذى صار به فاعلا، وهو إسناد الفعل، لا الّلفظ، وإنّما الّلفظ دليل على المعنى، فالتّرتيب فى النّفس هو الّذى عمل، وهذا كالقريب من الابتداء؛ وسواء كان الفعل ماضيا أو مستقبلا، نفّيا أو إثباتا، استفهاما أو جزاء، حقيقة أو مجازا، فهو العامل، نحو: قام زيد، وسيقوم عمرو، وما قام بكر/ وأ يقوم زيد؟ وإن يذهب زيد يذهب عمرو، ووقع الحائط، وجرى النّهر.
وقد يجئ الفاعل ورافعه مضمر محذوف، يقال: من فعل هذا؟ فتقول:
زيد، أى: فعل زيد، ومنه قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ (١) - بفتح الباء (٢) - أى: يسبّحه رجال، ومنه قولهم: هل زيد خرج؟
стр. 258
و «زيد» فاعل فعل مضمر يفسّره الظاهر، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (١)، ومن أمثالهم: «لو ذات سوار لطمتنى (٢)»، وعليه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا (٣)، وقد تقدّم ذلك (٤).
وإنّما خصّ الفاعل بالرّفع لتقدّمه، وللفرق بينه وبين المفعول، ولمناسبة بين قلّة الفاعل وثقل الرّفع، ولبعضهم فيه كلام محرّر، قال: إنّما رفع لقلّته وقوّته، وسبقه (٥).
الفصل الثالث: فى مرتبته
وهى تلى الفعل، لأنّه كالجزء منه، فلا يجوز أن يتقدّم على الفعل، لأنّه يصير مبتدأ بعد أن كان فاعلا، فلا تقول فى، قام زيد: زيد قام، و «زيد» فاعل «قام»، ويظهر ذلك فى التّثنية والجمع، ألا ترى أنّه لا يجوز أن تقول فى، ضرب الزّيدان: الزّيدان ضرب، حتّى تقول: ضربا، فيصير مبتدأ وخبرا، والألف فى «ضربا» فاعل وعلامة التّثنية.
فأمّا تأخّره عن المفعول، فإنما جاز، لأنّ المفعول فضلة، وإن تقدّم، والنّيّة فى الفاعل التقدّم عليه، وإن تأخّر عنه، تقول فى: ضرب زيد عمرا: ضرب عمرا زيد، وهذا إنّما يفعلونه إذا كان أحد الأمرين أهمّ عندهم، قال سيبويه:
وإنمّا يقدّمون فى كلامهم ما هم ببيانه أهمّ، وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم (٦)، ومثله قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ
стр. 259
الْعُلَماءُ (١)، فإن عرض فى الكلام لبس لم يجز تأخّره، مثل أن يكونا مقصورين، أو مبنيّين، نحو: ضرب موسى عيسى، وضرب من قام من قعد، فيلزم كلّ منهما مرتبته، فإن كان فى الكلام قرينة لفظيه أو معنويّة تزيل اللّبس، نحو: ضربت يحيى ليلى، وضرب هذه هذا، وكسر العصا الرّحى، [جاز (٢)]، فإذا تقرّر ذلك وقلت/: ضرب زيد
غلامه، أو: ضرب غلامه زيد، أو ضرب زيدا غلامه، أو: ضرب غلامه زيدا، جازت الثّلاث الأول، ولم تجز الرابعة.
أمّا الأولى: فلا كلام فيها، لأنّ كلّا من الفاعل والمفعول والمضمر فى مكانه، وهو جار على نظم الكلام.
وأمّا الثانية: فإنّما جازت، لأن النيّة فى «زيد» التّقديم وإن تأخّر لفظا، ولا يضرّ الإضمار قبل الذّكر، فإنّ النّية فيه الّتأخير.
وأمّا الثّالثة: فمثل الثانية فى الجواز وأحسن؛ لأنّه لم يتغيّر عن مكانه إلا الفاعل - والنّيّة فيه التّقديم - ولمّا تأخّر، وقرن به الضّمير، وتقدّم المفعول، صار الضّمير مذكورا بعد من هوله، فجازت المسألة، ومنه قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (٣)، وأمّا الرّابعة: فلم تجز؛ لأنّ الفاعل والمفعول وقعا فى موضعهما، وليس فى أحدهما نيّة تقديم ولا تأخير وقد وقع الضّمير قبل الذّكر، لفظا وتقديرا.
стр. 260
والأصل فى هذا الباب: أنّ الضّمير إذا تقدّم لفظا ولم يتقدّم تقديرا كالثّانية، أو تقدّم تقديرا ولم يتقدّم لفظا، كالثّالثة، أو لزم مرتبته، كالأولى؛ فإنّ ذلك جميعه جائز، فإن تقدّم لفظا وتقديرا كالرّابعة، لم يجز، ومتى اتّصل ضمير المفعول بالفاعل، كالثالثة، لم يجز إلّا تأخير الفاعل؛ لئلّا يتقدّم المضمر على الظاهر، وهو فى موضعه، ومثله فى قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها (١).
فأمّا قوله (٢):
جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم
وقوله (٣):
ألا ليت شعرى هل يلومنّ قومه ... زهيرا .......
فالهاء فى «ربّه» و «قومه» راجعة إلى الجزاء واللّوم؛ لدلالة «جزى»
стр. 261
و «يلومنّ» عليها، وليست عائدة إلى «عدىّ» و «زهير»، وقد جوّزه ابن جنّى فى «الخصائص (١)» وهو بعيد.
ومرتبة المفعول الأوّل من المفعول الثانى مرتبة الفاعل من المفعول، تقول:
أعطيت زيدا درهمه، ف «زيد» صاحب «الدّرهم»، وهو المفعول الأوّل.
فإن اتّصل به الضمير وجب تأخيره، تقول: أعطيت الدّرهم صاحبه، ولم يحسن أعطيت/ صاحبه الدّرهم، ومنه قوله (٢):
ومن كان يعطى حقّهنّ القصائدا
جاز ذلك، لأنّه المفعول الثّانى.
وتقول: أخذ ما أراد زيد، و: ما أراد أخذ زيد، والكوفىّ لا يجيز الثانية (٣).
الفصل الرّابع: فى أقسام الفاعل، وأحكامها
ولا يخلو الفاعل أن يكون مظهرا أو مضمرا، وكلّ منهما لا يخلو: أن يكون: مذكّرا أو مؤنّثا، وكلّ من المذكّر والمؤنّث لا يخلو: أن يكون واحدا، أو مثنى، أو مجموعا، فانحصرت القسمة فى اثنى عشر نوعا، تندرج أحكامها فى: مقدّمة، وأربعة فروع.
المقدّمة:
اعلم أنّ الفاعل ينقسم ثلاثة أقسام: فاعل فى اللّفظ والمعنى، نحو:
قام زيد، ويقوم عمرو، وفاعل فى اللّفظ دون المعنى، نحو: مات زيد، وينقضّ
стр. 262
الجدار، وفاعل فى المعنى دون الّلفظ، نحو: أعجبنى ضرب زيد عمرا.
ولا بدّ للفاعل من فعل: مظهر، كما سبق، أو مضمر، كما أنّ الفعل لا بدّ له من فاعل، فإن لم يكن مظهرا بعده، فهو مضمر فيه، لأنّ الفعل مسند، ولا بدّ له من مسند [إليه (١)]، يقال: من فعل؟ فتقول: زيد، أى: فعل زيد، وكذلك كلّ اسم وقع فى موضع لا يقع فيه إلا الفعل، كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (٢)، وقوله: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ (٣) وقول العرب: «لو ذات سوار (٤) لطمتنى»، كلّ هذا وأمثاله مرفوع بفعل مضمر يفسّره الظاهر، وسنزيده وضوحا فيما يأتى:
الفرع الأوّل: فى المظهر والمضمر .
والمظهر على ضربين: أحدهما عار من حرف الجرّ، نحو: قام زيد، وخرج عمرو.
والثانى يقرن به حرف الجرّ، وهو على ضربين: لازم، ومفارق.
فاللازم، نحو قولك: أحسن بزيد، فى التّعجّب، الأصل: حسن زيد، تقديرا وأمّا المفارق فنوعان: نفى وإثبات.
стр. 263
فالنّفى، نحو قولك: ما جاءنى من أحد، لأنّك تقول: ما جاءنى أحد.
والإثبات، كقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً * (١)، وكقول الشّاعر (٢):
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد
لأنّك تقول: كفى الله شهيدا، وألم يأتك ما لاقت.
والمضمر على ثلاثة أضرب: أحدها:
ما جرى ذكره، نحو: زيد قام، أى: قام هو.
والثانى: أن يدلّ الحال عليه وإن لم يذكر، كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣)، يعنى الشّمس، وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٤) يعنى الأرض.
والثالث: أن يكون مضمرا لا يستعمل إظهاره، ولكن يفسّر كفاعل «نعم» و «بئس» إذا لم يكن فيه الألف واللام، ولا مضافا إليهما نحو: نعم رجلا زيد، تقديره: نعم الرّجل رجلا زيد، ونحو الفاعل فى:
ضربنى وضربت زيدا، عند البصرىّ (٥)، فإنّ فاعل «ضربنى» مضمر.
стр. 264
الفرع الثانى: فى المؤنّث:
إذا كان الفاعل مؤنثا، فلا يخلو تأنيثه: أن يكون حقيقيّا، أو غير حقيقىّ، وهو: ما لا ذكر له بإزائه، أو ما ليس له فرج.
وأمّا الحقيقى: فلا بدّ له فى الفعل من علامة تميّزه، إذ هو معنى لازم، ولا يقنع لفظه، لاشتراك التّسمية به؛ وسواء
كان ظاهرا أو مضمرا، مفردا أو مثنى؛ تقول: قامت هند و: قامت الهندان، وهند قامت، و: الهندان قامتا، وكذلك اسم الفاعل، والمفعول، والصّفة المشبّهة، تقول: مررت برجل ضاربة جاريته، ومضروبة جاريته، وحسنة جاريته، فإن فصلت بين الفعل والفاعل فكذلك، وقد حذفوها فيه قليلا، نحو ما حكوا من قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة، ولم يجئ له فى التّنزيل نظير، وجاء فى الشّعر، قال (١):
إنّ امر أغرّه منكنّ واحدة ... بعدى وبعدك فى الدنيا لمغرور
ومثله قول الآخر (٢):
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء
стр. 265
وحكى سيبويه: قال فلانة (١)، وردّه المبّرد (٢)، وجوّزه الأخفش (٣) والرّمانىّ (٤).
وأمّا غير الحقيقىّ: فلا يخلو؛ أن يكون مفردا، أو مثنى، أو مجموعا.
أمّا المفرد: فلا يخلو؛ أن يكون مظهرا، أو مضمرا، أمّا المظهر: فإثبات العلامة له أولى؛ لأنّه مؤنّث، ولك حذفها؛ حملا على المعنى، تقول: حسنت دارك، وحسن دارك، وهذا رجل كريمة منقبته، ومحمودة امرته، وحسنة صفته، وكريم، ومحمود، وحسن، ومن هذا النوع قوله تعالى:
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ (٥)، وقوله: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٦) وقوله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٧).
فإن فصلت بين الفعل والفاعل كان حذفها أحسن، كقوله تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (٨)، وقوله: وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (٩) وقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ (١٠)، والإثبات فيه أيضا كثير، كقوله تعالى: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (١١)، وكقول النّبىّ ﵇: «حرّمت عليكم
стр. 266
الخمر (١)»، وكقوله تعالى: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (٢).
وأمّا المضمر: فتلزم له العلامة، تقول: دارك حسنت، ولا يجوز، دارك حسن، وقد جاء فى الشّعر، قال الشّاعر (٣):
إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطّريق الواضح
ومثله قوله (٤):
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
والقياس: ضمّنتا، وأبقلت.
وحذف العلامة من هذا النوع محمول على المعنى، فأوّلو الدّار بالمنزل، والسّماحة والمروءة بالكرم والجود، والأرض بالمكان، ولا يجوز أن تقول: - على هذا - وقعت البيت؛ حملا على الدّار، ولا أنبتت المكان؛ حملا على الأرض؛ لأنّه حمل أصل على فرع، وقد شذّ قول بعض الأعراب: «إنّ فلانا لغوب جاءته كتابى (٥) فاحتقرها» فقيل له فى ذلك، فقال: أليس الكتاب صحيفة،
стр. 267
وقد جاءت فى الشّعر، قال (١):
يا أيّها الرّاكب المزجى مطيّته ... بلّغ بنى أسد: ما هذه الصّوت؟
وأمّا المثنّى فحكمه حكم المفرد فى الإثبات والحذف، تقول:
حسنت داراك، وحسن داراك، وداراك حسنتا.
وأمّا المجموع: فلا يخلو: أن يكون جمع صحّة، أو جمع تكسير.
فإن كان جمع صحّة، فلا يخلو: أن يكون لمذكّر، أو مؤنّث، فالمذكّر:
لا يجوز فيه إثبات العلامة؛ لبقاء صيغة المفرد فيه، فلا تقول: قامت الزّيدون، وقد جاء إثباتها فى الشّعر، قال (٢):
قالت بنو عامر: خالوا بنى أسد ... يا بؤس للحرب ضرّارا لأقوام
وأمّا المؤنّث: فإن كان حقيقيّا لم يحسن فيه إلا إثبات العلامة، تقول:
стр. 268
قامت الهندات، وقد جاء حذفها فى الشّعر، وابن جنّى (١) يجيزه فى النّثر.
وإن كان غير حقيقىّ فلك فيه الحذف، والإثبات، وصلا، وفصلا، تقول:
امتلأت الجفنات وامتلأ، ومنه قوله تعالى: جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ * (٢) وجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ * (٣) وذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي (٤)، وعليه قراءة حمزة (٥) والكسائىّ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي (٦) بالياء.
وإن كان جمع تكسير جاز فيه الأمران، وسواء فيه المذكّر والمؤنّث الحقيقىّ وغير الحقيقىّ، تقول: قام الرّجال، و: قامت الرّجال، و: قامت النّساء، و: قام النّساء، ومنه قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا (٧) وقوله: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ (٨)، وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (٩)، فمن ذكّر أراد «الجمع»، لأنّ لفظه مذكّر، ومن أنّث أراد «الجماعة» لأنّ لفظها مؤنّث، واسم الفاعل، والمفعول، والصّفة كذلك، وحكم الفصل فيه حكمه مع المفرد، والحذف فيه أحسن، كقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ (١٠) ويلحق بهذا القسم جميع أسماء جمع المذكّر العاقل، نحو: قوم،
стр. 269
ورهط، ونفر وجميع أسماء جمع/ المؤنّث، نحو: إبل، وغنم.
الفرع الثالث: [في الفاعل المثني أو المجموع]
إذا كان الفاعل مثنى، أو مجموعا، ذكرت الفعل قبله موحّدا؛ لأنّ التثنية والجمع معنى يفارق الاسم، فلا يلزم له علامة، تقول: قام زيد، وقامت هند وقام الزيدان، وقام الزيدون، وبعض العرب يلحقه علامة، لأنّه معنى زائد وهو قليل، قالوا: «أكلونى البراغيث»، وقد حمل عليه قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ (١)، وقوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٢) وقول الشّاعر (٣):
يلوموننى فى اشتراء النّخيل قومى وكلّهم يعذل
ويروى: وكلّهم ألوم، وقول الآخر (٤):
ولكن ديافىّ أبوه وأمّه ... بحوران يعصرن السّليط أقاربه
стр. 270
وهذا كلّه محمول على البدل (١)، وغيره (٢).
فإن قدّمت الفاعل على الفعل صار مبتدأ، وصار الفعل خبره، وفيه ضميره، فتثنّى الضمير، وتجمعه، فتقول: الزيدان قاما، والزيدون قاموا والهندان قامتا، والهندات قمن، وقامت، فالألف فى «قاما» علامة التثنية والضّمير، والواو فى «قاموا» علامة الجمع والتّذكير والعلم والضمير، والنون فى «قمن» علامة الجمع والتأنيث والضمير، قال المازنىّ (٣): العرب تقول:
«الأجذاع انكسرن» لأدنى العدد، و «الجذوع انكسرت (٤)» للكثير، وقالوا - على هذا -: لثلاث خلون، و: لثلاث بقين، إلى العشر، ولإحدى عشرة خلت، فما فوقها، وليس هذا بلازم، ولكنّهم كذا استعملوه، فالنون والتّاء يدخلان جمع المؤنّث؛ الحقيقىّ وغير الحقيقىّ، إلّا أنّ النون فى الحقيقىّ أحسن، والتّاء فى غير الحقيقىّ أحسن، تقول: النّسوة انطلقن، وانطلقت، والسّاعات انقضت، وانقضين.
وتضاف هاء ضمير المؤنّث الواحد إلى الجمع، تقول: الأيّام قضيتها والنّساء ضربتها، وهى مع غير الحقيقىّ أحسن، وعليه قوله تعالى: إِنَ
стр. 271
عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً (١) ثمّ قال: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (١) فجعل «الهاء» للاثنى عشر، و «النّون» للأربعة.
الفرع الرابع (٢): [اجتماع فعلين على اسم له بهما تعلق في المعنى]
إذا اجتمع فعلان بعدهما اسم له بهما تعلّق فى المعنى، حمله البصرىّ (٣) على الثّانى، لأنّه الأقرب، وحمله الكوفىّ (٣) على الأوّل، لأنّه الأسبق، تقول:
قام وقعد زيد، فالبصرىّ يرفع «زيدا» ب «قعد»، والكوفىّ ب «قام»، وتقول:
ضربت وضربنى زيد، فالبصرىّ يرفع «زيدا»، لأنّه فاعل، والكوفىّ ينصبه، لأنّه مفعول، وفى الأوّل عند البصرىّ ضمير، وفى الثّانى عند الكوفىّ ضمير.
فإذا اثنّيت قلت، عند البصرىّ: قاما وقعد الزيدان، وضربت وضربنى الزّيدان، وعند الكوفىّ: قام وقعدا الزّيدان، وضربت وضربانى الزّيدين، ولم يحتج البصرىّ فى مثل هذه إلى تثنية ضمير المفعول؛ لأنّه فضلة.
وممّا جاء على قول البصرىّ قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٤)، فلو أعمل الأوّل لقال: آتونى أفرغه عليه قطرا (٥)، أى آتونى قطرا أفرغه عليه كقول الشّاعر (٦):
стр. 272
ولم أمدح لأرضيه بشعرى ... لئيما أن يقال: أصاب مالا
وممّا جاء على قول الكوفىّ قول الشّاعر (١):
وقد نغنى بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخدالا
فلو أعمل الثّانى لقال: يقتادنا الخرد الخدال.
وممّا يحتمل القولين قول الشّاعر (٢):
تمنّت - وذاكم من سفاهة رأيها - ... لأهجوها لمّا هجتنى محارب
فإعراب «محارب» عند الفريقين واحد، والتقدير مختلف، والأولى فى هذا البيت: قول الكوفىّ؛ ليعود الضّمير فى «لأهجوها» إليه.
وقد أجاز سيبويه (٣): ضربت وضربونى قومك، على البدل من الواو واستقبحه الفارسىّ (٤).
واسم الفاعل مع الفعل هذا حكمه، تقول: مررت برجل ضارب حين أقبل زيد، ومنه قول الشّاعر (٥):
стр. 273
وإنّك والكتاب إلى علىّ ... كدابغة وقد حلم الأديم
فأعمل فيه الثانى، وقد أورد الفارسىّ (١) على إعمال الثانى قول الشّاعر (٢):
قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها
وفى الاستشهاد به إشكال، لأنّ قوله: «وعزّة» مبتدأ، و «ممطول ومعنّى» خبراه، وكلّ منهما يتعلّق ب «غريمها»؛ لأنّ المعنى: يمطل غريمها، ويعنّى غريمها؛ فلا يجوز أن يرفع «غريمها» ب «ممطول»؛ لأنّه يكون مقدّما فى النّيّة، وإذا تقدّم وجب إضماره فى «معنّى» الّذى هو بعده فى التقدير، و «معنّى» قد جرى على «عزّة»، وهو لغيرها، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له برز ضميره؛ فيحتاج أن تقول: وعزّة ممطول معنّى هو غريمها، لأنّ التقدير - على هذا القول - وعزّة ممطول غريمها معنّى هو، فلمّا لم يكن فى البيت ضمير بارز، علمت أنّ «غريمها» مرفوع ب «معنّى»، كأنّه قال:
وعزّة ممطول غريمها معنّى غريمها، وقيل: إنّ «غريمها» مرتفع ب «ممطول»، و «معنّى» حال منه، وعامله «ممطول».
وأمّا قول امرئ القيس (٣):
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليل من المال
стр. 274
فليس من هذا الباب؛ لأنّه لا يجوز أن يعمل فى «قليل» إلا «كفانى»، وليس ل «أطلب» به تعلّق، لفساد المعنى، فإنّ غرضه: لو أنّ سعيى للدّون كفانى القليل ولم أطلب الملك، ولو علّقت به «أطلب» لكان المعنى: كفانى القليل ولم أطلب القليل، وهذا متناقض.
стр. 275
الباب التاسع: من القطب الأوّل: فى المفعول/ الّذى لم يسمّ فاعله
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأوّل: فى تعريفه
قد يحذف الفاعل من اللفظ لغرض، ويقام المفعول مقامه، ويعطى إعرابه، لأنّ الفعل قد اشتغل به، وهذا جار فى العربيّة، أن يعطى النّائب حكم المنوب عنه، كحذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وإعرابه بإعرابه، فإذا فعلوا ذلك غيّروا له هيئة الفعل؛ إيذانا بذلك، ودفعا للّبس بين الفاعل والمفعول، وضمّوا صدر الفعل إذا كان حرفا يثبت فى الابتداء والوصل؛ إعلاما أنّ المحذوف كان يستحقّ هذه الحركة، نحو: ضرب زيد، وأكرم عمرو.
فإن كان فى أوّل الفعل همزة وصل، ضمّ أوّل المتحرّكات من الفعل، نحو: انطلق بزيد، واستخرجت الدّراهم. فأمّا
ضمّة الهمزة، إذا ابتدئ بها، فللإتباع.
وإن كانت عين الفعل معتلّة كسر أوّله نحو: قيل، وبيع، وسيرد موضّحا فى التّصريف.
وبين النّحاة في هذا الباب خلاف.
فمنهم من (١) يزعم أنّه قائم بنفسه مستدلا بأنّ فى الأفعال ما لا يذكر معه فاعل البتّة، نحو: وضع (٢) الرّجل فى تجارته ووكس (٣) وجنّ وزكم.
стр. 276
ومنهم من يقول: إنّه فرع على غيره، وهم الأكثر (١).
وسيبويه (٢) يرفعه من حيث يرفع الفاعل، وهو إسناد الفعل إليهما، وغيره يزعم أنّه محمول فى الرفع (٣) على الفاعل.
والتقديم والتّأخير، والإظهار والإضمار فى الاسم القائم مقام الفاعل مثله فى الفاعل، يجوز فيه ما جاز فيه، ولا فرق.
الفصل الثّانى: فى دواعيه
الحاجة إلى بناء المفعول لما لم يسمّ فاعله أحد أشياء:
الأوّل: أن يكون الفاعل معلوما، كقولك: زلزلت الأرض، وخلق الخلق فيعلم أنّ الله مزلزلها، وخالقهم.
الثانى: أن يكون الفاعل مجهولا، والمفعول معلوما، كقولك: ضرب زيد، وشتم عمرو، وهو الغالب/ على هذا الباب.
الثالث: أن يكون الفاعل معلوما، لكن يخاف عليه، أو منه، فتقول: قتل زيد، وأنت تعرف قاتله، ولكن لم تسمّه؛ خوفا منه، أو عليه؛ لئلّا يعرف.
الرابع: أن يكون الفاعل عظيما، كقولك: صفع الوقّاد، وقد صفعه الأمير.
الخامس: أن يكون الفاعل حقيرا، كقولك: شتم الأمير، فلا تذكر شاتمه؛ لحقارته.
стр. 277
الفصل الثالث: فى بناء أفعاله
لا يخلو الفعل المبنىّ لما لم يسمّ فاعله: أن يكون متعدّيا، أو غير متعدّ، والمتعدّى لا يخلو: أن يكون متعدّيا بنفسه، أو بغيره، والمتعدّى بنفسه لا يخلو:
أن يتعدّى إلى مفعول واحد، أو إلى مفعولين، أو إلى ثلاثة مفاعيل، والمتعدّى إلى مفعولين لا يخلو: أن يقتصر على أحد مفعوليه، أو لا يقتصر، ويفرّق بينهما: أنّه متى وجد المفعول الثّانى هو الأوّل، فهو الذى لا يقتصر على أحد مفعوليه، ومتى لم يكن هو هو، فهو الّذى يقتصر على أحد مفعوليه، فحصل من هذا التقسيم ستّة أفعال.
الأوّل: غير المتعدّى، نحو: قام وقعد، ولا يبنى لما لم يسمّ فاعله، إلّا أن ينقل، أو يكون مصدره، أو أحد طرفيه مذكورا، نحو: قمت قياما يوم الجمعة فى الدّار؛ لأنّ الغرض من هذا الباب هو: حذف الفاعل، وإقامة المفعول مقامه، قإذا لم يكن ثمّ مفعول، وحذفت الفاعل بقى الفعل حديثا غير محدّث عنه، فإن نقلته بالهمزة والتّضعيف بنيته له، فقلت: أقيم زيد، وقعّد عمرو، وقد أجاز الفرّاء (١): قيم، وقعد، وذهب.
الثّانى: المتعدّى إلى مفعول واحد، لا يقام مقام الفاعل غيره، تقول فى ضربت زيدا، وأكرمت عمرا: ضرب زيد، وأكرم عمرو، ولا يجوز فى:
ضربت زيدا الضّرب، أن تقيم «الضرب» مقام الفاعل، لأنّ «زيدا» مفعول به صحيح و «الضرب» مصدر، وتقول فى، دفعت المال إلى زيد، وبلغت بعطائك خمسمائة: دفع المال إلى زيد، وبلغ بعطائك خمسمائة، لا تقيم مقام الفاعل إلا المال، وخمس المائة، دون الجارّ والمجرور، فإن قصدت الاقتصار
стр. 278
على ذكر المدفوع، والمبلوغ به، قلت: دفع إلى زيد، وبلغ بعطائك.
الثّالث: ما لا يقتصر على أحد مفعوليه، لا يحسن أن يقام مقام الفاعل إلا أوّل مفعوليه، لأنّ الأوّل مخبر عنه فى المعنى، والثّانى خبر، فلو أقمت الثانى مقام الفاعل، جعلت المخبر عنه خبرا، والخبر مخبرا عنه، تقول فى، ظننت زيدا قائما: ظنّ زيد قائما، ولا يجوز، ظنّ قائم زيدا، ولا سيّما إذا كان الثّانى جملة أو ظرفا، لأنّ الفاعل لا يكونهما.
الرّابع: الذى يقتصر على أحد مفعوليه، وهو على ضربين.
أحدهما: أن يصحّ فى الثّانى ما صحّ فى الأوّل، ولا يقام مقام الفاعل إلا أوّل مفعوليه، تقول: أعطيت زيّدا غلاما، فلا تقول إلا: أعطى زيد غلاما؛ لأنّ «زيدا» آخذ فى المعنى، ولا تقدّم الثانى على الأوّل مع ذكر الفاعل.
والآخر: أن لا يصحّ فى الثانى ما صحّ فى الأوّل، ولك فى مفعوليه الخيار، والأولى أن تقيم مقام الفاعل أوّل مفعوليه، فتقول فى، أعطيت زيدا درهما: أعطى زيد درهما، لأنّ الدّرهم لا يكون آخذا، ويجوز: أعطى درهم زيدا، كما قالوا: «أدخل القبر زيدا» و «أدخلت القلنسوة رأسى»، وإنمّا جاز ذلك لزوال الّلبس، فلو قلت - على هذا - ضرب زيدا سوط، لم يجز، لأنّ سوطا» فى موضع مصدر تقديره ضربت زيدا ضربة بسوط، أو ضربة سوط، وقد جوّز بعضهم أن تقول فى: سمّيت أبا محمّد زيدا، وكنيت زيدا أبا محمد:
سمّى أبو محمد زيدا، وكنى زيد أبا محمّد، فتنصب ما يحسن فيه حرف الجرّ، لأنك تقول: سمّيته بزيد، وكنيته بأبى محمّد.
الخامس: المتعدّى إلى ثلاثة مفعولين، ولا يقام مقام الفاعل غير المفعول الأوّل؛ لأنّه قد كان - قبل نقل هذه الأفعال بالهمزة، أو التضعيف - فاعلا فتقول فى: أعلم الله زيدا عمرا عاقلا: أعلم زيد عمرا عاقلا.
стр. 279
السّادس: المتعدّى بغيره، ولا يخلو: أن يكون غير متعدّ فى الأصل، وقد تعدّى بغيره، أو يكون متعدّيا، وعدّى بغيره إلى غير ما هو متعدّ إليه.
فالأوّل، يقام مقام الفاعل ما عدّى إليه، تقول فى، سرت بزيد، و:
أذهبت زيدا، و: فرّحت زيدا: سير بزيد، وأذهب زيد، وفرّح زيد.
فإن كان مع المجرور الظّرفان المتمكّنان - احتراز من: عند، ولدن وسحر - أو المصادر الموصوفة، جاز أن تقيم أيها شئت مقام الفاعل، وترفعه وتنصب الباقى، تقول: سير بزيد فرسخان يومين سيرا شديدا، و: سير بزيد فرسخين يومان سيرا شديدا، و: سير بزيد فرسخين يومين سير شديد، وفى التنزيل فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١).
ولا تقام الظّروف مقامه حتىّ تنقل عن باب الظّرفيّة إلى المفعول به، لتقدير" فى" فيها، ولا تقام المصادر مقامه حتّى توصف؛ لأنّه لا فائدة فيه غير موصوف، إلّا ما استفيد من الفعل، فإذا لم تنقل الظّرف، ولم تصف المصدر فالوجه النّصب، تقول: سير بزيد سيرا، وسير بزيد مكانا، أو يوما.
وقد جوّزوا: سير بزيد سير، إذا أردت به ضربا واحدا من السير فكأنّه موصوف.
ويجوز - إذا لم تقم المجرور مقام الفاعل - أن تحذف ما تقيمه مقام الفاعل، وتضمره، وهو إمّا مصدر، أو ظرف دلّ الفعل عليهما؛ إذ كان لا يخلو عنهما.
فالمصدر، كقولك: سير بزيد فرسخا، كأنّك قلت: سير السّير بزيد فرسخا، فأضمرت السّير؛ لدلالة: «سير" عليه، كما قالوا:" من كذب كان
стр. 280
شرّا له"، أى: كان الكذب شرا له، ومثله قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ (١)، أى: ولا تحسبنّ بخل الذين يبخلون.
وأمّا الظّرف، فأن تضمر فى المسألة ظرفا يدلّ" سير" عليه، نحو:
الطريق، وما أشبهه؛ لأنّ السّير يكون فيه، فتقول: سير عليه فرسخا، كأنّك قلت سير عليه الطريق فرسخا.
فأمّا الحال، والتّمييز، والمفعول له، ومعه، فلا يقام شئ منها مقام الفاعل، فإذا قلت: سير بزيد قائما، ونصبّب زيد عرقا، وجئتك ابتغاء معروفك، فلا تقيم" قائما" و" عرقا" و" ابتغاء معروفك" مقام الفاعل.
وقد أجاز قوم (٢) فى:" كان زيد قائما": كين قائم، قال ابن (٣) السّرّاج: وهذا عندى لا يجوز، من قبل أن" كان" فعل غير حقيقىّ، وهو ناقص فلا يبنى لما لم يسمّ فاعله، كما لا يبنى من الأفعال التّى لا تتصرّف، لأنّ بناءها تصرّف فيها.
وأمّا الثانى - وهو المتعدّى بنفسه وبغيره - فلا يقام مقام الفاعل إلّا (٤) ما تعدّى إليه الفعل بنفسه، وهى الأقسام المقدّم ذكرها، نحو: حملت زيدا إلى عمرو، وأضربت زيدا عمرا، وأظننت زيدا عمرا عاقلا، وأعلمت زيدا عمرا خير النّاس.
والأسباب المعدّية ترد فى باب المفعول به (٥)، وهى عكس هذا الباب، لأنّ هذا هدم، وذاك بناء.
стр. 281
الباب العاشر من القطب الأوّل: فى المفعولات
قبل أن نخوض فى ذكر المفعولات، فلنذكر جملة من المنصوبات الّتى المفعولات منها، وقد ذكر لها حدود رسميّة (١)، غير جامعة لأفرادها، ولا ناظمة لآحادها، وكان الأولى عدّها حيث تعذّر حدّها (٢) ويجمعها قسمان أصل وفرع.
فالأصل خمسة أنواع: مفعول مطلق، ومفعول به، ومفعول فيه، ومفعول له، ومفعول معه.
والفرع سبعة أنواع: حال، وتمييز، واستثناء - ولها باب مفرد يلى (٣) هذا الباب - وخبر كان وأخواتها، واسم إنّ واخواتها، واسم" لا" النافية، وخبر" ما" النّافية، وسترد فى باب (٤) العوامل؛ فلنورد حينئذ المفعولات فى:
مقدّمة وخمسة أنواع.
المقدّمة:
اعلم أنّ الموجودات/ جواهرها، وأعراضها، يصحّ أن تكون فاعلة ومفعولة، تقول: قام زيد، و: شرف العلم، و: رأيت زيدا، و: كرهت الجهل وقد ذكرنا من أحكام الفاعل فى بابه، وما يصحّ له، وما لا يصحّ له.
والفاعل يكون له مفعولات، ولا يكون لمفعول واحد أكثر من فاعل واحد فإذا قيل لك - وقد ضربت زيدا -: ما صنعت؟ قلت: الضّرب، فإذا قيل لك:
بمن أوقعته؟ قلت: بزيد، فإذا قيل (٥): متى؟ وأين؟ قلت: يوم الجمعة فى السّوق، فإذا قيل: لم ضربته؟ قلت: ليتأدّب؛ فلذلك سمّى الأول مفعولا مطلقا؛ لأنّه على الحقيقة فعل محض؛ وذلك أنك إذا قلت: قمت قياما، فقد
стр. 282
أخرجت القيام من العدم إلى الوجود؛ لأنّه غير مقيّد بشيء، كما فى المفعولات
وسمّى الثّانى مفعولا به؛ لأنّ الفعل به وقع.
وسمّى الثّالث مفعولا فيه؛ لأنّ الزّمان والمكان محلّان للأفعال، لا بدّ لها منهما.
وسمّى الرّابع مفعولا له؛ لأنّه عذر الفعل وسبه.
ولمّا جاز أن يصاحب الإنسان فى فعله غيره، وليس من ضرورته. قيل:
مفعول معه.
وقد زاد السّيرافّى (١) مفعولا منه، واستدلّ بقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (٢)، أى من قومه، والعلماء على خلافه.
وهذه الأنواع الخمسة منصوبة أبدا، ما دامت على بابها، لفظا، أو موضعا؛ وإنّما نصبت للفرق بينها وبين الفاعل، ولمناسبة بين كثرتها وخفّة النّصب، وهى تتفاضل فى دلالة الفعل عليها؛ فأقواها دلالته على المصدر، لأنه من لفظه، وينوب عنه فى قولك: ضربا زيدا، وتعمل عمله، ثمّ ظرف الزّمان لأنّه لأجله، وضع، ولولا الزّمن المختصّ لم يحتج إلى صيغة الفعل، ثمّ ظرف المكان، لافتقاره إليه فى الوجود، ثمّ المفعول له؛ لصدوره عن الغرض الباعث على فعله، ثم المفعول معه؛ لعدم الاضطرار إليه.
وأمّا المفعول به فإنّه وإن نقص عن مرتبة المصدر، فإنّه بمنزلة الفاعل فى حاجة الفعل إليه؛ ولهذا/ يقوم مقام الفاعل، وإنّما أخّر عن المصدر؛ لأنّ فى
стр. 283
الأفعال ما لا يتعدّى إلى مفعول، وكلّها تتعدّى إلى المصدر؛ فلذلك قدّم عليه.
النّوع الأوّل. فى المفعول المطلق
، وهو المصدر، وفيه أربعة فصول.
الفصل الأوّل: فى تعريفه، وأقسامه
وحدّه: كلّ اسم دلّ على حدث وضعا، وزمان مجهول ضمنا، وهو وفعله من لفظ واحد غالبا، ألا ترى أنّ لفظ الضّرب يدلّ على الحدث بالوضع، وعلى الزّمن المجهول بالتّضمّن؛ لأنه لا حدث إلّا فى زمان، وقولنا غالبا؛ احتراز ممّا لا فعل له، وممّا جاء من معنى الفعل، كما سيأتى بيانه (١).
وسيبويه (٢) يسمّى هذا الباب: الحدث، والحدثان، والمعانى، وربّما سمّاه الفعل، لا باعتبار الأفعال النّحويّة.
وله انقسام باعتبارين.
الأعتبار الأوّل: ينقسم إلى: مبهم، ومختصّ، ويسمّون المختصّ مؤقّتا.
فالمبهم نحو: ضربت ضربا، وقعدت قعودا، لأنك لا تريد نوعا من الضّرب والقعود بعينه.
والمختصّ كقولك: ضربت ضربة، تريد مرّة، وقمت القيام الّذى تعلم، فليس هذا كالأوّل فى الشّياع؛ لأنّه يدلّ على شئ محدود محصور بالعدد والتّعريف؛ فالمبهم لا يتضمّن فائدة تزيد على إفادة الفعل، وإنّما هو تأكيد له ليس غير، والمختصّ يتضمّن زيادة ليست فى الفعل، وهى: الإختصاص بالمرّة والتعريف.
وحقيقة التّوقيت: التّحديد، وهو مجاز فى وصف المصدر به؛ لأنّه من أوصاف الزّمان.
ومن العلماء من يجعل المختصّ مطلقا على المرّة الواحدة، ومنهم من
стр. 284
يطلقه على التعريف، ومنهم من يطلقه عليهما، وهو الصّحيح.
والمبهم لا يكون إلا نكرة، نحو: ضربت ضربا، والمختصّ، يكون نكرة ومعرفة، فالنكرة نحو: ضربت/ ضربة، وضربتين، وثلاثا، والمعرفة نحو:
ضربت الضّرب، والضّربة، واللّام فيه للعهد والجنس.
الاعتبار الثّانى: ينقسم إلى، ما هو من لفظ الفعل، وإلى ما ليس من لفظه.
فالأوّل على ضربين (١): أحدهما: أن يكون جاريا على الفعل، وهو بمعناه نحو: ضربت ضربا، وأكرمت إكراما، والآخر: أن يكون بمعناه، وليس جاريا عليه، كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (٢)، وقوله: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٣)، فهذا من لفظ الفعل وبمعناه، ولكنّه غير جار عليه؛ فإنّ مصدر" أنبت" و" تبّتل" الإنبات، والتّبتّل.
والثّانى - الّذى ليس من لفظ الفعل - على ضربين.
أحدهما: أن يكون جاريا عليه وهو بمعناه، نحو:" قعدت جلوسا" وحبست منعا، وبسمت (٤) وميض البرق،" والآخر: أسماء وضعت موضع المصدر، وليست مصادر نحو قولك: ضربته أنواعا من الضّرب، وأىّ ضرب، ورجع القهقرى (٥) " و" سار الجمزى"، و" قعد القرفصاء (٦) "، و" اشتمل (٧) الصّمّاء"، لأنها أنواع من الضّرب، والرّجوع، والسّير، والقعود،
стр. 285
والأشتمال (١) ومنه اسم الفاعل فى قولك: قمت قائما، ومنه:" ضربته سوطا"؛ لأن الأصل ضربته بسوط أو ضربة سوط، فنزّل منزلته؛ إيجازا ومبالغة.
الفصل الثانى: فى دواعيه
الأسباب الموجبة لوجود المصدر ثلاثة: تأكيد الفعل، وتبيين النّوع وعدد المرّات.
أمّا تأكيد الفعل فهو فيه عوض من تكرار الفعل فى قولك: ضربت ضربت، فقالوا: ضربت ضربا، والألفاظ المؤكّدة قد وردت كثيرا فى العربيّة فمنها قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا (٢)، والإسراء لا يكون إلّا ليلا، وقوله وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً (٣)، وقوله: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ (٤)، وقوله:
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ (٥)، وأمثال هذا، وانفرد الأخفش بمسألة لا يجيزها غيره، وهى: ضربت زيدا (٦) أن ضربت،/ ويقول: هو فى تقدير المصدر، وقال الزّجّاج (٧): قول النّاس:" لعنه الله أن يلعنه" ليس من كلام العرب، وردّ على الأخفش.
وأمّا تبيين النّوع: فإنّ الفعل تحته أنواع ليس أحدها أولى به من الآخر؛ من القلّة والكثرة، والشّدّة والضّعف، بدليل قوله تعالى: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (٨)، وقوله: وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً