← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17905

البديع في علم العربية

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (1 670 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الباب العاشر من القطب الأوّل: فى المفعولات قبل أن نخوض فى ذكر المفعولات، فلنذكر جملة من المنصوبات الّتى المفعولات منها، وقد ذكر لها حدود رسميّة (١)، غير جامعة لأفرادها، ولا ناظمة لآحادها، وكان الأولى عدّها حيث تعذّر حدّها (٢) ويجمعها قسمان أصل وفرع. فالأصل خمسة أنواع: مفعول مطلق، ومفعول به، ومفعول فيه، ومفعول له، ومفعول معه. والفرع سبعة أنواع: حال، وتمييز، واستثناء - ولها باب مفرد يلى (٣) هذا الباب - وخبر كان وأخواتها، واسم إنّ واخواتها، واسم" لا" النافية، وخبر" ما" النّافية، وسترد فى باب (٤) العوامل؛ فلنورد حينئذ المفعولات فى: مقدّمة وخمسة أنواع. المقدّمة: اعلم أنّ الموجودات/ جواهرها، وأعراضها، يصحّ أن تكون فاعلة ومفعولة، تقول: قام زيد، و: شرف العلم، و: رأيت زيدا، و: كرهت الجهل وقد ذكرنا من أحكام الفاعل فى بابه، وما يصحّ له، وما لا يصحّ له. والفاعل يكون له مفعولات، ولا يكون لمفعول واحد أكثر من فاعل واحد فإذا قيل لك - وقد ضربت زيدا -: ما صنعت؟ قلت: الضّرب، فإذا قيل لك: بمن أوقعته؟ قلت: بزيد، فإذا قيل (٥): متى؟ وأين؟ قلت: يوم الجمعة فى السّوق، فإذا قيل: لم ضربته؟ قلت: ليتأدّب؛ فلذلك سمّى الأول مفعولا مطلقا؛ لأنّه على الحقيقة فعل محض؛ وذلك أنك إذا قلت: قمت قياما، فقد

стр. 282

أخرجت القيام من العدم إلى الوجود؛ لأنّه غير مقيّد بشيء، كما فى المفعولات وسمّى الثّانى مفعولا به؛ لأنّ الفعل به وقع. وسمّى الثّالث مفعولا فيه؛ لأنّ الزّمان والمكان محلّان للأفعال، لا بدّ لها منهما. وسمّى الرّابع مفعولا له؛ لأنّه عذر الفعل وسبه. ولمّا جاز أن يصاحب الإنسان فى فعله غيره، وليس من ضرورته. قيل: مفعول معه. وقد زاد السّيرافّى (١) مفعولا منه، واستدلّ بقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (٢)، أى من قومه، والعلماء على خلافه. وهذه الأنواع الخمسة منصوبة أبدا، ما دامت على بابها، لفظا، أو موضعا؛ وإنّما نصبت للفرق بينها وبين الفاعل، ولمناسبة بين كثرتها وخفّة النّصب، وهى تتفاضل فى دلالة الفعل عليها؛ فأقواها دلالته على المصدر، لأنه من لفظه، وينوب عنه فى قولك: ضربا زيدا، وتعمل عمله، ثمّ ظرف الزّمان لأنّه لأجله، وضع، ولولا الزّمن المختصّ لم يحتج إلى صيغة الفعل، ثمّ ظرف المكان، لافتقاره إليه فى الوجود، ثمّ المفعول له؛ لصدوره عن الغرض الباعث على فعله، ثم المفعول معه؛ لعدم الاضطرار إليه. وأمّا المفعول به فإنّه وإن نقص عن مرتبة المصدر، فإنّه بمنزلة الفاعل فى حاجة الفعل إليه؛ ولهذا/ يقوم مقام الفاعل، وإنّما أخّر عن المصدر؛ لأنّ فى

стр. 283

الأفعال ما لا يتعدّى إلى مفعول، وكلّها تتعدّى إلى المصدر؛ فلذلك قدّم عليه. النّوع الأوّل. فى المفعول المطلق ، وهو المصدر، وفيه أربعة فصول. الفصل الأوّل: فى تعريفه، وأقسامه وحدّه: كلّ اسم دلّ على حدث وضعا، وزمان مجهول ضمنا، وهو وفعله من لفظ واحد غالبا، ألا ترى أنّ لفظ الضّرب يدلّ على الحدث بالوضع، وعلى الزّمن المجهول بالتّضمّن؛ لأنه لا حدث إلّا فى زمان، وقولنا غالبا؛ احتراز ممّا لا فعل له، وممّا جاء من معنى الفعل، كما سيأتى بيانه (١). وسيبويه (٢) يسمّى هذا الباب: الحدث، والحدثان، والمعانى، وربّما سمّاه الفعل، لا باعتبار الأفعال النّحويّة. وله انقسام باعتبارين. الأعتبار الأوّل: ينقسم إلى: مبهم، ومختصّ، ويسمّون المختصّ مؤقّتا. فالمبهم نحو: ضربت ضربا، وقعدت قعودا، لأنك لا تريد نوعا من الضّرب والقعود بعينه. والمختصّ كقولك: ضربت ضربة، تريد مرّة، وقمت القيام الّذى تعلم، فليس هذا كالأوّل فى الشّياع؛ لأنّه يدلّ على شئ محدود محصور بالعدد والتّعريف؛ فالمبهم لا يتضمّن فائدة تزيد على إفادة الفعل، وإنّما هو تأكيد له ليس غير، والمختصّ يتضمّن زيادة ليست فى الفعل، وهى: الإختصاص بالمرّة والتعريف. وحقيقة التّوقيت: التّحديد، وهو مجاز فى وصف المصدر به؛ لأنّه من أوصاف الزّمان. ومن العلماء من يجعل المختصّ مطلقا على المرّة الواحدة، ومنهم من

стр. 284

يطلقه على التعريف، ومنهم من يطلقه عليهما، وهو الصّحيح. والمبهم لا يكون إلا نكرة، نحو: ضربت ضربا، والمختصّ، يكون نكرة ومعرفة، فالنكرة نحو: ضربت/ ضربة، وضربتين، وثلاثا، والمعرفة نحو: ضربت الضّرب، والضّربة، واللّام فيه للعهد والجنس. الاعتبار الثّانى: ينقسم إلى، ما هو من لفظ الفعل، وإلى ما ليس من لفظه. فالأوّل على ضربين (١): أحدهما: أن يكون جاريا على الفعل، وهو بمعناه نحو: ضربت ضربا، وأكرمت إكراما، والآخر: أن يكون بمعناه، وليس جاريا عليه، كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (٢)، وقوله: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٣)، فهذا من لفظ الفعل وبمعناه، ولكنّه غير جار عليه؛ فإنّ مصدر" أنبت" و" تبّتل" الإنبات، والتّبتّل. والثّانى - الّذى ليس من لفظ الفعل - على ضربين. أحدهما: أن يكون جاريا عليه وهو بمعناه، نحو:" قعدت جلوسا" وحبست منعا، وبسمت (٤) وميض البرق،" والآخر: أسماء وضعت موضع المصدر، وليست مصادر نحو قولك: ضربته أنواعا من الضّرب، وأىّ ضرب، ورجع القهقرى (٥) " و" سار الجمزى"، و" قعد القرفصاء (٦) "، و" اشتمل (٧) الصّمّاء"، لأنها أنواع من الضّرب، والرّجوع، والسّير، والقعود،

стр. 285

والأشتمال (١) ومنه اسم الفاعل فى قولك: قمت قائما، ومنه:" ضربته سوطا"؛ لأن الأصل ضربته بسوط أو ضربة سوط، فنزّل منزلته؛ إيجازا ومبالغة. الفصل الثانى: فى دواعيه الأسباب الموجبة لوجود المصدر ثلاثة: تأكيد الفعل، وتبيين النّوع وعدد المرّات. أمّا تأكيد الفعل فهو فيه عوض من تكرار الفعل فى قولك: ضربت ضربت، فقالوا: ضربت ضربا، والألفاظ المؤكّدة قد وردت كثيرا فى العربيّة فمنها قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا (٢)، والإسراء لا يكون إلّا ليلا، وقوله وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً (٣)، وقوله: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ (٤)، وقوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ (٥)، وأمثال هذا، وانفرد الأخفش بمسألة لا يجيزها غيره، وهى: ضربت زيدا (٦) أن ضربت،/ ويقول: هو فى تقدير المصدر، وقال الزّجّاج (٧): قول النّاس:" لعنه الله أن يلعنه" ليس من كلام العرب، وردّ على الأخفش. وأمّا تبيين النّوع: فإنّ الفعل تحته أنواع ليس أحدها أولى به من الآخر؛ من القلّة والكثرة، والشّدّة والضّعف، بدليل قوله تعالى: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (٨)، وقوله: وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً

стр. 286

جَمِيلًا (١)، فلمّا كان كذلك جئ بالمصدر، ليخصّص الفعل بما هو عليه من الوصف؛ فتقول: ضربت ضربا شديدا، وقمت قياما حسنا، وجلست جلوسا طويلا، ومن هذا النّوع:" قعد القرفصاء (٢) "، وأمثاله. وأمّا عدد المرّات: فلاحتماله قليلها وكثيرها، وليس فى لفظه ما يدلّ على شئ منها، فبيّن بذكر العدد المقصود منه، تقول: ضربة، وضربتين، وثلاث ضربات. وأجاز سيبويه (٣) فى: ضربته ضربتين، أن تنصب على الظّرف، أى: قدر ضربتين، كما تقول:" انتظرته نحر جزورين"، فإذا قلت: ضربت زيدا ضربا شديدا ضربتين، كان" ضربتين" بدلا من الأوّل، ولا يكونان مصدرين، لأنّ الفعل الواحد لا ينصب مصدرين، فأمّا قوله (٤): ووطئتنا وطأ على حنق ... وطء المقيّد نابت الهرم فلا يكون الثانى فيه بدلا من الأوّل؛ لأنّه غيره، ولكنّه بمعنى: مثل وطء المقيّد، أو على إضمار فعل.

стр. 287

الفصل الثالث: فى عوامله وهى لا تخلو: أن تكون ظاهرة أو مضمرة. أمّا الظّاهرة، فمنها: ما يعمل بنفسه، ومنها ما يدل على عامل مثله وقد تقدّم تقسيم المصدر إلى أربعة أقسام: الأوّل: أن يكون من لفظ فعله، جاريا عليه، بمعناه، وهذا عامله فعله نحو: ضربت ضربا. الثانى: أن يكون من لفظه، وبمعناه، ولكنّه غير جار عليه، وهذا عامله فعله عند الأكثر (١)، ومنهم من (٢) يقول: إن عامله فعل دلّ الظاهر عليه كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٣). الثّالث: أن يكون من غير لفظه، لكنّه جار عليه، وبمعناه، نحو: قعدت جلوسا" وبسمت (٤) وميض البرق" فالمازنىّ (٥) يعمل فيه الظاهر، وسيبويه (٦) يعمل فيه فعلا دلّ عليه الظاهر، تقديره: بسمت (٤) فومضت وميض البرق. الرّابع: وهو الأسماء الموضوعة موضع المصدر، نحو،" رجع القهقرى" و" قعد القرفصاء"، وهذا النّوع وما أشبهه منصوب بفعله الظّاهر، وهو مذهب

стр. 288

سيبويه (١)، وقال المبرّد (٢): إنّه منصوب على أنّه صفة" محذوف"، تقديره: قعد القعدة القرفصاء، ورجع الرّجوع القهقرى. وأمّا المضمرة: فأربعة أقسام: القسم الأوّل: مضمر يجوز إظهارة، كقولك للقادم من سفره:" خير مقدم"، ولمن يمطل بوعده:" مواعيد عرقوب (٣) "، وللغضبان:" غضب الخيل (٤) على اللّجم". القسم الثّانى: مضمر لا يجوز إظهاره، وهو كثير فى كلامهم، ويرد على أنواع: الأوّل: أن يكون دعاء، كقولك:" سقيا ورعيا" و" بعدا وسحقا".

стр. 289

الثّانى: أن يكون غير دعاء، كقولك:" حمدا وشكرا لا كفرا (وعجبا") (١) وأفعل ذلك حبّا وكرامة"، و" لا أفعل ذاك ولا كيدا وهمّا". الثالث: أن يكون إخبارا، كقولهم:" ما أنت إلّا سيرا سيرا"، و" ما أنت إلّا سير البريد" و" ما أنت إلّا شرب الإبل"، و" إلّا الضّرب الضّرب،" ومنه قوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (٢). الرّابع: أن يكون استفهاما، كقولك:" أقياما والناس قعود"؟ و" أقعودا والناس يغزون؟ " ومنه قوله:" أغدّة كغدّة البعير (٣)؟ " و: أطربا وأنت قنّسرىّ (٤)؟! وقد يستعمل مثل هذا فى الخبر، كقولك:" سيرا سيرا"، عنيت نفسك أو غيرك. الخامس: أن يكون توكيدا لنفسه، ولما قبله، فالأوّل كقولك:" له علىّ

стр. 290

ألف درهم عرفا ووزنا"، والثانى كقولك:" هذا عبد الله (١) حقّا"، و" هذا القول لا قولك (٢)، ومنه قوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ (٣) ووَعَدَ اللَّهُ * (٤) وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (٥)، وقولهم" الله أكبر دعوة (٦) الحقّ"، و" أجدّك لا تفعل كذا (٧) "؟ السّادس: أن يكون ممّا لا يتصرّف، نحو:" سبحان الله، وريحانه (٨) "

стр. 291

و" معاذ الله"، و" عمرك (١) الله إلا فعلت"، ومنه قولهم:" غفرانك لا كفرانك". السّابع: أن يكون مثنّى، كقولهم:" لبّيك وسعديك"، و" حنانيك"، كأنّه قال: تحنّنا بعد تحنّن. الثامن: أن يكون على التّشبيه، كقولك:" مررت فإذا له صوت صوت حمار"، و" إذا له صراخ صراخ ثكلى"، و": إذا له دقّ دقّك بالمنحاز حبّ القلقل (٢) ". وهذا باب ما أوسعه فى العربيّة! وكلّ هذه مصادر منصوبة بأفعال متروكة الإظهار، كأنّه قال: سقا لك الله، ورعاك، وألزمك، ونحو ذلك من الأفعال الدّالّة عليها ألفاظ المصادر المذكورة.

стр. 292

ويجوز فى كثير من هذه الأمثلة الرّفع على الابتداء، وما بعده خبره، كقوله (١): أقام وأقوى ذات يوم وخيبة ... لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر والنّصب أكثر وأجود. القسم الثالث: مصادر لا أفعال لها، نصبت بأفعال مقّدرة لم ينطق بها وهى أنواع. الأوّل: الدّعاء كقولهم:" دفرا (٢) "، و" بهرا (٣) " و" أفة" (٤)، و" تفّة" (٥) كأنّه قال: بهرك الله، وإن لم يتكلّم به (٦). الثّانى: أن يكون مضافا، كقولهم: ويحك، ويلك، وويسك، وويبك،

стр. 293

ولا يتكلّم بهذه الأربعة (١) مفردة، ومنه قولهم فى القسم:" قعدك الله" بمنزلة:" عمرك الله"، إلّا أنّ" عمرك" له فعل، و" قعدك (٢) " لا فعل له. القسم الرّابع: أسماء غير مصادر، نصبت نصب المصادر، وهى نوعان أحدهما: مأخوذ من الفعل، كقولهم:" هنيئا مريئا"، و" أقائما وقد قعد النّاس؟ "، و" قاعدا - علم الله - وقد سار الرّكب"، مستفهما ومخبرا. والآخر: أن يكون غير مأخوذ من الفعل، كقولك:" تربا وجندلا"، و:" فاها لفيك"، يريدون: فالداهية. وبعض العرب يرفع هذا، كقوله (٣): لقد ألّب الواشون ألبا لبينهم ... فترب لأفواه الوشاة وجندل وجميع هذا الباب إنّما يعرف بالسّماع، ولا يقاس عليه. وقد جاءت ألفاظ منصوبة يلتبس المصدر فيها بالحال وغيرها؛ قالوا:" مررت بهم جميعا"، وكلا، وعامّة، وقاطبة، وطرّا، و" مررت به وحده" فسيبويه (٤) ينصب" قاطبة" و" طرّا" على المصدر، والباقى على الحال، وهو

стр. 294

مذهب الخليل (١)، وأمّا" وحده"؛ فمنهم من (٢) نصبها على الظّرف، ومنهم على الحال (٣)، ومنهم على المصدر (٤). الفصل الرابع: فى أحكامه الأوّل: إذا اذكر المصدر مع فعله فضلة، ولم يكن واقعا فى محلّ البيان والاعتماد، فهو منصوب. فإن لم يكن فضلة، ووقع فى محلّ البيان والاعتماد رفع، كقولك: الضّرب مؤلم، ويعجبنى ضرب زيد، وسير بزيد سير شديد، ويستوى فيه المبهم والمختصّ، والمعرفة والنكرة، كما سبق، إلا أنّ المعرفة تنقسم قسمين: أحدهما: تعريف العهد، نحو: ضربت الضرب الذى تعهد، وهذا يبطل الإبهام؛ لقصره على نوع بعينه. والثّانى: تعريف الجنس، كقولك: كثر الضّرب والقتل، فهذا ينتصب على المصدر غالبا، إذا وصف، تقول: ضرب الضّرب الشّديد، و: قتل القتل الذّريع، فإن لم يوصف فالأحسن أن ينكّر؛ فيقال: ضرب ضربا، وقتل قتلا؛ لأنّ الفعل تدلّ صيغته على الحدث، والمصدر المبهم إذا انتصب به كان تأكيدا له، بمنزله تكريره، كما سبق، فإذا لم يفد تعريفه زيادة على إفادة الفعل

стр. 295

فلا حاجة إلى تعريفه، فإن أردت بقولك: ضربت الضّرب، ما يستحقّ أن يسمّى ضربا على الحقيقة، جاز وحسن؛ من حيث إنّه أشبه الموصوف. فإن كان المصدر مؤقّتا، عمل فيه الفعل وهو معرّف تعريف الجنس، تقول: قد تضرب الضّربة فتغنى عنّا الضّربات الكثيرة؛ لأنّ الفعل لا يدلّ على المؤقّت؛ فلا يكون فى حكم التّكرير. الحكم الثّانى: إذا أضفت إلى المصدر ما هو وصف له فى المعنى، تنزّل منزلته، تقول ضربته ضرب زيد عمرا، تقديره: ضربته ضربا مثل ضرب زيد عمرا، فحذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه، ولولا هذا المحذوف لكان الكلام محالا؛ لأنّه ينبئ أنّك أحدثت ضرب زيد، ومثله: ضربته كما ضرب زيد عمرا، أى: ضربا كما ضرب، ومنه قول الرّاجز (١): حتّى إذا اصطفوّا لنا جدارا وقول الآخر (٢): ولم يضع ما بيننا لحم الوضم أى: اصطفا فامثل اصطفاف جدار، و: إضاعة مثل إضاعة لحم الوضم. وتقول: سرت أشدّ السّير، وصمت أحسن الصّيام، فتنصب" أشدّ"

стр. 296

و" أحسن" نصب المصادر، و" أفعل" إنما يضاف إلى ما هو بعضه فيجب أن يكون التّقدير: سرت أشدّ السّير سيرا، وصمت أحسن الصّيام صياما؛ ليصحّ الكلام، ويجوز أن تنصبه على أنّه صفة مصدر محذوف، تقديره: صمت صياما أحسن الصّيام، ولا اعتبار بإضافة" أحسن" إلى المعرفة؛ فإنّها إضافة غير حقيقيّة. الحكم الثالث: المصدر يتقدم على فعله إذا كان متصرّفا، تقول: ضربا ضربت، والضرب الشّديد ضربت، والصّمّاء اشتملت؛ وإنّما جاز ذلك لأنّه مفعول، والمفعول لا يلزم مرتبة، وبعضهم (١) يجيز تقدّمه على الجملة، نحو: حقّا هذا زيد، ومنهم من لا يجيزه (٢)، وأجاز الزّجّاج (٣): زيد حقّا أبوك؛ حملا على قول الأحوص (٤): إنّى لأمنحك الصدود وإنّنى ... قسما إليك مع الصّدود لأميل الحكم الرّابع: المصدر لا يثنىّ ولا يجمع؛ لأنه جنس، والجنس لا حصر له، إلا إذا اختلفت أنواعه جاز تثنيته وجمعه، مبهما ومؤقّتا. أمّا المؤقّت - وهو المختصّ - فتقول فيه: ضربت ضربتين، وضربات، إلّا أنّ الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنّى؛ لأن/" ضربات" يصلح لعقود

стр. 297

القلّة كلّها، ولكنّه لا يخرج عن حدّ التّوقيت؛ من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا؛ فإنّه لا يدلّ على عدد، فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل ضربة وضربتين فى كمال التوقيت، إلا أنّ الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأنّ العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له. وأمّا المبهم: فلا يجوز جمعه؛ فلا تقول: قتلت قتولا، ولا: ضربت ضروبا، إلّا على إرادة تفريق الجنس، واختلاف أنواعه، كقوله تعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١)، وكقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ (٢)، وكقول الشّاعر (٣): هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ... ما جرّب الدّهر من عضّى وتضريسى وكقولك: فلان ينظر فى علوم كثيرة، وهذا النّوع لم يّطرد، فلم يقولوا: السّلوب، والنّهوب، وإنّما يكون ذلك - غالبا - فيما ينجذب إلى الاسميّة، نحو: العلم والحلم والظّنّ، وأشباه ذلك. فإن قصدت بالمبهم الحدث، فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل، وضروبا من العلم. وأمّا التثّنية فأصلح قليلا من الجمع، تقول: قمت قيامين وقعدت قعودين، والأحسن فيهما أن يقال: قمت نوعين من القيام، وقعدت نوعين من القعود. النّوع الثانى: فى المفعول به ، وفيه فصلان:

стр. 298

الفصل الأوّل: فى تعريفه وهو: من وقع به الفعل، وتتّصل به الباء مع الفعل فى جواب السّائل، تقول: ضربت زيدا، فيقال: بمن أوقعت الضّرب؟ فتقول: بزيد، ويقع به الفرق بين اللازم من الأفعال والمتعدى. وهو منصوب بفعله عند سيبويه (١)، إذا ذكر الفاعل، نحو: ضرب زيد عمرا، والمفعول/ الثاني عند البصريين منصوب (٢)، ويجوز تقديمه على الفاعل، وعلى الفعل إذا كان متصرّفا تقول: ضرب زيد عمرا، وضرب عمرا زيدّ، وعمرا ضرب زيد، وعليه قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (٣)، وقوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى * (٤). فإن قدّمت الفاعل، والمفعول معا على الفعل، وشغلت الفعل (٥) بضمير المفعول، فالأولى أن تقدّم المفعول على الفاعل، ليكون الفعل حديثا عن الفاعل وهو والفعل حديثا عن المفعول، تقول: فى ضرب زيد عمرا: عمرو زيد ضربه، ضربه (٦) " خبر عن" زيد"، و" زيد" والفعل خبر عن" عمرو"؛ ولهذا كان النّصب فى قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ" خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٧) أحسن من الرّفع (٨)، حيث لم يتقدّم المفعول فى أوّل الكلام.

стр. 299

وقد حذفوا المفعول من الكلام كثيرا؛ لأنّه فضلة؛ وللعلم به، وهو - فى حذفه - على ضربين: الأوّل: أن يحذف لفظا، ويراد معنى وتقديرا، كقوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ (١)، وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ * (٢)، وقوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (٣) فيمن (٤) قرأبه. الثّانى: أن يحذف لفظا، ويجعل - بعد الحذف - منسيا حتّى كأنّ فعله من الأفعال غير المتعدّية، كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله وذلك كقولهم: فلان يعطى ويمنع، وبصل ويقطع، ويأمر وينهى، ومنه قوله تعالى: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي (٥)، وسواء كان مفعولا واحدا أو اثنين أو ثلاثة، فلك حذفها إذا شئت، وكان غرضك إعلام المخاطب بصدور هذه الأشياء منك لا غير، تقول: ضربت وأعطيت وظننت وأعلمت، فلا تذكر مع واحد منها مفعولا. الفصل الثانى: فى عوامله وهى على ضربين: أحدهما: مظهر، والآخر، مضمر. أمّا المظهر: فنوعان: نوع متعدّ بنفسه، ونوع متعدّ بغيره: فالمتعدّى بنفسه على ثلاثة أضرب: الأوّل: يتعدّى إلى مفعول واحد، نحو: ضربت/ زيدا. والثّانى: يتعدّى إلى مفعولين، وهو - صنفان: أحدهما يجوز الاقتصار على (٦) أحد مفعوليه، نحو -: كسوت زيدا ثوبا، والآخر

стр. 300

لا يجوز فيه الاقتصار على أحد مفعوليه (١)، نحو: ظننت زيدا قائما. والثّالث: يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين، نحو: نبّأت زيدا عمرا عاقلا. والمتعدّى بغيره: ما عدّاه إلى المفعول به قرينة (٢) نحو: مررت بزيد، وأقمت عمرا، وشرّفت بكرا، وأعطيت زيدا درهما، وأغريت زيدا بعمرو، وأظننت زيدا عمرا عاقلا، فى قول (٣). ويلحق بالعوامل الظّاهرة: اسم الفاعل، والمفعول، والمصدر، والصّفة واسم الفعل. وهذه العوامل الظاهرة (٤) لا يجوز إضمارها؛ لعدم الفائدة بما يبقى؛ فلا تقول: زيدا، وأنت تريد: ضربت زيدا، ولا: زيدا قائما، وأنت تريد: ظننت زيدا قائما، وسيجئ شرح هذه العوامل مستقضى فى باب العوامل (٥). وأمّا العامل المضمر: فينقسم قسمين: أحدهما يستعمل إظهاره والثّانى يلزم إضماره، وذلك إذا كان فى الكلام ما يدلّ عليه من قرائن الأحوال أو فحوى الكلام. فالقسم الأوّل على ضربين: الأوّل: أن يكون فيه معنى الأمر، والنّهى، وله أمثلة، كقولك: الأسد والجدار، والصّبيّ، أى: احذر، وأخاك، أى: الزمه، والطريق، أى: خلّه، فإذا كرّر هذا فقيل: الأسد الأسد، لزم إضماره، وكان من القسم الثانى، وكقولك لمن رأيته يضرب، أو يشتم: زيدا، وعمرا، أى: اضرب، واشتم، أو رأيت رجلا يحدّث حديثا فقطعه فقلت: حديثك، ولمن صدرت عنه أفعال

стр. 301

البخلاء: أكلّ هذا بخلا؟ ومن كلامهم:" اللهمّ ضبعا (١) وذئبا"، إذا كان يدعو بذلك على غنم، أى: اللهمّ اجمع فيها ضبعا وذئبا، ومن أمثالهم:" الكلاب على البقر (٢) " أى خلّ الكلاب. الضّرب الثانى: ما عرى من الأمر والنّهى، وهو نوعان: الأوّل: أن يكون/ معه حرف، وله أمثلة: منها قولهم:" الناس مجزبّون بأعمالهم إن خيرا فخير. وإن شرّا فشرّ"، و" المرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجر وإن سيفا فسيف"، تقديره: إن كان خيرا، وإن كان خنجرا، ومن العرب من ينصب الجواب على: جزى خيرا، والرّفع أكثر وأحسن، وقد رفع الأوّل، فقالوا: إن خير فخير، تقديره: إن وقع خير فالّذى يجزون به خير. فأمّا قولهم:" مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا"، فلا يكون فيه إلّا النّصب، ومنها قولهم:" مررت برجل صالح إلا صالحا (٣) فطالح"، ومن العرب من ينصّب الجواب لما سبق، ومنها قولهم:" هلّا خيرا من ذلك" و" ألّا خيرا من ذلك"، أى هلّا تفعل، ويجوز رفعه، ومنها قولهم:" ألا طعام (٤) ولو تمرا" و" ائتنى بدابّة (٤) ولو حمارا" أى: ولو كان. واعلم أنّه ليس كلّ حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل؛ ولكنّك تضمر بعد ما أضمرت فيه العرب من الحروف والمواضع، وتظهر ما أظهروا. النّوع الثانى: أن لا يكون معه حرف، وذلك إذا رأيت متوجّها وجهة الحاجّ، قاصدا فى هيئتهم قلت:" مكّة وربّ الكعبة" أى: يقصد، وكقولك للمستهلّين - إذا كبّروا -:" الهلال والله" أى: أبصروا ولمن سدّد سهما قبل

стр. 302

القرطاس:" القرطاس والله"، أى: يصيب، ولمن رأى رؤيا:" خيرا وما سرّ"، وخيرا لنا وشرّا لعدوّنا"، أى رأى، ولمن تذكّر رجلا:" أهل ذاك، وأهله"، أى: ذكرت ومنه قوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (١)، أى: يتّبع، وقولهم: " كاليوم رجلا"، أى: لم أر، ومنه النّصب بإضمار" أعنى" إذا لم يتضمّن مدحا ولاذما، ولا ترحّما، كقولك: مررت بالرّجل الكريم زيدا، وعليه قوله (٢): وما غرّنى حوز الرّزامىّ محصنا ... عواشيها بالجوّ وهو خصيب و" محصن" اسم الرزامىّ. القسم الثّانى: ما يلزم إضماره، وهو على ضربين: الأوّل: ما فيه أمر ونهى، وله أمثلة، منها قولهم:" الأسد الأسد" و" الجدار الجدار"، أى: احذر، و" أخاك أخاك"، أى: الزم، و" الطريق الطريق" أى خلّه، و" الصّبىّ الصّبىّ"، أى: لا تطأه، ومنها قولهم: إيّاك، أى: إيّاك نحّ، أو باعد، ونفسك، أى: اّتقها واحذرها، ومنها:" إيّاك (٣) والأسد"، و" إيّاى والشّرّ"، أى: نحّ الشّرّ عنّى، و" ورأسك والحائط"، أى: خلّ، أودع، و" شأنك والحجّ"، أى: عليك، و" امرأ ونفسه" أى: دعه، و" أهلك (٣) والليل"، أى: بادر.

стр. 303

و" كلّ هذا ولاشتيمة (١) حرّ" أى: ائت كلّ هذا ولا ترتكب شتيمة حرّ، و" كليهما (١) وتمرا"، أى: أعطنى. والواو فى الأمثلة لا تحذف إلّا إذا طال الكلام، كقولهم:" إيّاك أن تفعل" على تقدير: مخافة أن تفعل. فأمّا إيّاك (٢) الفعل، فلا يحسن إلّا فى الشّعر كقوله: (٣) فإيّاك إياك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب ومنها قولهم:" وراءك أوسع لك"، أى: تأخّر وراءك يكن أوسع لك، ومثله قولهم:" حسبك (٤) خيرا لك"، وقولهم:" انته أمرا قاصدا"، أي: انته، وائت أمرا قاصدا، قال سيبويه (٥): إلّا أنّ هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل، وإنّما ذكرته؛ لأمثّل لك الأوّل به؛ لأنّه قد كثر فى كلامهم حتّى صار بمنزلة المثل؛ لأنّه لّما قال: انته، علم أنّه محمول على أمر يخالف النّهى، ومثله قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٦)، أى: وائتوا أمرا خيرا لكم، والكسائىّ (٧) يقول:

стр. 304

تقديره: يكن خيرا لكم، والفرّاء (١) يقدّره: انتهاء خيرا لكم، أى: لاوائتوا أمرا خيرا لكم. وأمّا الثانى: - وهو ما عرى من الأمر والنّهى - فله أمثلة، منها" مرحبا وأهلا وسهلا"، أى: وجدت وأصبت، و" إن تأتنى فأهل اللّيل وأهل النّهار"، أى: تأتى أهلا لك باللّيل والنّهار. ومنها قولهم:" من أنت زيدا؟ أى: تذكر زيدا، وذاكرا زيدا، ولا يكون إلّا جوابّا، كأنّه لمّا قال: أنا زيد، قال: فمن أنت ذاكرا زيدا، ويجوز رفعه، وهو قليل. ومنها قولهم:" ما أنت وزيدا؟ " و" مالك وزيدا؟ " و" ما شأنك (٢) وزيدا"؟ وهذا من باب المفعول معه. ومنها قولهم:" زيد من الأسد ذراعا" و" من البدر وجها"، على التّشبيه. ومنها النّداء المنصوب نحو: يا عبد الله؛ لأنّك إنّما أردت: أدعو عبد الله، فحذفت الفعل؛ لكثرة الاستعمال، وصار" يا" بدلا عنه، وللّنداء باب (٣) يرد فيه. ومنها النّصب على المدح، والذّمّ، والتّرحّم. أمّا المدح: فكقوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ (٤) بعد قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا (٤)، و" سبحانك الله العظيم"، و

стр. 305

" الحمد لله الحميد"، و" الملك لله أهل الملك"، وكقول الشاعر (١): إنّا بنى نهشل لا ندّعى لأب وقوله (٢): النّازلين بكلّ معترك ... والطّيّبون معاقد الأزر وكقوله (٣): بنا تميما يكشف الضّباب وأمّا الذّمّ: فكقوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فيمن نصبه (٥)

стр. 306

وكقولهم:" مررت به الفاسق الخبيث"، وكقوله (١): سقونى الخمر ثم تكنّفونى ... عداة الله من كذب وزور وأمّا الترّحّم: فكقوله:" مررت به المسكين البائس"، وعليه قول الشاعر (٢): لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير ولا يقع هذا النّصب إلّا معرفة، وقد جاء فى الشّعر نكرة، قال (٣): ويأوى إلى نسوة عطّل ... وشعثا مراضيع مثل السّعالى وليس كلّ موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كلّ صفة يحسن أن يعظّم بها، فلا يعظّم إلا العظيم النّبيه عند النّاس، المعروف لديهم بالصّفة الّتى تكون فى

стр. 307

نفسها عظيمة، ولا كلّ ما كان تعظيما لله تعالى كان تعظيما لغيره، فلو قلت: الحمد لزيد، تريد: التعظيم لم يجز، وإن كان عظيما، وكذلك الذّمّ، والتّرحّم. والفعل المضمر فى هذا النوع هو" أعنى"، ومنهم من (١) يضمر لكلّ معنى فعله. ومن هذا النوع الثّانى: المنصوب بالمضمر على شريطة التفسير، نحو قولك: زيدا ضربته، وعمرا مررت به، كأنّك قلت: ضربت زيدا ضربته، إلا أنّك لا تبرزه، ويجوز رفعه، فتقول: زيد ضربته، قال سيبويه: النّصب عربّى كثير، والرّفع أجود (٢)، وقد تقدّم هذا فى باب خبر المبتدأ (٣)، ونزيده ها هنا بيانا فنقول: النّصب فى هذا الباب، منه جائز، ومنه لازم. والجائز، منه مختار، وغير مختار: أمّا غير المختار: فهو ما ذكرنا من الأمثلة والبيان فى باب خبر المبتدأ نحو: زيدا ضربته، فلم نعده ها هنا. وأمّا المختار: فله موضعان. الأوّل: أن تقع الجملة موقعا هو بالفعل أولى، وذلك: أن يقع بعد حرف الاستفهام، أو الأمر، أو النّهى، أو النفى، أو الدعاء، أو بعد" إذا" و" حيث" وأمّا"، ونحو ذلك. أمّا الاستفهام: فكقولك: أزيدا ضربته؟ والسّوط ضرب به زيد؟ وآلخوان أكل عليه اللّحم؟ وأزيدا أنت محبوس عليه؟ وأزيدا سمّيت به؟ وأزيدا ضربت عمرا وأخاه؟ وأزيدا ضربت رجلا يحبّه؟، لأنّ الآخر ملتبس (٤) بالأوّل، بالعطف، وبالصّفة.

стр. 308

وأمّا الأمر والنهيّى فكقولك: زيدا اضربه وعمرا أكرم أباه، وبكرا لا تشتمه، وزيدا لا يضربه عمرو، وخالدا ليقتل أباه عمرو. وأمّا الدّعاء: فكقولك: اللهمّ زيدا فاغفر له ذنبه، وعمرا أحسن/ الله إليه، وبكرا لا غفر الله له. وأمّا النّفى: فقولك: ما زيدا ضربته، ومنه قول جرير (١): فلا حسبا فخرت به لتيم ... ولا جدّا إذا ازدحم الجدود وأمّا" إذا" و" حيث"، فكقولك: إذا عبد الله رأيته فأكرمه، وحيث زيدا تجده فأحسن إليه، ومثله قوله: إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته (٢) وقد أجاز سيبويه (٣) رفع ما بعد" إذا" و" حيث" بالابتداء، والمذهب الأوّل (٤)، وقد ذكرناه فى باب المبتدأ (٥). وأمّا" أمّا" فتقول:" أمّا زيدا فجدعا له"، و" أمّا عمرا فسقيا له ورعيا". فأمّا الموضع الثانى من المختار: فأن تعطف الجملة على جملة فعليّة كقولك: رأيت زيدا وعمرا أكرمته، ولقيت القوم حتى عمرا لقيته؛ لأنّه لا يعطف

стр. 309

اسم على فعل؛ فإنّك لو رفعت كنت قد عطفت جملة من مبتدأ وخبر هى: عمرو أكرمته، على جملة من فعل وفاعل، هى: رأيت زيدا، ومع النّصب تكون قد عطفت جملة من فعل وفاعل ومفعول هى: أكرمت زيدا أكرمته، على جملة من فعل وفاعل هى: رأيت زيدا؛ فهو أحسن للتّشاكل، ومنه قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١)، وقوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٢) بعد قوله: وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٣)، وقوله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (٤)؛ وإنّما جاز الرّفع - وإن تخالفت الجملتان - لأن كلّا منهما قد وقع خبرا عن المبتدأ، فحصل التّشاكل من هذا الوجه. فإن كان المعطوف عليه جملة اسميّة، والمعطوف كذلك فالاختيار الرّفع؛ طلبا للمشاكلة، تقول: زيد ضربته وعمر وكلّمته، فإن حملت الجملة المعطوفة على الجملة الصّغيرة من الجملة الأولى، فالاختيار النّصب عند سيبويه؛ (٥) للقرب/ من الجملة الفعليّة الّتى هى ضربته" ومنه قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ (٦)، فالرّفع (٧)، على قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي (٨)، والنّصب (٩)،

стр. 310

على قوله: تَجْرِي (١). فإن اعترض بعد الواو ما يصرف الكلام إلى الابتداء، كقولك: لقيت زيدا وأمّا عمرو فقد مررت به، ولقيت بكرا وإذا بشر يضربه عمر"؛ فالرّفع أولى، ويجوز النّصب، وقد قرئ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (٢)، بالنّصب (٣). وتقول:" مررت برجل سواء والعدم"، فلا يخلو: أن تجرّ سواء"، أو ترفعه، فإن جررت عطفت" العدم" على المضمر فيه؛ لأنّه مصدر يتنزّل منزلة اسم الفاعل، تقديره: مستوهو والعدم، وإن رفعته أظهرت" هو" بعده، وكان" سواء" خبر مبتدأ مقدّما، و" العدم" عطف على" هو"، و" سواء فى حكم التّثنية، تقديره: مررت برجل والعدم مستويان، لكنه نزّل المصدر منزلته، كقولك: هما عدل. وأمّا اللّازم: فإن تقع الجملة بعد حرف لا يليه إلّا الفعل، نحو: حرف الشّرط، و" لو"، وهلّا" وأخواتها؛ كقولك: إن زيدا تراه اضربه، و: لو عمرا لقيته أحسنت إليه، وعليه قوله (٤): لا تجزعى إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى

стр. 311

ومن رفع (١) هذا فبفعل مضمر، تقديره: وإن هلك منفس أهلكته، وهو شاذّ، والمذهب (٢) الأوّل؛ فلا يقدّر العامل المضمر إلا ما دلّ عليه الظّاهر. النّوع الثالث: فى المفعول فيه ، وهو الظرف، وفيه مقدّمة، وفصلان، وخاتمة. المقدّمة: اعلم أنّ المفعول فيه: اسم لظرفى الزّمان والمكان اللّذين هما من ضرورة المخلوقات، يتضمّنانها تضمّن الوعاء لما فيه، ولا يتصوّر فهمهما دون أن يتضمّنا معنى" فى" من طريق المعنى والكناية، وأن يتعرّيا من لفظها تقول: قمت اليوم، وجلست خلفك، أى: فى/ خلفك؛ ولهذا إذا ظهرت صار الحكم لها؛ تقول: خرجت فى اليوم، وجلست فى الدّار، فصار الظّرفان اسمين مجرورين ب" فى"، وكذلك إذا عريا من معناها صارا اسمين صريحين، تقول: اليوم طويل، وخلفك واسع. وإعراب الظّرف: نصب، حملا على باقى المفعولات.

стр. 312

الفصل الأوّل: فى ظرف الزّمان وفيه فرعان الفرع الأوّل: فى تعريفه ، وهو عبارة عن مدّة حركة الفلك؛ فمدّة طلوع الشمس على قوم يسمّى نهارا، ومدّة غيبها عنهم يسمّى ليلا، وينقسم قسمين، مبهما ومؤقّتا وكل منهما يكون معرفة ونكرة. أمّا المبهم، فنحو: الحين، والوقت، والزّمان، وينقسم إلى؛ موغل فى الإبهام، وغير موغل فيه. أمّا الموغل، فنحو: وقت، وزمان، ولا فائدة فى ذكره مع الفعل؛ إلّا أن يوصف، أو يضاف؛ إذ لفظ الفعل يدلّ عليه، ويغنى عنه، فلا فرق بين قولك: غبت وقتا، وبين قولك: غبت؛ لأنّ لفظ الفعل يدلّ على الزّمان مطلقا، وصيغته تدلّ على تخصيصه؛ فإن قلت: غبت وقتا طويلا، وزمان الحّر، حسن. وأمّا غير الموغل، فنحو: حين، وفى ذكره مع الفعل فائدة؛ لأنّه يدل على زمان معيّن عند قوم، فتقول: انتظرته حينا، ولا تصفه. وأمّا المؤقّت: فنحو: يوم، وليلة، وشهر، وسنة، وهذا تذكره مع الفعل موصوفا، وغير موصوف؛ لحصول الفائدة به، تقول: صمت يوما، وغبت شهرا، ومن المؤقّت، نحو: شهر رمضان، ويوم الجمعة؛ فهما معرفتان؛ فإن لم ترد رمضان، ولا جمعة بعينها فقلت: خروج الحاجّ شهر رمضان، و: زينة الناس يوم الجمعة؛ كانا نكرتين من وجه؛ لشياعهما فى السّنين والأسابيع وكانا معرفتين من وجه؛ لدلالتهما على شهر ويوم مخصوصين. وكلّ من المبهم والمؤقّت يستعمل اسما، (١) وظرفا لا غير. فالأوّل: ما جاز تعاقب/ العوامل عليه، نحو؛ اليوم، واللّيلة، والحين

стр. 313

والزّمان؛ فإذا تضمّنت معنى" فى" كانت ظروفا، وإذا عريت منها كانت اسما كما سبق. والثّانى: ما لزم النّصب ولم تدخله العوامل الرّافعة، والجارّة، وهو باب مقصور على السّماع، قالوا:" سرنا ذات مرّة"، وذات يوم، وذات ليلة، وليلا ونهارا، وصباحا، ومساء، وسحرا، وسحيرا، وضحى، وعشاء، وعشيّة وعتمة، وذا صباح، وذا مساء، وألفاظ من هذا النحو محفوظة، وذلك إذا أرادوا واحدا من هذه الأوقات ليومهم وليلتهم. فإن أرادوا سحرا من الأسحار، وعشيّة من العشيّات، استعمل اسما، قال سيبويه: وممّا يختار فيه أن يكون ظرفا، ويقبح أن يكون غير ظرف صفة (١) الأحيان، تقول:" سير عليه طويلا" (٢) و" سير عليه حديثا". الفرع الثانى: فى أحكامها: الحكم الأوّل: ظروف الزمان على أربعة أضرب: الضّرب الأوّل: ينصرف، ويتصرّف، وهو كل ظرف كان على أصل وضعه، نحو: اليوم، والليلة، فالصّرف: عبارة عن دخول التنوين والتّصرّف: عبارة عن دخول الرّفع والجرّ. الضّرب الثّانى: يتصرّف، ولا ينصرف، وهو: غدوة - إجماعا -، وبكرة عند بعض العرب. فأمّا تصرّفهما؛ فلاستعمالهما على أصلهما؛ وأمّا عدم صرفهما فلأنّهما معرفتان بالوضع، ومؤنّثتان، فإذا أرادوا النكرة قالوا: الغداة والبكرة، قال سيبويه: غدوة وبكرة، جعل كلّ واحد منهما اسما للحين، كما

стр. 314

جعل" أمّ حبين" اسما للدّابّة [معرفة] (١)، وقد جوّز الخليل (٢) صرفهما، فقال: تقول: أتيتك اليوم غدوة، وبكرة، ويحمل عليه قراءة ابن (٣) عامر: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ * (٤)، وقال أبو عمرو (٥): إذا قلت: لقيته يوما من الأيّام غدوة وبكرة - وأنت تريد المعرفة - لم تنوّن. ولغدوة مع" لدن" حال لا يكون لغيرها، وهو: أنّ العرب تنصب" غدوة"/ مع" لدن" بتنوين، فتقول: لدن غدوة، وحكم" لدن" جرّ ما بعدها بها، كقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)، وقد روى رفعها (٧)، وجرّها معها. الضّرب الثالث: ينصرف، ولا يتصرّف، نحو - عشيّة، وعتمة، وضحوة أمّا صرفها فلأنّها نكرة، وأمّا عدم تصرّفها؛ فلأنها قصرت على أوقات مخصوصة، بغير آلة تعريف، وفى هذا التعليل نظر، وزعم سيبويه، (٨) أنّ بعض العرب يجعل عشيّة معرفة. الضّرب الرّابع: لا ينصرف، ولا يتصرّف، وهو" سحر" إذا أردت سحر

стр. 315

يومك، لم ينصرف؛ لأنّه معرفة معدول عن السّحر، ولم يتصرّف (١)؛ لأنّه قصر على وقت بعينه. الحكم الثّانى: قد أقاموا أسماء ليست بأزمنة مقام الأزمنة؛ اتّساعا واختصارا، وهى على ضربين: الأول: أن يكون اسم الزّمان موصوفا، فحذف، وأقيم الوصف مقامه تقول: سرت عليه يوما طويلا، فتحذف" اليوم"، وتقيم" طويلا" مقامه، فتقول: سرت عليه طويلا، وكذلك: حديث، وقديم، وكثير، وقليل، فإذا أقمتها مقام الظروف (٢)؛ لم تكن إلا ظروفا، ولم تستعمل أسماء. فأمّا قريب فإنّ سيبويه (٣) أجاز فيه الرّفع؛ لأنّهم يقولون: لقيته مذ قريب، وكذلك: مليّ من (٣) النّهار قال: والنّصب عندى (٣) عربّى كثير؛ فإن قلت: سير عليه طويل من الدّهر، وشديد من السّير، فأطلت الكلام، ووصفته جاز، وكان أحسن وأقوى. الضّرب الثانى: أن يكون الظرف مضافا إلى مصدر مضاف، فتحذف الظرف؛ اتّساعا وتقيم المصدر المضاف مقامه، نحو:" جئتك مقدم الحاجّ و" خفوق النّجم"، و" خلافة فلان" و" صلاة (٤) العصر"، ومنه قوله تعالى: وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٥)، وقولهم:" سير عليه ترويحتين"، و" انتظرته نحر جزورين"، والمراد فى جميع هذا (٦): جئتك وقت مقدم الحاجّ، ووقت خفوق النّجم.

стр. 316

الحكم الثالث: قد اتّسعوا فى/ ظروف الزّمان، فنصبوها: نصب المفعول به، وذلك أن يعرّوها من معنى" فى"، كقولك: سرت يوم الجمعة، كأنّك قد جعلت" يوم الجمعة" مسيرا نفسه، بمنزلة قولك: ضربت زيدا، ويتضح هذا بأن يخبر عنه بالّذى، فتقول: الذى سرته يوم الجمعة، كما تقول: الذى ضربته زيد، ولا تقول: الذى سرت فيه يوم الجمعة، إلّا أن تجعله ظرفا. وإن كان الفعل يتعدّى إلى مفعول، أو مفعولين، تعدى إلى الظروف المتّسع فيها، تقول: ضربت زيدا يوم الجمعه، وأعطيت زيدا ثوبا يوم السّبت، فإذا أخبرت عنه بالّذى، قلت: الذى ضربته زيدا يوم الجمعة، فلو كان ظرفا لقلت: الّذى ضربت فيه زيدا يوم الجمعة. وإذا أضفت إلى الظّرف، خرج عن الظرفيّة، نحو قولك: يا سائر اليوم، و: يا سارق الليلة أهل الدار (١) والأصل: يا سائرا اليوم، فتنصبه، كما تنصب" زيدا" فى قولك: يا ضاربا زيدا، ثم تضيفه إليه؛ فلا يجوز أن يكون مع الإضافة ظرفا؛ لأنّك لو قدّرت فيه" فى" وجعلته مجرورا بالإضافة، وفيه معنى" فى"، كنت قد فصلت بين المضاف والمضاف إليه بها، ولا يجوز. ومن باب الاتّساع والإضافة: قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٢)، وقوله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٣)، وقد قيل: إنّه أضيف المكر إلى اللّيل والنهار على اتّساع آخر، وهو: المصدر الفاعل (٤) من نحو قولهم:" نهارك صائم"

стр. 317

" وليلك قائم". الحكم الرابع: ظرف الزّمان على ضربين: أحدهما: ما يستغرقه العمل كقولك: صمت يوما، وغبت شهرا، فالصّوم والغيبة لجميع اليوم والشّهر. والثانى: ما يكون العمل فى بعضه، كقولك: قدمت يوم الجميعة، خرجت شهر رمضان، فالقدوم، والخروج فى بعض اليوم والشّهر. ولهذ الحكم ضابط، وهو: أنّه متى كان الظرف جوابا ل" كم" كان العمل مستغرقا له، لأنّها سؤال عن عدد، فلا يقع جوابه إلّا بجميع ما تضمّنه سؤاله، فإن أجبت ببعضه لم يحصل غرضه، فإذا قال: كم صمت؟ قلت: يومين، مثلا، فلا يكون صومك دونهما، ولا أكثر منهما، ويكون الجواب نكرة كهذا، ومعرفة كاليومين/ المعهودين وأنكرا بن السّراج (١) أن يرد جواب" كم" معرفة، قال: ولا يجوز أن تقول: الشّهر الذى تعلم، لأنّ هذا من جواب" متى" ومتى كان الظرف جوابا ل" متى" كان العمل مخصوصا ببعضه، لأنّها سؤال عن تعيين الوقت؛ فلا يجئ فى جوابه إلّا المخصوص، فإذا قال: متى قدمت" قلت: يوم الجمعة، ولو قلت: يوما، لم يجز، ويجوز أن يقع معرفة بالّلام، فتقول: اليوم المعهود، فأما قولهم (٢): سار اللّيل والنّهار والدّهر والأبد، فهو وإن كان لفظه لفظ المعارف، فإنّه فى جواب" كم" ولا يجوز أن يكون فى جواب" متى"؛ لأنّه يراد به التكثير، وليس بأوقات معلومة محدودة، فإذا قيل: سير عليه اللّيل والنهار، فكأنه قيل: سير عليه دهرا طويلا، قال

стр. 318

سيبويه (١): المحرّم وسائر أسماء الشّهور أجريت مجرى الدّهر والليل والنّهار، فهى فى جواب" كم" ولو قلت: شهر رمضان، لكان بمنزلة يوم الجمعة، ولصار جواب" متى"؛ والصيف والشتاء يكونان فى جواب" كم" للعدّة، وفى جواب" متى"، للوقت، وجعل" شهرى ربيع" فى جواب" كم"؛ لأنّ تعريف التثنية كانت بإضافة كإضافة: غلاما زيد، وتعريف" شهرى ربيع كتعريف إضافة" عبد الله". وتقول فى الأيّام: اليوم الأحد بالرّفع فيهما، وكذا باقى الأيّام، وأجازوا مع الجمعة والسّبت النّصب؛ لما فيهما من معنى الاجتماع والرّاحة. الحكم الخامس: ما كان من ظروف الزّمان بمعنى" إذ" و" إذا" أضيف إلى الجمل. أمّا ما كان بمعنى" إذ" فإنه يضاف إلى الجمل، من المبتدأ والخبر والفعل والفاعل، إذا لم يكن الفعل أمرا ولا نهيا، تقول جئتك إذ زيد قائم، وإذ قام زيد وإذ يقوم زيد (٢)، على حكاية الحال، وإذ زيد يقوم، ولم يجيزوا، إذ زيد قام. وأمّا إذا كان بمعنى" إذا" فإنّما يضاف إلى الجملة من الفعل والفاعل، تقول: أجيئك إذا قام زيد، وإذا (٣) يقوم زيد ولا يحسن: أجيئك إذا زيد قائمّ، وقد أجازة قوم. والفرق بين" إذ" و" إذا":/ أن" إذ" لما مضى من الزّمان، و" إذا" لما يستقبل منه، ومتى وقع الاسم بعد" إذا" كان مرفوعا بفعل مضمر يفسّره الظاهر، كقوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (٤)؛ لاختصاصها بالإضافة إلى الجملة الفعليةّ.

стр. 319

ويجازى ب" إذا" مطلقا، تقول: إذا قدم زيد أكرمتك، ولا يجازى ب" إذ" إلّا إذا دخلت عليها" ما"، كقولة (١): إذ ما دخلت على الرّسول فقل له ... حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس وقد تقعان للمفاجأة، كقولك: بينا زيد قائم إذ جاء عمرو، وبينما رجل جالس إذا عمرو بالباب، وأكثرهم لا يرى دخولهما فى جواب" بينا" و" بينما"؛ وتقول: بينا زيد قائم إذ جاء عمرو، وبينما عمرو ذاهب لقيه بكر. والأوقات الّتى تضاف إلى الجمل هى ما كانت حينا وزمانا لا يختصّ به شئ دون شئ، كقولك: أجيئك يوم قام زيد، وحين قام زيد، وزمن قام، وأيّام قام، وليالى قام. ويقبح فى المؤقّت، نحو شهر وسنة وحول، حتّى قالوا: لا يضاف (٢) شئ له عدد، نحو: يومين، وجمعة، وأسبوع، وقد أجاز ابن السّرّاج (٢): أخرج يوم عبد الله أمير، وقال الزّجّاج (٣): يعجبنى يوم أنت قائم، وعليه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (٤)، وقوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ (٥) ومن لم يجز، تأوّل هذا، ونصبه على المفعول به.

стр. 320

ومتى أضفت هذه الظروف إلى الجمل، لم يكن فى الجملة عائد منها إليها، كما يكون ذلك فى الصّفة، والصّلة، والخبر، والحال، تقول: أجيئك حين يقوم زيد، ولا تقول: فيه، وعليه قوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (١)، وقوله هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٢)، وهى مع الإضافة إلى الجمل نكرة. ولك فيها - مع الإضافة - الإعراب، والبناء، والإعراب مع الجمل المعربة الصّدر أكثر وأحسن، كقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، ومن نصب (٣)، فيجوز أن يكون الفتحة إعرابا على الظرفيّة (٤) وبناء؛ لإضافته إلى فعل، وليس (٥) بالكثير، وإن كان صدر الجملة مبنيا فالبناء أكثر/ وأحسن، كقوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (٦)، وقوله: مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (٧) بالفتح (٨)، وقول النابغة (٩):
следующие страницы →