← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17905

البديع في علم العربية

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (1 670 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الموجب لفظا ومعنى: قام القوم إلّا زيدا، ورأيت القوم إلّا زيدا، ومررت بالقوم إلّا زيدا، وتقول في الموجب معنى، لا لفظا: ما أكل أحد إلّا الخبز إلّا زيدا، وما جاءني أحد إلّا راكبا إلّا زيدا، فمعنى الكلام: كلّ النّاس أكلوا الخبز إلّا زيدا، وكلّ النّاس جاءوني راكبين إلّا زيدا. وأمّا المنقطع فهو: أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: هلك القوم إلّا الدّار، ورحل النّاس إلّا المنازل، والبصريّ يقدّر" إلّا" فيه بمعنى" لكن"، والكوفيّ (١) يقدّرها ب" سوى". ولا بدّ للمنقطع البدليّ (٢) من معنى يتّصل به الثّاني بالأوّل، حتّى يصير إلى أنّه لو لم يستثن لظنّ أنّه فيه، فيكون الكلام الذي قبل" إلّا" قد دلّ على ما يستثنى منه. وأمّا غير الموجب/: فأن يقع في نفى أو نهى أو استفهام، وهو نوعان: النّوع الأوّل: أن يكون العامل مفرّغا، فيتسلط على معموله: لأنه إذا تفرّغ ممّا يستحقّه بالوضع، لم يحتج إلى معدّ؛ فيكون وقوع" إلّا" معه ملغي لفظا، مستعملا معنى، وتعرب المستثنى بما يستحقّه من الإعراب، تقول: ما قام إلا زيد، وما رأيت إلّا زيدا، وما مررت إلا بزيد، فهذا ليس بدلا حقيقيّا؛ لأنّ المبدل منه غير مذكور فيضمر، إلا أنّ فيه معنى البدل من شئ مقدّر كأنك قلت: ما قام أحد إلّا زيد؛ لأنّ المستثنى لا يكون إلا من مستثنى منه؛

стр. 387

ولهذا قيل في قولهم: ما زيد إلا قائم: ما زيد شيئا من الأشياء إلا هذا، تقديرا، ولأنّك تقول: ما قام إلّا هند، فلولا هذا المقدّر لأظهرت علامة التّأنيث فقلت: ما قامت إلا هند، وهذه التّاء لا تظهر إلّا في الشّعر، كقوله (١): فما بقيت إلا الضّلوع الجراشع فعلمت أنّ المستثنى - في هذا الباب - معمول الفعل المفرّغ. وقد أجاز قوم: ما قام إلا زيدا، وأنشدوا (٢):

стр. 388

يطالبني عمّي ثمانين ناقة ... وما لي يا عفراء إلّا ثمانيا النّوع الثّانى: أن يكون العامل مشغولا بمعموله، ولا يخلو ما بعد" إلّا": أن يكون متّصلا أو منقطعا، وكلاهما يجوز فيه" البدل، والنّصب على الاستثناء، والبدل مع الّمتصل أحسن، والنّصب مع المنقطع أحسن. أمّا البدل؛ فلأنّه يمكنك حذف المستثنى منه، وإقامة المستثنى مقامه، ولا يمكنك ذلك في الموجب، فتقول في المتّصل: ما قام أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا زيدا، وما مررت بأحد إلا زيد. وأمّا المنقطع فالبدل فيه لغة تميم (١) وهو على ضربين: ضرب/ حسن فيه البدل، وهو أن يكون المبدل داخلا في حيّز المبدل منه بتأويل" مّا"، كقولك: ما بالدّار أحد إلّا وتد، فالوتد يدخل في حيزّ" أحد" من حيث إنّه من توابعه، ومثله قولك: ما بالدّار شئ إلّا وتد. وضرب لا يحسن فيه البدل، وإنّما يكون منصوبا، وهو أن يكون البدل غير داخل في حيّز المبدل منه، كقولك: ما جاءني المسلمون إلّا الكافرين، ومنه قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢) فإذا قلت: ما قام القوم إلّا أباك، حسن النّصب، لأنّه بتقدير نفي موجب؛ فإنّه نفي قولك: قام القوم إلّا أباك، بخلاف: ما قام أحد إلّا أباك؛ لأنّ أحدا لا يقع في الإيجاب.

стр. 389

وأمّا النّصب على أصل الاستثناء فتقول: ما بالدّار أحد إلّا وتدا، وإلّا زيدا، وما رأيت أحدا إلّا وتدا، وإلّا زيدا، وما مررت بأحد إلّا وتدا، وإلّا زيدا؛ وذلك لأنّ الكلام قد تمّ، فتوصل الفعل ب" إلّا"، وتخرجه مخرج الفضلات، فيصير النّفي - في هذا - بمنزلة الإيجاب، وقد قرئ قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ (١) بالرّفع (٢)، على البدل من" أحد" وبالنّصب (٣)، على أصل الاستثناء، ومن هذا الباب قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٤)؛ فإن جعلت" من رحم" مفعولا، كان منقطعا، أي: لكن من رحم معصوم (٥)، وإن جعلته فاعلا، كان متّصلا، كأنّه قال: لا عاصم إلا الرّاحم (٥)، يعنى: الله تعالى، وكذلك قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ (٦)، فالنّصب مع المنقطع، والرّفع (٧)، على البدل، عند الزّجّاج (٨)، وعلى الوصف، عند يونس (٩)، ومثله قولهم: لا تكوننّ من فلان في شئ إلّا سلاما بسلام (١٠) فالنّصب مع المنقطع، أى: لا تخالطه إلا متاركة، والرّفع، على أنّه خبر

стр. 390

فالنّصب مع المنقطع، أى: لا تخالطه إلا متاركة، والرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره/ إلّا شئ هو سلام بسلام، ومنه قولهم: ما زاد إلا ما نقص" و" ما نفع إلا ما ضرّ"، ف" ما" - مع الفعل - بمنزلة اسم، ولولا" ما" لم يقع الفعل بعد" إلّا"، فكأنّه قال: ما زاد الشئ ولكن النّقص أمره، وما نفع ولكن الضّرّ أمره، ومنه قول الشّاعر (١): نجا سالم والنّفس منه بشدقه ... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا تمّ الكلام عند قوله:" ولم ينج"، ثم قال:" إلا جفن سيف ومئزرا" أي": لكن جفن سيف ومئزرا". فإن كان في المبدل منه مانع من الحمل على لفظه، حمل على الموضع، تقول: ما جاءني من أحد إلّا زيد، ولا رجل فيها إلّا زيد، فتحمل زيدا على موضع الفاعل والمبتدأ، دون الّلفظ؛ لأنّ" من" و" لا" لا يدخلان على المعارف فى هذا المقام، ويجوز النّصب في هذا، على أصل الاستثناء، فتقول: لا رجل فى الدّار إلا زيدا، وما جاءنى من أحد إلّا زيدا، ومنه قوله (٢): مهامها وخروقا لا أنيس بها ... إلّا الضّوابح والأصداء والبوما

стр. 391

مع تأوّل الجنسيّة، ومن هذا النّوع قولهم: ليس زيد بشئ إلّا شيئا لا يعبأ به"، فإن جعلت موضع" ليس"" ما" رفعت" شيئا. فإن فصلت" إلّا" وما بعدها بين الصّفة والموصوف - في النّفى - فالبدل، عند سيبويه (١)، والنّصب عند المازنيّ (٢)، تقول: ما مررت بأحد إلا أبيك خير من عمرو، وإلّا أباك، تقديره: ما مررت بأحد خير من عمرو إلا أبيك. الفصل الثّالث: في أحكام الاستثناء الحكم الأوّل: لا يجوز الاستثناء إلّا من جماعة، أو نكرة عامّة، أو اسم جنس تقول: قام القوم إلّا زيدا، وما قام أحد إلّا زيد، وذهب الدّينار والدّرهم إلّا دنانيرك ودراهمك، وما مرّ بي البعير إلّا إبلك، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (٣) / ولو قلت: قام زيد إلّا عمرو، لم يجز. الحكم الثّانى: لا يجوز الاستثناء بنكرة محضة من نكرة غير مؤقّتة؛ (٤) لقلّة الفائدة، فلو قلت: رأيت ناسا إلا رجلا، أو رأيت رجالا إلّا إنسانا، لم يكن للاستثناء فائدة؛ لأنّ المقصود بالاستثناء: أن يخرج من الحكم ما لولا هو لدخل فيه وجوبا، وقولك: رأيت ناسا، لا يوجب دخول" رجلا" فيهم بعينه حتّى لو لم تستثنه لكان داخلا في الحكم، وإذا كان الغرض من الاستثناء غير

стр. 392

متصوّر فيه؛ كان استعماله لغوا، وكان بمنزلة قولك: أخذت جملة إلا درهما. الحكم الثالث: لا يقع بعد" إلّا" - إذا كان قبلها اسم - إلّا اسم، أو فعل مضارع؛ فتقول: ما زيد إلّا قائم، وما زيد إلّا يقوم، ولو قلت: ما زيد إلّا قام لم يجز، فإن أدخلت" قد" أجازها قوم (١)، فأمّا قولك: ما أتاني زيد إلّا تكلّم بخير، فإنّ قبل" إلّا" (٢) فعلا، (٣) وأمّا قولك: ما تحدّثني إلا صدقت، وما تأتيني إلّا قلت حقّا، فالأوّل مضارع في تأويل ماض، كأنّك قلت: ما أتيتني إلّا قلت حقّا، فإن قلت: ما مررت بأحد إلّا زيد (٤) خير منه، كان ما بعد" إلّا" جملة ابتدائيّة واقعة صفة لأحد، و" إلّا" لغو في اللفظ معطية فائدتها، جاعلة" زيدا" خيرا من جميع من مررت به. الحكم الرّابع: لا يجوز تقديم" إلّا" على العامل والمستثنى معا فى حال، كقولك: إلّا زيدا قام (٥) القوم؛ لأنّهم شبّهوها بالواو، في باب المفعول معه، وقد جاء في الشّعر مقدّما عليهما.

стр. 393

وأجمع البصريّون على جواز تقديم" إلّا" على المستثنى منه، إذا كان العامل مقدّما عليها: قام إلا زيدا (١) القوم، وما قام إلا زيدا أحد، فإن قلت القوم إلا زيدا في الدّار، لم يجز. وحكم المستثني - في هذا المقام - أن يكون منصوبا أبدا، أمّا الموجب فلأنّه كان قبل التقديم منصوبا، وأمّا غير الموجب؛ فلأنّ البدل لا يتقدّم على المبدل/ منه، كالصّفة والموصوف، فبقي على أصل الاستثناء، وعليه أنشد سيبويه (٢): فما لى إلّا آل أحمد شيعة ... وما لى إلا مذهب الحقّ مذهب وقد وقعت" إلّا" غير موقعها، كقوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (٣) تقديره، إن نحن (٤) إلا نظنّ ظنّا، وتقول: ما ضربنا إلّا ضربا، ولا تقول:

стр. 394

لسنا نضرب بإلّا ضربا؛ لأنّك تقدر أن تقول: لسنا إلّا نضرب ضربا، ولا تقدر في" ما" (١) على ذلك. الحكم الخامس: لا يجوز حذف المستثنى وإرادته، ويجوز حذف المستثنى منه لفظا؛ حملا على المضاف والمضاف إليه، فلمّا جاز حذف (٢) المضاف، جاز حذف المستثنى منه، فقيل: ما قام إلّا زيد، ولمّا لم يجز حذف المضاف إليه، لم يجز حذف المستثنى؛ فلم يقل: قام القوم، ويراد: إلّا زيدا؛ فأمّا قولهم: ليس إلّا، و: ليس غير، فشاذّ، قال ابن السّرّاج: قد يحذفون المستثنى؛ استخفاقا، نحو قولهم: ليس إلّا، و: ليس غير، كأنهم قالوا: ليس إلّا ذاك، و: ليس غير ذاك (٣). ومنه قوله ﵇:" الطّيرة من الشّرك، وليس منّا إلّا، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل" (٤)، يريد: وليس منّا إلّا من يتطيّر. الحكم السّادس: لا يستثنى ب" إلّا" اسمان؛ فلا تقول: أعطيت الناس الدنانير إلّا زيدا الدّراهم، ولا: ما أعطيت أحدا شيئا إلا زيدا درهما، كما لا تعطف اسمين بحرف واحد، فأمّا قول الشاعر (٥):

стр. 395

وليس مجيرا إن أتى الحيّ خائف ... ولا قائلا إلّا هو المتعبّيا فشاذ، وهو محمول على فعل آخر، فإن قلت: ما أعطيت أحدا درهما إلّا زيدا دانقا، على البدل جاز، وكذلك: ما أعطيت القوم الدّراهم إلا عمرا دانقا. الحكم السّابع: إذا تكرّرت" إلّا" فلها معنيان: الأوّل: أن/ يكون استثناء من استثناء، فيكون الثاني ضدّ الأوّل، في الإيجاب والنّفي، كقولك: له عندى عشرة إلّا خمسة إلّا درهما، فالخمسة مستثناة من العشرة، والدّرهم مستثنى من الخمسة، فحصل الإقرار بستّة، ومنه قوله تعالى: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا امْرَأَتَهُ (١)، ف" آل لوط" استثنوا من" قوم مجرمين"، و" امرأته" مستثناة من" آل لوط". الثّانى: أن يكون استثناء بعد استثناء، لا منه، فتكون" إلّا" فيه بمعنى الواو، تقول: ما فيها أحد إلّا زيد إلا عمرو، أي: وعمرو، ولك النّصب على أصل الاستثناء، فإن أخّرت المستثنى منه، فلا بدّ من نصب المستثنيين، تقول: ما فيها إلا زيدا إلّا عمرا أحد، فإن لم يكن معك مستثنى منه، فلا بدّ من رفع أحدهما، ونصب الآخر، تقول: ما أتاني إلّا زيدا إلّا عمرو، و: إلّا زيد إلّا عمرا؛ لأنّه لا يجوز أن يرتفع اثنان بفعل واحد، من غير عاطف، ومن هذا النّوع قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ

стр. 396

وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (١)، كأنّه قال - والله أعلم -: لا يعلمها إلّا هو وهي في كتاب مبين (٢)، فإن قلت: ما أكل أحد إلّا الخبز إلّا زيدا، فهذا ليس فيه إلّا نصب زيد؛ لأنّ الكلام موجب في المعنى، كأنّك قلت: كلّ النّاس أكل الخبز إلّا زيدا، وكذلك: ما جاءني أحد إلا راكبا. إلّا زيدا، كأنّك قلت: كلّ أحد جاءني راكبا إلّا زيدا. الحكم الثامن: إذا اجتمع" إلّا"، و" غير"، فاجعل أحدهما استثناء والآخر صفة؛ تقول: ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو، وما مررت بأحد إلّا وتدا غير زيد، قال شيخنا (٣): ولا أعلم لصرفهما عن الاستثناءين معنى، ولا عن الوصفين إذا كانا مفترقين، فإن عطفت جاز رفعهما جميعا، تقول: ما جاءنى أحد إلا زيد وغير عمرو، فأمّا قول الشاعر (٤): ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلّا دار مروانا

стр. 397

فترفع" غير" (١) للوصف، وتنصب" دار مروان" للاستثناء، ولك أن تنصبهما جميعا، على الاستثناء، وأن ترفعهما جميعا؛ فيصير الكلام: ما بالمدينة دار كبيرة إلّا دار مروان، ولك أن تنصب" غيرا"، وترفع" دار مروان"، وبعضهم لم يجزه (١). الحكم التّاسع: لا يجوز الجمع بين اثنين من آلات الاستثناء، لو قلت: جاءني القوم إلّا خلا زيدا، لم يجز، وقد أجازوا: إلّا ما خلا زيدا؛ للفصل، وأجاز الأخفش (٢): جاءني القوم إلّا حاشا زيد بالجرّ. الحكم العاشر: لا يعطف على حرف الاستثناء ب" لا"، لا تقول: قام القوم ليس زيدا ولا عمرا، ولا: قام القوم غير زيد ولا عمرو. فأما قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٣) ف" غير" صفة (٤) دالّة على النّفي؛ لأنّها صفة الّذين" بمعنى أنّهم جمعوا بين نعمة الإيمان وبين السّلامة من غضب الله والضّلال، ولو كانت استثناء لم يجز. الحكم الحادى عشر: أكثر النحاة لا يجيزون الاستثناء بأكثر من

стр. 398

النّصف (١)، وبعضهم (٢) يجيزه، وعليه أكثر الفقهاء (٣)، تقول: له عندى عشرة إلا تسعة، فكأنّه قال: له عندى واحد، ويدلّ عليه قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤)، وقال تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٥)؛ فاستثنى الغاوين من العباد والعباد من الْغاوِينَ (٦). وأمّا الاستثناء بالنّصف: فقد اعتدل الخلاف بينهم (٣) فيه جوزا ومنعا وأجمعوا على أنّه لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من المستثنى منه؛ فلا تقول لى عنده عشرة إلّا أحد عشر (٦).

стр. 399

الحكم الثّانى عشر: قد أوقعوا الفعل موقع الاسم المستثنى، في قولهم:" أقسمت عليك إلّا فعلت"، و" نشدتك بالله إلّا جئت"، و" عزمت عليك إلّا جئتني"، ومنه قول ابن عبّاس للأنصار - وقد نهضوا له -: " بالإيواء والنّصر (١) إلّا جلستم"، التقدير فى هذا الحكم: ما أطلب إلّا فعلك، ولا أريد إلّا جلوسكم. الحكم الثّالث عشر: قد حملوا المستثنى منه على المعنى، فقالوا: " أقلّ رجل" يقول ذاك إلا زيد"، ف" زيد" بدل - فى المعنى - من رجل، كأنّك قلت: ما رجل يقول ذاك إلّا زيد. فأما قولهم:" قلّ رجل يقول ذاك إلّا زيد" فليس ببدل من رجل؛ لأنّ" قلّ" لا يعمل في المعارف، وإنمّا معناه: أقلّ رجل، قال سيبويه: أقلّ رجل مبتدأ مبني عليه (٢)، فهذا يدلّ على أنّ له عنده خبرا. وإذا قلت: قلّما يسكن الدّار إلا الظباء، فالرّفع والنّصب، فإن جعلت موضع" ما"" من" فالنّصب الوجه.

стр. 400

الباب الثّاني عشر فى المجرورات وهي قسمان: مجرورات بحرف، ومجرورات بإضافة. القسم الأوّل: فى المجرور بالحرف ، فيه فصلان: الفصل الأوّل: في ذكر الحروف، ومعانيها وفيه فرعان: الفرع الأوّل: في تعريفها ، حروف الجرّ ثمانية عشر حرفا، وتسمّى حروف الإضافة؛ لأنّ وضعها: أن تفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء، وهي - في ذلك - سواء، وإن اختلفت دواعيها. منها خمسة على حرف واحد، وهي: الباء، واللام، والكاف، والتّاء والواو. ومنها خمسة على حرفين، وهي: من، وعن، وفي، ومذ، في موضع، وكي، في موضع. ومنها ستّة على ثلاثة أحرف، وهي: إلى، وعلى، وربّ، ومنذ، في موضع، وعدا، وخلا، في الاستثناء. ومنها اثنان على أربعة أحرف، وهما: حاشا، في الاستثناء، وحتّي، في أحد أقسامها، وهذه جميعها متّفقة في العمل لفظا أو موضعا، ومعانيها مختلفة.

стр. 401

أمّا الباء: فإنّها مكسورة، ولها أربعة مواضع الأوّل: الإلصاق، وهو أصل بابها، كقولك: أمسكت الحبل بيدى، فأمّا مررت بزيد، فعلى الاتّساع، أى: التصق مرورى بموضع يقرب منه. الثّاني: للاستعانة، وذلك إذا اتّصلت بآلة ونحوها، كقولك: كتبت بالقلم، وضربت بالسّيف، ومنها: بتوفيق الله حججت، وبفلان أصبت الغرض وأكثر ما يجئ مع الفعل المتعدّى. الثّالث: للمصاحبة نحو: اشتريت الفرس بسرجه ولجامه، ودخل عليه بثياب السّفر، ومنه قوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (١). الرّابع: للزّيادة، وقد تزاد في المرفوع، والمنصوب، والمجرور: أمّا المرفوع: ففى الفاعل لازما، كقولك: أكرم بزيد، وغير لازم، كقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً * (٢)، وفي المبتدأ، كقولك: بحسبك قول السّوء، وفي الخبر كقوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها (٣). وأمّا المنصوب: فكقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (٤) ومنه: ليس زيد بقائم.

стр. 402

وأمّا المجرور: فقد جاء في الشّعر شاذا، أنشده الفارسيّ: فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا (١) وقد جاءت مضمرة في القسم، كقولهم: الله لأفعلنّ، وفي قول رؤبة - وقيل له: كيف أصبحت؟، قال -: خير (٢)، يريد: بخير. وأمّا اللام: فمفتوحة مع المضمر، مكسورة مع المظهر، ولها موضعان: الأوّل: للتخصيص، وهو نوعان: أحدهما: ما اقترن معه ملك، نحو: الدّار لزيد، والمال لجعفر، والآخر: ما عري منه، نحو: السّرج للدّابّة، والمسجد لعبد الله. الثاني: الزّيادة، كقوله تعالى: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ (٣)،

стр. 403

وكقوله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ (١)، وأنشدوا (٢): يذمّون للدّنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل وقد أضمرت في قولهم:" لاه أبوك"، يعنون: لله أبوك. وقد جعل لها قوم موضعين آخرين. أحدهما: العلّة (٣)، نحو: جئت لتكرمني. والثاني: العاقبة (٤)، كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٥). وأمّا الكاف: فمعناها التشبيه، ولها موضعان: الأوّل: أن تكون غير زائدة، كقوله: جاءني الذي كزيد، فوصلت بها

стр. 404

" الّذي" ولو كانت اسما لكان فيه قبح؛ لحذف المبتدأ، التقدير: جاءني الّذي هو كزيد؛ ولهذا استقبحوا من قرأ: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (١)، بالّرفع (٢). الثاني: أن تكون زائدة، كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٣)، أى: ليس مثله شئ (٤)؛ لأنّ الله لا مثل له. ولا تدخل الكاف على مضمر؛ استغناءا عنها ب" مثل"؛ فلا تقول: أنت كه، تريد: أنت كزيد، وقد جاء في الشّعر (٥) شاذا. وأمّا التّاء والواو: فمختصّان بالقسم، وسيذكران في الفصل الثاني من هذا الباب. وأمّا" من": فلها خمسة مواضع: الأوّل: أن تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، أي كان ابتداء السّير منها إلى الغاية التى يقصدها، وهذا الكتاب من فلان إلى فلان، أي ابتداؤه منه، فيتّصل بمن صدر عنه الكتاب، ولا اعتبار بالتأخير فيه والتّقديم، إذا قلت: هذا الكتاب إلى فلان من فلان، وإذا قلت: زيد أفضل من عمرو، إنّما ابتدأت في إعطائه الفضل؛ حيث عرفت فضل عمرو، ثم تناول ذلك من هو مثل عمرو أو دونه.

стр. 405

وسيبويه يذهب إلى أنّها تكون لابتداء الغاية فى الأماكن (١)، قال سيبويه إذا قلت: عمرو أفضل من زيد، إنّما أراد أن يفضّله على بعض (٢) ولا يعمّ، وجعل" زيدا" الموضع الّذي ارتفع منه، وكذلك إذا قال: أخزى الله الكاذب منّي ومنك. الثّاني: للّتبعيض، كقولك: أخذت من الدّراهم، أي: بعضها، وكقوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) (٣)، عند سيبويه (٤)، وقد قيل: إنّ «من» لأقلّ من (٥) النّصف، كقوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (٦) قال المبرّد: قولك: أخذت من ماله، إنّما جعل «ماله» ابتداء غاية ما أخذ؛ فدلّ على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاء له، والأصل واحد، وكذلك: أخذت منه درهما، و: سمعت منه حديثا، أى: هو أوّل مخرج الدّرهم (٧) والحديث.

стр. 406

الثّالث: التّبيين، كقولك: ثوب من خرّ، وكقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (١)، فالرّجس جامع للأوثان، وغيرها، و «من» بيّنت أحد أنواعه، ولو كانت للتّبعيض، لأثبتّ في الأوثان ما ليس برجس. ويعتبر هذا القسم، بأنّه يحسن أن تقع صفة (٢)، تقديره: الرّجس الذي هو الأوثان. الرّابع: أن تكون لاستغراق الجنس، مزيلة للّبس، مؤكّدة للعموم في النفي والاستفهام؛ تقول: ما جاءني من رجل، وهل من رجل في الدّار؟؛ لأنّك إذا قلت: ما جاءني رجل، جاز أن يكون قد جاءك رجلان أو أكثر، وإذا قلت: ما جاءني من رجل، لم يجز أن يجيئك رجل، ولا أكثر منه، ومنه قوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ (٣). ولا تدخل إلّا على النكرات؛ فلا تقول: ما جاءني من زيد الخامس: أن تكون زائدة، لغير معنى، وجودها كعدمها، ولا تكون إلّا مع النّفي والاستفهام، في قولهم: ما جاءني من أحد، وهل من أحد في الدّار؟ فوجودها، وعدمها سواء؛ لأنّك إذا قلت: ما جاءني أحد، فقد نفيت نفيا عاما، لا يجوز أن يكون جاءك واحد، ولا أكثر منه كما إذا قلت: ما جاءني من أحد؛ لأنّ" أحدا" لا يقع في الإيجاب.

стр. 407

وأجاز الأخفش زيادتها في الإيجاب (١)، كقوله تعالى: يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٢)، وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣)، في أحد التّأويلين. وأكثر النحاة يجعلونها في القسم الرّابع زائدة (٤)، وليست كذلك؛ لأنّ الزائد ما لا يفيد معنى، وهي فيه قد أفادت الاستغراق والتأكيد. وأمّا" عن": فمعناها المجاوزة، والبعد، ولها موضعان. الأوّل، حقيقيّ، كقولك: جلست عن يمينه، أي: في المكان الذي تجاوزه وتعدّاه، وحاذي يمينه، ومنه قوله تعالى: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٥) وقولهم: رميت عن القوس، وكساه عن العري، وأطعمه عن الجوع. الثّاني: مجازيّ، يرجع إلى الأوّل، كقولك: أخذت عنه العلم، وأدّيت عنه الدّين. وأمّا" في": فعماها الظرفيّة، ولها موضعان: الأوّل: حقيقىّ، كقولك:" زيد في الدّار، والمال في الكيس. والثّاني: مجازيّ، وهو نوعان: أحدهما: قريب من الحقيقيّ، كقولك: نظرت في العلم، وفي فلان عيب. والآخر: بعيد منه، كقولهم: في عنفوان شبابه، وإنّما الإنسان محلّ

стр. 408

للشّباب، لا الشّباب محلّ للإنسان، ويجوز أن يصرف إلى الحقيقة على حذف مضاف تقديره: زمن عنفوان/ الشّباب. وأمّا" كي": فالّتى فى قولهم: كيمه؟ كما تقول: لمه؟ ف" ما" اسم استفهام، وحذف الألف منها يدلّ على أنّ" كي" حرف جرّ، مثل:" فيم" و" عمّ"، وسنزيدها بيانا عند ذكر نواصب (١) الفعل المستقبل. وأمّا" مذ" فستذكر مع أختها في آخر الفرع. وأمّا" إلى" فهي لانتهاء الغاية، ولها موضعان: الأوّل: حقيقيّ، كقولك: جئت إلى بغداد، وكقولهم - في الكتاب - من فلان إلى فلان. ويجوز أن يدخل ما تجرّه في حكم ما قبله، كقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (٢)، فالمرافق داخلة في الغسل، وبعضهم (٣) لا يدخلها فيه، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. (٤) الثّاني: مجازيّ، وهو إذا كانت بمعنى المصاحبة، كقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ (٥)، وقولهم: «الذّود إلى الذود إبل»، وقيل: هما هنا بمعنى" مع" (٦)، ومن ذلك: قولهم: إنما أنا إليك، أي: أنت غايتي، وقولهم قمت إليه، فتجعله منتهاك من مكانك (٧)، وقيل: هما بمعنى اللّام.

стр. 409

وأمّا" على": فمعناها الاستعلاء، ولها موضعان: الأوّل: حقيقىّ، وهو أن يكون ما قبلها فوق مسمّى المجرور، إن كان ممّا يعلى، كقولك: زيد على الفرس، وعلى عمرو ثوب. الثّاني: مجازيّ، كقولك: فلان أمير على البلد، وكقوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ" (١)، ومنه قولهم: عليه مال، ومررت على زيد، أي: إنّ المال قد اعتلاه، وإنّ مروره على مكانه. وأمّا" ربّ": فمعناها التقليل، ولها صدر الكلام، وقد جاءت بمعنى التكثير في الشّعر، حملا على" كم"، والفارسيّ (٢) يقول، في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٣): لا معنى للتّقليل فيها؛ لأنّه لا حجّة عليهم فيه. ولها أحكام: الحكم الأوّل: لا بدّ لها من فعل تتعلّق (٤) به حتى تعدّيه، ولا يكون إلّا ماضيا، متأخّرا عنها، ويجوز حذفه، وإظهاره، وأكثر ما تستعمله العرب محذوفا، تقول: ربّ رجل عاقل لقيت، فأنت مخيّر في" لقيت"، إن جعلته صفة، كان العامل محذوفا، وإنّما جاز حذفه؛ لأنّه جواب، والجواب يتسلّط

стр. 410

عليه الحذف، كما سبق في المبتدأ والخبر (١)، ويقول القائل: ما لقيت رجلا صالحا، فتقول: ربّ رجل صالح، أى: لقيت، وإن لم تجعل" لقيت" صفة فهو العامل في" ربّ"، فإن قلت" لقيته، لم يكن إلّا صفة؛ لأنّه قد تعدّى إلى مفعول بنفسه؛ فلم يحتج إلى حرف الجرّ. وتقول - في العطف - ربّ رجل قد رأيت وربّ امرأة، فالاختيار: أن تعيد الصّفة، فتقول: وربّ امرأة قد رأيت. وإذا وقع الفعل المضارع بعدها، فثمّ إضمار، نحو: ربّ رجل يقوم، تقديره: ربّ رجل كان يقوم، أو كأنّه لصدق الوعد قد وقع، ولا تقول: ربّ رجل سيقوم غدا، وليقومنّ بعد غد، إلّا أن تريد: ربّ رجل يوصف بهذا تقول: ربّ رجل يسيء اليوم محسن غدا، أى: يوصف بهذا. الحكم الثّاني: لا تدخل" ربّ" إلّا على نكرة (٢)، إمّا مظهرة، وإمّا مضمرة. أمّا المطهرة «فيلزمها أن تكون موصوفة (٣) بمفرد أو جملة؛ لتكون أبلغ في التّقليل؛ فإنّ «رجلا» أعمّ من «رجل قائم»؛ تقول: ربّ جل جواد لقيت؛ وربّ رجل أبوه كريم، وربّ رجل فهم ذاك، ولا تقول: ربّ رجل، وتسكت. وأمّا المضمرة: فيلزمها أن تفسّر بمنصوب نكرة مفرد، كقولك: ربّه رجلا، وهذا المضمر مجهول، لا يرجع إلى شئ، وإنّما هو نكرة مبهم يرمى به من غير قصد إلى مضمر سابق، ثمّ يفسّر كما يفسّر العدد المبهم، كما

стр. 411

سبق في ضمير الشّأن (١) والقصّة، ويجئ فى فاعل" نعم" (٢) و" بئس" إذا كان مضمرا. وهذه الهاء بلفظ واحد مع المذكّر والمؤنّث، والاثنين والجماعة، عند البصريّين (٣). وقد أدخلوا" ربّ" على" من"، إذا كانت نكرة غير موصولة، حكى عنهم: مررت بمن صالح (٣)، و: ربّ من يقوم ظريف، قال الشاعر (٤): يا ربّ من تغتشّه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين وأدخلوها على" مثلك" و" شبهك"، إذا لم تتعرّفا (٥) بالإضافة، وكانا - فى المعنى - نكرتين. الحكم الثّالث: قد أدخلوا" ما" على" ربّ"، ولا تخلو: أن تكون كافّة لها عن العمل، أو زائدة، أو بتقدير شئ. أمّا الكافّة: فتدخل بها على المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، كقولك: ربّما زيد قائم، وربّما قام زيد، وربّما يقوم زيد، وبعضهم يمنع المستقبل - (٦)

стр. 412

كما سبق - ويقول: إنّ قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (١) حكاية حال. وأمّا الزّائدة: فكقوله (٢): ربّما ضربة بسيف صقيل ... بين بصرى وطعنة نجلاء وكقوله (٣): لقد رزئت كعب بن عوف وربّما ... فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها وأمّا التي بتقدير شئ موصوف فكقوله (٤): ربّما تكره النفوس من الأم ... ر له فرحة كحلّ العقال تقديره: ربّ شئ تكرهه النّفوس.

стр. 413

وقد اقتصروا ب" ربّما" عن ذكر شئ بعدها، كقوله (١): فذلك إن يلق الكريهة يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فربّما الحكم الرّابع: قد أضمروا" ربّ" بعد الواو، مع المظهر، نحو قوله (٢): وبلدة ليس بها أنيس والعمل ل" ربّ"، ولا يدخل عليها (٣) واو العطف، بخلاف واو القسم؛ فإنّ واو العطف (٤) تدخل عليها. وحكم واو" ربّ" حكم" ربّ" إلّا مع المضمر، و" ما"؛ فإنّه لا تدخل عليها وأضمروها بعد" بل"، قال (٥):

стр. 414

بل بلد ملء الفجاج قتمه وأضمروها بعد الفاء، قال (١): فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع وقد جرّوا بها مضمرة من غير نائب، قال (٢). رسم دار وقفت في طلله ... كدتّ أقضي الحياة من جلله وأمّا" حتّى": فلها في الكلام ثلاثة مواضع، وواحد فيه خلاف. الموضع الأوّل: أن تكون حرف جرّ بمعنى" إلى"، ولها فيه حكمان: أحدهما: أن ينتهى الأمر به. والآخر: أن ينتهي الأمر عنده. أمّا الأوّل: فلها فيه شرائط حتّى تجرّ: إحداها: أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، تقول: مررت بالقوم حتّى زيد، ولو قلت: حتّى الحمار، لم يجز. الثّانية: أن يكون ما قبلها - في العدّة - أكثر ممّا بعدها، فلو قلت: ضربت زيدا حتّى عمرو، أو حتى القوم، لم يجز. الثّالثة: أن يكون ما بعدها مذكورا لتعظيم أو تحقير، تقول: مات

стр. 415

النّاس حتّى الأنبياء، وقدم الحجّاج حتّى المشاة، فلو قلت: قام القوم حتّى الرّجال، لم يحسن، وحسن: قام القوم حتّى النّساء. الحكم الثّاني: وهو ما انتهى الأمر عنده، كقولك: (١) إنّ فلانا ليصوم الأيّام حتّى يوم الفطر، فانتهت" حتّى" بصوم الأيّام إلى يوم الفطر، ولا يجوز أن تنصب" يوم الفطر" على العطف؛ لأنّه لم يصمه، وكذلك إذا خالف الاسم الذي بعدها ما قبلها، كقولك: قام القوم حتّى الّليل، معناه [قام] (٢) القوم اليوم حتّى الّليل. ومجرور" حتّى" يجب أن يكون آخر جزء من الشّئ، أو ماثلا في آخر جزء منه؛ لأنّ الغرض: أن ينقضي ما يتعلّق بها شيئا فشيئا حتّى تأتي عليه، تقول: أكلت السّمكة حتّى رأسها، ولا تقول: حتّى نصفها، وحتّى ثلثها كما تقول مع" إلى"، وقيل: الخلاف فيها (٣) كالخلاف في" إلى"، قال/ سيبويه لحتّي في الفعل نحو ليس لإلى، ويقول الرّجل: إنما أنا إليك، أى: أنت غايتي، ولا تجوز" حتّى" هاهنا (٤). ولا تدخل - عنده (٥) - على مضمر، فلا تقول؛ حتّاه، وحتّاك، كما

стр. 416

تقول: إليه وإليك، وغير سيبويه (١) يجيزه. الموضع الثّاني: أن تكون عاطفة، ويلزم فيها الشّرائط الثّلاث، تقول: ضربت القوم حتّى زيدا، وركب النّاس حتّى الأراذل، وما بعدها يلزمه الدخول فيما قبلها جنسا وحكما، بخلاف الجارّة، فإنّه لا يلزم فيها إلّا دخول الجنسيّة، والغرض منها: أن يدلّ على أنّ المذكور بعدها انتهى إليه الفعل، وأنّه لم يخرج من جملة من تقدّم ذكره. ولا يتّصل بها الضّمير إجماعا، ومتى عطفت بها على مضمر مجرور، أعدت الجارّ، تقول: مررت بهم (٢) حتّى بزيد. الموضع الثّالث: أن تكون حرف ابتداء، كقول امرئ القيس (٣): سريت بهم حتّى تكلّ ركابهم ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان ومثله: قام القوم حتّى زيد قائم، وأكلت السّمكة حتّى رأسها مأكول،

стр. 417

وأنشدوا (١): ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله ... والزّاد حتّى نعله ألقاها يجوز رفع" النّعل" ونصبها وجرّها؛ فالنّصب عطفا على ما عمل فيه" ألقى"، ويكون" ألقاها" تأكيدا، أو بفعل مضمر يفسّره" ألقاها"، والرّفع على الاستئناف، و" ألقاها" خبره، والجرّ على: ألقى ما فى رحله حتّى نعله، و" ألقاها" تأكيد. وإذا قلت: العجب حتّى زيد يسبّني، فالمعنى: يسبّ الناس إيّاي حتّى زيد يسبّني، قال الفرزدق (٢): فواعجب حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع الموضع الرّابع: أن تكون بمعنى" كي" كقولك: أطع الله حتّى يدخلك الجنّة، وبمعنى" إلى أن"، كقولك: انتظرته حتّى يقدم، وسنذكر هذا القسم عند ذكر نواصب (٣) الفعل المستقبل. وأمّا" عدا"، و" خلا"، و" حاشا"/ فقد ذكرت في باب الاستثناء (٤)

стр. 418

وأمّا" مذ" و" منذ" فهما لفظان تتجاذبهما الاسميّة، والحرفية والأغلب على" مذ" الاسميّة، وعلى" منذ" الحرفيّة؛ لأنّهم قالوا: أصل" مذ":" منذ" فحذفت النّون؛ بدليل إعادتها في التصغير، فتقول: منيذ، فإن لقي الذّال ساكن بعدها ضمّت؛ ردّا إلى أصلها، وكسرت؛ على أصل التقاء السّاكنين. أمّا إذا كانتا اسمين: فإنّ موضعهما رفع بالابتداء (١)، وما بعدهما خبرهما، وقيل بالعكس (٢)، ولهما موضعان: الأوّل: أن تكونا بمعنى الأمد، فيكون الاسم بعدهما نكرة معدودا، فإن عرّفته جاز، تقول: ما رأيت زيدا، فيقال لك: ما أمد انقطاع الرّؤية؟ فتقول: مذ يومان، ومذ اليومان، أي: أمد ذلك يومان، فهذا يقتضى العدّة فحسب، وينتظم أوّل الوقت وآخره، فإن قلت: يوم الاثنين، مثلا: ما رأيته مذ يومان - وقد كنت رأيته يوم الجمعة، أو السّبت - جاز، ولم يعدّ بالنواقص، وقيل: إذا رأيته أمس، فقلت اليوم: ما رأيته [مذ] (٣) يومان جاز، وزعم الأخفش أنّهم يقولون ما رأيته مذ اليوم، و: مذ العام، ولا يقولون: مذ الشّهر، ولا مذ يوم، ولا مذ الساعة (٤)، وهو على غير قياس؛ وقد حكي عن العرب استعمال أمثلة، وامتناع من أخرى، لم نطل بذكرها. الموضع الثّاني: أن تكونا بمعنى أوّل الوقت، ولا يكون الاسم بعدهما

стр. 419

إلّا معرفة؛ لأنّ السّؤال عن وقت معيّن، ولا ينتظم أوّل الوقت وآخره، وإنّما يعرف الآخر يقرينة، تقول ما رأيت زيدا، فيقال لك: ما أوّل ذلك؟ فتقول: مذ يوم الجمعة، أى: أوّل المدّة الّتي انقضت (١) فيها الرّؤية يوم الجمعة. ولا يجوز أن ترفع إلّا زمانا، أو مقتضيا للزّمان، قال ابن السّرّاج:" مذ" إنّما صيغت؛ لتليها الأزمنة، فإذا وليها فعل فإنّما هو لدلالة الفعل على الزّمان، فإذا قلت:/ ما رأيته مذ قدم فلان، فالتأويل: مذ يوم قدم فلان (٢). فإن لم يظهر ل" مذ" عمل، وعطفت على ما عملت فيه اسما، حملته على النّصب، دون حكم الإعراب المقدّر بعد" مذ"، تقول: ما رأيته مذ قام ويوم الجمعة، فإن ظهر العمل، حملته على لفظه، تقول: ما رأيته مذ يومان وليلتان، ولك نصب الثّاني، كأنّك قلت: ما رأيته ليلتين، ولا تقول: ما رأيته مذ يوم يوم، فتبنى، ك" خمسة عشر"، وقوم يجيزون: مذ يوم يوم، بلا تنوين، ولا يجيزون: مذ شهر شهر، ولا: دهر دهر، قال ابن السّرّاج: ولا أعرف الضّمّ بلا تنوين - في هذا - من كلام العرب (٢). وأمّا إذا كانت" مذ"، و" منذ" حرفين فإنّهما يتنزّلان منزلة" في" (٣) تقول: ما رأيته مذ اليوم، وأنت عندنا منذ الّليلة، أي: في اليوم وفي اللّيلة، التقدير: أنت عندنا مستقرّ أو كائن في اليوم، أو في الليلة. قال سيبويه: وتكون ابتداء غاية الأيّام والأحيان كما كانت" من" (٤) وذلك قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى اليوم، ومذ غدوة إلى

стр. 420

السّاعة، ومذ اليوم إلى ساعتك هذه، فجعلت اليوم أوّل غايتك، ثمّ تقول: ما رأيته مذ يومين، فجعلتهما غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان، فجعلته غاية ولم ترد منتهى (١)؛ لأنّك إذا أردت الغايتين رفعت، وإذا أردت إحداهما جررت. وفرق ما بين الاسميّة والحرفيّة: أنّ الكلام مع الاسميّة جملتان؛ لأنّ قولك:" ما رأيته" جملة"، و" مذ يومان" جملة أخرى، وقولك:" لم أره مذ اليوم" يتعلّق" مذ" بما قبله؛ لأنّه حرف جرّ؛ فكان جملة واحدة. الفرع الثاني: [في دخول بعض هذه الحروف على الأسماء والأفعال] قد دخل بعض هذه الحروف على الأسماء، والأفعال، ووقع بعضها مكان بعض اتّساعا، إذا تقارب المعنى بينهما. وبعضهم (٢) لا يرى ذلك ويؤوّل الحرف تأويلا لا يخرجه عن بابه. فأمّا ما دخل على الأسماء: فهو:" مذ" و" منذ" - وقد ذكرا - والكاف و" عن" و" على".

стр. 421

أمّا الكاف: فكقول الشاعر (١): أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط ... كالّطعن يهلك فيه الزيت والفتل [وقول الآخر] (٢) وزعت بكا لهراوة اعوجّي ... إذا ونت الرّكاب جرى وثابا (٣) وقد مثل سيبويه - على اسميّتها - لا كزيد أحدا (٤)، بالنّصب، على أنّه بدل من الكاف، فأمّا قولهم أنت كزيد، فيجوز أن تكون اسما وحرفا.

стр. 422

وأمّا" عن" فقولهم: جلست من عن يمينها، أى: من جانبها، قال الشّاعر (١): فقلت للرّكب لمّا أن علا بهم ... من عن يمين الحبيّا نظرة قبل وأمّا" على": فكقول الشّاعر (٢): غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها ... تصلّ وعن قيض ببيداء مجهل وكقوله (٣): هوى ابنى من على شرف وكان القياس أن يقول: علاه (٤)، كما يقول: فتاه؛ لأنّ الألف المقصورة

стр. 423

مع الأسماء لا تتغيّر مع المظهر والمضمر، وإنّما روعي أصلها. وأمّا ما دخل على الأفعال. ف" عدا" و" خلا"، و" حاشا" - وقد ذكرت في باب الاستثناء (١) - و" على" في قولك: علا يعلو إذا ارتفع. وأمّا وقوع بعضها مكان بعض اتّساعا: فالباء واللّام و" من"، و" عن" و" في" و" على" و" إلى". أمّا الباء: فقد وقعت موقع" في" قال (٢): ما بكاء الكبير بالأطلال وموقع" عن" عند الكوفيّن (٣)، كقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٤) وكقول الشاعر (٥):

стр. 424

فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... بصير بأدواء النّساء طبيب وموقع" من"، قال (١): شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت وموقع" على" قال (٢): بودّك ما قومي على أن تركتهم ... سليمى إذا هبّت شمال وريحها أى: على ودّك قومي، و" ما" زائدة وموقع" من أجل" كقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا (٣)

стр. 425

وكقول الشّاعر (١): غلب تشذّر بالذّحول كأنّها وأمّا اللّام: فقد [وقعت] (٢) موقع على، عند الكوفيّ (٣)، قالوا: لفيه أى: على فيه ومنه قوله (٤): فخرّ صريعا لليدين وللفم
следующие страницы →