← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17905

البديع في علم العربية

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (1 670 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ولا تجعل أحدهما سببا للآخر، وهاهنا أحدهما سبب للآخر؛ فإنّ الضّرب/ لأجل الكفّ، التقدير: ليكوننّ منّي ضرب أو منك كف، أم: ليكوننّ الضّرب أو الكفّ. وكلّ موضع وقعت فيه «أو»، وصلح فيه «إلّا أن» أو «إلى أن» فالفعل منصوب، فإن لم يصلح رفعت، تقول: أتجلس أو تقوم؟ وهل تكلّمنا أو تسكت؟ المعنى: أيكون منك أحد هذين؟ وعليه قوله تعالى: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (١). وأمّا قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (٢) ف «يرسل» منصوب ب «أن» مقدّرة غير الظّاهرة؛ لأنّ التقدير: وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلّا وحيا أن يوحى (٣) أو يرسل، وأمّا من رفع (٤) «يرسل» فيكون «وحيا» حالا بمعنى موحى (٥) إليه، أو مصدرا في موضع الحال، و «يرسل» معطوف عليه. فإن كان قبل «أو» اسم أو شئ لا يمكن حمل ما بعده عليه تأوّلوا فيه المصدر، ونصبوا بإضمار «أن»، كقول (٦) الشّاعر (٧):

стр. 772

فلولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما فنصب لمّا لم يمكن الحمل على الاسم. الحرف الرّابع: «اللّام» الجارّة في قولك: زرتك لتكرمنى، تقديره: لأن تكرمنى، فأضمرت «أن»؛ لتصير هي والفعل مصدرا تدخل «اللّام» الجارّة عليه. والكلام الّذي تدخل عليه «اللّام» لا يخلو: أن يكون موجبا، أو منفيا. فإن كان موجبا جاز إضمار «أن» وإظهارها، وقد تقدّم (١). وإن كان منفيا ودخلت فيه «كان» لم يجز إظهارها، كقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (٢)، وقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ * (٣) فإن لم تكن فيه «كان» جاز ظهورها، كقولك: ما جئت لتغضب؛ لأنّ حرف النّفى دخل على كلام يحسن ظهور «أن» معه إذا حذف، تقول: جئت ليغضب، ولأن يغضب، ولا يحسن أن تقول: كنت لأذهب، في قولك: ما كنت/ لأذهب. وقد أجاز الكوفىّ: ما كنت (٤) زيدا لأضرب، وأنشد (٥): لقد عذلتنى أمّ عمرو ولم أكن ... مقالتها ما دوت حيّا لأسمعا وهو عند البصرىّ: على إضمار (٦) فعل.

стр. 773

الحرف الخامس:" حتّى"، ولها موضعان: أحدهما: أن تكون بمعنى" كى"، تقول: أطلع الله حتّى يدخلك الجنّة، فالأوّل علة الثّانى. والموضع الثّانى: أن يكون بمعنى" إلى أن"، كقولك: انتظرته حتّى يقدم، وحتى قدم. ومعناها: أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها، والتقدير: حتّى يدخلك الجنّة، وحتّى أن تقدم، فأضمرت" أن"؛ لأنّ" حتى" - فى الأصل - حرف جرّ. وتقع الأفعال الثّلاثة قبلها وبعدها. فإذا كان ما بعدها ماضيا لم يكن ما قبلها إلّا ماضيا، كقولك: سرت حتّى طلعت الشّمس. وإن كان ما بعدها مستقبلا جاز أن يكون ما قبلها ماضيا، ومستقبلا كقولك: سرت حتّى تطلع الشّمس، وأسير حتّى تطلع الشّمس. وأمّا فعل الحال: فيقع بعدها، ولا يقع إلّا مرفوعا؛ لأنّ" أن" لا تدخل على الحال، و" حتّى" إنما تنصب بتقديرها، فبطل النّصب. وارتفاعه: على أن يكون الفعل الّذى قبلها علّة للذى بعدها، وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الأوّل قد مضى، والثّانى أنت فيه، ويعتبر بأن يقع الماضى موقعه، كقولهم: «شربت الإبل حتى يجئ البعير يجرّ بطنه»، ومنه قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (١) فيمن رفع (٢)؛ فيجوز

стр. 774

فيه؛ حتّى جاء البعير، و: حتّى قال الرسول، فالشّرب والزّلزلة هما علّة المجئ والقول. الضّرب الثّانى: أن يكون الفعل الذى قبلها والذى بعدها قد مضيا، ويكون حكاية حال يحسن أن يقع الماضى بعدها، كقولك: سرت حتى أدخلها، فالدخول متّصل بالسّير، لا فصل بينهما، وإذا لم يكن الفعل الأوّل علّة لم يصحّ الرّفع، كقولك: ما سرت حتى أدخلها. وكلّ موضع جاز فيه الرّفع جاز فيه النّصب، ولا/ بالعكس، فمتى رفعت كانت حرفا من حروف الابتداء، كالتى فى قوله (١): وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان قال ابن السّرّاج، وفرق ما بين النّصب والرّفع: أنّك تقول: كان سيري (٢) حتّى أدخلها، فإن نصبت كانت" حتّى" وما عملت فيه خبر" كان"، وإن رفعت" لم يصحّ؛ لأنّك تركت" كان" بغير خبر، فإن أضفت ما يكون خبرا صحّت المسألة، كقولك: كان سيرى سيرا متعبا حتّى أدخلها (٣).

стр. 775

واختار سيبويه النّصب فى قولك: إنّما سرت حتّى أدخلها، ومنع من الرّفع إذا كنت معلّلا (١) لسيرك (٢)، وأجاز: إنما سرت قليلا حتّى أدخلها، (٢) بالرّفع، لمّا قال: قليلا، قال: ولو قلت: سرت حتّى يدخلها زيد، لم يصحّ الرّفع؛ لأنّ سيرك لا يؤدّى زيدا إلى الدّخول (٣)، ومثله: سرت حتّى تطلع الشّمس، بالرّفع، ولو قلت: سرت حتّى يدخلها ثقلى (٤)، جاز الرّفع والنّصب، ولو قلت: أسرت حتّى يدخلها؟ لم يجز إلّا النصب؛ لأنّك لم نثبت سيرا؛ حيث استفهمت، فإن قلت: أيّهم سار حتّى يدخلها؟ جاز الرّفع؛ لإثبات السّير. الصّنف الثّانى:" كى"، وترد فى الكلام على ضربين: الضّرب الأوّل: أن تكون حرف جرّ بمعنى" اللّام"، وينتصب الفعل بعدها ب" أن" مضمرة؛ لأنّ الجارّ لا يعمل النّصب، فإذا قلت: جئت كى تعطينى؛ فمعناه: كى أن تعطينى، كما إذا قلت: جئت لتعطينى، أى: لأن تعطينى، ولا يجوز إظهار" أن" بعد" كى" إلّا قليلا، وسنذكره (٥)، وإنما علم كونها حرف جرّ بقولهم: كيمه؟ كما قالوا: لمه وعمّه وفيمه؟ فالأصل:" كى" دخلت على" ما" التى للاستفهام، ثمّ حذف الألف، كما حذف من قولهم: لم وفيم وعمّ؟ ثمّ أدخلوا عليها" هاء" الوقف، أو أبدلوا" الهاء" من ألف" ما"، فلمّا أشبهت حروف الجرّ بذلك جعلوها منها. الضّرب الثّانى: أن تكون حرفا ناصبا، وينتصب الفعل بها من غير

стр. 776

إضمار" أن"، وذلك إذا دخل عليها" لام" الجرّ، كقوله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ (١) ف" كى" هاهنا بمعنى" أن" وليست حرف جرّ؛ لدخول لام الجرّ عليها، والتقدير في الآية: لأن لا تأسوا، والأخفش يزعم أنّ" كى" (٢) بدل من" اللّام"، والنّصب ل" أن" مضمرة. وقد جاءت" أن" مظهرة فى الشّعر، قال (٣): وقالت: أكلّ النّاس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا وقد جمعوا بين ظهور" أن" بعدها، ودخول" اللّام" قبلها، قال (٤): أردت لكيما أن تطير بقربتى ... فتتركها شنا ببيداء بلقع

стр. 777

وقد أدخوا" كى" على" اللّام"، قال (١): كى لتقتضينى رقيّة ما ... وعدتنى غير مختلس وقد كفّوا" كى" ب" ما" قال (٢): إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يراد الفتى كيما يضرّ وينفع وقيل: إنّ" كى" هاهنا حرف جرّ، و" ما" مصدريّة، بتقدير: الضّر (٣) والنّفع. فأمّا قولهم: «انتظرنى كما آتيك"، فإنّ سيبويه قال: سألت الخليل عنه فقال: جعلت" الكاف" و" ما: شيئا واحدا (٤)، وأدخلا على الفعل، كما فعل ب": ربّما"، وأنشد (٥):

стр. 778

لا تشتم النّاس كما لا تشتم ويجوز أن تكون" ما" مصدريّة، ويجوز أن يكون مجموعها للتّشبيه كقوله تعالى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (١)، ويجوز أن تكون وقتا، تقول: ادخل كما أن يسلّم الإمام، أى: فى ذلك الوقت. والكوفيّون (٢) والمبرّد (٣) ينصبون ب" كما" كما ينصبون ب" كيما" وأنشدوا (٤): لا تظلموا النّاس كما لا تظلموا الصّنف الثّالث:" إذا" ولها ثلاث أحوال حال تعمل فيها، وحال لا تعمل فيها، وحال تعمل فيها وتلغى، والعمل لها نفسها (٥)، وقوم يقدّرون بعدها" أن" مضمرة (٦)، والعمل لها، وقوم يشبّونها ب" كى" ويعملونها فى كلّ موضع وليها فيه فعل مضارع، وقوم يجعلونها بمنزلة" هل" (٧) ويرفعون بها، فيقولون: إذا أفعل.

стр. 779

أمّا حال العمل فتفتقر إلى خمس (١) شرائط: - أن تكون أوّلا. - وأن يليها فعل مستقبل. - وأن تكون جوابا وجزاء. - وأن لا يفصل بينها وبين الفعل بشيء غير القسم. - وأن لا يكون ما بعدها معتمدا على ما قبلها اعتماد فائدة. فمتى اجتمعت هذه الشّرائط جاز لها العمل، يقول لك القائل: أنا أرعى حقّك، فتقول فى الجواب: إذا أكرمك، وإذا والله أكرمك، وليس فى أخواتها ما يفصل بينه وبين معموله، ولا ما يلغى غيرها. وأمّا حال ترك العمل، فإذا فقد من هذه الشّرائط شريطة لم تعمل، وكان ما بعدها مرفوعا، كما إذا اعتمد ما بعدها على ما قبلها كقوله: زيد إذا يضربك، أو كان ما بعدها فعل حال لم تعمل، تقول لمن يتحدّث بحديث: إذا أظنّك كاذبا؛ لأنّك تخبر أنّك فى حال الظّنّ، أو لم تكن أوّلا، كقولك: زيد إذا يقوم. وأمّا حال الإعمال والإلغاء؛ فإذا كان قبلها حرف عطف ولم يكن ما قبله منصوبا، تقول: إن تأتنى آتك وإذا أكرمك، وأكرمك، بالنّصب

стр. 780

والرّفع، ويجوز الجزم على العطف، وقرئ قوله تعالى: وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا (١) ويلبثو (٢). فإن تمّ الكلام دونها جاز أن يستأنف بها وينصب، وتكون جوابا، كقوله (٣): اردد حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يردّ وقيد العير مكروب كأنّه أجاب من قال: لا أفعل ذاك، فقال: إذا يردّ.

стр. 781

وتقول: والله إذا لا أفعل، فتلغى؛ لاعتماد الفعل على القسم، ولو أعملتها لم تأت لليمين بجواب، وأنشد سيبويه (١): لئن عاد لى عبد العزيز بمثلها ... وأمكننى منها إذا لا أقيلها لأنّ قوله:" لا أقيلها" معتمد على ما فى قوله:" لئن عاد لى" من تقدير القسم، كأنّه قال والله لئن عادلى. وإذا قلت: إن تكرمنى إذا أكرمك، وجب الجزم، لأنّ الشّرط يقتضى الجواب؛ فاستحقاقه فى الفعل أقوى من" إذا". و" إذا" يكتبها البصرىّ بالألف (٢)، ويقف عليها بالألف، والكوفىّ يكتبها (٣) بالنّون، ومن النّحاة من يكتبها إذا عملت بالنّون (٤) وإذا لم تعمل بالألف، ومنهم من يعكس (٥) القضيّة.

стр. 782

النّوع الخامس: في الحروف الجازمة، وفيه فرعان : الفرع الأوّل: في تعريفها ، وهي خمسة:" لم" و" لمّا" و" لام" الأمر و" لا" في النّهي، وحرف الشرط مع ما حمل عليه. وكلّهنّ يجزمن الفعل المضارع إذا وقع بعدهنّ، ولم يكن فيه مانع من نوني التأكيد و" نون" جماعة النّساء؛ فإنّه يكون مبنيّا؛ تقول: لم يقم زيد، ولمّا يقم عمرو وليذهب بشر، ولا يخرج جعفر، وإن تفعل أفعل، وكلّهنّ يحذفن" نون" الأفعال الخمسة، نحو: لم يضربا ولم يضربوا، ولم تضربي، وقد تقدّم ذكرها (١). أمّا" لم": فهي نفي قولك:" فعل"، فتقول: لم يفعل، وهي نفي لما مضى بصيغة المضارع؛ لأنّك إذا قلت: لم يقم زيد، فإنّما نفيت قيامه فيما مضى، فتجعل الفعل المستقبل ماضيا في المعنى. وقد جاءت في الشعر غير عاملة، قال (٢): لولا فوارس من نعم وأسرتها ... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار

стр. 783

وقد فصلوا بينها وبين الفعل، في الشّعر، قال (١): فأضحت مغانيها قفارا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل وأمّا" لمّا" فإنّها [نفي] (٢) لقولك: قد فعل [فيقول] (٢) لمّا يفعل، فزادوا" ما" بإزاء" قد"، فتضمّنت بذلك معنى التوقّع والانتظار. وأجاز وادخولها على الماضي، وأجازوا حذف الفعل بعدها، كما حذفوه بعد" قد"، يقول القائل: أقام زيد؟ فتقول: جئت ولمّا، أي: ولمّا يقم، كما قال النّابغة (٣) في" قد": أزف الترّحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد

стр. 784

تقديره: كأن قد (١) كان. وقد حملوا عليها" لم" في حذف الفعل بعدها، قال ابن هرمة (٢): احفظ وديعتك الّتي استودعتها ... يوم الأعازب إن وصلت وإن لم يريد: وإن لم تصل. وزمان" لمّا" أطول من زمان" لم" تقول: ندمت ولم ينفعني النّدم، أي: عقيب ندمي، فإذا قلت: ولمّا، أردت به امتداد النّدم، أي: لم ينفعني إلى وقتي هذا. وتقع" لمّا" بمعنى الظّرف الماضي إذا كان فيها معنى الجواب، كقولك: لمّا جئت جئت، قال سيبويه: وتكون" لمّا" للأمر الّذي قد وقع لوقوع غيره، وإنّما تجئ (٣) بمنزلة" لو" فهي عنده حرف، وجعلها قوم اسما (٤)، وما بعدها مجرور بالإضافة، قال شيخنا: وعندي أنّ" لمّا" الظّرفيّة غير (٥) الحرفيّة. وأمّا" لام" الأمر؛ فكقولك: ليخرج زيد، وليضرب عمرو بكرا، وتدخل على الغائب كثيرا، وعلى المخاطب قليلا؛ استغناء عنها بصيغة الأمر، وكيلا

стр. 785

يلتبس الغائب بالمخاطب: لعدم حرف المضارعة (١) بعدها، وعليه قرئ قوله تعالى: فبذلك فلتفرحوا (٢)، بالتّاء (٣)، وتدخل للمتكلّم، نحو: لأقم ولأضرب زيدا، ومنه قوله تعالى: ولنحمل خطاياكم (٤). وهذه اللّام مكسورة أبدا (٥)، فإذا دخلت عليها" الواو" و" الفاء" و" ثمّ فمنهم من يسكّنها مع (٦) الثّلاثة، ومنهم من يكسرها (٧) معها (٨)، ومنهم من يسكّنها مع الفاء والواو (٩)، وقد قرئ بالجميع،/ كقوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ

стр. 786

إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ (١) وقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (٢) وزعم بعضهم أنّ" لام" الأمر (٣) حذفت في الشّعر مع بقاء حرف المضارعة (٤)، قال: محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا

стр. 787

يريد: لتفد نفسك (١)، وكقول الآخر (٢): على مثل أصحاب البعوضة فأخمشي لك الويل حرّ الوجه أويبك من بكى يريد: ليبك (٣)، وقيل: إنّ" الياء" حذفت لغير الجازم. وأمّا" لا" النّهي: فهي نقيضة" لام" الأمر إلّا أنّها تكون للمخاطب والغائب سواء؛ [تقول] (٤) لا تخرج، ولا يخرج زيد، ولا يجوز حذفها وهي مرادة. وقد ورد النّفي والمراد به النّهي، كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (٥)

стр. 788

وورد الخبر والمراد به الأمر، كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (١) وورد الاستفهام والمراد به الأمر كقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٢) أي: انتهوا (٣). الفرع الثّاني: في الشّرط والجزاء، وفيه فصلان: الفصل الأوّل: في تعريفه، وذكر حروفه . وهو معنى من معانى الكلام التي انقسم إليها، كالخبر والاستفهام والتّمنّى. وحرفه الّذى يحصل به الشّرط والجزاء فى الأصل" إن" وحدها، وقد شبّهوا بها أسماء وظروفا. فالأسماء:" من" و" ما" و" أىّ" و" مهما"، والظّروف:" أين" و" متى" و" أنّى" و" أيّ حين" و" أينما" و" حيثما" و" إذما" و" إذاما". فهذه جميعها تعمل عمل" إن"، نحو: إن تذهب أذهب، ومن يخرج أخرج معه، وما يفعل أفعل، وأيّهم يجلس أجلس معه، ومهما تحسن إلىّ أحسن إليك، وأين تكن أكن، ومتى تقم أقم، وأنّى تقعد أقعد، وأيّ حين

стр. 789

تذهب أذهب، وإذ ما تخرج/ أخرج، وإذا (١) ما تذهب أذهب. فأمّا" إن": فلها ثلاثة أحوال: حال لا تعمل فيه إلّا مظهرة، نحو: إن تأتنى اتك، وحال تحذف فيها وتنوب عنها الأسماء والظّروف، وحال تحذف ولا ينوب عنها شيء، ويدلّ ما قبلها عليه، وسيذكر (٢). وأمّا" من" فلها في الكلام مواضع، منها الشّرطيّة، ولها صدر الكلام وأمّا" ما": فلها مواضع كثيرة، منها الشّرطيّة، وهي لما لا يعقل، ولصفة من يعقل. وأمّا" أيّ": فالمقصود بها في الشّرط الإبهام، تقول: أيّ القوم يأتني آته. وأمّا" مهما": فقال الخليل أصلها:" ما ما" فقلبت الألف الأولى (٣) هاء، وقال الأخفش: أصلها:" مه" (٤) زيدت عليها" ما"، وقال قوم: إنّها غير مركّبة (٥)، وإنّها اسم برأسه، وقيل: إنّهما كلمتان؛ ف" مه" لمعنى: اكفف، و" ما" وحدها للشّرط (٦)، فكأنّك نهيت (٧) ثمّ شرطت.

стр. 790

وأمّا" أين" فهي ظرف مكان مبنيّ على الفتح. وأمّا" متى": فظرف زمان. وأمّا" أنّى" فظرف مكان، وتنزّل منزلة" أين". وأمّا" أيّ حين": فهي" أيّ" مضافة إلى" حين" الّذي هو الزمان. وأمّا" أينما" و" متى ما" فهما" أين" و" متى" مضاف إليهما" ما" ويجوز حذفها منهما. وأمّا" حيثما" و" إذ ما" و" إذا ما": فلا بدّ من ثبوت" ما" فيها؛ لأنّ حيث" و" إذ" و" إذا" مضافات إلى ما بعدها، والإضافة من خواصّ الأسماء؛ فجاءوا ب" ما"؛ لتكفّها عن الإضافة. و" إذ ما": لم يذكرها سيبويه فى الأسماء والظّروف، وذكرها في الحروف (١). والمجازاة ب" إذ ما" يقلّ استعمالها، وهو في" إذا ما" (٢) أقلّ. وإنّما جئ بهذه الأسماء والظّروف لضرب من الاختصار؛ لأنّك إذا قلت: من تضرب أضرب، فإنه يقوم مقام قولك: إن تضرب زيدا أضرب، وإن تضرب عمرا/ أضرب، وإن تضرب بكرا أضرب، إلى أن تستوفي العدد؛ فنابت" من مناب ذلك كلّه. وقد زادوا" ما" بعد" إن"؛ للتّأكيد، كقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً * (٣)، وقوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٤)،

стр. 791

فتدغم" النّون" في الميم"، وقلّما يستعمل الفعل الداخلة عليه بغير" نون" التّوكيد. وقد زادوا عليها" لا" النّافية وأدغموا، نحو" إلّا تقم أقم." وقد جازئ قوم ب" إذا" (١) وأنشدوا (٢): إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب فجزم" نضارب"؛ حملا على موضع" كان" وأنشدوا (٣): وإذا تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر فكلّ غيابة فستنجلي وقد أوقعوا" إن" موقع" إذا" في قولهم" إن متّ فعليك هذه الدّار وقف،" كما أوقعوا" إذا" موقع" إن" في قوله (٤): إذا أنت لم تنزع عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل والكوفيّ يجازي ب" كيف" (٥) و" كيفما".

стр. 792

الفصل الثّاني: في أحكام الشّرط الحكم الأوّل: أن يدخل على الفعل الماضي فيقلب معناه إلى الاستقبال، كما قلبت" لم" معنى المستقبل إلى الماضي، تقول: إن خرجت خرجت، فالمعنى: إن تخرج أخرج ولا يحسن فيه الزمن الماضي؛ فلا تقول: إن خرجت أمس خرجت اليوم، فإن أدخلت" كان" معها حسن، تقول: إن كنت خرجت أمس خرجت اليوم. وقد يأتى فى الجزاء ما هو ماض في الظّاهر؛ حملا على المعنى، كقوله (١): إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقرّي به بدا ف" لم تلدني" فعل ماضي المعنى، إلّا أنّه لمّا كان المقصود: إذا ما انتسبنا وجدتني شريف الأمّ، جاز وقوعه في الجزاء (٢). الحكم الثّاني: الشّرط يكون في المعاني التى ليست واجبة الوجود؛ لأنّ إن - التي هي أمّ الباب - موضوعها: أن يكون الفعل ممّا يجوز أن يوجد، وأن لا يوجد، تقول: إن قمت قمت، فالقيام جائز أن يقع، وأن لا يقع، فأمّا إذا قلت: إن طلعت الشّمس قمت، وتريد طلوعها من الأفق لم يجز؛ لأنّها تطلع سواء قمت أو لم تقم، وإن أردت طلوعها من تحت الغيم جاز، وتقول: إن مات فلان أعطيتك كذا، فإنّما حسّن (٣) ذلك - وإن كان موته واجبا -

стр. 793

الجهل بوقت وقوعه، وعليه قوله تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (١) فالوصف حسّن ذلك. فأمّا" إذا" فمن جازى بها أجرى الواجب والجائز معها، تقول: إذا قمت قمت، وإذا طلعت الشّمس قمت. الحكم الثّالث: الشّرط وجوابه مجزومان، واختلفوا في جازمهما، فأمّا الشّرط: فأجمع النّحاة إلّا المازنيّ على أنّه مجزوم ب" إن"، وأمّا الجواب: فقال بعضهم: إنّه مجزوم ب" إن" والشّرط (٢) معا، وقال قوم: إنّه مجزوم بالشّرط (٣) وحده، وقال قوم: إنّه مجزوم ب" إن" (٤) كما جزم بها الشّرط، وحكي عن المازنيّ أنّهما مبنيّان (٥). الحكم الرّابع: جواب الشّرط يكون بثلاثة أشياء: الفعل والفاء و" إذا" التي للمفاجأة. أمّا الفعل فهو مجزوم لفظا أو موضعا، فالّلفظ، نحو" إن تضرب أضرب، والموضع، نحو: إن ذهبت ذهبت. ولا يخلو الشّرط والجزاء: أن يكونا مضارعين، كقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (٦) أو يكونا ماضيى اللّفظ، كقوله تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (٧)، أو

стр. 794

يكون الأوّل ماضي اللّفظ والثّاني مضارع/ وهو أقلّها استعمالا، كقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (١) ومنه قول الفرزدق (٢): دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا ... عليك يشفوا صدورا ذات توغير أو يكون الأوّل مضارعا والثّاني ماضي اللّفظ، وهو قليل في كلامهم؛ لأنّه يقبح أن يظهر العمل ثمّ يبطل، كقولهم: إن تقم ضربتك، واستضعف سيبويه (٣) الثّالث، واستقبح الرّابع (٤). فإذا كان الشّرط والجزاء مضارعين، أو كان الشّرط مضارعا فالجزم لا غير. وإذا كان الشّرط ماضيا والجزاء مضارع ففيه الجزم والرّفع، كقول زهير (٥):

стр. 795

وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالى ولا حرم وأمّا الفاء: فإنّها تدخل على الجواب إذا كان أمرا أو نهيا، أو ماضيا، أو مبتدأ وخبرا، ولا بدّ منها فى هذه الأشياء، تقول: إن أتاك زيد فأكرمه، وإن ضربك فلا تضربه، وإن أحسنت إلىّ فقد أحسنت إليك، وإن أتيتني فأنت مشكور، فالفاء نائبة عن وجود العمل، فإذا دخلت على الفعل المضارع ارتفع كقوله [تعالى] (١) فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (٢) وقوله تعالى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (٣)، وهو عند سيبويه مرفوع؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف (٤)، تقديره: فهو لا يخاف؛ لأنّ الفاء إنّما جئ بها حيث لا يمكن جزم الجواب؛ ليدلّ عليه، فلولا تقدير مبتدأ محذوف لكنت قد أدخلت الفاء على ما يصحّ جزمه، نحو أن تقول: فمن يؤمن بربّه لا يخف، وإنّما الفاء وما بعدها من الجمل الفعليّة والاسميّة في موضع جزم، على الجزاء، وعليه جاء قوله تعالى في بعض القراءات: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ (٥) بالجزم (٦)؛ عطفا على موضع «لا هادي له» (٧). وأمّا فعل الأمر إذا وقع جوابا، فإنّه باق على سكونه قبل دخول حرف

стр. 796

الشّرط، كقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (١). وأمّا الماضي: فإنّه يكون مفتوحا بحاله، ويلزم دخول" قد" معه، كقوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ (٢) وإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (٣)، قال ابن السّرّاج: تقديره: فهو قد سرق، فأضمروا (٤) " هو"؛ ليكون مبتدأ، ويكون" قد" والفعل خبره؛ لأنّ" قد" تقرّب إلى الحال، والحال لا يكون جوابا للشّرط، وهو محمول على المعنى تقديره: إن سرق فهو أهله، وكذلك: إن تتوبا من ذنب يوجب التّوبة فقد علمتما ما وجب. وقد حذفت" قد" مع الماضي وهي مرادة، كقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ (٥) أى: فقد صدقت، وقيل تقديره: فقولوا: صدقت، أو: فاعلموا (٦).

стр. 797

وأمّا قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ (١)، فالمبرّد يجعلها بمعنى: تظلّ (٢)، والفارسيّ يجعله خبر مبتدأ. (٣) وقد حذفوا الفاء ورفعوا الفعل، وعليه قرئ قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (٤) كما حذفوها من قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (٥) ومنه قول الشّاعر (٦):

стр. 798

من يفعل الحسنات الله يشكرها أي: فالله يشكرها وأمّا" إذا" التى للمفاجأة: فإنّها تقع جوابا للشّرط، كقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (١)، وقوله تعالى: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٢) التقدير: قنطوا (٣) وسخطوا، فهذه" إذا" مكانيّة لا زمانيّة، وليست مضافة إلى شئ، والعامل فيها" يقنطون"، و" هم" مبتدأ. قال الفارسيّ: وإذا ظهرت الفاء معها في قولك: خرجت فإذا زيد قائم، كانت (٤) زائدة. وقد أجابوا" إذا" الزّمانيّة ب" إذا" المكانيّة، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٥) ولا يجاب بالزّمانيّة؛ لما فيها من معنى الشّرط؛ فلا يجاب شرط بشرط.

стр. 799

الحكم الخامس: إذا وقع بعد حرف الشّرط اسم، رفعه البصريّ بفعل مضمر يفسّره الّذي بعده، إن كان ضميره فيه فاعلا، أو كان الّذى من سببه (١) فاعلا كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (٢) [وهو] (٣) الأحسن في هذا إذا لم يظهر في الفعل عمل كالآية، فأمّا إذا ظهر فلم يجيزوه إلّا في الشّعر، كقوله (٤): يثني عليك وأنت أهل ثنائه ... ولديك إن هو يستزدك مزيد وقد حملوا عليها في الشّعر أخواتها، كقوله (٥): فمتى واغل: يجبهم يحيّو ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي وكقوله (٦): فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن ... ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا

стр. 800

الحكم السّادس: لا يجوز تقديم ما عمل فيه الشّرط على حرفه، لا تقول: زيدا إن تضرب أضرب، على أنّه منصوب بالشّرط والجزاء؛ لأنّ الشّرط له صدر الكلام، فإن قلت: إن زيدا تضرب أضرب، كان" زيد" منصوبا بالفعل الّذي هو شرطه، وجاز تقديمه على الفعل دون الحرف. فإن شغلت الفعل بضميره فقلت: إن زيدا تضربه أضرب عمرا، كان النّصب بفعل مضمر يفسّره الظّاهر، وأنشد سيبويه (١): لا تجزعى إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ف" منفسا" منصوب بفعل مضمر يفسّره الظّاهر. فإن قدّمت الجزاء على الاسم فقلت: إن قمت زيد قام، ففيه خلاف. الحكم السّابع: قد أدخلوا" الّلام"/ على الجزاء، كقوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢)، وأدخلوا عليه" ما" النّافية كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (٣)، وأدخلوا عليه" لا" كقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ (٤) وهذه الأجوبة في الحقيقة إنّما هي للقسم الّذي وطّأته" اللّام"، وسدّت

стр. 801

مسدّ جواب الشّرط، ومثله قوله تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١). ومتى دخلت" اللّام" على" إن" فلا يكون الفعل الّذى بعد الشّرط إلّا ماضي اللّفظ؛ لأنّه لا جواب فيه، وقد جاء مضارعا فى الشّعر، قال (٢): لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا ... أصم في نهار الصّيف للشّمس باديا قال ابن السّرّاج: متى كان في الكلام قسم أو معنى القسم دخلت" النّون" فى الجواب، وإن لم يكن لم تدخل، تقول: لئن جئتني لأكرمنّك، وإن جئتني أكرمتك؛ وإذا جعلت الجواب القسم، أتيت بالّلام، وإن لم تجعله (٣)، لم تأت بها. الحكم الثّامن: قد استغنوا عن جواب الشّرط ب" إن" إذا كان فعلا مستقبلا؛ بدلالة ما قبله عليه، دون باقى أخواتها، كقولك: أكرمك إن جئتنى، فليس" أكرمك" جزاء مقدّما، ولكنه كلام وارد على سبيل الإخبار والجزاء محذوف. وتقول: اتّق الله إن جئتنى، ولا تقول: ليتّق الله من جاءنى، إلّا أن تجعل" من" موصولة، وعلى ذلك تأوّلوا قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ (٤) فقالوا: التقدير: ونحلّ امرأة، ولم يقدّروه

стр. 802

ب" أحللنا"؛ حيث كان ماضيا، وإن كان قد جاء فى الشّعر مثله. فأمّا قوله (١): قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا فالجواب قوله: فما اعتذراك؛ لأنّ تقديره: إن كان حقا وإن كان كذبا، وكذلك قول الآخر (٢): حدبت عليّ بطون ضبّة كلّها ... إن ظالما أبدا وإن مظلوما أي: إن كنت وإن كنت، فاستحسنوا ذلك مع" كان" كما استحسنوه في قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ (٣). ومتى جزم الشّرط لم يستغن عن جوابه إلّا في الشّعر، كقوله (٤):

стр. 803

هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب وكقول الآخر (١): وأنّى متى أشرف على الجانب الّذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر وقد حذفوا الفعل ومعموله مع" إن" وحدها، قال (٢): قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن وحكى الكوفيّون: «لا تأت الأمير فإنّه جائر»، فيقول: آتيه وإن، أي: آتيه [وإن] (٣) كان جائرا فهو خير لنا من غيره (٤). الحكم التاسع: قال سيبويه: حروف الجزم إذا لم تجزم جاز أن تتقدّمها أخبارها، نحو: أنت ظالم إن فعلت، قال: وقد تقول: إن أتيتنى آتيك، أي: آتيك إن أتيتنى (٥)، وأنشد بيت زهير (٥):

стр. 804

وإن أتاه خليل ... (١) ثم قال: ولا يحسن: إن تأتنى آتيك؛ من قبل أنّ" إن" هي العاملة (٢)، وقد جاء في الشّعر قال (٣): يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنّك إن يصرع أخوك تصرع أي: إنّك تصرع إن يصرع أخوك، قال: ومثل ذلك قوله: هذا سراقة (٤) ... وذكر البيت (٥)، فجاز في الشّعر، وشبّهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزما، والمبرّد يخالفه (٦) في ذلك كله. الحكم العاشر: الاستفهام يعتمد على الجملة الشّرطية وجوابها عند سيبويه (٧)، وعلى الجزاء عند يونس (٨)، بمنزلة القسم، فيقول سيبويه: إن تأتنى آتك (٧)، ويقول: أئن تأتنى آتك؟ ويرد عليه قوله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ

стр. 805

الْخالِدُونَ (١) ولو كان على ما قال، لكان التّقدير: أفهم (٢) الخالدون؟ ومنع سيبويه: هل من يأتنا يكرمنا؟ (٣) وأجازه مع الهمزة. الحكم الحادى عشر: إذا عطفت على الشّرط والجزاء جاز لك فيه الجزم على العطف، والرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، كقوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ (٤) بالرّفع (٥) والجزم (٦)، وقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٧)، وقوله تعالى: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (٨). فإن عطفت بالفاء جاز لك مع الرّفع والجزم (٩) النّصب، تقول: إن تأتني آتك فاحدثّك، وحمله سيبويه (١٠) على قوله: وألحق بالحجاز فأستريحا (١١) فإن عطفت على الشّرط وحده فالجزم، كقولك: إن تأتنى فأحدّثك آتك،

стр. 806

وقد جوّزوا النّصب على الجواب بالفاء. فإن لم يكن فى الكلام عاطف: فلا يخلو: أن يعاد حرف الشّرط، أو لا يعاد. فإن أعيد توقّف وقوع الجزاء على وجود الشّرط الثّانى قبل الأوّل، كقولك: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لا يقع الطّلاق حتّى يكون الشّرب قد وجد منها قبل الأكل؛ لأنّه علّق الطّلاق على أكل معلّق على شرب. وإن لم يعد حرف الشّرط فلا يخلو: أن يكون بمعنى الأوّل، أو بغير معناه. فإن كان بمعنى الأوّل جزمت كقوله (١): متى تأتنا تلمم بنا فى ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا لأنّ الإلمام بمعنى الإتيان. وإن كان بغير معناه كان مرفوعا، وكان حالا، كقوله (٢): متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد

стр. 807

فأمّا إذا قلت: أقوم إن تقم، وعطفت عليهما بفعل فإن كان من جنس الأوّل رفعته لا غير، كقولك: تحمد إن تأمر بالمعروف وتؤجر، وإن كان من جنس الثّانى فيجوز فيه الجزم، عطفا على" إن"، والرّفع على الاستئناف، والنّصب على الصّرف (١)، كقولك: تحمد إن تنه عن المنكر وتأمر بالمعروف، فإن كان الفعل يصلح أن يكون من جنس الأوّل والثّانى جاز فيه الرّفع عطفا على الأوّل، والاستئناف والجزم عطفا على" إن" والنّصب على الصّرف، كقولك: تحسن إلينا إن تزرنا (١) وتكرمنا. الحكم الثّانى عشر: قد حذفوا الشّرط وأقاموا مقامه أشياء؛ وهى: الأمر والنّهى والاستفهام والتّمنّى والدّعاء، والعرض، كقولك: زرنى أزرك، ولا تفعل الشّرّتنج وأين بيتك أزرك، وليت لى مالا أنفقه، واللهمّ ارزقنى خيرا أشارك فيه، وألا تزورنا نكرمك، ومنه قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (٢) كلّ هذه الأمثلة يجزم الجواب فيها، التّقدير: زرنى فإنّك إن تزرنى أكرمك، ولو حملت الكلام على ظاهره أحلته؛ لأنّ الأمر بالإتيان لا يكون موجبا

стр. 808

للإكرام، وإنّما يوجب الإتيان نفسه. وليس من ضرورة الأمر أن يكون له جواب، ولكن إذا جاء الجواب كان مجزوما، وما فيه معنى الأمر والنّهى جار مجراهما فى ذلك، كقولك: «اتّقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه»، معناه: ليتّق الله وليفعل خيرا، وكقولك: «حسبك ينم النّاس». الحكم الثّالث عشر: قد يجئ لهذه الأشياء السّتّة ما يحسن أن يكون جوابا على غير جهة الجواب، فيكون مرفوعا؛ إمّا صفة لنكرة متقدّمة، وإمّا حالا من معرفة، وإمّا استئنافا. فالأوّل: كقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (١) فمن جزم (٢) " يرثنى" جعله جوابا، ومن رفع (٣) فعلى صفة «ولىّ» (٤). والثّانى: كقوله تعالى: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٥)، أي: لاعبين (٦). والثّالث كقولك: لا تضرب زيدا يضربك، بالرّفع، أى: فهو يضربك،

стр. 809

وأنشد سيبويه (١): فقال رائدهم: أرسوا نزاولها ... فكلّ حتف الفتى يجرى بمقدار كأنّه قال: إنّا نزاولها (٢)، ولم يجعله محمولا على إضمار شرط. وممّا يحتمل الحال والاستئناف قوله تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٣) وقولهم «ذره يقول ذاك» (٤)، ومره يحفرها (٤)، ومنهم من جعل" يقول ذاك،" و" مره يحفرها" (٤) على إضمار" أن" النّاصبة (٤) وحذفها، وقد تقدّم ذكره (٥)، وأمّا قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٦) ف" تؤمنون" تفسير للتّجارة (٧)، وأمّا جواب الأمر فهو يَغْفِرْ لَكُمْ * (٧) فى الآية الثّانية، وأمّا قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ (٨) فتقديره: إن يقل لهم يقيموا وينفقوا (٩)؛ لأنّ قوله سبب الإقامة والانفاق.

стр. 810

الحكم الرّابع عشر: المضمر (١) فى هذه الأشياء السّتّة يجب أن يكون مثل المظهر؛ تقول فى النهى: لا تشتم الناس يسلم عرضك، فالتّقدير فيه: لا تشتم النّاس إن لا تشتم النّاس يسلم عرضك، فالمضمر مثل المظهر؛ فعلى هذا إذا قلت: لا تدن من الأسد يأكلك، لم يجز الجزم؛ لأنّ المضمر: إن لا تدن من الأسد، وهذا محال؛ لأنّه إنّما يأكله إذادنا منه، لا إذا لم يدن منه، ولو قلت: إنّه بمعنى: فإنّك إن تدن منه يأكلك وجب إظهار الشّرط؛ لأنّه إنّما يضمر إذا كان ما قبله من جنسه والنّهى ضدّ الإثبات؛ ولذلك لم يدخل النّفى فى هذا الحكم، فلا تقول: ما تعطينا نشكرك، إذا كان التقدير: إن لا تعطينا نشكرك، وهو محال، فمتى خالف الثّانى الأوّل وجب إظهار المضمر، كقوله تعالى: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ (٢) وقد أجاز الكسائىّ مسألة الأسد (٣)؛ حملا على الّلفظ والمعنى، قال ابن السّرّاج: لم يجز إلّا على المجاز وأنّ السّامع يعلم ما تعنى (٤)، قال سيبويه: وسمعت من العرب من يقول: «لا تذهب به تغلب عليه» (٥)، فإن لم تجعل الأكل جواب النّهى رفعت، على ما تقدّم فى الحكم الثّالث عشر.
следующие страницы →