← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17905

البديع في علم العربية

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (1 670 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقد جوّزوا النّصب على الجواب بالفاء. فإن لم يكن فى الكلام عاطف: فلا يخلو: أن يعاد حرف الشّرط، أو لا يعاد. فإن أعيد توقّف وقوع الجزاء على وجود الشّرط الثّانى قبل الأوّل، كقولك: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لا يقع الطّلاق حتّى يكون الشّرب قد وجد منها قبل الأكل؛ لأنّه علّق الطّلاق على أكل معلّق على شرب. وإن لم يعد حرف الشّرط فلا يخلو: أن يكون بمعنى الأوّل، أو بغير معناه. فإن كان بمعنى الأوّل جزمت كقوله (١): متى تأتنا تلمم بنا فى ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا لأنّ الإلمام بمعنى الإتيان. وإن كان بغير معناه كان مرفوعا، وكان حالا، كقوله (٢): متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد

стр. 807

فأمّا إذا قلت: أقوم إن تقم، وعطفت عليهما بفعل فإن كان من جنس الأوّل رفعته لا غير، كقولك: تحمد إن تأمر بالمعروف وتؤجر، وإن كان من جنس الثّانى فيجوز فيه الجزم، عطفا على" إن"، والرّفع على الاستئناف، والنّصب على الصّرف (١)، كقولك: تحمد إن تنه عن المنكر وتأمر بالمعروف، فإن كان الفعل يصلح أن يكون من جنس الأوّل والثّانى جاز فيه الرّفع عطفا على الأوّل، والاستئناف والجزم عطفا على" إن" والنّصب على الصّرف، كقولك: تحسن إلينا إن تزرنا (١) وتكرمنا. الحكم الثّانى عشر: قد حذفوا الشّرط وأقاموا مقامه أشياء؛ وهى: الأمر والنّهى والاستفهام والتّمنّى والدّعاء، والعرض، كقولك: زرنى أزرك، ولا تفعل الشّرّتنج وأين بيتك أزرك، وليت لى مالا أنفقه، واللهمّ ارزقنى خيرا أشارك فيه، وألا تزورنا نكرمك، ومنه قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (٢) كلّ هذه الأمثلة يجزم الجواب فيها، التّقدير: زرنى فإنّك إن تزرنى أكرمك، ولو حملت الكلام على ظاهره أحلته؛ لأنّ الأمر بالإتيان لا يكون موجبا

стр. 808

للإكرام، وإنّما يوجب الإتيان نفسه. وليس من ضرورة الأمر أن يكون له جواب، ولكن إذا جاء الجواب كان مجزوما، وما فيه معنى الأمر والنّهى جار مجراهما فى ذلك، كقولك: «اتّقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه»، معناه: ليتّق الله وليفعل خيرا، وكقولك: «حسبك ينم النّاس». الحكم الثّالث عشر: قد يجئ لهذه الأشياء السّتّة ما يحسن أن يكون جوابا على غير جهة الجواب، فيكون مرفوعا؛ إمّا صفة لنكرة متقدّمة، وإمّا حالا من معرفة، وإمّا استئنافا. فالأوّل: كقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (١) فمن جزم (٢) " يرثنى" جعله جوابا، ومن رفع (٣) فعلى صفة «ولىّ» (٤). والثّانى: كقوله تعالى: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٥)، أي: لاعبين (٦). والثّالث كقولك: لا تضرب زيدا يضربك، بالرّفع، أى: فهو يضربك،

стр. 809

وأنشد سيبويه (١): فقال رائدهم: أرسوا نزاولها ... فكلّ حتف الفتى يجرى بمقدار كأنّه قال: إنّا نزاولها (٢)، ولم يجعله محمولا على إضمار شرط. وممّا يحتمل الحال والاستئناف قوله تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٣) وقولهم «ذره يقول ذاك» (٤)، ومره يحفرها (٤)، ومنهم من جعل" يقول ذاك،" و" مره يحفرها" (٤) على إضمار" أن" النّاصبة (٤) وحذفها، وقد تقدّم ذكره (٥)، وأمّا قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٦) ف" تؤمنون" تفسير للتّجارة (٧)، وأمّا جواب الأمر فهو يَغْفِرْ لَكُمْ * (٧) فى الآية الثّانية، وأمّا قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ (٨) فتقديره: إن يقل لهم يقيموا وينفقوا (٩)؛ لأنّ قوله سبب الإقامة والانفاق.

стр. 810

الحكم الرّابع عشر: المضمر (١) فى هذه الأشياء السّتّة يجب أن يكون مثل المظهر؛ تقول فى النهى: لا تشتم الناس يسلم عرضك، فالتّقدير فيه: لا تشتم النّاس إن لا تشتم النّاس يسلم عرضك، فالمضمر مثل المظهر؛ فعلى هذا إذا قلت: لا تدن من الأسد يأكلك، لم يجز الجزم؛ لأنّ المضمر: إن لا تدن من الأسد، وهذا محال؛ لأنّه إنّما يأكله إذادنا منه، لا إذا لم يدن منه، ولو قلت: إنّه بمعنى: فإنّك إن تدن منه يأكلك وجب إظهار الشّرط؛ لأنّه إنّما يضمر إذا كان ما قبله من جنسه والنّهى ضدّ الإثبات؛ ولذلك لم يدخل النّفى فى هذا الحكم، فلا تقول: ما تعطينا نشكرك، إذا كان التقدير: إن لا تعطينا نشكرك، وهو محال، فمتى خالف الثّانى الأوّل وجب إظهار المضمر، كقوله تعالى: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ (٢) وقد أجاز الكسائىّ مسألة الأسد (٣)؛ حملا على الّلفظ والمعنى، قال ابن السّرّاج: لم يجز إلّا على المجاز وأنّ السّامع يعلم ما تعنى (٤)، قال سيبويه: وسمعت من العرب من يقول: «لا تذهب به تغلب عليه» (٥)، فإن لم تجعل الأكل جواب النّهى رفعت، على ما تقدّم فى الحكم الثّالث عشر.

стр. 811

الحكم الخامس عشر: قد حذفوا الفعل المعلّق بالاستفهام وأبقوا الاستفهام دالّا عليه، كقوله (١): متى تؤخذوا قسرا بظنّة مالك ... ولا ينج إلّا فى الصّفاد يزيد تقديره: متى تجيئون تؤخذوا، ف" متى" استفهام، ويجوز أن يكون شرطا والشّرط (٢) محذوف، فإن كان الاستفهام تقريرا لم يجز ذلك فيه، لا تقول: أتضرب تصب خيرا؟؛ لأنّ التّقرير موجب فى النّفى، باق فى الإيجاب فأمّا قوله (٣): أنّى سلكت فإنّنى لك ناصح ... وعلى انتقاصك فى الحياة وأزدد ف" أزدد" معطوف على موضع" فإنّنى" كما أنّ قوله تعالى: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٤) معطوف على موضع فَأَصَّدَّقَ (٥) والّذى هو جواب

стр. 812

التّحضيض فى قوله: لَوْلا أَخَّرْتَنِي (١) إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ. الحكم السّادس عشر: إذا أعملت الناصب والرّافع فى أسماء الشّرط بطل عملها، وصارت بمعنى" الذى" كقولك: إنّ من يأتينا نكرمه، و: كان أيّهم تضربه عندك. فإن شغلت العامل بضمير الشّأن أعملتها، كقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ (٢) فإن كان العامل حرف جرّ لم يبطل عملها، كقولك: بمن تمرر أمر. الحكم السّابع عشر: اعلم أنّ صيغة/ الأمر والدّعاء والعرض سواء، إلا أنّ الأمر لمن دونك، والدّعاء لمن فوقك، والعرض لهما، تقول في الأمر: اضرب زيدا، وفى الدّعاء ربّ اغفر لي، وفي العرض: انزل بنا. وقد يحكى الأمر والنهى والدّعاء والعرض على لفظ الخبر، إذا لم يلتبس، تقول: أطال الله بقاءك، فالّلفظ خبر (٣) والمعنى دعاء، ومتى التبس شئ لم يجز، فتقول على هذا: لا يغفر الله له ويرحمه (٣)، تريد: ولا يرحمه، فلو قلت: ويرحمه، بالرّفع لم يجز؛ لأنّ الأوّل دعاء عليه، والثّانى (٣) دعاء له، وتقول: يغفر الله لك، على معنى: ليغفر (٣)، قال ابن السّرّاج: ومنه قوله تعالى (٣): لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ (٤)، وقوله تعالى: «رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى

стр. 813

يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (١) فدعا عليهم بالإضلال، ونفى الإيمان باللام (٢) وب" لا" (٣) وقوم يدعون (٤) ب" لن" ويحملون عليه قوله تعالى: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (٥)، قال ابن السرّاج: والدّعاء ب" لن" غير معروف، وقد حكى قوم: الّلهمّ قطعت يده وفقئت عينه (٦)، وهذا اتّساع (٧)، وإنّما يجوز مثله مع عدم اللبس.

стр. 814

الباب السّادس عشر فى «كم» وهي اسم مبنىّ على السّكون لعدد مبهم ينتظمه أوّلا وآخرا، والعدد حكمه حكم المعدود الّذى عددته به، يتبعه فى جنسه ونوعه، جوهرا وعرضا. ولها فى الكلام موضعان. أحدهما: الاستفهام. والآخر: الخبر. وتشتركان معا فى أحكام؛ فنذكرها وما يتعلّق بها، وما أضيف إليها، في أربعة فصول. الفصل الأوّل فى الاستفهاميّة: إذا كانت استفهاما/ نصبت النكرة الواقعة بعدها الّتى يحسن فيها «من» علي التّمييز، كما تنصب فى العدد، تقول: كم غلاما لك؟ وكم درهما مالك؟. ويجوز الفصل بينها وبين النكرة، والنّصب بحاله، كقولك: كم لك درهما؟ و: كم عندك غلاما؟ ولا يكون مميّزها إلّا مفردا، فأمّا قولهم: كم لك غلمانا؟ ف «غلمان» منصوب على الحال، والعامل فيها: ما فى «لك» من معنى الفعل، والمميّز محذوف، تقديره: كم نفسا لك غلمانا؟ فلو قلت: كم غلمانا لك؟ لم يجزه

стр. 815

البصرىّ، وأجازه (١) الكوفيّ. وأجاز الأخفش: كم غلمانا عندك (٢)، إذا أردت أصنافا من الغلمان، أى: كم عندك من هذه الأصناف؟ وقد يحذف المميّز رأسا، تقول: كم مالك؟ وكم غلمانك؟ وكم درهمك؟ وكم سرت؟ وكم زيد ماكث؟ وكم جاء آل محمّد؟ التقدير: كم دينار أو درهما مالك؟ وكم نفسا غلمانك؟ وكم دانقا (٣) درهمك؟ وكم فرسخا سرت؟ وكم يوما أو شهرا زيد ماكث؟ وكم مرّة جاء آل محمّد؟. وتقول: كم غيره لك؟ وكم مثله لك؟ وكم غيره مثله لك؟ فتنصب؛ لأنّ هذه الإضافة لا تفيد تعريفا. وتقول: كم ضربت رجلا؛ فجائز أن يكون «رجلا» مفعول «ضربت»، وأن يكون مميّز «كم» فإذا أدخلت» من» فقلت: كم ضربت من رجل؟ لزم التّمييز. وتقول: كم مالك إلّا درهمان؟ وكم عطاءك إلا عشرون؟ إذا كنت تستقلّه، كأنّك قلت: كم درهما مالك إلا درهمان؟ كما تقول: هل الدّنيا إلا ظلّ زائل؟ ومنه قولك: كم ثلاثة ستّة إلّا ثلاثتان؟ وكم خمسة عشرة إلا خمستان؟ فيكون ما بعد «إلّا» تفسيرا ل «كم»، وترفعه إذا كانت «كم» رفعا، وتنصبه إذا كانت نصبا، وتجرّه إذا كانت جرا.

стр. 816

الفصل الثّانى فى الخبريّة: إذا كانت «كم» خبرا كانت مضافة إلى نكرة مفرد تارة، وإلى جمع أخرى، تقول: كم غلام قد ملكت، وكم دار قد دخلت، وكم رجال قد رأيت، كما تقول فى العدد: مائة ثوب، وثلاثة أثواب. ويجوز الفصل بينها وبين المضاف إليه؛ عوضا من عدم تصرّفها، ولك النّصب والجرّ، والاختيار النّصب، تقول: كم قد حصل لى غلاما، وكم قد زارنى رجلا، قال الشّاعر (١): كم نالنى منكم فضلا على عدم ... إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل وأمّا الجرّ: فكقولك: كم قد زارنى (٢) رجل، وليس بالكثير فى كلامهم، وأنشدوا (٣): كم فى بنى سعد بن بكر سيّد ... ضخم الدّسيعة ماجد نفّاع ومن العرب من ينصب فى الخبر بغير فصل، فيقول: كم مالا قد

стр. 817

ملكت، قال الفرزدق (١): كم عمّة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علىّ عشاري ينشد بنصب «العمّة»، ورفعها، وجرّها؛ فالنّصب: على هذه اللغة - وهى قليلة - أو على الاستفهام، من طريق الاستهزاء به؛ لأنّه هاج، والهاجي لا يكون مستفهما إلّا على سبيل التّلهّي. والجرّ: على الخبر - وهو الأكثر - والرّفع، على معنى: كم مرّة حلبت علىّ عماتك، وتقدير الإعراب فيه: أنّ «العمّة» مرفوعة بالابتداء، و «قد حلبت» الخبر. وهذه «كم» الخبريّة مضافة إلى مميّزها، عاملة فيه الجرّ، فإذا وقعت بعدها «من» كانت منوّنة فى التقدير، كقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (٢) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ (٣) التقدير: كثير من القرى، ومن الملائكة. وذهب بعضهم (٤) إلى أنّها منوّنة أبدا، والمجرور بعدها بإضمار «من». وإذا أعدت الضّمير إليها عاد علي اللّفظ مرّة، وعلي المعنى أخرى، تقول: كم رجل رأيته، ورأيتهم، وكم امرأة لقيتها، ولقيتهنّ/ ومنه قوله تعالي: وَكَمْ

стр. 818

مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (١)، فردّ إلى اللّفظ، وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً (٢) فأعاد إلى المعنى. الفصل الثّالث فيما اشتركا فيه: تكون فى كلا وجهيها مرفوعة ومجرورة. فالرّفع: علي الابتداء، تقول: كم درهما مالك؟ فهي مبتدأ، و «مالك» خبره، و «درهما» مميّزه، وكذلك فى الخبريّة؛ وإنّما جاز الابتداء بها وهي نكرة لاستغراقها الجنس؛ فنزّلت به منزلة المعارف، ويجوز أن تجعل «مالك» المبتدأ، و «كم» الخبر. وتقول: كم درهما عندك؟ وكم غلام لك، فالتقدير: أيّ عدد من الدّراهم حاصل عندك، وكثير من الغلمان كائن لك، فإذا قلت: كم غلاما مالك ذاهب، جعلت «لك» صفة ل «الغلام» و «ذاهبا» خبرا ل «كم»، وإذا قلت: كم غلمانك؟ فلا يجوز إلا الرّفع في «غلمانك»؛ لأنّه معرفة، والتّمييز لا يكون بالمعرفة؛ فكأنّك قلت: أعشرون غلمانك (٣)؟. وأمّا النّصب: فعلى المفعول: كقولك: كم إنسانا ضربت.؟ وكم غلام ملكت، ف «كم» منصوبة ب «ضربت» و «ملكت» وتنتصب علي الظّرفيّة؛ كقولك: كم ليلة سرت؟ وكم يوم صمت، كأنّك قلت: أعشرين ليلة سرت؟ وأيّاما كثيرة صمت.

стр. 819

وأمّا الجرّ: فيكون بحرف جارّ، وبالإضافة. فالحرف: كقولك: بكم إنسانا مررت؟ و: على كم جذعا بنى بيتك؟ و: إلى كم دار دخلت. والإضافة: كقولك: رزق كم رجلا أطلقت؟ وحقّ كم رجل قضيت. قال سيبويه: وسألته - يعنى الخليل - عن قولهم: على كم جذع بيتك مبنىّ؟ فقال: القياس: النّصب وهو قول عامّة النّاس، فأمّا الّذين جرّوا، فإنّهم أرادوا معنى «من» ولكنّهم حذفوها تخفيفا وصارت «على» عوضا منها (١)، واستدلّ من ذهب إلى هذا/ بقول الأعشى (٢): كم ضاحك من ذا ومن ساخر فأظهر «من» معها.

стр. 820

الفصل الرّابع فيما شبّه بها: قد شبّهوا ب «كم» الخبريّة، لفظة «كأىّ»، وسيبويه يشبّهها (١) ب «ربّ»، وهى «كاف» الجر، دخلت على «أيّ» كما دخلت على «أنّ» فى «كأنّ» و [على «ذا» فى] (٢) كذا، وليس لها متعلّق. وأكثر ما تستعمل ومعها «من» عوضا من الإضافة التى كانت ل «أىّ»، كقوله تعالى: وكأي من قرية عتت عن أمر ربها (٣) وقوله: وكأى من نبي قاتل معه ربيون كثير (٤). وفيها خمس لغات: الأولى: «كأيّ» مشدّدة، وتكتب ب «ياء» منوّنة، وب «نون» فى موضع التّنوين (٥)، ولم يظهر له صورة إلّا فيها. الثّانية: «كاء» بوزن [كاع. الثّالثة: «كإ» بوزن: كع. الرّابعة: «كأي» بوزن: كعي. الخامسة: «كيء» بوزن] (٦) كيع.

стр. 821

وقد شبّهوا بها «كذا» التى للعدد، فنصبوا [ما] (١) بعدها، كما نصبوا ما بعد «كم» وهى «الكاف» دخلت علي «ذا» (٢)، وحجزت بينها وبين العمل، وهى مبهمة، تقول: له عندى كذا درهما، وكذا وكذا درهما، وكذا كذا درهما؛ فيلزمك فى الأوّل عشرون (٢)؛ لأنّه أوّل ما يفسّر من الأعداد المفردة بالواحد المنصوب، ولزمك فى الثّانى أحد وعشرون (٢)؛ لأنّه أوّل ما يفسّر من المعطوف بالمنصوب، ولزمك فى الثّالث أحد عشر (٢)؛ لأنّه أوّل مركّب يفسّر بالمنصوب. فإن جررت فقلت: له عندى كذا درهم، لزمك مائة درهم؛ لأنّه أوّل ما يفسّر به الواحد المجرور، وذهب قوم إلى أنّه يلزمك بعض درهم، فإن رفعت «الدّرهم» كان له عندك درهم واحد، و «كذا كذا» صفة للدّرهم، فإن قلت: له عندى كذا دراهم، لزمك ثلاثة؛ لأنّه أوّل ما يفسّر بالجمع، وعلى هذه الأمثلة فقس.

стр. 822

الباب السابع عشر فى نونى التّأكيد: وفيه ثلاثة فصول الفصل الأوّل فى تعريفهما (١): وهما نونان: خفيفة وثقيلة، فالخفيفة ساكنة، والثّقيلة نونان، أولاهما ساكنة مدغمة فى الثّانية. وجيء بهما لتوكيد الفعل وتثنيته (٢)، كما أكّدوا الأسماء ب «إنّ» و «اللّام». والنّون الثّقيلة أشدّ توكيدا من الخفيفة؛ للتّضعيف الذى فيها. وجعلوهما فى آخر الفعل؛ لئلّا تجمع عليه الزّيادتين فى أوّله، وحرّكوه؛ توصّلا إلى النّطق بالسّاكن، إذ الخفيفة وأولى الثّقيلة ساكنتان. وسيبويه وكثير ممّن قال بقوله يذهبون إلى أنّ الحركة الّتى قبل «النّون» حركة بناء (٣)؛ وحكى الزّجّاج قولا آخر لسيبويه: أنّها حركة التقاء السّاكنين، وإليه مال السّيرافيّ (٤) وغيره. وإنّما بنى الفعل مع نون التوكيد؛ للتّركيب العارض فيه بها. الفصل الثّانى فى مواضعهما: الأفعال على ثلاثة أضرب: ماض، وحاضر، ومستقبل؛ فالماضى والحاضر لا يدخلان عليهما؛ لأنّ الماضى ثابت، والحاضر

стр. 823

مشاهد؛ فلا يحتاجان إلى التوكيد، ويلحق الماضى أسماء الأفعال؛ فلا يدخلان عليها؛ استغناء بما بنيت عليه من المبالغة. وقد جوّز قوم دخولها على الحاضر. وأمّا المستقبل: فعلى ثلاثة أضرب: ضرب لا بدّ من وجود النّون فيه، وضرب أنت فيه مخيّر، وضرب تقف فيه على المسموع. الضّرب الأوّل: هو الفعل المستقبل المقسم عليه فى الإيجاب، كقولك: والله ليقومنّ، وو الله لينطلقّنّ، ومنه قوله تعالى: وَتَاللَّهِ/ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ (١) وقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٢). وهذه النّون لازمة. وقد أجاز الفارسيّ (٣) حذفها منه؛ وإنّما دخلت في القسم فصلا بين لامه الّتي تكون للمستقبل وبين لام التّوكيد التى تصلح للحال، فلما كانت النّون فارقة كانت لازمة؛ خوف اللّبس. قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله: لتفعلنّ، مبتدأة، لا يمين قبلها، فقال: جاءت على نيّة (٤) اليمين. وإذا حكيت عن غيرك قلت: أقسم لتفعلنّ واستحلفته ليفعلنّ. وقد ألحق الزّجّاج (٥) وجماعة من النّحاة بالقسم «إن» الشّرطيّة، إذا دخلت عليها «ما» مع المستقبل؛ كقوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٦) وقوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما (٧)، والفارسىّ لا يلزم

стр. 824

هذا النوع «النّون» (١)، ويستدلّ بكثرة مجيئه فى الشّعر علي جوازه فى الكلام، قال سيبويه (٢): إنّ «إن» إذا لحقها «ما» الزّائدة فإلحاق «النّون» الفعل، وترك إلحاقه جيّد (٣)، فكأنّ «ما» سوّغت دخول «النّون»، لا أوجبته، كقول الشاعر (٤): فإمّا ترينى ولى لمّة ... فإنّ الحوادث أودى بها وقول الآخر (٥): زعمت تماضر أننى إمّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلّتى الضّرب الثّانى: الّذى أنت فيه مخيّر، وهو الأمر والنّهى والاستفهام، كقولك: اضربنّ زيدا، ولا تضربنّ عمرا، وهل تضربنّ بكرا؟ فإن شئت أدخلت

стр. 825

«النّون» علي هذه الأفعال، وإن شئت (١) لم تدخلها، قالوا: لأنّ الأمر والنّهى قد يقعان غير مرادين، كقوله تعالي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٢) وقوله تعالي: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ * (٣)؛ ولأنّهما يخصّان بصيغتهما الاستقبال، فلم يحتاجا إلى فاصل. وأمّا الاستفهام فإنّما دخلت عليه لشبهه بالأمر والنّهي؛ لأنّه استدعاء/ العلم بالمستفهم عنه، ومن التّأكيد فى الأمر والنّهى قول الأعشى (٤): وإيّاك والميتات لا تقربنّها ... ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا وقول الآخر (٥): فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة ... وموتا بها حرّا وجلدك أملس

стр. 826

وقول الآخر (١) فى الاستفهام: هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا ... والعيش مقتبل إذ ذاك أحيانا وقال بعض العلماء (٢): ليس كلّ استفهام تدخل فيه مع الفعل «النّون» (٣)، بل إن كان الاستفهام عن الفعل دخلت، وإن كان عن الاسم لم تدخل، كقولك: متى تقوم؟، لأنّ الاستفهام عن زمن القيام، والأكثر الأوّل؛ فإنّك تقول: كم تمكثنّ؟ وانظر متى تفعلنّ؟. وقد ألحق عثمان بن جنّي النّفي بهذا (٤) الضّرب، قال شيخنا: لم أر أحدا ذكر دخول «النون» فى النّفى، وإنما (٥) قال سيبويه: وبعد «لم»؛ لأنّها لمّا كانت جازمة، أشبهت «لا» النّافية (٦)، وهذا لا يجوز إلّا فى الاضطرار. وقد أعاد عثمان هذا الحكم فى «شرح الإيضاح» (٧) فقال: وتدخل «النّون» في النّفى

стр. 827

كقوله تعالي: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (١)؛ فجعل «لا تصيبنّ» نفيا، وغيره جعلها نهيا (٢) بعد أمر، كقوله تعالي: ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ (٣). وأعاد (٤) عثمان، ذكر هذا الحكم (٥) في الخصائص (٦) فقال: ومثال دخول «النون» في الفعل المنفىّ قولك: قلّما يقومنّ زيد، وقالوا: أقسمت لمّا تفعلنّ، «لا» طلب، كالأمر والنّهى، وما أشبه ما قال عثمان بما قال؛ فإنّ ظاهر لفظ الآية يدلّ علي ما ذهب إليه ولا يحتاج إلي تعسّف فى توجيهها. وقال الفارسىّ: نون التوكيد لا تدخل النّفى (٧)، وأنشد (٨) معترضا: قليلا به ما يحمدنّك وارث ... إذا نال ممّا كنت تجمع مغنما وقال: إنّما دخلت «النّون» هاهنا حملا على المعنى.

стр. 828

الضّرب الثّالث: المسموع. قد أدخلوا «النّون» علي أفعال مستقبلة فى الخبر، وقبلها «ما» زائدة، قالوا: «بجهد مّا تبلغنّ» (١)، و «بعين مّا أرينّك» (٢)، شبّهوا «ما» بلام القسم؛ لكونها مؤكّدة؛ ولذلك أدخلوها فى الشّرط والجزاء، كقوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ (٣)، قال سيبويه: وقد تدخل «النّون» للضّرورة وليس معها (٤) «ما»، وأنشد (٥): ربّما أوفيت فى علم ... ترفعن ثوبى شمالات وإنّما حسّن هذا زيادة «ما» في «ربّ». وزعم يونس أنّم يقولون: هلّا يقولنّ، وألا يقولنّ، وربّما يقولنّ، وكثر ما يقولنّ؛ تشبيها بلام اليمين، ولا يجوز طرح «ما» (٦) هاهنا. وقال سيبويه: يجوز للمضطر أن يقول: أنت تفعلنّ ذلك، وقال: وتدخل

стр. 829

«النّون» فى الشّرط والجزاء، وذلك قليل فى الشّعر (١) وأنشد (٢): فمهما تشأ منه فزارة تعطه ... ومهما تشأ منه فزارة تمنعا أراد: تمنعن. الفصل الثّالث فى أحكامها الحكم الأوّل: لا تخلو «النّون»: أن تدخل على فعل لواحد أو اثنين أو جماعة، ولا يخلو كلّ منها: أن يكون لمذكّر أو مؤنّث؛ فهذه ستّة أنواع. النّوع الأوّل: المذكّر المفرد: يبنى ما قبل «النّونين» على الفتح؛ كقولك: اضربنّ زيدا، ولا تضربن عمرا. النّوع الثّاني: المذكّر المثنّى ويختصّ ب «النّون» الثّقيلة، عند الخليل (٣) وسيبويه؛ كقولك: اضربانّ زيدا، ولا تضربانّ عمرا، ويونس يدخل الخفيفة أيضا عليه، ساكنة فى الوصل (٤)، فتقول: هل تضربان زيدا، فتجعل غير المدغم بمنزلة المدغم في جواز الجمع بين ساكنين/ نحو: دابّة، ومنه قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥)؛ القراءة بتشديد «النّون»، وخفّفها ابن

стр. 830

عامر (١)، والأصل: «تتّبعان» ب «نون» خفيفة للتّثنية، فحذفت «النون» للجزم، ودخلت «نون» التوكيد المشدّدة، وكسرت حملا علي «نون» التّثنية، وقيل: إنّ «النّون» في قراءة ابن عامر «نون» التّثنية، لا «نون» التأكيد، وإنّ «لا» نافية لا ناهية، والجملة فى موضع (٢) الحال، أي: لتستقيما غير متّبعين سبيل الّذين لا يعلمون. النّوع الثّالث: المذكّر المجموع يبنى الفعل فيه مع النّونين علي الضّمّ؛ فتقول: لا تذهبنّ معه، وهل تضربنّ زيدا، الأصل فيه: تذهبون؛ فحذفت «النّون» للجزم، ثمّ حذفت «الواو» بعدها لالتقاء السّاكنين، وبقيت الضّمّة قبلها تدلّ عليها، ومنه قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (٣).

стр. 831

النّوع الرّابع: المؤنّث المفرد المخاطب، ويبنى الفعل فيه مع النّونين (١) علي الكسر، كقولك: لا تضربنّ زيدا، ولا تضربنّ عمرا، الأصل فيه: تضربين، فحذفت «النّون» للجزم، وحذفت «الياء» لالتقاء السّاكنين، وبقيت الكسرة قبلها تدلّ عليها. فإن كان غائبا، أو متكلّما فالفتح، كالمفرد المذكّر. النّوع الخامس: فى المؤنّث المثّنّى، وحكمه حكم المذكّر المثنّى؛ لأنّ فعلهما فى التّثنية واحد، تقول للرّجلين وللمرأتين: اضربا، فإذا أدخلت «نون» التوكيد، قلت: اضربانّ. النّوع السّادس: المؤنّث المجموع، ولا تدخله إلّا «النّون» الثّقيلة، ويفصل بينها وبين «نون» الجماعة ب «ألف»؛ هربا من اجتماع الأمثال؛ فتقول: اضربنانّ زيدا، ولا تكرمنانّ عمرا، ولم يدخلوا عليه الخفيفة؛ لئلّا تنقلب في

стр. 832

الوقف ألفا، فيلتبس فعل المؤنّث المخاطب بفعل المتكلّم إذا كان معه غيره، نحو: قمنا؛ فيصير الأمر خبرا، والمخاطب متكلّما، قال ابن السّرّاج: وإذا أردت الخفيفة/ فى فعل جميع النّساء قلت: اضربن زيدا؛ فيكون بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة (١). الحكم الثّانى: فى المعتلّ من الأفعال، ولا يخلو اعتلاله: أن يكون في فائه أو عينه أو لامه، نحو: وعد، ووجل، وقال، وباع، وخاف، وغزا، وسعى، ورمى. فالأوّل والثّانى: يجريان مجرى الصّحيح فى دخول النونين؛ تقول للواحد: عدنّ، وللاثنين: عدانّ، وللجماعة: عدنّ، وللمؤنّث: عدنّ؛ وكذلك: قولنّ، وبيعنّ، وخافنّ، ومع التّثنية والجمع والمؤنّث: [قولانّ وقولنّ وقولنّ] (٢). وأمّا المعتل اللّام: فعلى ضربين: الضّرب الأوّل: أن يكون ما قبل «الياء» و «الواو» فى المستقبل مضموما، أو مكسورا، نحو: يغزو، ويرمى، فتجريه مجرى الصّحيح في واحد المذكّر ومثنّاه؛ فتقول: اغزونّ، وارمينّ، واغزوانّ، وارميانّ وأمّا جمع المذكّر: فتحذف «الواو» منه؛ لالتقاء الساكنين، وتبقى ضمّة ما قبلها دليلا عليها؛ فتقول: اغزنّ؛ وارمنّ؛ لأنّ الأصل: اغزوا وارموا وأمّا واحد المؤنّث: فتحذف منه «الياء»؛ لالتقاء السّاكنين، ويكسر ما قبلها (٣)؛ لتدلّ عليها؛ فتقول: اغزنّ، وارمنّ؛ لأنّ الأصل: اغزي، وارمي، إلّا أنّهم يشمّون «الزّاى» شيئا من الضّمّة. وأمّا

стр. 833

جمع المؤنّث: فهو جار مجرى صحيحه، تقول: أغزونانّ، وارمينانّ، فتدخل «الألف» بين النّونات. الضّرب الثّانى: أن يكون ما قبل «الياء» و «الواو» مفتوحا؛ وذلك فى جمع المذكّر ومفرد المؤنّث، فتحرّك «الواو» بالضّم، و «الياء» بالكسر؛ لالتقاء السّاكنين، تقول: اخشونّ زيدا، ولا ترضينّ عن عمرو، ومنه قوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ (١) وقوله تعالي: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٢). وقد قيل: إنّ كلّ موضع تحرّكت فيه «الواو» و «الياء» مع «لام» التّعريف تحرّكت فيه مع «نون» التوكيد، وكلّ موضع حذفتا فيه مع «لام» التعريف حذفتا فيه مع «نون» التوكيد، فكما تقول: اغز القوم، وارم القوم، فكذلك تقول: اخشونّ (٣)، واخشينّ. الحكم الثالث: إذا وقفت على «النّون» الخفيفة فلا يخلو ما قبلها: أن يكون مفتوحا، أو مضموما، أو مكسورا. فإن كان مفتوحا أبدلتها «ألفا»، تقول فى: اضربن: اضربا، وفي، قومن: قوما، ومنه قوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (٤) إذا وقفت قلت: لَنَسْفَعاً ومنه قول الأعشى: ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا (٥)

стр. 834

ومنه قول الآخر: ومهما تشأ منه فزارة تمنعا (١) أى: فاعبدن (٢) وتمنعن. وإن كان ما قبل «النّون» مكسورا أو مضموما حذفتها فى الوقف، وعاد الفعل إلى ما كان قبل دخولها، تقول فى، اضربن زيدا، واضربن عمرا: اضربوا، واضربى، فتعيد «الياء» و «الواو» اللّتين حذفتهما لأجل سكون «النّون». الحكم الرّابع: إذا لقي «النّون» الخفيفة ساكن بعدها حذفت؛ لالتقائهما، تقول فى، اضربن، إذا اتّصلت بساكن بعدها: اضرب الرّجل، ومنه قول الشّاعر (٣): ولا تهين الفقير (٤) علّك أن ... تركع يوما والدّهر قد رفعه الأصل فيه: لا تهينن. ولو قلت: اضربن أخاك، وخفّفت الهمزة التّخفيف القياسيّ لم يجز؛ لأنّ «النّون» لا تحتمل الحركة، كما لم تحتملها؛ لالتقاء السّاكنين، وقيل: يجوز حذف [الفتحة] (٥) فتحذف «النون»، وتجعل «الهمزة» بين بين.

стр. 835

الباب الثّامن عشر فى التقاء السّاكنين لا يخلو الساكنان - إذا التقيا - أن يكونا فى كلمة واحدة، أو فى كلمتين، ولا يخلو كلّ واحد من القسمين: أن يكونا مثلين، أو غير مثلين، وكلّ واحد منهما لا يخلو: أن يكون الأوّل صحيحا، أو معتلا؛ فلنذكر هذه الأقسام فى فصلين. الفصل الأوّل إذا التقيا فى كلمة واحدة ، وفيه فرعان: الفرع الأوّل: أن يكونا مثلين، والعرب فيه مختلفون؛ فأكثرهم يجمعون بينهما، ويدغمون أحدهما فى الآخر فى حال الجزم والوقف، ويقولون: ردّ ولم يردّ، وأهل الحجاز لا يدغمون ويقولون: اردد، (١) ولم يردد. ومن أدغم فله ثلاثة مذاهب. الأوّل: أن يحرّك الثاني بالحركة الّتى قبل السّاكن الأوّل، فيقول: لم يردّ، ولم يعضّ، ولم يفرّ؛ فيضمّ «الدّال» (١) ويفتح «الضّاد»، ويكسر «الرّاء». الثّانى: أن يحرّك الجميع بالفتح؛ تخفيفا؛ فيقول: لم يردّ، ولم يعضّ، ولم يفرّ. الثّالث: أن يكسر الجميع؛ علي أصل التقاء السّاكنين؛ فيقول: لم يردّ، ولم يعضّ، ولم يفرّ. والوقف فى هذا كالجزم؛ تقول: ردّ، وعضّ، وفرّ.

стр. 836

فإن اتّصل بهذا المدغم «هاء» ضمير منصوب فلا يخلو: إمّا أن تكون لمذكّر أو مؤنّث، فإن كانت لمذكّر ضمّوا المدغم (١) جميعهم، فقالوا: لم تردّه، مع جواز الفتح والكسر، ومنه قولهم: زرّه، وزرّه، وزرّه؛ وإن كانت لمؤنّث فتحوا جميعهم (٢)، فقالوا: لم يردّها؛ تحريكا للمدغم بحركة الضّميرين المضموم والمفتوح. فإن كان الضمير لتثنية أو جمع اتّفقوا على الإدغام؛ فقالوا: ردّا، وردّوا، ولم يفرّا، ولم يعضّوا. فإن لقي المدغم ساكن كسر كما يكسر غير المدغم؛ فتقول: ردّ الثّوب، وردّ ابنك، وفرّ اليوم، وعضّ اليد. ومن العرب (٣) من يفتح مع الألف واللّام، وعليه أنشدوا (٤): ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام

стр. 837

وقول الآخر (١): فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا فأمّا جمع المؤنّث: فأجمعوا علي إظهار الإدغام، فقالوا: ارددن، ولا تعضضن؛ لأنّ «الدّال» إنّما سكنت من أجل «النون»، كما تسكن مع «التّاء». وزعم الخليل أنّ ناسا من بكر بن وائل يقولون: ردّن، ومرّن (٢)، وردّت، كأنّهم قدّروا الإدغام قبل دخول (٣) «النّون» و «التاء». الفرع الثّانى: فى غير المثلين، ولا يخلو: أن يكون الأوّل منهما حرف علّة، أو حرفا صحيحا. فإن كان حرف علّة حذف فى الوقف والجزم؛ لالتقاء السّاكنين، تقول في، هو يخاف ويقول ويبيع: خف وقل وبع، ولم يخف ولم يقل، ولم يبع. فإن تحرّك حرف العلّة؛ لتثنية أو جمع ثبت فقلت: لم يخافا ولم يقولا ولم يبيعا، ولم يخافوا ولم يقولوا ولم يبيعوا؛ لأنّه تحصّن بالحرف المتحرّك. وإن كان الحرف الأوّل من الساكنين صحيحا، حرّكت الثّاني منهما، وقد جاء فيه الحركات الثّلاث، نحو: أين وحيث وأمس. فإن كان الثّانى منهما ضميرا، نحو: اضربه، ولا تضربه، إذا وقفت علي «الهاء» نقلت حركتها إلى ما قبلها، فتقول: اضربه، ولا تضربه، ولو كان قبل «الهاء» حرف علّة، نحو: عصاه،

стр. 838

ويغزوه، وعليه، فلا يتمّ فيه هذا؛ لأنّ الحركة على حروف العلّة ثقيلة، والألف لا يمكن تحريكها ومن غريب ما حكي عن العرب: أنّهم قالوا في الأمر بالانطلاق مثلا: انطلق (١)؛ بسكون «اللّام»؛ وفتح «القاف»، والأصل فيه: كسر «اللّام» وسكون «القاف»، فأسكنوا «اللّام» المكسورة، كما قالوا فى فخذ: فخذ، ثمّ فتحوا «القاف» السّاكنة؛ لئلّا يلتقي ساكنان، وعليه/ أنشد الخليل (٢): عجبت لمولود وليس له أب ... وذى ولد لم يلده أبوان وقد قرئ قوله تعالي: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ (٣) بسكون «القاف» وفتح (٤) «الهاء». فأمّا قولهم: لم أبله، فالأصل: أباليه (٥)؛ فحذف «الياء» للجزم، والألف لكثرة الاستعمال، والتقاء السّاكنين، وألحقت «الهاء»؛ للوقف؛ فالتقى «اللّام» و «الهاء» ساكنين (٦)، فحرّكت «اللّام» بالكسر، ولم تردّ «الألف» المحذوفة لالتقاء السّاكنين؛ لأن الهاء غير لازمة.

стр. 839

الفصل الثّانى إذا التقى السّاكنان فى كلمتين فلا يخلو الأوّل: أن يكون صحيحا أو معتلّا: فإن كان صحيحا كسرته فى مواضع مخصوصة سنذكرها؛ تقول: اضرب القوم، وأكرم الرّجل، واضرب اضرب، واذهب اخرج، وهذا زيد العاقل، ومررت بزيد ابنك، وخرجت الجارية. هذا هو الأصل. فإن كان ما بعد الساكن الثّانى مضموما جاز لك فى السّاكن الأوّل مع الكسر الضّمّ، كقوله تعالي: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ (١) وقوله تعالي: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها (٢) وقوله تعالي: بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ارْكُضْ (٣)، فلك كسر «التاء» و «النّون» (٤) وضمّهما، وأمّا من قرأ قوله تعالي: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ

стр. 840

مُرِيبٍ. الَّذِي جَعَلَ (١) بفح «النون» (٢) فإنما كره توالى الكسرتين، كما كره ذلك في قوله تعالى: الم. الله (٣) بفتح «الميم» (٤). فإن كان ما قبل السّاكن الأوّل وبعد الثّانى مضموما، فالاختيار ضمّ الأوّل عند قوم (٥)، كقولك: ادخل ادخل، و: اقتل اقتل، قال ابن السّرّاج: وقد حكوا: ادخل الدّار، علي الإتباع، وهذا ردئ (٦). وقالوا: يجوز الإتباع فى المفتوح، نحو: اصنع الخير، ولم يسمعه. وقد اختصّت «من» و «عن» و «إن» (٧) بحكم. أمّا «من»: فإذا التقى مع نونها ساكن فلا يخلو: أن يكون «لام» تعريف، أو غيره ف «اللام» تفتح معها «النّون» نحو:/ من القوم، وقد جاء الكسر شاذا (٨) وأمّا غير «اللّام» فتكسر معه «النّون»، نحو: من ابنك، ومن انطلاقك، وقد حكى سيبويه فيها الفتح مع غير «اللّام» (٩).

стр. 841

وأمّا عن»: فالكسر فى «نونها» لا غير؛ تقول: عن القوم، وعن ابنك. وأمّا إذا كان السّاكن الأوّل معتلا فلا تخلو حركة ما قبله: أن تكون من جنسه، أو غير جنسه. فإن كانت من جنسه حذفته من اللّفظ، وأثبتّه فى الخطّ: نحو: يخشى الله، ويغزو الكفّار، ويرمى النّاس، ولم يضربا الرّجل، ولم يصومو اليوم، ولا تكرمى ابنك، إلا ما شذّ من قولهم: «التقت حلقتا البطان» (١). وإن كانت الحركة من غير جنسه فلا يكون إلا «واوا» أو «ياء»، فتحرّك «الواو» بالضّمّ، و «الياء» بالكسر، نحو: اخشو القوم، ومصطفو النّاس، (٢) واخشى القوم ومصطفى الناس. وقد حرّك قوم «الواو» بالكسر (٣) فى قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (٤). فأما واو «أو» و «لو» ونحوهما: فيجوز

стр. 842

فى «الواو» الضّمّ (١)، والكسر، كقوله تعالى: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ (٢) وقوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) والضمّ فى هذه «الواو» قليل، والكسر فى الأولى قليل.

стр. 843

الباب التاسع عشر فى الوقف وفيه أربعة فصول الفصل الأوّل: فى الأسماء وهى ثلاثة أقسام؛ ظاهرة، ومضمرة، ومبهمة. القسم الأوّل: الظّاهرة. وفيه فرعان: صحيح، ومعتل. الفرع الأوّل: فى الصّحيح. ولا يخلو: أن يكون معربا أو مبنيّا، والمعرب. لا يخلو: أن يكون منصرفا، أو غير منصرف، والمنصرف لا يخلو: أن يكون ما قبل آخره متحرّكا/ أو ساكنا، ولا يخلو كلّ من هذه الأقسام [أن يكون] (١) مهموزا أو غير مهموز، مذكّرا أو مؤنّثا، مفردا أو مثنى أو مجموعا، فحصل من هذا التقسيم سبعة أنواع: النّوع الأوّل: المنصرف إذا كان ما قبل آخره ساكنا، ولا يخلو أن يكون مرفوعا أو مجرورا أو منصوبا. أمّا المرفوع: فلك فى الوقف عليه خمسة أوجه. الأوّل: السّكون، نحو هذا بكر. الثّانى: الإشمام، (٢) وهو أن تشير بعد الحرف إلى الضّمّة، ويختصّ بالبصير دون الأعمى.

стр. 844

الثّالث: الرّوم (١)، وهو صوت ضعيف يتبع الحرف. الرّابع: النّقل، إذا خرج الاسم إلى ماله نظير فى الأصول، تقول: هذا بكر، بوزن عضد، ولا تقول: هذا حمل؛ إذ ليس في الكلام «فعل»، ومنه قول الشّاعر (٢): أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر يريد «النّقر»، فنقل الضمّة من «الرّاء» إلى «القاف» الخامس: أن تبدل من التّنوين «واوا» فتقول: هذا بكرو، وهى لغة أزد السّراة (٣). وأمّا المجرور: فحكمه في الوقف حكم المرفوع، إلّا فى الإشمام؛ فتقول: مررت ببكر، وبكر، وبكري، ولا تقول فى النقل: مررت بقفل؛ لأنّه ليس فى الأسماء «فعل» عند سيبويه (٤)؛ وجوّز فيه ضمّ «الفاء»، وجوّز فى «عدل»

стр. 845

كسر «الدّال» (١)، ومنه قول الشّاعر (٢): شرب النّبيذ واصطفاقا بالرّجل فنقل الكسرة من «اللّام» إلى الجيم». وأمّا المنصوب: فلك في الوقف عليه وجهان. أحدهما - وهو المشهور - أن تبدل من التّنوين «ألفا»، فتقول: رأيت بكرا. والثاني: أن تقف عليه بالسّكون، كالمرفوع، تقول: رأيت زيد، وهو قليل إلّا فى الشّعر. وقد أجاز سيبويه فى المنصوب الرّوم (٣) والإشمام. النّوع الثّاني: المنصرف إذا كان ما قبل آخره متحرّكا، وحكمه حكم الذي قبله، إلّا فى النّقل، وعوّضوا عنه بالتّشديد؛ تقول: هذا رجل ورجل ورجلو، ومررت برجل، ورجل، ورجلي، ورأيت رجلا، ورجل، وأجاز سيبويه التّشديد (٤) فى النّصب، وغيره لا يجيزه إلّا فى الشّعر، كقوله (٥): لقد خشيت أن أرى جدبّا ... فى عامنا ذا بعد ما أخصبّا
следующие страницы →