← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1791

نور وهداية

علي الطنطاوي

Полный текст (264 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علي الطنطاوي نور وهداية جمع وترتيب حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنار للنشر والتوزيع

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الثانية ٢٠٠٩ دار المنار للنشر والتوزيع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤ البريد الإلكتروني: books@daralmanara.com

стр. 3

مقدمة هذا هو الكتاب الخامس الذي وفق الله إلى جمعه مما تركه علي الطنطاوي منثوراً غيرَ منشور من مقالات وأحاديث، بعضها قرأه الناس ذات يوم في مجلة أو صحيفة، ثم طوى المجلةَ أو الصحيفةَ النسيانُ وغابت المقالةُ عن عين كل إنسان، وبعضها سمعه الناس ذات يوم مُذاعاً من دمشق أو من مكة من إذاعة صوت الإسلام، ثم أنسى الناسَ هذه الأحاديثَ بُعْدُ العهدِ وذهب بها كَرُّ الأيام. وإني لأرجو أن ينفع الله بهذا الكتاب وأن يجعله -بكرمه- من الصدقة الجارية لمؤلفه ﵀. ولقد وفق الله فجاء على غير سابق خطة، فقد علمتم (أو علم منكم من قرأ مقدمة الجزء الثاني من «مقالات في كلمات») أن جدّي ﵀ كانت بين يديه كتب يعتزم نشرها، يجمع فيها مقالات من مقالاته التي نشرها في بعض الصحف والمجلات ثم لم تجد طريقها إلى أيٍّ من كتبه المنشورة، ثم طال به الزمن وضَعُفت الهمّة وتبعثرت المقالات ولم تصدر الكتب. فلما جئت أجمعها من جديد وجدت مقالات لم يُشِرْ إليها ولم يقترح إدراجها في أي من الكتب التي اعتزم نشرها، ووجدت

стр. 4

أيضاً أوراقاً كثيرة تضم مدوَّنات أو مسوَّدات لأحاديث إذاعية (يوم كان يكتب أحاديثه)، بعضها مجموع وبعضها مفرَّق. فاشتغلت أسابيع في فرز هذه الأوراق وضمّ الأمثال إلى الأمثال، حتى اكتملت بين يديّ مقالاتٌ وأحاديثُ كاملاتٌ أو شبهُ كاملات، ثم أنفقت أسابيع أُخَر في فرز هذه الأحاديث والمقالات، حتى انتهيت أخيراً إلى جمع كتب كاملة هذا أوّلها، وهو واحد من ثلاثة كتب ستصدر تِباعاً واحداً بعد واحد إن شاء الله، وزّعت فيها المقالات الإسلامية. أولها هذا الذي سرقتُ اسمه من برنامج الشيخ الأشهر، والثاني سمّيته «فصول في الدعوة والإصلاح»، واسمه يدلّ عليه، وسمّيت الثالث «مباحث إسلامية» وجعلت فيه الموضوعات الفقهية والمسائل العلمية التي لا تدخل في باب الدعوة العامة. * * * ولسوف يجد القارئ تشابهاً في الأفكار أو في الأمثلة في بعض فصول هذا الكتاب، والعذر أنها مقالات كُتبت أو أحاديث أذيعت في أزمنة متباعدات. بل إن الشيخ نفسه قد أدرك أن كثرة الحديث تضطره إلى تكرار المثال؛ فاعتذر من ذلك فقال في واحدة من مقالات هذا الكتاب: "وأنا أعتذر إلى القراء من ذكر مثل سأسوقه كنت قد ذكرته من قبل، وعذري أن من المعاني ما لا بد من تكراره لتكرر مناسباته، وأنا أكتب من خمس وثلاثين سنة وأخوض في موضوعات كنت خضت فيها من قبل، فآتي بما كان القراء قرؤوا لي مثله".

стр. 5

ولقد ترددت أمام كل مقالة فيها شيء من التكرار في الفكرة أو في المثال: أأحذفها أم أبقيها؟ ثم أبقيتها ما دمت قد وجدت فيها طرحاً جديداً أو عرضاً مفيداً تمتاز به من المقالات الأخريات. على أني استبعدت ما كان أقرب إلى التكرار الكامل، وقد ضحيت -من أجل ذلك- بالكثير. * * * وبعد، فبعد شهرين يُتِمّ جدي سبعَ سنين من رحلته إلى عالَم الآخرة، أسأل الله له الرحمة، وأسأله أن يثيبه بهذا الكتاب نوراً في قبره مثل النور الذي أراد أن ينشره بين الناس، حين لبث من عمره سنين وسنين وهو يحدّثهم حديث «النور والهداية» من رائي المملكة، ويجيب عن «مسائلهم» ويحل «مشكلاتهم» من إذاعتها. وإني لأحسّ وأنا أقدم هذا الكتاب بالخجل من جدّي ﵀ ومن القرّاء؛ إذ أنظر فأرى ما بقي أمامي مما لم أصنع أكثرَ مما صنعت، والسنواتُ تمضي سِراعاً وأنا أدبّ دبيب السلحفاة، لا أكاد أتم في العام كتاباً أو بعض كتاب. فمتى أنهي الكتب كلها وأضعها بين أيدي الناس؟ فأنا أعتذر من جدّي الذي لم أوفِّه من حقه وفضله عليّ إلا أقل القليل، وأعتذر من القراء الذين صبروا على ضعفي وبطء سَيري، وأعتذر من زوج خالتي، نادر حتاحت، الذي ينشر هذا الكتاب كما نشر سائر كتب الشيخ، فوصل بِرَّه به ميتاً ببِرّه به حياً حين كان له كما يكون الولد للوالد. أعتذر منه وأحمد له صبره

стр. 6

عليّ، فما أكثر ما وعدته بالكتب وما أقل ما وفيت بالوعد! أرجو أن يسامحني الله وأن لا يجعلني في زمرة المنافقين الذين حدّثنا نبيه المعصوم ﷺ أنهم يَعِدون فيُخلفون! هذا اعتذاري أضعه بين أيدي القرّاء راجياً أن يقبلوه، أما عذري فأبقيته لنفسي ولم أبسطه لأحد من الناس، وماذا يفيدني أن يعرفه الناس والوقت لا يُهدى ولا يوهَب ولا يُعار ولا يُباع؟ فحسبي أن يدعو لي كل محب بأن يبارك الله لي في وقتي. وإنْ ألهمَ الله قارئاً يقرأ هذه الكلمات فسأل الله مخلصاً أن ييسّر لي إنجاز ما بقي وأن يطويَ بين يديّ صفحات الكتب الآتيات، فعسى أن يجعله الله شريكاً في الأجر، وأن لا يحرمني منه، والله أكرم الأكرمين. مجاهد مأمون ديرانية جدة: ربيع الأول ١٤٢٧

стр. 7

موسم العبادة حديث أذيع من دمشق سنة ١٩٥٩ يا أيها السامعون، إن للزراعة مواسم، وإن للتجارة مواسم، وإن للمدارس مواسم. فإذا جاء موسم الزرع شمّر الزارع عن ساقه فحرث وبذر وجدّ ودأب، وإذا جاء موسم البيع عرض التاجر بضاعته وأقام عليها نهاره ووضع في ترويجها ذهنه ويده، وإذا جاء موسم الامتحان ترك التلميذ لهوه وسهر ليله وعكف على كتابه. ورمضان هو موسم العبادة للمؤمنين. وإذا كان الزارع يُتعب نفسه في الحرث والبَذر أملاً بيوم الحصاد، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، فازرعوا فيها من الصالحات لتحصدوا ثمرتها حسنات يوم يقوم الحساب. وإذا كان التاجر يكدّ ويدأب ليربح المال وينجو من الضيق والخسار، فهذه هي التجارة المربحة: ﴿يَا أيُّها الذينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجيكُم مِنْ عَذَابٍ أَليم؟ تُؤمِنونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأمْوالِكُمْ وَأنْفُسِكُم؛ ذلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمون. يَغْفِرْ لَكُم ذُنوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحْتِها الأنْهارُ وَمَساكِنَ طَيّبةً في جَنّاتِ عَدْنٍ، ذلِكَ الفَوْزُ العَظيمُ. وأُخْرى

стр. 8

تُحِبّونَها: نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ، وَبَشِّرِ المُؤمِنين﴾. وإذا كان التلميذ يدرس خوفاً من السقوط يوم الامتحان والفضيحة بين الرفاق، فإن الامتحان الأكبر أمامنا. هذا امتحانٌ غايةُ الخسارة فيه أن يضيع التلميذ سنة ثم يعود فيُصلح ما أفسد ويتدارك ما ضيّع، وذلك امتحان تُعلَن النتائج فيه على رؤوس الخلائق جميعاً فيسمعها الجن والإنس، ينادي المنادي أن لقد نجح فلان ابن فلان، فتتلقّاه ملائكة الرحمة بالرعاية والإكرام إلى دار النعيم المقيم، وقد سقط فلان ابن فلان، فتتسلمه زبانية النار بالشدة والهوان إلى دار العذاب الدائم. وهنالك الخسارة الحق: ﴿قُلْ إنَّ الخَاسِرينَ الذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم وَأَهْليهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الخُسْرانُ المُبينُ. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِم ظُلَلٌ، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ، يَا عِبادي فَاتَّقُونِ﴾. هل تعرفون ما معنى «اتقوا»؟ إنكم تقولونها دائماً وتسمعونها دائماً، وكثير منكم لا يعرف معناها. كلمة «اتّقوا» من «الوقاية»؛ يُقال: اتّقى فلانٌ البردَ بالمعطف، أي اتخذه وِقايةً منه، واتقى الفارسُ الطعنةَ بالتّرس، أي وَقَى به نفسَه. فاتقوا الله معناها: قُوا أنفسَكم من عقابه. فبماذا نتقي عذاب الله؟ بالقرآن. ورمضان الذي أُنزل فيه القرآن أحق الشهور بتلاوته وتدبّره والإقبال عليه. وفي الحديث الصحيح المشهور: «ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويَتَدارسونه بينهم إلاّ

стр. 9

نَزلت عليهم السَّكينةُ، وَغَشِيَتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١). أفلا تحبّون أن تنزل السكينة على قلوبكم وأن تستشعروا الطمأنينة وأن تتخلصوا من الهمّ والقلق والاضطراب؟ إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه. أوَلا تحبّون أن تغشاكم الرحمة من الله؟ ومَن غشيته رحمة الله فقد نال كل خير ونأى عنه كل ضرر وكل ألم. إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه. أوَلا تحبّون أن يكون جلساؤكم الملائكة، هل أشرفُ من هؤلاء الجُلَساء؟ وأن يُطرَد من حولكم الشياطين: شياطين الإنس وشياطين الجن؟ إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه. أوَلا ترون الناس يحرصون على الشهرة وعلى ذيوع الاسم؟ إن غاية ما يتمنّونه أن يعرفهم أهل الأرض. وما هذه الأرض بالنسبة إلى هذا الكون الواسع؟ والذين يتلون القرآن ويتدارسونه يعرفهم أهل الملأ الأعلى وتصل أخبارهم إلى مَن في السماوات ويذكرهم الله فيمَن عنده. أفلا تريدون أن تنالوا هذا الشرف الذي لا شرف بعده؟ إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه. * * * إن ليالي رمضان -يا سادة- هي مواسم الزَّرْع لِمَن أراد أن يزرع للآخرة، وهي مواسم التجارة لمن أراد الربح الباقي في الآخرة، وهي مواسم الاستعداد للامتحان لمن أراد أن ينجح في

стр. 10

الامتحان الأعظم في الآخرة. ولكن الغافلين المساكين الذين أُصيبوا بقِصَر النّظر فلا يرون إلا ما بين أيديهم، يحسبون أن حياة الإنسان هي هذه الأيام التي يقضيها في الدنيا، ولو وضع على عينيه نظارات الشرع -لمداواة ما به من قِصَر النظر- لرأى أن الطريق أمامه طويل، وأن السفر بعيد، وأن هذه الحياة الدنيا مرحلةٌ من مراحل العمر ليست هي العمر. إننا كركب مسافرين يقطعون ما بين المشرق والمغرب نزلوا ساعة يستريحون، فالأحمق يحسب أن الطريق انتهى، فيأكل زاده ويسّيب دابته ولا يعد العدّة للمسير، فإذا قامت القافلة ومشت تخلّف عنها أو ضلّ في البادية أو مات من الجوع. والعاقل من يعلم أن عليه أن يُريح راحلتَه ويَعْلِفها ليقطع الطريق عليها، ويوفّر زادَه ليكفيه أيام الرحلة. وما هذه الحياة؟ ما مدتها؟ سبعون سنة، مئة سنة، مئة وخمسون؟ هل يعيش أحدٌ أكثرَ من مئة وخمسين سنة؟ وما مئة وخمسون بالنسبة إلى الآخرة؟ بل هَبوه عاش عمر نوح، قريباً من ألف سنة، فما ألف سنة؟ إنها كيوم واحد من أيام الآخرة، بل إن في الآخرة يوماً مقداره خمسون ألف سنة! فأين نحن من ذكر الآخرة؟ لقد نسيناها وشغلتنا عنها تُرّهات الدنيا وهموم العيش والتقاتل على حطام فانٍ لا يبقى منه بعد الموت شيء. إننا نرى الأموات تمرّ بنا مواكبهُم كلَّ يوم، ولكنّا نظن أن الموت كُتِب على الناس كلهم إلا علينا، ونبصر القبور تملأ الأرض ولا نفكر أننا سننزل يوماً إلى القبر.

стр. 11

ولو أنّا إذا مِتْنا تُرِكنا ... لَكانَ الموتُ راحةَ كلّ حَيِّ ولكنّا إذا مِتنا بُعثنا ... ونُسأَل بعدَها عن كلّ شيِّ نتجاهل الموت وهو نازل بنا يوماً، وبعد الموت الحساب الدقيق عن كل عمل عملناه، أحصاه الله ونسوه، في كتاب لا يَدَع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يفاجَأ به العبد يوم القيامة، يوضع تحت عينيه يقال له: ﴿اقْرَا كِتابَكَ، كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسيباً﴾. وإذا أنكر أسكت الله لسانَه وأشهد عليه جوارحه، فشهدت اليد بما بطشت أو سرقت، والرِّجْل بما مشت إلى الحرام، والعين بما رأت من حرام، والفرج بما باشر من حرام، يرى ذلك بعينيه ويسمعه بأذنيه. لا تعجبوا، فأنتم ترون الشريط المسجّل في الرائي (التلفزيون) وتسمعونه ينطق، يشهد بأفعالكم وأقوالكم فلا تستطيعون أن تنكروها. هذا في الدنيا ومن عمل البشر بتوفيق الله وهدايته، أفتنكرون أن تشهد عليكم الأعضاء في الآخرة وأن يُنطقها الله الذي أنطق كل شيء؟ فتعالوا نتّخذ من رمضان موسماً للرجوع إلى الله، وتعالوا نَتْلُ القرآن ونتدارسه، لعلنا نكون مع هؤلاء الذين تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمَن عنده. وإلى اللقاء كل عشية في رمضان، والسلام عليكم ورحمة الله. * * *

стр. 12

هذا هو الدليل نشرت سنة ١٩٦١ ورد عليّ في هذا الأسبوع أغرب سؤال يمكن أن يَرِدَ من عاقل. يقول صاحب السؤال إن له صديقاً نشأ في بيت مؤمن وكان مقيماً للصلاة صائماً رمضان، ثم غدا شيوعياً فكفر وجحد حتى صار يقول إنه ليس لهذا الكون إله. وهو يسأل: ما هو الدليل على وجود الله؟ يريد أن يتعلم مني دليلاً يردّ به صاحبه عن كفره. الدليل على وجود الله هو أنت وصديقك الذي يكفر بالله، قل له: الدليل في نفسك، والدليل من حولك، والدليل في كل ما ترى أو تسمع. اذهب إلى أستاذ الفسيولوجيا في كلية الطب فاسأله عن تركيب جسم الإنسان وما فيه من الأسرار العجيبة، بل اذهب إلى أستاذ الأنسجة واسأله عن الجلد وطبقاته والشعر وبصلاته، وانظر هذه الآلة التي لم يكشف الإنسان أسرارها كلها إلى اليوم، فضلاً عن أن يخلق مثلها. ولن أفيض في بيان هذه الأسرار، ولو ذكرت ما أعرفه منها لصغت من ذلك عشرة فصول، ولكن أشير إلى شيء واحد، هو أن هذا الإنسان أصله من مخلوق صغير جداً كأنه خيط

стр. 13

دقيق، بلغ من صغره أنه لا يُرى إلا بالمجهر وأنك لو حزمت ألفاً منه وربطتها معاً لكان مجموعها كلها أدقّ من الشعرة. من هذا الخيط الدقيق خلق الله رفيقك الذي ينكر الله، فجاء يشبه أباه في خلقته وفي جبهته وفي لون عينيه وفي نوع دمه، وورث عن أبيه أو عن جده صفات كثيرة من صفات الجسد، وطباعاً كثيرة وأمراضاً وعللاً. فكيف كانت هذه الملامح وهذه الطباع وهذه الأمراض مخبوءة في هذا الخيط الدقيق الذي لا يُرى إلا بالمجهر، والذي لو اجتمع عدد منه يعدل عدد سكان الأرض كلهم لوسع هذا العددَ كله قعرُ فنجان؟ قل له: إنك تنكر الله بعقلك هذا الذي تفخر به وتعتز بحكمه، فهل أوجدتَ أنت هذا العقل؟ إنك لم تعرف نفسك إلا وأنت ابن ثلاث سنين أو أربع، لا تعرف نفسك وأنت حيوان منوي، خيط دقيق، ولا تعرف نفسك وأنت جنين في بطن أمك، ولا تعرف نفسك وأنت وليد لا تفهم ولا تتحرك ولا تدفع عن نفسك ذبابة سقطت على أنفك ... فإذا كنت موجوداً قبل أن تعرف نفسك، فكيف تكون قد خلقت أنت نفسك؟ وإذا لم تخلق نفسك فتلفَّتْ حولك تَلْقَ جمادات لا تحسّ ولا تعقل، فهل خلقتك هذه الجمادات: هذه الجبال وهذه السهول وهذه الشمس وهذه النجوم؟ إنها كلها لا عقل لها، فكيف أعطتك عقلاً لا تملكه هي؟ واسأله: كيف وُجدت هذه الأسرار التي يكتشفها العلم يوماً بعد يوم؟ إننا سيّرنا قمراً صناعياً، ولكن مَن الذي وضع في الهواء

стр. 14

وفي الفضاء قابلية حمل هذا القمر؟ وهل كنا نستطيع أن نسيّره لولا هذه القابلية؟ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الذي حَاجَّ إبْراهيمَ في رَبِّه أَنْ آتاهُ اللهُ المُلكَ؟ إذْ قالَ إبراهيمُ: رَبّيَ الذي يُحيي ويُميتُ. قالَ: أنا أُحيي وأُميتُ. قالَ إبْراهيمُ: فإنّ اللهَ يأتي بالشَمْسِ مِنَ المَشْرِقِ، فَاتِ بها مِنَ المَغْرِبِ! فبُهِتَ الذي كَفَر﴾. ونحن نقول: إن الله يسيّر هذا القمر وهذه الشمس وهذه النجوم الهائلة، فيقول الشيوعيون: نحن نسيّر الصاروخ والقمر الصناعي، فنقول: إن الله يسيّر قمرَكم مع سير الأرض فسيّروه بعكس سَير الأرض! إن الدلائل على وجود الله لا تُعَد ولا تُحصى: وفي كل شيء له آية ... تدلّ على أنه واحدُ فاسأل صاحبك: كيف وُجدَت هذه العجائب التي نرى طرفاً منها في الكيمياء وفي الفيزياء وفي الفلك وفي الطب؟ وأنا أعلم أنه سيقول إنها كانت بالمصادفة. المصادفة؟ إن مَثَل من يقول بذلك كمَثَل رجلين كانا يمشيان في الصحراء فوجدا داراً حولها حديقة فيها المقاعد والسّرر وثريات الكهرباء والساعات الطنّانة والبرّاد والغسّالة والرادّ والرائي (التلفزيون)، وعلى جدرانها أنواع النقوش الدقيقة. فعجبا منها، فقال أحدهما: لا بد أن بانياً بناها وفَرَشها، فضحك الثاني منه وقال له: أنت رجعي تفكر بعقلية القرن الماضي، لا تعرف التقدمية ولا الرقيّ. قال: فما تقول أنت يا ذا الرقي والتقدمية؟ قال: إنه لم يَبنِها

стр. 15

أحدٌ ولكن جاءت بالطبيعة والمصادفة؟ قال: كيف؟ قال: كان في الجبل صخور فتحطمت على مر الزمان وتكسرت، ثم حملتها السيول فتراكم بعضها فوق بعض فصارت جداراً. قال: والنقوش والأصباغ؟ قال: ذابت معادن ملوّنة وحملتها الرياح والأمطار فوضعتها على الجدران، وبمرور آلاف السنين تداخلت فكانت بالمصادفة هذه النقوش. قال: والساعة الطنانة؟ قال: قطع حديد مرّ عليها آلاف وآلاف من السنين، فتحطمت وكان منها قطع مستديرة ومستطيلة سقط بعضها فوق بعض، وأخذت بالمصادفة ملايين الأشكال حتى كان أحد أشكالها ساعة تمشي. وأمثال هذا الهذيان! هذا مثال صغير جداً لمن يقول إن هذا العالم بأسراره وعجائبه كان من غير خالق، مع أن كل ذرة فيه، نعم، الذرة الواحدة بأسرارها وعلومها تكفي لتكون الدليل على وجود هذا الخالق. * * * على أن وجود الله لا يحتاج إلى دليل، ولقد قيل لرابعة العدوية: إن فلاناً من العلماء أقام ألف دليل على وجود الله، فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك لما أقام ألف دليل. قالوا: فما الدليل؟ قالت: إذا كان رجل يمشي في الصحراء وحده فسقط في بئر ولم يكن عنده من ينجيه، ماذا يقول؟ قالوا: يقول «يا الله»، قالت: ذاك هو الدليل! إن الإيمان مستقر في أعماق كل قلب ولكنه يحتاج إلى هزة

стр. 16

شديدة تبديه وتظهره، لذلك كانت المصائب والأزمات سبباً لظهور الإيمان. وكل واحد منا إذا مرض مرضاً يئس منه الأطباء أو أشرف على الموت ذكر الله. أنا رأيت الموت مرتين، مرة لمّا غرقت في بحر بيروت من ست سنين، ومرة لما مرضت من سنتين. كنت أسبح، أو أنا -على الأصحّ- أحاول تعلم السباحة ولا أحسن منها في الحقيقة شيئاً، وإذا أنا أحس فجأة أن رجلَيّ ليس تحتهما شيء وأني أغوص في الماء، وجعلت أبتلع ماء البحر فلا أستطيع أن أتنفس، وأريد الصياح مستنجداً فلا يخرج صوتي من حلقي. ورأيتني في نصف دقيقة كأني ابتعدت عن هذه الدنيا مئة سنة، فلم أعد أذكر منها شيئاً، لا الأهل ولا المال ولا الجاه؛ لم يعد يهمّني إلا أمران أنا أتردد بينهما، الأمل في النجاة والخوف من الحساب. ونظرت فإذا كل ما كنت أَعُدّه لي لم يبقَ في يدي منه شيء، لم يأتِ معي في ساعة الموت زوجة ولا ولد ولا صديق، والمال الذي جمعته تركته لمن يرثني، والجاه الذي حصلته خلفته وراء ظهري، ونظرت في الكتب التي كتبتها والشهرة التي حصلتها والمناصب التي بلغتها فلم أجد معي من ذلك شيئاً (١). في تلك الساعة يتيقّن الإنسان أنه لم يبقَ إلا حقيقةٌ واحدة يفكر فيها، هي أنه قادم على الله. إن الشدائد تذكّره بهذه الحقيقة التي كان نسيها، ولذلك خبّر الله أن كفار قريش كانوا

стр. 17

-على كفرهم وشركهم- إذا ركبوا في الفُلْك دَعَوا الله مخلصين له الدين، فلمّا نجّاهم إلى البر عادوا إلى كفرهم. ولذلك كان الملوك ورؤساء الدول أيام الحرب العامة الماضية يذكرون الله، وكانت الكنائس في بلاد الغرب تمتلئ دائماً بالناس، فلما انتهت الحرب عادوا إلى لهوهم ونسيانهم. * * * وإذا كان صاحبك هذا الذي ينكر الله لا يريد أقوالنا وأقوال علمائنا، وكان من هؤلاء الذين استقر في نفوسهم تعظيم الغربيين فلا يعرفون الحق إلا بدمغة الغرب عليه، فإني آتيه برأي عالم غربي معروف هو دوركايم، الذي يرى أن وجود الله بديهية لا تحتاج إلى إثبات، وله في ذلك كتاب مشهور. بديهية مثل بديهية أن الذي هو هو، وأن الجزء أصغر من الكل. كيف تثبت أن الكتاب هو كتاب وليس الكتاب تفاحة مثلاً؟ وأن نصف رغيف أصغر من الرغيف؟ إنها بديهيات يقول بها كل إنسان في كل زمان وكل مكان فلا تحتاج إلى إثبات. وكذلك وجود الله، عند دوركايم وعند كل عاقل. يقول دوركايم إن فكرة الإله ملازمة لكل إنسان لا يستطيع أن يتخلى عنها، ولكنه يكون أحياناً صحيح الجسم مكفيّ المَؤونة فينساها، وربما وصل إلى معرفة الإله الحق أو توهّمه في شيء من الأشياء فأفاض عليه فكرة الإله فعبدها. والذي يعبد الصنم أو النار إنما يعبد الإله الذي في فكره والذي توهمه في هذا الصنم أو في هذه النار. وكان بنو حنيفة من العرب، يجمعون التمر ويجعلون منه صنماً عظيماً يعبدونه، فأصابهم مرة مجاعة فأكلوه، فهجاهم الشاعر

стр. 18

فقال: «أكلت حنيفةُ ربَّها»! على أنها لم تعبده تمراً ولا أكلته رباً، وإنما أكلت التمر وعبدت الإله الذي في أفكارها. ولذلك قال القرآن على لسان قريش: ﴿ما نَعْبُدُهُم إلاّ لِيُقَرّبونا إلى الله زُلْفَى﴾. * * * وبعد يا أيها السائل، فإن من الثابت أن العقائد والطباع إنما تتكون في النفوس في مرحلة الصبا وأوائل الشباب، فمَن نشأ مؤمناً في بيت مؤمن لا يمكن أن يذهب هذا الإيمانُ من نفسه حتى كأنْ لم يكُن، وإنّ صاحبك لا يزال في قلبه مؤمناً وإن جحد اللهَ بلسانه، ولو أصابه مرض مُؤيِس أو خطرٌ قاصم لعاد ينادي: «يا الله». ولقد كنت مرة أجادل مجنوناً من هؤلاء المجانين (من معشرٍ كفروا بالله تقليداً) أقول له: ويلك خَفِ الله، فيقول: ما في إله! فلما ضايقته وعجز عن الحجة سبق لسانه فقال: والله ما في إله. يحلف بالله على نفي وجود الله! فضحكت عليه وتركته. * * *

стр. 19

الاستعداد ليوم المَعاد حديث أذيع من دمشق سنة ١٩٥٩ يا أيها السامعون، إنكم تسمعون هذا الحديث ومنكم من يتهيأ ليذهب إلى سهرته، ومنكم من يعكف على قهوته ودَخينته، ومنكم من هو في خصام مع زوجته، ومنكم من يفكر في عمله أو في تجارته. يمرّ بكم ذكر الآخرة فتفكرون فيها لحظة واحدة ثم تنسونها، ينتقل بكم الرادّ من الموعظة إلى غيرها فتنتقلون حيث ينقلكم، فكأنكم ما سمعتم ذكرها. إنكم كرَكْب طال عليه الأمد وامتدّ به المسير، فلم يعد يسأل: إلى أين المصير؟ لقد ضلّ به الطريق، فهو يَحُطّ الرحالَ كل عشية ويمشي كل صباح، لكنْ لا يدري إلى أين يمشي. وإذا نادى الدليلُ ليرشد الرَّكْبَ الضالّ ويهدي السَّفْرَ الحائر ضاع نداؤه الخافت في ضجة القافلة الصاخبة، التي غدا أكبر همها أن تستمتع بما حولها وأن تقطع باللهو الساعةَ التي هي فيها. لقد شغلتكم مناظر الطريق عن غاية الطريق، واكتفيتم بمُتَع السفر عن التفكير بنهاية السفر.

стр. 20

وأنا مثلكم، ما أنا بخير منكم؛ كلنا في غفلة عن الآخرة. فهل يكون لنا من هذه المجالس مذكِّر بها؟ هل نخرج من رمضان ونحن أقرب إلى الله، أم يمرّ بنا كما مرّ من قبله رمضان ورمضان، وعشر وعشرون وثلاثون من شهور رمضان؟ لقد عرفت رمضان أول مرة في قلب الصيف، ثم رأيته قد دار حتى صار في قلب الشتاء، ثم عاد فصار في الصيف، ثم صار في الشتاء. يمرّ بالشتاء وبالصيف، ونمرّ نحن قوماً بعد قوم، نولد ونعيش ونموت، ورمضان يدور. لقد رأيت ثلاث دورات كل دورة في خمس عشرة سنة، مرّت كأنها يوم واحد. إني لأفكّر في رمضان الأول فأراه من وراء خمس وأربعين سنة كأنها كانت أمس. قد مرت الأيام ولم نحسّ بها، ولكنّا خسرناها من أعمارنا. تأتي الإجازة الصيفية ثلاثة أشهر فنراها في أولها طويلة، فإذا هي قد مرّ منها أسبوع ما شعرت به، ويكون يوم الجمعة فلا تحسّ إلا وقد جاءت الجمعة الأخرى، ثم جاء أسبوع جديد، ثم مضى الشهر، ثم انصرمت العطلة ورجعَت المدرسة! فنحن نخسر أعمارنا بمرور الزمان، وبخسارة العمر نخسر كل شيء، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لَفي خُسر﴾. لقد فسّروا العصر تفسيرات كثيرة، ولكن هذا هو التفسير الذي كشفه الله لي: العصر هو الزمان. ونحن حين نقسم بشيء نكون قد عظّمناه التعظيم المطلَق الذي هو روح العبادة، ولذلك لم يَجُز الحلف بغير الله لأن العبادة له وحده، أما قَسَم الله في القرآن بشيء فإنما يكون لتنبيه الناس إلى

стр. 21

مَزيّة فيه. فالله قد أقسم بالعصر (الذي هو الزمان) على أنّ الإنسان لفي خُسر إشارةً إلى أن هذه الخسارة تأتي حتماً مع الزمان، وليست خسارةَ مالٍ يعوَّض ولا خسارة حبيب يُنسى. إنها خسارة الحياة نفسها. فإذا كان مقدَّراً عليك أن تعيش سبعين سنة فإنك تخسر في كل دقيقة تمر عليك جزءاً منها، حتى إذا مرّت بك سبعون سنة لم يبقَ لك شيء وخلّفتَ وراءك كل ما كنت تحسبه لك. لو اتخذت كيساً فعلّقته في عنقك وجعلت فيه مالك، وحملت مسدسك على جنبك تدافع به عن نفسك فإن الناس يبتعدون عنك مدةَ حياتك، ولكنهم ينهبونه منك بعد موتك بدقيقة، ولا تقدر أن تمدّ يدك فتدفعهم عنك أو تفتح فمك فتقول لهم: ماذا تعملون؟ لا تأخذُ معك من كل ما تملك شيئاً، لا من مالك ولا من عماراتك ولا من سياراتك ولا من جاهك وسلطانك؛ العمارات تبقى في أرضها فيملكها وريثك، والسيارات يركب بها سواك، والجاه والسلطان يتمتع به غيرك. وتدخل القبر وحيداً فريداً عارياً إلا من كفنك. هذا شيء ظاهر لا ينكره منكر؛ إنها خسارة كل شيء إلا شيئاً واحداً تأخذه معك إلى الدار الآخرة، هو الإيمان والعمل الصالح: ﴿والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لَفي خُسْرٍ، إلاّ الذين آمَنوا وعَمِلوا الصّالحات﴾. * * * إن مَثَلَنا مَثَلُ أهل تلك الجزيرة التي أخلاها الأمريكان من

стр. 22

سنوات ليجربوا فيها تجربة ذرية، وقالوا لأهلها: إننا سنرحّلكم جميعاً بالطيارات ونعطيكم بدل كل ما لكم هنا أكثر منه في أميركا ونسكنكم في بيوت خير من بيوتكم، بشرط أن تقدموا طلباً تربطون به الوثائق المثبتة وأن تستعدوا، فإن الطيارات تأتي تباعاً لنقلكم، فمن دُعي للسفر أجاب حالاً. فانقسموا أقساماً. قسم قالوا: هذا كله كذب ولا يوجد في الكون شيء اسمه أميركا، ليس في الوجود إلا هذه الجزيرة. هذا هو منطق العلم الذي لا يصدق إلا بما يراه ويلمسه، ولو كانت أميركا هذه التي يزعمونها موجودة حقيقة لرأيناها. فقال لهم العقلاء: يا ويحكم! إنكم تضرّون أنفسكم ولا تشعرون، وإنكم جَهَلة وتدّعون العلم، وأغبياء وتزعمون أنكم من أهل الفقه. إنه سيأتي يومٌ تنقلب فيه بلدكم رأساً على عقب وتزلزل زلزالاً. فلم يصدقوا! وقسم قالوا بألسنتهم: صدّقنا، ولكنهم لبثوا على ما كانوا عليه؛ ما فكّروا في الاستعداد للسفر ولا طلبوا تعويضهم عن مساكنهم التي ستدمّر بمساكن أخرى في أميركا، وراحوا يزينون دورهم ويتخذون لها فرشاً جديداً وينقشون جدرانها ويشترون لها اللوحات الفنية ليعلقوها فيها، كأنها باقية لهم، لا يعلمون أن ساعة خرابها آتية قريباً. فقال لهم العقلاء: كيف تقولون بأفواهكم أنكم صدّقتم بأن هذه الجزيرة ستهدم وأن الحياة فيها أصبحت قصيرة، وأن حياتكم الباقية ستكون في أميركا، وأنكم لا تدرون متى تُدعَون إلى السفر، وأنكم حين تُدعَون لا تنتظركم الطيارة دقيقة واحدة،

стр. 23

ثم لا تستعدون للسفر ولا تعملون على الحصول على مساكن في أميركا؟ لقد كذّبتم بفعلكم ما قلتموه بلسانكم، وزعمتم أنكم مصدّقون ولكن تبين أنكم لم تصدقوا. وقسم علموا أن هذه الدار لم تعد دار مُقام وأنها صارت ممرّاً لا مقرّاً، فأحصوا أملاكهم وجاؤوا بالوثائق والبيانات وقدموا طلباً ليأخذوا عوضاً في أميركا، وأطاعوا كل أمر صدر إليهم واتبعوا كل مادة في القانون، ثم حزموا أمتعتهم وأعدوا حقائبهم وقعدوا ينتظرون أن يدعوا ليُلَبّوا. كذلك -يا سادة- مَثَل الدنيا والآخرة (١)؛ فالعاقل مَن استبدل بداره الفانية هذه داراً هناك باقية، وعلم أن الموت يطرقه في كل لحظة فاستعدّ للقائه دائماً، فكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين استثناهم الله من الخَسار بفعل الزمان. * * *

стр. 24

في مطلع العام الجديد بين يدي الله نشرت سنة ١٩٣٩ الآن استهلّ العام الجديد. لقد أوشك فجره الأول أن يطلّ على الدنيا وأنا حانٍ على مكتبي، أفكر منذ ساعات في أشياء لا أستطيع أن أصفها أو أعبّر عنها أو أحصيها، والليل ساكنٌ تتردّد بين جوانحه أنفاسُ السّحَر وأنا أنظر من غرفتي إلى صحن المسجد، مسجد أبي حنيفة في الأعظمية، فأراه مشرقاً بالنور مترعاً بالجلال ولكنه خالٍ من الناس، وأنظر إلى صحن المدرسة، دار العلوم الشرعية، وحديقتها الخالية الحالية بأشجار الموز والنخل والورد، والغرفة بينهما لها إلى كل من الصحنين باب. أريد أن أكتب مقالة العام الجديد فلا تواتيني الأفكار ولا تتوارد عليّ الكَلِم، وصدري أغنى بالمعاني منه في الأوقات كلها، ولكن ازدحام المعاني على الفكر وتكاثرَ الصور في الصدر يعيق المرء عن الكتابة كما تعيقه قلّتها، كالذي يريد أن يملأ الكأس من السبيل إن كان جافاً أو نَزْراً قليلاً لم تمتلئ الكأس، وإن كان الماء يهدر وينحدر بقوة ويتدفق من فم الأنبوب مندفعاً تطاير الماء إلى كل جانب ولكنه لا يستقر في الكأس منه شيء، لأن كل قطرة تطرد أختَها كما تزيح كلُّ فكرة في رأسي الفكرةَ التي قبلها لتحل في مكانها.

стр. 25

ولقد طالما وقفت هذا الموقف ففكرت في الزمان وتفلسفت، وعدت إلى ماضيّ فحزنت وفكرت في المستقبل فأيِست، ثم رأيت ذلك باطلاً كله؛ كله باطل! لا الماضي يعود ولا الحاضر يدوم ولا المستقبل يأتي؛ تفنى اللَّذاذات وتذهب الأحزان، وتمر الأيام بنا في طريق القبر حتى نبلغه، فتكون خاتمة المطاف هذه الآلام التي نودّع بها الدنيا، والتي تنسينا كل لذة وكل متعة استمتعنا بها. ويا ليت الموت هو الغاية! إن الموت بداية لذّة لا آخر لها أو ألم ما له من نهاية. فأين نحن، وفي أي واد من أودية الضلال نتخبط؟ اللهمّ إني أتوجه إليك في هذه الساعة لتصلني بك وتدلّني على الطريق إليك حتى أعرفك، فلقد عرفت أن كل شيء سواك باطل. ما الحياة؟ ما هذه الفترة القصيرة من الزمان السّرمدي؟ وما الزمان في جنب الله الباقي؟ وما الجمال الدنيوي؟ وما الحب الأرضي؟ وما العلم؟ أليس العلم كله إدراك سطر واحد من سفر الوجود وكشف حفنة واحدة من رمال الصحراء؟ فما أجهل العلم إذن بالوجود! وما أحمق العلم حين يرفع رأسه ليتكلم في الموجِد وقد خرس عمّا أوجد، ولينظر إلى الخالق الباقي وقد عمي عن المخلوقات الفانية! وهل عرف العلم من نحن ومن أين جئنا وإلى أين نسير؟ * * * وفكرت في نفسي، وقديماً قال سقراط وكُتبت مقولته على باب المعبد في أثينا: «أيها الإنسان اعرف نفسك»، وجاء في الأثر:

стр. 26

«من عرف نفسه فقد عرف ربه»، وقال الله جلّ مِن قائل: ﴿وَفي أَنْفُسِكُم أَفَلا تُبْصِرون؟﴾. نظرت في نفسي فإذا هي قد كانت قبل أن أكون أنا، فلم أعرف أولها، وكل ما أعلم عنها أني أفقت يوماً من النوم فوجدت طفلاً، أبصرته في المرآة فإذا أنا أحبه أكثر من أبي وأمي، وإذا أنا لا أفارقه أبداً، فسألت: من هذا؟ فضحكوا وقالوا: هذا أنت، هل أنت مجنون؟! وكبر هذا الطفل، أو هذا الذي سمّوه «أنا». ونظرت فإذا أنا لا أدري من أين جاء، فقلت لعلي صنعته أنا وأنا لا أعلم! ولكن هذا الأنا ليس كما أريد أن يكون، لو صنعته أنا لجعلته أبرع جمالاً وأشد قوة وأحدّ ذكاء وأوسع عقلاً. ثم إنه قد وُجد قبل أن أكون أنا وقبل أن أعرفه، وعاش مرحلة في حياته في بقعة لا أعلم شيئاً عنها ولا أصدّق أني كنت فيها. أأنا عشت تسعة أشهر في بطن أمي؟ مستحيل! فمن أين جاء إذن، هل خُلق من غير شيء؟ ونظرت حولي أفتّش عن هذا الخالق، فرأيت ناساً مثلي، وما هؤلاء بخالقين لأنهم يحتاجون إلى مَن يخلقهم وحالهم كحالي. ورأيت جبالاً وبحاراً وكواكب، ولكن ذلك كله جامد لا حياة فيه، فهل يمنحني الحياة وهو لا يملكها؟ هذه هي الطبيعة فهل تخلق الطبيعة شيئاً؟ ثم إن معنى «الطبيعة» -كما تعلمتُ بَعدُ- أنها «مَطبوعة»، فأين الطابِع؟ فتّشت عنه فإذا الإيمان به في أعماق نفسي، لا أدري من

стр. 27

أين دخل إليها، ولعله مِن وَضْع الخالق الذي وضع السمع والبصر في الوجه والقلب في الصدر والعقل في الرأس. ووجدتني أعود في ساعات الشدة إلى الخالق الذي يَرى ولا يُرى، أرجوه وأخافه وأسأله وأعوذ به. ووجدتني أعتقد أنه لا يشبه شيئاً مما أرى ولا يحدّه مكانٌ ولا زمان، لأن الزمان والمكان مخلوقات هو خالقها، وأنه قديمٌ باقٍ متّصفٌ بكل كمال مطلق منزَّه عن النقائص كلها. فآمنت به إيماناً لا يزعزعه -بحمد الله- شك. * * * ولكني لبثت أسأل نفسي: لماذا خُلقت؟ وهل الحياة «تكليف» عليّ أن أحمله أو أن لي الحق بالتخلي عنها وطرحها؟ فقالت النفس: بل عليك أن تحملها؛ إنك لست مالك نفسك ولا أنت موجدها، وإنما هي وديعة في يدك، يكافئك صاحبها إن استعملتَها في الذي خلقها له، ويعاقبك إن اتخذتها وسيلة إلى لذتك وأطعت فيها هواك وحِدتَ بها عن سبيلها. قلت: فما هي الغاية من الحياة؟ أهي الأكل والشرب واللذة؟ قالت النفس: لا، هذه أسباب الحياة بها تقوم وتبقى وليست هي الغاية منها. قلت: أفخدمة الناس ونفع البشر، وأن أتخذ فيهم حسناً وأبقي فيهم ذكراً، هي غاية الحياة؟ قالت: لا، إن الناس لا يمكن أن يحيوا للناس، وما خدمة البشر إلا عرَض من أعراض الحياة وليست بجوهرها؛ إن المسافر يحرص على راحته في سفره،

стр. 28

فيتخذ خير المركبات ويبتغي أطايب الزاد ويصحب خير الرفاق، ولكن للمسافر وراء ذلك كله غايةً من سفره، والحياة سفر. فإلى أين المسير؟ قلت: لا أدري. قالت: أعوذ بالله! وهل يتميز الإنسان من الحيوان إلا بأنه يدرك غاية الحياة؟ أمّا مَن يأكل كما تأكل الأنعام ويشرب كما تشرب ويلد كما تلد، فهو مثلها أو أضلّ منها سبيلاً، وإن عاش في باريس أو نيويورك! قلت: فخبريني أنت ما هي الغاية؟ قالت: لو سألتَ الجَنين في بطن أمه -وكان قادراً على الفهم والإجابة- ما هي دنياك وما هي حياتك وما غاية الحياة، لقال لك إن دنياه هذه الأحشاء الضيقة وهذه الظلمة المستمرة، وإن حياته هذه الجلسة المتعِبة وهذا السكون الدائم، وإن غايته ... ليس يدري ما غايته! ولو أفهمتَ هذا الجنين أن هنا دنيا واسعة فيها شمس وقمر وفضاء رحب وبحر وسماء، وأن غايته أن يبلغها وأنه سيعرفها ويراها حقاً، لو أفهمته هذا لكذّبك وأعرض عنك، لأنه لا يستطيع أن يتخيل إلا ما هو فيه ولا يقدر أن يتصور ماذا يكون البحر والشمس والقمر. فإذا جاء إلى الدنيا وصار رجلاً نسي حياته الأولى وكذّب بها وقال: إنْ هي إلا دنيا فيها نموت ونحيا. فإذا خبّره الرسول أن هناك حياة أخرى، حياة ثالثة، وأنها هي دار البقاء، وأن فيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذُنٌ سمعت ولا خَطرَ على قلب بشر، وأن غايته بلوغ تلك الحياة في طاعة الله وعبادته، إذا خُبِّر بهذا كذّب به كما كذّب ذلك الجنينُ. أفتكذب أنت بذلك؟ قلت: لا.

стр. 29

قالت: فتلك -إذن- غايةُ الحياة؛ أن تتصل بالله وتعبده، وأن تُعِدّ نفسَك لحياة الخلود. * * * وعادت النفس تقول: إن غاية الحياة تتحقق كلها في الصلاة؛ فالصلاة اتصال بالله واستعداد لحياة الخلود، ثم إنها لذة لا تعدلها -إذا أقيمت على وجهها- لَذّةٌ من لذائذ الدنيا، وهي راحة للنفس ومتعة وليست تكليفاً شاقاً ولا «مهمة» صعبة. وليست الصلاة ركوعاً وسجوداً ورياضة، فإن ذلك جسمها. والجسم لا يقوم إلا بالروح، فإذا خلت منها الصلاة كانت صلاة ميتة لا تنهى عن فحشاء ولا منكر ولا تُشعِر بلذة. أما روح الصلاة فهي أنك إذا طهّرت أعضاءك بالماء طهّرت نفسَك بالتوبة، وذلك هو الوضوء الحق. وإذا قمت إلى الصلاة وقلت «الله أكبر» خرجتَ من دنياك وارتفعت عنها كمَن يرتفع في طيارة حتى تراها -كما هي في الحقيقة- ذرّة صغيرة تافهة، ولم تخشَ عدواً، ولا شغلك حبُّ حبيب ولا ملأ نفسَك همّ ولا غم ولا لذة ولا متعة، لأنك تتوجه إلى الله، والله أكبر من ذلك كله وبيده كل شيء، فأنت كمَن يتصل بالوزير أو الحاكم المطلق (ولله المَثَل الأعلى)، فهل يفكر بين يديه بحاجة له عند موظف صغير ويشتغل بذلك عن حديث الحاكم أو الوزير؟ فالصلاة تحقيق لغاية الحياة وحياةُ لحظات في «الحياة الأخرى». وهي اللذة التي لا تقدر لغات البشر على وصفها، ولكن الناس يرون منها بُروقاً خاطفة في ساعة من ساعات السحَر،

стр. 30

ولحظة من لحظات العبادة، أو سكرة من سكرات الحب، أو عندما يسمعون نغمة أو يقرؤون شعراً. هذه اللحظات هي التي تدلنا على ذلك العالَم، هي أشعة ضئيلة من ذلك النور الباهر، تُذيق النفسَ حلاوة الآخرة في الدنيا لتسعى لها وترغب فيها. قابل بين هذه اللذائذ الروحية وبين اللذاذات المادية. الطعام والشراب؟ إنك لتشبع فتصير لذة الطعام في نظرك صفراً. والنساء؟ إنك لتتصل بهن حتى تأتي عليك ساعات وهن أبغض إليك من كل شيء. على أن هذه الصلة لا تروي غليلاً ولا تُشبع للنفس جوعاً. فيا بؤس مَن قنعَ بالحياة المادية وحُرم من لذائذ الروح! ويا ويح من يكفر بما وراء المادة وما بعد الحس، يا ويحه! أليس في أثناء نفسه ذكرى؟ أما فيها أمل؟ أليس بين جنبيه روح؟ فكيف ينكر روحه وأمله وذكراه؟ أيجحد ما دليله في نفسه؟ ﴿أفَلا تُبْصِرون﴾؟ * * * وكان الفجر يؤذن فخرجت إلى المسجد. وللمسجد في ساعة الفجر روعة وجلال وأثر في النفس لا يدركه البيان، ولمسجد أبي حنيفة أوفرُ نصيب من ذلك. وأشهد أني لم أجد في بغداد كلّها مكاناً أحسّ فيه الاطمئنان وأشعر فيه بالخشوع والتجلي كهذا المسجد؛ لا لمكان أبي حنيفة منه، فإن أبا حنيفة لا يضرّ ولا ينفع، ولا يكون مؤمناً من يرى فيه ذلك أو يتخذ من قبره صنماً يعبده ويتمسح به. ولكن الله قد خصّ هذا المسجد بهذه الروح لإخلاص أبي حنيفة الإمام الأعظم، وعلمه وأثره في الفقه

стр. 31

الإسلامي وإجماع المسلمين على محبته وإجلاله. هنالك عرفت الحقيقة الكبرى في الحياة. فلن أسأل بعد اليوم: لماذا خُلقت؟ ولن أعيش في حيرة. فيا ربِّ لا تُنسني هذه الحقيقةَ بتُرّهات العيش وأحلام الأدب وضلالات العلم. إن هذه الحقيقة شمس ساطعة، ولكنّ سحابة صغيرة قد تحجب الشمس عن عينيّ الضعيفتين. اللهمّ إني قد فرغت (أو كدت) من الشهوات، فهَب لي الخلاص من غرور الفكر، فإن ذلك أشدّ عليّ. اللهمّ لك الحمد، وإليك المآب، وأنت الحي الباقي، فصِلْنا بك ودلّنا على الطريق إليك. بغداد (الأعظمية) * * *

стр. 32

حيّ على الصلاة نشرت سنة ١٩٦٤ قرأت مرة قصة لكاتب فرنسي لست أذكر الآن مَن هو كتاباً يؤرخ فيه رحلةً له في الصحراء الكبرى جنوبي الجزائر، صَحِبَ فيها قافلة عربية يقول عن أهلها أنهم كانوا جِنّاً على صورة بني آدم، يُتعبون ولا يَتعبون لا يستريحون ولا يُريحون، لا يسلكهم نظامٌ ولا يُخضعهم قانون، كل فرد منهم أمة وكل واحد فيهم رئيس. وكان يومُ التحاقه بالقافلة يوماً مجنون الرياح ثائر العواصف، تكاد ريحه تقتلع الخيام بمن فيها وتحمل السيارات الثقال وتلقيها. ثم كان المشهد الذي أدهشه وأعجبه وبلغ إعجابه به حداً سجل وصفاً له، أذكر أنه كان غاية في الدقة وفي الجمال،?يقول: ما هي إلا أن أذّن مؤذن منهم: «حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح» حتى هدأت ثورة هذه النفوس وذهبت تلك الفوضى وسكت ذلك الضجيج، ورجع هؤلاء الجن بشراً من أفضل البشر، ثم وقفوا صفاً واحداً كأنه صف الجند ساعة التدريب، لا ترى منهم إلا الطاعة لقائدهم ولا تجد منهم إلا الاستقامة والامتثال، يسمعون الإيعاز (التكبير) فيتحركون جميعاً بحركة الإمام. لا تميل

стр. 33

بهم الرياح، رياح الصحراء الكبرى ولا تحركهم، فكأنهم آلة ضخمة في معمل كبير! * * * ذكرت هذا الوصف وأنا قائم من عشرين يوماً في آخر جمعة من رمضان على سطح الرّواق الجديد للحرم المكي، أرى صفوف المصلين تحفّ بالكعبة، تتحرك كلها بحركة الإمام، فكأنها -كما قال الكاتب الفرنسي- آلة ضخمة يحركها الإمام. وقد حركت يوماً الدنيا كلها. لقد وقف رجال القافلة التي صحبها الكاتب صفاً واحداً رآه الكاتب متعجباً فوصفه معجباً، وأنا أرى هذه الصفوف في الحرم وهي تتعاقب دوائر من حول الكعبة تتسع وتكبر كلما نأت عنها، حتى ملأت الحرم كله وبلغت جدرانه، ثم تجاوزته إلى بيوت مكة وشعابها، ثم إلى الجبال والبوادي من حولها، ثم تتسع حتى تبلغ أطراف الجزيرة، ثم تتسع حتى تَطيف بالأرض جميعاً. دوائر وسط دوائر وصفوف وراء صفوف مركزها البيت الحرام، لا تمنعها الجبال ولا البحار ولا الصحارى ولا القفار أن تتوجه إلى هذه البيت من كل مكان، حتى تطيف به من كل جانب، من الشرق والغرب والشمال والجنوب. من الصحراء الكبرى وأقصى المغرب إلى قلب إفريقيا، إلى أقاصي جزر أندونيسيا، إلى الثلوج المتراكمة على قمم جبال الأفغان وتركستان، إلى كل أرض يُتلى فيها القرآن ويُصدَح فيها بالأذان.

стр. 34

هذه الصفوف التي بدأت «قائمة» للصلاة، ثم تابعت «ماشية» إلى المعارك الخيّرة العادلة المنصورة، ثم «قعدت» في صدور مجالس الحكم والعلم على رؤوس الممالك والإمارات وكراسي المدارس والجامعات، فكان من أهلها أعدل حاكم وأفضل معلم. ثم تعبت «فنامت»! لقد مرّ بها ليلٌ طويل بعد ذلك النهار الحافل بالأعمال الجِسام، ولكنّ ليلَها بدأ يتصرّم وفجرها قد لاح؛ لقد طلع الآن الفجر الأول الذي يصحو فيه النائم، ولكن لا تصحّ فيه الصلاة إلا أن تكون صلاة التهجد قبل الفجر. لقد ظهرت خيوط من النور تمتد من الأفق إلى الأعالي، وسيأتي بعدها الفجر الصادق ويمتلئ الأفق بالضوء وينادي المنادي «الصلاة خير من النوم»، فتنهض لتجدد المسيرة الخيّرة ولتكتب في تاريخ المفاخر والأمجاد صفحة كالصفحة التي كتبها الأجداد. لقد كنا في الزمن الأول كما قال شوقي في الزمن الأخير: وإذا أتَوْنا بالصّفوفِ كثيرةً ... جئنا بصَفٍّ واحدٍ لن يُكسَرا صف واحد لا صفوف شتى، صف واحد له وجهة واحدة وله قائد واحد، هو سيد العرب، بل سيد العالم، بل خاتم الأنبياء رسول الله ﷺ ، وله منهج واحد هو كتاب الله. لقد كنا نياماً فصحونا، فإذا شئتم أن تجعلوا هذه الصحوة صادقة مستمرّة لا صحوة عارضة نعود بعدها إلى المنام، وإذا صدقتم العزم على أن تجددوا المسيرة، فهذا هو الطريق. * * *

стр. 35

فيا أيها المسلمون، لا تصرفكم عن الطريق الصحيح صُوَىً (١) كاذبة ولا لوحات مزورة، فالطريق لَحْب (٢) واضح، مشينا فيه أول مرة فوصلنا، فإن ضللنا عنه أو بدّلناه لم نصل أبداً. الطريق الذي خطّه وحدّ حدودَه اللهُ وبين مبتدأه ومنتهاه هو طريق الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، يبدأ بالصلاة وربط القلب بالله وينتهي بربط القلب بالله وبالصلاة، جمع الله به بين المسجدين فلا يُفَكّ رباطهما أبداً؛ إنه لا سبيل إلى تحرير القدس إلا إن سرتم على هذا الطريق، من هنا من حول هذا البيت الذي لبس من الديباج ثوباً أسود، لا من البيت الأبيض وراء البحر في الغرب ولا من البيت الأحمر في الشرق. لقد كانت القافلة تعرف طريقها، يقودها دليلها ويحدو بها حاديها، فلما صحونا بعد نومتنا وجدناها تمشي على ضلال، قد ملّ الحادي وحار الدليل. كنا نعرف منتهانا لأننا عرفنا مبتدانا، إن النهاية هي النصر المؤزَّر إن كانت البداية من الصلاة القائمة. الذين بدؤوا بالصلاة قياماً بين يدي الله وقاتلوا جهاداً في سبيل الله يطلبون النصر من عند الله، فيكون الله ناصرهم. ومن يقاتل لغير الله، للقومية وحدها أو للوطنية، أو لما شئتم أو شاؤوا من المبادئ والمذاهب التي لم ينزل بها كتاب ولم يُبعث بها رسول، فممّن -لعمري- يطلبون النصر إن لم يطلبوه من الله؟

стр. 36

لما أهوى المسلمون الأولون بجباههم إلى الأرض، حيث تطأ النعال خضوعاً لله، جعل الله رؤوس الجبّارين تنحني خضوعاً لهم وتيجانَ الحكام تتهاوى على نعالهم، وجعلهم بالإسلام سادة الدنيا وأساتذتها. إن الله أعز العرب بالإسلام، فإن ابتغوا العزة بغيره ذلّوا. الإسلام الذي تخطى كتابُه فوارق الألوان والألسن والبلدان، الإسلام الذي يقسم الناس إلى قسمين فقط: الذين آمنوا، والذين كفروا. لم يقسمهم إلى عرب وعجم، ولا إلى أغنياء وفقراء، ولا إلى سادة وعبيد، ولا إلى برجوازيين وبروليتاريين؛ فكان الفضل عنده بالتقوى وحدها، أي بالمزية الشخصية التي يستطيع مَن شاء اكتسابها، على حين يتفاضل الناس بالأحساب والأنساب والمناصب والأموال. ولئن كان من ندعوهم بالمتمدنين يثيرون اليوم مشكلة الأجناس أو يتمسك فريق منهم بفوارق الألوان، فلقد جاء الإسلام بعبد أسود وهو بلال الحبشي فجعله وزير الدعاية لأول حكومة إسلامية. وهل المؤذّن إلاّ وزير الدعاية يعلن مبادئ الإسلام كل يوم خمس مرات؟ فقضى بذلك على فوارق الألوان. وعمد محمد ﵊ إلى الرجل الفارسي، فلم يكفِه أن جعله من السادة بعد أن كان عبداً مملوكاً حتى أصدر قراراً ضمّه به إلى بيت النبوة، فقال: «سلمان منا أهلَ البيت»، فقضى بذلك على فوارق الجنسيات. * * *

стр. 37

إني أرى هذه الصفوف قد قامت من جديد لتعيد زحفها الخيّر مرة ثانية. ألا ترونها واقفة لا تحركها الرياح؛ لا رياح الفلوات ولا رياح المطامع والشهوات؟ لقد استوى فيها الحاكم والمحكوم، والملوك والسّوقة، والأغنياء والفقراء. لقد طالما رأيت بين المصلين ملوكاً ورؤساء ووزراء يَقدُمون حجاجاً أو معتمرين، نستنزلهم من طيّاراتهم التي كانوا يضربون بها في طباق الجو، يعلون بها السحاب حيث لا يبلغ نسر ولا عقاب، فلا نجد في الإكرام لهم عندنا ولا ما هو أحب إليهم منا من أن نقول لهم: انزعوا عنكم ثياب الدنيا التي ترتدونها كما يرتديها الناس، ثياب التفاخر والتكاثر، فما ها هنا مجال لتفاخر ولا لتكاثر، وارتدوا ما يستر الأجساد ويدفع حر الصيف وبرد الشتاء: الإزار والرداء. ثم نقول لهم: طوفوا حول هذا البيت مع الطائفين وادخلوا في هذه الصفوف مع المصلين، فمن هذه البقعة المباركة نبَعَ الخير الذي سالت به الجداول والأنهار حتى عمّ الأرضَ كلها بالخصب والنماء، ومن هنا، من جبل قريب، خرج النور الذي أزاح عن الدنيا ظلمات الشرك والجهل والخرافة ودلها على طريق العقل والحضارة والمدنية والعلم. إن هذه القَفْرة التي ما فيها إلا الصخر والرمل هي التي ولدت جنات الغوطة وبساتين العراق، ومصر التي كان يدعوها أهلها أم الدنيا. ومن قبل، من عشر سنين، كنت في الباكستان لمّا زارها الملك العربي السعودي المسلم، فلم يجدوا أبلغ في تكريمه من أن يدعوه ليؤمّ المصلين ويضع جبينه معهم على الأرض. ولم يكن في كراتشي يومئذ مسجد يتّسع لهذه الخلائق التي لا يحصيها العدّ

стр. 38

ولا يدرك آخرَها البصرُ، فجمعوهم في الميدان الكبير الذي كانوا يلعبون فيه البولو (١)، لم تمنعهم صلابة الأرض ولا حرارة الشمس من أن يملؤوها وأن يقوموا فيها صفوفاً بين يدي الله، كصفوفهم حينما يقفون للقتال جهاداً في سبيل الله. وحين يستشعر المسلم العبودية لله والذلة بين يديه يعطيه الله السيادة في الدنيا والعزّ في الأرض، ولا تذل هذه الجباه إلا لله وحده لأن الذُّل لله عزّ. * * * فإذا أردتم -وقد صحوتم هذه الصحوة المباركة- أن يعود لكم النصر الذي كان لأجدادكم فاسلكوا طريقه، فإن مَن لا يسلك الطريق لا يبلغ الغاية، وادخلوه من بابه، فإن من أخطأ الباب لم يصل إلى المحراب. ابدؤوا جهادكم في فلسطين (وفي غير فلسطين) بالصلاة. ألا ترون موقفنا مع اليهود، وهم أذل الأمم وهم أقل الأمم؟ لا تقولوا إنها تمدّهم أميركا، فإن أميركا لمّا وقف أمامها الفيتناميون يقاتلونها بإيمان (وإن كانوا يؤمنون بالجبت والطاغوت لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) لم تقدر أن تخضعهم بسلاحها. يا أيها الناس، إن الذي يقاتل عن إيمان لا يمكن أن يُغلَب، فكيف إن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر؟ فكيف إن كان الناس يخافون الموت وكان هو يطلب الموت لأنه يرى في الموت الحياة الدائمة الباقية؟

стр. 39

فاستبشروا -يا أيها المسلمون- بالنصر ما بقيت هذه الصفوف قائمة، يقودها الإمام ويسودها النظام، قانونها الإسلام، وشعارها دائماً: إلى الأمام. إن هذه الصفوف إذا عرفت كيف «تقوم» هنا حقاً، وربط أصحابها قلوبَهم بالله حقاً، وجاهدوا في سبيله حقاً، عرفت كيف «تسير» مرة ثانية إلى مرابع النصر ومراتع الفخر، وعرفت كيف «تقعد» مرة ثانية في الصدر، فيكون لها النهي والأمر ويكون لها عز الدهر. * * *

стр. 40

من رَوض النبّوة حديث أذيع من إذاعة دمشق سنة ١٩٦١ قال المذيع إنكم ستسمعون الآن حديثاً اجتماعياً للأستاذ علي الطنطاوي، وقد أصاب في هذا القول وأخطأ فيه؛ أصاب إذ وصفه بأنه حديث اجتماعي، وإن كان الحديثُ الذي ستسمعونه اليومَ من النمط العالي الذي لم يجِئ بمثله كاتب، لا من العرب ولا من غير العرب، وهو صادر عن فكر لا تدانيه ولا تقاربه أفكار الفلاسفة والعلماء، لا من العرب ولا من غير العرب. وأخطأ إذ نسبه إليّ، فليس حديث اليوم لي، ولا أقدر أن آتي بمثل هذا الحديث المُعجِز. إنه حديث لعظيم إذا قيس به العظماء عادوا وكأنهم من الدّهماء، كالشمس إن بارَتْها المصابيحُ غدت من نورها في ظلماء. إنه حديث سيد الرسل وخاتم الأنبياء، محمد بن عبد الله ﷺ . إن حكمة الحكماء -يا سادة- فكر ليس فيه روح من عاطفة، وأخْيِلَة الشعراء عاطفة ليس لها عماد من فكر. والنمط المفرد من الكلام هو الذي ستسمعونه اليوم، وهو الذي يسوق لك القضية العقلية المسلَّمة في الثوب العاطفي البارع، تستشرف له النفس فتقبله وتألفه، ويرضاه العقل فيؤمن به ويتبعه، وهو -فوق ذلك-
следующие страницы →