← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1791

نور وهداية

علي الطنطاوي

Полный текст (264 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لما أهوى المسلمون الأولون بجباههم إلى الأرض، حيث تطأ النعال خضوعاً لله، جعل الله رؤوس الجبّارين تنحني خضوعاً لهم وتيجانَ الحكام تتهاوى على نعالهم، وجعلهم بالإسلام سادة الدنيا وأساتذتها. إن الله أعز العرب بالإسلام، فإن ابتغوا العزة بغيره ذلّوا. الإسلام الذي تخطى كتابُه فوارق الألوان والألسن والبلدان، الإسلام الذي يقسم الناس إلى قسمين فقط: الذين آمنوا، والذين كفروا. لم يقسمهم إلى عرب وعجم، ولا إلى أغنياء وفقراء، ولا إلى سادة وعبيد، ولا إلى برجوازيين وبروليتاريين؛ فكان الفضل عنده بالتقوى وحدها، أي بالمزية الشخصية التي يستطيع مَن شاء اكتسابها، على حين يتفاضل الناس بالأحساب والأنساب والمناصب والأموال. ولئن كان من ندعوهم بالمتمدنين يثيرون اليوم مشكلة الأجناس أو يتمسك فريق منهم بفوارق الألوان، فلقد جاء الإسلام بعبد أسود وهو بلال الحبشي فجعله وزير الدعاية لأول حكومة إسلامية. وهل المؤذّن إلاّ وزير الدعاية يعلن مبادئ الإسلام كل يوم خمس مرات؟ فقضى بذلك على فوارق الألوان. وعمد محمد ﵊ إلى الرجل الفارسي، فلم يكفِه أن جعله من السادة بعد أن كان عبداً مملوكاً حتى أصدر قراراً ضمّه به إلى بيت النبوة، فقال: «سلمان منا أهلَ البيت»، فقضى بذلك على فوارق الجنسيات. * * *

стр. 37

إني أرى هذه الصفوف قد قامت من جديد لتعيد زحفها الخيّر مرة ثانية. ألا ترونها واقفة لا تحركها الرياح؛ لا رياح الفلوات ولا رياح المطامع والشهوات؟ لقد استوى فيها الحاكم والمحكوم، والملوك والسّوقة، والأغنياء والفقراء. لقد طالما رأيت بين المصلين ملوكاً ورؤساء ووزراء يَقدُمون حجاجاً أو معتمرين، نستنزلهم من طيّاراتهم التي كانوا يضربون بها في طباق الجو، يعلون بها السحاب حيث لا يبلغ نسر ولا عقاب، فلا نجد في الإكرام لهم عندنا ولا ما هو أحب إليهم منا من أن نقول لهم: انزعوا عنكم ثياب الدنيا التي ترتدونها كما يرتديها الناس، ثياب التفاخر والتكاثر، فما ها هنا مجال لتفاخر ولا لتكاثر، وارتدوا ما يستر الأجساد ويدفع حر الصيف وبرد الشتاء: الإزار والرداء. ثم نقول لهم: طوفوا حول هذا البيت مع الطائفين وادخلوا في هذه الصفوف مع المصلين، فمن هذه البقعة المباركة نبَعَ الخير الذي سالت به الجداول والأنهار حتى عمّ الأرضَ كلها بالخصب والنماء، ومن هنا، من جبل قريب، خرج النور الذي أزاح عن الدنيا ظلمات الشرك والجهل والخرافة ودلها على طريق العقل والحضارة والمدنية والعلم. إن هذه القَفْرة التي ما فيها إلا الصخر والرمل هي التي ولدت جنات الغوطة وبساتين العراق، ومصر التي كان يدعوها أهلها أم الدنيا. ومن قبل، من عشر سنين، كنت في الباكستان لمّا زارها الملك العربي السعودي المسلم، فلم يجدوا أبلغ في تكريمه من أن يدعوه ليؤمّ المصلين ويضع جبينه معهم على الأرض. ولم يكن في كراتشي يومئذ مسجد يتّسع لهذه الخلائق التي لا يحصيها العدّ

стр. 38

ولا يدرك آخرَها البصرُ، فجمعوهم في الميدان الكبير الذي كانوا يلعبون فيه البولو (١)، لم تمنعهم صلابة الأرض ولا حرارة الشمس من أن يملؤوها وأن يقوموا فيها صفوفاً بين يدي الله، كصفوفهم حينما يقفون للقتال جهاداً في سبيل الله. وحين يستشعر المسلم العبودية لله والذلة بين يديه يعطيه الله السيادة في الدنيا والعزّ في الأرض، ولا تذل هذه الجباه إلا لله وحده لأن الذُّل لله عزّ. * * * فإذا أردتم -وقد صحوتم هذه الصحوة المباركة- أن يعود لكم النصر الذي كان لأجدادكم فاسلكوا طريقه، فإن مَن لا يسلك الطريق لا يبلغ الغاية، وادخلوه من بابه، فإن من أخطأ الباب لم يصل إلى المحراب. ابدؤوا جهادكم في فلسطين (وفي غير فلسطين) بالصلاة. ألا ترون موقفنا مع اليهود، وهم أذل الأمم وهم أقل الأمم؟ لا تقولوا إنها تمدّهم أميركا، فإن أميركا لمّا وقف أمامها الفيتناميون يقاتلونها بإيمان (وإن كانوا يؤمنون بالجبت والطاغوت لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) لم تقدر أن تخضعهم بسلاحها. يا أيها الناس، إن الذي يقاتل عن إيمان لا يمكن أن يُغلَب، فكيف إن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر؟ فكيف إن كان الناس يخافون الموت وكان هو يطلب الموت لأنه يرى في الموت الحياة الدائمة الباقية؟

стр. 39

فاستبشروا -يا أيها المسلمون- بالنصر ما بقيت هذه الصفوف قائمة، يقودها الإمام ويسودها النظام، قانونها الإسلام، وشعارها دائماً: إلى الأمام. إن هذه الصفوف إذا عرفت كيف «تقوم» هنا حقاً، وربط أصحابها قلوبَهم بالله حقاً، وجاهدوا في سبيله حقاً، عرفت كيف «تسير» مرة ثانية إلى مرابع النصر ومراتع الفخر، وعرفت كيف «تقعد» مرة ثانية في الصدر، فيكون لها النهي والأمر ويكون لها عز الدهر. * * *

стр. 40

من رَوض النبّوة حديث أذيع من إذاعة دمشق سنة ١٩٦١ قال المذيع إنكم ستسمعون الآن حديثاً اجتماعياً للأستاذ علي الطنطاوي، وقد أصاب في هذا القول وأخطأ فيه؛ أصاب إذ وصفه بأنه حديث اجتماعي، وإن كان الحديثُ الذي ستسمعونه اليومَ من النمط العالي الذي لم يجِئ بمثله كاتب، لا من العرب ولا من غير العرب، وهو صادر عن فكر لا تدانيه ولا تقاربه أفكار الفلاسفة والعلماء، لا من العرب ولا من غير العرب. وأخطأ إذ نسبه إليّ، فليس حديث اليوم لي، ولا أقدر أن آتي بمثل هذا الحديث المُعجِز. إنه حديث لعظيم إذا قيس به العظماء عادوا وكأنهم من الدّهماء، كالشمس إن بارَتْها المصابيحُ غدت من نورها في ظلماء. إنه حديث سيد الرسل وخاتم الأنبياء، محمد بن عبد الله ﷺ . إن حكمة الحكماء -يا سادة- فكر ليس فيه روح من عاطفة، وأخْيِلَة الشعراء عاطفة ليس لها عماد من فكر. والنمط المفرد من الكلام هو الذي ستسمعونه اليوم، وهو الذي يسوق لك القضية العقلية المسلَّمة في الثوب العاطفي البارع، تستشرف له النفس فتقبله وتألفه، ويرضاه العقل فيؤمن به ويتبعه، وهو -فوق ذلك-

стр. 41

واضح بيّن يفهمه العامي الذي لم يطلب علماً ولم يَروِ أدباً، ويعجز عن مثله العالم والأديب. وإذا كان في توقيعات الخلفاء وأمثال الأدباء والقليل المتخيَّر من الكلام نفحة من هذا الأريج ووهج من هذه الشمس، فإننا نقرأ ذلك لمتعة البلاغة وهزّة البيان، وفي بلاغة رسول الله ﷺ شيء أكبر من البلاغة والبيان؛ هي أنها قانونٌ مَن عَمِلَ به نال سعادة الدنيا والأخرى. وبعد، فهاكم زهرات قليلة من ذلك الروض المُمرِع. * * * هذه كلمة واحدة جمعت الدين والخلق والتهذيب والأدب، فمَن ذكرها دائماً وعمل بها كان مَرضِيّاً عند الله مُقدَّماً بين الناس، هي قوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه» (١). فتصور نفسك دائماً في موضع مَن تعامله، وانظر ماذا تحب أن تعامَل به فعامله بمثله. إذا كنت بيّاعاً فتصور أنك أنت المشتري وأنك لا تحب أن تُخدَع ولا أن تُغبَن، فلا تخدع المشتري ولا تغبنه. وإذا كنت قوياً فتصور أن الذي أمامك هو أقوى منك، فعامل الضعيف بمثل ما تحب أن يعاملك به القوي. * * *

стр. 42

وهذه كلمة فيها الدين كله، وهي موعظة جمعت المواعظ كلها والتقت فيها طرق الخير جميعاً، وهي قوله ﷺ : «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). فمن كان يرى أمامه شيخه الذي يُجلّه أو أباه الذي يوقّره، هل يأتي المنكرات والحماقات؟ وهل يستطيع أن يسرق أو يزني مَن يعلم أن شيخه أو أباه ينظر إليه من نافذته ليرى ما يصنع؟ فكيف يقصّر في فريضة أو يُقدِم على محرَّم أو يَعمد إلى ظلمٍ مَن يعلمُ أن الله ﷻ مطّلع عليه وأنه يراه؟ ولذلك جاء في الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٢). * * * وكن قوياً لا تكن ضعيفاً، وكن معطياً لا تكن آخذاً، وكن غالباً أو عافياً لا تكن مغلوباً أو مَعفُوّاً عنه؛ فإن القوة هي جمال الرجل، لا جمال في الرجل إلا بالقوة: قوة الجسد، وقوة الفكر، وقوة المال، وقوة اللسان. وقد جمع فلسفةَ القوة كلها حديثٌ واحد في ست كلمات، وعرضها في صورة ملموسة لا في فكرة غامضة، هو قوله ﷺ :

стр. 43

«اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى» (١). وإذا كان الحديث الماضي دستوراً للفرد فهذا الحديث دستور للفرد وللجماعة وللواحد وللدولة. * * * والناس يتحاسدون في الغنى وفي الجاه: ترى من هو أغنى منك أو أوجه فتغبطه ترجو أن تكون مثله، وربما حسدتَه فتمنيت أن تكون أنت مكانه. فبيّن الرسول ﷺ أن هذا كله أقل من أن يُحسَد عليه، كله لا قيمة له، لا المال ولا الجاه، والحسد شر كله، فإن جاز يوماً فإنما يجوز في إحدى منزلتين: منزلة الغنيّ الذي يجود بماله في الخيرات، في الصدقات وأعمال البِرّ، ومنزلة العالِم الذي يعلّم الناس ما ينفعهم عند ربهم، أو يكون قاضياً فيقضي بينهم بعلمه قضاء الحق. قال ﷺ : «لا حسد (أي لا غبطة) إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلّطه على هَلَكَته بالحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» (٢). * * *

стр. 44

إن المرء لا يعرف قَدْر الصحة إلا عند المرض، فإذا مرض وعجز عن العمل نظر بعينيه وتحسّر وقال: آه، يا ليتني عملت وأنا صحيح! وإذا كثرت عليك الأشغال وضاق الوقت تمنيتَ أن تجد زيادة ساعة ولو دفعت ثمن كل دقيقة ليرة! يعرف هذا التلميذُ الذي تأتيه ساعةُ الامتحان ولا يزال عليه مئة صفحة من الكتاب، والمتعهد الذي تأتيه ساعةُ التسليم ولا يزال عليه إنجاز شيء من العمل، والمسافر المضطر الذي يصل إلى المطار بعدما طارت الطيّارة بخمس دقائق. بل ربما بلغ ثمن الدقيقة في تقدير الإنسان مئة ألف ليرة، كالوالد الذي يحمل العفو لولده المحكوم فيجد أن حكم الموت قد نُفِّذ فيه منذ دقيقة واحدة! وإذا كان معك المال الوفير فبذّرته وأضعته ثم احتجتَ إلى القليل فلم تجده، قعدتَ متحسراً. وإذا أدركك المشيب فعجزت وضعفت أسفت على أيام الشباب وتمنيت لو كنت صنعت فيها ما تتمنى الآن عمله وتعجز عنه. ثم إذا كان الموت، وطُوَيت صفحات الأعمال، ووجدتَ عِظَم ثواب الحسنات وعظم عقاب السيئات، تمنيت أن تسبّح تسبيحة واحدة أو تصلي ركعة فلا تستطيع. لقد جمع هذه المعاني كلها حديث واحد، حديث أرجو أن يكتبه كل واحد منكم بالخط الجميل ثم يعلقه في صدر مجلسه لينظر فيه دائماً ويجعله دستوراً له: «اغتنم خمساً قبل خمس؛ صحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك،

стр. 45

وشبابك قبل هَرَمك، وحياتك قبل موتك» (١). لا تضيّعْ أيام الصحة بالكسل ثم تأسى في المرض على العجز عن العمل. ولا تضيّع أوقات الفراغ باللهو والعبث ثم تبكي عليها إذا ازدحمت عليك الأشغال وضاقت الأوقات. ولا تبذّر أيام غناك، تنفق المال في غير مواضعه، ثم تُمضي الليالي متحسراً عليه أيام الحاجة. ولا تضيع شبابك وقواك في الفسوق والعصيان، فإذا انحنى ظهرك ورقّ عظمك وركبتك الأمراض قلت: يا ليت الشباب يعود! وهل رأيت شباباً عاد؟ كلا، إنه لا يعود الشباب إذا ولّى ولكن يبقى إذا لم تقتله بالمعاصي. وإنك لترى الرجل تحسبه في الستين وما جاوز الأربعين، وآخر تظنه ابن أربعين وهو في الستين. وما ذاك إلا لأن العفافَ والتقوى يحفظان على الرجل شبابه والفسوقَ والعصيان يهدمانه قبل أوان الهدم. وهذه مكافأة عاجلة في الدنيا، فكيف بالمكافأة الكبرى في الآخرة؟ فلا يغترّ الشاب الذي يركب هواه باللذة العاجلة، ولا يأسف الشاب التقي الذي فاتته هذه اللذات، فإنه لا خير في لذة ساعة وراءها عذاب الدنيا بالمرض والهرم وعذاب الآخرة في جهنم، وعذاب جهنم أشد وأنكى. * * *

стр. 46

التجارة الرابحة حديث أذيع من مكة سنة ١٩٦٨ هذا الحديث دعاية تجارية مجانية أذيعها لمصلحتكم أنتم. لو أُسِّسَت شركة جديدة حكم الخبراء أنها رابحة مئة بالمئة وطُرحت أسهمها في الأسواق لمدة محدودة، هل يتأخر مَن معه مال بشرائها أم يسرع إليها ويسابق عليها؟ إن أمامكم أسهماً معروضة بالبيع، إذا اشتريتم السهم منها بمئة ريال يصير بعد قليل بسبعين ألف ريال، وربما ارتفعت الأسعار فزاد ثمنها على ذلك أضعافاً، والمدة ثلاثة أيام فلا تتأخروا عن الشراء. والأرباح مضمونة مؤمَّن عليها، والذي يضمنها ليس شركة تأمين وليس المصرف ولا الحكومة، ولكنْ ربّ العالمين. إي والله يا أيها الإخوان والأخوات، وهذا هو الموسم فلا تضيّعوه. وإذا كان في الزراعة موسم للبِذار وفي التجارة موسم للاستيراد وفي السنة المدرسية موسم للاستعداد للامتحان، ففي سوق الصدقات موسم تزيد فيه الأرباح، وهو هذه الأيام من رمضان، فاغتنموها. ولست أقصد بهذا الكلام الأغنياء الذين يملكون الملايين

стр. 47

وحدهم، بل أقصد السامعين جميعاً. وإذا كان معك ثلاثة آلاف ريال فأنت غني بالنسبة لمن معه خمسمئة وعنده خمسة أولاد لا يعرف كيف يسدّد بها نفقاتهم في العيد، فلو أعطيته مئة لفرح بها. وهو غني بالنسبة لمن معه مئة فقط وله خمسة أولاد مثله، فلو أعطاه عشرين لفرح بها. وإذا كان عندك ثوب لا يزال صالحاً وكنت تقدر على شراء غيره، فأعطِه لمن يفرح به ويجده ثوب العيد واشترِ غيره، تلبس جديداً وتكسب الثواب. وإذا فتشت عن بيّاع للقماش صالح قليل المورد وقصدت بشرائك منه مساعدته، وبحثت عن خيّاط صالح قليل الزبائن وقصدت معونته، كان لك بهذا وبذاك صدقة. وابدأ في الصدقة بأقربائك، فإن إعطاءَ الفقير الغريب حسنةٌ وإعطاءَ القريب الفقير حسنتان، لأنه صدقة وصلة رحم، ولا يقبل الله صدقة عبد وفي قرابته مَحاويج. ثم بجيرانك، فمَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يبيت شبعانَ على مائدته عشرة ألوان وجارُه جائع أو محروم ما عنده إلا صحن الفول. وفضّل الولد اليتيم والشيخ العاجز وطالب العلم، أما هؤلاء الشحادون الذين يتخذون السؤال حرفة وهم أقوياء أصحّاء يستطيع الواحد منهم أن يجرّ عربة فلا تُعطِهم، فإن إعطاءهم يشجعهم على هذه المهنة التي يأباها الإسلام. * * * إن صدقة الفطر التي لا بد منها لاستكمال العبادة في هذا الشهر تكاد تكون واجبة على أكثر الناس، فلا تقتصر فيها على

стр. 48

الحد الأدنى (وهو صاع من تمر أو صاع من بُرّ) بل أعطِ بمقدار طاقتك. فلو أوجبت الحكومة عليك أن تشتري من أسهم الشركة الرابحة سهماً واحداً على الأقل ثمنه مئة ريال، وكنت تملك مليوناً، هل تكتفي بهذا السهم الواحد أم تشتري آلاف الأسهم أملاً بربحها؟ فلماذا لا يُخرج كلّ واحد منا صدقةَ الفطر عن نفسه وعمّن يجب عليه إخراجها عنه واردَ يوم واحد من أيام الشهر؟ السنة ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً، فهل يصعب عليك أن تتصدق كل سنة في عيد الفطر بمورد يوم واحد منها؟ قد يكون مورد اليوم عشرةَ ريالات عند ناس وقد يكون عشرة آلاف عند آخرين، فليُعطِ كلٌّ بمقدار ما أعطاه الله يَزِد عليه اللهُ نعمَه ويضاعِفْ له عطاءه. وأنا لا أقول إن هذا المقدار واجبٌ شرعاً ولا أوجب ما لم يوجبه الشرع، بل أرغّب فيه لأن الشرع رغّب في الصدقة، والصدقة في كل الأزمان، ولا سيما في ختام رمضان. * * *

стр. 49

ما قَدَروا الله حقّ قدره ! حديث أذيع سنة ١٩٦٩ كان حديث المجالس في الأسبوع الذي مضى هو وصول البشر إلى القمر. وهو حادث عظيم يستحق أن يُتكلَّم فيه وأن يُعلَّق عليه، وأن يُعجَب به ويُعجَب منه، ولكنه لا يستحق أن يزلزل عقائدنا أو يزعزع إيماننا. فلقد ظن قوم أن البشر قهروا الطبيعة وأنهم وصلوا إلى السماء، وسمعت هذه الأقوال من الأفواه وقرأتها في الصحف، فتعجبت والله من قائليها. وهَبْهُم فرحوا بصاروخ أوصلوه إلى القمر وحسبوا -من جهلهم- أنهم شاركوا بذلك الله في ملكه، فخبّروني: ما القمر بالنسبة إلى هذا الكون؟ أين القمر من السماء؟ بل أين القمر من الشمس؟ إذا فرضنا أن القمر يبعد عنا بمقدار ما يبعد باب الحرم عن مقام إبراهيم فإن الشمس تكون أبعدَ من جاوة عن باب الحرم! هل تصورتم الآن بُعد الشمس عنا؟ إن هذا البعد إذا قسناه بسرعة الضوء كان نحو ثمان دقائق، فاعلموا أن من بين هذه النجوم التي تبدو نقطة في الظلام أو هي تضيع في هذا الوهج الذي نسميه

стр. 50

«نهر المجرّة»، من بينها ما يصل ضوؤه إلينا في عشرة آلاف ألف ألف سنة، أي في عشرة مليارات سنة (١)؛ فالشمس بالنسبة إليها كأنها لاصقة بنا، وما قيمة ثمان دقائق بالنسبة لعشرة مليارات من السنين؟ فكيف إذن بالقمر؟ فما قيمة القمر؟ وما بعده عنا بالنسبة إلى هذا الفضاء وما فيه؟ هل تريدون أن تعرفوا ما هي السماء؟ لقد ذكرت لكم طرفاً من هذا في حديث مضى، لا أعرف تاريخه وليس عندي نصه، ولا بأس من العودة إليه. السماء -يا سادة- كرة عظيمة. وكلمة «عظيمة» لا تصف حقيقتها، ولكن ليس عندي غيرها. كرة مغلقة تحيط بهذا الفضاء كله، أي أن هذا الفضاء الهائل بكل ما فيه داخل هذه الكرة، وهذه الكرة هي السماء الدنيا وسمكُها اللهُ أعلم به. وبعدها أخرى أكبر منها هي السماء الثانية، إلى سبع سماوات؛

стр. 51

كرات كل واحدة تحيط بالتي قبلها، وبين كل واحدة والأخرى فضاء لعله أكبر من هذا الفضاء، تأتي بعدها مخلوقات أكبر منها وأعظم لا يتصور عقل البشر مدى كبرها وعظمها، هي العرش والكرسي، والجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض، والنار التي بين كل طبقة منها وطبقة مسيرة خمسمئة عام (١). وهذا الذي قلته لم أجده في كتاب ولم أنقله عن أحد، ولكن هو الذي فهمته من نصوص الكتاب والسنة. وقد فسّر شيخنا المغربي ﵀ (في تفسير جزء تبارك) السماء بأنها مدارات الكواكب، وهذا خطأ مردود؛ فالله قد وصف السماء بأنها بناء، أي جسم مادي لا حدّ وهمي، وأنها سقف مرفوع، وأنهنّ سبع سماوات طِباقاً. ولا تكون طباقاً إلا إذا كانت مثل الكرة التي تحيط بها كرة أكبر. وجاء في حديث المعراج بأن لها أبواباً تُفتَح وتُغلَق، وفي القرآن ﴿فَفَتَحْنا أبْوَابَ السّماء﴾ وفيه ﴿باباً مِنَ السّماء﴾. وورد فيه أن السماء تُفتَح يوم القيامة وأنها تنفطر وتتشقق. أما أن هذه الكواكب دون السماء فقد أخذته من قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنّا السّمَاءَ الدُّنْيا بِمَصابيحَ﴾، وهذه المصابيح هي الكواكب لقوله في الآية الثانية: ﴿بِزينَةٍ الكَواكِب﴾. * * * فهل معنى الوصول إلى القمر الوصول إلى السماء؟ أين القمر

стр. 52

من الشمس؟ ولو نحن وصلنا إلى الشمس فأين الشمس من أحد هذه الكواكب (أي النجوم)؟ فهل يمكن أن نصل إلى واحد منها؟ إننا لو اخترعنا مركبة تسير بسرعة الضوء، أي أنها تقطع ثلاثمئة ألف كيل في الثانية، لوصلنا إلى بعضها بعد مليارات من السنين. فكيف نصل إلى السماء؟ وفي مقابلة هذا العالَم الذي لا يتصور العقل البشري مدى اتساعه عالَم آخر لا يتصور العقل دقته؛ هو عالَم الذرة. إن في الذرّة التي لا يمكن أن تراها العين ولا بالمجهر الإلكتروني فضاء مصغراً عن هذا الفضاء، تسبح فيه أجسام صغيرة، كهارب (إلكترونات)، تدور من حول النواة كما تدور السيارات من حول الشمس. فتصوروا الفرق بين سعة عالَم السماء وضيق عالَم الذرة، هذه الدقة التي لا يتصورها العقل مقابل ذلك الكبر الذي لا يتخيله العقل! وما الإنسان بينهما؟ إنه إذا قاس نفسه بعالم الذرة فأخذته العزة لكبره فليقسها بعالم الكواكب، بالسماء، ليستشعر الهوان من صغره وضآلته. ولكنّ طبيعة البشر من الغرور: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ ما أكْفَرَه﴾! * * * وهذا كله المخلوق، فما بالكم بالخالق؟ هل تظنون أننا إذا وصلنا إلى القمر أو إلى المريخ نكون قد شاركنا الله في ملكه؟ إن مَثَلَ الذين فتنهم عن دينهم أن البشر طيّروا صاروخاً إلى القمر مَثَلُ جماعة من النمل خرجت من وكرها في يوم عاصف،

стр. 53

فجرّت قشة حتى وضعتها في مهب الريح فحملتها الريحُ مسافة خمسة أذرع، فقالت: لقد سيّرنا كوكباً وصرنا آلهة! وكفرت بذلك بعض سخيفات النمل كما كفر بالصاروخ بعض سخفاء البشر. أمّا أهل الفكر فإنهم يجدون في كل كشف جديد لبعض ما أودع الله في هذا الكون من أسرار دليلاً جديداً على وجود الله ووحدانيته، وأنه لا إله إلا هو. إن الله قد أودع الكون هذه الأسرار لتكون داعية إلى الإيمان لا حافزاً إلى الكفر: ﴿إنّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنّهارِ لآياتٍ لأولي الألبَابِ، الذينَ يَذكُرونَ اللهَ قِياماً وقُعوداً وَعَلى جُنُوبِهِم، وَيَتفكّرونَ في خَلْقِ السّماواتِ والأرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً، سُبحانَكَ فَقِنَا عَذابَ النّار﴾. فلا تغترّوا يا أيها الناس ولا تنسوا ربكم، فإن مُلك ربّنا أعظم مما يظن الجاهلون؛ إن ملك ربنا أكبر بكثير. لا إله إلا الله؛ ما قَدَروا الله حق قدره، سبحانه وتعالى عما يشركون! * * *

стр. 54

طريق الهُدى حديث أذيع سنة ١٩٧١ إذا كنتم مصطافين في قرية في الجبل فأصابها الزلزال وانبعث من رأس الجبل بركان، وهرب كل من كان فيها ولكنهم لا يدرون من أين يسيرون، وصار كلُّ مَن اختار وِجهةً يدعو إلى اتّباعه فيها ويزعم أنه لا نجاة إلا بالاتجاه إليها. وتداخلت الأصوات واشتدّ الزحام والصدام، وحِرْتُم فلا تدرون أي طريق تسلكون، وإذا بشرطي يقول لكم إنه موفَد من شيخ البلد ليصحبكم ويدلّكم على طريق النجاة. هل تثقون به وتتبعونه وتمشون معه، أم تُعرضون عنه وتضيّعون الوقت في التردد بين الطرق واتباع سالكيها؟ هذا هو مثالنا في هذه الأيام. لقد ضلّت القافلة وغاب الدليل، وتشابهت الطرق وكثر الاختلاف، كلٌّ يدعوك أن تذهب مذهبه وتتبع طريقه. وكلها مذاهب يضلّ سالكوها وطرق يضيع الذين يمشون فيها، ورسول الله ﷺ يدعوك ليدلك على الصراط المستقيم، صراط العزيز الحكيم. فهل تتبع صراط الله أم تسلك تلك السبل التي يدعو إليها ضُلاّل البشر؟

стр. 55

لا أريد أن أعدّد هذه المذاهب ولا اسم الداعين إليها، لأني ما أعددت هذه الأحاديث للرد على أحد ولا للتعريض بأحد، ما أعددتها إلا لإرشاد الناس. إن هذه المذاهب كلها من وضع أفراد من البشر، يخطئون ويصيبون ويقولون الحق ويقولون الباطل، والإسلام من عند رب البشر الذي يقول الحق ويهدي السبيل. فهل نترك شريعة الخالق لمذاهب المخلوقين؟ لقد جرّب أجدادنا اتّباع الشرع فكانوا بذلك سادة الدنيا وملوك الأرض، وكانوا بُناة الحضارة وكانوا أئمة العلم والأدب، ونالوا باتّباعه كل خير، وجرّبنا (أو جرّب ناسٌ منّا) اتّباعَ هذه النِّحَل وهذه المذاهب، فماذا كانوا؟ لقد فتحنا بالإسلام ثلث المعمور من الأرض في ثلث قرن، ورفرفت رايتنا على ما بين البحر الهادي والبحر الأطلنطي، فلما تركنا الإسلام رفرفت راية اليهود على القدس، ثالث الحرمين وأولى القبلتين. لقد غلَبْنا بالإسلام جبابرةَ الأرض وقهَرْنا مَرَدةَ الناس وظفرنا بكسرى وقيصر وخاقان، فلما تركنا الإسلام غَلَبنا على قلب بلادنا، على قلب بلاد العروبة والإسلام، فلسطين، حُثالةُ أهل الأرض، اليهود. ولن نطهر فلسطين من رجس قوم صهيون، ولن نغسل عن الأرض المسلمة بقايا الاستعمار، ولن نستعيد ما كان لنا من عزّ ومجد، ولن نسترجع مكانتنا في الدنيا إلا باتّباع الإسلام. * * *

стр. 56

هذا هو الطريق. أما تلك المذاهب وهاتيك النّحَل فليس لنا من اتّباعها إلا المزيد من التخلف والعجز والضعف والتفرق والضياع في الدنيا والخسران يوم القيامة. إنها السبل التي أخبر الرسول ﷺ أن الشيطان يفتحها على جوانب الطريق الموصل ليَدخل الناسُ فيها فيَضِلّوا فلا يبلغوا غايتهم. فلا تسمعوا لمَن يدعوكم لسلوك سُبُل الشيطان، ولكن استمعوا لمن يناديكم لتسلكوا صراط الرحمن، لمن يدعوكم بدعوة الإسلام. * * *

стр. 57

الإيمان يصنع النصر حديث أذيع سنة ١٩٦٧ كنت رائحاً عشية الأمس إلى منزلي، فوجدت في جانب الطريق كلباً أسود ضخماً مخيفاً قد استعد للقتال، وأمامه قطة صغيرة قد تجمدت وتسمرت في مكانها ووجهت إليه من عينها نظرات يكاد يتطاير منها الشرر. فوقفت أنظر، فإذا هما يلبثان على ذلك دقائق، ثم تحرك الكلب وخطا إليها خطوة، فكشرت عن أنيابها ووثبت إلى وجهه بسرعة القنبلة المنطلقة من المدفع، ونفخت نفخة جعلته على كبره وضخامته يرتدّ عنها فزعاً. فجعلت أفكر في عجيب صنع الله؛ إن قوة هذا الكلب وضخامة جسده وحدّة نابه لم تصنع كلها شيئاً أمام حماسة هذه القطة الصغيرة وشجاعتها وقوة نفسها، وهي لمّا تضايقت استعملت قوّتها المدَّخَرة فأفزعت الكلب. ورأيت في ذلك شاهداً على أن القوة النفسية تغلب القوة المادية. لو جئتَ دارك العشيّة وأنت تعبان نعسان جوعان، فوجدت ثلاثة رجال مسلحين يريدون أن يعتدوا على عرض امرأتك أو ابنتك، ولم تجد أمامك إلا عصا، ألا تهزم بعصاك هذه بنادقهم

стр. 58

أو رشّاشاتهم؟ ليست العصا في ذاتها أقوى من الرشاش، ولكن لما صار الرشاش في يد من يعلم أنه ظالم، والعصا في يد من يؤمن بأنه محق ومن يدافع عن عرضه أو دينه، صارت العصا في هذا المقام أقوى من الرشاش. ولذلك غلبت القطة الصغيرة الكلبَ الكبير؛ إنها تعلم أنها إن غُلبت ماتت وافترسها الكلب، فهي تدافع عن قضيتها الكبرى، إنها تخوض معركة حياة أو موت، أما الكلب فيحارب لمجرد الغلبة أو الظفر أو للتسلّي. ولذلك غلَبَنا اليهودُ لمّا حاربنا لغير القضية الكبرى. كان الجندي منا يمشي إلى الحرب ولكنه لا يدري لماذا يحارب، ولا يعرف إلاّ أن حكام بلده أخذوه من بيته وألبسوه هذه البزّة وحمّلوه هذه البندقية وقالوا له: امشِ. لا يدري لماذا مشى، ولا يعترف لهؤلاء الحكام في أعماق نفسه بحق الطاعة، لأنه يعتقد أنهم يعادون دينه ويوالون عدوّه ويريدون له ولأمته غيرَ ما تريد الأمة لنفسها ويريد الله لها. ولو أن الحاكمين كانوا مسلمين حقاً، ولو أنهم حاربوا لإعلاء كلمة الله حقاً، ولو أنهم أفهموا الجنود أنهم يمشون إلى الجهاد الذي أمر به الشرع وأنهم بين الحسنيين، إما أن يظفروا فينالوا شرف الظفر وإما أن يموتوا فيحظوا بثواب الشهادة ويكونوا أحياء عند الله ... لو قالوا لهم ذلك لَما انهزموا ولَما غُلبوا، ولَثَبتوا مثلما ثبت رسول الله ﷺ وأصحابه في أُحُد لمّا انهزم الناس، وفي حُنين، وفي غيرهما من المشاهد التي شهدها المسلمون الفاتحون.

стр. 59

الذي يقاتل دفاعاً عن قضية مقدسة عنده لا ينهزم. هل تتصورون أن الرجل الذي يحارب بالعصا دفاعاً عن عرض بنته أو زوجته ينهزم خوفاً على نفسه ويتركهما؟ لا والله؛ إنه يموت دونهما ولا يدعهما. وكذلك الذي يقاتل دفاعاً عن دينه، يستحيل أن ينهزم. وإذا فوجئ فانهزم أولاً فإنه لا يلبث أن يرجع إليه عقله فيعود، وإذا لم يستطع العودة وخسر الجولة فإنه يستعد لجولة أخرى. ورأس الأمر ومِلاكه أن نثير في نفس الجندي القوة الكامنة فيها، وهذا ما يفعله الإيمان. وصفت لكم في حديث مضى ما هي هذه القوة الكامنة، قلت لكم: إن الواحد منكم لا يستطيع أن يركض مسافة مئة متر، ولكن إذا كان في البرّية ولحقه وحش وما معه سلاح يركض ألف متر ولا يقف. هذه هي القوة الكامنة. لما كانت موقعة ميسلون في الشام من سبع وأربعين سنة ودخل الفرنسيون دمشق ظافرين، شهدتُ مشهداً لا يزال منقوشاً في ذاكرتي. كنت ذاهباً إلى المدرسة، وكنا في أوائل المرحلة الإعدادية، فوجدت ثلاثة من الجنود الفرنسيين المسلحين يلحقون امرأة مسلمة محجبة، يتحرشون بها ويمدون أيديهم إليها، وهي تصرخ مذعورة وهم يتضاحكون، والناس خائفون منهم وقلوبهم تتقطع ألماً. وإذا بسَمّان (بقّال) كهل يصرخ صرخة هائلة تخرج من أعماق قلبه كأنها ليست من أصوات البشر: ولك شو بَكُمْ؟ ما عاد في دين؟ ما عاد في نخوة؟ عليهم! ويثب إليهم بأربع خطوات فيصير بينهم، يهجم عليهم بيديه

стр. 60

بلا سلاح، وتسري عدوى الحماسة فيلحقه الناس. وأذكر وأنا ولد أني رميت حقيبة الكتب وهجمت معهم. ولم يكن مع أحد من المهاجمين قطعة حديد، ومع الجنود البنادق المحشوة بالرصاص، ومع ذلك غُلبوا وسقطوا على الأرض ونزل عليهم الناس ضرباً وركلاً، فلم يخرجوا إلا بثياب ممزقة وأعضاء محطمة. هذه القوة الكامنة هي مصدر العزة التي وصف الله بها المؤمنين. إنها موجودة في نفوسنا لا تزال، رغم الضعف والتفرق والانقسام، ولكنها تحتاج إلى مَن يوقظها. وهذه القوة لا يوقظها إلا الإيمان. * * * هذه الأمة المسلمة دُعيت إلى الجهاد والتضحية والبذل عشرة آلاف مرة، ولا تزال مستعدة للإجابة إن دُعيت من جديد، ولكنها تحتاج إلى من يدعوها باسم الدين، باسم العِرض. إذا تيقّن هذا الشعب أن عِرضه في خطر وأن دينه في خطر تظهر هذه القوة الكامنة ويصنع العجائب. لهذا قاتل في الماضي في بدر واليرموك وحطين، وقاتل بالأمس في غوطة دمشق ورُمَيثة العراق وجبال الجزائر، ولهذا يقاتل في المستقبل. أما القتال للقومية وللاشتراكية وللثأر، وللكلام الفارغ والملآن، فإنه يشترك فيه هو والعدو. اليهودي أيضاً يقاتل لقوميته ويقاتل لبلده ويقاتل للاشتراكية، لأن الاشتراكية بضاعة يهودية. ماركس الذي ابتدعها يهودي، ولينين يهودي، وستالين أصله يهودي، وتروتسكي يهودي، فما الفرق إذن بيننا وبينهم؟

стр. 61

إن اليهود (ومن ورائهم دول الشرق والغرب معاً) لا يريدون إلا أن يصرفونا عن إسلامنا ليسلبونا أمضى سلاح في أيدينا، فهل تبلغ الغفلة بنا أن نعاونهم على أنفسنا؟ كل مَن يدعو إلى مذهب يخالف الإسلام يعين العدوَّ علينا، وكل من يدعو إلى التحلل والفساد يعين العدوّ علينا، وكل رواية داعرة وكل صورة مكشوفة وكل أغنية بذيئة، وكل ما تأتي به المناهج الخبيثة في المدارس والقوانين الأجنبية في المحاكم، وما يأتي به السفور والحسور والتكشف والموضات، وكشف النساء العورات وسلوك الشبان سبيل الفساد، كل ذلك قنابل للعدو تتساقط علينا وتهدم كياننا وتصدع بنياننا وتُذهب قوانا. فهل نكون من غفلتنا عوناً للعدو على أنفسنا؟ يا أيها المسلمون، إنكم نائمون فاستيقظوا! استيقظوا، فقد طلع النهار وانقضى وقت المنام. * * *

стр. 62

الله أكبر نشرت سنة ١٩٧١ لا يَحْزُنْكم أنّ أعداء الإسلام لا يزالون أشدَّ قوةً وأكثرَ عدداً وأجمعَ لوسائل النصر، فلقد قلت من قديم إنهم في مثل ضياء الأصيل، يملأ الدنيا ولكنه إلى الزوال، وما هو إلا أن يأتي الليل فيسدل على دنياهم ثوبه الأسود. ونحن في غَبَش الفجر، لا نزال نعالج بقايا الليل ولكنّ النهار أمامنا، ستطلع الشمس فتطرد فلول الظلام. ألا ترون إلى صفوف المصلين كيف يقوم فيها الكبير والأمير إلى جنب الصعلوك والفقير، يضعون جميعاً جباههم على الأرض؟ إن المسلمين الأوّلين لمّا أهووا بجباههم إلى الأرض حيث تطأ النعال، خضوعاً لله وحده، جعل الله رؤوس الملوك تنحني خضوعاً لهم وتيجانَهم تتهاوى على نعالهم. فما في الدنيا جبين أعز من جبين المسلم ولا جبهة أكرم؛ إنها لا تذلّ إلا لله، لا تذلّ لأحد سواه، والذُّل لله عز. هذه الجباه التي جعل الإسلام أصحابَها سادة الدنيا وقادتها. * * *

стр. 63

والصلاة في نظر المسلم ليست تكليفاً شاقاً يقوم به، ولكنها متعة من أعظم المُتَع يحظى بها. يروي الناس الحديث فيجعلونه «حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجُعلت قرة عيني في الصلاة». وليس في نص الحديث كلمة «ثلاث»؛ الحديث: «حُبِّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة» (١). ذلك لأن متعة الصلاة ليست من جنس مُتَع الدنيا. مُتَع الدنيا لا تدوم؛ إما أن تزول أنت عنها أو تزول هي عنك، إما أن تتركها أنت أو تتركك هي، ولو بقيَت عليك لما بقيت لها متعتها. ألا ترون الفقير حين تمرّ به سيارة الغني، فيتوهّم أنه إنْ مَلَكها ملك الدنيا وجُمعت له لذاذاتها ونعمها وإن ركب فيها يوماً فقد نال ما هو من الأحلام؟ ولكن سلوا صاحبها الغني: هل يجد فيها هذه المتعة؟ ويمرّ الفقير بقصر الغني فيحسب أنه إن كان له مثله فقد نال الأماني كلها، فسلوا صاحب القصر: هل يجد فيه هذه المتعة التي يتوهمها الفقير؟ إن لذائذ الدنيا إذا نالها الإنسان وأَلِفَها ذهبت الألفة بمتعتها، وصارت عادة له يَالَمُ لفقدها ولكنْ لا يحسّ بوجودها، إنها كالسراب. ألا تعرفون السراب؟ ترونه من بعيد ماءً صافياً، فإذا وصلتم إليه لم تجدوا إلا الرمل والتراب. وكذلك لذائذ الدنيا، لا تُرى إلا من بعيد. لقد كنتم في النهار وأنتم صائمون في هذا الحرّ تشتهون شربة ماء بارد وطبق طعام شهي، فها أنتم أولاء الآن وقد أكلتم حتى شبعتم وشربتم حتى رويتم، لو أُجبرتم على ما كنتم

стр. 64

تتمنونه في النهار من الطعام والشراب ألا ترونه تعذيباً؟ ذلك لأن اللذّات المادية لها حدّ تقف عنده، واللذة الباقية التي لا حدّ لها هي لذة الروح. يحرص الإنسان على جمع المال ونيل الجاه، يكِدّ ويتعب ويسعى ويذهب ليزداد مرتّبه ويعلو منصبه ويكثر ربحه ويرتفع جاهه، فإذا مرض المرض العضال أو ذهب سمعه أو بصره تمنى أن يخسر ماله فيعود فقيراً أو يضيع جاهه كله فيكون صعلوكاً ليخلص من مرضه وتعود صحته. وإذا ابتلي بداء العشق وعرف لوعة الحب، سهر ليله وترك طعامه وأفنى جسده وأذهب صحته، ليفوز من الحبيب بساعة لقاء وينعم منه بلحظة وصال. فإذا ذاق لذة الخلوة بالله ومتعة المناجاة في الأسحار والصلاة في الليل والناس نيام، وجد أوهام العشق قد تبددت وذهبت كما ذهب تمثال من الثلج سطعت عليه الشمس. فالمتع واللذات درجات أدناها اللذات المادية، لذة المال والجاه، وفوقها لذة الصحة التي يكون بها بقاء الجسد، وفوقها لذة العاطفة التي تكون بها متعة النفس، وفوقها كلها لذة الروح التي تكون بها سعادة الدنيا والآخرة. وكل هذا مشاهَد محسوس، ولكن من الناس من يقف عند الدرجة الأولى فلا يهمّه إلا المال، ومنهم من يرقى درجة أخرى فيهتم بالصحة، ومنهم من يرقى الدرجة الثالثة فيكون من أهل العاطفة وأرباب القلوب، ومنهم صفوة قليلة مختارة تبلغ ذروة السلّم وتصل إلى الدرجة العليا، وهؤلاء هم خِيار البشر.

стр. 65

لذلك جعل الرسولُ ﷺ الصلاةَ متعة لا تعدلها متع الدنيا. هذا إذا أدرك المسلم وهو يصلي معنى الصلاة، فقام لله رب العالمين مخلصاً محتسباً، يفكر في معاني ما يقول وما يتلو، يَرِد عليه من الخواطر السامية ومن الإلهامات ما لا يمكن حصره بالألفاظ ونقله بالكلام. لذلك قال الرسول ﵊: «جُعِلَت قُرّة عيني في الصلاة»، ولذلك كان يقول: «أرحنا بها يا بلال» (١)؛ أرحنا «بها» لا أرحنا «منها»! ولذلك قال بعض الصالحين: لو عرف الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف. فالذي يقوم هذا المقام خمس مرات كل يوم لا يمكن أن يصرّ على الفحشاء والمنكر، لأنه إذا زلّ ونسي لحظة ذكّرته الصلاة. ولذلك شبّه النبي ﷺ الصلوات الخمسَ بنهر على باب الإنسان يغتسل فيه خمسَ مرات كل يوم (٢). من يغتسل خمس مرات كل يوم هل يكون وسخ الجلد؟ فكيف تكون وساخة النفس مع الصلوات الخمس؟ * * * والمسلم حين يقوم في الصلاة ويقول: «الله أكبر» تَصْغُرُ في قلبه الدنيا كلها. وما الدنيا كلها؟ إن كرة الأرض إذا قيست

стр. 66

بالشمس كانت حصاة في جبل، والشمس كلها إذا ألقيت في بعض النجوم العملاقة التي تبدو لنا نقطاً مضيئة في الليلة الصافية كانت كرملة في صحراء. وهذه النجوم كلها، وهي ملايين، إذا قيست بالسماوات كانت كنقطة في بحر، والسماوات كلها أصغر من العرش والكرسي. فما هي قيمتك أنت في هذا الكون العظيم؟ وما عمرك على هذه الأرض؟ فإذا تصورت عظم هذه الكون وكبره الهائل فاذكر أن هذا هو المخلوق، وأن الله وحده هو الخالق، وأنك قائم بين يدي الله تقول: الله أكبر! لذلك كانت كلمة «الله أكبر» شعارَنا في سلمنا وحربنا، وكانت مدخلنا إلى صلاتنا. لذلك نرددها في كل حركة من حركات الصلاة: إذا جاء الشيطان يوسوس لك أنْ عجّل في صلاتك فإن أمامك عملاً كثيراً، فقل: الله أكبر. إذا قال لك: أسرع فإن ضيفاً كبيراً ينتظرك لتفرغ من صلاتك، فقل: الله أكبر. «الله أكبر»، هذا النشيد العلوي الذي لم يهتف لسان الأرض ومَن فيها، ولم تسمع أُذُن الكون نشيداً أسمى منه سُموّاً ولا أروع منه روعة، هذا الذي هتف به المسلمون في كل معركة خاضوها وأمام كل عدو واجهوه، هتفوا به في السهل والجبل، وفي البر والبحر، فكان النصر حليفهم في معاركهم كلها، لأن من كان مع الله لا يغلبه عدو مهما كبر لأن «الله أكبر». * * *

стр. 67

الباب الذي لا يُغلَق في وجه سائل نشرت سنة ١٩٨٧ (١) أسرد عليكم قصة أسرة أميركية فيها ستة أولاد، أبوهم فلاح متين البناء قوي الجسد ماضي العزم وأمهم امرأة عاقلة مدبّرة حازمة، فتربى الأولاد على الصبر والاحتمال حتى صاروا رجالاً قبل أوان الرجولة. وخرج الصغير يوماً يلعب، وكان في الثالثة عشرة، فقفز من فوق صخرة عالية قفزة وقع منها على ركبته، وأحس بألم فيها، ألم شديد لا يصبر عليه ولدٌ مثله، ولكنه احتمله وصبر عليه ولم يخبر به أحداً، وأصبح فغدا على مدرسته يمشي على رجله، والألم يزداد وهو يزداد صبراً عليه، حتى مضى يومان، فظهر الورم في

стр. 68

رجله وازْرَقّ وعجز عن أن يخطو عليها خطوة واحدة. فاضطربت أمه وجزع أبوه، وسألاه عن خبرها فأخبرهما الخبر، فأضجعوه في فراشه وجاؤوا بالطبيب، فلما رآها علم أنه قد فات أوان العلاج وأنها إن لم تُقطَع فوراً مات الولد من تسمم الدم، فانتحى بأبيه ناحية وخبّره بذلك همساً يحاذر أن يسمع الولد قوله، ولكن الولد سمع وعرف أنها ستقطع رجله، فصرخ: لا، لا تقطعوا رجلي، لا تقطعوا رجلي! أبي، أنقذني. وحاول أن يقفز على رجل واحدة ويهرب منهم، فأمسك به أبوه وردّه إلى فراشه، فنادى أمه نداء يقطع القلوب: أمي، أمي، أنقذيني! أمي، ساعديني! لا تقطعوا رجلي. ووقفت الأم المسكينة حائرة تحس كأن كبدها تتمزق: قلبها يدعوها إلى نجدة ابنها ويفيض حناناً عليه وحباً له، وعقلها يمنعها ويناديها أن تفتدي حياته برجله. ولم تدرِ ماذا تصنع، فوقفت وقلبها يتفطر ودمعها يتقاطر، وهو ينظر إليها نظر الغريق إلى من ظنّ أنه سينقذه. فلما رآها لا تتحرك يئس منها كما يئس من أبيه من قبل، وجعل ينادي أخاه إدغار بصوت يختلط فيه النداء بالبكاء بالعويل: إدغار، إدغار! أين أنت يا إدغار؟ أسرع فساعدني، إنهم يريدون أن يقطعوا رجلي! وسمع أخوه إدغار (وهو أكبر منه بقليل) صراخه فأقبل مسرعاً، فشدّ قامته ونفخ صدره ووقف دون أخيه متنمّراً مستأسداً وفي عينيه بريق عزيمة لا تُقهَر، وأعلن أنه لن يدع أحداً يقترب منه. وكلمه أبوه ونصحته أمه، وهو يزداد حماسة، وأخوه يختبئ

стр. 69

وراءه ويتمسك به فيشد ذلك من عزمه. وحاول أبوه أن يزيحه بالقوة، فهجم على أبيه وعلى الطبيب الذي جاء يساعده. واستأسد واستيأس. والإنسان إذا استيأس صنع الأعاجيب. ألا ترون الدجاجة إذا هجم أحدٌ على فراخها كيف تنفش ريشها وتقوم دون فراخها؟ والقطة إذا ضويِقَت كيف تكشر عن أنيابها وتبدي مخالبها؟ إن الدجاجة تتحول صقراً جارحاً والقطة تغدو ذئباً كاسراً. وإدغار صار رجلاً قوياً وحارساً ثابتاً، يتزحزح الجدار ولا يتزحزح عن مكانه. وتركوه آملين أن يملّ أو يكلّ فيبتعد عن أخيه، ولكنه لم يتحرك، وبقي يومين كاملين واقفاً على باب أخيه يحرسه، لم يأكل في اليومين إلا لُقَيمات قربوها إليه، ولم ينم إلا لحظات، والطبيب يجيء ويروح، ورجل الولد تزداد زُرقة وورَماً. فلما رأى الطبيب ذلك نفض يده وأعلن أنها لم تبقَ فائدة من العملية الجراحية وأن الولد سيموت، وانصرف. ووقفوا جميعاً أمام الخطر المحدق. * * * ماذا يصنع الناس في ساعة الخطر؟ إن كل إنسان -مؤمناً كان أو كافراً- يعود في ساعة الخطر إلى الله، لأن الإيمان مستقر في كل نفس حتى في نفوس الكفار، ولذلك قيل له «كافر»، والكافر في لغة العرب «الساتر»، ذلك أنه يستر إيمانه ويغطيه، بل يظن هو نفسه أن الإيمان قد فُقد من نفسه، فإذا هزَّتْه الأحداث ألقت عنه غطاءه فظهر. قريش التي كانت تعبد هبل واللات والعزى إنما كانت تعبدها

стр. 70

ساعةَ الأمن، تعبدها هزلاً منها، فإذا جدّ الجِدّ وركب القرشيون السفينةَ وهاج البحر من حولها بموج كالجبال، وصارت سفينتهم بيد الموج كريشة في كف الرياح، وظهر الخطر وعمّ الخوف، بدا الإيمان الكامن في أعماق النفس فلم يَدْعوا اللات ولا العزى ولا هاتيك المَسْخَرات، ولكن دَعَوا الله رب الأرض والسماوات. وعندما تغرق السفينة وتبقى أنت على لوح من الخشب بين الماء والسماء، لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله». هذا فرعون الذي طغى وبغى وتكبر وتجبر، حتى قال أحمقَ مقالة قالها إنسان، قال: «أنا ربكم الأعلى»، لما أدركه الغرقُ قال: آمنتُ بالذي آمنَت به بنو إسرائيل! وعندما تضلّ في الصحراء ويحرّق العطش جوفك وترى الموت يأتيك من كل مكان، لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله». وعندما تتعاقب سنوات القحط ويمتد انقطاع المطر، وفي غمرة المعركة العابسة التي يرقص فيها الموت، وعندما يدنف المريض ويعجز الأطباء، يكون الرجوع إلى الله؛ هنالك ينسى الملحد إلحاده والماديّ ماديّته والشيوعيّ شيوعيّته، ويقول الجميع: «يا الله»! * * * لما ذهب الطبيب واستحكم اليأسُ وملأ قلوبَ الجميع: قلب الولد الخائف وأخيه المستأسد المتنمّر وأبيه وأمه، واستشعروا العجز ولم تبقَ في أيديهم حيلة وبلغوا مرتبة المضطر، مدّوا أيديهم إلى الله يطلبون منه الشفاء وحده، يطلبونه بلا سبب يعرفونه لأنها

стр. 71

قد تقطّعت بهم الأسباب. والله الذي يشفي بسبب الدواء والطب قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء. مدّوا أيديهم وجعلوا يقولون: «يا الله»، يدعون دعاء المضطر، والله يجيب دعوة المضطر ولو كان فاسقاً، ولو كان كافراً، ما دام قد التجأ إليه واعتمد عليه ووقف ببابه وعلّق أمله به وحده، يجيب دعوته إن طلب الدنيا، أما الآخرة فلا تُجاب فيها دعوته لأنه كافر لا يؤمن بالآخرة. هؤلاء الكفار لمّا دَعَوا الله مخلصين له الدين استجاب دعاءهم ونجّاهم إلى البر، بل هذا شر الخلق إبليس لمّا دعا دعاء المضطر فقال: «رَبِّ أنْظِرْني إلى يَومِ يُبعَثون» قال له: «إنّك من المُنْظَرين». ولو أمعنتم النظر في أسلوب القرآن لوجدتم أن الله لم يخبر في القرآن إخباراً أنه يجيب دعوة المضطر، لأن ذلك مشاهَد معلوم، ولكنْ ذَكَره حجةً على المشركين فقال: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وَأنْزَلَ لكُمْ مِنَ السّماءِ مَاءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كانَ لَكُم أنْ تُنْبِتوا شَجَرَها؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلون. أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وجَعَلَ خِلالَها أنْهَاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَينِ حاجِزاً؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ بَلْ أكثَرُهُم لا يَعْلَمون. أَمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السّوءَ، ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ قَليلاً ما تَذَكّرون﴾. يا أيها القراء، إنهم لمّا دعوا نظروا فإذا الورم بدأ يخفّ والزرقة تمّحي والألم يتناقص، ثم لم يمضِ يومان حتى شفيت

стр. 72

الرِّجْل تماماً. وجاء الطبيب فلم يكد يصدق ما يراه. ستقولون: هذه قصة خيالية أنت اخترعتها وتخيلتها. فما قولكم إن دللتكم على صاحبها؟ إن هذا الولد صار مشهوراً ومعروفاً في الدنيا كلها وهو الذي روى القصة بلسانه، هذا الولد هو آيزنْهاور، القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ورئيس أميركا بعد ذلك. * * * وقد وقعت لي أنا حوادث رأيتها وعشتها، أو وقعت لمن كان حولي سمعتها وتحققت منها. سنة ١٩٥٧ مرضت مرضة طويلة لخيانة من طبيب شاب شيوعي وضع لي جرثومة يسمونها «العصيّات الزرقاء» قليلة نادرة في بلادنا، وكانت شكواي من حصاة في الكلية أقاسي من نوباتها التي لا يعرف مداها إلا من قاساها، فانضمّت إليها أمراض أخرى لم يكن لي عهدٌ بها. وقضيت في المستشفى، مستشفى الصحة المركزي الكبير في دمشق ثم في مستشفى كلية الطب، بضعة عشر شهراً، أقيم فيه ثم أخرج منه ثم أعود إليه، وكانوا كل يوم يفحصون البول مرتين وينظرون ما فيه. فلما طال بي الأمر وضاق مني الصدر توجّهت إلى الله فسألته إحدى الراحتين، الشفاء إن كان الشفاء خيراً لي أو الموت إن كان في الموت خير لي. وكان يدعو لي كثير ممّن يحبني، وإن كنت لا أستحق هذا الحب من الأقرباء ومن الأصدقاء. فلما توجهت ذلك اليوم إلى الله مخلصاً له نيتي واثقاً بقدرته على شفائي، سكن الألم وتباعدت النوبات، وفحصوا البول كما كانوا يفحصونه كل

стр. 73

يوم فإذا به قد صفا وزال أكثر ما كان فيه. وعجب الأطباء ودُهشوا واجتمعوا يبحثون، فقلت لهم: لا تتعبوا أنفسكم، فهذا شيء جاء من وراء طبكم. إن الله الذي أمرنا أن نطلب الشفاء من الطب ومن الدواء قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء. * * * ولما قدمت المملكة سنة ١٣٨٢هـ أقمت سنة في الرياض (ثم جئت مكة فلبثت فيها إلى الآن)، وكان معنا فيها رجل من الشام لا أسميه، كان مقيماً في الرياض هو وأمه، فعرض له عمل اقتضى سفره إلى لبنان. وكرهت أمه هذا السفر لئلا تبقى وحدها، فلما حلّ موعده حمل ثقله (أي حقائبه وأشياءه) إلى المطار، فسلمه إلى الشركة وذهب إلى بيته على أن يأتي الفجر ليسافر. ورجا أمّه أن توقظه قبيل الفجر، فلم توقظه حتى بقي لموعد قيام الطيارة ثلاثة أرباع الساعة، فقام مسرعاً وأخذ سيارة وحث السائق على أن يبلغ به المطار ويضاعف له الأجر، وجعل يدعو الله أن يلحق بالطيارة قبل أن تطير. ولما وصل وجد أنه لا يزال بينه وبين الموعد ربع ساعة، فدخل المقصف وقعد على الكرسي فنام، ونودي من المكبر على ركاب الطائرة أن يذهبوا إليها فلم يسمع هذا النداء، وما صحا حتى كانت الطيارة قد علت في الجو! وكنت معه، فجعل يعجب كيف دعا الله بهذا الإخلاص دعاء المضطر ولم يُستجَب له. وجعلت أهوّن الأمر عليه وأقول له: إن الله لا يرد دعوة داع مخلص مضطر أبداً، ولكن الإنسان يدعو بالشر دعاءه بالخير، والله أعلم بمصلحته منه. وأهمّه الغضبُ والحزن عن إدراك ما أقوله. أفتدرون ماذا

стр. 74

كانت خاتمة هذه القصة؟ لعل منكم من يذكر طيّارة شركة الشرق الأوسط التي سقطت تلك السنة وهلك من كان فيها. هذه هي الطيارة التي حزن على أنها فاتته! إن الإنسان قد يطلب من الله ما يضره، ولكن الله أرحم به من نفسه. وإذا كان الأب يأخذ ولده الصغير إلى السوق فيرى اللعبة فيقول: أريدها، فيشتريها له، ويبصر الفاكهة الجميلة فيوصله إليها، ويطلب الشكلاطة فيشتري له ما يطلبه منها، فإذا مرّ على الصيدلية ورأى الدواء الملفوف بالورقة الحمراء فأعجبه لونه فطلبه، هل يشتريه له وهو يعلم أنه يضره؟ إذا كان الأب وهو أعرف بمصلحة ولده لا يعطيه كل ما يطلب لأنه قد يطلب ما لا يفيده، فالله أرحم بالعباد من آبائهم ومن أمهاتهم. * * * وقد وقع لي مرة (وذكرت هذا في بعض أحاديثي من قبل) أن دعانا كبير أسرتنا، الدكتور طاهر الطنطاوي الذي توفي من زمن بعيد رحمة الله عليه، إلى جمع في بيته يضم أفراد الأسرة جميعاً، وأعدّ لهم مائدة وضع لهم فيها كل ما يلذ ويطيب وهيأ لهم كل ما يسرهم ويرضيهم. وذهبت إلى الاجتماع وكنت منشرح الصدر، فما لبثت فيه إلا نصف ساعة حتى ضاق صدري وأحسست كأن دافعاً يدفعني إلى الخروج وأنني إن بقيت اختنقت. واستأذنت بالانصراف فعجبوا مني، وكنت أنا أعجب من نفسي ولا أعرف سبباً لهذا الذي حلّ بي. وفسد الاجتماع وضاع ما كانوا يتوقعونه من المسرّة والانبساط وألقوا اللوم عليّ، وأنا أعذرهم ولا أدري لما فعلت سبباً. وكانت داره في سفح جبل

стр. 75

قاسيون في منطقة اسمها حي العفيف، وخرجت، ومرّ بي الترام وكان فارغاً، وهممت بأن أصعد إليه، ثم أحسست كأن يداً قوية تصدّني عنه وتمنعني من ركوبه، فمشيت على رجلي ولا أعرف إلى أين أنا ذاهب. وثقوا أني أصف لكم ما وقع كأنه وقع بالأمس، وقد مرّ عليه الآن أكثر من ثلاثين سنة. ما مشيت إلا قليلاً، وكان الطريق مقفراً والليل ساكناً، فوجدت امرأة تحمل ولداً وتسحب بيدها ولداً، وهي تنشج وتبكي وتدعو دعاء خافتاً لم أتبينه. فاقتربت منها وسألتها: ما لك يا أختي؟ فنفرت مني وحسبتني أبتغي السوء بها. ونظرَت إليّ، فلما رأت أنني كهل وأنه لا يبدو عليّ ما تخشاه نفضَت لي صدرها وشرحت لي أمرها، وإذا قصتها أنها من حلب وأن زوجها يعمل موظفاً في دمشق، وأنه طردها من بيته وهي لا تعرف أين تذهب، وما لها إلا خال لا تستطيع الوصول إلى مكانه. فقلت لها: أنا أوصلك إلى بيت خالك، واذهبي من الغد إلى المحكمة فارفعي شكواك إلى القاضي. فازداد بكاؤها وقالت: وكيف لي بالوصول إلى القاضي وأنا امرأة مسكينة، والقاضي لا يستقبل مثلي ولا يستمع إليه؟ وكنت أنا يومئذ قاضي دمشق، فقلت لها: لقد استجاب الله دعاءك يا امرأة لأنك مظلومة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأنا القاضي، وقد استخرجني الله من بين أهلي وجاء بي إليك لأقضي إن شاء الله حاجتك، وهذه بطاقتي تذهبين بها غداً إلى المحكمة فتلقينني. * * *
следующие страницы →