Полный текст (470 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
والبيت الثاني لا يناسب شهامتهم ووصفهم أنفسهم بالقسوة والغلط كقول مهلهل: [البسيط].
(يُبكَي علينا ولا نبكي على أحد ... لَنَحْنُ أغلظُ أَكبادَا من الإبلِ)
على أنه قد قال بعد ذلك:
(وقبلك رُبَّ خَصْمٍ قد تمالَوا ... عليَّ فما هَلِعْتُ ولا دَعَوْتُ)
فذكر أنه بُليَ قبله بقوم خصمين اعتونوا عليه فلم يجزع، ولا دعا أحدًا لينصره، وليس تناقضًا، لأنه على اختلاف وقتين، أي أنه ذل جانبه بعد أن كان عزيزًا، ونظيره أبيات فاطمة بنت الأحجم حين ضعف جانبها لموت من كان ينصرها، وهي أبيات حسنة تمثلت بها سيدتنا فاطمة ﵂ حين قبض رسول الله ﷺ : [الكامل].
стр. 107
(لقد كنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلّهِ ... فتركتَني أمشي بأجرد ضاحي)
(قد كنت ذاتَ حميةٍ ما عشتَ لي ... أمشي البَرازَ وكنتَ أنتَ جناحي)
(فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفعُ ظالمي بالراحِ)
(وإذا دَعَتْ قُمريةٌ شجنًا لها ... ليلاً على فَنَنٍ دعوتُ صباحَي)
وطويت البئر: بنيتها بالحجارة، وزعم ابن عصفور أن (ذو) خاصة بالمذكر، وأن المؤنث يختص بذات، وأنّ البئر في البيت ذكرت على معنى القليب، كما قال الفارسي في قوله: /٦١/ [الرجز].
(يا بئرُ يا بئرَ بني عَدِي ... لا نَزَحَنْ قَعْرَكِ بالدُّليّ)
(حتى تعودي أقطع الولي)
إن التقدير: حتى تعودي قليبًا أقطع، فحذف الموصوف. وفرق ابن الضائع بينهما، بأن (أقطع) صفة فتحمل على الفعل بخلاف (ذو)، قال: ألا ترى أن من قال: نفع الموعظة لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة، ولهذا قال الخليل في ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾: أنه إشارة إلى القطر لا إلى الرحمة، أيضًا فلم يذكر (ذات) كل من ذكر (ذو)، ولو كانا بمنزلة الذي والتي لم يكن أحدهما أشهر، قلت: وإذا قيل بأنه تأول البئر بالقليب لم يرد الاعتراض الأول، إذ لا يتوقف ذلك على الوصف، ألا ترى أن من
стр. 108
قال في عكسه: [البسيط].
(يا أيُّها الراكبُ المزجي مطيَّتهُ ... سائل بني أسدِ ما هذه الصوتُ)
أنَت الإشارة إلى الصوت لمّا أوله بالصرخة، وإن كان غير صفة.
وأما الحكاية فروى الفراء أنه سمع بعض السؤال بالمسجد الجامع يقول ذلك، والتقدير: أسألكم بالفضل، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ وقوله: (به) أصله (بها)، فحذف الألف، ونقل فتحة الهاء إلى الباء، وذلك أيضًا لغة طيء.
هذا هو المعروف، وقال الناظم في شرح كافيته، في باب الوقف: إن ذلك لغة لخم، وأنشد: [الوافر].
(وإني قد سئمت بأرض قومي ... أمورًا كنت في لخم أخافُه)
انتهى.
والبيت ظاهر في أن قائله غير لخمي، ومما خرّج على هذه اللغة قوله [الطويل].
(فلم أرَ مثلها خُباسةَ واجدٍ ... ونَهْنَهْتُ نفسي بعدَ ما كِدتُ أفعلَهُ)
стр. 109
قيل: أصله أفعلها، وسيأتي هذا البيت، إن شاء الله تعالى، في باب إعراب الفعل.
وأما البيت الثالث فمضى شرحه، وأن فيه روايتي الإعراب والبناء.
وأما البيت الأخير:
(جمعتها لأنيق تقدّمت).
وأصل أينق أنوق، لأن ألف ناقة /٦٢/ عن واو، لقولهم: استنوق الجمل، وقولهم في العدد الكثير: نوق، ولو كانت ياء لكسروا الأول لتسلم الياء كما في (بيض وعيس) ثم قيل: حذفوا العين وعوضوا الياء، فوزنه أيْفل، وقيل: قدموا العين، لتسلم من الضم، ثم أبدلوها مبالغة في التخفيف، فوزنه أعفل، وقيل: قدموا اللام على العين، فاصر (أنقو)، ثم أبدلوا الواو ياء كما في أدلٍ، ثم قدموا الياء على الفاء، فوزنه (أفْعُل)، ثم (أقلع) ثم (أعفل).
وموارق: جمع مارقة، مستعار للسرعة في خرق الفلوات من: مرق السهم من الرمية.
وذوات: بدل لا صفة، لأنها معرفة، وأينق نكرة، ونظيره: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
стр. 110
مسألة [٣٦]
زعم الكوفيون أن (ذا) تستعمل موصولة وإن لم تسبقها (من) ولا (ما) ، وجوزوا ذلك في سائر الإشارات، محتجين بقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، وقول الشاعر: [الطويل].
(عَدَسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ ... أمنتِ وهذا تحملينَ طليقُ)
قالوا: التقدير، وما التي بيمينك، والذي تحملينه، إذ لم يرد الإخبار عن هذا بإنه محمول، ولأن حذف العائد المنصوب بالفعل ضعيف في باب الخبر، ولا يكون هذا مفعولاً لتحملين، لأنه لا ارتباط حينئذ لـ (طليق) ولا المعنى عليه.
والجواب: أن (بيمينك) و (تحملين) حالان، وحذف الضمير من الحال خير من حذفه من الخبر، وأما القول بأن (تحملين) و (طليق) خبران، فالأولى أولى، لأنه لم يرد الإخبار بأنه محمولٌ، ولأن أبا علي ذكر أن الخبر لا يتعدد مختلفًا بالإفراد والجملة، وجوز ابن عصفور كون (بيمينك) بيانًا متعلقًا باعني محذوفة، ورده ابن الضائع، بأن أعني لا يتعدى بالباء، وذو الحال في
стр. 111
البيت إما ضمير طليق فطليق هو الناصب /٦٣/ للحال، وأما طليق نفسه، على أن الجملة كانت صفة له فقدمت عليه، فناصبها معنى التنبيه أو الإشارة.
وهذا البيت ليزيد بن ربيعة بن مفرغ، بالفاء والغين المعجمة، لأنه كان راهن على شرب سقاء كبير ففرغه، وكان يزيد هجاء، فهجا عباد بن زياد ابن أبيه، وملأ البلاد من هجوه، وكتبه على الحيطان، فلما ظفر به ألزمه محوه بأظفاره، ففسدت أنامله، ثم أطال سجنه، فكلموا فيه معاوية، فوجه بريدًا يقال له حمحام، فأخرجه وقُدّمَتْ له فرس من خيل البريد، فنفرت فقال:
(عدس ............. البيت)
وبعده:
(وإن الذي نجَّى من الكرب بعدما ... تلاحم بي كَرْب عليك مضيق)
(أتاك بحمحام فأنجاك فألحقي ... بأرضك لا تُحْبَسْ عليك طريق)
(لعمري لقد أنجاك من هُوَّةِ الردى ... إمامٌ وَحَبْلٌ للإمام وثيق)
(سأشكرُ ما أوليتُ من حُسْنِ نِعمةِ ... ومثلي بشكر المنعمين حقيقُ)
عَدَسْ، بالمهملات مفتوحتين فساكنة: صوت يزجر به البغل، وربما سموا به البغل، قال: [الرجز].
стр. 112
(إذ أحملْتُ بَزَّتي على عَدَسْ ... على التي بين الحمار والفَرَسْ)
(فلا أبالي من غدا ومن جلسْ)
وهو محتمل في البيت السابق على إضمار حرف النداء، وبُني لأنه حكاية صوت، ويحتمل كونه في البيت الثاني اسم صوت، أي: على التي يقال لها إذا زجرت "عدس"، ونظير عدس غاق، فإنه حكاية صوت الغراب، وربما سموا به الغراب.
كقوله: [الرجز].
(إذا لمتي مثل جناح غاق)
وإنما قيل: "أصدق من القطا"، لأن اسمها وَفْقُ صوتها.
وعن الخليل: إن عدس /٦٤/ رجل كان يَعْنُف على البغال أيام سليمان، وأنها كانت إذا سمعت باسمه طارت فرقًا منه، فلهج الناس باسمه حتى سموا البغل عَدَسْ.
قال ابن سيدة: وهذا لا يعرف في اللغة.
стр. 113
مسألة [٣٧]
ماذا صنعت؟ يحتمل كون (ماذا مفعولاً مقدمًا على تركيب (ذا) مع (ما)، ويحتمل كونهما مبتدأ وخبرًا، فتكون (ذا) موصولة، فإذا أبدلت قلت على الأول: أخيرًا أم شرًا، بالنصب، وعلى الثاني: أخيرٌ أم شرٌ بالرفع، وعليه قوله: [الطويل].
(ألا تسألان المرءَ ماذا يحاولُ ... أنْحَبٌ فيُقضَى أم ضَلالٌ وباطلُ)
وهو للبيد، وقد مضى ذكر ذلك في أول الكتاب.
و (ما) استفهامية معلقة لفعل السؤال، إجراءً له مجرى مسببه وهو العلم، ومثله ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾، وهي مبتدأ، و (ذا)، خبر، وبالعكس على الخلاف، و (نَحْبٌ) بدل من (ما) بدل تفصيل، وهو الذي دل على أن (ما) مرفوعة المحل، وثبوت الرفع لـ"ما" هو الذي أوجب كون (ذا) موصولة، و (يحاول) صِلةٌ حذف عائدها، وفي ألف (يُقضى) فتحة مقدرة، لأنه جواب الاستفهام.
مسألة [٣٨]
قد توصل (أل) بالمضارع في الضرورة ، كقوله: [البسيط].
стр. 114
ما أنتَ بالحكم التُّرضى حكومته .... ولا الأصيل ولا ذو الرأي والجدل)
وقوله: [البسيط].
(ما كاليروح ويغدو لاهيًا فرحًا ... مشمِّرٌ مستديمُ الحزمِ ذو رَشَدِ)
وقوله: [الطويل].
(وليس اليرى للخِلِّ دون الذي يَرى ... له الخِلُّ أهلاً أن يَعُدُّ خليلاً)
وقوله: [الطويل].
(أتانا كلامُ التغلبي ابنُ دَيْسَق ... ففي أيِّ هذا ويلَهُ يتنزَّعُ)
(يقول الخَنا وأبغضُ العُجْمِ ناطقًا ... إلى رَبِّنا صوتُ الحمار اليُجدَّعُ)
(ويَستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جُحْرِهِ بالشيحة الينقصَّعُ /٦٥/)
وذلك من الضرائر غير المستحسنة، وقال ابن السراج: وهو من أقبح الضرورات وقال الجرجاني: استعمال مثل هذا خطأ بإجماع. يعني في النثر. وقال الناظم: لا يختص بالشعر، إذ كان يمكن أن يقول الأول: المُرضي حكومتُهُ، فيصلها باسم الفاعل، والثاني: ما مَن يَروح، والثالث:
стр. 115
وما من يرى، فيأتيان بموصولٍ غير أل، والرابع: صوتُ حمارٍ يُجدعُ، فيترك أل، فإذ لم يقولوا ذلك مع تمكنهم منه دل على أنهم مختارون، قال: ومما يُشعرُ بأنهم فعلوه اختيارًا أنهم خصوه بالمضارع لشبهه باسم الفاعل.
قلتُ: ما ذكره أولاً مبني على اختياره في تفسير الضرورة بأنها ما لا يمكن الشاعر العدول عنه، وقد مضى رده، ثم لا نسلم ما ذكر في البيت الثاني لجواز أن يكون المراد به مدح شخص وذم آخر، فلا يستفاد ذلك إلا بذكر التشبيه. وأما ما ذكره ثانيًا فيرده قول سيبويه «وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا»، فلا تنافي بين كون الشيء ضرورة وكونه ذا وجه يسوغه، بل لا تكون الضرورة إلا كذلك بشهادة إمام النحو.
وفي الصحاح: إن الأخفش قال في قوله (اليُجدَّع: يريد الذي يُجَدع كما تقول: هو اليَضْربُك، تريد الذي يضربك. انتهى.
وظاهره أن الأخفش يجيزه في الكلام كما قال الناظم، وفي ذلك رد على مَنْ قال إِنّ الناظم استأثر بهذا المذهب.
واللام في قوله الأول: (الترضي) مدغمة في التاء وجوبًا، والناس قد لهجوا بإظهارها، والذي أوقعهم ذلك أنّ المعلمين إذا أنشدوه أظهروا، ليُسمعوا الطالب لفظة (أل) فتوهموا أن ذلك وجه الانشاد.
стр. 116
والبيت كأنه هجاء في قاضٍ /٦٦/، وكأن قائله إنما استسهل ذكر الفعل، لأن فيه محافظة على تأنيث المسند لتأنيث المستند إليه، مع ما فيه من التنبيه على الأصل في صلة الألف واللام.
والبيت الرابع الذي الخرق الطهوي، شاعر جاهلي، سُمي بذلك لقوله: [البسيط].
(لما رأت إبلي جاءت حمولتها ... جاءت عجافًا عليها الريشُ والخرقُ)
وهو من أبيات نوادر أبي زيد. ووهم الجوهري فقال: إنه من أبيات الكتاب.
و (ديسق) بفتح الدال المهملة بعدها آخر الحروف ثم المهملة، علم منقول من الدَيْسَق، وهو بياض السراب وترقرقه، ويقال يتنزع إليه بالشر، وتسرع بمعنى، ورويا في البيت.
وقوله: (وأبغض العُجْم) تقدير: وأبغض أصوات العجم، بدليل الإخبار عنه بصوت الحمار، وأفعل بعض ما يضاف إليه، و (ناطقًا) حال من العجم، ويصح الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملاً في الحال، أو كان بعض المضاف إليه، وكلاهما موجود هنا، فإن في (أفعل) أحرف
стр. 117
الفعل، وهو أبدأ بعض ما يضاف إليه، وكان حقه أن يقول: ناطقةً أو ناطقاتٍ، إلا أنه ناب المفرد عن الجمع للضرورة، كقوله: [الوافر].
(كلوا في بعض بطنكم تَعِفوا ... فإن زمانكم زمن خميص)
لا يقال: أجمله حالاً من (أبغض)، لتخلص من مجيء الحال من المضاف إليه، ومن إنابة المفرد عن الجمع، لأن الابتداء لا يعمل في الحال.
وشبه صوته، غير تلك الحالة، فما الظن به فيها، ووصفه أخيرًا بالخديعة والمكر.
والشيحة واحدة الشيح، وهو النبات المعروف، ويظهر أن المقتضي لعدوله عن المُجدع والمتقصع كراهيةُ الإقواءِ، فإن قافية الأول مرفوعة، وهو يتنزع أو يتسرع. وقافية الأخيرين مخفوضتان، إذ هما صفة /٦٧/ للحمار، وصفة لجحره، أي ومن جحره الذي يتقصع فيه، أي يدخل، وإن قدر (اليتقصع) صفة لليربوع فاللازم على المجيء بالوصف اختلاف القوافي بالرفع والجر والنصب.
стр. 118
والنافقاء والقاصعاء من جحرة اليربوع، والفرق بينهما أن النافقاء يكتمها، والقاصعاء يظهرها، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب برأسه النافقاء، فانتفق، أي خرج، ومنه اشتقاق اسم المنافق، لأنه أظهر الإيمان وكتم الكفر.
مسألة [٣٩]
لا يحذف العائد المرفوع بالابتداء إذا لم تطل الصلة ، كقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، إلا إن كان الموصول أيًا كقوله: [المتقارب].
(إذا ما لقيتَ بني مالكِ ... فَسلم على أيُّهم أفضلُ)
التقدير: على أيهم هو أفضل.
وهذا البيت أنشده أبو عمرو الشيباني في حرف العين من كتاب الحرف لرجل من غسان، وفيه روايتان، إعراب أي وبناؤها على الضم،
стр. 119
وفيه حجة لسيبويه على من زعم أن (أيًا) لا تبني وإن أضيفت وحذف عائدها المرفوع بالابتداء، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، بأن أيًا استفهامية مبتدأ وأشد خبره، ثم اختلفوا في مفعول (ننزع)، فقال يونس: جملة الاستفهام على أن ننزع علق عن العمل.
وقال الكوفيون والأخفش: كل شيعة على زيادة من في الإيجاب وجملة الاستفهام مستأنفة، وقال الخليل: محذوف، أي: الذين يقال فيهم (أيهد أشد).
ولا يمكن شيء من هذه التكلفات هنا، لأن الجار لا يُعَلَّقُ، ولا يحذف مجروره، ثم إن طلحة بن مصرف ومعاذ بن مسلم، وهرون قرأوا، (أيهم) بالنصب، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله، والأصل توافقُ القراءتين،
стр. 120
وسُمِعَ حذف العائد على غير (أي) مع عدم طول الصلة، وهو قياس عند الكوفيين، وشاذ عند البصريين، وأنشدوا /٦٨/ ذلك قوله: [البسيط].
(مَنْ يُعنَ بالحمد لم يَنطق بِما سَفَهٌ ... ولا يَحْدْ عَنْ سبيل الحِلم والكرم)
يُعنَ: بضم الياء وفتح النون، مضارع عني بكذا بضم أوله وكسر ثانيه أي اعتنى به، و (بالحمد) أي بحصول الحمد، أي من رغب في حمد الناس له فلا يتكلم بالذي هو سفه، وهذا محل الاستشهاد، ويجوز أن يكون التقدير: بشيء هو سفهٌ، فتكون (ما) نكرة موصوفة، ويكون الحذف من الصفة لا من الصلة، ونظيره قوله [الكامل].
(أن يقتلوك فإن قتلَكَ لم يَكُنْ ... عارًا عليك ورب قتلٍ عارُ)
أي هو عار، بل معنى النكرة هنا أحسن، والأجود أن يستشهد بقراءة يحيى بن يعمر ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ﴾، برفع أحسن، وأما قراءة رؤبة ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ بالرفع، فجوز فيها الزمخشري، بل رجح أن تكون
стр. 121
ما استفهامية، وبعوضة الخبر، و (يحد) بكسر الحاء المهملة مضارع حاد من كذا يحيد حُيُودا وحَيْدةً، وحَيْدودَةً إذا مال وعدل.
مسألة [٤٠]
يحذف العائد المتصل المنصوب كثيرًا إن كان بالفعل ، نحو ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وقليلاً إن كان نصبه بوصف غير صلة لأل، كقوله: [البسيط].
(ما الله موليكَ فضلٌ فاحمدَنْهُ بهِ ... فما الذي غيره نفعٌ ولا ضررُ)
وضرورة إن كان الوصفُ صِلةً لها، كقوله: [البسيط].
(ما المستفُز الهوى محمودَ عاقبةٍ ... ولو أُتيحَ لهُ صَفْوٌ بلا كَدَرِ)
وقوله: [مخلع البسيط].
(في المُعْقب البغُي أهل البَغْى ما ... ينهى أمرًا حازمًا أن يسأما)
فأما البيت الأول فما فيه موصول مبتدأ، و (الله موليك) جملة اسمية صلته، والعائد محذوف، أي: موليكه، وهو في محل نصب على أنه مفعول ثان لاسم الفاعل وهو مول، لأنه بمنزلة (معط) والمفعول الأول الكاف /٦٩/ المخفوضة بالإضافة، و (فَصْلٌ) خبر عن الموصول.
стр. 122
وقد عدل الشارح عن هذا البيت الواضح واستدل بالبيت الثالث مع أنه لا يحسن مثالاً لما في النظم، لأن كلام الناظم في الحذف المقيس في النثر، ومتى كان الموصول الألف واللام كان الحذف ضرورة كما قدمنا.
وإعرابه (في المعقب) خبر مقدم، وما مبتدأ مؤخر، وهي موصولة أو موصوفة و (ينهَى) صلة أو صفة و (أل) في المعقب موصولة، و (معقب) صلة، وهو اسم فاعل من أعقب، وهو مما يتعدى إلى مفعولين، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾، و (البغي) فاعل: باسم الفاعل، و (أهل البغي) مفعول أول والمفعول الثاني هو العائد المحذوف، والأصل في المعقبةِ، ومعنى البيت في الذي أعقبه البغي أهل البغي من النكال وسؤ المال ما ينهي الرجل الحازم عن أن يسأم من سلوك طريق العدل والسداد، وتقدير الشارح ظلم أهل البغي مستغنى عنه، ويقال: سئمه وسئم منه ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، وقال: [الطويل].
(سئمت تكاليف الحياة ومَنْ يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ)
والبيت الثاني واضح، وأتيح بمعنى قَدِّرَ.
مسألة [٤١]
يجوز حذف العائد المجرور بالإضافة إن كان المضاف وصفًا بمعنى
стр. 123
الحال والاستقبال، لأنه حينئذ مفعولٌ في المعنى ومحله النصب، كقوله : ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾، أي قاضيه، وقول الشاعر: [الطويل].
(يَصْغُرُ في عيني تلادي إذا انثنتْ ... يميني بإدراكِ الذي كُنْتُ طالبا)
أي طالبه، وهذا البيت لسعد بن ناشب من أبيات أولها:
(سأغسل عني العار بالسيفِ جالبًا ... علي قضاءُ الله ما كان جالبا)
(وأَذْهَلُ عن داري وأجعلُ هَدْمَها ... لِعرضي من باقي المدينة حاجبا)
وبعده:
(فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراثُ كريمٍ لا يخَاف العواقبا /٧٠)
(أخي غَمَراتٍ لا يزيد على الذي ... يَهْمُّ بهِ مِنْ مُفظعِ الأمر صاحبا)
(إذا هَمَّ لم يَرْدَعْ عزيمةَ أمرهِ ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا)
(فيا لرزام راشحوا بي مقدمًا ... إلى الموت خَواضًا إليه الكتائبا)
(إذا هم ألقى بينَ عينيهِ عزمَهُ ... ونكّبَ عن ذكر العواقب جانبا)
(ولم يستشرْ في رأيه غير نفسه ... ولم يَرْضَ إلا قائمَ السيفِ صاحبا)
(فلا توعدوني بالأمير فأنّ لي ... جنانًا لأكناف المخاوِفِ راكبا)
(وقلبًا أبيًا لا يُروه جأشه ... إذا الشرُّ أبدى بالنهار كواكبا)
стр. 124
وفي قوله (جالبًا) شاهد أيضًا، أي جالبه، إلا أن ما تحتمل النكرة الموصوفة. والمراد بقوله: وتصغر صغر القَدْر، والمراد أنه يسهُل عليه بذل مالِه القديم إذا كان فيه إذ ذاك مطلوبه، وخص القديم لأن النفس به أبخلُ.
وقوله: وأذهل .... البيت.
يقال أن الحجاج كان هدم داره بالبصرة وحرقها، ويقال أنه قُتِل له حميم، وأنه أوعد بهدمِ داره إن طالب بثأره.
و (الغَمَرات) معظمَ الماء ومجتمعه، ويُروى (عزمات)، و (مفظع الأمر) بالظاء: معضلة بالضاد. والردع: الكفُّ و (رزام) قبيلته، و (هم) قصد، ويروى عزمه، بإضافة العزم إلى الضمير، وعزمة، بالتأنيث. وأما قوله: (غير عزمه) فبالإضافة لا غير، ويروى: غير نفسه. و (صاحبا) إما مفعول (يرضى) فالمستثنى مقدم، وأما حال من المستثنى، فالاستثناء مفرغ.
مسألة [٤٢]
قد يحذف للضرورة العائد المجرور بالحرف وإن لم يكن الموصول مخفوضًا بمثل ذلك الحرف ، أو كان مخفوضًا به، ولكن اختلف متعلق الحرفين، فالأول كقول حاتم الطائي: [الوافر].
(ومِنْ حَسَد يجورُ عليَّ قومي ... وأيُّ الدهر ذو لم يحسدوني)
стр. 125
أي الذي لم يحسدوني فيه، وفيه أيضًا استعمال ذو موصولة، واستعمال أي الاستفهامية في معنى /٧١/ النفي، وقول الآخر: [الخفيف].
(أبلغ الحارثَ بنَ نضلةَ ... والمرءُ معنى بلومِ مَنْ يَثِقُ)
أي به، والثاني كقوله: [الطويل].
(وأن لساني شُهْدةٌ يُشْتفَى بها ... وهُوَّ على مَنْ صَبَّه اللهُ عَلْقَمُ)
وهذا البيت أورده الفارسي في التذكرة عن قطرب والبغداديين وفيه أربع شواهد، أحدها: تشديد واو (هو) وذلك لغة هَمْدان بإسكان الميم وبالدال المهملة، وكذا يفعلون في الياء من (هي)، كقوله: [البسيط].
(والنفسُ ما أمِرَتْ بالعُنْفِ أبيةً ... وهيّ إن أُمِرتْ باللطفِ تأتمرُ)
الثاني: تعليق الجَار بالجامدَ لتأوله بالمشتق، وذلك لأن قوله (هو علقم) مبتدأ وخبر، والعلقم نبت كريه الطعم، وليس المراد هنا، بل المراد
стр. 126
شديد أو صعبٌ، فلذلك علق به على المذكورة، ونظيره قوله: [مجزؤ البسيط].
(ما اُمّك اجتاحَتِ المنايا ... كلُّ فؤادٍ عليكَ أُمُّ)
فعلق (على) بأم، لتأوله إياها بمشتق، وعلى هذا ففي علقم ضميرٌ، كما في قولك: زيد أسد، وإذا أولته بقولك شجاع، لا إذا أردت التشبيه.
ومن تعلق بالظرف الجامد لما فيه من معنى الفعل قوله: [الطويل].
(تركتِ بنا لَوْحًا ولو شئتِ جادنا ... بُعَيْدَ الكَرى ثَلْجٌ بكرمانَ ناصحُ)
(منعت شفاء النفس ممن تركتهِ ... به كالجوى مما تُجِنُّ الجوانحُ)
(لوحًا) بفتح أوله أي عطشا، يقال: لاح يلوح أي عطش، و (بعيد) متعلق بثلج لما فيه من معنى بارد، وإذا كان ريقها باردًا في وقت تقرب من نومها فما ظنك به في غير ذلك، و (كرمان) بفتح الكاف مدينة معروفة، و (ناصح) خالص.
الثالث: جواز تقدم معمول الجامد المؤول بالمشتق إذا كان ظرفًا، ونظيره في ذلك أيضًا، وفي تحمل الضمير قوله:
(كلُّ فؤادٍ /٧٢/ عليكَ أُمُّ)
الرابع: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المتعلق، إذ التقدير: هو علقم على من صبه الله عليه، فعلى المذكورة متعلقة بعلقم، والمحذوفة متعلقة بـ "صبه".
стр. 127
شواهد باب المعرف بالأداة
مسألة [٤٣]
قد تزاد ألْ للضرورة في اسم مستغنٍ عنها، إما بكونه معرفة بدونها، أو بكونه، واجب التنكير ، فالأول كقوله: [الكامل].
(ولقد جنيتُك اكموءً وعساقلاً ... ولقد نهيتُكَ عن بناتِ الأوبرِ)
وقوله: [الطويل].
(أما ودماءٍ مائراتٍ تخالُها ... على قُنة العزَّى وبالنَّسْرِ عَنْدما)
стр. 128
والثاني كقوله: [الطويل].
(رأيتُكَ لما أن عرفت وجوهنا ... صددتَ وطبْتَ النفسَ يا قيسُ عن عَمْرِو)
وقوله: [البسيط].
(دمتَ الحميَد فما تنفك منتصرًا ... على العِدى في سبيل المجدِ والكرمِ)
فأما البيت الأول فأصل (جنتيك) جنيت لك، أي تناولت لك، فحذف الجار توسعًا، ومثله ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ و ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ و ﴿?وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل﴾.
أي: كالوا لهم، ووزنوا لهم، وتبغون لها، وقدرنا له.
والأكمؤ جمع كمء كأفلس جمع فلس، والكمؤ واحدة الكماة، على العكس من باب تمر وتمرة. هذا قول منتجع بن نبهان وعكس ذلك أبو خيرة، فتحاكما إلى العجاج، فقضى لمنتجع.
و (العَساقل) ضَرْبٌ من الكمأةِ أيضًا، وأصلُها عساقيل، لأن واحدها عُسْقُول كعُصْفُور، فحذف المدة للضرورة، كما زادها في الصيارف من قال: [البسيط].
стр. 129
(تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفىَ الدارهيمِ تِنقادُ الصياريف)
فأما الدراهيم فقد يكون جمع دِرْهام.
و (بنات أوبر) كمأة صغار على لون التراب، يضرب بها المثل في الرداءة وقلة الخير، فيقال: إن بني فلان بنات أوبر، أي يظن بهم خير فلا يوجد، وهو علم جنس ممنوع الصرف /٧٣/ للعلمية والوزن، كابن آوى، فالألف واللام فيه زائدة، إذ لا يجتمع تعريف العلمية وأل، هذا قول سيبويه والأصمعي، وعليه بني الناظم والشارح. وزعم المبرد أنه اسم جنس بمنزلة ابن لبون، فهو مصروف، وأل فيه للتعريف، ويرده أنه لم يسمع بالألف واللام إلا في الشعر، وقول الآخر: [البسيط].
(ومن جنى الأرض ما تأتي الرِّعاءُ به ... من ابن أوْبَرٍ والمقرود والنِّقعة)
وهذه الثلاثة أنواع من الكمأة، فمنعه من الصرف، وأيضًا فليس من نظم
стр. 130
الكلام أن يأتي بأحدها نكرة وبالآخر معرفة مع تمكنه من أن يقول: من ابن الأوبر، بالنقل.
زعم ابن خروف أن (أل) في بنات الأوبر للمح الصفة مثلها في الحسن، لأن أوبر صفة في الأصل. ويردّه ما قدمناه من أنّ ذلك لم يستعمل في النثر.
وأما البيت الثاني فإنه لرجل جاهلي مجهول الاسم، وأورده الجوهري في بابي الهمزة والراء هكذا، وذكره الزجاجي في كتاب اللامات، وعبد الدائم القيرواني في حُلى العُلى:
فأبدلا (لا تزال كأنها)، مكان قوله: (ما برأت تخالها) ومحل الشاهد قوله:
وبالنَّسْر، فإنه علم على الصنم، ووضع بغير ألف ولام، ولكنها زيدت هنا للضرورة، وأما بمنزلة ألا في التنبيه والاستفتاح، ويغلب عليها أن تُردفَ بالقسم كهذا البيت، وكقوله: [الطويل].
(أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمرهُ الأمرُ)
стр. 131
أو بما يجاب به القسم، كقولهم: أما إن جزاك الله خيرًا.
ومار الشيء يمور مورًا فهو مائر، إذا اضطرب وجاء وذهب، ومنه ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، و (تخالها) تحسبها، وقنه الشيء: أعلاه، والعُزَّى: في الأصل: تأنيث أعز، ثم نقل بالألف واللام إلى سمرة كانت غطفان تعبدها، وبعث /٧٤/ ﵊ إليها خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانةٌ واضعةٌ يدها على رأسها، ناشرةً شعرها، داعيةً بثبورها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، وهو يقول: [الرجز].
(يا عَزَّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيتُ الله قد أهانَكِ)
وقال ﵊: «تلك العزّى لن تعبد أبدًا».
والنَّسْر: في الأصل اسم الطائر المعروف، ثم نقله قوم نوح ﵇ لصنم صنعوه على هيئة النسر وعبدوه، ثم انتقل منهم إلى العرب، فكان لذي الكلاع بأرض حمير، وكان يغوث لمذحج، بذال معجمة وحاء مهملة مكسورة ثم جيم. ويعوق: لهَمْدان بميم ساكنة ودال مهملة، وقيل:
стр. 132
إن هذه أسماء قوم صالحين من أولاد آدم ﵇، ماتوا، فقال الشيطان لمن بعدهم لو صوّرتموهم فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا، فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، ففعلوا.
أقسم هذا الشاعر بالدماء التي تذبح للأصنام، وذلك أنه كان لهم أحجار تُسمَّى الأنصاب، يذبحون عليها الذبائح، ويشرحون اللحم، ويتقربون بذلك لأصنامهم، وهي اللحوم التي حرم الله سبحانه بقوله : ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ونظيره قول النابغة: [البسيط].
(فلا العمرُ الذي مسّحتُ كعبتَهُ ... وما أريقَ على الأنصابِ من جسدِ)
و (تخالها) تحسبها، و (عَنْدَما) مفعول ثانٍ، وهو دم الأخوين، و (على قُنَّةِ العُزى) حال من المفعول الأول فيتعلق بمحذوف، أي تحسبها في حالة كونها على رأس العُزَّى عَنْدَما، وذلك لأنهم كان يُصيبون الصنم بذلك الدم.
وأما من روى (لا تزال كأنها) فكان الظاهر أن يرفع (عَنْدَما) خبرًا لكأن، فقد يكون نصب بها الجزأين، كقول الآخر: [الرجز].
стр. 133
(كأنّ أُذْنَيه إذا تشوفا ... قادمةً أو قلمًا محرَّفا)
ويروى هذا البيت /٧٥/ أيضًا: تخال أذنيه، فلا يكون فيه شاهد.
وفي انتصاب الخبر في باب إن أقوال، ثالثها الجواز في ثلاثة منها: ليت ولعل وكأنّ، ورابعها الجواز في (ليت) خاصةً.
وحيث قيل بمنع ذلك في (كأن) فيجوز أن يُقَدَّر خبر لكأن ناصب لعندم، أي كأنها تُرى عَنْدَمًا، كما قدّر في قراءة علي ﵁: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَة﴾ بالنصب، وأن يجعل (عَنْدَمًا) خبر تزال، وخبر كأن محذوف، واعترض بها وبمعمولها بين زال وخبرها، أي لا تزال مثل عندم كأنها كذلك، وبعد هذا البيت:
(وما سبّحَ الرهبانُ في كلّ بِيعةٍ ... أبيلٍ إلا بيلينَ المسيح بن مريما)
(لقد ذاق منا عامرٌ يومَ لَعْلَعٍ ... حُسامًا إذا ما هزَّ بالكفّ صممّا)
وما مصدرية، وهي وصلتها عطف على دماء، أقسم بالدماء المذكورة، وتسبيح الرهبان، وبيعة بكسر أولها كجمعها، وهو متعبد النصارى، وأبيل، بفتح
стр. 134
الهمزة وبالباء الموحدة المكسورة ثم آخر الحروف: الراهب، قال عدي بن زيد:
(بأبيل كلما صلى جأر)
وهو فارسي معرب، فمعنى أبيل الابيلين: راهب الرهبان، أي أفضلهم، وكانوا يطلقون ذلك على المسيح، والأصل: الابيلين، بياء النسب فحذف، كما قالوا الأشعرين والأعجمين.
والمسيح: عطف بيان، والبيت الثالث جواب القسم، وأما البيت الثالث فإنه لراشد بن شهاب اليشكري، ورواه المفضل الضبي:
(لمّا عرفتَ جِلادَنا رضيتَ ... وطِبْتَ النفسَ يا بكرُ عن عَمْرِو)
وكذا أنشده ابن السيد في شرح شعر المعري:
ومعناه واضح بخلاف ما أنشده الشارح، وبعده:
стр. 135
(رأيت دماءً أشعلتُها رماحنا ... شابيب مثل الأرجوان على النَحْرِ)
ووجه الشاهد: أن النفس تمييز محوَّلٌ عن فاعل (طِبت)، والتمييز واجب التنكير، فالألف واللام زائدة لا مُعرِّفة.
وزعم الكوفيون وابن عصفور: أن (ألْ) في البيت للتعريف، فأما الكوفيون فأعربوه تمييزًا، لأن التمييز عندهم يكون معرفة، وأما ابن عصفور مشبهًا بالمفعول به، قال: وذلك جائز مع الفعل قليلاً، كما جاء في الحديث: إن امرأة كانت تهرق الدماء، قال: فالنفس هنا كـ"نفسًا" في رواية الكسائي: خذه مطيوبةً به نفسٌ.
إذ التمييز لا ينوب عن الفاعل.
وأما البيت الرابع، فالحميد حال لا خبر، لأن دام تامة، لأنها لم تسبق بما الظرفية، والحال كالتمييز في وجوب التنكير، وزعم يونس أن الحال جائزة التعريف، فعلى قول أل للتعريف.
مسألة [٤٤]
إذا غلب اسم بالألف واللام على بعض من هوله لم يجز نزعها منه إلا في نداء ، نحو: يا نابغة، يا أخطل.
أو إضافة، نحو: نابغة بني ذبيان.
стр. 136
وقوله: [الوافر].
(١) (ألا أبلغ بني خلف رسولاً ... أحقًا أن أخطلكم هجاني)
أو في ضرورة: [الطويل].
(٢) (إذا دبرانا يومًا لِقَيتهُ ... أؤمل أنّ ألقاك غَدْوًا بأسْعَدِ)
فأما البيت الأول فإنه للنابغة الجعدي ﵁ من كلمة يهجو فيها الأخطل النصراني حين هجاه بنو خلف رهط الأخطل، وهم من تغلب. و (رسولاً) حال الفاعل، أو اسم للمصدر بمعنى الرسالة، مثلها في قوله: [الطويل].
(لقد كذب الواشون ما بُحَتُ عندهم ... بليلى ولا أرسلتهم برسول)
فيكون مفعولاً ثانيًا، ولو منع مانع مجيء رسول بمعنى الرسالة محتجًا بأنهم لم يستندوا في ذلك إلا إلى هذا البيت، وهو محتمل للوصفية على أنه حال لم يُحسن، لأنه يلزم منه كون الحال مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى.
стр. 137
ومجيء فَعول للجماعة، وزيادة الباء في الحال، وهذه وإن كانت /٧٧/ أمورًا ثابتة، نحو: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾، ونحو: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي﴾ ونحو قوله: [الوافر].
(فما رجَعَتْ بخائبةٍ ركابٌ ... حكيمُ بنُ المسيبِ مُنتهاها)
إلا أن اجتماعنا بعيد.
و (حقًا) ظرف عند سيبويه، ومصدر نائب عن فعله عند المبرد، ويشهد لسيبويه تصريحهم بفي معه، قال: [الطويل].
(أفي الحق أني مغرمٌ بك هائمَّ ... وإنك لا خل لديكِ ولا خَمْرُ)
فإن وصلتها على قول سيبويه فاعل، أما بـ (ثبت) محذوفًا، أو بالظرف نفسه على الخلاف، في نحو: أعندك زيد؟ إذا أعرب فاعلاً، وأما مبتدأ خبره الظرف، وعلى قول المبّرد تتعين الفاعلية إما بالمصدر أو بالفعل قدّر في الأخطل الشياع أضافه إلى قبيلته، ليعرفه بهم، ونزع منه أل، لأنها لا تجامع الإضافة، ومن أبيات القصيدة:
(فظلّ لنسوةِ النعمان منّا ... على سَفَوانَ يومٌ أرْوَنَاني)
وهو مما يسأل عنه، فيقال: كيف خفض صفة المرفوع؟ فقيل إنه
стр. 138
بالرفع على الأقواء، وقيل: أصله أروناني، بياء النسب للمبالغة، كأحمري ودواري، ثم خُفِّف، وفي أرونان، غلطة لابن الأعرابي، فإنه اشتقه من الرُّنَّة، وهي الصوت، لأنها إنما تكون مع البلاء والشدة، وبُردّه إنه ليس في العربية أفوعال، وإنما هو من الرّونة، وهي الشدة، ونظير هذا قول ثعلب في (أسْكُفّهُ) إنها من استكفَّ أي اجتمع، وليس في العربية أُسْفُعْله، وإنما هي من سكفَ، ووزنها أُفْعُلّه، وقوله: إنَّ تَنّورًا من النار، ولو صح لكان تَنْوور كما تقول في بناء مثله من القول تقوول، وإنما هو فعول من (تَنَرَ) /٧٨/، وهذا أصلٌ لم يستعمل إلا في هذا الحرف وبالزيادة، ومثله حوشبٌ وكوكبٌ.
وأما البيت الثاني: فالدبران علم على الذي يَدْبرُ الثُّريا، وهو خمسة كواكب في الثور، ويقال: إنها شامةٌ، وحَقه أن يصدق على كل مُدْبِرٍ، ولكنه غلب على هذه الكواكب من بين ما أدبر، قال سيبويه: ولا يقال لكل شيء صار خلف شيء دبران، قال: وهذا بمنزلة العِدْل والعديل فالعديل ما عاد لك من الناس، والعدل لا يكون إلا للمتاع. انتهى.
وإنما غلب بالألف واللام، ولكن الضرورة اقتضت حذفها في البيت
стр. 139
كما اقتضت زيادتها في الأبيات السابقة.
وزعم ابن الأعرابي أن ذلك جائز قياسًا في أسماء النجوم خاصة، وحكى: هذا عيّوقٌ طالعًا. وهنا تنبيه: وهو أن انتزاع أل من العلم الذي غلب بها تارة يكون مع بقاء عمليته، كما في قولهم: هذا عيوق طالعًا، وهذا يوم اثنين مباركًا، ألا ترى إلى مجيء الحال منهما، وإن مفهومهما لم يتغير، وتارةًً مع زوال العلمية كما في هذا البيت، فإن دبرانًا فيه بمنزلة هيثم في قوله: [الرجز]
(لا هَيْثَمَ الليلة للمَطيِّ)
وعلى هذا فالشذوذ راجع في الحقيقة إلى تنكيره، وانتزاع أل منه بعد ذلك واجبٌ، وعلى هذا فصرفه في البيت واجبٌ لا ضرورةٌ، وانتصابه بفعل محذوف على شريطة التفسير.
ومن رواة بالرفع قدّر فعل المفعول، أي: إذا لُقِيّ دبرانٌ. ومثله في الرواية بالوجهين قوله يخاطب ناقته: [الطويل].
(إذا ابن موسى بِلالاً بلغْتِهِ ... فقام بفَأسٍ بينَ وِصْلَيْك جازرُ)
الوصْلان، بكسر الواو: تثنية الوصْل، واحد الأَوصال والأخفش
стр. 140
والكوفيون يجيزون تقدير المرفوع بعد أداة الشرط مبتدأ، وقوله: أؤمل، بهمزة بعدها واو مبدلة من همزة، وتجوز قراءته بهمزتين وإن كانا في كلمة /٧٩/، تنزيلاً لهمزة المضارعة منزلة همزة الاستفهام، لدلالتها على معنى وهو التكلم، ولعدم لزومها، إذ تخلفها أخواتها الثلاثة.
و (الغَدْو) أصل الغد، ومثله في المجيء على الأصل قوله: [الرجز]
(لا تَقْلُوهَا وادلُواها دَلْوا ... إن معَ اليومِ أخاهُ غَدْوا)
وهو اسم لتالي يومك، ويستعمل أيضًا للزمن المتأخر مطلقًا، ومنه: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾، أي يوم القيامة، أو يوم الفتح، وهو ظاهر في البيت.
و (أسعدُ) بضم العين: جمع سعد، وسعود النجوم وأسعدها عشرة، وهي والدبران في البيت كنايتان.
والمعنى: إذا رأيت منك يومًا سيئًا أكرهه فلا أقطع رجائي منك، ولكني أؤمل حصول خيرك بعد ذلك.
стр. 141
شواهد باب المبتدأ والخبر
مسألة [٤٥]
المبتدأ نوعان: مفتقرٌ إلى الخبر كزيد قائم، ومستغنٍ عنه ، وهو الوصف الرافع لمنفصل مغنٍ، وشرطه عند غير الأخفش من البصريين أن يعتمد على استفهام، كقوله: [البسيط].
(أقاطنٌ قومُ سلمى أم نَووا ظَعنا ... إنْ يَظعنوا فعجيبٌ عَيْشُ مَنْ قَطَنا)
أو نفي، كقوله: [الطويل].
(خليليَّ ما وافٍ بعهدي أنتما ... إذا لم تكونا لي على مَنْ أقاطعُ)
стр. 142
وأجازه الأخفش والكوفيون بدونهما، واستدل لهم بقوله: [الطويل].
(خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلا تكُ مُلْغيًا ... مقالةَ لهبي إذا الطيرُ مرتِ)
وقول الآخر: [الوافر].
(فخيرٌ نحنُ عند الناسِ منكمُ ... إذا الداعي المثوَّبُ قالَ يا لا)
فأما البيت الأول: فقاطن اسم فاعل من قطن بالمكان، أي أقام به وتوطنه، وجمعه قُطَّان وقَطينٌ، وقد جاء في بيت /٨٠/ تنازعه فيه ثلاثة عوامل، وهو: [م. الرمل].
(علموني كيف أبكيـ ..... هم إذا خفَّ القطينُ)
فأعمل فيه (خف)، ومعناه: قل واضمر في الأول على القياس، وفي الثاني على غير القياس، لأنه فصله وقوم فاعل مغنٍ عن الخبر، لأنه مع الوصف في قوة الفعل وفاعله حَسُنَ عطف الفعل وفاعله عليهما، بأم المعادلة و (عجيب) خبر مقدم لا مبتدأ، وإن كان وقوع النكرة بعد فاء الجزاء مسوِّغًا للابتداء، نحو:
стр. 143
(إن مضى عَيْرٌ فعير في الرباط)
لأن المعنى على الإخبار عن (عيش) من أقام بعد أولئك، بأنه عيش عجيب، لا عن العكس.
وأما البيت الثاني ففيه شاهد على ما ذكرنا وعلى إبطال قول الكوفيين، ومن تبعهم كابن الحاجب والسهيلي أنه يجب في نحو: أقائم أنت؟ كون أنت مبتدأ مؤخرًا وكأنَّ الزمخشري يوافقهم أيضًا، لأنه جزم في: ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ﴾ بذلك، وشُبْهَتُهم أن الفعل لا يليه فاعله منفصلاً، لا يقال: قام أنت. فكذا الوصف.
والجواب: أن الفعل أقوى في العمل، فلما قوي عمله امتنع فصله، وإنا أجمعنا على أن فاعل الوصف ينفصل إذا جرى على غير صاحبه، وألبس، فكما فُصِل لهذا الغرض يُفصل لغرض آخر صحيح، وهو كونه في اللفظ سادًا مسد الخبر، وهو وَاجب الفصل.
ثم كيف يصنعون بهذا البيت، فإنهم إذا قدّروا الضمير فيه مبتدأ لزم الإخبار عن الاثنين بالمفرد، وأمّا استدلال بعضهم بقول الآخر: [الطويل].
(فما باسطٌ خيرًا ولا دافعٌ أذى ... من الناس إلا أنتمُ آل دارم)
стр. 144
فباطل، لأن الحصر يصحح الفصل في مرفوع الفعل كقوله: [السَريع].
(قد عَلِمتْ سَلْمى وجاراتُها ... ما قطرَ الفارس َ إلا أنا)
فهذا لا يمنعه أحد في وصف ولا غيره، وإطلاقهم مقيد بما عدا ذلك ونحوه، وأولى ما يردّ به عليهم /٨١/ قوله تعالى ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ﴾، لأن الوصف قد تعلق به عن ومجرورها فلو كان خبرًا يقتضيه مذهبهم وكما ذكرهُ الزمخشري لزم الفصل بين العامل ومعموله بالأجنبي، وقد تبين بهذا أيضًا فساد قول من يجوز في الآية الوجهين اللذين في: أقائمٌ زيد.
أما البيت الثالث فإنه لبعض الطائيين، وتوجيه الاستدلال به أن (خبير) لو كان خبرًا مقدمًا لزم الإخبار عن الجمع بالواحد، فلما بطل هذا تعيَّن كونه مبتدأ، و (بنو) فاعل به، ويُردّ هذا أن فعيلاً قد يأتي للجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وقول الشاعر: [الطويل].
(نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأوجهٍ أعداءٍ وهنَّ صديقُ)
وقول رؤبة: [الرجز]
(رؤبةُ دَعْها فما النجوى من صديقها)
стр. 145
لأنه يقال: ما فلان من الناس، ولا يقال: ما هو من الرجل وقد ظفرت بذلك في لفظه خبير نفسها، قال: [الوافر].
(إذا لاقيتِ قومي فاسأليهمْ ... كفى قومًا بصاحبهم خبيرًا)
وفاعل (كفى) ضمير السؤال المفهوم من سأل، و (قَومًا) مفعول، و (خبيرًا) صفة له، و (بصاحبهم) متعلق به.
و (لِهب) بكسر اللام، وهي أحذق الناس بالعيافة والزجر، ولهذا وصفهم الشاعر بالخبرة، ونهى عن إلغاء قولهم إذا مرّت الطير، وقال الآخر: [الطويل].
(سألت أخا لهب ليزجر زجره ... وقد صار زجر العالمين إلى لِهبِ)
وأما البيت الرابع فهو لزهير بن مسعود الضبي، و (خيرٌ) فيه مبتدأ، و (نحن) فاعل، وفيه شذوذان، أعمال الوصف غير معتمدٍ، ورفع اسم التفضيل للظاهر في غير مسألة الكحل، ولا يكون (خيرٌ) خبرًا مقدمًا لئلا يلزم الفصل بين اسم التفضيل و (من) بالأجنبي، وهو المبتدأ /٨٢/، وقد يؤول هذا البيت على تقدير (خير) خبرًا لنحن محذوفة، وجعل (نحن) المذكورة مؤكدة للضمير المستتر في (خير) العائد على (نحن) المحذوفة، والمثوب الذي يدعو الناس يستنصر بهم دعاء يكرره، ومنه التثويب في الصبح.
следующие страницы →