Полный текст (470 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كذا وحسبي منه، ويجوز أن يكون النصر هنا بمعنى العطية، كقول بعض السؤال: من ينصرني ينصره الله، وقد خرج عليه قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾، وعلى هذا فالإضافة للفاعل، ويرجح، الأول: أنه لم يفرده بالذكر، وإنما يكون العطاء غالبًا من ولي الأمر. والثاني: إن بعده [الرجز].
(ليس الإمام بالشحيح الملحد)
والمراد بالملحد: الظالم في الحرم، ومن يرد فيه بإلحاد بظلمٍ وخبيب أحد أبناء عبد الله وبه يكنى، ويروى: الخُبَيْيَنَ مثنى، على إرادة عبد الله وأخيه مصعب، والخبين على الجمع، على إرادة عبد الله ومن على رأيه، وكلاهما تغليب.
ويحتمل على الجمع أن يريد مجرد أصحاب عبد الله، على أن الأصل الخبيين، ثم حذفت الياء، كقولهم: الأشعريين، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾، فإنه ليس جمعًا لأعجم، لأنه لا تلحقه الياء، لأنه أفعل فعلى، كأحمر وأسود، ورد ابن السيد في (شرح الكامل) رواية التنية، بأن حُميدًا قال هذا الشعر عند حصار طارق، ومُصْعَب مات قبل ذلك بسنين.
والشاهد في قوله: قدني، بإلحاق النون، وأما قوله: قدي، فقال
стр. 72
الشارح وغيره: إنه شاهد على ترك النون، وليس كما قالوا: الجواز أن يكون أصله قد، ثم أُلحِقَ ياء القافية، وكسر الدال، للساكنين، وإنما شاهد الحذف: [الطويل].
(فآليت لا آسى على إثْر هالك ... قدي لآن من وَجْدِ على هالك قدي)
والشاهد في (قدي) الأولى، أما الثانية فمحتملة لما ذكرنا، وأما البيت الثاني فإنه لأبي غياث الكلابي يصف ضيفًا قدم له إناء فيه لبنٌ، فشرب منه، ثم قال: يكفيني، فحلف عليه ليشربَن جميعهٌ، وقوله: بالله /٤٢/، متعلق (بأحلف) محذوفًا، وحَلْفةً: مصدر لذلك المحذوف، وقوله: لتغني عني، من قولهم: أغْنِ عني وجهك، أي اجعله بحيث يكون غنيًا عني، أي لا يحتاج إلى رؤيتي، و (ذا إنائك) صاحبه، وهو اللبن.
وفي البيت شواهد، أحدها: قوله (قدني) بالنون، وذلك إما لحفظ السكون، وهو قول البصريين، ومعناها عندهم يكفيني. والثاني: قوله: إنائك، بإضافة إناء المضيف إلى الضيف، لا لأنه ملكه، بل لأنه ملابسه، كما يقول كل من حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، وحسنه هنا أن ضيف الكريم يتنزل عنده منزلة المالك.
الثالث: قوله (لتغني عني) بلام مكسورة للتعليل، وياء مفتوحة للناصب المضمر، وهي رواية أبي الحسن، واستدل بها على جواز إجابة القسم بلام كي، والجماعة يمنعون ذلك، لأن الجواب لا يكون إلا جملة، ولام كي وما بعدها جار ومجرور، والبيت محمول على حذف الجواب وبقاء
стр. 73
معموله: أي لتشرَبنَّ، لتغني عني، كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾، أي: لنِعيدن يوم ترجف.
والرابع: لتُغنِنَّ عنِّي، بلام مفتوحة للتوكيد، ونون مكسورة هي عين الفعل، بعدها نون مشددة مفتوحة للتوكيد، وهي رواية ثعلب، وهي دليل على أن الياء التي هي لام الفعل المؤكد بالنون قد تُحذف وتبقى الكسرة دليلاً عليها، وهي لغة قزارة، يقولون: ارمِنَّ يا زيد، وابكن يا عمرو، قال: [البسيط].
(وابكَّن عيشًا تقضي بعد جِدتهِ ... طابتْ أوائله في ذلك البلد)
ولغة الأكثرين: ارمين وابكيّن ولتغنيّن، بإثبات الياء مفتوحة.
والخامس: في قوله: (أجمعا) فأكد به وإن لم يسبقه كلُّ وأورد /٤٣/ الشارح وجماعة البيت: إذا قال قدني قال بالله ...
فيكون الشاعر لا ضيفًا ولا مضيفًا بل حاكيًا عن شخصين غيره، وليس كذلك، وأورده بعضهم:
إذا قلت: قدني، قال: بالله.
стр. 74
فيكون الشاعر هو الضيف، والصواب العكس، بدليل أن قبله:
(فناولتهُ من رسل كوماء جَلْدَةِ ... وأغضيْتُ عنه الطرفَ حتى تَضَلَّعا)
وشاهد (قطني) قوله: [الرجز]
(امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويدًا قد ملأت بطني)
فيه شواهد، أحدها: إطلاق القول على ما شهد به لسان الحال، فإن الحوض لما امتلأ فلم يبق فيه سعة كان قائلاً بلسان الحال: حسبي، ونظيره قولهم:
(قال الجدار للوتد لم تشقني ... فقال: سل من يدقني)
وقولهم: قالت النخلة للنخلة أبعدي ظلك عن ظلي، أحمل حملك وحملي. وللقول خمسة معان، أحدها: اللفظ الدال على معنى مفيدًا كان أو غيرمفيد. والثاني: ما في النفس، بدليل ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾.
والثالث: الحركة والإمالة، يقولون: قال برأسه كذا فنطحه، وقالت النخلة كذا فمالت. والرابع: ما يشهد به لسان الحال كهذا البيت، وهو أحد
стр. 75
القولين في قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
والخامس: الاعتقاد، كقولك: هذا قول الخوارج.
الثاني: إلحاق النون قبل الياء الداخلة عليها قط، وفي ذلك من التوجيه والخلاف ما قدمنا في (قد).
ووهم يعقوب في الإصلاح، فزعم أنه يقال: قطن، بمعنى حسب، بنون هي من نفس الكلمة، وأنها كسرت لأجل الياء وأورد البيت على ذلك، ورد عليه أبو محمد الأعرابي في كتابه المسمى: زلات العلماء.
والثالث: أنه يجوز التعبير عن المعنى الواحد بثلاث كلمات مترادفة مجتمعة على سبيل التوكيد، ومثله ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ وروى يعقوب وغيره: (سلا) بدل (مهلا) وهو يفتح السين المهملة، أي: سل الماء مني سلا رفيقًا، وقيل: إنه بالمعجمة، وهو مصدر (شللت الإبل) إذا طردتها، وشاهد قطي قوله: [الطويل].
(قطي أبدًا من كل ما ليس نافعي ... ومن طلبي ما ليس منه بنصيبِ)
стр. 76
أنشده مبرمان في أماليه، وقال: جاز لما كان بمعنى حسبي /٤٤/ انتهى.
وروي في حديث النار، أعاذنا الله منها، قَطْني قَطْني، بالنون، وقَطِي، بتركها وقَطِ قَطِ، بحذف الياء وبقاء الكسرة، وقَطْ قَطْ، بالسكون، على أن الياء لم تذكر البتة، وقطٍ قطٍ، بتنوين التنكير؛ مثل: صهٍ ومهٍ.
стр. 77
شواهد باب العلم
مسألة [٢٣]
من العلم المنقول ما نقل عن جملة فعلية مستتر فاعلها، والحكاية في ذلك واجبة مثلها في المنقول عن جملة صرح بفاعلها، ومثاله أن تسمى بيقوم، من قولك زيد يقوم، وشاهده قول الشاعر: [الوافر].
(نُبئّتُ أخوالي بَني يزيدُ ... ظُلْمًا علينا لهمُ فَديدُ)
فقال: يزيد بالضم، لأنه قدره منقولاً من قولك: المال يزيد، ولو قدر منقولاً من قولك: يزيد المال لإعرابه، فقال: بني يزيد، بالفتح.
стр. 78
وزعم ابن يعيش أن الرواية تزيد، بالتاء من فوق، قال:
وهو تزيد بن حلوان، أبو قبيلة، وإليه تنسب البرود التزيدية، ورده ابن الحاجب بأن الرواية إنما صحت بالياء، آخر الحروف، وبأن (تزيد) بالتاء من فوق، لم يسمع في كلامهم. إلا مفردًا، كقوله: [الكامل].
(يعثرن في حد الظبات كأنما ... كسيت برود تزيد الأذرع)
قوله: (في حد الظبات) حال لا متعلق بـ (يعثرن)، والفديد: الصوت، وأسماء الأصوات تأتي على الفعيل كثيرًا، كالصهيل والهدير والشهيق والنهيق والزفير والأزيز، و (بني) بدل أو صفة، ويرجح الثاني، أن البدل حقه أن يكون بالأسماء الموضوعة للذات، باعتبار أنفسها كزيد وعمرو، وأن الصفة حقها أن تكون بالأسماء الموضوعة لها باعتبار معنى هو /٤٥/ المقصود، كالعالم ونحوه وابن كذلك قيل: ويجوز أن يكون مفعولاً ثالثًا، وفيه نظر، لأنه يكون حينئذ قد نُبِّئ بأن أخواله بنو يزيد، ومثل هذا لا يحتاج
стр. 79
إلى أن يخبره به غيره، وإنما المفعول الثالث (ظلما) بمعنى ذوي ظلم، أو بمعنى ظالمين، أو عليهما فقوله (لهم فديد) مفسر لظلمهم، وقيل: يجوز أن يكون (ظلمًا حالاً، أو مفعولاً لأجله، وفيه نظر، أما الحال فلأن صاحبها إما ضمير لهم فيؤدي إلى تقديم الحال على عاملها المعنوي، والأكثرون يمنعونه مطلقًا، وأما (أخوالي) فيؤدي إلى تقييد المبتدأ من حيث هو مبتدأ، وذلك ممتنع، لا يقال: زيد ضاحكًا يقوم، على أن (ضاحكًا) حال من زيد، بل على أنه حال من ضمير (يقوم)، وأما المفعول له فلأنه إما تعليل لـ (نبئت) وهو لم ينبأ بذلك لأجل ظلمهم، أو للاستقرار، فيلزم تقديم المفعول له على عامله المعنوي، وهذا ممتنع في الحال مع شبهها بالظرف، فما الظن بالمفعول له، أو الفديد، فيلزم تقديم معمول المصدر عليه، والأكثرون يمنعونه في الظرف، فما الظن بغيره، ونظير هذا البيت في الاستشهاد قول رؤبة في ابنته:
(سميتها إذْ وُلِدَتْ تموتُ ... والقبرُ صِهْرٌ ضامنٌ زَميتُ)
(ليس لمن ضُمِنه تَربْيتُ)
(الزميت) بالزاي المفتوحة: الوقور، و (التربيت) التربية، وقول حسان ﵁:
(عاري الأشاجع من ثقيف أصله ... عَبْدٌ ويَزْعُمُ أنهُ مِنْ يَقْدُمُ)
стр. 80
(الأشاجع) أصول الأصابع.
مسألة [٢٤]
يؤخر اللقب عن الاسم غالبًا ، وقد يقدم عليه، ذكره ابن الخباز في النهاية، وأنشد عليه: [الوافر]
(أنا ابن مزيقيا عمرو وجدِّي ... أبوُه عامرٌ ماءُ السماءِ)
وذكره ابن مالك في شرح التسهيل، وأنشد عليه: [البسيط].
(أبلغ هذيلاً وأبلغْ من يُبلِّغُها عنِّي حديثًا وبعضُ القول تجريبُ)
(بأن ذا الكلبِ عمرًا خيرَهَم حسبًا ... ببَطْنِ شَرْيانَ يعوي حولهُ الذيبُ)
فأما البيت الأول فهو لبعض الأنصار، والأصل فيه: أنا بن عمرو مزيقيا، وعمرو هذا هو: ابن عامر بن حارثة الأزدي، كان من ملوك اليمن، وكان يلبس كل يوم حلتين، فإذا أصبح مزقهما كراهية أن يلبسهما ثانيًا، وأن يلبسهما غيره، فلقّب بذلك، وأبوه عامر، وهو الذي خرج من اليمن لما أحس بسيل العرم، وكان قومه إذا أجدبوا مانَهُمْ حتى يُخْصِبوا، فلقب ماء السماء، لأنه ينوب عنه، وهذا البيت اشتمل على تقديم اللقب وتأخيره.
وقوله (وجدي أبوه) مبتدأ وخبر، والهاء عائدة على عمرو.
стр. 81
وأما البيت الثاني فإنه لجنوب أخت عمرو ذي الكلب، ترثيه، وأول القصيد:
(كل امرئ بطوال العيش مكذوب ... وكل مَنْ غالب الأيام مغلوب)
(بينا الفتى ناعمٌ راضٍ بعيشته ... سِيقَ لَهُ من نوازي الشرِّ شؤبوب)
(يلوي به كل يوم لَيّةً قَذَفًا ... فالمنسمان معًا دامٍ ومنكوبُ)
وبعد البيتين:
(الطاعنُ الطعنةَ النجلاءَ يَتْبَعُها ... مُثْعَجِزٌ من نَجيعِ الجَوْف أُثعوبُ)
(تمشي النسور إليه وهي لاهيةٌ ... مَشْيَ العذاري عليهنَّ الجَلابيبُ)
(المخرجُ الكاعبَ الحسناء مُذْعِنَةً ... للسبي يَنْفَحُ من أردانِها الطيبُ)
(طَوال) بالفتح: جمع طُول بالضم، وأما الطُّوال بالضمَ، فالطويل، وأما الطوال بالكسر، فجمع طويل، و (النوازي) جمع (نازية) من نزا ينزو، إذا علا ووثب، و (الشؤبوب) الدُّفعة من المطر وغيره، و (القَذَف) البعيد، و (المنسم) بفتحة فكسرة: خفٌ البعير، وأستعير هنا لقدم الإنسان و (نكبته) الحجارة بالتخفيف، إذا لثمته، و (النجلاء) /٤٧/ الواسعة، وآثعنجر: انصب مطاوع ثَعْجَرَةُ، و (النجيع) الدم، و (الأثعوب) كالأسكوب وزنًا ومعنى، وشريان بفتح الشين المعجمة، اسم وادٍ، وكأنه منقول من واحد الشرايين وهي العروق النابضة، وقد يقال في واحد الشرايين، شريان بكسر الشين.
стр. 82
شواهد باب الإشارة
مسألة [٢٥]
من الأسماء المشار بها إلى المفرد المؤنث تا ، كقوله: [الوافر].
(وليس لعيشنا هذا مهاهٌ ... وليستْ دارنا هاتا بدارِ)
هذا البيت لعمران بن حطان الخارجي السدَوسي، و (مهاٌه) فعال، عينه ولامه هاء، أي صفاء ورونق، يقال: وجهٌ له مهاهٌ، هذا قول النحويين، وقال الأصمعي: مهاةٌ، بالتاء فوزنها فعلة كحصاةٍ، وإنما
стр. 83
المهاة: البلورة، والبقرة الوحشية، هذا المعروف، وذكر بعضهم أنها أيضًا تكون بمعنى الصفاء والرونق، وأن أصلها مَوَهةٌ، من مادة الماهِ قلبوا العين إلى موطن اللام على أن هذا القلب قد استعمل في فعل الماء، قال الكندي، يصف سهمًا: [المديد].
(راشَهُ من ريشِ ناهضةٍ ... ثم أمهاهُ على حَجَرِهُ)
أي حدّده، وسقَاه الماء، والأصل أماهه، ثم قلب، فوزنه أفلعه، ووزن مهاة فَلَعَةٌ،/ وإذا سقطت التاء من مهاة، الذي بالتاء صار للجماعة/، وإذا سقطت الألف من مهاه، الذي بالهاء فمعناه الشيء اليسير السهل، قالت العرب: كل شيء مَهَةٌ ما النساء وذكرهن، والأصل: ماعدا النساء، فحذف الصلة وبقي معمولها: لا أكلمه وما أن في السماء نجمًا، أي ما ثبت، وقيل: استعمل ما النافية للاستثناء، كما استعملت ليس كذلك، ويروى:
(وليست دارنا الدنيا بدار)
وبعد البيت
стр. 84
(وما أموالنا إلا عوارٍ ... سيأخذها المعير من المعار)
مسألة [٢٦]
الغالب في أولاء أن يكون للعقلاء، وقد يأتي لغيرهم ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، وقول الشاعر: [الكامل]
(ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللوى ... والعَيْشُ بعد أولئكَ الأيامِ)
هذا البيت لجرير، وهو مما حسن للفظه لا لمعناه، وهو أحسن /٤٨/ بيت ذكر فيه اللوي، ولأولئك فيه موقع بديعٌ، وأول القصيد:
(سَرَتِ الهمومُ فبِتْنَ غيرَ نيامِ ... وأخو الهمومِ يرومُ كلَّ مَرامِ)
ومنها:
(وإذا وقفْتُ على المنازل باللوى .. فاضتْ دموعي غيرَ ذاتِ نظامِ)
(طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيادة فارجعي بسلامَ)
وقد عيب عليه إذ طرد خيال محبوبته، وأُجيبَ بأنه طرقَه في حال السفر، فأشفق عليه من الخطر.
стр. 85
والأرجح في قوله (ذمّ) كسر الميم الذي هو واجبٌ إذا فكّ الادغام على لغة الحجاز، ودونه الفتح للتخفيف، وهو لغة بني أسد، والضم ضعيف، ووجهه إرادة الإتباع، و (المنازل) جمع منزل أو منزلة، فهو كالمساجد أو كالمحامد، وهو أولى، لقوله: منزلة اللوى، و (بعد) إما حال من المنازل، أو ظرف للأمر، وفيه حذف، أي بعد مفارقة منزلة اللوي، و (العيش) عطف على (المنازل)، و (الأيام) صفة للإشارة، أو عطف بيان.
ويروى (الأقوام) بدل (الأيام)، فلا شاهد فيه. وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب، وأن الطبري غلط إذ أنشده (الأيام)، وأن الزجاج تبعه في هذا الغلط.
مسألة [٢٧]
دخول حرف التنبية على المجرد من الكاف كثير ، نحو: هذان وعلى المقرون بها دون اللام قليل، نحو: هذاك، وعلى المقرون بهما ممتنع، ومن القليل قوله: [الطويل].
стр. 86
(رأيتُ بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهلُ هذاك الطِّرافِ الممددِ)
وهذا البيت لطرفة بن العبد، من معلقته، وأولها: /٤٩/.
(لخولة أطلالٌ ببرقةِ ثَهْمَدِ ... ظللتُ بها أبكي وأُبكي إلى الغَدِ)
(وقوفًا بها صحبي علي مطيَّهم ... يقولون لا تهلكْ أسى وتجلدَ)
ومن محاسنها قوله:
(ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدَّدِ)
وقوله:
(إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلدِ)
ولست بحلال التلاع مخافةً ... ولكن متى يسترفد القومُ أرفدِ)
وقيل البيت:
(ومازال تَشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي)
(إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت أفراد البعير المعبَّدِ)
وبعده:
(ألا أيهذا الزاجري احضُرَ الوغي ... وأن أشهد اللذاتِ هل أنت مُخلدي)
(فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي)
ويأتي شرح هذا، إن شاء الله تعالى، في باب إعراب الفعل، ومنها:
стр. 87
(ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ)
(ويأتيك بالأنباء من لم تَبِعْ له ... بتاتًا ولم تضرِبْ له وقتَ موعدِ)
ومنها:
(وظلم ذوي القُربى أشَدُّ مضاضةً ... على المرء من وقع الحسامِ المهنَّدِ)
و (خولة) امرأة من كلب، و (البُرقة) بضم الباء، رابية فيها رمل وطينَ، أو طين وحجارة يختلطان، و (ثَهْمَد)، بالثاء المثلثة: موضع.
والبيت الثاني توارد فيه مع امرئ القيس إلا في شطر كلمة، وهما: وتجلد وتجمل، وكان أبو هلال صاحب الصناعتين ينكر المواردة حتى /٥٠/ وارد غيره في قوله: [الطويل].
(سفرن بدورًا وانتقبن أهلَّةً ... ومَسْنَ غصونًا والْتَفَتْنَ جآذرا)
فاعترف بها.
قال المتنبي: الشعر ميدان والشعراء فرسان، فربما اتفق توارد الخواطر كما قد يقع الحافر على الحافر، وطرفة أول من ذم سرقة الشعر فقال: [البسيط]
(ولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشر الناس من سرقا)
стр. 88
وقال الأعشى: [المتقارب].
(فكيف أنا وانتحال القوافي ... بعد المشيب كفى ذاك عارا)
فاعترف بها.
والتخدُّد والتغضُّن: اضطراب الجلد واسترخاء اللحم، والتشراب، بفتح التاء: كثرة الشرب، والطريف: ما استحدثته، والتالد والتليد: ما كان عندك قديمًا، والبعير المعبد: الأجرب الذي ذلله الجرب، فإنه يفرد عن الإبل، لئلا يعديها، و (بنو غبراء) الفقراء الغرباء والسؤال، و (الطّراف) بكسر الطاء المهملة: بيتٌ من أَدَم، وأهله الأغنياء، أي أنه يعرفه الفقراء، لأنه يرفدهم، والأغنياء، لأنه ينادمهم.
وأهل مرفوع بالعطف على فاعل (ينكرونني)، للفصل بينهما بالمفعول، و (تبع) تشتر، والبتات: المتاع.
مسألة [٢٨]
هنا للمكان ، نحو: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وقد تأتي للزمان،
стр. 89
وقد حمل عليه، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا﴾، وقال الأفوه الأودي: [الكامل].
(وإذ الأمور تعاظمت وتشابهت ... فهناك تعترفون أين المَفْزَعُ)
وقال بعض الخوارج: [الطويل]
(أرى أم عمرو ما تزالُ تفجَّعُ ... تلومُ وما أدري علامَ توجَّعُ)
(تلوم على أنْ أمنحَ الوَرْدَ لِقْحَةً ... وما تستوي والوَرْدَ ساعةَ تَفْزِعُ)
(إذا هي قامتْ حاسرًا مشمعِلةً ... نخيبَ الفؤادِ رأسُها ما يُقنّعُ)
стр. 90
(وقمتُ إليهِ باللجام مُيّسرا ... هنالك يّجزيني الذي كنتُ أصنعُ)
يقول: إنها تلومه على إيثاره عليها فرسه الوَرْد بشرب اللبن، ومعنى قوله: وما أدري أنه لا يدري لذلك وحبها صحيحًا وإلا /٥١/ فقد ذكر سبب توجُّعها بعده.
و (اللِقحة) بكسر اللام: الناقة ذاتُ اللبن، فالتقدير: لبن لقحة، و (الوَرْد) صفة أو علم، وهو/ في من نصبه/ مفعول معه، ومن رفعه عطف على المستتر في (تستوي)، من غير فصل بينهما، وإذا ما يدل من ساعة فليس فيها معنى الشرط، أو أول كلام مستأنف ففيها معناه، وجملة (هنالك تجزيني) جواب على الثاني، مستأنف على الأول، وقوله (حاسرًا) أي غير مقنعة، و (مشمعلة) يا لمعجمة ثم المهملة: مسرعة، و (نخيب) بالنون المفتوحة فالمعجمة المكسورة، أي منخوبة القلب، أي طائرته من شدة الفزع، و (رأسها) مبتدأ، وحذف الراجع من الخبر، أي ما تقنعه، مثل ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، ومن نصبه فظاهره حجة للكوفيين غير الفراء، على أن ما النافية ليس لها الصدر، ونظيره قوله: [الرمل].
(لم يكن غيرها لي خلة ... ولها ما كان غيري خليلا)
стр. 91
وقوله: [الرجز].
ونحن عن فضلك ما استغنينا.
وذلك مستسهل في البيتين للضرورة، ولأن المتقدم ظرف ولا ضرورة فيه، وأما بيت الشاهد فلا ظرف ولا ضرورة فيه، لإمكان الرفع، نعم من يقول في (زيد ضربت) أنه خاص بالضرورة فهو ضرورة رفع أو نصب، وقال الآخر. [الكامل].
(حنّت نَوارُ ولاتَ هَنَّا حنّت ... وبدا الذي كانتْ نَوارُ أَجنَّتِ)
(نوار) بالنون، علم امرأة، مكسورة عند الحجازيين، وتميم تمنعه الصرف، والواو للحال، وكذا وجدتها حيث وقعت قبل لات، ولات عند الفارسي معملة، و (هنا) خبر، و (حنّت) مبتدأ بإضمار أن، مثل:
стр. 92
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وعند ابن عصفور معملة، و (حنت) بتقدير: /٥٢/ وقد حنت، وهو الخبر، ويلزمه التصرف في (هنا)، والجمع بين اسم لات وخبرها وأعمالها في معرفة ظاهرة وحذف ما أضيف إلى الجملة، وفي النهاية لابن الخباز أنها معملة مضافة إلى (حنت)، ويرده إن اسم الإشارة لا يضاف، و (بدا) بمعنى ظهر، و (أجنت) بالجميم: سترت.
مسألة [٢٩]
يقال: هُنا بوزن هُدى: للقريب، فإذا زدت الكاف صار للبعيد ، وهَنَّا، بتشديد النون وفتح الهاء وكسرها، وكلاهما للبعيد، قال أبو الحارث غيلان بن عقبة الملقب ذا الرّمة: [البسيط].
(هنَّا وهنَّا ومن هنّا لهُنَّ بها ... ذاتَ الشمائلِ والأيمانِ هَيْنُوم)
وهذا من كلمته التي أولها:
стр. 93
(إن ترسّمْتَ من خرقاء منزلةً ... ماءُ الصّبابةِ من عَيْنيك مسجومُ)
(تلك التي يتّمَتْ قلبي فصارَ لها ... من حُبِّه ظاهرٌ بادٍ ومكتومُ)
وقبله في صفة فلاة:
(للجِنِّ بالليلِ في حافاتِهَا زَجَلٌ ... كما تجاوب يومَ الريحِ عَيْشومُ)
(زجل) بالزاي والجيم مفتوحتين، صوت رفيع. و (عيشوم) بالمهملة فآخر الحروف المعجمة، ما هاج من الحماض، الواحد (عيشومة) وشجره مما يشتد صوت الريح فيه، و (هَنّا) في البيت بفتح الهاء وتشديد النون فيهن وهي أضعف اللغات، لأنها إن كانت فعّل فليس من أوزان الأسماء، فأما شلّم ويُقَّمً فأعجميان، وإن كان فَعْلى فقد خرجت عن مادة هنا، لأن ألفه لام.
و (هنَّا) الأول ظرف لزجل في البيت قبله، و (لهن هينوم) مبتدأ وخبر، و (بها) متعلق بالاستقرار و (ذات) ظرف له، أو لهينوم، وهو من /٥٣/ الهَيْنَمة، وهي الصوت الخفي، والضمير (لهن) راجع إلى العيشوم أو للجنّ، والأول أظهر في اللفظ، والثاني أظهر في المعنى، وهو على حد قوله: [الوافر].
(وقد نظرت طوالعكم إلينا ... بأعينهم وحقَّقنَ الظنونا)
يريد طوالع العسكر فأعاد عليهم ضمير جماعة المؤنث (والإيمان) بتقدير وذات الإيمان، ومن أبيات هذه القصيدة بيت يستدلون به على مجيء (قد) من المضارع للتكثير، لأن فيه افتخارًا ولا يفتخر بما يقل، وهو: [البسيط].
стр. 94
(قد أعسف النازح المجهول مَعْسِفهُ ... في ظلِّ أخضر يدعو هامَهُ البومُ)
والعَسْف والتعسُّف والاعتساف: المشي على غير بصيرة بالطريق، والنازح: البعيد، والمجهول: الذي لا يكاد يسلكه الناس، والظل: الستر، والأخضر: المراد به الليل الأسود لأن الخضرة إذا اشتدت صارت سوادًا.
ومنها بيت استدلوا به على إطلاق الاسم وإرادة المسمى، وهو قوله يصف غزالاً: [البسيط].
(لا يَنْعَشُ الطرفَ إلا ما تخوَّنَهُ ... داعٍ يُناديه باسم الماءِ مَبْغُومُ)
نَعَشه ينعُشه، بالفتح فيهما: رفعه، والعامة تقول: أنعشه والطرف: العين، والأصل طرفه، فأناب أل عن الضمير، وماك فاعل واقع على أمه، وتخونه: تعهده، وفي الحديث: «كان يتخوّننا بالموعظة»، وداع: بدل من (ما)، والأصل بالصوت المسمى (ما)، وذلك الصوت هو نفس (ما)، ومبغوم: بمعنى باغم، لأنه صفة لداع، والبُغام: صوت الظبية، وهو هنا للأم لا للولد.
стр. 95
شواهد باب الموصول
ومسألة [٣٠]
قد يقال اللذون رفعًا، قال: [الرجز].
(نحن اللذون صبّحوا صباحًا يومَ النُّخيلِ غارةً مِلْحاحا)
هذا الشعر أنشده أبو زيد في نوادره، وابن الأعرابي، وهو لرجل جاهلي من بني عقيل، واختلفا في اسمه، وبعده:
(نحنُ قتلنا الملك الجحجاحا ... ولم نَدَعْ لسارحٍ مراحا)
(نحن بنو خُويلدٍ صُراحا ... لا كذِب اليومَ ولا مُزاحا)
صبّحوا، بالتشديد: أتوا في الصباح، وصباحا: مصدر محذوف
стр. 96
الزوائد، مثل كلمته كلامًا، لا ظرف كما في: جئتك صباحًا، لأن الظرف لا يكون مؤكدًا.
ومن ثم قال أبو علي في قوله سبحانه: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ﴾: إن (وراءكم) اسم فعل مؤكد لـ"ارجعوا".
ويروي (الصباحا) أي /٥٤/ الصباح الذي عُرِفَ واشتهر، فيكون مصدرًا نوعيًا، ولا يمنع ظرفية (صباحا) مع ما قدمناه قوله (يوم النخيل)، لأنه يكون حينئذ بدلاً لا ظرفًا ثانيًا، ولا يمنع ذلك أنه لا يبدل الكل من البعض، لأن اليوم قد يأتي للقطعة من الزمان لا لجميع النهار.
والنُّخيل، بضم النون وفتح المعجمة، وكثير يقولونه بفتحة فكسرة وهو تحريف، وهو اسم موضع، واستدلّ على ذلك صاحب المحكم بقوله: [الكامل].
(قَدَرُ أحلَّكَ ذا النُّخيلِ وقد أرى ... وأَبيَّ مالكَ ذو النُّخيل بدارِ)
والذي نحفظه في هذا البيت (ذا المجاز)، ومالكَ ذو المجاز، وهو سوق مشهورة في الجاهلية مثل عكاظ ومَجنَّة، وعلى ما رواه تكون إضافة ذي النخيل من باب إضافة المسمى إلى الاسم، كقوله: [الطويل].
(إليكم ذوي آلِ النبيِّ تطلَّعَتْ ... نوازعُ مِنْ قلبي ظِماءٌ وأَلبُبُ)
стр. 97
وأما ذو المجاز فمجموع الأسمين هو العلم، وقوله (أبّي) بالتشديد، إما على ردّ لام أب في الإضافة للياء، أو على أنه جمع (أبًا) على أبين، ثم إضافة.
والملحاح: الكثير الالحاح، والصفة التي على مفعال لا تؤنث، والمزاح، بكسر الميم عند أبي حاتم وبضمها عند غيره، لأنه أزيح عن طريق الجد، أي نُحيِّ عنها.
مسألة [٣١]
الغالب استعمال اللائي لجمع المؤنث ، نحو: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ﴾ الآية، وقد يستعمل لجمع المذكر كقوله: [الوافر].
(فما آباؤنا بأمَنِّ مِنهُ ... علينا اللائي قَدْ مَهدوا الحجورا)
هذا البيت أنشده الفراء لرجل من بني سليم، ولكنه أتى قبوله (هم) مكان (قد).
والمعنى: أن آباءهم الذين جعلوا حجورهم لهم كالمهد ليسوا بأكثر امتنانًا عليهم من هذا الممدوح.
стр. 98
فاللائي صفة لـ (آباؤنا)، ولهذا أعاد عليها ضمير المذكرين.
وفيه فصل بين الموصوف وصفته بخبر الموصوف، وقد أجيز في قوله تعالى: /٥٥/ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ كون الحي صفةً لاسمه تعالى.
و (مهدوا) يحتمل تخفيف/ الهاء، وهو الأصل، فلأنفسهم يمهدون، والتثقيل للمبالغة، و (الحجور) جمع حجر، وفتح حاء المفرد أفصح من كسرها.
مسألة [٣٢]
الغالب استعمال الألى لجمع المذكر، وقد يستعمل لجمع المؤنث كقوله: [الطويل].
(فأما الأُلى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهامةِ ... فكلُّ فتاةِ تَتْرُكُ الحِجْلَ أقصما)
قوله: (غور تهامة) إما من إضافة البعض إلى الكل، كقولك: أسفل الدار، فالمراد المطمئن من أرض تهامة، وإما من إضافة أحد المتردفين إلى الآخر، لأن تهامة تسمى الغور، فيكون كقوله: [البسيط].
(لم يَبْقَ مِن زَغَب طارَ الشتاءُ به ... على قَرى ظَهْرِهِ إلا شماليلُ)
فإن (القَرى) ألظهر، والأول أولى، لأن في الثاني دعوى سلب المعرفة
стр. 99
تعريفها وإضافة الشيء إلى نفسه.
و (الحجل) بفتح الحاء المهملة، وقد تكسر القيد، ثم نُقِل إلى الخلخال، بفتح الخاء المعجمة، وهو المقصود هنا، و (الأقصم) بالقاف فالمهملة، أي أن ساقها لضخامته يكسر خلخالها، وقد اجتمع إطلاق الأولى على المذكرين والمؤنثات في قوله [الطويل].
(فتلك خطوبٌ قد تملّت شبابنا ... قديمًا فتبلينا المنون وما نبلى)
(وتفني الأُلى يستلئمون على الأُلى ... تراهن يوم الروع كالحداء القُبْلِ)
وهذا الشعر لأبي ذؤيب الهذلي من القصيدة التي أولها:
(ألا زعمْت أسماءُ أن لا أحبَّها ... فقلتُ لها: لولا يُنازعني شغلي)
(جزيتُك ضِعْفَ الوُدِّ لما اشتكيتهِ ... وما إنْ جزاك الضّعفّ من أحدٍ قبلي)
(فإن تُزعميني كنتُ أجهل فيكم ... فإني شريْت الحِلْمَ بعدَكِ بالجَهْلِ)
(وقال صحابي قد غُبِنْتَ وخلتني ... غَبَنْتُ فما أدري أشكلهم شَكْلي /٥٦/)
(على أنها قالت رأيتُ خُويلدًا ... تنكّر حتى عاد أسودَ كالجِذْلِ)
فتلك خطوب ... البيتين
قوله (ينازعني) مبتدأ بتقدير أن. و (لولا) كلمتان بمعنى لو لم، وجواب (لولا) أو جواب (لو) محذوف، و (تزعميني) تظنيني كنت أجهل في إتباعي إياك، و (شريتُ) بمعنى اشتريت وتأتي بمعنى: بعتُ، وإنما
стр. 100
قالوا له أنه مغبون في بيعه الجهل بالحلم، لأنهم كانوا معه على الجهل، فقال هو: بل أنا الغابن، ولا أدري أهم على ما أنا عليه أم لا، والمعنى: أطريقهم طريقي أم غيرها؟ فحذف (أم) ومعطوفها كقوله: [الطويل].
(دعاني إليها القلب أني لأمره سميع ... فما أدري أَرشدٌ طِلابُها)
أي: أم غي.
و (خويلد) هو ابن ذؤيب، و (تنكر) تغير، و (الجِذْل) بكسر الجيم، وبالذال المعجمة، أصل الشجرة، الأخفش: العود اليابس، و (المنون) الدهر، لأنه يَمُنُّ قوى الإنسان، أي ينقصها، ويكون بمعنى الموت، لأنه يقطع الحياة، من قوله تعالى ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، يقول: إن حوادث الدهر أكلت شبابنا قديمًا، وتمتعت به، وأنها تُبلينا وما نبليها، وأنها تُبلي القوم الذين يلبسون لأمة الحرب، ويركبون الخيل التي تراها في يوم الفزع لخفتها في السير وشدة عدوها كأنها حِداء، وهو الطير المعروف، والمفرد حدأة كعنبة وعنب، و (القُبُل) بضم القاف والباء الموحدة، التي في عينها قَبَل بفتحتين، أي حَوَلٌ، وهو إقبال سواد كل من العينين على الآخر، وذلك لتقلب أعينهن من شدة طيرانهن وفزعهن.
والشاهد في البيت الثاني حيث أطلق الأُلى، أولاً على المذكرين، وثانيًا على المؤنثات بدليل ما عاد على كل منهما من ضميره، ولا أدري لِم أورد /٥٧/ الشارح والناظم البيت الأول.
стр. 101
مسألة [٣٣]
قد تطلق (مَنْ) على ما لا يعقل، إذا عومل معاملة العاقل ، كقوله: [الطويل].
(بكيتُ إلى سرب القطا إذ مررن بي ... فقلتُ ومثلي بالبكاءِ جدير)
(أسربَ القطا هل من يُعير جناحَهَ ... لعلي إلى مَنْ قد هَويتُ أطيرُ)
وهذا الشعر للعباس بن الأحنف، وبعد البيتين:
(فجاوبني من فوق غُصْن أراكة ... ألا كلُّنا يا مستعيرُ مُعيرُ)
(وأي قطاةِ لم تُعْرِكَ جناحَهَا ... فعادَتْ ببؤسٍ والجناحُ كسيرُ)
(الشرب) بالكسر: القطيع من القطا والظباء والشاء والحمر والبقر والجماعة من النساء، ابن الأعرابي: يقع على الماشية كلها، ومثله السرية، والعوام يقولونها بالصاد.
والشاهد في قوله: هل من يعير، فإنه أطلق (مَنْ) على جماعة القطا لما نزلها منزلة العقلاء، إذ ناداها، ويروى:
(هل من معين جناحه فلا شاهد فيه).
стр. 102
مسألة [٣٤]
يجوز في من وما وأي، وذو الطائية وذا في نحو، ماذا صنعتَ؟، إذا أطلقت على غير المفرد المذكر أن تعيد الضمائر عليها مفردة مذكرة باعتبار لفظها، وأن تُعيدَها على حسب معناها، وأن تجمع بين الأمرين، قال: [الطويل].
(تعشّ فإنْ عاهدتَني لا تَخونُني ... نكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبانِ)
وهذا البيت للفرزدق من شعر يزعم فيه أن الذئب رأى ناره فأتاه وعاهدَه أنه يصاحبه، وأوله:
(وأطلسَ عَسّال وما كانَ صاحبَا ... دعوت لناري مَوْهِنًا فأتاني)
(فلما أتى قلت ادنَ دونَك إِنني ... وإياكَ في زادي لمشتركان /٥٨/)
(وبت أُقدُّ الزادَ بيني وبينَهُ ... على ضَوْءِ نارٍ مرةً ودُخانِ)
(وقلت له لما تكشَّرَ ضاحكًا ... وقائمُ سيفي من يَدي بمكانِ)
(تعش ................) البيت
وبعده:
(وأنتَ امرءً يا ذئب والغدرُ كنتما .... أُخيينِ كانا أُرضعا بِلبانِ)
(ولو غيرنَا نبّهتَ تلتمِس القِرى ... رماكَ بسهَمٍ أو شَباةِ سنانِ)
قوله: وأطلس، أي وربَّ ذئب أغبر اللون. عسّال: أي مضطرب في مشيه. دفعت، ويروى رفعت، فهو من المقلوب: أي رفعت له ناري.
стр. 103
فأتاني: أي فرآها فأتاني. ادْنُ: أي أقرب. ودونك: خُذْ، أي كُلْ. وأقُدُّ: اقطع. وتكشر: تكشفت أسنانه. ولا تخونني: جواب القسم الذي تضمنه (عاهدتني). وسَمّى الذِئب أمرًا تنزيلاً له منزلة العاقل، لخطابه إياه. والشَّباة، بالمعجمة المفتوحة فالموحدة: الحَدُّ.
والشاهد في قوله: من يصطحبان. وفي البيت أيضًا الفصل بين الموصول وصلته بالنداء.
مسألة [٣٥]
طيئ تستعمل ذو بمعنى الذي ، قال: [المنسرح]
(ذاكَ خليلي وذو يُواصلني ... يَرمي ورائي بأمْسَهْمِ وامسِلَمهُ)
وبمعنى التي، قال: [الوافر].
(فإن الماءَ ماء أبي وجَدّي ... وبئري ذو حَفَرْتُ وذو طَوَيْتُ)
ولمثناهما وجمعهما. وبعضهم يستعمل ذات للمؤنث، سمع: الفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به.
وذوات لجمع المؤنث، قال: [الرجز].
стр. 104
(جَمَعْتُها من أَيْنُق موارق ... ذواتُ يَنْهَضْنَ بغير سائق /٥٩/)
والأشهر في (ذو) البناء، وبعضهم يعربها، وقيد ابنَ الضائع ذلك بحالة الجر، لأنه محل السماع.
كقوله: [الطويل].
(وإمّا كرامٌ موسرون أثْبتَهمْ .... فحَسْبي من ذي عندَهُمْ ما كفانيا)
فأما البيت الأول فروي الجوهري (يعاتبني) بدل (يواصلني)، وزعم أن الواو زائدة، وكان ذلك لأنه رأى أن قوله (يرمي) محطّ الفائدة، فقدره خبرًا، وقدر (خليلي) تابعًا للإشارة. و (ذو) صفة لخليلي، فلا تعطف عليه، وتبعية (خليلي) للإشارة بأنه بدل منها لا نعت، بَلْ ولا بيان، لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الإشارة بما ليست فيه أل ممتنعة.
وبهذا أبطل أبو الفتح كون (بعلي) فيمن رفع (شيخًا) بيانًا. ولك أن تعرب (خليلي) خبرًا و (ذو) عطفًا عليه و (يرمي) حالاً منه وأن توقف المعنى عليه، مثل: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾.
стр. 105
و (السلمه) بكسر اللام: واحدة السلام، وهي الحجارة.
وفي البيت مع استعمال (ذو) بمعنى الذي، استعمال (أم) مكان (أل)، وهي لغة طييء.
وأما البيت الثاني فإنه لسنان بن الفحل من قطعة أولها:
(وقالوا: قد جُننْتُ، فقلت: كلا ... ورَبّي ما جُنِنْتُ ولا انتَشَيْتُ)
(ولكني ظُلِمْتُ فكدت أبكي ... من السَّقْمِ المبَّرح أو بَكيتُ)
فإن الماء .... البيت
ووجه الشاهد أنه أطلق (ذو) على البئر، وهي مؤنثة، بدليل: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ والأصل: وقالوا قد جننْتَ أو سكرْتَ بدليل ما بعده، ونظيره: [الوافر].
(وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا ... أُريدُ الخيرَ أيّهما يليني /٦٠/)
أي: وأحذر الشر. بدليل قوله:
(الخير الذي أَنا أبتغيهِ ... أم الشُّرُّ الذي هو يَبْتَغيني)
إلا أن توسعهم في الواو ومعطوفها أكثر من توسعهم في (أو) ومعطوفها.
стр. 106
والبيت الثاني لا يناسب شهامتهم ووصفهم أنفسهم بالقسوة والغلط كقول مهلهل: [البسيط].
(يُبكَي علينا ولا نبكي على أحد ... لَنَحْنُ أغلظُ أَكبادَا من الإبلِ)
على أنه قد قال بعد ذلك:
(وقبلك رُبَّ خَصْمٍ قد تمالَوا ... عليَّ فما هَلِعْتُ ولا دَعَوْتُ)
فذكر أنه بُليَ قبله بقوم خصمين اعتونوا عليه فلم يجزع، ولا دعا أحدًا لينصره، وليس تناقضًا، لأنه على اختلاف وقتين، أي أنه ذل جانبه بعد أن كان عزيزًا، ونظيره أبيات فاطمة بنت الأحجم حين ضعف جانبها لموت من كان ينصرها، وهي أبيات حسنة تمثلت بها سيدتنا فاطمة ﵂ حين قبض رسول الله ﷺ : [الكامل].
стр. 107
(لقد كنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلّهِ ... فتركتَني أمشي بأجرد ضاحي)
(قد كنت ذاتَ حميةٍ ما عشتَ لي ... أمشي البَرازَ وكنتَ أنتَ جناحي)
(فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفعُ ظالمي بالراحِ)
(وإذا دَعَتْ قُمريةٌ شجنًا لها ... ليلاً على فَنَنٍ دعوتُ صباحَي)
وطويت البئر: بنيتها بالحجارة، وزعم ابن عصفور أن (ذو) خاصة بالمذكر، وأن المؤنث يختص بذات، وأنّ البئر في البيت ذكرت على معنى القليب، كما قال الفارسي في قوله: /٦١/ [الرجز].
(يا بئرُ يا بئرَ بني عَدِي ... لا نَزَحَنْ قَعْرَكِ بالدُّليّ)
(حتى تعودي أقطع الولي)
إن التقدير: حتى تعودي قليبًا أقطع، فحذف الموصوف. وفرق ابن الضائع بينهما، بأن (أقطع) صفة فتحمل على الفعل بخلاف (ذو)، قال: ألا ترى أن من قال: نفع الموعظة لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة، ولهذا قال الخليل في ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾: أنه إشارة إلى القطر لا إلى الرحمة، أيضًا فلم يذكر (ذات) كل من ذكر (ذو)، ولو كانا بمنزلة الذي والتي لم يكن أحدهما أشهر، قلت: وإذا قيل بأنه تأول البئر بالقليب لم يرد الاعتراض الأول، إذ لا يتوقف ذلك على الوصف، ألا ترى أن من
стр. 108
قال في عكسه: [البسيط].
(يا أيُّها الراكبُ المزجي مطيَّتهُ ... سائل بني أسدِ ما هذه الصوتُ)
أنَت الإشارة إلى الصوت لمّا أوله بالصرخة، وإن كان غير صفة.
وأما الحكاية فروى الفراء أنه سمع بعض السؤال بالمسجد الجامع يقول ذلك، والتقدير: أسألكم بالفضل، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ وقوله: (به) أصله (بها)، فحذف الألف، ونقل فتحة الهاء إلى الباء، وذلك أيضًا لغة طيء.
هذا هو المعروف، وقال الناظم في شرح كافيته، في باب الوقف: إن ذلك لغة لخم، وأنشد: [الوافر].
(وإني قد سئمت بأرض قومي ... أمورًا كنت في لخم أخافُه)
انتهى.
والبيت ظاهر في أن قائله غير لخمي، ومما خرّج على هذه اللغة قوله [الطويل].
(فلم أرَ مثلها خُباسةَ واجدٍ ... ونَهْنَهْتُ نفسي بعدَ ما كِدتُ أفعلَهُ)
стр. 109
قيل: أصله أفعلها، وسيأتي هذا البيت، إن شاء الله تعالى، في باب إعراب الفعل.
وأما البيت الثالث فمضى شرحه، وأن فيه روايتي الإعراب والبناء.
وأما البيت الأخير:
(جمعتها لأنيق تقدّمت).
وأصل أينق أنوق، لأن ألف ناقة /٦٢/ عن واو، لقولهم: استنوق الجمل، وقولهم في العدد الكثير: نوق، ولو كانت ياء لكسروا الأول لتسلم الياء كما في (بيض وعيس) ثم قيل: حذفوا العين وعوضوا الياء، فوزنه أيْفل، وقيل: قدموا العين، لتسلم من الضم، ثم أبدلوها مبالغة في التخفيف، فوزنه أعفل، وقيل: قدموا اللام على العين، فاصر (أنقو)، ثم أبدلوا الواو ياء كما في أدلٍ، ثم قدموا الياء على الفاء، فوزنه (أفْعُل)، ثم (أقلع) ثم (أعفل).
وموارق: جمع مارقة، مستعار للسرعة في خرق الفلوات من: مرق السهم من الرمية.
وذوات: بدل لا صفة، لأنها معرفة، وأينق نكرة، ونظيره: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
стр. 110
مسألة [٣٦]
زعم الكوفيون أن (ذا) تستعمل موصولة وإن لم تسبقها (من) ولا (ما) ، وجوزوا ذلك في سائر الإشارات، محتجين بقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، وقول الشاعر: [الطويل].
(عَدَسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ ... أمنتِ وهذا تحملينَ طليقُ)
قالوا: التقدير، وما التي بيمينك، والذي تحملينه، إذ لم يرد الإخبار عن هذا بإنه محمول، ولأن حذف العائد المنصوب بالفعل ضعيف في باب الخبر، ولا يكون هذا مفعولاً لتحملين، لأنه لا ارتباط حينئذ لـ (طليق) ولا المعنى عليه.
والجواب: أن (بيمينك) و (تحملين) حالان، وحذف الضمير من الحال خير من حذفه من الخبر، وأما القول بأن (تحملين) و (طليق) خبران، فالأولى أولى، لأنه لم يرد الإخبار بأنه محمولٌ، ولأن أبا علي ذكر أن الخبر لا يتعدد مختلفًا بالإفراد والجملة، وجوز ابن عصفور كون (بيمينك) بيانًا متعلقًا باعني محذوفة، ورده ابن الضائع، بأن أعني لا يتعدى بالباء، وذو الحال في
следующие страницы →