Полный текст (470 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(ما أظن الموت إلّا هيناً ... إن بعد الموت دار المستقر)
(اصبر اليوم فإني صابر ... كل شيء بقضاءٍ وقدر)
/٢٧٤ (٢٤٤) / ولما جيء به ليقتل قال: [الطويل].
(ألا عللاني قبل نوح النوائح ... وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانحِ)
(وقبل غَدٍ يا لهفَ نفسيَ من غدٍ ... إذا راح أصحابي ولستُ برائحِ)
(إذا راح أصحابي تفيض دموعهم ... وغودرتُ في لَحْدٍ عليَّ صفحائي)
(يقولون هل أصلحتم لأخيكم ... وما الرَّمْسُ في الأرضِ القواءِ بصالحِ)
/محل إذا في (إذا رح) خفض بدلاً من (غد) , وإذا الثانية بدل من الأولى./ ثم قدم للقتل وهو مقيد, فقال: [الطويل].
(إنْ تقتلوني في الحديد فأنّني ... قتلتُ أباكم مطلقاً لم يقيّدِ)
فأطلقوه, وتولى قتله عبد الرحمن أخو المقتول, وقيل: المسور بن المقتول, وقيل: إنَّ هُدْبَة أولُ مقتولِ أقيد به في الإسلام.
وأما البيت الثالث فإنه لعمر بن أبي ربيعة المخزومي, كنيتهُ أبو الخطاب, وُلِدَ ليلةَ قُتِلَ ﵁ وعاش ثمانين سنة, فاتكاً أربعين سنة, وناسكاً أربعين.
والشاهد فيه: أجراء (تقول) مجرى (تظنّ) كما في البيت قبله, ومعناه: قد حان رحيلنا, ومفارقتنا لمَنْ نحبّ في غدٍ, فمتى تجمعنا الدارُ
стр. 422
بعد ذلك, وعبّر عن الغد بعبارة بعيدة, وهي قوله: دون بعد غد, أي في اليوم الذي هو قيل بعد غد /٢٧٢ (٢٤٥) /, وذلك اليوم هو الغد.
ويروى: بعدَ, بالنصب والخفض, فمن نصبه فالتقدير: فدون ما بعد غد, فما موصولة و (صلتها) , ومن جرَّةُ فبإضافة دون.
وأما البيت الرابع فهو للمكيت بن زيد, شاعر مقدم عالم بلغات العرب, خبير بأيامها, فصيح من شعراء مضر, إسلامي, أدرك الدولة الأموية دون العباسية, وكنيته أبو المستهل, وكان أصلخ, بالخاء المعجمة, أي أصم.
والأصمعي لا يحتجُّ به.
والبيت من كلمة يمدح فيها مضر على أهل اليمن.
والمعنى: أتظنّ قريشاً جاهلين أم متجاهلين حين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم, وآثروهم على المضربين مع فضلهم عليهم.
والمتجاهل: المظهر للجهل ولا جهلَ عنده. والبيت شاهد على أن الفصل بالمفعول بين الاستفهام والقول لا يمنع إجراءه مجرى الظنَّ, وذلك لأن (بني) مفعول أول, و (جهالا) مفعول ثانٍ, و (أمْ) معادلة للهمزة, كأنه قال:
أجُهّالاً تظنّ بني لؤي؟ واعترض بالقسم بين المعطوف والمعطوف عليه.
стр. 423
وأما البيت الخامس فشاهد على إلغاء الفصل بالظرف وهو متعلق بجامعة. والأصل أنْ يقالَ: الدار جامعة شملي بَعْدَ بُعْدٍ تقول أم داوم البعد محتوماً,
فإن (أم) في البيت عاطفة اسمين /٢٧٦ (٢٤٦) / على اسمين, والأصل أن يلي الهمزة ما عطف عليه بأم, وأن يتوسط بين المتعاطفين ما لا يسأل عنه.
стр. 424
شواهد أعلم وأرى
مسألة [١٢٤]
مما يتعدَّى إلى ثلاثة: نبأ, وأنبأ, وخبر, وأخبر, وحدث , شاهد نبأ قوله: [الكامل].
(نبئّتُ زرعه والسفاهةُ كآسمها ... يُهدي إليّ غرائب الأشعارِ)
وشاهد أنبأ قوله: [المتقارب].
(وأنبئْتُ قيساً ولم آبْلهُ ... كما زعموا خيرَ أهْلِ اليَمَنْ)
وشاهد خبر قوله: [الطويل].
(وخُبِّرت سوداء الغميمِ مريضةٌ ... فأقبلْتُ مِنْ أهليِ بِمْصَر أعودُها)
стр. 425
وشاهد أخبر قوله: [البسيط].
(وما عليك إذا أخْبرتني دَنِقَا ... وغابَ بعلُك يوماً أنْ تعوديني)
/٢٧٧ (٢٤٧) / وشاهد حدث قوله: [الخفيف].
(أو منعتم ما تسألون فمَنْ ... حدثتموه له علينا العلاء)
وأما البيت الأول فإنه للنابغة الذبياني. والنا مفعول أول قائم مقام الفاعل. و «زَرعة» مفعول ثانٍ. و «يهدي» مفعول ثالث. و «السفاهة كاسمها» جملة اعتراض.
وأما البيت الثاني فإنه للأعشى ميمون بن قيس يمدح قيس بن معد يكرب الكندي.
و «بلوته أبلوه» اختبرته. وقبله:
(لعَمَرَكَ ما طولَ هذا الزمنِ ... على المرءِ الإعناءُ معنً)
(بظل رجيماً لريب المنون ... وللسقم في أهلهِ والحزنُ)
(فهي يمنعني ارتيادي البلاد ... من حذر الموت أن تأتينْ)
ومنه يذكر ناقته:
(تيم قيساً وكم دونه ... من الأرض مَهْمَة دي شَزنْ)
(ومن سأني كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له انكرنْ)
стр. 426
ولما قال: وانبئت قيساً ... البيت, غضب قيس وقال له:
أو تشك في ذلك وأمر بحبسه /٢٧٨ (٢٤٨) / فزاد فيها:
(رفيع العماد طويل النجاد ... ضخم الدسيعة رحب العطنْ)
(فجئتك مرتادَ ما خبّروا ... ولولا الذي خبّروا لم ترن)
(فلا تحرمني نداك الجزيل ... فأنّي أمرؤٌ قبلكم لم اهنْ)
فأمر بإخراجه, ووصله.
وأما البيت الثالث فوقع فيه, اضطراب, فقوله: «سوادء العَميم» ففي كتب النحو كذلك. و «العميم» اسم نوضع بالحجاز, ويناسب بقية البيت, وقوله بعده:
(فوالله ما أدري إذا أنا جئْتُها ... أأُبرئها من دائها أو أزيدها)
ووقع في بعض كتب اللغة: سوداء القلوب, ومن ذلك ما رأيته من مجموع بخط الإمام أبي جعفر أحمد بن الأستاذ أبي الحسن ابن الباذش (رحمهما الله تعالى) قال: اختلفوا, هل يقال: سوداء القلب مكبّراً, أو لا يُقال ذلك إلّا بالتصغير, فذكر أبو علي القالي: أن صاحب العين أنكر ذلك, إنما يُقال قلبهِ مكبّراً, وسويداء قلبهِ مصغَّرا مؤنثاً, وأمّا سوداء قلبه بالتأنيث والتكبير فلا, وأجازه ٢٧٩ (٢٤٩) / بعضهم واستدلَّ بقوله:
стр. 427
وخبرت سوداء القلوب من بقية البيت, ولا حجَّة فيه لاحتماله لأن يكون سوداء علماً للمرأة وأضيفت إلى القلوب, أو صفة لها, على معنى أنَّها قاسية القلب, وجمع القلب بما حَوْله وإنّما الدليل على الجواز قول قيس بن الخطيم: [الطويل].
(يكونُ لهُ عندي إذا ما ضممْتُه ... مكانً بسوداء الفؤادِ كنينُ)
وإذا ثبت ذلك بهذا البيت أمكن توجيه البيتِ الأولِ عليه, ويكون المعنى: أنَّها تحلُّ من القلوبِ محلَّ السويداء كأنَّ القلوبَ على اختلافها تميلُ إليها, ويمكن أنْ يكونَ الأمرُ على ما قال صاحبُ العين, ويكون تكبيره من ضرورة الشعر, قال أُبَي ﵁ وفي كثير من نسخ الإصلاح: اجعل ذلك في سويداء قلبك, وأسود قلبك, وفي سواد قلبك, ومن حبة قلبك.
وقال ابن درستويه: سواد القلب وسويداؤه دمه الذي فيه انتهى. وقس
стр. 428
كتاب المخصص، بكسر الصاد، قال ثابت: سويداء القلب، علقة سوداء إذا شُقَّ القلبُ دت كأنَّها قطعةُ كبد، قال الفارسيّ: وتستعمل مكبَّرةً، ولفظ التحقير أكثر، وأنشد:
(يكون له عندي إذا ما ضمنتهُ ... مكانٌ بسوداء الفؤادِ كنينُ)
/٢٨٠ (٢٥٠) / وأما البيت الرابع فما استفهام مبتدأ وعليك خبر، وأن متعلقة به. وكذا (أن تعوديني)، لأن أصله (في أن تعوديني)، أي ما عليك في هذا الوقت في عيادتي، وتعلقت (إذا) و (أن تعوديني) بعامل واحد مع أنَّهما على معنى في، لأنَّ إذا للزمان، وأن تعوديني للمكان المجازي.
و «الدنف» الذي لازمه المرض، وقد يقال له دَنف، بفتح النون، وهو من باب اطلاق المصدر على الذات، ولذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث بخلافِ المكسورها، ويقال: دنف المرض، إذا صار دنفًا، وأدنف أيضًا، وأدنفه المرضُ، يتعدَّى ولا يتعدَّى، ومن ثم جاء مدنِف، بالكسر، ومدنَف، بالفتح.
وأما البيت الخامس فقيل لم يسمع تعهدي (حدّث) إلى ثلاثةٍ في غيرهِ،
стр. 429
وهو للحارث بن حِلِّزة البشكري.
قيل: وليس في العربيةِ فعِّل بكسرتين مع تشديد العين إلاّ في جِلِّق اسم دمشق، وحِمِّص، وحِلِّز، وهو بالحاء المهملة وبالزاي، أي القصير، أو البخيل، والأنثى حلّزة.
ومعنى البيت: إنكم إذا منعتمونا ما نسألكم من الانصاف فأنا نقهركم على فعل الحق معنا، إذ ليس لأحد من الناس اعتلاء علينا.
فقوله: منعتم، مبني للفاعل، وقوله: تسألون، مبني للمفعول، و (من) استفهام في معنى النفي مثله في ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. و (له علينا العلاء) جملة في موضع /٢٨١ (٢٥١) / المفعول الثالث.
وهذا البيت من معلقته المشهورة، وأولها:
(آذنتْنا ببَيْتِها أسماءُ ... رُبِّ ثاوٍ يُمَلُّ منهُ الثَّواءُ)
(آنتنا ببيتها ثم ولّت ... ليت شعري متى يكون اللقاءُ)
أذنتنا: اعلمتنا، ومنه ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]: والثاوي، بالمثلثة، المقيم، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥]، وقد يُقال: مُثْوٍ، لأنَّه قد يُقالُ: أثُوَى.
стр. 430
شواهد باب الفاعل
مسألة [١٢٥]
مِنَ العربِ مَنْ يلحقُ الفعلَ المسندَ إلى الاثنين، أو الجماعة ألفاً، وواوًا، ونونًا دالة على حال الفاعل الآتي ذكره ، فيقولون: قاما اخواك، وقاموا أخوتك، وقمن نسوتك، كما يلحق الجميع تاء ساكنة يدلون بها على حاله في التأنيث، فيقولون: قامت هند، والصحيح أنها حرف كالتاء لا اسمًا مضمرة مبدل منها ما بعدها، أو مخبر بها، أو بفعلها عنه على التقديم والتأخير، وشاهد الالف وقوله: [الطويل].
(تولَّى قتالَ المارقين بنفسهِ ... وقد أسلماهُ مُبْعِدٌ وحميمُ)
стр. 431
/٢٨٢ (٢٥٢) / وقوله: [السريع].
(ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه)
وشاهد الواو قوله: [الطويل].
(بني الأرض قد كانوا بنيّ ... فعزَّني عليهم لا جال المنايا كتابها)
وشاهد النون قوله: [الطويل].
(ولكنْ ديا فِيَّ أبوه وأمُّهُ ... بحورانَ يَعْصِرْنَ السَّليطَ أقاربهُ)
وقوله: [الطويل].
(رأيْنَ الغواني الشيبَ لاح بعارضي ... فاعرضْنَ عني بالخدودِ النواضِر)
فأما البيت الأول فإنه لابن قيس الرقيات يرثى به مصعب بن الزبير، وقبله:
стр. 432
(لقد أورث المصرين حزنًا وذلةً ... قتيلٌ بديرِ الجاثليقِ مقيمُ)
وأما البيت الثاني فإنه لعمرو بن ملقط، جاهلي، وقبله:
(مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعلي وسر باليه)
(يا أوس لو نالتك أرماحُنا ... كنتَ كمَنْ تهوى بهِ الهاويه)
/٢٨٣ (٢٥٣) / وأما البيت الثالث فإنه للفرزدق. و (بني الأرض) خبر لكان مقدَّمٌ عليها، و (بنيَّ)، اسمها أصله بنوى، والواو في كانوا علامة الجمع. وعزَّني، بالعين المهملة، وبالزاي: غلبني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣].
وأما البيت الرابع فإنه للفرزدق يهجو به عمرو بن عفراء الضَّبيّ، جعله من أهل القرى المتعلمين لاقامة عيشتهم ونفى عنه أن يكون على ما عليه العرب من الاشجاع والحرب.
ودياف: قرية بالشام. والسليط: الزيت، وقيل: دهن السمسم.
стр. 433
وحوران: من قرى الشام. والكثير بالشام الزيت.
وإنَّما قالَ: يعصرْنَ، بالنون، لأن شبَّههم، لأنَّهم لا شجاعة فيهم، بالنساء، لأنَّ الخدمةَ والتبذّلَ في العرب إنّما هو للنساء، فأمَّا الرجال فشغلهم بالحروب، ولهذا جعل المتنبي الرجال كالنساء، لمّا لَمْ يصونوا الحريم، فقال: [الوافر].
(ومَنْ في كَفِّهِ مِنْهُمْ سِنانٌ ... كمَنْ في كفِّه مِنْهُمْ خِضابُ)
وقيل: شبّههم ببعير ديافيّ، ثم أقبل يصف أقارب البعير، وأقاربه جمال، فلذلك جاء بالنون.
وقبل هذا البيت:
(ستعلم يا عمرو بن عفرا مَنْ الذي ... يُلامُ إذا ما الأمرُ غبَّت عواقبهُ)
(فلو كنتَ ظبيًا صفحتُ ولو سرتْ ... على قدمي حيّاتهُ وعقاربُهُ)
(ولو قطعوا يُمْنَى يديّ غفرتُها ... لهم والذي يُحصي السرائرَ كاتبهُ)
وبعده:
(وإنَّ امرأً يغتابُني لم أطألهُ ... حريمًا ولا تنهاهُ عنّي أقاربُهُ)
(كمحتطبٍ ليلاً أساودَ هَضْبةٍ ... أتاهُ بها في ظُلمةِ الليلِ حاطبُهُ)
وأما البيت الخامس فإنه لمحمد العتبي الشاعر، وبعده:
стр. 434
(وكُنَّ إذا ابصَرْنَني أو سمعْنَ بي ... سعين فسددن الكوى بالمحاجرِ)
(فإن عَطفتْ عني أعنّه أعيُنٍ ... نظرن باحداقِ المهى والجآذرِ)
(فإنّي مِنْ قومٍ كرامٍ ثناؤهم ... لأقدامِهم صيغتْ رؤوسُ المنابرِ)
ويروي: مفرقي بدل لعارضي.
والنواضر: جمع ناضر، بالضاد، وهو الناعم. والكوى: النقب في الحائط، وفتح كافها أفصح من ضمها، وجمع المفتوحها كِواء، بالكسر والمد، وكِوى بالكسر والقصر، وجمع المضمومها كُوى، بالضم والقصر لا غير.
/٢٨٥ (٢٥٥) / والمحاجر: جمع محجر العين، بفتح الميم والجيم، ما يبدو من النقاب. والجآذر، بالجيم واعجام الذال: جمع جُؤْذُر، بضم أوله وثالثه، وفتح ثالثه: البقرة الوحشية.
مسألة [١٢٦]
يجوزُ اضمارُ الفعلِ وحدَهُ إذا استلزمه ما قبله، أو أجيب به نفي أو استفهام، ظاهر أو مقدر ، فالأول كقوله: [الرجز].
(أسْقَى الإلهُ عُدُواتِ الوادي ... وجَوْفَه كلَّ مُلِثَّ غادِ)
(كلُّ أجشَّ حالكِ السَّوادِ)
стр. 435
والثاني كقوله: [الطويل].
(تجلدْتَ حتَّى قيلَ لَمْ يَعْرُ قلبَهُ ... من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجدِ)
والثالث كقوله: [الطويل].
(ألا هل أتى أم الحويرث مرسِلي ... نعم خالد أن لم تعقْهُ العوائقُ)
والرابع كقوله: [الطويل].
(ليُبكَ يَزيدُ ضارعٌ لخصومة ... ومختبطٌ ممّا تطيحُ الطوائحُ)
فأما البيت الأول فقوله: اسقى خبر لفظًا، دعاء معنىً أي جعل له شيئًا مما يسقيه.
وقوله: عدوات معناه جنبات، وإنّما رواه سيبويه جنبات، ومفردها
стр. 436
عِدُوة، بكسر الدال وضمه، ومن قرى بها فإن كسرت فتحت الدال ولم يجز كسرها، ولولا الضرورة لجاز اسكانها، وإن ضمنت فتحت الدال تخفيفا، أو ضممتها اتباعًا، ويجوز في /٨٩ ب/ الكلام اسكانها تخفيفًا.
و «جوفَة» بالنصب عطفًا على عدوات، دعا لجوانبه وبطنه. و «المُلِثّ» بضم الميم وكسر اللام وتشديد الثاء المثلثة: المطر الملازم، من ألثَّ بالمكان إذا اقام به، ومثله ألبَّ، بالموحدة. و «الغادي» الآتي في الغداة، لأنّه يُكون باردًا. و «كلّ» الثانية فاعل اسقى محذوفة دلّ عليها اسقى لا قوله اسقى الاله سحابًا سقى ذلك فكأنَّه قيل: سقاها كلُّ أجش، وهذا محل الشاهد. و «الأجش» بالجيم وبالمعجمة، الشديد صوت الرعد. و «الحالك» الشديد السَّوادِ، وذلك لكثرةِ ما يحملُ من المطرِ، والأحسن خفضه، لأنَّ كّلاً إنّما يُجاءُ بها لا فادةِ الاستغراق، كما أن لام الاستغراق كذلك، والمقصود بالاسناد إليه إنَّما هو المضاف إليه.
وأما البيت الثاني فمعناه: تصبَّرتُ حتَّى قيلَ فيّ لم يَعْرُ قلبَهُ شيءٌ من الوجدِ، ثم قدَّر أنَّهُ سُئِلَ: فما قلتَ أنتَ؟ فقال: قلتُ بل عارني أعظمُ الوجدِ.
فلأجل تقديرِ السؤالِ استأنفَ جملةَ القولِ، ولأجل تقدّم ذكر فعل
стр. 437
(يَعْرُ) في جملة النفي استغنى عن اعادته في جملة الجواب والهاء في قلبه للحكاية، وإلّا لقال قلبي.
و «من الوجد» حال من شيء.
وأما البيت الثالث فقوله: مرسَل، بفتح السين، و (نعم خالد) جواب الاستفهام، والعجيب هو المستفهم، والتقدير: نعم أتاها خالد، وجواب الشرط يحذف إذا كانت الأداة إنْ، وكان فعل الشرط ماضيًا وضعًا، أو لكونِه مجزومًا بلَمْ.
وأما البيت الرابع فإنه للبيد. والضارع الذليل الخاضع، والمختبط: الطالب للمعروف، واصل الاختباط ضرب الشجر للابل ليسقطَ ورقُها فتعلفَهُ الابلُ، و (مِنْ) للابتداء أو التعليل، وهي متعلقة بمختبط، وما مصدرية، أو موصول اسمي، أو نكرة موصوفة. ويطيح: يذهب ويهلك، يقال اطاحته السنون إذا ذهبت به في طلب الرزق وأهلكته، والعائد محذوف، وهو مفعول (تطيح)، إلّا إنْ قدرت ما مصدرية فلا حاجة إلى عائد. والطوائح على غير قياس، وكان حقّه مطاوح أو مطيحات، لأنّهُ جمع مطيحة، ولكنه جمع على حذف الزيادة وفي التنزيل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] والواحدة ملقحة، وكان الأصل ملاقح أو ملقحات، ولا يكون جمع طائحة، لأن معنى طاح يطيح أو يطوح هلك وسقط. ولو فسر الطوائح في البيت بالهالكات لفسد معناه.
والشاهد فيه رفع مضارع باضمار فعل يدل عليه ما قبله، فإنه لما قال: ليُبْكَ يَزيدُ، ببناء الفعل للمفعول عُلِمَ أنّ ثَمَّ باكيًا لم يبينه، فشوقت نفس
стр. 438
السامع إلى معرفته، فقدَّرَ أنَّهُ سأل فقال: من يبكيه؟ /٩٠ آ/ فقال مجيبًا: له ضارع أي يبكيه ضارع ومختبط يقول: إنَّهُ كان لنصره للمظلوم ولمواساته للفقراء يقصده هذان النوعان من الناس، فينبغي أن يبكي عليه الآن كلُّ ذليلٍ لا ناصر له، وكلُّ محتاجٍ قد أهلكته حوادثُ الزمان، وتركته لا معينَ له.
وزعم بعضُهم أنَّهُ لا دليلَ في البيت، لجواز أنْ يكونَ يزيدُ منادىَّ، وضارع مفعول يبكي، أي: يا يزيدُ يجبُ بعدَك أنْ يبكي الذليلُ والمحتاجُ فإنَّهما قد هلكا بهلاكك.
والتوجيه الأول أولى، لأنَّه رُوى: ليَبْكِ يزيدَ، بفتح ياء «يبك» وكسر كافة، ونصب يزيد، فلما ظهر (ضارعٌ) فاعلاً في هذه الرواية استحق أن يقدَّرَ فاعلاً في الأخرى ليستويا.
مسألة [١٢٧]
يجوز في الكلام حذفُ تاءِ التأنيث من الفعلِ الماضي المسندِ إلى مؤنثٍ حقيقي إذا فُصِلَ بينهما يغير إلاً، كقوله: [البسيط].
(إنَّ أمرأً غرَّهُ منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدَكِ في الدنيا لمغرورُ)
فإن كان الفاصل إلّا فالحذفُ قليلٌ كقولِه: [الطويل]
([طَوى النَّحْرُ والأجرازُ ما في غُرُوضِها] ... وما بَقَيْت إلّا الضُّلوعُ الجَراشِعُ)
стр. 439
وأكثرُهم يخصُّهُ بالشعر، ويجوز في الشعر حذف التاء من الماضي المسند إلى ضميره متصل مجازى التأنيث، كقوله: [المتقارب]
(فلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أبقلَ إِبقالها)
فأما البيت الأول فـ (غَرَّه) صفه لـ (امرأ)، وواحدة فاعل، وهو صفة لمحذوف، وقد إختلف في تقديره، فقال سيبويه والجمهور: امرأة واحدة مؤنث حقيقي، وترك التاء من الفعل، إذ لم يقل غرته للفصل بالمفعول، وهو الهاء، وبالجار والمجرور، وهو (منكن).
وقال المبرِّد: التقدير: خصلة واحدة، فلا دليلَ في البيتِ حينئذٍ، لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ، والتقدير الأول أظهر، لأنَّه إلى الذهن أسبق، ويؤيدُ صحتَهُ حكايةُ سيبويهِ: حضر القاضي امرأة.
وأما البيت الثاني فإنَّه لذى الرُّمة، صدره:
(طوى النحز والاجراز ما في غروضها)
والنَّحْز، بفتح النون والحاء المهملة والزاي: النخس والاستحثاث الشديد. والاجراز، بالجيم والراء وآخرها زاي، جمع جُرُز، بضمتين، وهي الأرضُ التي لا نبتَ بها، والغُرُوض، بضمتين، أولاهما معجمة، جمع غرض، هو حزام الرجل. والجراشع جمع جُرشع، بضم الجيم والراء [و] المعجمة، المنتفخة الجنوب والبطون، يصفُ ناقَتُه بقول: طوى وهزل
стр. 440
ما أصابها من شدة الاستحثاث والركض ومن السير في الأرض التي لا نبات بها.
«ما في حزامها» وهو حشاها، فما بقيت من كثرة سبرها إلَّا أضلاع منتفخة عظيمة، يريد ذهب لحمها فلم يبق إلَا ضلوع مشرفة /٩٠ ب/ مرتفعة.
وأما البيت الثالث فإنه لرجل طائي، وهو عامر بن جُوَيْن، بلفظ تصغير الجون، للأسود والأبيض.
و (مزنة) مبتدأ، أو اسم لا، على إلغائها أو أعمالها عمل ليس، وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض، ويقال للمطر حبّ المزن. ووهم ابن يسعون فقال: المطر نفسه، ويرده قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩]، والودق، بالدال المهملة، المطر، وودقت تدق: مطرت، والجملة خبر المبتدأ، أو خبر لا، أو نعت لمزنة والخبر محذوف، أي موجود.
وودقها وإبقالها مصدران يشتبهان. و (أرض) اسم لا التبرئة، وأيقل خبرها فمحله الرفع، أو نعت لاسمها فمحله النصب، أو الرفع.
ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل أبقل، وقد يقال بقل بقلاً
стр. 441
وبقولاً، ولوجهِ الغلامِ أول ما نبت فيه الشعر (بقل) لا غير.
وأنكر جماعة منهم الأصمعي: بقل في المكان، ولهذا ادعوا أنَّ باقلاً من الشواذ كأعشب، فهو عاشب.
والشاهد في قوله أبقل بإسقاط التاء مع كون الفاعل المؤنث مضمرًا متصلاً، وذلك لوجود شَرْطَيْهِ: كون التأنيث مجازيًا لا حقيقيًا، وكونه في الشعر لا في النثر، وكأنّه لما أُضطُّر حمل الأرض على الموضع أو السهل.
وعن ابن كيسان أنَّ ذلك جائزٌ في النثر، وإن البيت ليس بضرورة لتمكُّنِ قائلِه مِنْ أنْ يقولَ: أبقلت، وأنْ ينقلَ كسرةَ الهمزةِ إلى التاء، ثم يحذف الهمزة.
وأجاب السيرافي بأنَّهُ يجوزُ إِنْ يكونَ الشاعرُ ليس من لغتِه تخفيفُ الهمزة، وحينئذٍ لا يمكنه ما ذكره.
وذكر ابن يسعون أنَّ بعضَ الرواةِ رواه بالتاء، وبالنقل المذكور فإن صحَّتِ الروايةُ وصحَّ أنَّ القائلَ ذلك هو الذي قال: ولا أرض أبقل، بالتذكير، صح لابن كيسان مُدّعاهُ، وإلّا فقد كانت العرب ينشد بعضُهم شعرَ بعضٍ، ولا
стр. 442
يتكلم على مقتضى، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن هنا تكثَّرتِ الرواياتُ في بعضِ الأبيات.
وذكر القَواسُ في شرح الدُّرَّة أنَّهُ روى ابقالُها، بالرفع، فلا شاهد فيه حينئذٍ.
وزعم بعضُهم أنَّهُ لا شاهدَ فيه على رواية النصب أيضًا، وذلك على أنْ يكونَ الأصلُ لا مكان أرض، ثم حذف المضاف، وقال: ابقل، على اعتبار المحذوف، وقال: ابقالها، على اعتبار المذكور.
مسألة [١٢٨]
اتفقوا على وجوب تأخير المحصور فيه بإنَّما، مرفوعًا كان أو منصوبًا، ليتَّضحَ بذلك المحصور فيه من غيره، واختلفوا في المحصور فيه بإلَّا ، فقال المتأخرون: وهو كذلك حملاً لأحد الحصرين على الآخر، ولأنَّ المحصورَ في نحو: ما ضربَ زيدٌ إلاً عمرًا، ضرب وقع من زيد لا مطلق الضرب، وفي: ما ضرب عمرًا إلاً زيدٌ، ضرب وقع على عمرو لا مطلق الضرب، فلو قدمت المحصور فيه /٩٠ آ/ في المثالين لحصرت الصفة قبل تمامها.
وقال الكسائي: يجوز تقديمُه لأمْنِ الالتباس.
وقال البصريون والفراء وابن الأنباري من الكوفيين: إنْ كان مفعولاً جاز
стр. 443
تقديمه، لأنَّهُ في حالة التقديم في نية التأخير فتقديمه كلا تقديم، وإنْ كان فاعلاً وجب تأخيرُه، لأنَّه في حالة التقدم حال في محله، فلا يجوز أن يُقوي به غير ذلك المحل، وحينئذٍ فيكون تقديمه من جهتي اللفظ والتقدير، وذلك غير لائق بالمحصور فيه، لما قدَّمنا، وبعض النحويين كالناظم يتجوَّز في العبارة فيسمى المحصور فيه محصورًا.
ووهم الناظم وتبعه ابنه فنسب القول بالتفصيل لابن الانباري وحدَهُ.
واحتجَّ مجيز تقدم المحصور فيه بإلاً إذا كان فاعلاً بقول: [الطويل]
(تَزَوَّوْتُ من ليلى بتكليمِ ساعةٍ ... فما زاد إلاً ضِعْفَ ما بي كلامُها)
وهذا يصحُّ أنْ يحتجَّ به من يقول بالجواز مطلقًا بأنْ يقولَ هو دليلٌ على أنّ كونَ الشيءِ محصورًا فيه وكونه مقدّمًا لا يتنافيان، ووقع ذلك هنا في الفاعل بطريق الاتفاق، إلَا أنَّ الجواز مقَّيدٌ بذلك، ويقوى ذلك بأن يعود ما يشهد لتقدُّم المحصور فيه، وهو مفعول كقوله: [البسيط]
стр. 444
(ما عابَ إلَّا لئيمٌ فعلَ ذي كرم ... ولا جَفَا قَطُّ إلَا جَبَّأٌ بطلا)
وقوله: [الطويل]
(فلم يدرِ إلَا الله ما هيَّجَتْ لنا ... عشيّةً آناءُ الديار وشامُها)
فأما البيت الأول فقد قيل لا دليل فيه لجواز أنْ يكونَ فاعل (زَاد) ليس قوله: (كلامها)، بل ضميرًا مستترًا في (زاد) راجعًا إلى (تكليم ساعة)، وحينئذٍ يبقى (كلامها) لا رافع له في اللفظ، فيحتاجون إلى تقدير عاملٍ له، فيقدّرون زاد في كلامها، وهذا التأويل قد يستبعد، لأنَّ مثلَ هذا إنّما يحسن إذا كان في الكلام السابق إيهام فيستأنف.
حينئذٍ له جملة توضحُهُ، ويقدْر تلك الجملة جوابًا لسؤال كما مرّ في قولك: ليُبْكَ يزيدُ ضارع لخصومه.
ويُجاب بأنَّ الفاعل لمّا لم يكنْ ظاهرًا بل ضميرًا مستترًا حصل إيهام سوِّغ السؤال والجواب، وبعدُ فالصواب الحكم بجواز التقديم قليلاً، أو في الضرورة.
وأما البيتان الآخران فقيل فيهما أيضًا بأنَّ المؤخَّر معمول لمحذوف،
стр. 445
أي: غاب فعل ذي كرم وجبّأ بطلا ودرى ما هيجت لنا، وهذا واضح، لأنَّه إذا قدّر تمام الكلام قبل المفعول حسب السؤال. وإناءًا جمع نأى وهو البعد، وهو مما جمع فيه فعلى الصحيح العين على أفعال كفرح وأفراح وندر ورأد وارآد.
والديار على حذف مضاف، أي: أهل الديار، أو سمى أهل الديار ديارًا تسمية للحال باسم المحل، وعلى الاحتمالين قوله: [الطويل]
/٩١ ب/ (لئن نزحتْ دارٌ لليلى لربَّما ... غنينا بخير والديار جميعُ)
وقد يكون جميع بمعنى جامعه فلا يحتاج إلى واحد من التأويلين، وقوله: وِشامها، بكسر الواو وإعجام الشين، جمع وشم، وهو.
مسألة [١٢٩]
أجاز الأخفش وابن جني وأبو عبد الله الطوال أن يعود ضمير من الفاعل المقدّم على المفعول المؤخّر ، نحو: ضرب غلامه زيدًا، لأن استلزام الفعل للمفعول يقوم مقام تقدّمه، ومنعه الجمهور، لعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً، وللاتفاق على المنع في قولك: صاحبُها في الدار، ويشهد للأول قوله: [الطويل]
стр. 446
(جزى ربُّه عنّي عديَّ بنَ حاتمٍ ... جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وَقَدْ فَعَلْ)
وقوله: [البسيط]
(جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كبرٍ ... وحسن فعل كما يجزى سنمارُ)
وقوله: [الطويل]
(ولو أنَّ مجدًا خلّدَ الدهرّ واحدًا ... مِنَ الناسِ أبقَى مَجْدُهُ الدهرَ مُطْعِما)
وقوله: [الطويل]
стр. 447
(كسى حلمه ذا الحلم أثوابَ سؤددٍ ... ورقى نداء ذا الندى في ذرى المجدِ)
وقال بعضُهم: هو جائز في الضرورة ممتنعٌ في الكلام، وأجازه ابن الناظم.
فأمّا البيت الأول فإنه لأبي الأسود الدؤلي يهجو عدى بن حاتم.
والجزاء يستعمل في الخير والشر، والجملة خبرية اللفظ دعائية، واختلف في المراد بجزاء الكلاب العاويات، فقيل: هو الضرب والرمي بالحجارة.
وقال الأعلم: ليس هذا بشيء، وإنَّما دعا عليه بالأبنة، إذ الكلام تتعاوى عند طلب السفاد، قال: وهذا من ألطف الهجو.
ومن قال المراد الضرب فليس بشيء، ثم حقّق المدعو به بقوله وقد فعل، ومن هنا اتّجه الأعلم أن سماه هجاء، وإلاً فالدعاء لا هجاء فيه، ونظيره في تحقيق المدعو به قوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، وقد حققت الجملة المدعو بها في الآية على وجه أكمل، إذ لم يقل: وتبت يداه، بل بأنَّه كلُّه قد خسر، يداه وغيرها.
стр. 448
وأجاب المانعون بأن الضمير في (ربه) ليس عائدًا إلى (عَدِيّ) بل إلى الجزاء المفهوم من قوله: جزى، وكأنَّه قيل جزاء مالِك الجزاءِ، أي الذي بيده أمرُ الجزاء، ويشهد لهم قول النابغة: [الطويل]
(جزى الله عبسًا والجزاءُ يكفه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فَعَلْ)
وقوله علي ﵁: [الطويل]
(جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرًا ما أعف وأكرما)
وعلى هذا فإذافة كلمة الرب إلى ضمير الجزاء أعطى المعنى الذي تعطيه الجملتان المعترضتان في البيتين.
وفي كتاب النوادر لابي عمر الزاهد غلام ثعلب أن ابن كيسان تسمع ثعلبا يقول: لا يتقدم المكني على الظاهر، فاعترض عليه بهذا البيت، فأجاب بأنَّهُ شاذٌ، وبأنَّه يجوز أن تكون الكناية لغير (عديّ) وكأنّه وصف رجلاً
стр. 449
أحسن اليه، ثم قال جزاه ربُّه خيرًا، وجزى عني عديّ بنَ حاتم شرًّا، فلا شذوذ في البيت، ولا خفاء بما في هذا التأويل من السقوط لكثرة تكلّفه، وادعاء حذف ما لا دليل عليه.
واما البيت الثاني فلا [يحتم] من الضمير ما قدّمنا /٩٥ ب/ من التأويل، و (عن) فيه بمعنى بعد مثلها في «لتركبن طبقًا عن طبق»، وقوله: وحسن فعل، أي لهم، وقوله: يجزي أي جزى، فأتى به على صيغة المضارع لاستحضار الحال الماضي لغرابته، وسِنِمَّار بوزنِ طِرَّماح اسم الرجل من البناة، وهو في الأصل علم للقمر، وهذا الرجل بنى الحورنق، وهو قصر عظيم لم يرَ العربُ مثله، بناه للنعمان الأكبر ملك الحيرة ليكون فيه ولده ونساؤه، ولما بناه رماه من أعلاه، فهلك، فصار يضرب به المثل في سوء المكفأة، فقيل: (جزاني جزاء سنمار)، وكان بناؤه في عشرين سنة، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان لبعض العرب: [الطويل].
(جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنبِ)
(بنى ذلك البنيان عشرين حجة ... يُعَلَّى عليه بالقراميد والسكبِ)
(فلما انتهى البنيانُ يومَ تمامِه ... وآضَ وكمثِل الطود واللدع الصعبِ)
стр. 450
(رمى سنمار على حقّ رأسه ... وذاك لعمر الله من اعظمِ الخطبِ)
واختلف في سبب ما فعل به ذلك فقيل: لأنه.
واما البيت الثالث فإنه لحسان بن ثابت الانصاري ﵁ يمدح المطعم بن عدي. والدهر هنا جميع الزمان، وهو منصوب بأخلد وبأبقى.
واما البيت الرابع فواضح، وفيه شاهد على هذه المسألة، فهو من أنفع الأبيات.
стр. 451
شواهد باب النائب عن المفعول
مسألة [١٣٠]
يقال في نحو: قال وباع، مبنيين للمفعول في لغة فقعس ودبير، وهما من فصحاء بني أسد، قول وبوع، لأن الأصل فُعِل، بضم الأول وكسر الثاني، فقصدوا تخفيفه بحذف حركة العين، فسلمت من نحو قال وبعد الضمة لتجانسهما، وانقلبت الياء من نحو: بيع واواً، لتجانسها، وشاهده قوله: [الرجز].
(حكيت على نولين إذ تُحاك ... تختبطُ الشوكَ ولا تُشاكُ)
وشاهد الثاني قوله: [الرجز].
(لَيْتَ وهَلْ ينفعُ شيئًا ليتُ ... ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريت)
стр. 452
فأمّا البيت الأول فيروى فيه نولين ونيرين، والنول والمنوال/ عودة إلى ٩١ ب/ ولحمتِه الخشبة التي يلفُّ عليها الحائكُ الثوبَ والنّيِر، بكسر النون، علم الثوب ولحمته أيضا، وهو المراد هنا، وإذا نسج الثوب على لحمتين كان أصفقَ له وأقوى وأبقى، ويقال في الفعل منه انرت الثوب، وربما قبل: هنرته، كما يقال في أرقته: هرقته، وقد تجوز فقالوا: رجل ذو نيرين، إذا كان له من القوة والشدة ضعف ما لصاحبه.
وقوله: (على نيرين) معناه قائمة على نيرين فهو حال من الضمير المستتر الراجع إلى الجملة، وهو عبارة عن ازار ورداءٍ معًا. وتُحاك بمعنى حيكت، ومثله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
ووصفها بغاية الصفاقة حتى أنها تختبط الشوك ولا تتأثر بها.
وأما البيت الثاني فمن شعر أنشده الكسائي في صفة (دَلْوٍ)، وقبله:
(ما لي إذا اجذبها صائت ... أكبر قد غالني أم بيت)
إلا أنه انشده: وما ينفع مكان هل ينفع.
والاستفهام في تلك الرواية بمعنى النفي مثله في: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فاتحدت الروايتان.
стр. 453
وقوله: اجذبها، يروي مكانه انزعها. وقوله: صائت، بالصاد المهملة، معناه صحت، وفي المثل: (جاء بها صائي). و (صمت) إذا جاء بالماء الكثير، أي بالناطق /٩٢ أ، والصامت.
وقد يقال: جاء بما ضاء على القلب، مثل ناء، والمراد بالبيت المرأة، وجملة الاستفهام أو النفي معارضة بين ليت الأولى وليت الثالثة المؤكدة لها، وهما حرفان، وليت الثانية اسم مرفوع بـ (ينفع)، والمراد بها اللفظة.
مسألة [١٣١]
أجاز الكوفيون والأخفش إسناد فعل المفعول إلى غير المفعول به مع وجوده محتجبين بقراءة أبي جعفر: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]، وقوله: [الرجز].
(لم يعن بالعلياء إلّا سيدا ... ولا شجى ذا الغي إلّا ذو هدى)
وقوله:
(وإنما يرضي المنيب ربه ... ما دام معنيًا بذكر قلبه)
стр. 454
فأما القراءة فقالوا: أسند (يجزَى) إلى الجار والمجرور وترك المفعول به، ولا دليل لهم فيها لجواز أن يكون الأصل ليجزي الله الغفران قومًا بما كانوا يكسبون، ثم حذف الفاعل للعلم، وأضمر الغفران لتقدّم ذكر ما يدل عليه، وهو قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] فارتفع واستتر في الفعل، فإنما النائب المفعول به لا الجار والمجرور، وانابة المفعول الثاني في باب كسى جائزة عند أمن الالتباس، وهذا منه.
وأما البيتان قد يحملان على الضرورة، وأصل الكلام في الأول: لم يعن الله بالعلياء إلّا سيدًا، أي لم يجعل الله أحدًا يعني بها إلّا من له سيادة، فحذف الفاعل وانيب قوله بالعلياء، واستثنى السيد على جهة التفريغ، فترك الأمر العام الذي هو أحد، وقدر السيد مفعولاً، وقد كان في الأصل بدلاً من الاحد، أو منصوبًا على الاستثناء، ويقال: شجى، وأصله في الثاني ما دام عانيًا هو بذكر الله في قلبه أي ما دام يجعل قلبه معتنيًا بذكر الله ثم حذف الفاعل، وهو ضمير المنيب الذي كان مستترا في اسم الفاعل، وأناب عنه الجار والمجرور، وحوَّل صيغة بناء الفاعل إلى صيغة بناء المفعول، والمنيب وقبله:
(ليس منيبًا امرؤ منبه ... للصالحات متناسٍ ذنبه)
وما مصدرية ظرفية، وفيه تقديم خبر ليس على اسمها.
стр. 455
شواهد باب الاشتغال
مسألة [١٣٢]
إذا كان الاسم السابق على الفعل الناصب لضميره واقعًا بعد أداة مختصة بالفعل وجب نصبه ، نحو: هلّا زيدًا لقيته، وإنْ زيدًا لقيتَهُ فاكرمْهُ، وربَّما رفع كقوله: [الكامل].
(لا تجزعي إنْ منفسٌ اهلكتُهُ ... وإذا هلكتُ فعندَ ذلكِ فاجْزَعِي)
يروى بنصب (منفس)، وهي رواية سيبويه، وهي بتقدير اهلكت، فلا إشكال، وبرفعه، وهي رواية الأخفش، فقيل بتقدير فعل مطاوع لاهلكت، أي أن هلك منفس، وهو رأي الناظم وابنه، وذلك لأن اهلك مستلزم لهلك، ونظيره مع كل ما مّر في قوله: /٩٢ ب/
стр. 456
أسقى الإله عدواتِ الوادي ... البيت
وقد مرّ. وقيل: هو بتقدير مثل الفعل المذكور، ولكن مبنيًا للمفعول أي إنْ اهلك منفس، وقيل: بل هو مبتدأ على أنه يجوز وقوع المبتدأ بعد أداة الشرط بشرط أن يخبر عنه بفعل، وهو رأي الأخفش والكوفيين ولا يعوَّل عليه.
وهذا البيت للنمر بن تولب ﵁، ومعناه: لا تجزعي على ما اتلفُهُ من المالِ، ولكن اجزعي إذا هلكت فإنَّك لا تجدين مَنْ يخلفني عليك مثلي.
و (المُنْفِس) بضم الميم وكسر الفاء، النفيس من المال، وذلكِ بكسر الكاف.
وكان النمر قد نزل به، وهو في جاهليته اخوان، فعقر لهم اربع قلائص، وسفا لهم خمرًا كثيرًا، فلامته على ذلك.
مسألة [١٣٣]
يجوز عند الجمهور نحو: زيدًا ضربته، باضمار مثل المذكور، ومَنَعَهُ بعضهم لعدم تقدّم ما يطلب الفعل، مع أنَّ الأصل عدم التقدير، وردَّ بقراءة بعضهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٣]، وبقوله: [الرمل].
стр. 457
(فارسًا ما غادروه مُلْحَمًا ... غَيْرَ زُمَّيْلٍ ولا نِكْسٍ وكَلْ)
стр. 458
شواهد باب تعدي الفعل ولزومه
مسألة [١٣٤]
إذا كان في العامل المتعدّي بالحرف. ثم حذف الجار توسعًا نصب المجرور ، كقولك في: شكرت لزيد، ونصحت لعمرو، شكرت زيدًا ونصحت عَمْرًا، وقوله: [الكامل].
(لَدْنُ بهزِ الكَفِ يَعْسِل مَتْنُهُ ... في كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ)
وقوله: [الوافر].
(تمرّون الديارَ ولم تعوجوا ... كلامكم عليَّ إذن حرامُ)
стр. 459
وقوله: [البسيط].
(استغفِرُ الله ذنبًا لستُ مُحْصِيَهُ ... ربَّ العِبادِ اليه الوَجْهُ والعَمَلُ)
وقوله [البسيط]
(آليت حب العراق الدهر اطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس)
وقوله: [الطويل].
(تَحِنُّ فتُبدي ما بها مِنْ صَبابةٍ ... وأُخفي الذي لولا الأسَى لقضاني)
وقد يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الطويل].
(إذا قيل أيُّ الناسِ شَرُّ قبيلةٍ؟ ... اشارتْ كليبٍ بالاكفِ الاصابعُ)
فاما البيت الأول فإنه لساعدة بن جؤية الهذلي، وجؤيّة، بضم الجيم ففتح الهمزة فتشديد الياء.
стр. 460
واللِّدن، بفتح اللام، الناعم اللين، ويُروى: لذّ، أيْ مُسْتَلَذٌ عند الهز للينه. والباء متعلقة بـ (يعسل)، والعسلان: الاضطراب، وهو في الأصل سيرٌ سريعٌ في اضطراب.
وقال: (متنه) لأنَّهُ إذا اضطرب المتن فما ظنُّك بالطرفين. والهاء المجرورة بفي للدن، أو للهزّ، يصف رمحًا لين المهز، فشبَّهَ اضطرابه في نفسه، أو في حال هزّه يعسلان الثعلب في سيره.
والشاهد فيه نصب /٩٣ آ/ الطريق بعد نزع الخافظ، وهو (في)، ولا يُقالُ الطريق ظرف مكان، ولا منصوب على التوسُّع، لأنَّهُ اسم خاص للموضع المستطرق، وإنّما ينتصب على ظرفية المكان مبهمًا، ونحوه في التوسَّع قولهم: ذهبت الشام، إلى أن الطريق أقرب إلى الابهام من الشام، لأن الطريق مكان في كل موضع يسار إليه فيه، وليس الشام كذلك.
وزعم أبو الحسين ابن الطراوة: أنَّ الطريق آسمٌ لما يمكن استطراقه لهم وعلى هذا (مبهمًا). وردّ على سيبويه إذ جعل انتصابه على التوسع. قال الشلوبين: وهذا كذب، وإنّما الطريق ما يُسْتَطْرَقُ، ولا يُسمَّى نحو: المسجد والدار طريقًا، لا مكان استطراقه.
وقال ابن أبي الربيع: زعم ابن الطراوة أنَّ الطريقَ مبهمٌ، واستدل
следующие страницы →