← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1791

نور وهداية

علي الطنطاوي

Полный текст (264 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإذا سمّوا قساوستهم رجال الدين فلأن القساوسة لا عمل لهم إلا إقامة الصلاة وما يدعونه بالقُدّاس وسماع الاعترافات، أما العالِم المسلم فهو رجل دين ورجل دنيا، لأن الدين والدنيا في الإسلام أخَوان لا ينفصلان، لا كما يقول بعض جَهَلة الخطباء على منابر الجمعة أنهما ضرتان لا تأتلفان. وإذا قال النصارى إن الغني لا يدخل ملكوت السماوات فإن الإسلام سمّى المال في القرآن «خيراً» فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الوّصِيَّةُ﴾، وقال عن الإنسان: ﴿وإنّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَديد﴾. وقرّر أن الغني الشاكر والفقير الصابر في الفضل سواء. وإذا ألزم النصارى دينهُم (أو ما يقولون إنه دينهم) أن يدير المضروب على خده الأيمن خدّه الأيسر للضارب فإن الإسلام أمر المسلمين بأن يردوا العدوان بمثله فقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ وقال: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وهذا هو العدل، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأصْلَحَ فأجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ وهذا هو الإحسان، والله يأمر بالعدل والإحسان. أي أن الإسلام أمر المسلمين أن يدفعوا القوة الظالمة الباغية بالقوة العادلة الرادعة، فإذا ظفروا وتمكنوا من الخصم وعفوا فإن العفو أفضل. والمسلم إنما يعفو عن حقه الشخصي لأنه صاحبه يتنازل إن شاء عنه، أما حق الله فليس لأحد أن يتنازل عنه. * * * فالإسلام -إذن- دين ودنيا وعبادة وأخلاق وقانون، لا ينطبق

стр. 212

عليه ما ينطبق على غيره؛ فلا ينفصل الإسلام عن السياسة لأن سورة براءة مثلاً -وهي من القرآن- من صميم السياسة الدولية، فهل نفصل سورة براءة عن القرآن ونقرّ مَحْوَها من المصاحف؟ والإسلام فيه حل لكل المشكلات البشرية، وفيه نظام اقتصادي كامل هو الحق بين الباطلين: باطل الرأسمالية المعروفة بالأثرة وباطل الشيوعية. والإسلام لكل زمان ومكان. في الكتاب والسنة حكم المعاملات المصرفية على اختلافها، لكنها ليست مذكورة في كتب الفقه. وكيف تُذكَر فيها ولم تكن في الدنيا مصارف لمّا أُلِّفت هذه الكتب ولا معاملات مصرفية؟ كيف يذكر كتاب «المغني» حكم التأمين على السيارة وقد أُلِّف قبل أن تخترع السيارة وقبل أن يوجد نظام التأمين؟ إن علماءنا الأوّلين استنبطوا من الكتاب والسنة الحلول الكاملة لمشكلات عصورهم، فعلينا أن نستخرج نحن الحلول لمشكلات عصرنا. إن الحل موجود ولكنه يحتاج إلى تنقيب وبحث عنه لاستخراجه، كما نستخرج من المناجم التي نشقّها المعادنَ التي أودعها الله باطن الأرض. وهذا فرض كفاية على القادرين عليه من العلماء، فإذا لم يَقُم به أحد منهم أثموا جميعاً، ودفعوا الحكام إلى أخذ القوانين الأجنبية التي لم تُستمَدّ من الإسلام ولم توضع لبلاد المسلمين. إنها كالثياب الجاهزة المُعَدّة على مقياس واحد، والإسلام ثوب فصّله الله لنا على مقياس أجسامنا، فسد فيه حاجاتنا وحقق فيه آمالنا ودلنا فيه على طريق السعادة في دنيانا وأخرانا.

стр. 213

ولقد صدق ابن القيم ﵀ حين قرر في كتابه العظيم «الطرُق الحُكميّة» أن جمود الفقهاء وتضييقهم الواسعَ من شرع الله هو الذي دفع الحكام إلى أخذ الأحكام من عند غير المسلمين. ولما كنت أيام الوحدة مستشاراً في محكمة النقض، في القاهرة وفي دمشق، كانت مناقشات بيننا وبين إخواننا المستشارين، فكتبت مقالة في مجلة القانون التي كانت تصدرها وزارة العدل في سوريا عنوانها «حلول قديمة لمشكلات جديدة» استخرجت فيها من كتب الفقه حلولاً لمشكلات يحسبها الناس قد جَدّت الآن، فمَن شاء منكم رجع إليها فاطّلع عليها (١). إن من مشكلاتنا أننا نمشي مع الناس، لا ننظر أيسيرون في طريق الحق أو في طريق الباطل، نتخذ ذلك سنة لنا في حياتنا الفردية وفي حياتنا العامة، حتى إننا أخذنا من غيرنا مبدأ اتّباع الأكثرية ولو كانت على ضلال. إن مما يعوقنا عن سلوك سبيل الشرع هو اتّباع الناس. وأنا لا أقول لكم خالفوا الناس واخرجوا عن مألوف العادات، فإذا لبس الناس الحذاء بأرجلهم علقتموه أنتم بأعناقكم، وإذا ناموا على الفراش ناموا أنتم في مغطس (بانيو) الحمّام، ولا أقول لكم: إذا رأيتموهم يمشون إلى اليمين فامشوا أنتم إلى اليسار لتخالفوهم! بل أقول لكم: اجعلوا الدين هو المقياس، فإن رأيتم الناس يمشون في طريق الحرام فلا تمشوا معهم، ولا تحتجّوا بالأكثرية

стр. 214

فإن أكثر الناس غالباً على ضلال، والله يقول: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ في الأرْضِ يُضِلّوكَ عَنْ سَبيلِ الله﴾ ويقول: ﴿وَمَا أكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنين﴾. وهل الحق دائماً مع الكثرة؟ لو قرر أطباء المستشفى الثلاثة وجوب إجراء العملية الجراحية للمريض، واجتمع الخدم والممرّضون والبوّابون والفرّاشون، وكانوا ثلاثين، وطالبوا بترك العملية وإهمالها، هل نتّبع رأي الثلاثين من الخدم والممرضين والبوابين والفراشين أم نتبع رأي الأطباء الثلاثة؟ ولو قرر ربان الطيارة الهبوط بها لأن الوقود أوشك أن ينفد منها وطالب الركابُ الثمانون باستمرار الطيران، هل نأخذ برأي الثمانين لأنهم هم الأكثرية أم برأي الربان الواحد؟ يا إخواننا، الرجال تُعرف بالحق والحق لا يُعرَف بالرجال، ورأي الواحد إن كان معه الدليل الساطع أولى من رأي الألف إن لم يكن معهم دليل. لو بلغ أتباع المبطلين مئة مليون، بل ألف مليون، وبقي على الأرض محق واحد، لكان هذا الواحد أهدى سبيلاً من ألف المليون (١). ألا تذكرون أن هتلر وموسوليني وأمثالهما من المتسلطين كانوا يخطبون في الدعوة إلى باطل النازية والفاشية فيهتف لهم مئة ألف أو يزيدون، فأين اليوم هؤلاء الهاتفون؟ وكم رأينا من زعماء

стр. 215

العرب من يخطب قوماً يَسمعون ولا يفهمون! والدليل على ذلك أنهم يقاطعون الخطيب ويتركونه بين المبتدأ والخبر أو بين الفعل والفاعل، قبل أن يتم الجملة، ليهتفوا ويهرّجوا ويصرخوا مثل المجانين! أليس هؤلاء الهاتفون هم أنفسهم الذين كانوا يُجمَعون فيهتفون لمن كان قبله على عهده؟ وإنهم سيُجمَعون فيهتفون لمن سيجيء من بعده؛ يقولون ما يُقال لهم ويرددون ما ألقي عليهم، الطبل يجمعهم والعصا تفرقهم! كلا؛ لا يعبأ الله بهم. * * * يقولون إنه لا يَصِحّ إلا الصحيح ولا يبقى إلا الأصلح، هذا هو عندهم قانون التطور، ولعله سنّة من سنن الله في الكائنات. فإذا كانت هذه المذاهب الأرضية الملحدة هي الصحيحة وكانت هي الأصلح فستبقى، وإن كان الصحيح هو دين الله وكان الأصلح ما شرعه الله لعباده فإن الباقي هو كتاب الله الذي أنزله وتعهد بحفظه، وستذهب ضلالات العصر كما ذهبت من قبلها مئات من الضلالات. أين ما كان يدعو إليه هتلر وموسوليني؟ وأين مِن قبلهما ما دعا إليه فرعون وهامان؟ إنها ستُنسى هذه المذاهب ولا يبقى من الناس من يعرفها إلا طلاب الدراسات العليا في الجامعات، وسيأتي يومٌ يسأل عنها الطلاب ليعرفوا ما هي، كما يسألون اليوم: ما هي القُرْمُطية؟ وما هي المَزْدَكية؟ وما هي المانَويّة؟ إن للباطل جولة، ولكن العاقبة للحق. فلا تغترّوا بجولة الباطل، ولا تشكّوا في إسلامكم، ولا تقدّموا واقع الناس على حقيقة دينكم، ولا تكونوا إمّعة تقولون: إنْ أحسنَ الناس أحسنّا

стр. 216

وإن أساؤوا أسأنا، إن تعامل الناس بالربا تعاملنا بالربا مثل الناس، وإن كشف الناس العورات كشف نساؤنا العورات مثل الناس، وإن ترك الناس حكم الله وأخذوا قوانين البشر فحكموا بها في محاكمهم عملنا مثل ما يعمل الناس. لا، ولكن اتبعوا الحق. كثير من المسلمين قد انحرفوا اليوم عن طريق الشرع، وتعارفوا ما ينكره الدين، ورجع بعضهم في بعض بلاد الإسلام إلى أخلاق الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو شر منها، لأن الجاهلية الأولى كان فيها الشرك، وهو رأس الذنوب وأكبر الخطايا، ولكن كان فيها الصدق والشهامة والغيرة على الأعراض. هل قرأتم أو سمعتم بحفلة يختلط فيها النساء متكشفات بالرجال الأجانب، فيراقص فيها أبو لهب زوجةَ أبي جهل؟ هل سمعتم عن نساء الجاهليين من كانت تُبدي للرجال عورتها أو تنزل البحر لتسبح أمامهم وما في جسمها مستور إلا السوأتان والثديان؟ أوَليس فيمن يدّعي اليوم أنه من المسلمين (الذين سمّاهم الأمير شكيب أرسلان بالمسلمين الجغرافيين) من يصنع هذا؟ أنا لا أذمّ أحداً بعينه ولا أتكلم عن أحد، وهذه حال المسلمين ظاهرة تعرفونها بأنفسكم ولا تحتاجون لمن يصفها لكم. * * * يا إخوان، الذي أريد أن أقوله لكم هو أن تتبعوا حكم الشرع ولو خالف ما عليه الناس، ولا تتبعوا الناس إذا خالفوا الشرع، فإن الناس لا يغنون عنكم من الله شيئاً والله يعصمكم من الناس.

стр. 217

وهذا الذي أطلبه منكم أعلمُ أنه صعبٌ عليكم، لا يقدر عليه إلا مَن أمدّه الله بقوة من عنده. ونحن الآن في آخر الزمان، الذي خبّر رسول الله ﷺ أن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر. والصبر على مثل جمر الدنيا أهون من الصبر على جمر الآخرة، واذكروا دائماً حديثاً من أحاديث رسول الله ﵊، أتمنى أن يكتبه كل واحد منا وأن يضعه أمامه على مكتبه، أو أن يعلقه في جدار مجلسه حتى يراه في صباحه ومسائه. يقول ﷺ : «من طلب رضا الله بسَخَط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس» (١). إن في هذه البقعة من الأرض دعوات كثيرات: دعوات يسارية، ودعوات قومية، ودعوات إلى حزبيات متعددة مختلفة، فدعوها كلها وتمسكوا بدعوة الإسلام. أنا أضرب لكم مثلاً (٢): صحراء كبيرة يمر فيها طريق

стр. 218

للسيارات يصل بلدانها الشرقية العامرة ببلدانها الغربية العامرة، وفي وسط الطريق مناطق قد جرف السيل فيها الطريق المعبد فصار وعراً صعباً كله حجارة متراكمة، ولكن لا بد من المرور عليها ريثما يتم إصلاح الطريق. وقد اغتنم بعض المفسدين هذه الفرصة، وهم عصابات كثيرة في تلك البلاد، فشقّوا على جوانب الطريق الوعر طرقاً فرعية عبّدوا أولها ليخدعوا الناس، وأقاموا على جانبيها المقاهي والملاهي والمطاعم تخرج منها أصوات الموسيقى والغناء، يحسبها الجاهل مقاهي ومطاعم حقيقية مع أنها أماكن خادعة أُعِدّت لسلب الأموال عن طريق الخمر والنساء والمفاسد، فمن دخلها لم يخرج منها إلا مفلساً، وربما خرج وقد حمل معه بعض الأمراض السارية التي لا تفارقه حتى تفارق جسده روحه. وقد كتبت الحكومة لوحات فيها تحذير منها وبيان للطريق الموصل، ولو كان وعراً. فإذا جئت تلك البلاد ورأيت أمامك الطريق الوعر الذي فيه الحجارة والمصاعب، ولكنه يوصل إلى الأمان والاطمئنان والمدن الكبيرة التي تبتغي فيها الإقامة الدائمة، ورأيت فيها هذه الطرق الفرعية السهلة المعبَّدة التي فيها الطعام والشراب واللذة والراحة، ولكنّ مَن سلكها يخسر صحته وماله ولا يرجع منها إلا مريضاً مفلساً. فأي الطريقين تسلك؟ هل تصبر على صعوبة الطريق المستقيم ووعورته أملاً ببلوغ الأمن والسعادة في نهايته، أم أنت تغترّ باللذة العاجلة في هذه الطرق الفرعية؟

стр. 219

هذا -يا إخوان- مثال طريق الجنة وطريق النار، هذا هو المثال تماماً. طريق الجنة صعب ولكن آخره السعادة الدائمة، وطريق النار سهل ولكن آخره الشقاء الباقي. حُفَّت الجنة بالمكارِهِ وحُفَّت النار بالشهوات. الداعي إلى النار عنده كل شيء لذيذ، يقول لك: انظر إلى العورات الجميلة، تمتع بالمال الحرام، افعل كل ما تميل إليه نفسك، إذا اشتهيت فآت نفسَك شهوتها، وإذا غضبت فابطش، وإذا رغبت في شيء فخذه، لا تفكر إلا في الساعة التي أنت فيها، كن إباحياً، كن وجودياً، لا تذكر الموت ولا تشغل فكرك بالآخرة. وهذا كله سهل لذيذ على النفس. الإفساد سهل لأن المفسد يأخذك إلى المرقص لترى ما تميل إليه نفسك، يعطيك المجلات الخليعة والقصص المكشوفة والصور الداعرة، وقد يدلك على أماكن وجودها، وربما ساقك إليها. أما المصلح فماذا عنده؟ ما عنده إلا المنع من اتباع الهوى؛ إذا عرض لك الجمال المحرم قال لك: إياك أن تنظر. وإن أمكنك الربح المحرم قال لك: إياك أن تأخذ، إياك أن تتبع الهوى. ويقول لك: اترك نومك اللذيذ وقم إلى صلاة الفجر، خالف رغبتك في الطعام وصم رمضان، احمل المشاقّ واذهب إلى الحج. وإن سمعت الغيبة ومالت نفسك إلى المشاركة فيها قال لك: لا تغتب، بل اترك المجلس وقُم إذا لم يبدّلوا الحديث. وإن اتبع النساء الموضة ولبسن القصير قال لكِ: لا تعملي مثلهنّ واثبتي على الحجاب.

стр. 220

طريق الجنة أوله صعب، ولكن إن صبرت على صعوبته وصلت إلى دار اللذة الدائمة. وطريق النار أوله سهل جميل، ولكن إذا غرّك جماله أبلغك دار الشقاء الدائم. كالطالب ليلةَ الامتحان إذا كان أهله كلهم مجتمعين على الرائي (التلفزيون) يرون الفلم الجميل وكانت نفسه تميل إلى مشاركتهم، إذا اتبع هوى نفسه وآثر هذه اللذة المؤقتة سقط في الامتحان، وإن قاوم رغبة نفسه وقام إلى كتابه ودرسه، نال لذة النجاح التي هي أكبر من لذة النظر إلى الفلم. والقوة في مقاومة النفس. إذا سمعت من الإذاعة حديثاً دينياً جدياً أو قرأته في الجريدة، وسمعت من المحطة الأخرى أغنية لذيذة لفلانة المغنية أو فلان، وتركت الأغنية للحديث، فأنت قوي الإرادة لأنك سلكت الطريق الأصعب. إنك تكون قد صعدت، والصعود إلى العلاء صعب، أما الهبوط فهو هيّن. اتباع الشهوات مثل الصخرة التي تتدحرج من رأس الجبل، حرّكْها من مكانها تنزِلْ وحدَها بلا تعب، إن التعب والصعوبة في إعادتها إلى مكانها. خزّان الماء المبني في رأس الجبل اثقبه بالمحفار ينزل ماؤه كله إلى الوادي بلا تعب، إنما التعب والصعوبة في إعادته إلى مكانه. فمن كان يحب الراحة ولا يريد أن ينزعج ولا أن يخالف نفسه ولا أن يتحمل مشقة، فهذا لا يستطيع سلوك طريق الجنة. إن من يريد أن يسلك طريقها عليه أن يعد نفسه للمتاعب والمشقات، وأن يصبر عن المعاصي اللذيذة فلا يقربها، وأن يصبر

стр. 221

على الطاعات الصعبة فلا يقصّر فيها. ﴿أمْ حَسِبْتُم أنْ تَدْخُلوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الذينَ جَاهَدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرين؟﴾. إني أرى الناس عندما تُقرَأ في الإذاعة أحاديثُ رسول الله ﷺ التي فيها النور وفيها الهدى لا يكاد أكثرهم يهتمّ، إلا إن سمع أنّ دعاء يُدعَى به أو كلمات تقال فيكون منها الغفران ويكون بسببها دخول الجنة. أمّا إن سمع في الحديث دعوة إلى عمل فلا يكاد يتنبه إليه. يا أيها الإخوان، يبدو أننا لا نريد أن نعمل وإنما نريد أن ندخل الجنة بالكلام! * * *

стр. 222

يا شباب الإسلام حديث أذيع سنة ١٩٧٢ رأيت مرّةً في الترام في الشام رأسَ راكب من وراء الحاجز، تأملته فما عرفت أهو لرجل أو امرأة، ثم تكلم فإذا هو شاب، مصقول الوجه حليق الشعر، يلبس قميصاً فيه ألوان زاهية مما يلبس النساء. وكان يقف متثنّياً متخلّعاً يكاد ينهدم، كأنه خُلِق بلا عظام أو كأن عظامه من شُكلاطة. وإذا بامرأة كهلة شديدة تزاحم لتمرّ، فدفعته في صدره فهوى. فرجعَت ووقفت تتأمله كما يتأمل زائرُ الحديقة حيواناً غريباً، ثم وضعت يدها في خصرها وقالت: يوه! وقعت؟ تعوا شوفوا شباب آخر زمان! فزُلزل الترام من الضحك. هذا النمط من الشباب موجود في كثير من البلاد المسلمة. لا أقول إن الشبان عندنا كلهم من هذا النمط، ولا نصفهم ولا ربعهم ولا عشرهم، ولكنْ عندنا من هذا النمط عددٌ إذا كان اليومَ قليلاً فإنه يُخشى أن يكثر؛ لأن المرض يُعدي والفسادَ يغلب الصلاح. مريضٌ واحد يعدي عشرةَ أصحّاء، وبرتقالةٌ واحدة فاسدة في الصندوق تفسد برتقالَ الصندوق.

стр. 223

ومن يوم ظهر هذا النمط من الشبّان بدأنا نفقد بعض سلائق النّضال وإرث البطولة؛ فإياكم -يا شباب الإسلام- أن يكون فيكم مثل هؤلاء. إننا نريد شباناً أقوياء الأجسام، قاماتهم مشدودة وعضلاتهم بارزة، يمشون مشية رسول الله ﷺ ، وكان يمشي كأنّما يَنْحَطّ عن صبَب؛ أي مِشيةَ مَن ينزل إلى الطريق الهابط من الجبل، مرفوعَ الرأس منتصبَ الظهر. لا نريد مَن يمشي متخاذلاً، رأسه بين كتفيه وظهره منحنٍ وبطنه بارز ورجلاه ملتويتان، فلقد كان عمر إذا رأى مَن هذا شأنه ضربه بالدِّرّة وقال له: انتصب لا تُمِتْ علينا دينَنا. نريد شباناً أقوياء في الجسد، أقوياء في اللسان، أقوياء الجنان، يقحمون الأهوال في سبيل الحق، قد تمرّسوا بالصعاب وأَلِفوا الجهاد. فلقد ولى زماننا نحن الكهول ومضت أيامنا، وعملنا ما استطعنا فأصبنا وأخطأنا، وهذا زمان الشباب. * * * فيا أيها الشبان، لقد فسد الزمان وتزعزع الإيمان، وضلّت قافلة البشرية في بَيداء الفِتَن والشهوات والإلحاد والفساد، وعمّ الكونَ ليلٌ أسود مظلم، ولا يهدي القافلةَ الضالّةَ ولا يحمل المنارَ الهادي في هذا الليل المُدلَهِمّ إلا أنتم، أنتم يا شباب المسلمين. لا أعني شاب الترام الذي لم أعرف أرجل هو أم امرأة، بل الشباب الذين امتلأت بالإيمان قلوبهم، وسارت على نهج الإسلام أعمالهم، وتحققت معاني الرجولة والقوة فيهم.

стр. 224

فأعدّوا أنفسكم يا شبابُ لحمل هذه الأعباء. قَوّوا أنفسكم وأجسادكم، فلا جمال للرجل إلا بالقوة. وروضوا ألسنتكم وأقلامكم على البيان، فلا تنجح دعوة لا تَمُدّها الألسنة والأقلام. وتعلموا حقائق الإسلام لتدعوا إليه على هدى وبصيرة، فإن الجاهل إذا دعا أخطأ وهو يريد الصواب. وصحّحوا نياتكم، وكونوا مع الله بقلوبكم، فإن من كان مع الله كان الله معه، ومن كان الله معه لا تغلبه جبابرة الأرض. يا شباب، خذوا الأمثلة من شباب الصحابة، من الذين كانوا يتزاحمون على رسول الله ﷺ ليقبلهم جنوداً في الجيش الذي يمشي إلى المعركة، وكان أحدهم يتطاول ويقف على رؤوس أصابعه ليجيزه رسول الله. هؤلاء الشباب الذين تخرجوا من مدرسة محمد ﷺ ، فضربوا للناس في البطولات أروع الأمثال. لقد مشى محمد بن القاسم، ابن الطائف، من العراق إلى أقصى المشرق في فتح الهند وهو في سن السابعة عشرة، بسنّ تلميذ في السنة الثانوية الأولى! كونوا مثل أولئك الذين صُبَّت عضلاتهم صَبّ الفولاذ، واشتملت صدورهم على قلوب فيها النور، وكانت مطامحهم أوسعَ من الدنيا لأنها لم تقنع بها، وإنما رمت إلى الجنة التي عرضها السماوات والأرض. هؤلاء، لا مثل شاب الترام الذي خُلقت عظامه من الشكلاطة أو الذي خُلق بلا عظام! * * *

стр. 225

في ذكرى المولد نشرت سنة ١٩٣٧ احتفل العالم الإسلامي كله أول أمس بذكرى مولد سيد العالم وخاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ . وهذا الاحتفال فرصة من فرص الدعوة إلى الإسلام والسعي في سبيل الإصلاح، تفيدنا فائدة كبيرة إذا نحن عرفنا طريق الاستفادة منها ولم نجعلها قاصرة على إقامة السرادقات الفخمة، وإيقاد آلاف من المصابيح الكهربائية، وإطلاق البارود في الجو، والاجتماع على ترتيل قصة المولد والتطريب فيها، وتلاوة الأغاني والأناشيد، وأكل الحلويات والأنقال، والتسلي واللهو والطرب وإضاعة الأموال بلا حساب. وطريق الاستفادة منها أن يبحث الخاصّة من رجال وأولياء الأمر في مجالسهم واحتفالاتهم أدواء المسلمين اليوم، ويصوروها ويفتشوا عن أدويتها، وأن يضعوا خططاً جديدة للدعوة ومناهج للعمل المثمر، وأن تُشرَح السيرة النبوية للعامة في مجامعهم واحتفالاتهم وينبَّهوا إلى مواطن العبرة فيها؛ لأن ذلك هو المراد من الاحتفال بالمولد، لا سردَ الأخبار الموضوعة والعجائب

стр. 226

والخرافات واللهو والطرب. وأن تُبيَّن لهم مزايا الإسلام وفوائده وأصوله ومبادئه، لأن الكثيرين منهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا يفرقون بين طبيعة الإسلام وطبائع الأديان الأخرى، ولا يعلمون أن الأديان كلها أديان فقط، بمعنى أنها جاءت بعقائد وعبادات وأخلاق، أما الإسلام فهو دين، وهو تشريع، وهو سياسة، وهو أدب. وانظر في أي مسألة من مسائل الفكر الكبرى أو أي أمر من أمور الحياة، تَرَ للإسلام رأياً فيه وحكماً، فالتشريع الإسلامي أغزر (أو من أغزر) وأصفى المنابع التشريعية في العالم. والإسلام قد أقرّ الحرية الفكرية ووضع أصول البحث العلمي بما أمر به من دراسة الكون والنظر في ملكوت السماوات والأرض، والإسلام قد وضع أسس السياسة العامة والشرع الدولي، والإسلام وحده هو الذي يحل المشكلة الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وينقذ الإنسانية من استبداد المتموّلين وجحود الفرديين، ومن خيالات الاشتراكيين وبلاء الشيوعيين، بما جاء به من قواعد حكيمة عادلة للزكاة والمساواة ونظام الحكم. وللإسلام بعد ذلك كله حكمه في كل عمل من أعمال الإنسان، فلا يخلو عمل على الإطلاق من أن يكون له حكم في الدين وللدين دخل فيه، فيكون مباحاً أو مندوباً أو واجباً أو مكروهاً أو حراماً، ولا يستطيع المسلم أن ينسى الإسلام لحظة أو يمشي بدونه خطوة. ثم إن هذه الأحكام كلها مساوقة للعقل موافقة له سائرة مع العلم. والإسلام يقدّر العقل حق قدره ويجعله الموجِب الأول ويربط المسؤولية والتكليف به، ويخاطبه دائماً ويعتمد عليه ولا

стр. 227

يخالفه أبداً. ولم يستطع أحدٌ إلى اليوم ولن يستطيع في الغد أن يجد قضية شرعية قطعية تناقض قضية عقلية قطعية، فلا يُثبت الشرعُ مُحالاً في العقل (١) ولا يُحيل ثابتاً ولا يخالف أصلاً من الأصول الثابتة في العلم. وأعني بالأصول الثابتة الحقائقَ والقوانين العلمية لا الفروضَ والنظريات (٢)، وأيسر نظرة يلقيها العاقل البصير على كتب الدين وأقل إلمامة بعلومه تُثبت هذا الذي ذكرنا. * * * فإذا كان هذا هو الإسلام وهذه منزلته من العلم والمدنية، فلماذا ينصرف عنه أكثر الشباب؟ إنهم منصرفون عنه لأنهم لا يعرفونه. ومن أين يعرفون وهم لا يدرسون منه في المدارس إلا شيئاً تافهاً لا يُحِلّ حلالاً ولا يُحَرّم حراماً؟ ثم إنهم لا يجعلونه إلا دون الدروس كلها، وسبب ذلك أن الطلاب إنما يقرؤون ويَجِدّون ابتغاء النجاح في الامتحان، والدينُ لا يدخل في امتحان رسمي أبداً، لا في الشام ولا مصر ولا العراق. وهذه مناهج الكفاءة وما دونها والبكالوريا (٣) وما فوقها، فيها كل علم إلا علوم الدين! وليس الغرضُ من حذفها والمانعُ من إثباتها وجودَ طلاب غير مسلمين في هذه الامتحانات، فإن ذلك يمكن تلافيه بأن يُمتحَن كل طالب في دينه وتدعى كل أمة إلى كتابها.

стр. 228

ولكن ذلك شيء تعمّده الأجانب يوم كانت سياسة البلاد وإدارتها ومناهجها في أيديهم، وكان أمضى سلاح حاربونا به في ديننا وأبنائنا، فكيف نبقى عليه وقد انتقلت سياسة البلاد ومناهجها إلى أيد وطنية يريد أصحابها الخير لبلادهم والصلاح؟ ثم إن هؤلاء الطلاب إذا خرجوا من المدرسة وبقي فريق منهم على شيء من التدين وأحبوا أن يطالعوا علوم الإسلام، لم يجدوا كتاباً سهلاً جامعاً بين دفتيه خلاصة ما يجب على الشاب المسلم أن يعرف من أصول الدين وفروعه، وإنما يجدون كتباً في علم الكلام مشحونة بالمجادلات الجوفاء والرد على مِلَل قد بادت ونِحَل قد نُسيت منذ مئات السنين وعرض شُبَهها وضلالاتها، وكتباً في الأصول معقدة غامضة لا يفهم الشاب شيئاً منها، وكتباً في الفقه مملوءة بالمناقشات اللفظية والفروض البعيدة والاحتمالات الغريبة، لا تكاد تخلو من اختصار مخل أو تطويل ممل، وكتباً في التفسير مطوَّلة ومختصرة فيها كل شيء من نحو وصرف ولغة وبلاغة وتاريخ وفلسفة وإسرائيليات، ولكن ليس فيها تفسير واحد يرضي الشاب وينفعه ويجد فيه المراد من الآية ويعينه على التدبر الذي أمر الله به، وكتباً في الحديث مرتَّبة على غير حاجة العصر مبوَّبة بحسب أبواب الفقه أو أسماء الرواة، فينصدع رأس الشاب ويفنى صبره قبل أن يصل إلى حديث واحد يفتش عنه ويطلبه، ورسائل في علم المصطلح غامضة فيها تعقيد، وقل مثل ذلك في سائر العلوم. وهذه الكتب مؤلفة على طريقة لا تخلو من غرابة وشذوذ، فالكتاب الواحد متن وشرح للمتن، ومختصَر للشرح وشرح

стр. 229

للمختصر، وحاشية على شرح المتن وتقرير على حاشية الشرح! ولست أفهم لماذا ارتقت أساليب الكتابة في كافة العلوم وأخذت شكلاً جديداً، ولماذا يؤلَّف اليومَ الكتابُ في الأدب على غير ما كان يؤلَّف عليه قبل خمسين سنة، ولا تزال هذه الكتب على ما كانت عليه منذ مئات السنين لم تصل إليها موجة الحياة؟ ولماذا نجد في علماء كل فرع مؤلفين مجدّدين ولا نكاد نجد في علماء الدين إلا مقلّدين مردّدين؟ فماذا يصنع الشاب الذي لم يدرس الإسلام في مدرسة ولم يفهم كتبه؟ أيسأل المشايخ؟ إنه إن فعل لم يجد أكثرهم إلا مجلدات تمشي ليس في ثيابهم وتحت عمائمهم إلا أوراق الكتاب، فهم يسردون عليك ما حفظوا كأنهم يتناولونه من مستودعات أدمغتهم باليد، ومَن كان منهم ذا فكر جوّال وعقل باحث كان في كثير من الأحيان ضعيفاً في مادته العلمية، فهو يخالف الأولين والآخرين ويتنكب سبيل الدين. وقليل منهم من جمع إلى العلم سرعةَ الفهم وفهمَ روح العصر وحسنَ مخاطبة الناس. ثم إن أكثر هؤلاء المشايخ بعيدون عن الأدب ليس لهم في صناعة البيان يد، قلّ أن ترى فيهم من يُعَدّ كاتباً مُجيداً أو لَسِناً مُفوَّهاً. على أننا بعد هذا كله نخشى أن ينقرض هؤلاء المشايخ ولا نجد لهم خَلَفاً، وعلى أنني لا أحمّلهم الذنبَ وحدهم فالذنب على المسلمين كلهم، وليس في الإسلام رجال دين مسؤولون عنه وقائمون به ووكلاء عليه، ولكن رجال الدين عندنا هم كافة أهله وأتباعه، لا فرق في ذلك بين شيخ الإسلام وآخر مسلم في إفريقيا الوسطى أو القطب الشمالي. ولو أن أكبر شيخ في حلقته أو خطيب

стр. 230

على منبره أخطأ في حكم أو حرّف آية لَرَدّ عليه من يحفظ الآية ويعرف الحكم، ولو كان طفلاً صغيراً أو امرأة. وما هذه المرأة بأقل من تلك العجوز ولا هذا الخطيب بأجلّ من عمر. ثم إن الشبان المسلمين كلهم يذكرون الإعجاز ويعتقدون به، ولكن مَن منهم يعرف أوجه الإعجاز على حقيقتها؟ وإذا أراد أن يفهمها ففي أي كتاب يجدها؟ بل مَن منهم يفهم القرآن فهماً صحيحاً يتجاوز التفسير العادي؟ بل كم من الناس يعرفون تفسيره العادي؟ وكم منهم يسمعه ليعتبر ويتدبر؟ ألا يسمع أكثر المسلمين القرآن ليطربوا بنغمته وأصوات تلاوته؟ وكلنا يعتقد بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن أي دولة، بل أي جمعية إسلامية، حاولت أن تستخلص من كتب الفقه ونظريات الفقهاء قانوناً مدنياً ينطبق على عصرنا الحاضر، ويكون تتمةَ العمل الكبير الذي بُدئ بوضع مجلة الأحكام الشرعية؟ وفي الفقه متسع لهذا العمل، وفي إنجازه إنقاذ البلاد الإسلامية من الحكم بغير ما أنزل الله والتعرض لما ورد في ذلك من الوعيد الشديد، فضلاً عما فيه من المسّ بالكرامة الوطنية والسيادة القومية. ومن حاول أن يؤلف في بيان رأي الإسلام في الاشتراكية وموقفه منها، وحكمه في الديمقراطية وأساليب الحكم المعروفة؟ * * * أليس اغتنام فرصة ذكرى المولد الشريف للبحث في هذا وشبهه جزءاً من هذه الحفلات التي لا معنى لها والمظاهر التي لا طائل تحتها؟

стр. 231

وإني لأرجو من الله -لما أرى من انصراف مصر، علمائها وأدبائها وشبابها المثقف، إلى الإسلام وإقبالها عليه- أن يكون يوم ذكرى المولد من هذا العام فاتحة عهد جديد في تاريخ الإسلام، كما كان يوم المولد الشريف فاتحة عهد جديد في تاريخ العالم. (بغداد) * * *

стр. 232

أياصوفيا نشرت سنة ١٩٦٦ كانت الدولة العثمانية ثالثة الدولتين الكبيرتين: الأموية والعباسية، تسلّمت الحكمَ والوطنُ الإسلامي رقع ممزَّقة ومِزَق مرقَّعة، فوحّدت صِبْغَتَه ومدّدت رقعته، وضمّت إليه بلاداً لم يبلغها فتح عُقبة ولا قُتَيبة ولا طارق، حتى رفرفت رايةُ الهلال على ما بين الأهواز والنمسا وأدرنَة وصنعاء. وهال دولَ النصرانية أن يلوح هلال الدولة المسلمة فوق الصلبان وأن يعلو على رنين النواقيس صوتُ الأذان، فاجتمعت كلها عليها ودأبت الدهرَ الأطولَ عامِلةً على حربها، وأعانها عليها نفرٌ منها، ظواهرهم مسلمة وبواطنهم كافرة، هم جماعة الاتحاديين. وهم من يهود سُلانيك الذين اتخذوا الإسلام جُنّة يسترون بها كفرَ قلوبهم، خرجوا على السلطان عبد الحميد وافتروا عليه الكذب وصوّروه بغير صورته، فأخذنا الصورة التي صوّروها وصدقنا الفِرى (١) التي افترَوها. وما نقموا منه إلا أنه كان -على سوء أسلوبه في الحكم- مسلماً عاملاً لرفعة الإسلام ووحدة المسلمين.

стр. 233

ثم جاؤوا للأمة الواحدة، أمة محمد ﷺ التي يجمع الإسلامُ بين عربيّها وعجميّها وهنديّها وكرديّها فقالوا «تُرك»، فقال المقلّدون من العرب «عرب»، فقال الفُرس «فُرس» والأكراد «كُرد»، فانقسمت الأمة الواحدة أمماً واستحالت قوتها ضعفاً، وكان بأسها على عدوّها فصار بأسها بينها، وكان ذلك ما يريد أعداؤها. ثم دخلوا الحرب التي لم يكن للعثمانيين فيها ناقة ولا جمل فأضاعوا بها الدولة وأضاعوا المسلمين. ولما تحقق لأعداء الإسلام الأملُ الذي أمّلوه قروناً طِوالاً وبلغوا ما كانوا يبتغون وهوى هذا الصرح العظيم، صرح الخلافة الثالثة، هزّت الفرحة أعداء الإسلام هزة سقطت منها الأقنعة عن وجوههم فبدوا على طبيعتهم، وجهروا بالعداوة وأظهروا الشماتة، وكتب صحفي نصراني كان في الشام تلك الأيام مقالة حشوها السم وملؤها اللؤم، عنوانها: «مات الرجل المريض»، وتألمنا منها ولكن ما تكلّمنا. فلما قام مصطفى كمال متظاهراً بالدفاع عن عزة الدين وكرامة المسلمين، ووثبت معه تلك النفوس المؤمنة من أهل الأناضول فحاربوا مجاهدين في سبيل الله، وطردوا اليونان من إزمير وأخرجوا الحلفاء من البلاد وبنوا النصر من أنقاض الهزيمة، انقلبت الآية، فكانت الفرحة للمسلمين والغصة في قلوب الكافرين، فكتب الأستاذ معروف الأرناؤوط ﵀ مقالة عنوانها «بُعِث الرجل الميّت»، كانت إحدى روائع ذلك القلم العبقري. * * *

стр. 234

ومرت الأيام فظهرت الخوافي وبرزت المخبَّآت، فإذا الرجل ينزع عنه جلد الغازي مصطفى كمال ويلبس جلد أتاتورك، ويأخذ في محاربة الإسلام ونقض بنائه في بلاد الترك حجراً حجراً وحلّ عُراه عُروةً عروة، حتى وصل إلى «أياصوفيا» التي أكرمها الله حين شرّف تلك الديار بالإسلام فجعلها مسجداً، فعاد بها فجعلها متحفاً، ولولا الخوف لأرجعها كنيسة! وروّع ذلك القلوبَ المسلمة وآلمها وحزّ فيها، وانطلقت تقول فيه الألسنة والأقلام، فكان مما قيل مطلع قصيدة لحافظ إبراهيم ما أتمّها، ولو أتمها لكانت أروع ما قال: أيا صوفيا حان التفرّقُ فاذكري ... عهودَ كِرامٍ فيكِ صَلّوا وسَلّموا إذا عدتِ يوماً للصّليبِ وأهلِهِ ... وحلّى نواحِيَكِ المسيحُ ومَريمُ فلا تُنكري عهدَ المآذن إنه ... على الله من عهد النّواقيسِ أكْرَمُ وكنت يومئذ في مكة، فكتبت مقالة نُشرت بعدُ في الرسالة (سنة ١٩٣٥) (١) كان مما قلت فيها: إن تلك العصبة لم يَشْفِ غيظَ قلوبها كلُّ ما صنعته بالإسلام وما أنزلته بأهله، فعمدت إلى بيت من بيوت الله تقام فيه شعائر الله فجعلته بيتاً للأصنام ومثابة للوثنية! أماتت فيه التوحيدَ وأحيت فيه الشرك، وطمست منه آيَ القرآن وأظهرت فيه الصور والأوثان. لم تَضِقْ بها الأرضُ حتى ما تجد مكاناً لمتحفها هذا إلا المسجد الجامع، ولكنّ النفوس

стр. 235

الملحدة ضاقت بهذا المسجد، وأحس أصحابها كأن هذه المآذن في عيونهم وكأن هذه القبة على ظهورهم، وغشيت أبصارُهم من نور الله فأرادوا ليطفئوه بأفواههم ويمنعوا مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه، فعُطّلت الصلاة في أياصوفيا فلا تقام فيه صلاة بعد اليوم، وسكت المؤذن فلا يدعو في مآذنها إلى الله ولا يصعد بالتهليل والتكبير، ونأى عنها المؤمنون فلا يدخلونها إلا مستعبرين باكين، يندُبون فيها مجد الإسلام وعظمة الخلافة وجلالة السلطان. وذلّ فيها المسلمون وصاروا غرباء عنها، وهم أصحابها وأهلوها، وعزّ فيها المشركون، وشعروا أن أياصوفيا قد خُتمت فيها صفحة الإسلام باسم أتاتورك كما فُتحت باسم محمد الفاتح. أياصوفيا التي صيح في مآذنها ٨٧٢٣٥٠ مرة «حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»، فاصطفّ فيها المسلمون خاشعة أبصارهم، مؤمنة قلوبهم، ساكنة جوارحهم، قد وضعوا الدنيا تحت أقدامهم ودَبْرَ آذانهم وأقبلوا على الله بخشوع وإخلاص، فجزاهم بما خشعوا وأخلصوا قلوباً استنارت بالإيمان وعمرت باليقين، كان القلب منها وهو يخفق بين جوانح صاحبه أكبرَ من الأرض وهي تجري في ملكوت الله، فملكوا بهذه القلوب الأرض وفتحوا بها العالم. أياصوفيا، التي بات فيها المسلمون ١٧٤٤٧٠ ليلة، ولهم في جوفها دَوِيّ بالتسبيح والتكبير والتهليل كدويّ النحل، وما في أرضها شبر لم يكن موطئ قدم مصلٍّ أو مجلس قارئ أو مقام ذاكر أو مقعد مدرّس أو سامع، ولم يكن يحصي إلا الله كم خُتم

стр. 236

فيها من ختمة وكم ألقي فيها من درس، وكم ذُكر فيها الله وكم أقيمت فيها الصلاة! أياصوفيا، التي يشهد كل حجر فيها وتشهد أرضها وسماؤها، وتشهد قبتها المشمَخِرّة وتشهد مآذنها السامقة، ويشهد الناس ويشهد الله وملائكته، أنها بيت من بيوت الله وحصن من حصون التوحيد ودار من دور العبادة. أياصوفيا تعود للجبت والطاغوت وتحمل الصور والأصنام، ويخسرها الإسلام والشرق ليربحها الكفر والغرب؟ لقد أريقت حول أياصوفيا دماء زكية وأُزهِقت في سبيل أياصوفيا أرواح طاهرة، من لَدُنْ معاوية (١) إلى عهد الفاتح، إلى عهد عبد?الحميد؛?أفَراحت الدماء هدراً وذهبت النفوس ضياعاً، وعادت بعد ثمان وسبعين وأربعمئة سنة وكأنه لم يُذكَر فيها الله ولم يُتلَ فيها القرآن، ولم يقف في محرابها الأئمة ولم تتجاوب مآذنها بالأذان؟ لقد بنى المسلمون هذا المجد على جماجمهم، وسقوه بدمائهم، وحموه بسيوفهم، ثم وقفوه على الإسلام. أفيأتي في ذيل الزمان مَن يعبث بالوقف ويهزأ بالدماء ويلعب بالجماجم، ثم لا يردعه رادعٌ ولا يَعِظه واعظ؟! * * * وانتهت المقالة، ولكن لم ينتهِ العقل من التفكّر ولا القلب من التحسّر. لقد كنا نردّ كذب أقوال أعدائنا بصادق أفعالنا، يقولون

стр. 237

ونفعل، فهل صاروا يفعلون ولا نملك نحن إلا الأقوال؟ وانتظرت أن تنجلي الغمة فأكتب مقالة مثل مقالة معروف، ولكن الغمة لم تَنْجَلِ بل ازدادت شدة؛ لقد كرّت السنة بعد السنة والخطب يعظُم والكفر يَقْوَى، والمؤمنون ينتظرون الفرج فلا يلقونه، حتى شك الضِّعاف وارتاع أصحاب اليقين وقالوا: متى نصر الله؟ من يقف في وجوه هؤلاء الطغاة والدولة لهم، ومال الأمة معهم، وسلاحها الذي اشترته بمالها وأعدته لمحاربة عدوّها وضعوا أيديهم عليه، ثم وجهوه إلى صدور الذين دفعوا ثمنه يرغمونهم به على ترك دينهم والخروج من إسلامهم، وهم إنما اشتروه ليحموا به الدين ويدفعوا به عن الإسلام؟ لقد صال هؤلاء الطغاة وجالوا، ووقفوا وحدهم في الميدان يتحدَّون الشعب الأعزل العاجز، ينادون: هل من مبارز؟ فكيف يبارز المدجَّجَ بالسلاح المؤيَّدَ بالمال من لا مال لديه ولا سلاح؟ أتردّ الرصاصَ الصدورُ أم هل تدفع الأسنّةَ النحورُ؟ وكدت أيأس، لولا أن ذكرت أن اليأس حرام في نظر الإسلام وأنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون، ولولا أن ذكرت موقفاً مماثلاً. وما أكثر ما تتشابه مواقف التاريخ! يوم قام الإمبراطور «أكبر»، وكان يحكم الهند باسم الإسلام، فزيّن له الشيطان الذي اسمه إبليس وشيطان من الناس نسيت اسمه (فسلوا عنه صديقنا الأستاذ أبا الحسن الندوي)، زيّن له أن يكفر بالله وأن يستبدل بشريعة الإسلام شريعة لفّقها ما أنزل الله بها من سلطان، وجعل

стр. 238

شعار دولته «الله أكبر»، وما يريد بها معناها بل يريد الخبيث أن يقول أنه هو الله (أي أن الله هو الإمبراطور أكبر)! وكان يحكم الهند إلا أقلها ويسيطر على قواها كلها، فتصدى له شيخ ضعيف في جسده قوي في إيمانه، وما زال يعمل بمواعظه ورسائله حتى استخلص من حَفَدة الإمبراطور طفلاً نشّأه على الإسلام وربّاه على الدين، فكتب الله أن يرث هذا الطفل مُلك «أكبر» وأن يكون منه الإمام العادل العالم، مَن كان من خيرة ملوك المسلمين وكان بقيةَ الخلفاء الراشدين، هو أورَنْك زيب (١). أما الشيخ فهو مجدد الألف الثاني، الشيخ السَّرْهَنديّ النقشبندي. أفلا نجد في هؤلاء الإخوة المسلمين شيخاً كالسرهندي؟ شيخاً يحمل المصباح الهادي فيردّ به القافلة الضالّة إلى الطريق؟ لقد أمّلنا، ولكن طال الأمد وما تحقق الأمل، وما رأينا النور الذي يبدد الظلمات، بل رأينا الظلام يشمل بلاداً أخرى من بلاد المسلمين كانت في ضياء. لقد نجم في تلك البلاد «أتاتوركون» آخرون، ولكنهم كانوا من العرب، نَحَوْا نَحوَ إمامهم وسلكوا طريقه، بيد أنهم كانوا شراً منه، فكفره كفر معلن يراه الناس فيحذرونه ويعرفونه فيتحامَونه، وأولئك كفروا كفراً مبطّناً لا يعرفه ولا يراه إلا القلة من العلماء، أما العامة والدهماء فلا يفرّقون بين السراب وبين الماء.

стр. 239

«ذلك» كالكأس فيها السم الظاهر، و «هذا» كالكأس خُلط فيها السم الناقع الذي لا طعم له ولا مرارة فيه بشراب الليمون! جاء «ذلك» بالكفر كما يجيء الذئب الكاسر، تسمع عواءه فتغلق الأبواب دونه، وجاء به «هؤلاء» كما تجيء الحية، تدخل عليك وأنت نائم من شِقّ الباب أو من ثقب الجدار، فلا تحس بها إلا وهي ملتفّة عليك. * * * لما كدنا نيأس فتح الله لنا باب الفرج. كنا نظن أنه لا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجوه هؤلاء الملحدين لأن معهم السلاح ومعهم الدولة ومعهم المال، فأراد الله أن يري الناس أن النصر ليس بالسلاح ولا بالدولة ولا بالمال، بل بالإخلاص لله والعمل ابتغاءَ وجهه، فبعث من يقف في وجوههم. لم يبعثه قائداً معه الجند ولا زعيماً له الأعوان ولا غنياً عنده الملايين، بل شيخاً ليس عنده شيء من ذلك كله، ولكن عنده ما هو أكبر من ذلك كله، عنده الإيمان. وحمل الشيخ (١) مشعل «النور» فأقبل عليه الشبان، الشبان الذين عمل الملحدون من نحو خمسين سنة إلى الآن على نزع الإسلام من قلوبهم، بمناهج المدارس ومقالات الصحف والقوانين والنظم والترغيب والترهيب، حتى إذا ظنوا أنهم قد نجحوا وأنهم وصلوا، وأنهم نالوا ما أمّلوا وبلغوا ما تمنّوا وحسبوا

стр. 240

أن الإسلام قد مات في تركيا الجديدة، ألهم الله شيخاً واحداً أن يقول كلمة الإسلام بإخلاص، فإذا هو يهدم في يوم واحد ما بنوه في خمسين سنة، وإذا الإسلام ينبعث حياً قوياً، لا في نفوس الشيوخ والعجائز الذين أدركوا عهد ما قبل الجمهورية، بل في نفوس هؤلاء «الشبان النوريين». وسرت دعوته كما تسري أشعة الفجر الأولى في ظلمة السَّحَر ومشت كمشي البُرْء في أوصال المريض، قوية ولكنها خفية، حتى إذا حان موعد الفجر الأول بدت للعيان على يد مَنْدَريس وصحبه، فعاد المسلمون إلى المساجد ورجعوا إلى القرآن، وعزّ الدين، وسمع المسلمون في تركيا الأذان العربي، أذان بلال لرسول الله ﷺ : «الله أكبر، الله أكبر» بعد أن لبثوا ثلث قرن يسمعون «تنري بيوكتر، تنري بيوكتر». لقد حدثني مَن شهد الإخوان الأتراك لمّا سمعوه كيف أثارتهم الفرحة حتى خفَّتْ لها أحلامُ ذوي الحُلُم والمكانة فيهم، فصاروا يضحكون ويبكون ولا يدرون من شدة الفرح ما هم فاعلون. إن فجر مندريس كان الفجر الأول، ولا بد أن تعقبه ظلمة طفيفة هي ذيل سجف الليل. لقد جمع الكفر قوته ووثب مثل وثبة الديك المذبوح، فظنها الرائي من بعيد علامة الحياة، وإنها لأمارة الموت. لقد ذهب في هذه الوثبة مندريس ﵀، ولكن ضياء الفجر لم يذهب. لقد طلع الفجر صادقاً هذه المرة وعبَّر الشعب في تركيا عن إيمانه. * * *

стр. 241

فيا أيها القراء، إن العاقبة للإسلام؛ إن نور الإسلام لا يمكن أن ينطفئ، وإذا جال الباطل جَولة فإن العاقبة دائماً للحق. أرأيتم السنديانة الضخمة التي مشت في الأرض جذورُها وامتدّت في الجو فروعُها، يأتي مَن يقطع غصناً من غصونها أو يُعمل فأسَه في ساقها حتى يظنّ أنه قد اجتثّها من فوق الأرض وأنها لن تُنبت أبداً؟ إنها تنام قليلاً حتى ينمو من حولها الكلأ وتعلو الحشائش حتى تغطيها، فإذا هي تنشقّ عن فرع جديد يظهر صغيراً ضعيفاً كأنه بعض ذلك الكلأ، ولكن يجفّ الكلأ ويموت ويبقى هذا الفرع، حتى يقوى ويعلو ويصير دوحة جديدة باسقة الذُّرى وارفة الظلال. هذا هو مثال الإسلام؛ كلما كاد له أعداؤه وحاولوا أن يطفئوا نوره انتفض فعاد أقوى مما كان، وكلما حاقت به الشدائد والمحن كانت له حياة جديدة. فثقوا بأن العاقبة للتقوى، وكونوا مع الله يكن الله معكم، وليعلم كل عدو للإسلام أن العاقبة للإسلام، وليؤمّل المبتلَون المعذَّبون بنصر الله في الدنيا ويثقوا بحسن ثوابه في الآخرة. إن الليل مهما طال لا بد له من آخر، وستطلع شمس الإسلام على النفوس فتكسِف فيها شموعَ المذاهب والنِّحَل والأباطيل، وتجيء عصا موسى فتلقُف تهاويلَ السِّحْر، ويصحو النائمون فتمّحي مشاهد الرؤى وتذهب أضغاث الأحلام. * * *

стр. 242

الحرب والإيمان محاضرة أُلقيت ارتجالاً سنة ١٩٦٩، سُجِّلت وكُتبت نقلاً عن شريط تسجيل (١) أنا أرتاد هذه المنابر من أربع وأربعين سنة حتى زعمتُ أنّي صرت من فرسانها ولم أعد أتهيبها، لكني أقف اليوم بينكم متهيباً! قلت في محاضرة ماضية إنني وقعت في ورطة، أما الورطة الحقيقية فهي التي وقعت فيها اليوم؛ إذ فوجئت بحضور هذا الحشد من القادة الكبار والسادة الكرام، ووقفت هنا موقف الامتحان، وجاء هذا الأخ الكريم فمدحني قبل أن تسمعوا مني، فصرت كالتلميذ الذي مدحه أستاذه فقال: هاكم التلميذ النابه. ثم كان غير ذلك فكانت سقطته أشدّ، لأن مَن يسقط عن الكرسي ليس كمَن يسقط عن المنارة!

стр. 243

إنني والله في خجل أن أقدم لكم كلاماً وأنتم تقدمون دماء وأرواحاً؛ تجودون بالنفوس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. فما الذي أجود به عليكم؟ أدعوكم إلى البذل؟ لقد بذلتم وتبذلون. أعلّمكم فنون القتال؟ أنتم الذين تعلّمون الناسَ القتال. لذلك أعترف بأني ما جئت لأقويّكم بل لأستمدّ القوة منكم، ما جئت لأعطيكم بل لآخذ منكم، ما جئت لأعلمكم ما تجهلون بل لأذكّركم بما تعلمون، ما جئت لأضع في نفوسكم بطولات ليست فيها، بل جئت لأثير البطولة التي وضعها الله في نفوسكم. * * *

стр. 244

أيها السادة: إن الأمم التي لا ماضي لها تخترع لها ماضياً، لأن حاضر الأمة وليدُ ماضيها وهو الذي يلد مستقبلها. فهل نهمل نحن ماضينا العظيم؟ إن أعداءنا يتعمدون إهمال ماضينا، أفنعين أعداءنا على أنفسنا؟ أعداؤنا اصطلحوا على أن يطمسوا صفحة تاريخنا من تاريخ الحضارة الإنسانية، فتراهم في كلياتهم يُقرؤون الطلابَ تاريخ العلوم من أيام اليونان والرومان، ثم يتخطّون ما فعلنا نحن فينتقلون إلى عهد النهضة رأساً. وفي الكليات العسكرية يتخطون عمداً صفحة أمجادنا مع أنها أروع صفحة في تاريخ الأمجاد العسكرية. اعذروني أن أتكلم في الفن العسكري أمام كبار القادة العسكريين، فأنا مولع بكتب التاريخ من صغري أقرأ كل ما يقع تحت يدي منها، وأستطيع أن أقول إن المعجزة الكبرى في التاريخ العسكري للأمم كلها هي الفتح الإسلامي. قد يقول قائل: إن الإسكندر فتح بلاداً ربما بلغت ما فتحه المسلمون، وكذلك جنكيز خان وتيمور لنك ونابليون وهتلر، ولكن الفرق بين هؤلاء جميعاً وبين الفتح الإسلامي أن فتح هؤلاء القادة كان فتحاً عسكرياً قام على القهر وبقي فيه غالبٌ ومغلوب، بقي الغالب يقظاً محترساً وبقي المغلوب متربصاً متحفزاً للأخذ بالثأر. أما الفتح الإسلامي فهو عجيب في طبيعته. انظروا إلى البلدان التي فتحناها. لقد فتحنا بلاد الشام، فأين في بلاد الشام الآن الغالبون وأين المغلوبون؟ فتحنا هذه البلاد

стр. 245

كلها فما دخل الفتح الإسلامي بلداً إلا استقرّ فيه وبقي. هذه أندونيسيا دخلها الإسلام منذ أكثر من ثلاثمئة سنة، وقريباً منه دخل الاستعمار إلى تلك البلاد، وها هو ذا الاستعمار قد ذهب وبقي الإسلام إلى يوم القيامة إن شاء الله؛ ذلك أن الفتح الإسلامي ليس فتحاً عسكرياً، وما فتح المسلمون البلاد ليأخذوا منها الغنائم ولا ليظلموا أهلها، بل ليشركوا أهلها في الخير الذي جاؤوا به (١). * * * إن العالم اليوم تقوده قوتان كبيرتان: أميركا من هنا وروسيا من هناك. فلو جاء شخص أمّي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يدخل في حياته مدرسة ولا زار مدينة من المدن الكبرى؛ شخص نشأ في قرية ضائعة متوارية خلف رمال الصحراء، لو قال هذا الرجل: إن عندي دستوراً للبشرية، فتعالي يا روسيا وتعالي يا أميركا وتعالي يا أمم الأرض أجمع، اتبعوا هذا المنهج أضمن لكم السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. ماذا تقولون عنه؟ تقولون إنه مجنون! فما رأيكم إذا لم تمضِ على هذا الشخص وعلى دعوته ثلاثون سنة حتى حكم ثلث المسكون من الكرة الأرضية، وحتى أزاح إحدى الدولتين الكبيرتين وأزالها من الوجود وأخضع الأخرى لهذا المنهج؟

стр. 246

هذا الذي صنعه محمد ﷺ وخلفاء محمد، وهذه هي قصة الفتح الإسلامي، الفتح العجيب؛ هذه المعجزة تحققت على يد الجندي العربي المسلم والقائد العربي المسلم. الجندي العربي المسلم الذي مشى من جزيرة العرب شرقاً إلى العراق وفارس وأفغانستان وإلى الهند وأوغل فيها إلى بلاد الصين، ومشى غرباً إلى مصر وإلى آخر إفريقيا حتى وصل البحر، فوقف عليه عقبة بن نافع بفرسه وقال: اللهمّ لولا هذا البحر لمضيت مجاهداً في سبيلك. ثم تخطَّوا البحر إلى إسبانيا حتى بلغوا قلب فرنسا، حتى جاء يوم كان البحر الأبيض المتوسط فيه بحيرة إسلامية. تقولون: إن الجنود قد يصلون اليوم إلى أبعد من ذلك، فهذا الجندي الأميركي يأتي من أميركا إلى كوريا. إنهم -يا سادة- يأتون بالطيارات ويتنقلون بالسيارات، الجندي الأمريكي يأتيه غداؤه ساخناً ويأكله بالشوكة والسكين. أما الجندي العربي فكان يمشي على رجليه، وإن وجد دابة تعاقب عليها عدد من الجنود. في بدر تعاقب رسول الله ﷺ وعليٌّ ورجل ثالث على ناقة واحدة، يركب أحدهم ويمشي الآخران. واليوم تمشي مع الجيوش تشكيلات التموين والتزويد والنقل، ولم يكن مع الجيوش العربية الإسلامية شيء من ذلك كله، بل كانوا يُعدّون زادهم بأنفسهم. وما زادهم؟ تمرات يأكلها الجندي في اليوم، ويعيش كذلك أياماً طوالاً. كان الجندي المسلم عجيباً في صبره وكان عجيباً في

стр. 247

طاعته، وكان في إيثاره أعجبَ منه في صبره وفي طاعته. ألّفَ بين الجنود الترابطُ والمحبة والإيثار، ولا ينفع اجتماع الأجسام -أيها السادة- إذا لم تجتمع القلوب والنفوس. أذكر لكم حادثة واحدة من معركة اليرموك: ذهبوا بعد المعركة يفتّشون عن الجرحى، فوجدوا جريحاً يُحتضَر يطلب جرعة ماء، هي أثمن عنده من خزائن الأرض للإنسان الصحيح. فجاؤوه بها، فرأى زميلاً له جريحاً مثله يريد أن يشرب، فأبعدها عن فمه وقدّمها إليه، ورأى الثاني ثالثاً يطلب الماء فآثره على نفسه، فذهبوا إليه بالماء فمات قبل أن يصل إليه الماء، فعادوا إلى الثاني ثم إلى الأول فوجدوهما قد ماتا عَطِشين. هذا الإيثار العجيب لا تلقونه إلا في جيوش أسلافكم. والأمانة؟ تعلمون أن العرب كانوا يعيشون في فقر وفاقة، وعندما غنموا جواهر تاج كسرى (التي كانت أغنى وأثمن من التاج البريطاني) لم يمدَّ جندي واحد يدَه إلى جوهرة فيها قد تغنيه إلى أحفاد أحفاده، وعندما جاءت الكنوز إلى عمر بن الخطاب ونظر إليها قال: إن قوماً أدّوا هذا لأمناء. وكان عند قتيبة بن مسلم رجل أمين يجمع الغنائم ويقسمها اسمه ابن وَال، قال له أحد القادة: سأرسل إليك رسولاً ليأخذ حصة جندي من الغنائم لأوزعها عليهم. وانتظره ابن وأل فتأخر، ثم مرّ جندي فظنه هو الرسول، فدفعها إليه وقال له: خذها. فأخذها ومضى. وفي اليوم الثاني جاء القائد يطلبها، فقال له ابن وأل: سلمتها

стр. 248

لرسولك البارحة. قال: لم أرسل أحداً! فاختلفا، وسمع الجندي بذلك فجاء بها برباطها لم يفكّها، وكان فيها خمسمئة ألف. خمسمئة ألف! الجندي محتاج إلى خمسمئة منها، بل ربما كان محتاجاً إلى خمسين، فما مدّ يده إليها ولا حلّ رباطها وأدّاها على حالها، ذلك لأن الجنود كانوا يعملون لله لا يبتغون جزاء ولا وساماً. وكان القائد الأموي مَسْلَمة بن عبد الملك يحاصر حصناً. وأعياهم حصاره فاختار فرقة فدائية لاقتحامه، وتقدّم رجل من تلك الفرقة تحت السهام معرّضاً نفسه للخطر حتى نقَبَ نَقْباً (أي صنع ثغرة) دخل منه الجند، وفُتح الحصن وكان النصر. ثم اختفى ذلك الرجل، وسأل عنه مسلمة فلم يعرفه، فجمع الجند وقال: أقسمت على صاحب النَّقْب أن يخرج. فتقدم رجل مقنَّع لا تظهر منه إلا عيناه وقال: أنا صاحب النَّقْب، وما جئت إلا لأنك استحلفتني، وأسألك الله أن لا تسألني عن اسمي وإذا عرفته فلا تخبر به أحداً، لأني عملت ذلك لمن يعطيني أكثر مما تعطيني، فإن كان عندك مال أو جائزة فقد عملته لله الذي يعطي أكثر مما عندك. وأنتم تسمعون بالثغور. كانت على حدود البلاد يذهب إليها المتطوعون، وفي أحد هذه الثغور كان قتال بين جيش من المسلمين وآخر من الروم، ودار القتال على طريقة البِراز: خرج أحد أبطال الروم وطلب المبارزة، فخرج إليه أحد المسلمين، فقتله الرومي، ثم برز له ثان وثالث فقتلهم، ومرّ النهار على ذلك. فلما كان اليوم الثاني برز له من المسلمين فارس ملثَّم، وما زال به حتى قتله، فهلّل المسلمون وكبّروا. وبدلاً من أن يتجه الفارس إلى

стр. 249

الصف ليستقبله الناس هرب من خلفهم وتوارى عن الأنظار، فتبعه أحد الجند وما زال به حتى عرفه. أفتدرون من كان ذلك الرجل؟ إنه الإمام العالم المحدّث صاحب أبي حنيفة، عبد الله بن المبارك، الذي كان يحجّ سنة ويغزو سنة؛ ذلك أن علماء المسلمين كانوا يتطوعون ويسابقون الجنود إلى الجهاد في سبيل الله. * * * كذلك كان جنود الفتح الإسلامي، فكيف كان قادته؟ كانت القيادة العليا غالباً في يد الخليفة. وهذا عمر بن الخطاب كان يدير ثلاثَ جبهات، واحدة في الشام والثانية في العراق والثالثة في مصر، يديرها وهو في قلب المدينة، ليس أمامه هاتف (تلفون) ولا أي وسيلة من وسائل الاتصال التي نعرفها اليوم لتوصل الأخبار، وكان يقف على تفاصيل المعارك وأماكنها، فيكتب إلى قائده: اصعد إلى الجبل الفلاني، أو يقول له: استدر من هنا وهاجم من هناك! (١) وكان الحَجّاج يقول لقوّاده: صِفوا لي مكان المعركة، فيرسلون إليه وصف المكان تفصيلاً، فكان يضع الخطة ويترك للقائد أن يتصرف بها. ويوم القادسية كان قائد جيش الفرس رستم، وكان عسكرياً مثقفاً درس الفن العسكري في زمانه ودخل معارك كثيرة، وأراد عمر قائداً من العرب يقف في وجهه، فنادى سعد بن أبي وقّاص وقال له: اذهب لمواجهة رستم!

стр. 250

فأين تخرّج أولئك القادة؟ لقد تخرجوا في جامعة مؤلَّفة من غرفة ونصف غرفة مظلمة لا نافذة لها، تحت جبل الصفا في مكة، هي دار الأرقم بن أبي الأرقم. تخرّجوا في مدرسة محمد ﷺ . وأضرب المثل بواحد من قُوّاد المسلمين، لو أنصفه التاريخ العسكري لاعتبره أعظم قادة التاريخ، أعظم من هانيبعل ومن الإسكندر، هو خالد بن الوليد الذي تجلّت عبقريته في الدفاع وفي الهجوم كما تجلّت في الانسحاب، يوم انسحب من معركة مؤتة بثلاثة آلاف كانوا وسط مئة ألف أو مئتَي ألف من الأعداء لو أطبقوا عليهم لسحقوهم سحقاً، ولكن هذا القائد العبقري استطاع أن يَسُلّهم من وسط المعركة سَلاً. وأنتم تعرفون خطورة عمليات الانسحاب في الحرب الحديثة، وإذا كان الحلفاء يفخرون بالانسحاب من دَنْكرك الذي طبّلوا له وزمّروا واعتبروه حدثاً عظيماً، فإن انسحاب خالد من مؤتة أعظم منه؛ لقد كان الانسحاب من مؤتة أعظم لأن جيش المسلمين لم يخرج للقتال، بل كان سرية استطلاع ما فيها إلا ثلاثة آلاف رجل. وهل يُعقَل أن يرسل رسول الله ﷺ ثلاثة آلاف يحارب بهم دولة الروم الشرقية (بيزنطة) ومعها عرب الغساسنة وغيرهم؟ وفوجئت هذه السرية بجيش عظيم من الروم، وكان عدد الجيش -كما يذكر المُقِلّون المعتدلون من المؤرخين- مئة ألف جندي، ويقول آخرون إنه كان يقدَّر بأكثر من مئتَي ألف. وتعاقب القادة المسلمون فاستُشهدوا كما تعلمون، ثم استلم خالد بن الوليد القيادة فاستطاع أن ينجّي أولئك الثلاثة الآلاف من وسط مئة ألف!
следующие страницы →