← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1791

نور وهداية

علي الطنطاوي

Полный текст (264 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لقد فتح أجدادُنا بالإسلام الأرضَ، وفتح اليهودُ قلبَ بلادنا وقبلتنا الأولى لمّا تركنا الإسلام. فهل اعتبرنا أم نحن نحتاج إلى درس آخر؟ لقد مشيتم أولاً على الطريق فوصلتم، فلماذا تنحرفون عمداً عن الطريق الموصل؟ لماذا تتعمدون الضلال في المتاهات وتسلكون المهالك، والطريق أمامكم؟ يا قرائي ويا إخواني، هذا هو الطريق! * * *

стр. 177

هل تهدي الفطرة إلى الدين ؟ نشرت سنة ١٩٦٧ خطرت على بالي فكرة غريبة، هي أن أتصور في مكاني رجلاً لم يُنعم عليه الله فيُنسِله من أب مسلم وينشئه في أسرة مسلمة، وأن أتأمل وأفكر وأنظر: هل أستطيع بالحدس والعقل الاهتداء إلى الدين؟ وجربت الفكرة، فوجدت أني سأنظر إلى نفسي فأرى أني درت مع الأرض نحو ستين دورة، شهدت فيها تعاقب الصيف والشتاء وتتابع النعيم والشقاء، ورأيت فيها خيراً ورأيت شراً وذقت حلواً وذقت مراً. فما وجدت حلاوة تبقى ولا مرارة تدوم، ووجدت اللّذاذَات كلها محدودة، إذا بلغتَ غايتها ووصلت إلى حدها لم تعد اللذة لذة، ولكن صارت عادة فذهب طعمها وبطل سحرها، وصارت كالنكتة المحفوظة والحديث المعاد. أي أنها كالسراب، تراه من بعيد ماء فإن جئته لم تجد إلا التراب. يبصر الفقير سيارة الغني تمرّ به وعمارة الغني يمر بها، فيحسب أنه يحوز الدنيا إن حاز مثلها، فإن صارت له لم يعد يشعر بالمتعة بها. ويسهر المحب يحلم بوصل الحبيب، يظن أن متع

стр. 178

الدنيا كله بحبه والأماني كلها في قربه، فإذا تزوج التي يحب ومر على الزواج سنتان اضمحلّت تلك الأماني وماتت تلك المُتَع، ولم يبقَ له منها إلا ذكراها. ويمرض المريض ويتألم، فيتصور اللذة كلها في ذهاب الألم والشفاء من المرض، فإذا عاودته الصحة ونسي أيام المرض لم يعد يرى في الصحة شيئاً من تلك اللذاذات. ويتمنى الشاب الشهرة ويفرح إن أذاعت الإذاعةُ اسمَه ونشرت الصحفُ رسمَه، فإذا هو اشتهر وصار اسمه ملء السمع وشخصه ملء البصر صارت الشهرة أمراً معتاداً. فأيقنت أن اللذاذات المادية ضيقة المدى قريبة الحدود. ووجدت أني سأرجع النظر إلى نفسي، فأراها تسمع الأغنية الحالمة في الليلة الساجية، قد خرجت من قلب مغن عاشق، فهزت منها حبة القلب وأطلت بها على عالم الروح. وتقرأ القصة العبقرية للأديب البارع، فتحس كأنه يمشي بها في مسارب عالم مسحور فيه مع السحر شعر وعطر، فإذا انتهت القصة رأت كأنها كانت في حلم لذيذ فتّان وصحت منه، فهي تحاول عَبَثاً أن تعود إلى لذته وفتونه. وتعيش في لحظات التجلي، حين تصفو النفوس بالتأمل فتتخفف من أثقال المادة، فتعلو بجناحين من الصفاء والتجرد، حتى تصل إلى حيث ترى الأرض وما عليها أصغرَ من أن يُنظَر إليها لما تجد من لذة الروح التي لا تعدلها لذة الطعام للجائع، ولا لذة الوصال للمحروم، ولا لذائذ الجاه والمال للمغمور الفقير. وإذا بالنفس تتشوق أبداً إلى هذا العالَم الروحي العلوي،

стр. 179

العالم المجهول الذي لا تعرف منه إلا هذه اللمحات التي لا تكاد تبدو لها حتى تختفي، وهذه النفحات التي لا تهبّ حتى تسكن. وإذا أنا حين رأيت ما رأيت من أن اللذات المادية محدودة، وأن اللذات الروحية أكبر منها كبراً وأعمق في النفس أثراً، قد أيقنت -بالحدس النفسي لا بالدليل العقلي- أن هذه الحياة المادية ليست كل شيء، وأن العالم المجهول المختبئ وراء عالم المادة حقيقة قائمة، تحن إليها الأرواح وتحاول أن تطير إليها، ولكن هذا الجسد الكثيف يحجبها عنها ويمسكها عن أن تنطلق وراءها. وهذا اليقين أولُ الطريق إلى الدين. * * * وأستمرُّ في هذه التجربة الفكرية. فأجد أني قد داخلت الرجال واستكشفت الطوايا واستطلعت الأفكار، أفكار الأحياء من الناس والأموات من المؤلفين، فوجدت أن الناس جميعاً، المؤمن منهم والكافر، والناشئ في صوامع العبادة والمتربي في مخادع الفسوق، إذا ألمّت بهم مُلِمّة ضاقوا بها ذرعاً ولم يجدوا لها دفعاً لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات: قوة عظيمة لا يرونها ولكنهم يشعرون بوجودها بأرواحهم وقلوبهم وكل عصب من أعصابهم. كلهم ينادي في هذه الحال: «يا رب» وإن لم يكن يدري ما الربّ!

стр. 180

فأدركتُ بالحدس أن التصديق بوجود الرب المعبود عقيدة فطرية في نفس كل بشر، ولكن الأمن والصحة والمطامع والشهوات قد تلقي ستاراً عليها يخفيها ويغطيها. وهذا هو «الكفر»، وهو في اللغة «الستر»، ومعنى الكافر الساتر. وجاء العقل فأيّد هذا الحدس حين رأى في كل شيء دليلاً عليه؛ في هذا العالَم وإتقانه، وهذا الجسد وعجائبه، وفي سنن الكون وأسراره التي أودعها فيه خالق الكون وأعطانا العقول وقال لنا: اكشفوا بعقولكم هذه السنن والأسرار، فسعينا حتى عرفنا بعضاً منها في عالم الكيمياء والفيزياء والطب والفلك، وفي الأرض وفي الفضاء القريب الذي يحيط بالأرض، ولم نعرف إلى اليوم إلا الأقل الأقل منها. فآمن العقل بأن هذه الصنعة العجيبة لا تكون من غير صانع، وهذه الطبيعة لا بدّ لها من طابع، وهذا الخلق لا يكون بغير خالق. وأن هذا الخالق لا يمكن أن يشبه المخلوقات، وإلا كان منها واحتاج -مثلها- إلى الخالق، وأنه لا يكون إلا قديماً باقياً لا أوّلَ له ولا آخر، ولا يكون إلا مفرداً واحداً لا شريكَ له ولا مثيل، ولا يكون إلا قادراً قدرة لا يُعجِزها شيء، ثم لا يكون إلا عادلاً. * * * ونظر العقل في هذه الدنيا فرأى بأن فيها مَن يعيش ظالماً ويموت ظالماً، وأن فيها من يعيش مظلوماً ويموت مظلوماً. والربّ العادل لا يقر الظلم ولا يدع صاحبه بغير عقاب ولا يترك من يقع

стр. 181

عليه من غير إنصاف، فأيقن العقلُ أنه لا بد من حياة أخرى يُنصَف فيها المظلوم ويُعاقَب فيها الظالم، ويكافَأ فيها المحسن ويُجازى فيها المسيء. وأن الرواية لا تنتهي بانتهاء هذه الدنيا. ولو أنه عُرض فِلم في الرائي (التلفزيون) فقُطع من وسطه وقيل: انتهى، لما صدق أحدٌ من المشاهدين أنه انتهى ولنادَوا: ماذا جرى للبطل؟ وأين تتمة القصة؟ ذلك لأنهم ينتظرون من المؤلف أن يُتِمّ القصة ويسدّد حساب أبطالها. هذا والمؤلف بشر، فكيف يصدّق عاقل أن قصة الحياة تنتهي بالموت؟ كيف ولم يُسدَّد -بعدُ- الحساب ولا اكتملت الرواية؟ فأيقن العقل -من هنا- أن لهذا الكون رباً وأن بعد الدنيا آخرة، وأن ذاك العالَم المجهول الذي لمحت الروح ومضة من نوره في الأغنية الحالمة والقصة البارعة، واستروحت نفحة من عطره في ساعة التجلي، ليس عالَم «المُثُل» الذي كان خيالاً صاغه أفلاطون، ولكنه عالم الآخرة الذي هو «حقيقة» أبدعها خالق أفلاطون. ورأيت أني وصلت -بعد هذا- بالحدس النفسي، ثم بالفكر العقلي، إلى الإيمان بالله واليوم الآخر. * * *

стр. 182

يا سيدي يا رسول الله نشرت سنة ١٩٥٤ وأين أنا من جنابك العالي ولي -يا سيدي يا رسول الله- قلب قد ملأه حب الدنيا فهو قاسٍ لا يلين لموعظة ولا ذكر، ولي عين قد أسكرها النظر إلى المحرمات فهي جامدة لا تفيض من خشية الله، ولي نفس قد أثقلتها الذنوب وقعدت بها الأوزار؟ كيف لي بدخول حماك الطاهر وأنا ملطّخ بالوحل؟ وكيف لي بالسمو إلى جنابك العالي وأنا مُثقَل بالخطايا؟ إني لأرفع هذه الشَّكاة إليك وأنا أعلم أنك بشر مثلنا، وإن ميزك الله بالوحي وبالكمال علينا، وأنك لا تهدي من أحببت، وأنه ليس لك من الأمر شيء، وأنك جئت بعقيدة التوحيد وبأن النافع الضارّ هو الله، لا يُسأَل غيره ولا يُستعان بسواه ولو كان سيدَ الخلائق محمداً ﷺ ، ولكنها شَكاة متألم ونفثة مصدور. هذه يا سيدي يا رسول الله ليلة اثني عشر من ربيع، الليلة المباركة التي كانت رحمة للعالمين وهدى ونوراً، ليلة الخير، ليلة البر، ليلة الفرحة الكبرى في تاريخ البشرية والعيد الأعظم للناس:

стр. 183

ليلة مولدك يا رسول الله (١). وها هم أولاء المسلمون، وهم أربعمئة مليون (٢)، يحتفلون في مشرق الشمس ومغربها بهذه الذكرى. وها هي ذي المنابر، وهي مئة ألف منبر من فاس إلى لاهور، كلها يحدّث اليوم حديث المولد. وها هم أولاء القرّاء، وهم ملايين، يرتّلون آي الذكر الحكيم بأعذب الألحان من أطرى الحناجر. قد عظّمنا الذكرى، فأقمنا الزينات في كل مكان ونشرنا الأعلام وأوقدنا المصابيح، وفرشنا الطرق بالزهر وملأنا الجو خطباً فِصاحاً وأغاني عذاباً، فهل بقي شيء لتكريمك لم نصنعه؟ لم يبقَ إلا شيء واحد؛ هو أن نعود إلى دينك حقاً، فنحلّ الحلال ونحرّم الحرام، ونكون في أفرادنا وجماعاتنا وظواهرنا وبواطننا كما أحببتَ أن نكون. وهذا هو الشيء الذي نسينا أن نصنعه في منهج الاحتفال بالمولد. أربعمئة مليون، ولكن الأربعين الذين كانوا معك في دار الأرقم كانوا أشدّ حماسة وأقوى إيماناً وأرجل رجولة وأعظم في الأرض أثراً، لأنهم حملوا سكان ثلث المعمور في ثلث قرن على

стр. 184

اتباع الإسلام، ونحن لا نستطيع أن نحمل على اتّباعه أبناءنا في بيوتنا ولا بناتنا. ومئة ألف منبر، ولكن المنبر الواحد الذي نُصب لك في المدينة، والذي كان درجات من الخشب لا قبّةَ فوقه ولا بابَ له ولا زخارفَ ولا نقوش، كان أعلى صوتاً وأكبر عملاً، لأنك دعوت منه بصدق وإخلاص فاستجابت لك الدنيا، ونحن ندعو من هذه المنابر المزخرفة المنقوشة التي تذاع خطبُها في الأرض كلها فلا يلبي أحد، لأننا قلنا من ألسنتنا فقط فسمع الناس بآذانهم فقط. وملايين من القراء، ولكن النفر القلائل من صحابتك الذين كانوا يحفظون الآيات القلائل كانوا أقرأ منهم، لأنهم فهموها وتذوقوها واستنبطوا الأحكام منها وعملوا بها، ونحن نغني بالقرآن كما نغني بالأشعار، كل همنا النغم والإيقاع. لقد جئت بعقيدة التوحيد وبُعثت بـ «لا إله إلا الله»، ليعلم المسلم أنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله فلا يخاف في الحق أحداً، ونهيت أن ندعو بدعوة الجاهلية ليكون المؤمنون كلهم إخوة، تجمعهم القبلة إن فرقتهم البلدان ويوحّدهم القرآن إن اختلفت الألسن والألوان، فاعتقد المسلمون بعدك عقائد شتى وصاروا دولاً وأمماً وأقواماً. انقسمنا وتنازعنا الإمارة والتجارة، وفرقتنا السياسة والرياسة والآراء والمذاهب والنزعات والقوميات. علمتَنا الصدق. سألوك: هل يسرق المؤمن؟ قلت: لعله،

стр. 185

ويتوب. وسألوك: هل يكذب المؤمن؟ قلت: لا. وجعلتَ الكذب ثلث النفاق، وجعلت إخلاف الوعد الثلث الثاني وخيانة الأمانة الثلث الثالث. وقلت: من غشّ فليس منا. وعظّمت أمر الغيبة والنميمة، وأنذرت ذلاً وخراباً وغضب الله كلّ بلد يفشو فيه الزنا والخمر والربا والقمار. وعلمتنا النظام، وأن تكون حياتنا كأنها -من دقة التوقيت- حياة جنود في ثكنة أو طلاب في مدرسة. بل لقد أردتها أضبط وأحكم، لأن التدريب في الثكنة قد يسبق موعده دقائق ولكن الصلاة لا تصحّ إن سبقت وقتها، والصوم يبطل إن تأخر الإمساك عن موعده، والحج لا يصحّ إن صعدت عرفة بعد ميقات الصعود، ولو كان السبق أو التأخير دقائق معدودات. فأين نحن اليوم من هذا كله؟ أين نحن اليوم من الإسلام؟ لقد علمتنا غضّ البصر، وستر العورة، وصدق المعاملة، والعزة والإباء، واللين والتواضع، وأن نكون أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين، وأن يوقّر صغيرُنا كبيرَنا ويرحم الكبيرُ الصغيرَ، وتطيع المرأة زوجها ويُنصف الزوج المرأة، ويبرّ الولد والديه ويربي الوالدان على الخير الولدَ، وأن يعرف كلٌّ منا ما عليه فلا يقصر فيه وما له فلا يجاوزه، وأن تقوم البيوت على المحبة والإخلاص والمجامعُ والأسواقُ على الصدق والأمانة. فأين نحن اليوم من هذا كله؟ أين نحن اليوم من الإسلام؟ * * *

стр. 186

لقد عدنا -يا سيدي يا رسول الله- إلى جاهلية شر من الجاهلية الأولى. أضعنا سلائق العروبة، وأضعنا أخلاق الإسلام، ودعونا بدعوة العصبية، فقال التركي المسلم: أتراك، وقال العربي المسلم: عرب، وقال الكردي المسلم: أكراد؛ ففرقنا بأنفسنا جمعَنا ومزّقنا وَحدتَنا، وهدمنا بأيدينا المسجد الذي بنيته لنا. الراية التي عقدتها بيمينك، فنصبها الفاتحون من جندك وأتباعك على روابي البيرنيه ورمال التركستان وثلوج روسيا وأسوار فينا وذُرى الهند، لم تعد ترفرف بأجنحة النصر. والجيش الذي حمّلته رسالة الحق والهدى والعدالة، فأبلغها أهل الدنيا جميعاً ونسف في سبيلها عروش الطغاة وداس تيجان الجبارين، وكان حامي الحضارة في الدنيا، لم يبقَ منه إلا سطور على الأرض خُطَّت بدماء الشهداء وسطور في التاريخ كُتبت بمداد الفخار. قد طُوِيَت -يا رسول الله- راية الفتوح، وصَدِئَت في الأغماد السيوف، وخمدت في النفوس الحماسة، وأقفرت من أبطالنا الميادين، واختُصر الجيش الضخم الذي فتح الأرض وتضاءل وانكمش حتى وسعه ميدان صغير أمام عدو حقير. لقد ذلّ الأسد حتى كُتب عليه أن يقاتل ضَبُعاً منتنة تعيش على جثث الأموات! لقد امتُحن العرب بقتال اليهود. وما كان اليهود أكفاءنا، ولَنحن -على ضعفنا- أقوى من اليهود، ولكنا انقسمنا وتنازعنا وسمعنا نصيحة من غشّنا، حتى غلبَتنا على أرضنا أذل الأمم، غلبتنا بانقسامنا وتنازعنا لا بقوتها وضعفنا.

стр. 187

ولكنا لم نيأس، لأنك علمتنا يا سيدي يا رسول الله أنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون، وعلمتنا أنها لا تزال طائفة من أمتك على الحق، لا يضرّها من خالفها حتى تقوم الساعة. ولقد حقق الله لك المعجزة فظهرت فينا هذه الطائفة. إن فينا -رغم الفتن والفساد- شباباً نشؤوا في طاعة الله وباعوا الله نفوسهم، أعرضوا عن وسواس الشيطان وأوامر النفس وزخارف الدنيا، ومغريات الجمال والمال والجاه والمنصب، حبسوا أنفسهم في المساجد يتلون الكتاب ويتدارسون الفقه، على حين قد انطلق غيرهم يؤمّون المقاهي والملاهي، يملؤون عيونهم من الجمال المحرَّم ويُشبعون أعصابهم من اللذة الممنوعة. وإن فينا بنات هن أمثال أولئك الشباب الطائعين، وإن فينا شيوخَ صلاح وهدى، لهم من سنهم حكمة الشيوخ ولهم من حماستهم وغضبهم للحرمات المستباحة مثل عزم الشباب. وهذه المساجد يا رسول الله ممتلئة بالمصلين، وهذه المطابع تُخرج كل يوم عشرات من كتب الدين. واليقظة قد عمّت، لقد أذّن فينا مؤذن النهضة بعد ليل الخمول الطويل، فأفقنا وأزمعنا ألاّ نعود إلى المنام. لقد بطلت فتنتنا بالغرب وبطل سحر الغرب فينا، وصرنا نميز خيره من شره ونفرق حقه من باطله، ولا نأخذ منه إلا العلم المادي الذي كان له السبق به علينا، أما الدين، أما الأخلاق، فحسبنا أخلاقنا وديننا. ونحن إن شاء الله إلى خير. وإنّا في طريق العودة إلى هديك،

стр. 188

إلى دينك؛ حتى نكون مسلمين حقاً، مسلمين بأقوالنا وأفعالنا وظواهرنا وبواطننا، لا بالمظاهر وحدها والأقوال. ويومئذ نكون قد احتفلنا بمولدك، وكرّمنا هذه الذكرى التي ليس في ذكريات الضمير الإنساني كله أكرم منها ولا أنفع ولا أبقى. صلى الله وسلم عليك يا سيدي يا رسول الله. * * *

стр. 189

النية الصالحة أصل كل خير نشرت سنة ١٩٥٩ يستطيع المسلم أن يتزوج ويشتغل ويخوض غمرات الحياة ويجاهد ويناضل، ويكون مع ذلك زاهداً ويكون متعبداً ويكون عمله كله لله، وذلك بتصحيح النية. بالنية يقدر المسلم أن يكون مع الله من غير أن يهجر الزوجة أو يترك العمل أو يعيش في صومعة منفردة أو مغارة منقطعة، وبالنية يكون طعامه وشرابه واستمتاعه بملذات الجسد عبادة كالصلاة والصيام، ويكون إنفاقه على زوجته وأولاده صدقة كالتصدق على الفقراء والمساكين. فإذا نويت بالطعام التقوّي على طاعة الله، ونويت بالنكاح الاستعفاف عن الزنا، ونويت بالعمل الاستغناء عن الحرام، ونويت الصبر على كل مزعج في الحياة امتثالاً لأمر الله ورضا بقضائه، كان لك بكل ذلك حسنة. النية روح العمل، والعمل بلا نية جسم بلا روح. ولقد هاجر المسلمون الأولون من مكة فتكبدوا مشاقّ الرحلة

стр. 190

وفراق الوطن والبعد عن الأهل، وكانوا سواء في ذلك، ولكن لم يكونوا سواء في المثوبة والأجر؛ لأن من هاجر هرباً بدينه ونصرة لنبيه وابتغاء لرضا الله فهو المهاجر، أما من هاجر ليتزوج امرأة في المدينة أو ينال ربحاً أو يصيب مالاً فهجرته للمرأة وللربح. قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١). وكذلك الحج؛ يحج كل سنة مئات ومئات من ألوف الناس، فمَن حج امتثالاً لأمر الله ورغبة في ثوابه فهذا هو الحاج، ومن أراد التجارة وحمل معه البضائع أو قصد التفرّج برؤية البلدان فإنه لم يحج، ولكن تاجر وساح. * * * ومن نعم الله ومظاهر رحمته أنه جعل نية الخير حَسَنة، ونية الشر إن لم يحققها العبد بالفعل حسنة أيضاً؛ قال ﷺ : «إن الله كتب الحسنات والسيئات، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، وإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن همَّ بسيّئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، وإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» (٢). فإن نويت أن تتصدق بليرة ولم تفعل

стр. 191

سُجّل لك في دفتر المَلَكين ليرةٌ لحسابك تلقاها يوم القيامة، فإن تصدقت بها كُتِبت في حسابك عشرَ ليرات أو سبعمئة ليرة أو أكثر من ذلك، وليس على عطاء الله حساب. حتى الأعمال العادية تكون بالنية قربات وطاعات؛ روى سعد بن أبي وقّاص أن النبي ﷺ قال له: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» (١)؛ أي حتى ما تطعمه امرأتك وأولادك إن قصدت به وجه الله كان لك به أجر. وفي الحديث: «يا رسول الله، أيأتي أحدنا أهله (أي يقارب زوجته) ويكون له ثواب؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام؟» (٢)؛ أي كما أن الاجتماع الجنسي المحرم عليه العقاب فالاجتماع المشروع -إن كان بنيّة- كان معه الثواب. والنية ليست تظاهراً وقولاً باللسان، كمَن يرفع صوته في

стр. 192

المسجد ليقول للناس: تعالوا انظروا إلى صلاحي وتقواي، يصيح: نويت أن أصلي لله تعالى أربع ركعات فرض صلاة الظهر، مستقبلاً الكعبة الشريفة، مخلصاً وجهي لله، الله أكبر! كلا، بل النية هي العزم القلبي. هل يقول أحد منكم: "نويت أن أنهض عن فراشي فألبس ثيابي وآكل فطوري وأذهب إلى عملي"؟ وإن رأى صديقاً فأسرع للسلام عليه هل يقول: "نويت أن أبشّ وجهي وأمدّ يدي وأقول: السلام عليك يا صديقي"؟ لا، وليس للظواهر في الإسلام قيمة، إن القيمة للقلب؛ جاء في الحديث: «التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا»، وأشار ﷺ إلى قلبه (١). الدين المعاملة، والتقوى بإتيان الطاعات واجتناب المحرمات ومراقبة الله دائماً وإخلاص النية لله في كل عمل، ولقد قال عليّ ﵁: إن أصدق الزهد إخفاء الزهد. ولا يقبل الله من الأعمال إلا ما خلص له. روى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢). وروى مسلم عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يُقضَى يوم القيامة عليه رجل استُشهد فأتُي به فعرّفه نِعَمه عليه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت

стр. 193

فيك حتى استُشهدتُ. قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال جريء، فقد قيل. ثم أمر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِيَ في النار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرّفه نِعَمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرّفه نِعَمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن يُنفَق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جَواد، فقد قيل. ثم أمر به فسُحِب على وجهه ثم ألقي في النار» (١). فيا أيها الإخوان، الخطوة الثانية بعد التوبة هي تصحيح النية، وإخلاص العمل لله، وأن تذكروا دائماً أن النية تجعل أعمالكم كلها عبادة تثابون عليها. * * *

стр. 194

هل نحن مؤمنون ؟ حديث أذيع سنة ١٩٧٣ أحب أن أسألكم الليلة سؤالاً أرجو ألاّ تغضبوا منه ولا تعتبوا ولا تعجبوا، وهو: هل أنتم مؤمنون؟ وتعالوا أدخل نفسي معكم فأسأل: هل نحن مؤمنون؟ تقولون: نعم، ما في ذلك شك. طيّب، ولكن أحب أن تفكروا قليلاً. لو قالت الحكومة أن كل موظف يعطى مكافأة قدرها ألف ريال لَمَدّ يدَه كلُّ موظف يطلب مكافأته. ولكن لو حدّدت الحكومة الموظفَ المقصود بأنه الذي يحمل شهادة عالية وأمضى في الوظيفة أكثر من عشر سنين وكان فوق المرتبة الخامسة، لنظر كل في نفسه: هل فيه هذه الصفات أم لا؟ والله يعرّف المؤمنين ويصفهم بصفات فيقول: ﴿إنّمَا المُؤْمِنونَ الذينَ إذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادَتْهُمْ إيمَاناً، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلون﴾. واسمحوا لي أن أقرر لكم مسألة من علم العربية. كلمة «إنما» تفيد الحَصْر، ومعنى الآية أن وصف المؤمن محصور فيمَن اتصف بهذه الصفات.

стр. 195

فتعالوا نمتحن أنفسنا: ﴿الذينَ إذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي خافت واضطربت عند سماع اسمه من تصور عظمته وخشية عقابه. فهل نحسّ في قلوبنا هذا الوَجَل إذا ذُكر اسم الله أمامنا، أم نحن نسمع الأغنية فنقول «الله» بلا فكر ولا وجل! وربما ذكرنا اسمه على المعصية؟ والمؤمنون ﴿إذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادَتْهُمْ إيمَاناً﴾، فهل نحن من الذين يسمعون آيات الله فيزدادون إيماناً أم أننا (أو أن أكثرنا) يسمع آيات القرآن للطرب أو للعجب، فإذا سمعها لم تجاوز أذنيه ولم تصل إلى قلبه أو عقله؟ ثم وصف الله المؤمنين فقال: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلون﴾، فهل نحن من المتوكلين على الله؟ لو وزّعوا الرواتب على موظفي الدائرة وتركوا واحداً لم يعطوه وقالوا له: تركناك لله. ماذا يقول؟ يقول: كلهم أخذوا وأنا على الله؟ يريد أنه بقي بلا شيء! فأين نحن من هاجر لمّا جاء بها إبراهيم هي وولدها إسماعيل، جاء بها من بلد بعيد بعيد إلى هذا الوادي. تصوروا مكة وليس فيها الكعبة ولا الحرم ولا البيوت ولا الشوارع، تصوروها وهي واد مقفر لا ماء فيها ولا شجرَ ولا بشرَ. إنها مثل هذه الأودية المخيفة التي تحتويها جبال الحجاز. وتصوروا لو أن أحدكم كُلِّف بأن يحمل زوجته الشابة وولده الوحيد الحبيب، فيضعهما في هذا الوادي ويرجع! هكذا فعل إبراهيم. وجزعت هاجر وخافت وقالت: لمن

стр. 196

تتركنا هنا؟ قال: لله. قالت: إذن رضيت. أين هذا من موقفنا نحن؟ فأين نحن من الذين على ربهم يتوكلون؟ * * * وهل تعرفون ما هو التوكل؟ لا؛ ليس كما يقول متأخرو الصوفية الذين يدّعون أن المتوكل يقعد بلا عمل وينتظر الرزق أو يمشي في البرّية بلا رفيق ولا زاد! لا، ليس التوكل بترك الأسباب. وعمر بن الخطّاب -وهو أعرف من هؤلاء بالدين وأتقى لله منهم- قال: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهمّ ارزقني، فإن السماء لا تُمطر ذهباً ولا فضة، ولكن الله يرزق الناس بعضَهم من بعض». الله وضع لهذا الكون نواميس وسنناً، وسننُ الله لا تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، فالذي يخالفها لا يُكتب له الفلاح. الزارع إذا لم يحرث الأرض ويبذر البذر لا يحصد الثمرة، ولو قال أنا متوكل على الله، لأنه خالف سنن الله ولم يفهم حقيقة التوكل. والتلميذ الذي يلعب السنةَ كلها ولا يدرس، إذا دخل الامتحان يسقط ولو ادّعى التوكل. والمرأة إذا أرادت أن تنظّف الثياب الوسخة فكوّمتها في الحمام وتركتها كما هي وقالت توكلت على الله، فإنها لا تتنظف ولا تُغسَل. فماذا نصنع إذن؟ وكيف يكون التوكل؟ الله -يا سادة- جعل لكل شيء سبباً، فعلينا أن نتخذ الأسباب، ولكن علينا أن نعتقد أن السبب وحده لا يكفي. فالذي

стр. 197

لا يزرع لا يحصد، ولكن ربما زرع الزارع ووضع السماد وتعهد الزرع وعمل كل شيء، فجاءت آفة زراعية، حشرة أو دودة، فأكلت المحصول، أو جرفه السيل أو احترقت البيادر. والذي لا يداوي ولده لا يبرأ غالباً، ولكن ربما أخذه إلى أحسن طبيب وأدخله أفخم مستشفى وأعطاه أغلى دواء، فأدركه الأجل فمات. وقد يكون -كما قلت لكم مرات- مريضان في مستشفى واحد، مرضهما واحد وطبيبهما واحد والدواء واحد، فيموت الواحد ويشفى الآخر. وقد يفتح أخوان دكانين متجاورين، ويكون لكل منهما من المال والذكاء مثل الذي للآخر، فيقع هذا على صفقة نادرة يصير بها من الأغنياء ويبقى الثاني بقّالاً. فالسبب لا بدّ منه، ولكن السبب وحده لا يكفي والله من وراء السبب؛ فهو الذي يسلّم المحصول، وهو الذي يَشفي المريض، وهو الذي يُنجّح التلميذ. فالمسلم عليه أن يعمل كل ما يستطيع، ثم يتوجه إلى الله فيطلب منه النجاح، وهذا هو التوكل. والذي يعمل بالأسباب ويقصد بها اتّباع أمر الله يكون عمله بالأسباب عبادة. الرسول ﷺ أمر بمداواة المريض فقال: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء» (١)، فانووا بالتداوي امتثال أمر الرسول ﷺ . لقد علمنا النبي ﷺ في حديث الأعرابي معنى التوكل؛

стр. 198

الأعرابي الذي جاء إلى النبي وترك ناقته بلا عقال، فلما خرج لم يجدها، فقال له: «اعقلها وتوكل» (١). فالحقيقة إذن وسط بين إفراط الإفرنج وتفريط بعض الصوفية؛ الإفرنج المادّيون يعتقدون أن الأسباب المادية هي كل شيء ولا يفكرون في الله ولا يلجؤون إليه، وهذا باطل. ومن الصوفية من يترك السعي ويحتجّ بحديث رزق الطير، وما ذهب إليه باطل؛ فالحديث يقول: «لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتعود بِطاناً» (٢). الطير لم تبقَ في مكانها ولكن ذهبت ومشت وراء الرزق فرجعت وقد شبعت، فالحديث حجّة عليهم لا لهم. فإذا أردتم أن تكونوا من المتوكلين فاعملوا للدنيا ما استطعتم، واطلبوا الرزق من كل طريق حلال، واسعوا لكل ما فيه النفع لكم، ولكن لا ترتكبوا في هذا السعي حراماً، ولا تنسوا أن النجاح بيد الله فارجعوا إليه واطلبوه منه. * * *

стр. 199

يا أيّها المذنبون حديث أذيع سنة ١٩٥٦ (١) سأحدثكم اليوم عن واحد من ذوي الجاه والسلطان، كان له ولد عني به وربّاه ويسّر له أسباب السعادة وأمدّه بالمال الوفير، ولم يكلفه إلا شيئاً واحداً، قال له: إن فلاناً مفسد شرير وهو عدو لي ولك، فابتعد عنه ولا تستمع إليه، فإنه لا يقول إلا الكذب ولا يريد بك إلا الأذى. فما كان من الولد إلا أن أسرع إلى هذا العدو فصادقه وصافاه ونسي أباه، فأورده موارد الفجور ودله على طريق المعاصي، وأعرض عن أبيه ونسيه وصار يقع كل يوم في ورطة. فإذا اضطر ولم يجد أحداً يدعوه يدعو أباه فينقذه، فإذا نجا منها عاد إلى قطيعة أبيه وجفائه. حتى إذا أحاط به الأعداء واشتدّ عليه البلاء وتعاقبت عليه الورطات، جاء مَن ينصحه يقول له: إنه ليس لك إلا أبوك، فاعتذر إليه وعد إلى حِماه، واسأله بعد ذلك ما شئت. هذا هو مَثَلنا مع الله، وله المَثَل الأعلى.

стр. 200

لقد أنعم الله علينا النعم التي لا تحصى، وأمدّنا بالصحة والمال والقوة والعقل، وتكفل لنا بالرزق، وأعطانا كل ما نريد، فكل خير عندنا منه. وقال لنا: إن الشيطان عدو لي ولكم وإنه يريد أن يغويكم ويضلكم، فلا تتّبعوا خطوات الشيطان. وشقّ لنا طريقين، طريقاً طويلاً شاقاً ولكنه يوصل إلى عزّ الدنيا وسعادة الآخرة، وطريقاً سهلاً قصيراً فيه اللذائذ والمتع، ولكنه لا يوصل إلا إلى جهنم. وأقام لنا أدلّة على مفرق الطريقين: رسلاً مبشِّرين ومُنذِرين، ينادون: يا أيها السالكون، لا تغترّوا بقِصَر هذا الطريق وجماله، ولا تخافوا من طول هذا الطريق ووعورته، فالعبرة بالغايات، وهذا غايته جنة فيها النعيم الدائم، وهذا غايته جهنم التي فيها العذاب المقيم. ووسوس لنا الشيطان أن لا تبيعوا بعاجل ملموس آجلاً مجهولاً، وامشوا من هنا! فمشينا من حيث دعانا الشيطان، وأعلنّا على الله العصيان، وجاهرناه بالمعاصي، وهو مع ذلك يمدنا بالمال والبنين وبالنعم التي لا تحصى. تركنا هَديَ الرّسل وحِدْنا عن طريق الفلاح، فتكاثرت علينا الأمم وتعاقبت علينا المحن، بعدما كنا بالإسلام ملوكَ الأمم وأساتذة العالم وبعدما نشرنا لسان العربية ودين محمد ما بين قلب فرنسا وآخر الشرق. كان أجدادنا يعودون إلى الله يدعونه يبتغون منه النصر، فنسينا نحن الدعاء وغفلنا عن ذكر الله. فمَن ينصرنا من بعده؟ هل في الوجود رب آخر نهرب من الله لنلجأ إليه، كما يهرب الرجل من حكومة ليلجأ إلى حكومة أخرى؟ ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ والإنْسِ:

стр. 201

إنِ اسْتَطَعْتُم أنْ تَنْفُذوا مِنْ أقْطَارِ السّمَاواتِ والأرْضِ فَانْفُذوا، لا تَنْفُذونَ إلاّ بِسُلْطان﴾. هل من إله غير الله ينصرنا؟ لا إله إلا الله. أفلا نعود إليه فنعتذر إليه ونسأله العفو؟ ألم يحن الوقت لنصلح ما بيننا وبين الله؟ ﴿ألَمْ يَانِ للذينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلوبُهُمْ لِذِكْرِ الله؟﴾. * * * يا أيها الناس، هذا أوان الرجوع إليه بالتوبة والاستغفار، ثم بالدعاء والتضرع وطلب المغفرة. وما النصر إلا من عند الله. ولا تستكثروا الذنوب، فليس في الذنوب ما يجِلّ عن العفو إلا من مات مشركاً: ﴿إنّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فيا مَن يسمع كلامي من العصاة المذنبين، ممّن يصغي إلى الرادّ وهو في داره أو في قهوته وهو تارك لصلاة الجمعة، أو من هو مقيم على معصية، يا من اتبع الشهوات وانغمس في الذنوب، إن باب التوبة مفتوح، والدعوة عامة، والخير عميم، فادخلوها بسلام آمنين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الذين أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً﴾. إن الله أعطى التائبين ثلاث خصال هي: حبّ الله، ومن أحبه الله لم يغدر به. وأن الملائكة تستغفر له، ومن استغفرت له الملائكة غفر الله له. وأن الله يبدل بالتوبة سيئاتهم حسنات. قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابينَ﴾. وقال: ﴿الذينَ يَحْمِلونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ للذينَ آمَنُوا،

стр. 202

رَبَّنا وَسِعْتَ كُلّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمَاً فَاغْفِرْ للذينَ تَابوا وَاتَّبَعُوا سَبيلَكَ﴾. وقال: ﴿إلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحَاً، فَأولئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾. والتوبة هي أول محطة في طريق الوصول إلى الله وإلى سعادة الآخرة. وليست التوبة كلمة باللسان مع البقاء على الذنوب، فإن التائب من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربّه والعياذ بالله. ولكن التوبة النَّصوح هي التي يكون معها الإقلاع عن الذنب، والندم على ما مضى، والعزم على ألاّ يعود. فمن ترك الذنب نادماً على ما فات ناوياً ألاّ يرجع إليه، فهذا الذي يقبل الله توبته، وهذا الذي ورد فيه أن التائب من الذنب كمَن لا ذَنْبَ له. فإن تاب بهذه الشروط، ثم غلبته نفسه فعاد إلى الذنب ثم تاب قُبلت توبته، ولو تكررت عودته. هذا في حقوق الله، أما حقوق العباد فلا بد فيها من شرط آخر، وهو أداء الحق أو مسامحة صاحبه؛ فمَن أكل أموال الناس أو أساء إليهم بقول أو فعل، أو أعان عدوّهم عليهم فأخفى أقواتهم واحتكر أرزاقهم وتمنى أن تقوم الحرب فتهلك الحرث والنسل وتدمر البلاد والعباد ليملأ صندوقه بالذهب، والمرأة التي تخدع زوجها وتكذب عليه، والرجل الذي يخون زوجته ويسيء إليها، والغشّاش والمخادع والمرابي ... كل هؤلاء وأمثالهم لا تُقبَل توبتهم حتى يؤدّوا ما عليهم من حق أو يسامحَهم صاحبُ الحق. فتوبوا إلى الله جميعاً يا أيها المؤمنون. * * *

стр. 203

التوبة حديث أذيع من دمشق سنة ١٩٥٨ إذا قصرت في دفع الضرائب وتراكمت عليك حقوق للخزانة حُجز من أجلها على مالك ونودي عليها بالمزاد، ثم صدر قانون بأن من طلب الإعفاء من حقوق الخزانة كلها أُعفي منها وسقطت عنه، بشرط أن يقدم اعتذاراً عن التقصير فيها في الماضي وتعهداً بأدائها في وقتها في المستقبل، فهل تتردد في تقديم الاعتذار والتعهد؟ وإذا أغراك الشيطان فأجرمت جريمة الشرطةُ تلاحقك من أجلها وأنت تفرّ وتختفي من جرّائها، لا يَقِرّ لك قرار ولا يستريح لك بال، ثم صدر قانون بالعفو عنك عفواً كاملاً إذا قدمت الاعتذار عنها والتعهد بألاّ تعود إلى مثلها، هل تتردد في تقديم التعهد والاعتذار؟ وإذا قيل للمسجونين في سجن القلعة: من قدّم منكم اعتذاراً عما كان منه وتعهداً ألا يعود إلى مثله أطلقناه فوراً وأسقطنا عنه بقية العقوبة ومَحَونا من سجلّه أثر الذنوب، هل يتردد أحد في تقديم التعهد والاعتذار؟

стр. 204

وإذا تردد أو أجّل أو أبى، فهل يكون عاقلاً أم يكون مجنوناً حقّه سكنى المارستان؟ لا، لا تقولوا «مجنون» لئلا نكون جميعاً مجانين؛ ذلك أن علينا من حقوق الله التي قصّرنا فيها أكثر مما على المقصّر في أداء الضرائب من حقوق الخزانة، وإن كانت عاقبةُ ذاك خسارةَ ماله فعاقبةُ المقصّر في حق الله خسارة نفسه وخسارة سعادته الدائمة في آخرته. وإن أجرم المجرم في الدنيا فلاحقته الشرطة فهرب أو اختفى أو قُبض عليه فأودع السجن، فإننا قد اجترمنا مع الله جرائم لا نستطيع أن نهرب بها منه. وأين المهرب والكون كله ملكه والسماوات والأرض له؟ هل من إله غيره نلجأ إليه كما يهرب اللاجئ السياسي من دولة إلى دولة؟ لا إله إلا هو. ولا نستطيع أن نختفي منه. وأين نختفي وهو معنا أينما كنا يسمعنا ويرانا؟ وليست عقوبة الله سجناً نأكل فيه ونشرب وننام، وإن اشتد علينا الأمر نشتغل ونتعب. لا؛ بل إن للمجرمين ناراً وَقودها الناس والحجارة: ﴿إذَا أُلْقُوا فيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهيقاً وَهِيَ تَفورُ﴾، ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنْهَا مَكاناً ضَيِّقَاً مُقَرَّنينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبوراً﴾، ﴿لا يُقضَى عَلَيْهِم فَيَموتوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِها﴾، ﴿لَهُمْ مِن فَوْقِهِم ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِم ظُلَل﴾، ﴿هذِه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمون﴾، ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصَاداً، لِلطّاغينَ مَآباً، لابِثينَ فيها أحْقَاباً، لا يَذوقونَ فيها بَرْداً ولا شَراباً، إلاّ حَميماً وَغَسّاقاً﴾. فإذا صدر قانون بأن هذا المؤمن المقصّر في حقوق الله،

стр. 205

وهذا المؤمن الذي أجرم هذه الجرائم وأذنب هذه الذنوب مع الله، ستُسقَط عنه هذه الحقوق وتمحى هذه الجرائم إذا قدّم اعتذاراً صادقاً وتعهّد تعهداً مخلصاً بألاّ يعود إلى مثله. ولكن لم يرضَ أن يقدّم الاعتذار والتعهد، أو أجّل تقديمه وماطل به، أو تردّد وفكر وتحيّر هل يقدمه أو لا يقدمه، ألا يكون مجنوناً؟ إذن فنحن جميعاً مجانين، لأننا قصرنا وأذنبنا فقال لنا الله: أنا أسامحكم بحقوقي وأمحو من سجلاتكم المحفوظة عندي ذكر جرائمكم إذا تبتم. فقلنا: لا، لا نتوب! أو أجّلنا التوبة يوماً بعد يوم. يقول الفاسق الذي يتبع شهوته: كيف أدع هذه المتع وهذه اللذائذ وأنصرف عنها؟ لا، ولكن أنغمس فيها ما دمت شاباً، فإذا صرت كهلاً تبت عنها. ويقول الذي يأكل المال الحرام من الربا أو من الظلم: إني الآن في سن الشباب وهو سن العمل والكدح وجمع المال، فإذا صرت كهلاً تبت. والفتاة التي تخرج كاشفة الشعر بادية النحر ظاهرة الساق والزند، تقول: أنا الآن صغيرة، فكيف ألبس لباس العجائز وماذا تقول عني رفيقاتي؟ ولكن إذا كبرت تبت واستترت واتخذت الحجاب الذي أمر الله به. والذي يظلم الناس ويتعدى عليهم بقوة ساعده أو بقوة جاهه أو بقوة ماله، يقول: سأتوب إذا صرت كهلاً. وما أدراك أن العمر سيمتد بك حتى تصير كهلاً؟ وإذا صرت كهلاً فمن أدراك أنك ستتوب؟ ها أنا ذا صرت كهلاً ولا أزال منغمساً بالذنوب، اسألوا الله التوبة لي ولكم.

стр. 206

يقول الفاسق: إذا تزوجت أتوب. فيتزوج ولا يتوب. ويقول: إذا جاء رمضان تبت. فيجيء رمضان فلا يتوب. ويقول: سأحجّ وأتوب. فيحج ولا يتوب. يؤجّل التوبة يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، حتى يأتي يومٌ لا يومَ له بعده في هذه الدنيا ويرى الموت الذي كان يتناساه ويبعده عن ذهنه ويكره الحديث عنه قد نزل به، فيتوب في تلك الساعة فلا تنفعه التوبة. قال الله : ﴿إنّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ للّذينَ يَعْمَلونَ السّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمّ يَتوبونَ مِنْ قَريبٍ، فَأولئِكَ يَتوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللهُ عَليماً حَكيماً. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ للذينَ يَعْمَلونَ السيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنّي تُبْتُ الآنَ، وَلا الذينَ يَموتونَ وَهُمْ كُفّارٌ، أولئكَ أعْتَدْنا لَهُم عَذَاباً أليماً﴾. أي أن الله يتوب على من يعمل الذنب فيرجع إلى الله ويندم ويتركه، أو يسمع الموعظة فيتبعها ويدع الذنب ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، أما الذي يصرّ ويبقى مُصِرّاً على الذنب، والذي يؤجّل التوبة حتى ينزل به الموت وتصل روحه إلى الحلقوم، والذي يموت وهو كافر، فلا تُقبَل له توبة وليس أمامه إلا النار. * * * ولا يقل أحدٌ: إن ذنوبي كثيرة وإني منغمس في المعاصي، فليس في الذنوب ما لا يُغفَر إلا الشرك والكفر: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ خبّر عن رجل من

стр. 207

الأمم الماضية كان مجرماً سفّاكاً قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم ندم وفكر في التوبة، وخاف ألاّ تقبل توبته، فسأل عن أعلم أهل الأرض ليستفتيه، فدلوه على راهب ليس بعالم، فسأله فقال له إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمّل المئة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلّ على رجل عالم، فأتاه فقال له إنه قتل مئة نفس فهل له توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق إليها، حتى إذا انتصف الطريق أتاه ملَك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائباً ومقبلاً بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم مَلَك في صورة آدمي فجعلوه حكماً بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي قصدها تائباً، فقبضته ملائكة الرحمة (١). فيا أيها السامعون، إن باب التوبة مفتوح، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. وشرط التوبة ترك الذنب، والندم على الماضي، وعقد العزم على عدم العودة إليه. هذه حقوق الله، أما حقوق الناس فلا تصحّ التوبة منها إلا بأداء الحق لصاحبه أو أن يسامحك به؛ فإن أكلت

стр. 208

مال أحد فردّه إليه، وإن ظلمته فعوّضه عن مَظلَمته، وإن اغتبته في مجلس فاذكره بالخير في مجلس مثله واستغفر له. ومَن عفا عن أخيه المسلم أو سامحه عوّضه الله أكثر مما كان يطلب منه؛ ورد أنه يختصم اثنان عند الله يوم القيامة، فيقول أحدهما: يا ربّ هذا ظلمني، فيقول الله للظالم: أعطِه من حسناتك. فيعطيه حتى لا يبقى عنده شيء. فيقول: يا ربّ لم يبق عندي شيء. فيقول الله للظالم: احمل من سيئاته. فيحمل من سيئات المظلوم حتى لا يبقى عليه من السيئات شيء، ويبقى له عنده حق، فيقول: يا ربّ حقي. فيقول الله : ارفع رأسك، فيرفع رأسه فيرى قصراً في الجنة يأخذ العقول. فيقول: يا ربّ لمن هذا؟ فيقول: لمن يسامح أخاه ويعفو عنه. فيقول: يا رب قد سامحته وعفوت عنه. فيقول الله أكرم الأكرمين: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. يا أيها الناس، توبوا إلى الله توبة نصوحاً. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الذين أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذّنوبَ جَميعاً﴾. * * *

стр. 209

طريق الدنيا وطريق الآخرة نشرت سنة ١٩٨٨ (١) قلت إنها ظهرت فينا أفكار غريبة ما كنا نعرفها ونحن صغار، وسَرَت فينا كلمات جاءتنا على عهد الاستعمار، وردّدها ولا يزال يرددها مَن تخرجوا في مدارس المستعمرين وتربوا على أيديهم، وصدّق بها كثير من الناشئين وظنوها -لسكوتنا عن إنكارها- حقائق مسلَّمة. من ذلك قولهم: «الدين لله والوطن للجميع»، وقولهم بفصل الدين عن السياسة، وتسميتهم العلماء برجال الدين. وأمثال ذلك من الكلمات التي قَبِلها قومٌ منا على أنها حقائق، وشكّ فيها قوم وسألوا عن صحتها. ولا يمكن الحكم عليها إلا بعد معرفة معنى كلمة «الدين». إن الذين وضعوا هذه القواعد هم من النصارى، ونحن

стр. 210

أخذناها منهم وطبّقناها على الإسلام، مع اختلاف معنى كلمة «الدين» عندنا وعندهم. الدين عند النصارى -كما جاء في أكبر المعاجم، كدائرة المعارف البريطانية ومعجم لاروس الكبير- هو ما يحدد صلة العبد بالله؛ أي أن الدين عندهم قاصر على الكنيسة ولا علاقة له بالحياة ونظمها ومعاملاتها، وذلك ما يقابل عندنا «باب العبادات». ولكن الإسلام ليس ديناً فقط لأنه لا يقتصر على العبادات، ويكفي أن تمدوا أيديكم إلى كتاب من كتب الفقه وتنظروا في أبوابه لتروا أن فيه باب العبادات (وهذا هو الدين بعرف النصارى) وباب المعاملات (وهو ما يسمى بالقانون المدني) وباب الزواج والطلاق (وهو ما يسمى بقانون الأحوال الشخصية) وباب السِّيَر أو الجهاد (وهو ما يعرف بالحقوق الدولية) وباب الإمامة العظمى (وهو ما يسمى بالحقوق الدستورية) وباب الحدود (وهو القانون الجنائي أو الجزائي) وباب الوصايا والمواريث وباب الآداب. فالإسلام دين، وقانون مدني، وقانون جزائي، ودستور وقانون دولي، وأخلاق وتوجيه وآداب. فإذا قالوا بفصل الدين عن السياسة وأخذنا بهذا القول كان معناه أن لا ندخل باب العبادات في السياسة. والعبادات لا دخل لها في السياسة ولا دخل للسياسة فيها، ولكن ماذا نصنع إذا كانت السياسة نفسها جزءاً من ديننا؟ لا أعني بالسياسة النزاع الحزبي ولا التزاحم على كرسي الوزارة ولا السباق إلى مقاعد النيابة، بل أعني المبادئ السياسية والخطوط العريضة فيها.

стр. 211

وإذا سمّوا قساوستهم رجال الدين فلأن القساوسة لا عمل لهم إلا إقامة الصلاة وما يدعونه بالقُدّاس وسماع الاعترافات، أما العالِم المسلم فهو رجل دين ورجل دنيا، لأن الدين والدنيا في الإسلام أخَوان لا ينفصلان، لا كما يقول بعض جَهَلة الخطباء على منابر الجمعة أنهما ضرتان لا تأتلفان. وإذا قال النصارى إن الغني لا يدخل ملكوت السماوات فإن الإسلام سمّى المال في القرآن «خيراً» فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الوّصِيَّةُ﴾، وقال عن الإنسان: ﴿وإنّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَديد﴾. وقرّر أن الغني الشاكر والفقير الصابر في الفضل سواء. وإذا ألزم النصارى دينهُم (أو ما يقولون إنه دينهم) أن يدير المضروب على خده الأيمن خدّه الأيسر للضارب فإن الإسلام أمر المسلمين بأن يردوا العدوان بمثله فقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ وقال: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وهذا هو العدل، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأصْلَحَ فأجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ وهذا هو الإحسان، والله يأمر بالعدل والإحسان. أي أن الإسلام أمر المسلمين أن يدفعوا القوة الظالمة الباغية بالقوة العادلة الرادعة، فإذا ظفروا وتمكنوا من الخصم وعفوا فإن العفو أفضل. والمسلم إنما يعفو عن حقه الشخصي لأنه صاحبه يتنازل إن شاء عنه، أما حق الله فليس لأحد أن يتنازل عنه. * * * فالإسلام -إذن- دين ودنيا وعبادة وأخلاق وقانون، لا ينطبق

стр. 212

عليه ما ينطبق على غيره؛ فلا ينفصل الإسلام عن السياسة لأن سورة براءة مثلاً -وهي من القرآن- من صميم السياسة الدولية، فهل نفصل سورة براءة عن القرآن ونقرّ مَحْوَها من المصاحف؟ والإسلام فيه حل لكل المشكلات البشرية، وفيه نظام اقتصادي كامل هو الحق بين الباطلين: باطل الرأسمالية المعروفة بالأثرة وباطل الشيوعية. والإسلام لكل زمان ومكان. في الكتاب والسنة حكم المعاملات المصرفية على اختلافها، لكنها ليست مذكورة في كتب الفقه. وكيف تُذكَر فيها ولم تكن في الدنيا مصارف لمّا أُلِّفت هذه الكتب ولا معاملات مصرفية؟ كيف يذكر كتاب «المغني» حكم التأمين على السيارة وقد أُلِّف قبل أن تخترع السيارة وقبل أن يوجد نظام التأمين؟ إن علماءنا الأوّلين استنبطوا من الكتاب والسنة الحلول الكاملة لمشكلات عصورهم، فعلينا أن نستخرج نحن الحلول لمشكلات عصرنا. إن الحل موجود ولكنه يحتاج إلى تنقيب وبحث عنه لاستخراجه، كما نستخرج من المناجم التي نشقّها المعادنَ التي أودعها الله باطن الأرض. وهذا فرض كفاية على القادرين عليه من العلماء، فإذا لم يَقُم به أحد منهم أثموا جميعاً، ودفعوا الحكام إلى أخذ القوانين الأجنبية التي لم تُستمَدّ من الإسلام ولم توضع لبلاد المسلمين. إنها كالثياب الجاهزة المُعَدّة على مقياس واحد، والإسلام ثوب فصّله الله لنا على مقياس أجسامنا، فسد فيه حاجاتنا وحقق فيه آمالنا ودلنا فيه على طريق السعادة في دنيانا وأخرانا.

стр. 213

ولقد صدق ابن القيم ﵀ حين قرر في كتابه العظيم «الطرُق الحُكميّة» أن جمود الفقهاء وتضييقهم الواسعَ من شرع الله هو الذي دفع الحكام إلى أخذ الأحكام من عند غير المسلمين. ولما كنت أيام الوحدة مستشاراً في محكمة النقض، في القاهرة وفي دمشق، كانت مناقشات بيننا وبين إخواننا المستشارين، فكتبت مقالة في مجلة القانون التي كانت تصدرها وزارة العدل في سوريا عنوانها «حلول قديمة لمشكلات جديدة» استخرجت فيها من كتب الفقه حلولاً لمشكلات يحسبها الناس قد جَدّت الآن، فمَن شاء منكم رجع إليها فاطّلع عليها (١). إن من مشكلاتنا أننا نمشي مع الناس، لا ننظر أيسيرون في طريق الحق أو في طريق الباطل، نتخذ ذلك سنة لنا في حياتنا الفردية وفي حياتنا العامة، حتى إننا أخذنا من غيرنا مبدأ اتّباع الأكثرية ولو كانت على ضلال. إن مما يعوقنا عن سلوك سبيل الشرع هو اتّباع الناس. وأنا لا أقول لكم خالفوا الناس واخرجوا عن مألوف العادات، فإذا لبس الناس الحذاء بأرجلهم علقتموه أنتم بأعناقكم، وإذا ناموا على الفراش ناموا أنتم في مغطس (بانيو) الحمّام، ولا أقول لكم: إذا رأيتموهم يمشون إلى اليمين فامشوا أنتم إلى اليسار لتخالفوهم! بل أقول لكم: اجعلوا الدين هو المقياس، فإن رأيتم الناس يمشون في طريق الحرام فلا تمشوا معهم، ولا تحتجّوا بالأكثرية

стр. 214

فإن أكثر الناس غالباً على ضلال، والله يقول: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ في الأرْضِ يُضِلّوكَ عَنْ سَبيلِ الله﴾ ويقول: ﴿وَمَا أكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنين﴾. وهل الحق دائماً مع الكثرة؟ لو قرر أطباء المستشفى الثلاثة وجوب إجراء العملية الجراحية للمريض، واجتمع الخدم والممرّضون والبوّابون والفرّاشون، وكانوا ثلاثين، وطالبوا بترك العملية وإهمالها، هل نتّبع رأي الثلاثين من الخدم والممرضين والبوابين والفراشين أم نتبع رأي الأطباء الثلاثة؟ ولو قرر ربان الطيارة الهبوط بها لأن الوقود أوشك أن ينفد منها وطالب الركابُ الثمانون باستمرار الطيران، هل نأخذ برأي الثمانين لأنهم هم الأكثرية أم برأي الربان الواحد؟ يا إخواننا، الرجال تُعرف بالحق والحق لا يُعرَف بالرجال، ورأي الواحد إن كان معه الدليل الساطع أولى من رأي الألف إن لم يكن معهم دليل. لو بلغ أتباع المبطلين مئة مليون، بل ألف مليون، وبقي على الأرض محق واحد، لكان هذا الواحد أهدى سبيلاً من ألف المليون (١). ألا تذكرون أن هتلر وموسوليني وأمثالهما من المتسلطين كانوا يخطبون في الدعوة إلى باطل النازية والفاشية فيهتف لهم مئة ألف أو يزيدون، فأين اليوم هؤلاء الهاتفون؟ وكم رأينا من زعماء

стр. 215

العرب من يخطب قوماً يَسمعون ولا يفهمون! والدليل على ذلك أنهم يقاطعون الخطيب ويتركونه بين المبتدأ والخبر أو بين الفعل والفاعل، قبل أن يتم الجملة، ليهتفوا ويهرّجوا ويصرخوا مثل المجانين! أليس هؤلاء الهاتفون هم أنفسهم الذين كانوا يُجمَعون فيهتفون لمن كان قبله على عهده؟ وإنهم سيُجمَعون فيهتفون لمن سيجيء من بعده؛ يقولون ما يُقال لهم ويرددون ما ألقي عليهم، الطبل يجمعهم والعصا تفرقهم! كلا؛ لا يعبأ الله بهم. * * * يقولون إنه لا يَصِحّ إلا الصحيح ولا يبقى إلا الأصلح، هذا هو عندهم قانون التطور، ولعله سنّة من سنن الله في الكائنات. فإذا كانت هذه المذاهب الأرضية الملحدة هي الصحيحة وكانت هي الأصلح فستبقى، وإن كان الصحيح هو دين الله وكان الأصلح ما شرعه الله لعباده فإن الباقي هو كتاب الله الذي أنزله وتعهد بحفظه، وستذهب ضلالات العصر كما ذهبت من قبلها مئات من الضلالات. أين ما كان يدعو إليه هتلر وموسوليني؟ وأين مِن قبلهما ما دعا إليه فرعون وهامان؟ إنها ستُنسى هذه المذاهب ولا يبقى من الناس من يعرفها إلا طلاب الدراسات العليا في الجامعات، وسيأتي يومٌ يسأل عنها الطلاب ليعرفوا ما هي، كما يسألون اليوم: ما هي القُرْمُطية؟ وما هي المَزْدَكية؟ وما هي المانَويّة؟ إن للباطل جولة، ولكن العاقبة للحق. فلا تغترّوا بجولة الباطل، ولا تشكّوا في إسلامكم، ولا تقدّموا واقع الناس على حقيقة دينكم، ولا تكونوا إمّعة تقولون: إنْ أحسنَ الناس أحسنّا
следующие страницы →