قد تقطّعت بهم الأسباب. والله الذي يشفي بسبب الدواء والطب قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء. مدّوا أيديهم وجعلوا يقولون: «يا الله»، يدعون دعاء المضطر، والله يجيب دعوة المضطر ولو كان فاسقاً، ولو كان كافراً، ما دام قد التجأ إليه واعتمد عليه ووقف ببابه وعلّق أمله به وحده، يجيب دعوته إن طلب الدنيا، أما الآخرة فلا تُجاب فيها دعوته لأنه كافر لا يؤمن بالآخرة.
هؤلاء الكفار لمّا دَعَوا الله مخلصين له الدين استجاب دعاءهم ونجّاهم إلى البر، بل هذا شر الخلق إبليس لمّا دعا دعاء المضطر فقال: «رَبِّ أنْظِرْني إلى يَومِ يُبعَثون» قال له: «إنّك من المُنْظَرين».
ولو أمعنتم النظر في أسلوب القرآن لوجدتم أن الله لم يخبر في القرآن إخباراً أنه يجيب دعوة المضطر، لأن ذلك مشاهَد معلوم، ولكنْ ذَكَره حجةً على المشركين فقال: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وَأنْزَلَ لكُمْ مِنَ السّماءِ مَاءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كانَ لَكُم أنْ تُنْبِتوا شَجَرَها؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلون. أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وجَعَلَ خِلالَها أنْهَاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَينِ حاجِزاً؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ بَلْ أكثَرُهُم لا يَعْلَمون. أَمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السّوءَ، ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ قَليلاً ما تَذَكّرون﴾.
يا أيها القراء، إنهم لمّا دعوا نظروا فإذا الورم بدأ يخفّ والزرقة تمّحي والألم يتناقص، ثم لم يمضِ يومان حتى شفيت
стр. 72
الرِّجْل تماماً. وجاء الطبيب فلم يكد يصدق ما يراه.
ستقولون: هذه قصة خيالية أنت اخترعتها وتخيلتها. فما قولكم إن دللتكم على صاحبها؟ إن هذا الولد صار مشهوراً ومعروفاً في الدنيا كلها وهو الذي روى القصة بلسانه، هذا الولد هو آيزنْهاور، القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ورئيس أميركا بعد ذلك.
* * *
وقد وقعت لي أنا حوادث رأيتها وعشتها، أو وقعت لمن كان حولي سمعتها وتحققت منها. سنة ١٩٥٧ مرضت مرضة طويلة لخيانة من طبيب شاب شيوعي وضع لي جرثومة يسمونها «العصيّات الزرقاء» قليلة نادرة في بلادنا، وكانت شكواي من حصاة في الكلية أقاسي من نوباتها التي لا يعرف مداها إلا من قاساها، فانضمّت إليها أمراض أخرى لم يكن لي عهدٌ بها. وقضيت في المستشفى، مستشفى الصحة المركزي الكبير في دمشق ثم في مستشفى كلية الطب، بضعة عشر شهراً، أقيم فيه ثم أخرج منه ثم أعود إليه، وكانوا كل يوم يفحصون البول مرتين وينظرون ما فيه. فلما طال بي الأمر وضاق مني الصدر توجّهت إلى الله فسألته إحدى الراحتين، الشفاء إن كان الشفاء خيراً لي أو الموت إن كان في الموت خير لي. وكان يدعو لي كثير ممّن يحبني، وإن كنت لا أستحق هذا الحب من الأقرباء ومن الأصدقاء. فلما توجهت ذلك اليوم إلى الله مخلصاً له نيتي واثقاً بقدرته على شفائي، سكن الألم وتباعدت النوبات، وفحصوا البول كما كانوا يفحصونه كل
стр. 73
يوم فإذا به قد صفا وزال أكثر ما كان فيه. وعجب الأطباء ودُهشوا واجتمعوا يبحثون، فقلت لهم: لا تتعبوا أنفسكم، فهذا شيء جاء من وراء طبكم. إن الله الذي أمرنا أن نطلب الشفاء من الطب ومن الدواء قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء.
* * *
ولما قدمت المملكة سنة ١٣٨٢هـ أقمت سنة في الرياض (ثم جئت مكة فلبثت فيها إلى الآن)، وكان معنا فيها رجل من الشام لا أسميه، كان مقيماً في الرياض هو وأمه، فعرض له عمل اقتضى سفره إلى لبنان. وكرهت أمه هذا السفر لئلا تبقى وحدها، فلما حلّ موعده حمل ثقله (أي حقائبه وأشياءه) إلى المطار، فسلمه إلى الشركة وذهب إلى بيته على أن يأتي الفجر ليسافر. ورجا أمّه أن توقظه قبيل الفجر، فلم توقظه حتى بقي لموعد قيام الطيارة ثلاثة أرباع الساعة، فقام مسرعاً وأخذ سيارة وحث السائق على أن يبلغ به المطار ويضاعف له الأجر، وجعل يدعو الله أن يلحق بالطيارة قبل أن تطير. ولما وصل وجد أنه لا يزال بينه وبين الموعد ربع ساعة، فدخل المقصف وقعد على الكرسي فنام، ونودي من المكبر على ركاب الطائرة أن يذهبوا إليها فلم يسمع هذا النداء، وما صحا حتى كانت الطيارة قد علت في الجو! وكنت معه، فجعل يعجب كيف دعا الله بهذا الإخلاص دعاء المضطر ولم يُستجَب له. وجعلت أهوّن الأمر عليه وأقول له: إن الله لا يرد دعوة داع مخلص مضطر أبداً، ولكن الإنسان يدعو بالشر دعاءه بالخير، والله أعلم بمصلحته منه.
وأهمّه الغضبُ والحزن عن إدراك ما أقوله. أفتدرون ماذا
стр. 74
كانت خاتمة هذه القصة؟ لعل منكم من يذكر طيّارة شركة الشرق الأوسط التي سقطت تلك السنة وهلك من كان فيها. هذه هي الطيارة التي حزن على أنها فاتته!
إن الإنسان قد يطلب من الله ما يضره، ولكن الله أرحم به من نفسه. وإذا كان الأب يأخذ ولده الصغير إلى السوق فيرى اللعبة فيقول: أريدها، فيشتريها له، ويبصر الفاكهة الجميلة فيوصله إليها، ويطلب الشكلاطة فيشتري له ما يطلبه منها، فإذا مرّ على الصيدلية ورأى الدواء الملفوف بالورقة الحمراء فأعجبه لونه فطلبه، هل يشتريه له وهو يعلم أنه يضره؟ إذا كان الأب وهو أعرف بمصلحة ولده لا يعطيه كل ما يطلب لأنه قد يطلب ما لا يفيده، فالله أرحم بالعباد من آبائهم ومن أمهاتهم.
* * *
وقد وقع لي مرة (وذكرت هذا في بعض أحاديثي من قبل) أن دعانا كبير أسرتنا، الدكتور طاهر الطنطاوي الذي توفي من زمن بعيد رحمة الله عليه، إلى جمع في بيته يضم أفراد الأسرة جميعاً، وأعدّ لهم مائدة وضع لهم فيها كل ما يلذ ويطيب وهيأ لهم كل ما يسرهم ويرضيهم. وذهبت إلى الاجتماع وكنت منشرح الصدر، فما لبثت فيه إلا نصف ساعة حتى ضاق صدري وأحسست كأن دافعاً يدفعني إلى الخروج وأنني إن بقيت اختنقت.
واستأذنت بالانصراف فعجبوا مني، وكنت أنا أعجب من نفسي ولا أعرف سبباً لهذا الذي حلّ بي. وفسد الاجتماع وضاع ما كانوا يتوقعونه من المسرّة والانبساط وألقوا اللوم عليّ، وأنا أعذرهم ولا أدري لما فعلت سبباً. وكانت داره في سفح جبل
стр. 75
قاسيون في منطقة اسمها حي العفيف، وخرجت، ومرّ بي الترام وكان فارغاً، وهممت بأن أصعد إليه، ثم أحسست كأن يداً قوية تصدّني عنه وتمنعني من ركوبه، فمشيت على رجلي ولا أعرف إلى أين أنا ذاهب.
وثقوا أني أصف لكم ما وقع كأنه وقع بالأمس، وقد مرّ عليه الآن أكثر من ثلاثين سنة. ما مشيت إلا قليلاً، وكان الطريق مقفراً والليل ساكناً، فوجدت امرأة تحمل ولداً وتسحب بيدها ولداً، وهي تنشج وتبكي وتدعو دعاء خافتاً لم أتبينه. فاقتربت منها وسألتها: ما لك يا أختي؟ فنفرت مني وحسبتني أبتغي السوء بها. ونظرَت إليّ، فلما رأت أنني كهل وأنه لا يبدو عليّ ما تخشاه نفضَت لي صدرها وشرحت لي أمرها، وإذا قصتها أنها من حلب وأن زوجها يعمل موظفاً في دمشق، وأنه طردها من بيته وهي لا تعرف أين تذهب، وما لها إلا خال لا تستطيع الوصول إلى مكانه.
فقلت لها: أنا أوصلك إلى بيت خالك، واذهبي من الغد إلى المحكمة فارفعي شكواك إلى القاضي. فازداد بكاؤها وقالت: وكيف لي بالوصول إلى القاضي وأنا امرأة مسكينة، والقاضي لا يستقبل مثلي ولا يستمع إليه؟
وكنت أنا يومئذ قاضي دمشق، فقلت لها: لقد استجاب الله دعاءك يا امرأة لأنك مظلومة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأنا القاضي، وقد استخرجني الله من بين أهلي وجاء بي إليك لأقضي إن شاء الله حاجتك، وهذه بطاقتي تذهبين بها غداً إلى المحكمة فتلقينني.
* * *
стр. 76
ولما جئت مكة كنت أقعد مع طائفة من الإخوان كل يوم في موضع المكبّرية قرب سدّة المؤذنين، وكان يقعد معنا كهل كبير السن فلسطيني صالح لا يكاد يفارق المسجد، جاء مَحْرَماً مع بنت له وبنت أخيه. وكنت أستمع إلى حديثه وأحبه لأنه كان صافي القلب صادق اللهجة صالحاً، فانقطع عنا أياماً طويلة، وسألت عنه فلم أجد من يعرف مكانه أو يعرف اسم بنته أو بنت أخيه، ثم جاءنا يمشي على رجليه بعد خمسة عشر يوماً، فقلت له: أهلاً يا أبا فلان، أين كنت وما هذه الغيبة التي غبتها عنا؟
فقال: اسمعوا أحدثكم حديثي، وثقوا أنني إن شاء الله لا أقول غير الحق. لقد أصابني ألم في رجلي لم أعد أستطيع معه أن أجلس عليها، فضلاً عن أن أقوم واقفاً أو أن أخطو ماشياً. وبقيت على ذلك هذه الأيام كلها، والبنتان تخدمانني وتعتنيان بي حتى أحسست منهما بعض الضيق والملل، فتوجهت إلى الله وصرخت صرخة سُمعت من أقصى الدار: يا الله! يا رب، لا اعتراض على قضائك، ولكن لماذا لا تشفيني؟ (يقولها بلهجته العامية المخلصة) ألم أدعُك؟ ألم تقل يا رب ادعوني أستجب لكم؟ فها أنا ذا دعوتك فلماذا لم تستجب لي؟
وقال كلاماً طويلاً لا يخرج عن هذه المعاني. قال: وسمعتني البنتان -وكان ذلك وسط الليل- فقامتا من فراشيهما، وأقبلتا عليّ تتعجبان مني تقولان: مع من تتكلم؟ وكنت غائباً عن نفسي متوجهاً إلى الله بكل قلبي ومشاعري، فنبهني كلامهما وأرجعني إلى نفسي وإلى ما حولي، وأحسستُ كأنني صحوت من حلم، أو كأنني كنت أحلّق في الجو بلا جناح وأنني هبطت إلى الأرض،
стр. 77
وسكتّ وصرفتهما إلى منامهما. وكانت رجلي متصلبة لا أستطيع تحريكها، وإذا بها تتحرك، وإذا بالآلام التي كنت أجدها قد زالت كلها. وجربت أن أقعد فقعدت كالذي ليس به مرض، ثم حاولت أن أقوم فقمت ليس بي شيء.
وكنا بضعة عشر رجلاً نستمع منه هذا الحديث، فما شكّ واحدٌ منا في صدق كلمة مما جاء فيه. وعندي من أمثال هذه الأخبار الكثير، وفي كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي التَّنوخي، بل إن في كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» كثيراً من أمثالها.
* * *
والدعاء لا ينافي اتخاذ الأسباب، والله الذي جعل الشفاء بالدواء جعله أحياناً بمجرد الدعاء، لكن لا تَدْعوا تجريباً؛ تقولون: سننظر هل نستفيد من دعائنا أم نبقى على حالنا؟ فإن من شرط استجابة الدعاء أن تكون واثقاً منها. ثم إن الله لا يضيع دعوة داع أبداً؛ فإما أن يعطيه الذي يطلبه، أو يعطيه ما هو خير له منه، أو يدّخر الدعوة له في الآخرة.
وإن في صيغ الدعاء صيغة أقرب إلى الإجابة من صيغة، وزماناً أرجى لها من زمان، ومكاناً أفضل من مكان، ولكن المدار كله أو جلّه على ارتباط القلب بالله وعلى إخلاص الدعاء له، وعلى أن لا تدعو معه غيره ولا تبتغي وسيلة إليه إلا بما شرع هو.
والمسلم لا يدعو دعاء العاجز الخامل، بل يبتغي الأسباب كلها ويعمل كل ما أقدره الله عليه، ويمتثل إن كان مريضاً أمرَ
стр. 78
رسول الله ﷺ لمّا قال: «يا عباد الله تداووا» (١). وإذا أراد الرزق طرق كل أبواب الكسب المباح، ثم يمدّ يديه فيسأل الله. فالدعاء هو السبب الأخير الذي لا يخيب إن خابت الأسباب، والرسول ﵊ دعا يوم بدر وألحّ في الدعاء حتى سقط رداؤه عن منكبه، ولكنه أعدّ قبل ذلك الجند وصفّهم للمعركة وخطط لها، عمل كل ما يقدر عليه البشر ثم دعا الله.
واعلموا أن الله جعل للحوادث أسباباً وفتح للمطالب أبواباً، فاطلبوا الأمور بأسبابها وادخلوا البيوت من أبوابها؛ فلا يقعد الطالب عن الدراسة ويطلب النجاح، ولا ينتظر الفلاح الحصاد من غير حرث ولا بذار، ولا ترقُب الأمة النصر بلا استعداد ولا جهاد، فإن الذي قال لنا: ادعوا، هو الذي قال لنا: اعملوا. ونحن نؤمن بالكتاب كله لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، والقدوة والأسوة في سيرة رسول الله وأكرم الناس على الله، ﷺ .
فمن استنفد الأسباب وغُلِّقت في وجهه الأبواب فليمدد يديه وليقل: «يا الله»، يجد اللهَ سميعاً مجيباً كريماً رحيماً، وما خاب قط امرؤ قال: «يا الله»!
* * *
стр. 79
يا الله !
حديث أذيع سنة ١٩٦٢ (١)
حدثتكم في الأسبوع الماضي حديث تلك الأسرة الأميركية التي أصيبت رِجلُ ولدها بالمرض حتى قضى عليها الطبيب بالقَطع، وقلت لكم إنهم لما استشعروا العجز ولم تبقَ في أيديهم حيلة مدّوا أيديهم إلى الله يطلبون منه الشفاء وحده، يطلبونه بلا سبب يعرفونه لأنها قد تقطّعت بهم الأسباب. فلمّا دعوا نظروا فإذا الورم بدأ يخفّ والزرقة تمّحي والألم يتناقص، ثم لم يمضِ يومان حتى شفيت الرِّجْل تماماً، وجاء الطبيب فلم يكد يصدق ما يراه.
وأنا لا أقول: اتركوا المريض بلا دواء واسألوا الله له الشفاء. ولا أقول: دعوا النار تمشي في الدار، لا تصبّوا عليها دلوَ ماء واسألوا الله الإطفاء. ولا أقول: اقعدوا لا تطلبوا الرزق وانتظروا أن يهبط عليكم الذهب من السماء.
стр. 80
لا، بل اتخذوا الأسباب كلها واعملوا ما استطعتم، ولكن اعلموا أن الأسباب لا تخلق النتيجة؛ فقد تُحضر لمريضك مَهَرة الأطباء وتشتري غالي الدواء فلا يشفى، ويشفى مريضٌ مثله بلا عناية ولا علاج. وتُعِدّ لأولادك أطيبَ الطعام فلا يهضمونه ولا يستفيدون منه، ويصحّ أولاد الفقراء وهم لا يأكلون إلا الخبز والبصل. وقد تفتح الدكانَ وتعد فيها أجود الأشياء وتبيع بأرخص الأسعار وتتخذ لذلك ألوان الدعاية والإعلان، فلا تربح إلا ألفاً، ويقع جارك على صفقة عارضة فيربح منها عشرة آلاف بلا دعاية ولا إعلان.
ذلك أن وراء الأسباب إرادةً عليا تصرّف هذا الكون، هي إرادة الله؛ فأنت حين تدعو الله تقول: يا الله، أنا عملت ما عليّ ولكن النفع والضرر بيدك وحدك، أنت إن شئت تجعل الدواء شافياً، وأنت تجعل إن شئت الطعام نافعاً، وأنت الرازق وأنت النافع، فاكتب لي النجاح وأجب السؤال.
فالأسباب لا تُنكَر، ولكن الدعاء هو أقوى الأسباب.
فإذا وصل الداعي إلى منزلة الاضطرار ويئس من الأسباب، وقنط من الخلق وعلق أمله بالله وحده، فإن الله يستجيب له كما استجاب لهذه الأسرة الأميركية. قال تعالى: ﴿أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ قَليلاً ما تَذَكّرون﴾. يجيب المضطرَّ ولو كان كافراً، فلقد كان المشركون إذا ركبوا البحر وغَشِيهم موجٌ كالظُّلَل يدعون الله دعوة المضطر فيستجيب الله دعاءهم وهم مشركون، بل إن إبليس نفسه
стр. 81
لما دعا الله ربَّه دعوة المضطر فقال: «ربّ أنظرني إلى يومِ يُبعَثون» قال: «إنك من المنظَرين»!
* * *
فيا أيها السامعون، إن سُدَّت الطرق أمامكم وضاقت عليكم الأرض فإن طريق السماء لا يُسَدّ أبداً، وإنّ كرم الله لا يضيق بسائل. وإذا كانت أبواب الملوك عليها الأقفال والحُجّاب فباب ملك الملوك مفتوحٌ دائماً. وإذا رأيتم أنهارَكم قد صارت سواقي وجنّاتكم أوشكت أن تغدو صحاري، وينابيعكم شحّت بالماء ومواشيكم هلكت من العطش، ورأيتم أنكم في تشرين والجوّ كأنه جوّ آب ما في السماء قطعة سحاب، فلا تقنطوا ولا تيأسوا، واعلموا أنه ليس بينكم وبين الفرج إلا أن تَمُدّوا أكفَّ الضراعة وتتوجهوا إلى الله بقلوب قد أخلصت التوبة وصدقت التوجّه وتقولوا: يا الله.
كلما دهمكم خَطْبٌ وابتغيتم المعونة فقولوا: «يا الله». وكلما أصابتكم شدة وفقدتم المساعد فقولوا: «يا الله». قولوا: «يا الله» تُحسّوا بأن قلوبكم قد غمرها الاطمئنان وبأن نفوسكم قد عاد إليها الأمل. ولكن لا تقولوها وأنتم مقيمون على المنكرات، تعصون الله وتنادون: يا الله! ولا تقولوها وأنتم ظالمون آكلون لحقوق الناس، ولا تقولوها تجربة لربكم، كما قال لي أمس أحد المشايخ: ألا تخاف أن نخرج إلى الاستسقاء ونحن علماء البلد، فلا ينزل المطر فيشمت الناس بنا؟ فقلت له: أرجو ألاّ تخرج، لأن الله لن يستجيب دعاءك ولا حاجة لنا بخروجك!
стр. 82
إننا نريد ناساً يخرجون معنا الجمعةَ القادمة للاستسقاء وهم يعلمون أنهم يُحيون سنّة ويقومون بعبادة، لا يفكرون بجاه ولا منزلة ولا يبالون بالناس. ولذلك كان من سنّة الاستسقاء أن يكون الخروج بالثياب العتيقة التي ليس فيها أناقة ولا مفاخرة، المقصود من ذلك أن نطرح الأنانية وحب الجاه ونخلص النية لله.
علينا أن ندعو ونتضرع، أما نزول المطر فبيد الله وحده، إن أنزله علينا فبرحمته لا بعملنا، وإن منعه فبذنوبنا وبهذه المنكَرات الفاشية فينا.
أفما سمعتم بحادثة بورسعيد التي روتها الجرائد كلها ومشى بحديثها الركبان؟ حين أشعل المستعمرون (أيام العدوان) الحرائق، وانحصرت فئة من المجاهدين في بقعة أحاطت بها من أطرافها كلها النار وعزّ منها الفرار، وأكلت النار كل شيء حتى التهبَ زفتُ الشارع ووصلت إليهم. وكان فيهم نفر قلائل سبّوا وشتموا، ولكن الأكثرين رجعوا إلى الله لمّا رأوا الموت، ورفعوا أعينهم إلى السماء حين قطعوا الأمل من الأرض، ونادوا نداء المضطر من قلوب قطعت علائقها بكل شيء ووصلتها بالله، يجأرون ينادون: يا الله!
وكان الصيف وكانت الشمس ساطعة زرقاء، فما هي إلا أن ضجّوا بالدعاء حتى تلبّدت السحب وهطلت الأمطار كأفواه القِرَب، وأطفأ الله النار. أنزل الله المطر لمّا دعوا بإخلاص واثقين من الإجابة. أمّا الذي يقول مثل الذي قال لي الشيخ أمس، لا يهمّه إلا الناس وأقوال الناس، فليطلب المطر من الناس.
* * *
стр. 83
إن كل إنسان يعود في ساعة الخطر مؤمناً، لأن الإيمان مستقر في كل نفس؛ عندما تغرق السفينة وتبقى وحدك على لوح من الخشب بين السماء والماء لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله»! وعندما تضلّ في الصحراء المقفرة ويحرق العطش جوفك، وترى الموت من كل مكان لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله»! وعندما يُزمِن المرض ويشرف المريض وينفض الأيدي الأطباءُ لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله»! وعندما تتعاقب سنوات القحط ويمتدّ انقطاع المطر وتغور الآبار وتشحّ العيون لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله»!
هنالك لا يبقى إلا الله، وهنالك ينسى الملحدُ إلحادَه والماديّ ماديتَه ويقول الجميع: يا الله!
ولكن لا تنتظروا ساعة الخطر لترجعوا إلى الله، فقد جاء في الحديث أن مَن دعا الله في الرخاء يستجيب له في الشدة. وإن على الداعي أن يدعو وهو واثق من الإجابة، فإن الله إن لم يعطِه ما سأل أعطاه غيره، والمرء لا يعرف مصلحته وقد يدعو بما فيه مضرّته، كالولد الذي يرى الدواء فيقول لأبيه: أريد منه. فالأب لمعرفته بمصلحته ورحمةً به لا يعطيه ما يضره. والله أرحم بعباده من الأب بولده، لأن الأب إذا سبّه ولده أو أساء إليه قطع عنه رِفْدَه وأعرض عنه، والبشر يسبّون الدين ويكفرون بالله وهو يطعمهم ويسقيهم ويعطيهم كل خير. فإذا دعوتم ولم تجدوا الإجابة فلا تيأسوا؛ فإن الله أعرف بما يصلحكم.
* * *
стр. 84
فيا أيها الناس، اكدحوا في الحياة واسعوا وجِدّوا وغامروا في هذه الدنيا وسابقوا الأمم، ولكن لا تعتمدوا على أنفسكم وحدها ولا تقطعوا الصلة بالله، بل كونوا معه دائماً، كونوا معه باتّباع أوامر الشرع، واجتناب المحرَّمات، وستر العورات، وابتغاء الصالحات.
كونوا كمن يخترق الصحراء بسيارته أو يقتحم الجوّ بطيارته أو يركب مَتن الموج بسفينته، يعتمد على نفسه وخبرته ودقة آلاته، ولكنه لا يرفع سماعة اللاسلكي عن أذنه، حتى إذا ضلّ أو خاف استنجد بمَن يهديه أو يحميه. واللاسلكي عندكم هو الدعاء.
ولكن لا تَدْعوا دعاء الكسالى الخاملين الذين يقعدون عن اتخاذ الأسباب ويتمنون على الله الأماني، ولا دعاء القوّالين الكذّابين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم والذين يريدون بدعائهم إعجاب الناس وإظهار سعة الحفظ وكثرة العلم. إن الدعاء الذي هو «لاسلكيّ» الأمان هو ما يصدر عن قلب حاضر ولسان صادق وثقة من الإجابة، أما الدعاء باللسان فقط -مهما كان الداعي جيد اللفظ بليغ العبارة واسع المحفوظ- فهو كمن يتكلم في سماعة الهاتف كلاماً جميلاً جيداً، ولكن الشريط مقطوع!
* * *
стр. 85
فطرة الإيمان
نشرت سنة ١٩٦٧
جاءني يوماً رجل أعرفه رقيق الدين، فقال لي: لقد أصابني البارحةَ مغصٌ موجِع جعلت أتلوّى من ألمه وحسبت أن أمعائي تقطعت منه، فرجعت إلى الله، فتبت من ذنوبي وعزمت على ألاّ أعود إليها.
ومثل هذا يقع لكثير من الطلاب أيام الامتحان، ولكثير من المرضى عند اشتداد الألم وعجز الطبيب؛ يعودون إلى ربهم ويُقبلون على عبادتهم. فهل سألتم أنفسكم: ما السبب في هذا وأمثاله؟ لماذا نجد كل مَن وقع في شدة يرجع إلى الله؟
نذكر جميعاً أيام الحرب الماضية والتي قبلها (١) كيف كان الناس يُقبلون على الدين ويلجؤون إلى الله، والرؤساء والقوّاد يَؤمّون المعابد ويَدْعون الجنود إلى الصلاة. ولقد قرأت في مجلة «المختار» (المترجَمة عن مجلة دايجست الأمريكية) مقالة نُشرت أيام الحرب لشاب من جنود المظلات -يوم كانت المظلات والهبوط بها شيئاً جديداً- يروي قصته فيقول إنه نشأ في بيت ليس
стр. 86
فيه من يذكر الله أو يصلي، ودرس في مدارس ليس فيها دروس للدين ولا مدرّس متدين، ونشأ نشأة «علمانية» مادية، أي مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف إلا الأكل والشرب والسّفاد، ولكنه لمّا هبط أول مرة ورأى نفسه ساقطاً في الفضاء قبل أن تنفتح المظلة جعل يقول: «يا الله، يا رب» ويدعو من قلبه. وهو يتعجب: من أين جاءه هذا الإيمان؟
وبنت ستالين نشرت من أيامٍ مذكراتها، فذكرت فيها كيف عادت إلى الدين وقد نشأت في غمرة الإلحاد، وتعجب هي نفسها من هذا المَعاد.
وما في ذلك عجب؛ فالإيمان بوجود الله كامن في كل نفس. إنه فطرة (غريزة) من الفِطَر البشرية، والإنسان «حيوان ذو دين». ولكن هذه الفطرة قد تغطّيها الشهوات والرغبات والمطامع والمطالب الحيوية المادية، فإذا هزتها المخاوف والأخطار والشدائد ألقت عنها غطاءها فظهرت. ولذلك سُمّي غير المؤمن «كافراً»، ومعنى الكافر في لسان العرب «الساتر».
ولقد وجدت تأييد هذه الفكرة في كلمتين متباعدتين في الزمان والمكان والظرف والقصد، ولكنهما متقاربتان في المعنى. كلمة لعابدة مسلمة تقية معروفة هي رابعة العدوية، وكلمة لكاتب فرنسي ملحد معروف هو أناتول فرانس.
أناتول فرانس يقول في معرض كفره وإلحاده إن المرء يؤمن إذا ظهر بنتيجة فحص البول أنه مصاب بالداء السكري (يوم لم يكن قد عُرف الأنسولين). ورابعة قيل لها: إن فلاناً أقام ألف دليل على
стр. 87
وجود الله. فضحكت وقالت: دليل واحد يكفي. قيل: وما هو؟ قالت: لو كنت ماشياً وحدك في الصحراء وزُلّت قدمك فسقطت في بئر لم تستطع الخروج منها، ماذا تصنع؟ قال: أنادي «يا الله». قالت: ذاك هو الدليل.
في قرارة نفس كل إنسان الإيمان بالله؛ هذه حقيقة نعرفها نحن المسلمين لأن الله خبّرنا أن ذلك فطرة فطَرَ الناسَ عليها، وقد عرفها الإفرنج من جديد.
دوركايم، أستاذ الاجتماع الفرنسي المشهور، له كتاب في أن الإيمان بوجود إله بديهية.
هل تعرفون ما البديهية؟ هي القضية التي لا تحتاج إلى دليل لأن كل العقول على اختلاف الأزمنة والأمكنة تقول بها. «الجزء أصغر من الكل»، هذه بديهية. مَن يشك أن الرغيف أكبر من نصف الرغيف؟ الطفل إذا أخذتَ منه قطعة حلوى وأعطيته نصف قطعة يبكي، إنه يعرف أن الجزء أصغر من الكل لأنها بديهية.
وكذلك وجود الله؛ لا يمكن أن يعيش الإنسان ويموت من غير أن يفكر في وجود إله لهذا الكون. ربما يقصر عقله فلا يهتدي إلى المعبود بحق فيعبد من دونه أشياء، ولكنه يعبدها على توهّم أنها هي الله أو أنها تقرّب إلى الله، ثم إذا جَدّ الجِدّ وكانت ساعة الخطر رجع إلى الله.
مشركو قريش كانوا يعبدون هُبَل واللات والعُزّى. أتعرفون ما هُبل؟ صنم من العقيق جاء به عمرو بن لحيّ من الشام، من
стр. 88
الحِمّة التي فيها الينابيع المعدنية (١)، قالوا له إنه عظيم قادر فحمله على جمل وجاء به، فسقط على الطريق فانكسرت يده فعملوا له يداً من ذهب.
إله تنكسر يده! وكانوا مع ذلك يعبدونه. يعبدونه في ساعات الأمن، فإذا ركبوا البحر وهاجت الأمواج ولاح شبح الغرق لم يقولوا: يا هُبَل، بل قالوا: يا الله.
وهذا مشاهَد إلى اليوم؛ عندما تغرق السفن أو تشب النيران أو يكون الخطر أو يشتد المرض، تجد الملحدين يرجعون إلى الدين. لماذا؟ لأن الإيمان غريزة، وأصدق تعريف للإنسان أنه «حيوان مؤمن».
وانظروا إلى هؤلاء الملحدين الماديين عندما يأتيهم الموت. هل تظنون أن ماركس ولينين لمّا أيقنا بالموت دَعَوا «وسائل الإنتاج» التي يؤلّهانها أم دَعَوا الله؟
ثقوا أنهما لم يموتا حتى دعوا الله، ولكن حين لا ينفع الدعاء. وفرعون تكبر وتجبر وقال: أنا ربكم الأعلى! فلما أدركه الغرق قال: آمنتُ بالذي آمنَت به بنو إسرائيل. آمن في الساعة التي لا يفيد فيها الإيمان.
* * *
قالوا: «الطبيعة»، الطبيعة أوجدت الإنسان، الطبيعة وهبت الغريزة للإنسان. قلنا: ما الطبيعة؟ كلمة «الطَبيعة» في اللغة معناها
стр. 89
«مطبوعة» (١)، فمَن طبعها؟ قالوا: الطبيعة هي المصادفة، قانون الاحتمالات.
هل تعرفون ما مثال هذا الكلام؟ إنه مثال اثنين ضاعا في الصحراء، فمرّا على قصر كبير عامر، فيه الجدران المزخرفة المنقوشة والسجاد الثمين والساعات والثُرَيّات. فقال الأول: إن رجلاً بنى هذا القصر وفَرَشه. فردّ عليه الثاني وقال: أنت رجعي متأخر، هذا كله من عمل الطبيعة. قال: كيف كان بفعل الطبيعة؟ قال: كان هنا حجارة فجاءها السيل والريح والعوامل الجوية فتراكمت، وبمرور القرون وبالمصادفة صارت جداراً. قال صاحبه: والسجاد؟ قال: أغنام تطايرت أصوافها وامتزجت، وجاءتها معادن ملوِّنة فانصبغت، وتداخلت فصارت سجّاداً. قال: والساعات؟ قال: حديد تآكل بتأثير العوامل الجوية وتقطع وصار دوائر وتداخل، وبمرور القرون صار على هذه الصورة.
ألا تقولون: إن هذا مجنون!
* * *
يا سادة، إن الإيمان بالله موجود في قرارة كل نفس، ولكن هل يكفي أن نعتقد بوجود الله وأنه خالق كل شيء لنكون مؤمنين؟ إذا جاءك إنسان يقول إنه يؤمن بأن الله هو رب العالمين وهو خالق كل شيء وهو الذي تقوم به الكائنات كلها، هل تعده مع المؤمنين؟
стр. 90
إن العرب الذين كانوا في مكة والذين حاربهم رسول الله ﷺ وسفّهَ عقائدَهم والذين سمّاهم القرآن مشركين كانوا يؤمنون بذلك، ويعترفون بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله. فلو كان هذا الاعتراف يكفي وحده لكانوا مؤمنين لا مشركين. فإذا جاءك هذا الإنسان يقول لك إنه يؤمن أيضاً بأن الذي يملك الموت والحياة ويتصرف في هذا الكون، ويعطي ويمنع ويضر وينفع، هو الله. هل تقول إنه صار من المؤمنين؟
لا، بل لا بد من شرط ثالث؛ هو أن يسلك سلوكاً يوافق هذا الإيمان، فتكون عبادته لله وحده، لا يشرك معه أحداً فيها ولا يجعل وسيطاً يعبده معه ليقربه إليه. قال تعالى: ﴿قُل أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ، مَلِكِ النّاسِ، إلهِ النّاس﴾.
لقد علمني الله في تفسير هذه السورة معاني لم أجدها في كتاب من كتب التفاسير؛ هي أن الله قال ﴿رَبّ الناس﴾، ﴿مَلِك النّاس﴾، ﴿إله النّاس﴾، ما قال: رب الناس وملكهم وإلههم، إشارة إلى أنها ثلاث حقائق، كل حقيقة قائمة بذاتها مستقلة عن الأخرى، وكلها حق وصدق، وأنتم -يا معشر قريش- تؤمنون بأنه رب الناس وأنه ملك الناس، ولكنكم ترفضون أن تؤمنوا بأنه إله الناس. فلماذا تفرّقون بين قضايا متماثلة؟
إنها حقائق ثلاث سواء في الثبوت والصحة، فلماذا تصدقون باثنتين منها ولا تصدقون بالثالثة؟ مع أن مَن آمن بأن الله رب الناس وملك الناس لزمه لزوماً عقلياً أن يؤمن بأنه إله الناس، فلا يتخذ معه إلهاً غيره ولا يوجّه إلى غيره قليلاً أو كثيراً من معاني العبادة ومظاهرها.
стр. 91
ولعلي أعود -إن شاء الله- إلى عرض المعاني التي انجلت لي عند تلاوة هذه السورة، التي لا يتنبّه لروائع معانيها إلا الأقل الأقل من العلماء (١). وما أقول هذا فخراً ولا ادّعاء، فما أنا إلا طالب علم صغير، ولكن الله ربما منّ على الصغير فكشف له ما يخفى مثله على العالم الكبير.
* * *
стр. 92
عبرة السيرة
نشرت سنة ١٩٣٨
إن مئة ألف قارئ في مشارق الأرض ومغاربها سيأخذون غداً العدد الممتاز من «الرسالة» وسيقرؤونه، وسيحيي في نفوسهم هذه الذكرى العظيمة المحبوبة التي نقف عندها في كل رأس عام هجري كما يقف المُصْحِر في واحة مخضَرّة ظليلة، ننشق منها عبير المجد ونتسمّع أغاريد النصر، ونجتلي في طلعتها طيف الأيام الباسمة التي كان من قُطوفها ألف معركة ظافرة حملت غارَها الرايةُ الإسلامية، وألف مدرسة وألف مكتبة نالت فخارَها وجنت ثمارَها البلادُ الإسلامية، وكان من حصادها هذه الحضارة التي نعمت في أفيائها الإنسانية، وكانت إحدى الحضارات العالمية الثلاث، بل كانت أسماها -من غير شك- وأحفلها بالعظمة والفضيلة والحق.
نقف كل عام لنُحْيي ذكرى الهجرة ونُحَيّيها، فنكتب فيها ونقرأ ونذكر ونتأمل، ونرتفع على جناح هذه الذكرى إلى جوّ عالٍ من العظمة والفضيلة والشرف نبقى فيها ما بقي المحرَّم، فإذا مرّ مر معه كل شيء: صوّحت الآمال وهجعت الذكريات، وعدنا نتخبط في سواد اللجّة؛ لا نربح من هذه الذكرى إلا ما
стр. 93
يسيل على أقلام أولئك الأعلام البلغاء من طرائف البيان يحويها عدد «الرسالة» الممتاز، ولا نفيد من المحرَّم إلا ما قد نقرؤه في الصحف والمجلات من القصص والقصائد والمقالات.
وكثيرٌ مما يُكتب في العدد الممتاز وبعضٌ مما ينشر في الصحف والمجلات قيّم ثمين، نعتدّه ثروةً جديدة تُضَمّ إلى آدابنا الغنية الحافلة بثمرات القرائح الخصبة الممرعة في الأعصار الطويلة، ولكن ذلك لا يكاد يجدي علينا في نهضتنا إذا نحن لم نُحيِ هذه الذكرى إحياءً، ونكتبها مرة ثانية على صفحات الوجود، ونأخذ منها عبرة تنفعنا في نهضتنا. وهذا ما أنشئ له العدد الممتاز، وهذا ما يُراد من إصداره.
وفي هذه السيرة من القوة والسموّ والحياة ما يغذّي عشرين نهضة ويَمُدّها بالقوة، لا تدانيها في هذا سيرةٌ في التاريخ ولا تشبهها؛ بل إن هذه السيرة أعجوبة التاريخ ومعجزته، وهي خيال بالغت الدنيا في تزيينه وتزويقه وأودعته مُثُلها العليا كلها، فجعله الله حقيقة واقعة.
ولقد قرأت هذه السيرة مراتٍ اللهُ أعلم بعددها في كتب لا أكاد أحصيها، ثم عدت اليوم أقرؤها لأجد في ثَنِيّة من ثناياها قصة مطوية أو حادثة مختبئة أبني عليها فصلاً أكتبه للعدد الممتاز، وفي ظني أني لن أسير في قراءتها إلا قليلاً حتى أملّها وأعزف عنها، لأني لا أجد فيها -وقد قرأتها حتى حفظتها- خبراً جديداً. وأقسم أني لم أَسِرْ فيها غيرَ قليل حتى أحسست بلذة فنية تمتلك عليّ أمري وتستأثر بنفسي، كاللذة التي أحسها عندما أقرأ الأثر الأدبي البارع لأول مرة، وتغلبني حتى تضطرني أحياناً إلى قطع القراءة
стр. 94
لأمسك بقلبي الواجب أو أمسح عيني المستعبرة، أو أصغي إلى صوت الحق في ضميري ومنادي الفضيلة في قلبي.
ثم أسير فيها، فأنتقل من اللذة الفنية والشعور بالجمال إلى شيء أعلى من الفن وأسمى من الجمال؛ أحس بحلاوة الإيمان. وإن للإيمان لَحلاوة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، فمن عرف درى ما أقول، ومن جهل لم يرَ إلا حروفاً فارغة من المعنى. وإذا جاء الإيمان جاءت معه البطولة بأروع أشكالها والتضحية بأعجب أنواعها، وجاء معه الصبر والإيثار والقوة والشعور وكل فضيلة من فضائل البشر، وكذلك كانت حياة أصحاب هذه السيرة.
كانت حياةً أسمى وأجمل من كل حياة عرفتها أو قرأت عنها أو تخيلتها: معرفة للغاية التي خلق الله الناس من أجلها، وجهاد في سبيل هذه الغاية، وجري على هذا الجهاد، وترفّع عن خُدَع الحياة وألاعيبها، واتصال بالله يكاد والله يرفعهم من رتبة الإنسانية إلى رتبة الملائكة، ويخرج بهم من ثوب الجسم المادّي حتى يكونوا روحاً خالصاً.
عرفوا ما هي الغاية من الحياة وفهموها، على حين جهل الناس هذه الغاية فهم يسألون أبداً: لماذا نعيش؟ أو خُدعوا عنها بغايات دنيئة قريبة. أما هؤلاء الغربيون فحسبوا أن الغاية من الحياة هي الحياة. جعلوا السبب هو المسبَّب والوسيلة هي الغاية، فعمدوا إلى ترفيه الحياة واستخدموا لأجل ذلك ما قدروا عليه، فصارت حضارتهم آلية جامدة، وصاروا لطول ما اشتغلوا بالحديد والنحاس يفكرون بعقول من حديد ونحاس، وانقطعت صلتهم
стр. 95
بالروح وانبَتّوا مما وراء المادة. وأما هؤلاء المشرقيون، من الهنود وأمثالهم، فساروا على الضد وأهملوا الجسم وعاشوا للروح، فظنوا بأن غايةَ الحياة الفناءُ في المطمح الروحي، فقتلوا أجسامهم وأعرضوا عن دنياهم، وأغرقوا أعمارهم في تأمل لا أوّل له ولا آخر، ولا جَدا منه ولا منفعة. أما الفلاسفة فكان منهم الماديون الذين بلغ من رقاعتهم أن أنكروا الروح إنكاراً وجحدوا الله، وقال متكلمهم: إن الدماغ يفرز الفكر كما تفرز الكبدُ الصفراءَ. فجعل الفكرَ مادة سائلة! ومنهم الروحيون الذين كانوا أصحّ نظراً وأدنى إلى الحق، ولكنهم لم يصلوا إليه، تساءلوا منذ بدؤوا يفكرون: لماذا نعيش؟ ولا يزالون مختلفين يتساءلون هذا السؤال الذي عرف المسلمون وحدهم جوابه حين قرؤوا قول الله الذي أنزله على عبده ورسوله: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدونِ﴾.
استدّل المسلمون بالمخلوق على الخالق، وأرشدهم الله إلى عظمة هذا الكون (المكوَّن) فعرفوا منها ما لم يعرفه أصحاب الفلك من العلماء الماديين. غايةُ ما يعرف هؤلاء أن بيننا وبين الشمس كذا وأنها أكبر من أرضنا هذه بكذا، وما بين مشرق نجم منها ومغربه أضعاف أضعاف ما بين الشمس والأرض، وغاب عنهم ما بَعُدَ من النجوم ووقفت دون رؤيته نظّاراتهم ومكبّراتهم وعجزت عن الإحاطة به عقولهم وتصوراتهم، فسمّوه فضاءً غيرَ مُتَناهٍ. كما يظن الطفل أن البحر لا ينتهي وليس له آخر! وهل شيء ليس له آخر إلاّ مَن هو الأول والآخر؟
* * *
стр. 96
أما المسلمون فعرفوا أن وراء هذا الفضاء مخلوقاً عظيماً، يحيط به كالسقف المرفوع، تهون عنده هذه الكواكب العظيمة وتَضْؤُل لأن له من الكِبَر والجلال ما لا نجد في لغتنا هذه التي وُضعت لهذه الأرض الحقيرة كلمةً تدل عليه؛ هذا المخلوق هو السماء الدنيا، ومن فوقها ستّ سماوات أخرى طِباقٌ بعضها فوق بعض، ومن فوقها أشياء أجلّ وأكبر لا تكاد هذه السماوات تُعَدّ -إذا قيست بها- شيئاً؛ هي العرش والكرسي، وهناك الجنة، عرضها السماوات كلها والأرض.
هذه هي المخلوقات التي كانت بكافٍ ونون، فما ظنك بالمكوِّن الباقي؟ ومن عرف هذا الجلال للمخلوق كيف يكون إجلاله للخالق؟ وهل يجد لحياته غاية إلا الاتصال به وعبادته؟ وهل يقف به عقله وهمّته في هذه الأرض؟ أي شيء هي الأرض في هذا الكون؟ ما هي في جَنْب الله؟
فهموا عقيدة القضاء والقدر أصحَّ فهم وأجودَه. وعقيدةُ القدَر محنة العقل البشري، تَزِلّ فيها العقول الكبيرة وتَضِلّ المدارك العالية، فكان فهمهم إياها أعونَ شيء لهم على ما وُفِّقوا إليه من عمل وأمضى سلاح بلغوا به ما بلغوا من ظفر؛ علموا أن كل شيء بخلق الله وبعلمه، ولكن الله لم يَضطرَّ أحداً إلى الخير اضطراراً ولم يجبره على الشر إجباراً، وإنما أعطاه العقل المميِّز ودلّه على الطريقين المختلفين، وقال له: هذا إلى الجنة والسعادة وهذا إلى النار والعذاب، وتركه وعقله. وأنه قدّر الأرزاقَ فلا زيادة ولا نقصان، وحدد الآجال فلا تقديم ولا تأخير، فما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوّتك؛ وإذا جاء
стр. 97
أجلك فلا تستأخر لحظة ولا تستقدم، رُفِعت الأقلام وجَفّت الصحف. فمضوا لا يهابون الموت في سبيل الله ولا يخافونه، لأنهم آمنوا بأن المرء ليس أدنى إلى الموت وهو في غمار المعركة الحمراء منه وهو في بيته بين أهله وولده.
ولكن المسلمين الأولين لم يُلقوا بأيديهم إلى التهلُكة اعتماداً على أن الأجل محدود، ولم يُعرضوا عن سنن الحياة التي لا تجد لها تبديلاً، بل اتبعوا قوانين الوجود وساروا على نهج الحق، وحرصوا على الحياة حين يكون الواجب داعياً إلى الحياة، ورضوا بالموت حين يدعوهم الواجب إلى الموت، ولم يعرفوا هذا التوكل السخيف فيناموا ويتقاعسوا عن العمل، لأنهم علموا أن السماء لا تُمطر ذهباً ولا فضة ولكن الله يزرق الناس بعضهم من بعض. وقرؤوا في القرآن قول الله الذي أنزله على عبده ورسوله: ﴿فإذا عَزمْتَ فتَوَكّلْ عَلى الله﴾، فعزموا على العمل وتوكلوا فلم يتكاسلوا عنه، ولم يتكالبوا على الدنيا، وجدّوا كل الجدّ ولكنهم لم يطلبوا شيئاً إلا من طريقه المشروع، وعملوا لدنياهم كأنهم يحيون أبداً ولكنهم عملوا لآخرتهم كأنهم يموتون غداً.
عرفوا هذه العقيدة على وجهها فكانوا أعزَّ الناس على الناس، ولكنهم كانوا أذلّهم لله وللمؤمنين. وكان منهم أزهد الناس وهو أغناهم لأن المال كان في يده لا في قلبه؛ وكان منهم الملك الزاهد والعالم الغني والفقير العزيز، وما شئت من خصلة من خصال الخير إلا وجدتها فيهم.
كانوا إذا قرؤوا في الصلاة قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ
стр. 98
نَسْتَعينُ﴾ كانوا صادقين، لا يعبدون إلا الله ولا يستعينون إلا به؛ لا يسألون غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعينون بالأموات الذين عجزوا عن معونة أنفسهم. لقد قرأت السيرة وتلوت القرآن فلم أجد في القرآن إلا أن محمداً ﷺ بشر كسائر البشر في تركيب جسمه وصحته ومرضه وطبيعة فكره وخطئه وصوابه، ولكن الله اختاره للرسالة الكبرى فعصمه من كل ما يُدخل الخطأ على الرسالة أو يؤدي إليه أو يشين الرسول، فكان صادقاً مصدَّقاً، لا ينطق عن الهوى ولا يقول إذا بلّغ عن ربه إلا الحق، ولا يشرّع من الدين إلا ما أذن به الله. وكان منزَّهاً عن الذنوب والمعايب التي لا يليق بصاحب الرسالة أن يتصف بها، فإذا جاوز الأمر تبليغ الرسالة وما يتصل بالدين إلى أمور الدنيا فهو بشر يخطئ ويصيب، وإن كان من أكثر الناس صواباً وأقلهم غلطاً لأنه كان أكمل الناس عقلاً وأثقبهم بصيرة. وما دام بشراً فإنه يموت إذا جاء أجله، وإنه الآن ميت ليس حياً في قبره كما يظن الجَهَلة من العوام وأشباه العوام، وقد قال الله ذلك في كتابه وقاله أبو بكر صاحب الرسول وصدّيقه على منبر الرسول في مسجده بحضرة أصحابه وعترته. أما الذي قاله عمر ساعةً من نهار فإنما كان مصدره الألم المفاجئ والحب الطاغي على الفكر، فلما سمع من أبي بكر ما سمع لم تحمله رجلاه فسقط.
قرأت السيرة من ألفها إلى يائها فلم أجد أحداً من المسلمين دعا الرسول أو لجأ إليه إذا حاق به الخطب الذي لا يقدر البشر على دفعه، وإنما كانوا يلجؤون إلى الله ويدعونه، لا يقولون مقالة البوصيري:
стр. 99
يا أكرم الرُّسْل، ما لي مَن ألوذ به ... سواكَ عند حُلول الحادث العَمَمِ
ولا قول الآخر يخاطب عبد الله ورسوله بهذا الخطاب الذي لا يخاطب به مؤمنٌ إلا الله وحده:
يا أكرم الرسل على ربه ...
عجِّلْ بإذهابِ الذي أشتكي ... فإنْ تأخّرْتَ فمَن أسألُ؟
لا يدري مَن يسأل إذا تأخر رسول الله ﷺ بإذهاب الذي يشتكي وهو يقرأ كل يوم سبع عشرة مرة (على أقل تقدير): ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعين﴾!
ولم أجد صحابياً لجأ إلى الرسول ﷺ بعد موته يستشيره في أمر أو يراه في منام فيبني على رؤياه حكماً ويأخذ منها علماً، ولقد اختلفوا على الخلافة والنبيُّ ﷺ مسجَّىً في بيته لم يُدفَن، فما فكروا أن يلجؤوا إليه وأن يستشيروه. وهل يُستشار الميت؟
صدّقوا بإمكان المعجزات والكرامات، وهي ممكنة والإيمانُ بإمكانها من أصول الدين، ولكنهم لم يكونوا يفهمونها على نحو ما نفهمها اليوم. ولم أجد للصحابة -وهم أفضل المسلمين- مثل هذه الكرامات التي نقرأ حديثها ونسمعه كل يوم!
ووجدت كتب السيرة كلما تأخر بها الزمن زادت فيها أحاديث المعجزات حتى بلغت هذه الموالد العامية، مولد البرزنجي وشبهه، التي جاء فيها ما نصه: "ونطقت بحمله ﷺ كل دابة لقريش بفصيح الألسن القرشية"، "وتباشرت
стр. 100
به وحوش المشارق والمغارب"، "وحضرت أمَّه ليلةَ مولده آسيةُ ومريم في نسوة من الحظيرة القدسية"!
* * *
وقرأت السيرة كلها ودقّقت في كل سطر منها فما شممت رائحة اختلاف بين المسلمين، لا في العقيدة ولا في المذهب ولا في الطريقة، وإنما المسلمون كلهم إخوة في أسرة واحدة عقيدتهم واحدة، عقيدة بلغت من الوضوح واليُسر والبساطة إلى حيث لا تدع مجالاً لاختلاف. وهل يُختلَف في أن الواحد يساوي الواحد؟ هذه هي عقيدتنا، ولكن المتكلمين أدخلوا فيها مسائل ليست من العقيدة في شيء، وملؤوا بها كتبهم التي عقّدوا فيها هذه العقيدة حين حشوها بحكاية كل مذهب مخالف والرد عليه. وجئنا نحن نزيد البلاء بلاء حين نحفّظ الطلابَ هذه المذاهب والردّ عليها وقد انقرض أصحابها منذ دهور!
أما هذه الطرق الصوفية فليست في أصل ولا فرع ولا تكاد تمشي مع المأثور من الذكر، وإن أكثرها مَسْخَرة ولهو ولعب: رقص سمّوه ذكراً وغناء دعوه عبادة! فما أدري ألَهُم أنبياء بعد محمد أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ وإلا فما بال هذه الحَمْحَمات وهذه الدَّمْدَمات وهذه الطامّات المخزيات التي نشهدها في تكيّة الدراويش المولوية وأشباهها من دور أصحاب الطرق؟
ولقد قرأت السيرة كلها وأجهدت نفسي لأجد شيئاً من الأشياء أو مكاناً من الأمكنة قدّسه المسلمون وتبرّكوا به، فلم
стр. 101
أجد إلا ما كان من تقبيل الحجر الأسود أو استلامه، وقول عمر: «إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك». وأجد في السيرة أن النبي ﷺ كان -وهو يعاني آلام مرض الموت- ينهى عن اتخاذ القبور مساجد، فأعجب من حال المسلمين اليوم إذ لا أرى مسجداً كبيراً إلا بُني على قبر أو كان فيه قبر.
* * *
هذا قليل من كثير عرضته مثالاً لما في السيرة من عبرة تنفعنا في نهضتنا ودرس يفيدنا في حاضرنا، فكرت قبل عرضه وترددتُ، ثم آثرت إرضاء الحق ومصلحة الأمة، ففتحت هذا الباب لندخل إلى هذه السيرة العظيمة، فلا نخرج منها إلا بالحياة والعز والمجد والمزايا التي تعيد للأمة الإسلامية مكانتها في الدنيا.
(بيروت)
* * *
стр. 102
بين الدّنيا والآخرة
حديث أذيع من مكة سنة ١٩٦٦
[يقول لي السامعون: إنك تتكلم دائماً عن نفسك. أنا ما أتكلم عن نفسي حباً بنفسي، ولكنه أسلوب من أساليب البيان. ثم إنني حين أتكلم عن نفسي أتكلم عن أكثر النفوس، وهاكم الدليل في حديث اليوم، فانظروا تروا أن ما شعرت به وجئت أصفه لكم هو ما يشعر به كل واحد منكم ويريد أن يسمع وصفه.]
أنا أسكن في عمارة كبيرة فيها عشرة طوابق، في كل طابق أكثر من عشرة منازل. وقد كانت فارغة إلا من قليل من السكان، فلما كان الحج امتلأت غُرَفها ورِحابها وممرّاتها، فكان في كل غرفة عشرة أو عشرون، وفي الرّحَبات أناس يقعدون وينامون، وفي الممرات وعند الأدراج ناس من جميع الأجناس، يتكلمون بكل لسان ويتراءون في كل زيّ؛ هنود وجاويّون وأتراك ومغاربة وشاميون وعراقيون، فما كنت أستطيع أن أصل إلى المصعد من الزحام ولا أن أمرّ إلى البيت من كثرة الناس.
فإذا دخلت البيت وجدت حشداً آخر؛ ستّ أسر وأربعة
стр. 103
أجيال، فيهم البنت وأمها وجدّتها وأم جدّتها، إي والله، وما فيهم غريب؛ ما فيهم إلا بنت أو صهر أو حماة أو حفيد (١). وكنت أُعِدّ هذا الحديث في هذا الجو، فتصوروا كيف يمكن التفكير في هذه الحال.
هذا ما كان. أما ما هو كائن الآن فقد خلت الدور ورحل الحُجّاج وفرغ البيت، فصرت أركب المصعد وحدي وأمرّ إلى الدار فلا ألقى أحداً، وأدخل البيت فلا أحسّ إلا الفراغ والسكون. فماذا تظنون أني شعرت؟
شعرت بالراحة بعد التعب والهدوء بعد الضجة؟ لا والله؛ بل شعرت بالوَحشة والفراغ. وما منكم إلا من كان في داره أو في جواره حجّاج، ورحلوا فخلت منهم الدار ونأى المَزار، أفما شعرتم بمِثْل هذه الوحشة وهذا الفراغ؟
* * *
أما فكّرتم فرأيتم أن هذا هو مثال الدنيا؟ ناس يعيشون معاً، يأكلون ويشربون ويختصمون ويصطلحون، ثم يفترقون كأنهم ما التقَوا ويرحلون كأنهم ما أقاموا.
стр. 104
كان يجتمع على المصعد الجاوي والليبي والتركي والهندي والشامي والمصري، فأين هم الآن؟
لمّا جئت السنةَ الماضية إلى المملكة ركبت من بيروت، وكان معي أخي ناجي، فقعدنا في المقصف (البوفيه) نأكل شيئاً قبل السفر ونشرب الشاي. وكان المقصف ممتلئاً بالناس، كراسيّهم مزدحمة يكاد الكرسي يمسّ الكرسي، وكلٌّ يأكل ويشرب كما كنا نشرب ونأكل، فإذا بالمكبّر يخرج منه الصوت: "ركاب الطيارة الهولندية المسافرون إلى جزيرة جاوة"، فيترك ناسٌ طعامَهم وشرابهم ويقومون، ثم ينادي ركابَ الطائرة البريطانية المسافرة إلى لندن فيقوم ناس، ثم ينادي ركابَ الطائرة البلجيكية المسافرة إلى الكونغو وطائرة البان أميركان المسافرة إلى نيويورك ...
فرأيت أن هذا هو مثال الدنيا: ناس يعيشون، يأكلون ويشربون ويجمعون الأموال ويحرصون عليها ويظنون أنهم خالدون، لا يدرون متى يخرج النداء يدعو هذا أو يدعو ذاك، فمَن دُعي ترك كل ما كان فيه وأسرع؛ لا يأخذ معه إلى الطيارة مائدةَ المطعم ولا كرسيّ القهوة، بل يتركها ليأتي غيره فيجلس عليها، لا يأخذ معه إلا حقيبته؛ إن كانت حقيبته معدَّة معلقة حملها وسار، فإن كان عند وصول الطيارة مفرَّقَ الأمتعة لم يجمع أمتعته ولم يُعِدّ حقيبته، اضطرّ أن يدعها ويرحل بغيرها.
فإذا أردتم أن تحملوا معكم من حسناتكم حينما تُدعَون الدعوة التي لا بدّ منها للقاء ربكم فكونوا مستعدين. وكما يجمع المسافر متاعه في الحقيبة ليحملها ويمشي، يستعدّ المرء بالتوبة
стр. 105
وقضاء الحقوق؛ فكونوا دائماً في حال التوبة، انظروا كل يوم فيما اقترفتم من سيئات فتوبوا إلى الله منها، وإن كان عليكم حقوق فأدّوها حتى تكونوا مستعدين، فإذا دُعيتم إلى ذلك السفر الذي لا بدّ منه، السفر إلى الآخرة، كنتم دائماً متهيئين له.
وكما كان الناس في مطار بيروت قاعدين معاً ثم أُخذوا، هذا إلى حَرّ الكونغو وهذا إلى وَحشة الصحراء وهذا إلى ملاهي باريس، كذلك يكون الناس في الدنيا؛ يكونون متجاورين في المساكن مشتركين في التسابق إلى خيرات الدنيا والحرص عليها، وإذا بهم يُدعَون فجأة، فيذهب هذا إلى النعيم المقيم وهذا إلى العذاب الأليم.
أما رأيتم «عرفات» يوم الموقف؟ أما بقيتم على الطريق منها إلى مِنى أو إلى المزدلفة ساعات لا تستطيعون أن تمروا رغم كثرة الطرق وسعة الشوارع؟ اذهبوا إليها الآن ترَوا فضاءً خالياً وسكوناً بالغاً وقَفرة ما فيها أحد.
أين تلك الخيام ومَن كان تحتها وأين تلك السيارات ومن كان فيها؟ لقد كانت الخَيمة تكاد تلتصق بالخيمة والسيارةُ تكاد تلمس السيارة، فأين أولئك الناس؟ إن أهل خيمة من هذه الخيم يعيشون الآن في دهلي أو لَكْنَو، وأهل الخيمة التي تجاورها يقيمون في السنغال أو نيجيريا، وركاب سيارة في إسطنبول وركاب السيارة التي كانت إلى جنبها في فاس!
* * *
стр. 106
يا إخوان، كنتم كلما أزمعتم أمراً أو طلبتم من أحد شيئاً قلتم لأنفسكم أو قيل لكم: بعد الحج. وكنتم تترقبون الحج، منكم مَن يرتقبه ليستقبل أهله ويلقاهم، ومَن يرتقبه ليربح من ورائه مالاً ويبيع بضاعة، ومنكم من يرتقبه للثواب. فها هو ذا الحجّ قد انقضى، ولقيتم الأقرباء والأهل ثم فارقتموهم، وربحتم المال وستنفقون ما ربحتم من مال، ونال منكم مَن نال مِن الثواب.
وكذلك الحياة؛ أيام تمرّ وسنون تكرّ، ومستقبل يصبح حاضراً وحاضر يصير ذكرى، ثم يُطوى الزمان ويذهب الماضي والحاضر ولا يبقى إلا أمل واحد في مستقبل واحد: جنة فيها النعيم المقيم أو نار فيها العذاب الأليم.
فاعملوا لذلك المستقبل.
* * *
стр. 107
النفس الأمّارة بالسوء
والنفس اللوّامة
نشرت سنة ١٩٦٢
سألني سائل عن الشيطان: هل هو النفس ذاتها أم أن الشيطان غير النفس؟ وإن كان الشيطان غير النفس فما هي النفس الأمّارة بالسوء؟
وأنا أعتذر إلى القراء من ذكر مثل سأسوقه كنت قد ذكرته من قبل، وعذري أن من المعاني ما لا بد من تكراره لتكرر مناسباته، وأنا أكتب من خمس وثلاثين سنة وأخوض في موضوعات كنت خضت فيها من قبل، فآتي بما كان القراء قرؤوا لي مثله. وإن كنت لا أعيد شيئاً بحروفه وكلماته ولكن أعرض المعنى كل مرة من جانب، وهذا شيء لا يقدح بالبلاغة لأن القرآن -وهو كلام الله الذي لا يتعلق بغباره أبلغ كاتب- أعاد قصة موسى مثلاً غير مرة يوجّهها كل مرة الوجهة التي تناسب المقام.
ومن يقرأ هذا الاستطراد الطويل يظن أني أعيد هنا مقالة كاملة منشورة، وما أعدت إلا المثل الآتي وحده، ولكن أطلت هذا الاستطراد ليكون معذرة لي في هذه وفي أمثالها حينما يجد القراء لها أمثالاً.
стр. 108
وبعد، فهذا هو المثال الذي مهدت له بهذا الاعتذار: إذا سمعت رنين الساعة المنبِّهة في فجر يوم من أيام الشتاء الباردة يدعوك إلى القيام إلى الصلاة، تتصور مشقة القيام وبرد الصباح وتجد لذة النوم ودفء الفراش، فتحسّ كأن صوتاً من داخلك يناديك أن: نَمْ فإنّ في الوقت فسحة. فتميل إلى مواصلة المنام، فتسمع صوتاً آخر يهتف بك أن: قُمْ فإن الوقت ضيق والصلاة خير من النوم. فيعود الصوت الأول يقول لك: استمتع بالدفء والراحة لحظات أخرى. فيرجع الأول يذكّرك بثواب الطاعة وعقاب المعصية. ولا تزال بين «قُم»، «نَم»، «قُم»، «نَم»، تتعاقبان مثل دقات الساعة، حتى تعزم فتَثب عند واحدة من دقّات «قُم»، أو يغلبك الهوى ويطول بك التردد حتى تطلع الشمس وتفوتك الصلاة.
ولهذا المثال الذي كررتُه أمثلة لا تحصى تعرفها من نفسك؛ إذا كنت شاباً وعرضَت لك في الطريق فتاة فتّانة من هؤلاء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وسمعت صوتاً من داخلك يقول لك: انظر إليها، ما أجملها! وصوتاً يقول لك: لا، دعها، فإن لك النظرة الأولى التي لا بدّ منها وعليك ما بعدها. وإذا عُرض عليك مال حرام تحسّ صوتاً يدعوك إلى أخذه ويحرك طمعك إليه، وصوتاً يمنعك منه ويذكّرك حكم الله فيه.
فالصوت الأول الداعي إلى المعصية التي فيها اللذة العاجلة هو صوت النفس الأمّارة بالسوء، والصوت الثاني الصارف عنها الداعي إلى الخير، هو صوت الضمير، صوت العقل.
وربما اشتد الأول وعَلا حتى ملأت أصداؤه كيانَك كله
стр. 109
ووجدتَه في كل شعبة من عصبك وفي كل قطرة من دمك، وخرج الثاني ضعيفاً خافتاً، وذلك إذا اشتدت الشهوة وتهيأت دواعي إشباعها بالزنا، أو إذا تمكن الغضب وأمكن التنفيس عنه بالبطش. واتّباع صوت الحق هنا أصعب، لا سيما للشاب الذي يعيش في بلاد الإفرنج حيث يسهل الزنا وتتيسر دواعيه وحيث يكثر الجمال المعروض والمتع المبذولة، ولذلك جعل الله ثواب من ينصرف عن المتعة المحرَّمة بعد التمكن منها أعظم. وقد ورد أن من يتمكن من الزنا بامرأة وتتهيأ له أسبابه كلها، ثم ينصرف عنه خوفاً من الله، يكون يوم القيامة أحدَ السبعة الأصناف الذين يظلّهم الله بظل عرش الرحمن يومَ لا ظلّ إلا ظله.
وعلى مقدار عظم الثواب تكون مشقة العمل. وهذا موقف لا يقدر عليه في الواقع إلا من أوتي إيماناً راسخاً وعزيمة قوية، والله المستعان. ومَن علم من الشبّان الذين يدرسون في أوربا أنه لا يستطيع أن يمتنع عن الزنا وأنه يغلب عن ظنه الوقوع فيه، حَرُم عليه حرمة تامة الإقامة في هذه الديار مهما كان له منها من منافع دنيوية، لأن الدنيا لا تغني عن الآخرة، ولو كان في هذه البلاد مرض من الأمراض السارية وغلب على ظن هذا الطالب أو ظن أهله أنه سيصاب في جسده لمنعوه من السفر وأرجعوه إلى بلده، ولم يعودوا يبالون بعلم يحصله أو شهادة ينالها إن كان في ذلك مرض جسده، فكيف لا يبالون بمرض قلبه وذهاب دينه؟
* * *
والله وضع أمامنا طريقين: طريقاً ينتهي إلى الجنة
стр. 110
وإلى النعيم الدائم، وطريقاً ينتهي إلى جهنم وإلى العذاب الدائم. وأعطانا قوة نميز بها هذا من ذاك، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْن﴾.
وهذه القوة موجودة عند كل إنسان، عالماً كان أم كان جاهلاً، كبيراً كان أم صغيراً.
كل إنسان يعرف أن الزنا مثلاً شر وأن الزواج خير، لذلك يختفي الزاني ويستتر بزناه من الناس، ويعلن المتزوج عن زواجه ويدعو له الناس. وكلنا يعرف أن السرقة شر وأن الإحسان خير، لذلك ينكر السارق ولا يحب أن يتحدث عنه الناس بأنه سرق، ويسر المحسن أن تحدثوا عنه بأنه أحسن. حتى السكّير الخِمّير لا يحب أن ينشأ ابنه على الخمر والسكر لأنه يعرف قبح ما هو فيه.
بل إن الحيوان يميز الخير من الشر، فإذا رميت إلى القط بقطعة لحم أكلها آمناً بين يديك، وإن خطفها خطفاً فرّ بها إلى الطريق. والكلب يعمل عملاً صالحاً فيقترب من صاحبه ويتحسس به كأنه يطلب منه المكافأة، وإذا أساء ابتعد ووقف كالنادم المعترف!
ثم إن الله أقام على كل من الطريقين مَن يدعو إليه ويرغّب فيه. فالأنبياء يقومون على طريق الجنة يقولون للناس: تعالوا، امشوا من هنا، هذا طريق الجنة. والشياطين، شياطين الجن وأعوانهم من شياطين الإنس، يقومون على طريق النار يدعون إليه، يقولون: تعالوا، هذا الطريق أجمل وأسهل، ألا ترون البساتين على جانبيه والأنهار تجري من تحته، وفيه الطعام