← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17

حكم التقليد

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (90 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مذهب الشافعية، أو «مختصر خليل» ونحوه في مذهب المالكية، أو «الكنز» ونحوه في مذهب الحنفية، ولكنه قاصرُ النظر عن معرفة الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء: فهذا له التقليد أيضًا؛ إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١).

стр. 37

[الرد على من منع هذا النوع من التقليد] ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» (١).

стр. 38

ولم تَزَلِ العامَّة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يبادِرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير؛ فكان إجماعًا على جواز اتباع العاميِّ العلماءَ المجتهدين (١).

стр. 39

[هل يلزم تقليد الأعلم ؟] ويلزم هذا العاميَّ أن يقلِّدَ الأعلمَ عنده، كما يلزمُه في مسألة القبلة، فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة فاختلفا في الجهة، اتَّبع المقلدُ أوثقَهما عنده (١). [حكم تتبع العامي للرخص] ولا يجوز له أن يتَّبع الرُّخَص (٢)، بل يحرم ذلك عليه، ويَفْسُقُ به (٣)، قال ابن عبد البر: (لا يجوز للعامي تتبع الرُّخَص إجماعًا) (٤).

стр. 40

[حكم تمذهب العامي] ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهبٍ يأخذ بعزائمه ورخصه. قال الشيخ تقي الدين: (في الأخذ بِرُخَص المذهب وعزائمه طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع)، وتوقَّف أيضًا في جوازه (١).

стр. 41

وبالجملة، فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب؛ فرضه التقليد، فإذا وقعت له حادثة استفتى من عَرَفَه عالمًا وعَدْلًا، أو رآه منتصِبًا للإفتاء والتدريس (١).

стр. 42

[كيف يعرف المفتي ؟] واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا، ورجَّحه النووي في «الروضة»، ونقله عن أصحابه (١). وقال الشيخ تقي الدين: (لا يجوز أن يستفتي إلا من يفتي بعلم وعدل) (٢). فعلى هذا؛ لا يكتفي بمجرَّد اعتزائه إلى العلم، ولو بمنصبِ تدريسٍ أو غيره، لا سيَّما في هذا الزمان الذي غَلَب فيه الجهل، وقَلَّ فيه طلب العلم، وتصدَّى فيه جهلةُ الطلبة للقضاء والفتيا، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسِن عبارة الكتاب، ولا يعلم صورة المسألة، بل لو طُولب بإحضار تلك المسألة -وهي في الكتاب- لم يهتدِ إلى موضعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 43

لَقَدْ هَزُلَتْ حَتَّى بَدَا مِنْ هُزَالِها .... كُلَاهَا وَحَتَّى اسْتَامَهَا كُلُّ مُفْلِسِ (١) [منع مستور الحال من الفتيا] قال «في شرح مختصر التحرير»: (ويلزم وليَّ الأمر منعُ مَن لم يُعرَف بعلم، أو جُهل حالُه من الفتيا، قال ربيعة: بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق (٢). [حكم فتيا مستور الحال] ولا تصح الفتيا من مستور الحال. [إجابة المقلد إخبار لا إفتاء] وما يُجيب به المقلِّدَ عن حكم؛ فإخبارٌ عن مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق، ويعمل بخبره إن كان عدلًا؛ لأنه ناقل كالراوي (٣).

стр. 44

[حكم تقليد المفضول] ولعاميٍّ تقليدُ مفضولٍ من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا؛ منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب «الروضة»، وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية. وقيل: يصح إن اعتقده فاضلًا أ و مساويًا، لا إن اعتقده مفضولًا؛ لأنه ليس من القواعد أن يَعدِل عن الراجح إلى المرجوح. وقال ابن عقيل وابن سريج والقفال والسمعاني: يلزمه الاجتهاد، فيُقدِّم الأرجحَ، ومعناه قول الخرقي والموفق في «المقنع»، ولأحمد روايتان (١). [وجوب تقليد الأرجح من المجتهدين إذا تبين له] ويلزمه إن بان له الأرجح؛ تقليده في الأصح، زاد بعض أصحابنا وبعض الشافعية في الأظهر: ويقدم الأعلم على الأورع (٢).

стр. 45

ويخير في تقليدِ أحد مُسْتَوِيَيْنِ عند أكثر أصحابنا. قال في «الرعاية»: ولا يكفيه من لم (١) تَسْكُن نفسُه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به. ويحرم عليه تتبُّع الرُّخص ويَفْسُق به. [إذا اختلف عند المقلِّد مجتهدان] وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه؛ تَخيَّر في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد (٢). وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علمًا ودينًا، فإن استويا؛ تخيَّر (٣)، وهذا اختيار الموفق في الروضة (٤).

стр. 46

[يحرم التساهل في الفتيا وتقليد من يُعرف به] ويحرم تساهل مُفتٍ وتقليدُ معروفٍ به؛ لأن الفُتيا أمر خطر، فينبغي أن يَتَّبع السلف الصالح في ذلك، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرًا، وقد قال الإمام أحمد ﵁: إذا هاب الرجل شيئًا لا ينبغي أن يُحمَل على أن يقول (١).

стр. 47

[تحرم الفتيا بالهوى أو من غير ترجيح] قال بعض الشافعية (١): من اكتفى في فُتياه بقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع. وذُكِر عن أبي الوليد الباجي أنه ذَكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال أبو الوليد: وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع). انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصًا (٢).

стр. 48

وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب «الإنصاف» وغيرهما (١). قال في «الاختيارات»: (وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعًا. وشروط القضاء تُعتبر حسب الإمكان، ويجب توليةُ الأمثلِ فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولَّى مع عدمٍ أنفعُ الفاسقين وأقلهما شرًّا، وأعدل المقلِّدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع؛ قُدم فيما قد يظهر حكمه ويُخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم) انتهى (٢).

стр. 49

[حكم تَعرُّف المبتدئ على دليل كل مسألة] وقول السائل وفقه الله لضبط المسائل: هل يلزم المبتدئين المتعلِّمين التَّرقِّي إلى معرفة الدليل الناصِّ على كل مسألة؟ (١) جوابه: يُعلم مما تَقدَّم، وهو أن عليه أن يَتَّقي الله بحسب استطاعته، فيلزمه من ذلك ما يُمكِنُه، ويَسقط عنه ما يعجز عنه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل، لا سيما إذا كان قاضيًا أو مفتيًا وله مَلَكَةٌ قوية يَقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح، فإن الرجل النَّبيه الذي له فهم وفيه ذكاء، إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكتب التي يُذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم؛ كـ «المغني»، و «الشرح»، و «التمهيد» لابن عبد البر، ونحو هذه الكتب؛ يحصل عنده - في الغالب - ما يَعرِف به رُجحان أحد القولين.

стр. 50

[إذا تبين للطالب المتمذهب الدليل المخالف لمذهبه] فإذا كان طالب العلم مُتمذهِبًا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلًا مخالِفًا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يَعلم له ناسخًا ولا معارضًا؛ فخالف مذهبه واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل؛ كان مصيبًا في ذلك (١)، بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد، فهو مقلد لذلك الإمام، فيَجْعَل إمامًا بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض. قال في «الاختيارات»: (من كان مُتَّبعًا لإمام، فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم وأتقى، فقد أحسن. وقال أبو العباس في موضع آخر: بل يجب عليه، وأن أحمد نصَّ عليه، ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع) (٢).

стр. 51

[جوابٌ على من منع الترجيح بحجة أنه لا يثق بنظره] وقال أيضًا: (أكثر من يُميِّز في العلم من المتوسطين، إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصدٍ حَسَنٍ ونَظَرٍ تامٍّ، تَرجَّح عنده أحدهما؛ لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه، والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي تَرجَّح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد؛ كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة؛ إذا تَرجَّح عنده أحدهما قَلَّده، والدليل الخاص الذي يُرجَّح به قول على قول، أولى بالاتباع من دليل عامٍّ على أن أحدهما أعلم أو أدين؛ لأن الحق واحد ولابد، ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلًا) انتهى (١). [الفقيه هو من يعرف الأحكام بالأدلة] وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته: (قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٢)، ولازم ذلك أن من لم يفقِّهه في الدين لم يُرد به خيرًا، فيكون التفقُّه في الدِّين فرضًا، والفقه في الدِّين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن مُتفقِّهًا، لكن من الناس مَن قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره؛ فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه.

стр. 52

وأما القادر على الاستدلال؛ فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا. وقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال (١).

стр. 53

والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يقبل التجزئ والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة، دون فن وباب ومسألة؛ وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه (١).

стр. 54

[المتفقِّه غير المجتهد له حالتان: ١ - من يقصر نظره عن الاجتهاد التام في المسألة] فمن نظر في مسألة تنازع فيها العلماء، ورأى مع أحد القولين نصوصًا لم يعلم لها معارضًا بعد نظر مثله فهو بين أمرين:

стр. 55

إما أن يَتَّبِع قول القائل الأخير (١)؛ لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرَّد عادة، يعارضها عادة غيره باشتغاله (٢) على مذهب إمام آخر. وإما أن يَتَّبِع القول الذي تَرجَّح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فيكون موافقته لإمامٍ يُقاوِم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقِّه عن المعارض بالعمل، فهذا هو (٣) الذي يصلح. وإنما تنزلنا هذا التَّنزُّل؛ لأنه قد يقال: إنَّ نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تامًّا في هذه المسألة؛ لضعف آلة الاجتهاد في حقه. [٢ - من يقدر على الاجتهاد التام في المسألة] أما إذا قدر على الاجتهاد التام، الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص؛ فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان مُتَّبِعًا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله. [العودة إلى القسم الأول من الفقيه غير المجتهد] بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا

стр. 56

منه ما استطعتم»، والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلَّك على أن هذا القول هو الراجح؛ فعليك أن تَتَّبع ذلك، ثم إن تبيَّن لك فيما بعدُ أن للنص (١) معارِضًا راجِحًا؛ كان حُكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل (٢) إذا تَغيَّر اجتهاده. [جواب اعتراض: حكم الانتقال من قول إلى قول] وانتقال الإنسان من قولٍ إلى قولٍ لأجل ما تبيَّن له من الحقِّ هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قولٍ لا حجة معه عليه، وتركِ القولِ الذي ترجَّحت حُجته. وأما الانتقال عن قولٍ إلى قولٍ لمجرد عادةٍ واتباع هوًى؛ فهذا مذموم (٣). [ترك الإمام المقلَّد للنص ليس بعذر لترك الأخذ به]

стр. 57

وإذا كان الإمام المقلَّد قد سمع الحديث وتركه، لا سيَّما إن كان قد رواه أيضًا؛ فمثل هذا لا يكون عذرًا في ترك النص، فقد بيَّنا فيما كتبناه في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» نحو عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبيَّنا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار (١). وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول، فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس، أو عمل بعض الأمصار، وقد تبيَّن لآخَر أن ظاهر القرآن لا يخالِفه، وأن نصَّ الحديث الصحيح مُقدَّم على الظواهر، ومقدم على القياس والعمل؛ لم يكن عذرُ ذلك الرجل عذرًا في حقه، فإن ظهور

стр. 58

المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا (١) كان التارك للحديث معتقدًا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة النبوية، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ مَن بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض. [جواب ثانٍ] وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر؛ فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما، كأبي موسى الأشعري وغيره لمَّا احتج بالكتاب والسنة (٢)، وتركوا

стр. 59

قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لمَّا كان معه السنة أن النبي ﷺ قال: «هذه وهذه سواء» (١). وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقولان، فقال ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!» (٢).

стр. 60

وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبيَّن أن عمر يرد ما يقولونه، فألحُّوُا عليه، فقال: «أَمْرُ رسول الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع أم أَمْر عمر؟!» (١)، مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس. ولو فُتح هذا الباب؛ لوجب أن يُعرَض عن أمر الله ورسوله ﷺ ، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى (٢).

стр. 61

[هل يشترط للترجيح معرفة علم الحديث رواية ؟] وأما سؤال السائل: عن الترقي إلى معرفة طُرُق الحديث وصحته، أم تقليد المخرِّجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم؟ (١) فجوابه: أن ذلك يكفيهم. قال في «شرح مختصر التحرير»: (ويُشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بصحَّة الحديث وضعفه سندًا ومتنًا، ولو كان علمه بذلك تقليدًا؛ كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة؛ كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والدارقطني والحاكم ونحوهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك؛ فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقوِّمين في القِيَم) انتهى (٢).

стр. 62

وقال في «مسودة بني تيمية»: (العاميُّ الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع؛ يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، وقال أبو الخطاب: ويجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحًا أو فاسدًا، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع) انتهى (١). وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في «ألفيته» (٢): وأخذ متن من كتاب لعمل … أو احتجاج حيث ساغ قد جعل عرضًا له على أصول يشترط … وقال يحيى النووي أصل فقط ثم قال المؤلف في «شرحه»: (أي: وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل به أو احتجاج به - إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به -؛ جعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلًا بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعدِّدة مرويَّة بروايات متنوعة. قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه.

стр. 63

وقال ابن الصلاح في قسم الحسن، حين ذكر أن نُسَخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحو ذلك: فينبغي أن تصحِّح أصلَك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه. فقوله: «ينبغي» قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب، وهو كذلك) انتهى كلام العراقي (١). وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه «كنز المحتاج على المنهاج»؛ لما ذكر أن مِن شروط القاضي أن يكون مجتهدًا إلا إذا فُوِّضت إليه واقعةٌ خاصة-: (فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناءً على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح)، إلى أن قال: (وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر، ولا حاجة لتتبع الأحاديث، بل يكفي أصل مُصحَّح اعتُنِيَ فيه بجمع أحاديث الأحكام؛ كسنن أبي داود، ولا (٢) أن يَعرِف مواقع كلِّ باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته ويقظتهم، وما عداه يكتفى في رواته بتعديل إمام مشهور عُرِفت صحةُ مذهبه جرحًا وتعديلًا، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع؛

стр. 64

لموافقته متقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ) انتهى (١). وقال في «شرح الروض» للقاضي زكريا؛ لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا قال: (والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف منهما العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة فمن بعدهم)، إلى أن قال: (ولا يُشترَط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جُمَل منها، وأن يكون له في كُتُب الحديث أصلٌ صحيحٌ يَجمع أحاديث الأحكام -أي غالبها-؛ كسنن أبي داود، فيعرف كل بابٍ، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به. ويكتفي في البحث عن الأحاديث بما قَبِلَه منها السلف وتواترت أهليَّة رواته من العدل والضبط، وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عُرِفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل والضبط (٢).

стр. 65

ثم اجتماع هذه العلوم إنما يُشترَط (١) في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهدًا في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه) انتهى كلام القاضي (٢). فتبين بما ذكرناه من النقول: جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب المصحَّحة، وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه، والله أعلم. [شبهة: الإجماع منعقد على وجوب تقليد أحد المذاهب الأربعة، وجوابها] وأما سؤال السائل وفقه الله لفهم المسائل: حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (٣).

стр. 66

فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب «الإفصاح عن معاني الصحاح»، فإنه ذكر نحوًا من هذه العبارة، وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة، وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز، فإن كلامه يأبى ذلك. [جواب الاعتراض، وبيان مراد ابن هبيرة] وإنما أراد الردَّ على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا، وأن المقلِّد لا ينفذ قضاؤه؛ كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وحَمَلَ كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا (١) على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية المقلِّد لأهلها، وينفذ قضاؤه.

стр. 67

وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة؛ بحيث أنْ يُلزَم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلَّده كما قد يُتوهم، بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه. وعبارته في «الإفصاح»: (اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُوَلَّى القضاءُ مَن ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز ذلك)، ثم قال: (والصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: لا يجوز تَوْلِيَة قاضٍ حتى يكون من أهل الاجتهاد؛ فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ . فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طُرُقِها، ولا عَرَف مِن لُغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يَعُوزُه معه معرفة ما يُحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما فُرِغ منه، ودَأَب له فيما سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودُوِّنت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق.

стр. 68

فإذا عمل القاضي في أَقضيته مما يأخذه (١) عنهم أو عن الواحد منهم؛ فإنه في معنى مَن كان أدَّاه اجتهاده إلى قولٍ قاله. وعلى ذلك؛ فإنه إذا خَرَج مِن خِلافهم، مُتوخِّيًا مواطن الاتفاق ما أمكنه؛ كان آخذًا بالحزم، عاملًا بالأَوْلى. وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف تَوَخِّي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز عمله أن يعمل (٢) بقول الواحد، إلا أنني أكره له أن يكون ذلك (٣)، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يُعرَف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فَقَصَر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يُفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم؛ نحو: الوكيل بغير رضا الخصم، وكان الحاكم حنفيًّا، وقد علم أن مالكًا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، من غير أن يَثبُت عنده بالدليل ما قاله، ولا أدَّاه اجتهاده إلى أن أبا

стр. 69

حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا مِن الله بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وكذلك إن كان القاضي مالكيًّا، فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع عِلمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته. وكذلك إن كان القاضي شافعيًّا، فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمدًا، فقال أحدهما: هذا منعني من بيع شاة مذكاة. فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة. فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه. وكذلك إن كان القاضي حنبليًّا، فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال. فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته. فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه. فإن هذا وأمثاله مما تُوُخِّيَ اتباع الأكثرين فيه؛ أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل. وبمقتضى هذا؛ فإن ولايات الحُكَّام في وقتنا هذا صحيحة، وإنهم قد سَدُّوا ثغرًا من ثغور الإسلام سَدُّهُ فرضُ كفاية. ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي

стр. 70

يمشي عليها الفقهاء، الذين يَذكر كلٌّ منهم في كتابٍ إنْ صَنَّفه، أو كلامٍ إنْ قالَهُ؛ أنَّه لا يصح أن يكون قاضيًا إلا من كان من أهل الاجتهاد، ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحُكَّام؛ فإن هذا كالإحالة والتناقض، وكأنه تعطيلٌ للأحكام وسدٌّ لباب الحكم، وأن لا يَنفُذُ حق، ولا يُكاتَب به، ولا يُقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل الصحيح في المسألة أن وُلايات الحُكَّام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعًا) انتهى كلام ابن هبيرة ﵀ (١). [بيان ما تضمنه كلام ابن هبيرة] [١ - تولية القاضي المقلِّد جائزة إذا تعذَّرت تولية المجتهد] فقد تضمن هذا الكلام: أن تولية المقلِّد جائزة إذا تعذَّرت تولية المجتهد؛ لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحُكَّام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد؛ للحاجة لئلا تتعطل الأحكام. وهكذا قال غير واحد من المتأخرين - الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا - يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني: أنه يجوز تولية المقلِّد للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة والمالكية والشافعية (٢).

стр. 71

[٢ - أن الأولى بالقاضي المقلد اتِّباع قول الأكثر] وتضمن أيضًا كلام ابن هبيرة: أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه (١)، فإن اختلفوا؛ فالأولى أن يَتَّبع ما عليه الأكثر، وصرَّح بأنه

стр. 72

يُكره له أن يَقضِيَ بما انفرد به الواحد منهم عمَّا عليه الثلاثة؛ لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعًا لهواه. [٣ - تقليد المذاهب الأربعة أولى من غيرها، ولا يجب] وتضمَّن كلامه أيضًا: أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون مَن عَداهم مِن الأئمة؛ لأن مذاهبهم مدونة قد حُرِّرَت، ونَقَّحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة، فلأجل هذا جاز تقليدهم، فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه. [٤ - لا ينبغي الاقتصار على مذهب واحد لا يُفتى بغيره] بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يَتوخَّى مواطن الاتفاق إن وجده، وإلا توخَّى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفًا الأكثر. [قضية كلام ابن هبيرة: أن المقلد يجتهد في أقوال الأئمة الأربعة ولا يخرج عنها] فَقَضِيَّة كلامه: أن المقلِّد لا يَخرُج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخَّى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل؛ فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

стр. 73

[الفرق بين المجتهد المطلق المستقل والمجتهد المنتسب والمجتهد المقيد والمقلد] وهذا مِن جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم: من أن المقلِّد إذا كان نبيهًا، وله مَلَكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم؛ تبين له الراجح من المرجوح، وحينئذ؛ فيعمل بما تَرجَّح عنده أنه الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد. فإذا كان الرجل شافعيًّا أو حنبليًّا، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلًا صحيحًا قد استدل به مالكٌ، فعمل بالدليل؛ كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إمامًا بإزاء إمام، ويَسْلَم له الدليل بلا معارض، وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيَّد، فهو يَتَّبع الدليل، ويُقلِّد الإمام الذي قد أخذ به. وأما الأخذ بالدليل من غير نظرٍ إلى كلام العلماء؛ فهو وظيفةٌ للمجتهد المطلق. وأما المقلِّد الذي لم تجتمع (١) فيه الشروط؛ ففرضه (٢) التقليد وسؤال أهل العلم (٣).

стр. 74

قال عبد الله بن الإمام أحمد: (سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول الله ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخيَّر ما أحب منها؛ فيفتي به ويعمل به؟

стр. 75

قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم) انتهى (١). وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعضُ الأئمة المجتهدين، ولم يعلم عند غيره حُجَّةً يَدفع بها الحديث، فعمل به؛ كان قد عمل بالحديث وقلَّد هذا الإمام المجتهد في تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون مُتَّبعًا للدليل، غيرَ خارجٍ عن التقليد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (طالب العلم يُمكنه معرفة الرَّاجح من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويُذكر فيها الرَّاجح؛ مثل كتاب «التعليق» للقاضي أبي يعلى، و «الانتصار» لأبي الخطاب، و «عُمَد الأدلة (٢)» لابن عقيل، و «تعليق القاضي يعقوب البرزبيني (٣) وأبي الحسن الزاغوني». ومما يُعرف منه ذلك: كتاب «المغني» للشيخ أبي محمد، وكتاب «شرح الهداية» لجدنا أبي البركات. ومَن كان خبيرًا بأصول أحمد ونصوصه؛ عَرَف الرَّاجح في مذهبه في عامة المسائل، ومن كان له بصرٌ بالأدلة الشرعية؛ عَرَف الرَّاجح في الشرع.
следующие страницы →