← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17

حكم التقليد

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (90 стр.). Показаны 71–90 · переход к 76.

стр. 71

[٢ - أن الأولى بالقاضي المقلد اتِّباع قول الأكثر] وتضمن أيضًا كلام ابن هبيرة: أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه (١)، فإن اختلفوا؛ فالأولى أن يَتَّبع ما عليه الأكثر، وصرَّح بأنه

стр. 72

يُكره له أن يَقضِيَ بما انفرد به الواحد منهم عمَّا عليه الثلاثة؛ لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعًا لهواه. [٣ - تقليد المذاهب الأربعة أولى من غيرها، ولا يجب] وتضمَّن كلامه أيضًا: أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون مَن عَداهم مِن الأئمة؛ لأن مذاهبهم مدونة قد حُرِّرَت، ونَقَّحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة، فلأجل هذا جاز تقليدهم، فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه. [٤ - لا ينبغي الاقتصار على مذهب واحد لا يُفتى بغيره] بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يَتوخَّى مواطن الاتفاق إن وجده، وإلا توخَّى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفًا الأكثر. [قضية كلام ابن هبيرة: أن المقلد يجتهد في أقوال الأئمة الأربعة ولا يخرج عنها] فَقَضِيَّة كلامه: أن المقلِّد لا يَخرُج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخَّى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل؛ فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

стр. 73

[الفرق بين المجتهد المطلق المستقل والمجتهد المنتسب والمجتهد المقيد والمقلد] وهذا مِن جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم: من أن المقلِّد إذا كان نبيهًا، وله مَلَكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم؛ تبين له الراجح من المرجوح، وحينئذ؛ فيعمل بما تَرجَّح عنده أنه الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد. فإذا كان الرجل شافعيًّا أو حنبليًّا، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلًا صحيحًا قد استدل به مالكٌ، فعمل بالدليل؛ كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إمامًا بإزاء إمام، ويَسْلَم له الدليل بلا معارض، وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيَّد، فهو يَتَّبع الدليل، ويُقلِّد الإمام الذي قد أخذ به. وأما الأخذ بالدليل من غير نظرٍ إلى كلام العلماء؛ فهو وظيفةٌ للمجتهد المطلق. وأما المقلِّد الذي لم تجتمع (١) فيه الشروط؛ ففرضه (٢) التقليد وسؤال أهل العلم (٣).

стр. 74

قال عبد الله بن الإمام أحمد: (سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول الله ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخيَّر ما أحب منها؛ فيفتي به ويعمل به؟

стр. 75

قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم) انتهى (١). وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعضُ الأئمة المجتهدين، ولم يعلم عند غيره حُجَّةً يَدفع بها الحديث، فعمل به؛ كان قد عمل بالحديث وقلَّد هذا الإمام المجتهد في تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون مُتَّبعًا للدليل، غيرَ خارجٍ عن التقليد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (طالب العلم يُمكنه معرفة الرَّاجح من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويُذكر فيها الرَّاجح؛ مثل كتاب «التعليق» للقاضي أبي يعلى، و «الانتصار» لأبي الخطاب، و «عُمَد الأدلة (٢)» لابن عقيل، و «تعليق القاضي يعقوب البرزبيني (٣) وأبي الحسن الزاغوني». ومما يُعرف منه ذلك: كتاب «المغني» للشيخ أبي محمد، وكتاب «شرح الهداية» لجدنا أبي البركات. ومَن كان خبيرًا بأصول أحمد ونصوصه؛ عَرَف الرَّاجح في مذهبه في عامة المسائل، ومن كان له بصرٌ بالأدلة الشرعية؛ عَرَف الرَّاجح في الشرع.

стр. 76

وأحمد ﵀ أعلم مِن غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان ﵏، ولهذا لا يَكاد يوجد له قول يُخالِف نصًّا كما يوجد لغيره، ولا يوجد قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي، وأكثر مفاريده التي لم يَختلِف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحًا) انتهى كلامه ﵀ (١). وهو موافق لما ذكره صاحب «الإفصاح»، من أن القاضي عليه أن يتوخَّى إصابة الحق، فيتوخَّى مواطن الاتفاق، فيعمل بما اتفقوا (٢) عليه، فإن لم يكن الحكم متفقًا؛ نظر فيما عليه الجمهور إذا لم يكن مع مخالفهم دليل، فليس الناظر في كتب الخلاف ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد، وليس في كلام صاحب «الإفصاح» ما يقتضي لزوم (٣) التمذهب بمذهب لا يخرج عنه، بل كلامه صريح في ضد ذلك. [شبهة: صعوبة الاجتهاد ووجوب التزام المذهب] وهذه شبهة (٤): ألقاها الشيطان على كثير ممن يدَّعي العلم،

стр. 77

وصاد بها أكثرهم، فظنُّوا أن النظر في الأدلة أمرٌ صعبٌ لا يَقدِر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل، وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد، ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق. واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثيرٍ، حتى آل الأمر بهم إلى أن تقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون، وزعموا أن هذا هو الواجب عليهم، وأن مَن انتسب إلى مذهب إمامٍ؛ فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نصَّ كتابٍ أو سنةٍ.

стр. 78

فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز الخروج عن قوله، ولا تجوز مخالفته، فلو رأوا أحدًا من المقلِّدين قد خالف مذهبه، فقلَّد إمامًا آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به، قالوا: (هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد، ونزَّل نفسَه منزلة الأئمة المجتهدين)، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلَّد إمامًا دون إمام آخر لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾. [حال المتعصب مع الدليل] فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلًا ردُّوه إلى نصِّ إمامهم، فإن وافق الدليلُ نصَّ الإمام؛ قبلوه، وإن خالفه؛ ردُّوه واتَّبعوا نصَّ الإمام واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها. فإذا قيل لهم: هذا حديث رسول الله ﷺ ، قالوا: أنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟ مثال ذلك: إذا حكمنا بطهارة بولِ ما يؤكل لحمه، وحكم الشافعي بنجاسته، وقلنا له: قد دل على طهارته حديث العرنيين، وهو حديث صحيح (١)، وكذلك حديث أنس في الصلاة في مرابض الغنم (٢).

стр. 79

فقال هذا المنجِّس لأبوال ما يؤكل لحمه: أنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي؟ فقد سمعها ولم يأخذ بها. [جواب عن الشبهة] فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة مَن هو مثله أو أعلم منه؛ كمالك والإمام أحمد، وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بإزاء الشافعي، ونقول: إمام بإمام، وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة، ونَتَّبِع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. فنمتثل ما أمر الله به، وهذا هو الواجب علينا، ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر؛ لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ. فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني؛ بأن يتبين (١) له رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل؛ مُثابٌ على فعله، بل وجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه، ولا يُتَّبعُ أحدٌ في مخالفة حكم الله ورسوله؛ فإن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة (٢)

стр. 80

رسوله ﷺ في كل حال كما تقدم ذكره. وقد ذكرنا أن الشافعي قال: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس). وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي؛ فهذا لا يجوز، وصاحبه يكون مُتَّبِعًا لهواه، وقد نصَّ الإمام أحمد: على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو محرمًا، ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه. وذلك مثل أن يكون طالبًا للشفعة بالجوار، فيعتقدها أنها حق، ويقول: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور، ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابتة، وقال: مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح. أو مثل من يعتقد إذا كان أخًا مع جد؛ أن الإخوة تُقاسِم الجدَّ كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، فإذا كان جَدًّا مع أخ اعتقد أن الجد يُسقِط الإخوة كما هو مذهب أبي حنيفة. فهذا ونحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحقَّ فيما له وعليه، ولا يَتَّبِع هواه، ولا يَتَتَبِع الرُّخَص، فمتبع الرخص مذموم، والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبعٌ هواه.

стр. 81

[المتعصبون خالفوا نصوص أئمتهم في كثير من المسائل واتَّبعوا أقوال المتأخرين] والمتعصبون لمذاهب الأئمة، تجدهم في أكثر المسائل قد خالفوا نصوص أئمتهم، واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم، فهم يحرصون على ما قاله الآخر فالآخر، وكلَّما تأخَّر الرجل أخذوا بكلامه، وهجروا أو كادوا يَهجُرون كلام من فوقه. فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدمين هجرًا ورغبةً عنه، حتى إنَّ كُتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم، فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة. فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في «الإقناع» و «المنتهى»، ولا ينظرون فيما سواهما، ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عندهم مخالف لمذهب أحمد، مع أن كثيرًا من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد، يعرف ذلك من يعرفه (١).

стр. 82

[كتب متقدمي المذاهب باتت مهجورة من المتعصبين] وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم، بل قد هجروا كتب المتوسطين، ولم يعتمدوا إلا على كتب المتأخرين، فـ «المغني» و «الشرح» و «الإنصاف» و «الفروع»، ونحو هذه الكتب التي يذكر أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب لا ينظرون فيها، فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار، لا أتباع الإمام أحمد (١).

стр. 83

وكذلك متأخرو الشافعية هم في الحقيقة أتباع ابن حجر الهيتمي صاحب «التحفة»، وأضرابه من شُرَّاح «المنهاج»، فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبؤون به شيئًا. وكذلك متأخرو المالكية هم في الحقيقة أتباع خليل، فلا يعبأون بما خالف «مختصر خليل» شيئًا، ولو وجدوا حديثًا ثابتًا في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب، وقالوا: الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم، فلا يرجعون إلا إليها، ولا يعتمدون إلا عليها، وأما كتب الحديث؛ كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها، وكتب الفقه الكبار التي يُذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين؛ فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل، ويعتذرون بأنهم قاصرون (١) عن معرفتها؛ فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقَ إلا التقليد، والمقلِّد يأخذ بقول إمامه، ولا ينظر إلى دليلِه وتعليلِه (٢).

стр. 84

[تتمة الجواب عن الشبهة] ولم يميزوا بين المجتهد المطلق الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد، وبين المجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها، فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة، وينظر في كتب الخلاف، ويُمعِن النظر في الأدلة، فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلَّد الإمام الذي قد أخذ بالدليل، فهو اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة، فإن وجد مع أحدهم دليلًا أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة دليلًا مِن الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك، بل قوي الخلاف عنده من الجانبين؛ التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه. فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره، وجعلوهما نوعًا واحدًا، وهذا غلط واضح؛ فإن من كان قاصرًا في العلم؛ لا يَستقِل بأخذ الأحكام من الأدلة، بل يسأل أهل العلم،

стр. 85

كما نص عليه الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله، وقد ذكرناه فيما تقدم (١). وأما الاجتهاد المقيَّد بمذاهب الأئمة، وتوخِّي الحقَّ بما دل عليه الدليل وبما عليه الجمهور؛ فهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو الذي ذكره صاحب «الإفصاح». [ذم لزوم التمذهب بمذهب لا يخرج عنه] وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه؛ بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة، فهذا مذموم غير ممدوح، وقد ذَمَّه صاحب «الإفصاح» كما تقدم ذكره، بل قد ذمَّه الأئمة ﵃. قال الشافعي ﵀: (طالب العلم بلا حجة كحاطب ليلٍ، يَحمِل حِزمةَ حطبٍ، وفيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري) (٢). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه) (٣). وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟!

стр. 86

فقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم ابن جميل قال: (قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا وضعوا كتابًا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون) (١). وقال أبو عمر بن عبد البر: (يقال لمن قال بالتقليد: لِمَ قلت به وخالفت السلف في ذلك، فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قَلَّدتُ؛ لأنَّ كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله ﷺ لم أحصها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلَّدت من هو أعلَم مني. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيءٍ من الكتاب، أو حكايةٍ عن سنة رسول الله ﷺ ، أو اجتمع رأيهم على شيء؛ فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلَّدتَ فيه بعضَهم دون بعض، فما حُجَّتُك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟

стр. 87

فإن قال: قَلَّدته؛ لأني أعلم أنه على صواب. قيل له: علمت ذلك من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع؟ فإن قال: نعم. أبطل التقليد، وطُولِب بما ادعاه من الدليل. وإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم مني. قيل له: فقلِّد كلَّ من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا تخص من قَلَّدتَه، إذ عِلَّتُك فيه أنه أعلم منك. فإن قال: قلَّدتَه؛ لأنه أعلم الناس. قيل له: فهو إذًا أعلم من الصحابة، فكفى بقولٍ مثل هذا قُبحًا. فإن قال: أنا أُقلِّد بعض الصحابة. قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلِّد منهم؟ ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح بفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مدين، عن عيسى بن دينار، عن القاسم عن مالك قال: ليس كُلَّما قال الرجل قولًا - وإن كان له فضل -؛ يُتَّبع عليه؛ لقوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

стр. 88

فإن قال: قِصَرِي وقلة علمي تَحْمِلُني على التقليد. قيل له: أما مَن قلَّد فيما يَنزِل به أحكام شريعة عالمًا يُتَّفَق له على علمه، فيَصدُرُ ذلك عما يخبر به فمعذورٌ؛ لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يُقلِّد من يَثِق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه حاله، هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيَحمِل غيره على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك يُصَيِّرها إلى غير من كانت في يده بقولٍ لا يُعرَفُ صحته، ولا قام له الدليل عليه، وهو مُقِرٌّ أن قائله يُخطِئ ويُصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى؛ لحفظه الفروع؛ لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بذلك جهلًا وردًّا للقرآن، قال الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾. وقد أجمع العلماء على أن ما لم يُتبيَّن ولم يُستَيقَن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا).

стр. 89

ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄: «من أفتى بفتيا وهو يَعْمَى عنها؛ كان إثمها عليه»، موقوفًا ومرفوعًا (١)، قال: وثبت (٢) عن النبي ﷺ : «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» (٣)، قال: (ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد (٤) التقليد) انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى (٥). فتأمل ما في هذا الكلام من الردِّ على من يقول بلزوم التذهب بمذهبِ المذاهب الأربعة لا يخرج عن ذلك المذهب، ولو وجد دليلًا يخالفه؛ لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه، ويجعل هذا عذرًا له في رد الحديث، أو ترك العمل به. وتأمَّل قوله: (لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد (٦) التقليد)،

стр. 90

ومراده: إذا كان المقلِّد قادرًا على الاستدلال، وأما العاجز عنه فهو كالأعمى يُقلِّد في جهة القبلة، فهو معذور إذا كان عاجزًا. وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه، فقال: (أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكمٍ ولا لمفتٍ تقليدَ رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله) انتهى (١). فحكاية الإجماع من هذين الإمامين -أعني: أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن حزم- كافٍ في إبطال قول المتعصبين للمذهب. ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (٢).