Полный текст (288 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أَوْ كُنْيَةً أَوِ اسْمًا أَوِ اسْمَ جِنْسٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا اللَّقَبَ غَايَةً فِي «الْمَائِدَةِ» .
وَالْجَوَابُ عَنْ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ، أَنَّ الْغُفْرَانَ وَالْإِجَارَةَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُدَّعَى بِالْفَرْضِ أَنَّهُمَا لَقَبَانِ لِجِنْسِ مَصْدَرَيْهِمَا، وَأَنَّ تَخْصِيصَهُمَا بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ غَيْرِهِمَا فِي الْآيَةِ، مُسْنَدَانِ لَا مُسْنَدَ إِلَيْهِمَا، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَصْدَرَ فِيهِمَا كَامِنٌ فِي الْفِعْلِ وَلَا يُسْنَدُ إِلَى الْفِعْلِ إِجْمَاعًا مَا لَمْ يَرِدْ مُجَرَّدُ لَفْظِهِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ.
وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ اللَّقَبُ مُسْنَدًا إِلَيْهِ، لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، كَمَا عَلَّلُوا بِهِ مَفْهُومَ الصِّفَةِ.
وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ اللَّقَبَ ذُكِرَ لِيُمْكِنَ الْحُكْمُ لَا لِتَخْصِيصِهِ بِالْحُكْمِ، إِذْ لَا
يُمْكِنُ الْإِسْنَادُ بِدُونِ مُسْنَدٍ إِلَيْهِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ اللَّقَبُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لَا فِي الْمُسْنَدِ، لِأَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي تُرَاعَى أَفْرَادُهُ وَصِفَاتُهَا فَيُقْصَدُ بَعْضُهَا بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْمَذْكُورِ.
أَمَّا الْمُسْنَدُ فَإِنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَفْرَادِ وَلَا الْأَوْصَافِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ مُجَرَّدُ الْمَاهِيَةِ الَّتِي هِيَ الْحَقِيقَةُ الذِّهْنِيَّةُ.
فَلَوْ حَكَمْتَ مَثَلًا عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ، فَإِنَّهُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْمِثَالِ يُقْصَدُ بِهِ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا حَيَوَانٌ، بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ الَّذِي هُوَ الْحَيَوَانُ فِي هَذَا الْمِثَالِ فَلَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا مُطْلَقُ مَاهِيَّتِهِ وَحَقِيقَتِهِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْأَفْرَادِ، لِأَنَّهُ لَوْ رُوعِيَتْ أَفْرَادُهُ لَاسْتَلْزَمَ الْحُكْمُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ فَرْدٌ آخَرُ مِنْ أَفْرَادِ الْحَيَوَانِ كَالْفَرَسِ مَثَلًا.
стр. 212
وَالْحُكْمُ بِالْمُبَايِنِ عَلَى الْمُبَايَنِ بَاطِلٌ، إِذَا كَانَ إِيجَابِيًّا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَعَامَّةِ النُّظَّارِ، عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَ الْقَضِيَّةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ يُرَاعَى فِيهِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عُنْوَانُهَا مِنَ الْإِفْرَادِ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إِنْ كَانَتْ خَارِجِيَّةً، أَوِ الذِّهْنِيِّ أَنْ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً.
وَأَمَّا الْمَحْمُولُ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فَلَا تُرَاعَى فِيهِ الْأَفْرَادُ الْبَتَّةُ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ مُطْلَقُ الْمَاهِيَّةِ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ يَدْخُلُ فِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ، فَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَرُبَّمَا كَانَ اعْتِبَارُهُ كُفْرًا كَمَا لَوِ اعْتَبَرَ مُعْتَبِرٌ مَفْهُومَ اللَّقَبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [٤٨ \ ٢٩] ، فَقَالَ: يُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ لَقَبِهِ أَنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّلُ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ، فَهَذَا كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اعْتِبَارَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ شَرْعًا وَلَا لُغَةً، وَلَا عَقْلًا سَوَاءٌ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ أَوِ اسْمَ عَيْنٍ أَوِ اسْمَ جَمْعٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُكَ: جَاءَ زَيْدٌ، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ مَجِيءِ عَمْرٍو. وَقَوْلُكَ: رَأَيْتُ أَسَدًا، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ رُؤْيَتِكَ غَيْرَ الْأَسَدِ.
وَالْقَوْلُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ فَيُعْتَبَرُ، وَاسْمُ الْعَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ، لَا يَظْهَرُ، فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا بِقَوْلِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادَ وَابْنِ
الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَا بِقَوْلِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى اعْتِبَارِهِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّقَبُ مُخْتَصًّا بِالْحُكْمِ لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، كَمَا عَلَّلَ بِهِ مَفْهُومَ الصِّفَةِ.
لِأَنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ: ذُكِرَ اللَّقَبُ لِيُسْنَدَ إِلَيْهِ وَهُوَ وَاضِحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَشَارَ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ إِلَى تَعْرِيفِ اللَّقَبِ بِالِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّ وَأَنَّهُ أَضْعَفُ الْمَفَاهِيمِ بِقَوْلِهِ:
أَضْعَفُهَا اللَّقَبُ وَهُوَ مَا أَبَى ... مِنْ دُونِهِ نَظْمُ الْكَلَامِ الْعَرَبِي
стр. 213
وَحَاصِلُ فِقْهِ هذه الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ كَافِرَهُمْ فِي النَّارِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [٢٦ \ ٩٤ - ٩٥] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ [٧ \ ٣٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَنَّ مُؤْمِنِيهِمُ اخْتُلِفَ فِي دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ دُخُولُهُمُ الْجَنَّةَ كَمَا بَيَّنَّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 214
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْقِتَالِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْأَنْهَارِ مَعَ تَعَدُّدِ أَنْوَاعِهَا.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ نَهْرٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [٥٤ \ ٥٤] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَمْعُ وَاضِحًا فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ الْآيَةَ [٢ ٢٩] .
وَبَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: «وَنَهَرٍ» : يَعْنِي وَأَنْهَارٍ.
стр. 215
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْفَتْحِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ.
لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ تَنَافِي هَذِهِ الْعِلَّةِ وَمَعْلُولِهَا، لِأَنَّ فَتْحَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِغُفْرَانِهِ لَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَعْنَى إِنَّ فَتْحَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَدُلُّ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عَلَى شُكْرِ النَّبِيِّ لِنِعْمَةِ الْفَتْحِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ بِسَبَبِ شُكْرِهِ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ عَلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَكَأَنَّ شُكْرَ النَّبِيِّ لَازِمٌ لِنِعْمَةِ الْفَتْحِ، وَالْغُفْرَانُ مُرَتَّبٌ عَلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ.
أَمَّا دَلَالَةُ الْكِتَابِ عَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [١١٠ - ٣] .
فَصَرَّحَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ تَسْبِيحَهُ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَاسْتِغْفَارَهُ لِرَبِّهِ شُكْرًا عَلَى نِعْمَةِ الْفَتْحِ سَبَبٌ لِغُفْرَانِ ذُنُوبِهِ، لِأَنَّهُ رَتَّبَ تَسْبِيحَهُ بِحَمْدِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ بِالْفَاءِ عَلَى مَجِيءِ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ تَرْتِيبَ الْمَعْلُولِ عَلَى عِلَّتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الشُّكْرَ سَبَبُ الْغُفْرَانِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
وَأَمَّا دَلَالَةُ السُّنَّةِ فَفِي قَوْلِهِ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَا تَجْهَدْ نَفْسَكَ بِالْعَمَلِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا.
فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي الْعَمَلِ لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ وَتَرَتُّبَ الْغُفْرَانِ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ لَا خَفَاءَ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّا فَتَحْنَا يُفْهَمُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ الْجِهَادُ
стр. 216
فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي الْفَتْحِ، وَالْجِهَادُ سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ بِسَبَبِ جِهَادِكَ الْمَفْهُومِ مِنْ ذِكْرِ الْفَتْحِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 217
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَ النَّاسِ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ عَلَى خَلْقِهِمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [٤٠ \ ٦٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [٢٢ \ ٥] .
وَالْجَوَابُ وَاضِحٌ، وَهُوَ أَنَّ التُّرَابَ هُوَ الطَّوْرُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [٧١ \ ١٤] .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَطْوَارَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَبْدَئِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [٢٣ \ ١٢ - ١٣] ، إِلَى آخِرِهِ.
стр. 218
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ق
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ.
هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ التَّذْكِيرِ بِالْقُرْآنِ بِمَنْ يَخَافُ وَعِيدَ اللَّهِ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [٨٨ \ ٢١] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [٢٠ \ ١١٣] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّذْكِيرَ بِالْقُرْآنِ عَامٌّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ هُوَ مَنْ يَخَافُ وَعِيدَ اللَّهِ، صَارَ كَأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٥١] ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مِرَارًا.
стр. 219
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ.
لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ هَذَا النَّعْتِ وَمَنْعُوتِهِ مِنَ التَّنَافِي فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّ النَّعْتَ صِيغَةُ جَمْعٍ وَالْمَنْعُوتُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ لَفْظَةَ الضَّيْفِ تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، لِأَنَّ أَصْلَهَا مَصْدَرُ ضَافَ، فَنُقِلَتْ مِنَ الْمَصْدَرِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» .
стр. 220
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ.
هَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي عُمُومَ رَهْنِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِعَمَلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، نَظَرًا لِلشُّمُولِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةِ: «كُلُّ» ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ شُمُولِهَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [٧٤ \ ٣٨ - ٣٩] .
وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ آيَةَ «الطُّورِ» هَذِهِ تُخَصِّصُهَا آيَةُ «الْمُدَّثِّرِ» .
стр. 221
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّجْمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَجْتَهِدُ فِي شَيْءٍ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رُبَّمَا اجْتَهَدَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [٩ ٤٣] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٨ \ ٦٧] .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ، وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أَيْ فِي كُلِّ مَا يَبْلُغُهُ عَنِ اللَّهِ، إِنْ هُوَ أَيْ كُلُّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ إِلَّا وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا وَحْيٌ مِنْهُ، فَالْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَرَى هَذَا الْقُرْءَانِ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنِ اجْتَهَدَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَجْتَهِدُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ يَأْذَنُ لَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ، وَعَلَيْهِ فَاجْتِهَادُهُ بِوَحْيٍ فَلَا مُنَافَاةَ.
وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي الْإِذْنِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ حَيْثُ قَالَ: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [٢٤ ٦٢] ، فَلَمَّا أُذِنَ لِلْمُنَافِقِينَ عَاتَبَهُ بِقَوْلِهِ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [٩ ٤٣] .
فَالِاجْتِهَادُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ الْإِذْنُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ لَا فِي مُطْلَقِ الْإِذْنِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ.
وَمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَدَمِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ،
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ تَعَارُضُ الْآيَاتِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ.
стр. 222
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ ﷺ رُبَّمَا فَعَلَ بَعْضَ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ وَحْيٍ فِي خُصُوصِهِ، كَإِذْنِهِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ صَادِقَهُمْ مِنْ كَاذِبِهِمْ، وَكَأَسْرِهِ لِأُسَارَى بَدْرٍ، وَكَأَمْرِهِ بِتَرْكِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ، وَكَقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ الْحَدِيثَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى لَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الْهَوَى وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالْهَوَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ لَا بِهَوًى وَلَا بِكَذِبٍ وَلَا افْتِرَاءٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ أَحَدٌ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ رُبَّمَا انْتَفَعَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ الْآيَةَ [٥٢ \ ٢١] ، فَرَفْعُ دَرَجَاتِ الْأَوْلَادِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهُمُ الْكِبَارُ أَوِ الصِّغَارُ نَفْعٌ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ بِعَمَلِ آبَائِهِمْ لَا بِعَمَلِ أَنْفُسِهِمْ.
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ هَذَا كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، فَنُسِخَ فِي شَرْعِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ آيَةُ: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ مُحْكَمَةٌ، كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ خُصُوصُ الْكَافِرِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى نَفْيِ مِلْكِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِ سَعْيِهِ، وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى نَفْيِ انْتِفَاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَأَنْ لَنْ يَنْتَفِعَ الْإِنْسَانُ إِلَّا بِمَا سَعَى، وَإِنَّمَا قَالَ: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ. وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ سَعْيَ الْغَيْرِ مِلْكٌ
стр. 223
لِسَاعِيهِ، إِنْ شَاءَ بَذَلَهُ لِغَيْرِهِ فَانْتَفَعَ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالْحَجِّ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا ثَبَتَ الِانْتِفَاعُ بِعَمَلِ الْغَيْرِ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ إِيمَانَ الذُّرِّيَّةِ هُوَ السَّبَبُ الْأَكْبَرُ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ، إِذْ لَوْ كَانُوا كُفَّارًا لَمَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَإِيمَانُ الْعَبْدِ وَطَاعَتُهُ سَعْيٌ مِنْهُ فِي انْتِفَاعِهِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ صَلَاةَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ يَتَضَاعَفُ بِهَا الْأَجْرُ زِيَادَةً عَلَى صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا، وَتِلْكَ الْمُضَاعَفَةُ انْتِفَاعٌ بِعَمَلِ الْغَيْرِ سَعَى فِيهِ الْمُصَلِّي بِإِيمَانِهِ وَصَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ السَّعْيَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ رَفْعُ دَرَجَاتِ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لِلْأَوْلَادِ كَمَا هُوَ نَصُّ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَلَكِنَّهُ مِنْ سَعْيِ الْآبَاءِ فَهُوَ سَعْيٌ لِلْآبَاءِ أَقَرَّ اللَّهُ عُيُونَهُمْ بِسَبَبِهِ، بِأَنْ رَفَعَ إِلَيْهِمْ أَوْلَادَهُمْ لِيَتَمَتَّعُوا فِي الْجَنَّةِ بِرُؤْيَتِهِمْ، فَالْآيَةُ تُصَدِّقُ الْأُخْرَى وَلَا تُنَافِيهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّفْعِ إِكْرَاهُ الْآبَاءِ لَا الْأَوْلَادِ، فَانْتِفَاعُ الْأَوْلَادِ تَبَعٌ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ، كَمَا تَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلَى الْوِلْدَانِ وَالْحَوَرِ الْعَيْنِ وَالْخَلْقِ الَّذِينَ يُنَشِّؤُهُمْ لِلْجَنَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 224
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْقَمَرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَاقِرَ النَّاقَةِ وَاحِدٌ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ الْآيَةَ [٧ \ ٧٧] ، وَقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا [٩١ \ ١٤] .
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ تَمَالَئُوا كُلُّهُمْ عَلَى عَقْرِهَا فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ لِمُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ، فَأَسْنَدَ الْعَقْرَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ بِرِضَاهُمْ وَمُمَالَأَتِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ مَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْأَنْفَالِ» مِنْ إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى الْمَجْمُوعِ مُرَادًا بِهِ بَعْضُهُ، وَذَكَرْنَا فِي «الْأَنْفَالِ» نَظَائِرَهُ فِي الْقُرْءَانِ الْعَظِيمِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ الْآيَةَ [٤٧ \ ١٥] .
стр. 225
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرَّحْمَنِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ.
لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ أَنَّ إِرْسَالَ شُوَاظِ النَّارِ الَّذِي هُوَ لَهَبُهَا، وَالنُّحَاسِ الَّذِي هُوَ دُخَانُهَا، أَوِ النُّحَاسِ الْمُذَابِ، وَعَدَمُ الِانْتِصَارِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إِنْعَامٌ عَلَى الثَّقَلَيْنِ. وَقَوْلُهُ لَهُمْ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [٥٥ ٣٦] ، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ إِرْسَالَ الشُّوَاظِ وَالنُّحَاسِ وَعَدَمَ الِانْتِصَارِ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ، أَيْ نِعَمِهِ عَلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ تَكْرِيرَ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، لِلتَّوْكِيدِ، وَلَمْ يُكَرِّرْهُ مُتَوَالِيًا لِأَنَّ تَكْرِيرَهُ بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ أَحْسَنُ مِنْ تَكْرِيرِهِ مُتَوَالِيًا، وَإِذَا كَانَ لِلتَّوْكِيدِ فَلَا إِشْكَالَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْهُ بَعْدَ مَا لَيْسَ مِنَ الْآلَاءِ مُؤَكِّدٌ لِلْمَذْكُورِ بَعْدَ مَا هُوَ مِنَ الْآلَاءِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا بَعْدَ ذِكْرِ نِعْمَةٍ أَوْ مَوْعِظَةٍ أَوْ إِنْذَارٍ وَتَخْوِيفٍ، وَكُلُّهَا مِنْ آلَاءِ اللَّهِ الَّتِي لَا يُكَذِّبُ بِهَا إِلَّا كَافِرٌ جَاحِدٌ، أَمَّا فِي ذِكْرِ النِّعْمَةِ فَوَاضِحٌ.
وَأَمَّا فِي الْمَوْعِظَةِ، فَلِأَنَّ الْوَعْظَ تَلِينُ لَهُ الْقُلُوبُ فَتَخْشَعُ وَتُنِيبُ، فَالسَّبَبُ الْمُوصِلُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْوَعْظَ مِنْ أَكْبَرِ الْآلَاءِ.
وَأَمَّا فِي الْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ كَهَذِهِ الْآيَةِ، فَفِيهِ أَيْضًا أَعْظَمُ نِعْمَةً عَلَى الْعَبْدِ، لِأَنَّ إِنْذَارَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
стр. 226
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمَامَ إِنْسَانٍ مُسَافِرٍ مَهْلَكَةٌ كُبْرَى وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَى الْوُقُوعِ فِيهَا مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَهُ بِهَا وَحَذَّرَهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا، أَنَّ هَذَا يَكُونُ يَدًا لَهُ عِنْدَهُ وَإِحْسَانًا يُجَازِيهِ عَلَيْهِ جَزَاءَ أَكْبَرِ الْإِنْعَامِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ هُوَ مُقْتَضَى الْأُصُولِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّصَّ إِذَا احْتَمَلَ التَّوْكِيدَ وَالتَّأْسِيسَ فَالْأَصْلُ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ لَا عَلَى التَّوْكِيدِ، لِأَنَّ فِي التَّأْسِيسِ زِيَادَةُ مَعْنًى لَيْسَتْ فِي التَّوْكِيدِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَتَكْرِيرُ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِ النِّعَمِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهَا مِنْ إِنْعَامٍ أَوْ مَوْعِظَةٍ أَوْ إِنْذَارٍ.
وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ كُلَّهَا مِنْ آلَاءِ اللَّهِ، فَالْمَذْكُورَةُ بَعْدَ نِعَمِهِ كَالْمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ الْآيَةَ [٥٥ \ ٢٤] .
وَبَعْدَ قَوْلِهِ: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ الْآيَةَ [٥٥ \ ٢٢] ، لِأَنَّ السُّفُنَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، وَالْمَذْكُورَةُ بَعْدَ مَوْعِظَةٍ كَالْمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ الْآيَةَ [٥٥ ٣٧] ، وَالْمَذْكُورَةُ بَعْدَ إِنْذَارٍ أَوْ تَخْوِيفٍ، كَالْمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ الْآيَةَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٥ ٩٢ - ٩٣] .
وَقَوْلِهِ: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ الْآيَةَ [٧ \ ٦] فِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» .
стр. 227
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.
يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ بِهَذَا الْقَسَمِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [٥٦] ، يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ «لَا» النَّافِيَةَ يَتَعَلَّقُ نَفْيُهَا بِكَلَامِ الْكُفَّارِ، فَمَعْنَاهَا إِذًا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُهُ الْكُفَّارُ الْمُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: «أُقْسِمُ» إِثْبَاتٌ مُؤْتَنَفٌ.
الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَةَ «لَا» صِلَةٌ، وَقَدْ وَعَدْنَا بِبَيَانِ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [٩٠] ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [٩٥ \ ٣] .
стр. 228
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْحَدِيدِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ عَالٍ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [٥٧] ، يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، اسْتِوَاءً لَائِقًا بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَجَمِيعُ الْخَلَائِقِ فِي يَدِهِ أَصْغَرُ مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، فَهُوَ مَعَ جَمِيعِهِمْ بِالْإِحَاطَةِ الْكَامِلَةِ وَالْعِلْمِ التَّامِّ، وَنُفُوذِ الْقُدْرَةِ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ.
أَلَا تَرَى وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى أَنَّ أَحَدَنَا لَوْ جَعَلَ فِي يَدِهِ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ الْحَبَّةِ مَعَ أَنَّهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَمَعَ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِمَا فِي يَدِهِ تَعَالَى أَصْغَرُ مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلٍ فِي يَدِ أَحَدِنَا، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى عُلُوًا كَبِيرًا، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْوَاحِدِ مِنَّا مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ بَلْ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ، مَعَ أَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِ خَلْقِهِ، جَلَّ وَعَلَا.
стр. 229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا.
لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْتِيبَهُ تَعَالَى الْكَفَّارَةَ بِالْعِتْقِ عَلَى الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ مَعًا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَلْزَمُ إِلَّا بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ مَعًا.
وَقَوْلُهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّكْفِيرَ يَلْزَمُ كَوْنُهُ قَبْلَ الْعُودِ إِلَى الْمَسِيسِ.
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ قَوْلِ دَاوُدَ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ وَالْفَرَّاءِ وَفِرْقَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَقَالَ بِهِ شُعْبَةُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا هُوَ عَوْدُهُمْ إِلَى لَفْظِ الظِّهَارِ، فَيُكَرِّرُونَهُ مَرَّةً أُخْرَى قَوْلٌ بَاطِلٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلِ الْمَرْأَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا آيَةُ الظِّهَارِ، هَلْ كَرَّرَ زَوْجُهَا صِيغَةَ الظِّهَارِ أَمْ لَا، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا.
وَالتَّحْقِيقُ، أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَمَنْعَ الْجِمَاعِ قَبْلَهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا تَكْرِيرُ صِيغَةِ الظِّهَارِ وَمَا زَعَمَهُ الْبَعْضُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَتَقْدِيرُهُ: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا سَالِمِينَ مِنَ الْإِثْمِ بِسَبَبِ الْكَفَّارَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ وُجُوبِ الْحَمْلِ عَلَى بَقَاءِ التَّرْتِيبِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ مَرَاقِي السُّعُودِ:
كَذَلِكَ تَرْتِيبٌ لِإِيجَابِ الْعَمَلْ ... بِمَا لَهُ الرُّجْحَانُ مِمَّا يُحْتَمَلْ
وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ عَلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ وَأَرْضَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ:
стр. 230
مَعْنَى الْعَوْدِ عِنْدَ مَالِكٍ فِيهِ قَوْلَانِ؟ تُؤُوِّلَتِ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِلَاهُمَا مُرَجَّحٌ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ فَقَطْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ وَإِمْسَاكِ الزَّوْجَةِ مَعًا، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلَى الْجِمَاعِ، أَوْ عَلَيْهِ مَعَ الْإِمْسَاكِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَزْمِ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ عَلَيْهِ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَبَيْنَ الْإِعْتَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ.
وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ حَذْفُ الْإِرَادَةِ وَهُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْءَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ [٥ \ ٦] ، أَيْ أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَيْهَا.
وَقَوْلِهِ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [١٦ \ ٩٨] ، أَيْ أَرَدْتَ قِرَاءَتَهُ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الْآيَةَ [١٦ ٩٨] .
وَمَعْنَى الْعَوْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ الْمُظَاهَرَةِ زَمَانًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلَا يُطَلِّقُ، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ إِمْسَاكَهُ إِيَّاهَا الزَّمَنَ الْمَذْكُورَ لَا يُنَافِي التَّكْفِيرَ قَبْلَ الْمَسِيسِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَمَعْنَى الْعَوْدِ عِنْدَ أَحْمَدَ هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْجِمَاعِ أَوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْعَزْمُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ الْجِمَاعُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنْ ظَاهَرَ وَجَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الْكَفُّ عَنِ الْمَسِيسِ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى يُكَفِّرَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا جَوَازُ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِأَنَّ الْآيَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، إِنَّمَا بَيَّنَتْ حُكْمَ مَا إِذَا وَقَعَ الْجِمَاعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَأَنَّهُ وُجُوبُ التَّكْفِيرِ قَبْلَ مَسِيسٍ آخَرَ.
أَمَّا الْإِقْدَامُ عَلَى الْمَسِيسِ الْأَوَّلِ فَحُرْمَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا.
стр. 231
وَمَعْنَى الْعَوْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَا حَكَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ حَكَى عَنْهُ أَنَّ الْعَوْدَ الْجِمَاعُ، فَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الْعَوْدُ إِلَى الظِّهَارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ وَرَفْعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ خِلَافُ الْمُقَرَّرِ فِي فُرُوعِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَغَالِبُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْعَوْدِ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ ﵏.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ؟ الْمُرَادُ بِالْعَوْدِ الرُّجُوعُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسِيسِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا خُصُوصُ الْجِمَاعِ.
وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِ هَذَا الْقَوْلِ، وَالتَّحْقِيقُ عَدَمُ جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ وَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا.
وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِغَيْرِ الْوَطْءِ قَائِلًا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسِيسِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا نَفْسُ الْجِمَاعِ لَا مُقَدِّمَاتُهُ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِمَا قَالُوا بِمَعْنَى فِي، أَيْ يَعُودُونَ فِيمَا قَالُوا بِمَعْنَى يَرْجِعُونَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﷺ الْوَاهِبُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ الْحَدِيثَ، وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ يَعُودُونَ عَمَّا قَالُوا، أَيْ يَرْجِعُونَ عَنْهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ.
стр. 232
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْعَوْدَ لَهُ مَبْدَأٌ وَمُنْتَهَى، فَمَبْدَؤُهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ وَمُنْتَهَاهُ الْوَطْءُ بِالْفِعْلِ، فَمَنْ عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ فَقَدْ عَادَ بِالنِّيَّةِ فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ، وَمَنْ وَطِئَ بِالْفِعْلِ تَحَتَّمَ فِي حَقِّهِ اللُّزُومُ وَخَالَفَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وَيَدُلُّكَ لِهَذَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَالَ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنَا الْقَاتِلَ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ عَمَلٌ يُؤَاخَذُ بِهِ الْإِنْسَانُ.
فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْآيَةِ الْمُتَبَادِرُ مِنْهَا يُوَافِقُ قَوْلَ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِي قَدَّمْنَا بُطْلَانَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِ: لِمَا قَالُوا أَنَّهُ صِيغَةُ الظِّهَارِ فَيَكُونُ الْعَوْدُ لَهَا تَكْرِيرُهَا مَرَّةً أُخْرَى.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى «لِمَا قَالُوا» أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ وُجُودُ نَظِيرِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ [١٩ ٨٠] ، أَيْ مَا يَقُولُ إِنَّهُ يُؤْتَاهُ
مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ فِي قَوْلِهِ: لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [١٩ \ ٧٧] ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مَنْ جَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الْكَفُّ عَنِ الْمَسِيسِ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى يُكَفِّرَ، هُوَ التَّحْقِيقُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ الْمَسِيسِ.
كَمَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَلِمَنْ قَالَ: تَلْزَمُ بِهِ كَفَّارَتَانِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَلِمَنْ قَالَ: تَلْزَمُ بِهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، كَمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً.
стр. 233
هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أَمَامَ الْمُنَاجَاةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْآيَةَ [٥٨ ١٣] ، يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَخِيرَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 234
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْحَشْرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالتَّقْيِيدِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [٨ \ ٢٤] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [٦٠ \ ١٢] ، فِي سُورَةِ «الْأَنْفَالِ» .
سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ الْآيَةَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلِ الْمُؤْمِنَ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ دَارِهِ لَا يَحْرُمُ بِرُّهُ، وَالْإِقْسَاطُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَمُوَادَّتِهِمْ مُطْلَقًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [٥ \ ٥١] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٦٠ \ ٩] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْآيَةَ [٥٨ \ ٢٢] .
وَالْجَوَابُ هُوَ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِنَسْخِ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ فَوَجْهُ الْجَمْعِ مَفْهُومٌ مِنْهَا لِأَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْ بِرِّهِ وَالْإِقْسَاطِ إِلَيْهِ مَشْرُوطٌ فِيهِ عَدَمُ الْقِتَالِ فِي الدِّينِ، وَعَدَمُ إِخْرَاجِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَالْكَافِرُ الْمَنْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ فِيهِ هُوَ الْمُقَاتِلُ فِي الدِّينِ الْمُخْرِجُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ دِيَارِهِمُ الْمُظَاهِرُ لِلْعَدُوِّ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 235
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصَّفِّ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا الْآيَةَ [٨ \ ٣٨] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [٤ \ ٩٤] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، فَهِيَ فِي خُصُوصِ الْأَشْقِيَاءِ الَّذِينَ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْهُدَى لِشَقَاوَتِهِمُ الْأَزَلِيَّةِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَهْدِيهِمْ مَا دَامُوا عَلَى فِسْقِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا مِنْهُ هَدَاهُمْ.
стр. 236
سُورَةُ الْجُمُعَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
فِيهِ الْإِشْكَالُ، وَالْجَوَابُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا آنِفًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [٥ ١٠٨] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا الْآيَةَ.
لَا يَخْفَى أَنَّ أَصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هُوَ الْحَدُّ الدَّائِرُ بَيْنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهْوِ لِدَلَالَةِ لَفْظَةِ " أَوْ " عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى التِّجَارَةِ وَحْدَهَا دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنَافَاةٍ فِي الْجُمْلَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ التِّجَارَةَ أَهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وَأَقْوَى سَبَبًا فِي الِانْفِضَاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُمُ انْفَضُّوا عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْعِيرِ، وَاللَّهْوُ كَانَ مِنْ أَجْلِ قُدُومِهَا، مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ يَجُوزُ فِيهَا رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ.
أَمَّا فِي الْعَطْفِ بَأَوْ فَوَاضِحٌ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْحَدِّ الدَّائِرِ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا الْآيَةَ [٤ ١١٢] .
وَأَمَّا الْوَاوُ فَهُوَ فِيهَا كَثِيرٌ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا الْآيَةَ [٢ ٤٥] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا " الْآيَةَ [٩ ٣٤] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ الْآيَةَ [٨ ٢٠] .
وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ:
وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْمًا لَاهِيَيْنَ بِهَا ... وَالدَّهْرُ وَالْعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإِمْرَارِ
стр. 237
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الْآيَةَ.
هَذَا الَّذِي شَهِدُوا عَلَيْهِ حَقٌّ لِأَنَّ رِسَالَةَ نَبِيِّنَا ﷺ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهَا، وَقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [٦٣] . مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [٦٣] ، كَأَنَّهُ تَصْدِيقٌ لَهُمْ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَكْذِيبَهُ تَعَالَى لَهُمْ مُنْصَبٌّ عَلَى إِسْنَادِهِمُ الشَّهَادَةَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: «نَشْهَدُ» ، وَهُمْ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ لَا يَشْهَدُونَ بِرِسَالَتِهِ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ عَدَمَهَا، أَوْ يَشُكُّونَ فِيهِ، كَمَا يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ - إِلَى قَوْلِهِ - وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [٢ ١٣] .
وَيَدُلُّ لِلثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [٩ \ ٤٥] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الْآيَةَ.
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لِلْمُنَافِقِينَ مُطْلَقًا، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ تُوهِمُ الطَّمَعَ فِي غُفْرَانِهِ لَهُمْ إِذَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ رَسُولُهُ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [٩ ٨٠] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ الْأَخِيرَةُ بَيَّنَتْ أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ.
стр. 238
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّغَابُنِ
قَوْلُهُ تَعَالَى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. تَقَدَّمَ رَفْعُ الْإِشْكَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [٣ \ ١٠٢] ، فِي سُورَةِ «آلِ عِمْرَانَ» .
سُورَةُ الطَّلَاقِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ الْآيَةَ.
ظَاهِرٌ فِي خُصُوصِ الْخِطَابِ بِهِ ﷺ ، وَقَوْلُهُ: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ الْآيَةَ [٦٥ ١] ، يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مُحَرَّرًا فِي سُورَةِ «الرُّومِ» مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ حُكْمُهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا.
إِفْرَدُ الضَّمِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: «يُؤْمِنْ» وَقَوْلِهِ: «يَعْمَلْ» وَقَوْلِهِ: «يُدْخِلْهُ» وَقَوْلِهِ: «لَهُ» . وَجُمِعَ فِي قَوْلِهِ: «خَالِدِينَ» .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِفْرَادَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ: «مَنْ» وَالْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْءَانِ الْعَظِيمِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمَعْنَى لَا تَجُوزُ بَعْدَهَا مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَاعَى الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «خَالِدِينَ» ثُمَّ رَاعَى اللَّفْظَ فِي قَوْلِهِ: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا.
стр. 239
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ.
مَعَ قَوْلِهِ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [٦٦ \ ٢] ، يَجْرِي فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ.
وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الطَّلَاقِ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ.
لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُوَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ مِنَ الْقَانِتَاتِ.
الْجَوَابُ هُوَ إِطْبَاقُ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ عَلَى تَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْجَمْعِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَرْيَمَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْقَانِتِينَ وَكَانَ مِنْهُمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ غَلَّبَ الذُّكُورَ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [١٢ \ ٢٩] ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ [٢٧ \ ٤٣] .
стр. 240
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمُلْكِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ.
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَعْقِلُونَ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا [٤٦ \ ٢٦] .
وَقَوْلِهِ: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [٢٩ \ ٣٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْ هَذَا مُحَرَّرًا فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: صُمٌّ بُكْمٌ [٢ \ ١٨] ، وَعَلَى قَوْلِهِ: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا الْآيَةَ [٢ \ ١٧٠] .
سُورَةُ الْقَلَمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ الْآيَةَ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ الْآيَةَ [٣٧ \ ١٤٥] .
стр. 241
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْحَاقَّةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ.
تَقَدَّمَ رَفْعُ الْإِشْكَالِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ لَا يَكْفِي، كَقَوْلِهِ: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [١٠ \ ٣٦] ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [٢ \ ٤٦] فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ.
ظَاهِرُ هَذَا الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا طَعَامَ لِأَهْلِ النَّارِ إِلَّا الْغِسْلِينَ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَاتِ، لِأَنَّهُ فِعْلِينٌ مِنَ الْغَسْلِ لِأَنَّ الصَّدِيدَ كَأَنَّهُ غُسَالَةُ قُرُوحِ أَهْلِ النَّارِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهَا.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى حَصْرِ طَعَامِهِمْ فِي غَيْرِ الْغِسْلِينِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [٨٨ \ ٦] ، وَهُوَ الشِّبْرِقُ الْيَابِسُ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَاتِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إِذَا ذَوَى ... وَصَارَ ضَرِيعًا بَانَ عَنْهُ النَّحَائِصُ
وَلِلْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا أَجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ أَحْسَنُهَا عِنْدِي اثْنَانِ مِنْهَا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَذَابَ أَلْوَانٌ، وَالْمُعَذَّبُونَ طَبَقَاتٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَا طَعَامَ لَهُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا طَعَامَ لَهُ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا طَعَامَ لَهُ إِلَّا الزَّقُّومَ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [١٥ \ ٤٤] .
стр. 242
الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ أَنَّهُمْ لَا طَعَامَ لَهُمْ أَصْلًا لِأَنَّ الضَّرِيعَ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعَامِ وَلَا تَأْكُلُهُ الْبَهَائِمُ فَأَحْرَى الْآدَمِيُّونَ.
وَكَذَلِكَ الْغِسْلِينُ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ، فَمَنْ طَعَامُهُ الضَّرِيعُ لَا طَعَامَ لَهُ، وَمَنْ طَعَامُهُ الْغِسْلِينُ كَذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ لَا ظِلَّ لَهُ إِلَّا الشَّمْسَ، وَلَا دَابَّةَ إِلَّا دَابَّةَ ثَوْبَانَ يَعْنُونَ الْقُمَّلَ، وَمُرَادُهُمْ لَا ظِلَّ لَهُ أَصْلًا وَلَا دَابَّةَ لَهُ أَصْلًا، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 243
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ سَأَلَ سَائِلٌ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [٣٢ \ ٥] .
وَقَوْلِهِ: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٢٢ \ ٤٧] ، فِي سُورَةِ «الْحَجِّ» .
وَقَوْلِهِ: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [٢٣ \ ٦] ، تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [٤ \ ٢٣] فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ نُوحٍ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَالِمٌ بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْأَوْلَادُ مِنَ الْفُجُورِ وَالْكُفْرِ قَبْلَ وِلَادَتِهِمْ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [٢٧ \ ٦٥] .
وَكَقَوْلِ نُوحٍ نَفْسِهِ فِيمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُورَةِ «هُودٍ» : وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ الْآيَةَ [١١ \ ٣١] .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ عَلِمَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أَنَّ قَوْمَهُ لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ آمَنَ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ الْآيَةَ [١١ \ ٣٦] .
стр. 244
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْجِنِّ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا.
لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٥ \ ٤٢] .
لِأَنَّ الْقَاسِطَ هُوَ الْجَائِرُ، وَالْمُقْسِطُ هُوَ الْعَادِلُ، فَهُمَا ضِدَّانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا الْآيَةَ.
أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: «لَهُ» وَجَمَعَ قَوْلَهُ: «خَالِدِينَ» .
وَالْجَوَابُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْإِفْرَادَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ: «مَنْ» وَالْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ - إِلَى قَوْلِهِ - وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ الْآيَةَ [٧٣ \ ٢٠] ، يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْأُمَّةِ، لِأَنَّ أَمْرَ الْقُدْوَةِ أَمْرٌ لِأَتْبَاعِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْخُصُوصِ بِهِ ﷺ .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [٧٣ ٢٠] ، وَقَوْلِهِ: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [٧٣ ٢٠] ، وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَخِيرَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ نُسِخَ الْأَخِيرُ أَيْضًا بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
стр. 245
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا.
لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [١٠١ ٥] ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَالْجِبَالُ بَعْدَ طَحْنِهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [٥٦ \ ١٥] تُشْبِهُ الرَّمْلَ الْمُتَهَايِلَ وَتُشْبِهُ أَيْضًا الصُّوفَ الْمَنْفُوشَ.
стр. 246
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ الْآيَةَ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ الْآيَةَ [٥٢ \ ٢١] .
سُورَةُ الْقِيَامَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
لَا يُعَارِضُ إِقْسَامَهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [٨٥] ، وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «لَا» نَافِيَةٌ لِكَلَامِ الْكُفَّارِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا صِلَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي لَهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [٦ ١٠٣] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْإِنْسَانِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ.
لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ الْآيَةَ [١٨ \ ٣١] .
وَوَجْهُ الْجَمْعِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّهُمَا جَنَّتَانِ أَوَانِيهُمَا وَجَمِيعُ مَا فِيهِمَا مِنْ فِضَّةٍ، وَأُخْرَيَانِ أَوَانِيهُمَا وَجَمِيعُ مَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 247
سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَعْتَذِرُونَ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ وَيَعْتَذِرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [٦ \ ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [١٦ \ ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا [٤٠] ، وَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [٢٦ \ ٩٧ - ٩٩] ، وَقَوْلِهِ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا [٧ \ ٣٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَامَةَ مُوَاطِنُ فَفِي بَعْضِهَا يَنْطِقُونَ وَفِي بَعْضِهَا لَا يَنْطِقُونَ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِمَا لَهُمْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَالْعَدَمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ لَهُمْ: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [٢٣ ١٠٨] .
يَنْقَطِعُ نُطْقُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ.
قَالَ تَعَالَى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [٢٧ ٨٥] ، وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ رَاجِعٌ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
стр. 248
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّبَأِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ هُوَ وَالْآيَاتِ الْمُشَابِهَةِ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [١١ ١٠٧] ، مَعَ الْآيَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِدَوَامِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ بِلَا انْقِطَاعٍ كَقَوْلِهِ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [٤ \ ٥٧] ، فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ الْآيَةَ [٦ \ ١٢٨] ، فَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الْعَذَابَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ وَبَيَّنَّا وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحْقَابِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا مَعَ الدَّوَامِ الْأَبَدِيِّ الَّذِي قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقُرْءَانِ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، أَيْ: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا فِي حَالِ كَوْنِهِمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [٧٩ ٢٣ - ٢٥] ، فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْأَحْقَابُ عُذِّبُوا بِأَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ غَيْرَ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بِأَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ غَيْرَ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [٣٨ \ ٥٧ - ٥٨] .
وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَدَاخُلُ الْحَالِ وَهُوَ جَائِزٌ حَتَّى عِنْدَ مَنْ مَنَعَ تَرَادُفَ الْحَالِ كَابْنِ عُصْفُورٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ جُمْلَةَ: لَا يَذُوقُونَ: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُسْتَكِنِّ، وَنَعْنِي بِاسْمِ الْفَاعِلِ قَوْلَهُ: لَابِثِينَ الَّذِي هُوَ حَالٌ، وَنَظِيرُهُ مِنْ إِتْيَانِ جُمْلَةِ فِعْلٍ مُضَارِعٍ مَنْفِيٍّ بِلَا حَالًا فِي الْقُرْءَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ
стр. 249
أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [١٦ \ ٧٨] ، أَيْ فِي حَالِ كَوْنِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَحْقَابَ لَا تَنْقَضِي أَبَدًا، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ
وَقَالَ: إِنَّهُ أَصَحُّ مِنْ جَعْلِ الْآيَةِ فِي عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ.
الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ قَوْلِهِ: «أَحْقَابًا» عَلَى التَّنَاهِي وَالِانْقِضَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ مَفْهُومِ الظَّرْفِ وَالتَّأْبِيدِ مُصَرَّحٌ بِهِ مَنْطُوقًا وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَقَوْلُ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، يَرُدُّهُ ظَاهِرُ الْقُرْءَانِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا [٧٨ \ ٢٨] ، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ.
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّازِعَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ - إِلَى قَوْلِهِ - ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [٤١ \ ٩ - ١١] ، فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ الْآيَةَ [٢ \ ٢٩] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عُمُومِ الْإِنْذَارِ كَقَوْلِهِ: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [٢٥] ، فِي سُورَةِ «يس» وَغَيْرِهَا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ عَبَسَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى.
عَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الَّذِي هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ النَّاسُ مَعَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [٤٩ \ ١١] .
وَالْجَوَابُ هُوَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَنَّ السِّرَّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظِ: «الْأَعْمَى» لِلْإِشْعَارِ بِعُذْرِهِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى قَطْعِ كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَرَى مَا هُوَ مُشْتَغِلٌ بِهِ مَعَ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ، لَمَا قَطَعَ كَلَامَهُ.
следующие страницы →