Полный текст (288 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ الْآيَةَ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ الْآيَةَ [٥٢ \ ٢١] .
سُورَةُ الْقِيَامَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
لَا يُعَارِضُ إِقْسَامَهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [٨٥] ، وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «لَا» نَافِيَةٌ لِكَلَامِ الْكُفَّارِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا صِلَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي لَهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [٦ ١٠٣] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْإِنْسَانِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ.
لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ الْآيَةَ [١٨ \ ٣١] .
وَوَجْهُ الْجَمْعِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّهُمَا جَنَّتَانِ أَوَانِيهُمَا وَجَمِيعُ مَا فِيهِمَا مِنْ فِضَّةٍ، وَأُخْرَيَانِ أَوَانِيهُمَا وَجَمِيعُ مَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 247
سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَعْتَذِرُونَ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ وَيَعْتَذِرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [٦ \ ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [١٦ \ ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا [٤٠] ، وَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [٢٦ \ ٩٧ - ٩٩] ، وَقَوْلِهِ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا [٧ \ ٣٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَامَةَ مُوَاطِنُ فَفِي بَعْضِهَا يَنْطِقُونَ وَفِي بَعْضِهَا لَا يَنْطِقُونَ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِمَا لَهُمْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَالْعَدَمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ لَهُمْ: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [٢٣ ١٠٨] .
يَنْقَطِعُ نُطْقُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ.
قَالَ تَعَالَى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [٢٧ ٨٥] ، وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ رَاجِعٌ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
стр. 248
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّبَأِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ هُوَ وَالْآيَاتِ الْمُشَابِهَةِ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [١١ ١٠٧] ، مَعَ الْآيَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِدَوَامِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ بِلَا انْقِطَاعٍ كَقَوْلِهِ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [٤ \ ٥٧] ، فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ الْآيَةَ [٦ \ ١٢٨] ، فَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الْعَذَابَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ وَبَيَّنَّا وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحْقَابِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا مَعَ الدَّوَامِ الْأَبَدِيِّ الَّذِي قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقُرْءَانِ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، أَيْ: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا فِي حَالِ كَوْنِهِمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [٧٩ ٢٣ - ٢٥] ، فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْأَحْقَابُ عُذِّبُوا بِأَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ غَيْرَ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بِأَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ غَيْرَ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [٣٨ \ ٥٧ - ٥٨] .
وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَدَاخُلُ الْحَالِ وَهُوَ جَائِزٌ حَتَّى عِنْدَ مَنْ مَنَعَ تَرَادُفَ الْحَالِ كَابْنِ عُصْفُورٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ جُمْلَةَ: لَا يَذُوقُونَ: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُسْتَكِنِّ، وَنَعْنِي بِاسْمِ الْفَاعِلِ قَوْلَهُ: لَابِثِينَ الَّذِي هُوَ حَالٌ، وَنَظِيرُهُ مِنْ إِتْيَانِ جُمْلَةِ فِعْلٍ مُضَارِعٍ مَنْفِيٍّ بِلَا حَالًا فِي الْقُرْءَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ
стр. 249
أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [١٦ \ ٧٨] ، أَيْ فِي حَالِ كَوْنِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَحْقَابَ لَا تَنْقَضِي أَبَدًا، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ
وَقَالَ: إِنَّهُ أَصَحُّ مِنْ جَعْلِ الْآيَةِ فِي عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ.
الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ قَوْلِهِ: «أَحْقَابًا» عَلَى التَّنَاهِي وَالِانْقِضَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ مَفْهُومِ الظَّرْفِ وَالتَّأْبِيدِ مُصَرَّحٌ بِهِ مَنْطُوقًا وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَقَوْلُ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، يَرُدُّهُ ظَاهِرُ الْقُرْءَانِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا [٧٨ \ ٢٨] ، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ.
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّازِعَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ - إِلَى قَوْلِهِ - ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [٤١ \ ٩ - ١١] ، فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ الْآيَةَ [٢ \ ٢٩] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عُمُومِ الْإِنْذَارِ كَقَوْلِهِ: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [٢٥] ، فِي سُورَةِ «يس» وَغَيْرِهَا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ عَبَسَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى.
عَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الَّذِي هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ النَّاسُ مَعَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [٤٩ \ ١١] .
وَالْجَوَابُ هُوَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَنَّ السِّرَّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظِ: «الْأَعْمَى» لِلْإِشْعَارِ بِعُذْرِهِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى قَطْعِ كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَرَى مَا هُوَ مُشْتَغِلٌ بِهِ مَعَ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ، لَمَا قَطَعَ كَلَامَهُ.
стр. 251
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكْوِيرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ.
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْجَاهِلُ أَنَّ الْقُرْءَانِ كَلَامُ جِبْرِيلَ مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ مُصَرِّحَةٌ بِكَثْرَةٍ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَكَقَوْلِهِ: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [١١] .
وَالْجَوَابُ وَاضِحٌ مِنْ نَفْسِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْإِيهَامَ الْحَاصِلَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ يَدْفَعُهُ ذِكْرُ الرَّسُولِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ أُرْسِلَ بِتَبْلِيغِهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَقَوْلُ رَسُولٍ أَيْ تَبْلِيغُهُ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْفِطَارِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا قَدَّمَ وَمَا أَخَّرَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ نَفْسِ تَعْلَمُ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ كَقَوْلِهِ: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ [١٠] ، وَقَوْلِهِ: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [١٧ \ ١٣] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: «نَفْسٌ» ، كُلُّ نَفْسٍ، وَالنَّكِرَةُ وَإِنْ كَانَتْ
стр. 252
لَا تَعُمُّ إِلَّا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ الشَّرْطِ أَوِ الِامْتِنَانِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، فَإِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهَا رُبَّمَا أَفَادَتِ الْعُمُومَ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ مِنْ غَيْرِ نَفْيٍ أَوْ شَرْطٍ أَوِ امْتِنَانٍ، كَقَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [٨١ \ ١٤] ، فِي «التَّكْوِيرِ» وَ «الِانْفِطَارِ» وَقَوْلِهِ: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ، وَقَوْلِهِ: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّطْفِيفِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْمَفْهُومِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [٦] .
سُورَةُ الِانْشِقَاقِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ الْآيَةَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْطَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، أَنَّهُ يُعْطَاهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ يُؤْتَاهُ بِشِمَالِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي الْآيَةَ [٦٩ \ ٢٥] .
وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَخْذِهِ بِشِمَالِهِ، وَإِيتَائِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ تُغَلُّ يُمْنَاهُ إِلَى عُنُقِهِ،
стр. 254
وَتُجْعَلُ يُسْرَاهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ بِهَا كِتَابَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْبُرُوجِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ.
لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ تَوَهُّمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ لَفْظَةِ: «الْجُنُودِ» ، مَعَ لَفْظَةِ «فِرْعَوْنَ» ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ جُنْدًا، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ.
وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِفِرْعَوْنَ هُوَ وَقَوْمُهُ فَاكْتَفَى بِذِكْرِهِ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُ، وَتَحْتَ طَاعَتِهِ.
سُورَةُ الطَّارِقِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا.
هَذَا الْإِمْهَالُ الْمَذْكُورُ هُنَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الْآيَةَ [٩ \ ٥] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِمْهَالَ مَنْسُوخٌ بِآيَاتِ السَّيْفِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 255
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْأَعْلَى
قَوْلُهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ الْآيَةَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَنْسَى مِنَ الْقُرْءَانِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَاهُ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْقُرْءَانِ مِنَ الضَّيَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [٧٥ \ ١٦ - ١٧] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [١٥ \ ٩] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقُرْءَانِ وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مِنَ الضَّيَاعِ فَإِنَّ بَعْضَهُ يَنْسَخُ بَعْضًا، وَإِنْسَاءُ اللَّهِ نَبِيَّهُ بَعْضَ الْقُرْءَانِ فِي حُكْمِ النَّسْخِ، فَإِذَا أَنْسَاهُ آيَةً فَكَأَنَّهُ نَسَخَهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [٢ \ ١٠٦] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ الْآيَةَ [١٦ \ ١٠١] .
وَأَشَارَ هُنَا لِعِلْمِهِ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى [٨٧ \ ٧] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ التَّذْكِيرَ، لَا يُطْلَبُ إِلَّا عِنْدَ مَظِنَّةِ نَفْعِهِ، بِدَلِيلِ أَنِ الشَّرْطِيَّةِ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّذْكِيرِ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [٨٨ \ ٢١] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [٥٤ \ ١٧] .
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ:
مِنْهَا أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا أَيْ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ، كَقَوْلِهِ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [١٦ \ ٨١] ، أَيْ وَالْبَرْدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَالنَّحَّاسِ وَالْجُرْجَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 256
وَمِنْهَا أَنَّهَا بِمَعْنَى: إِذْ، وَإِتْيَانُ: «إِنْ» بِمَعْنَى: إِذْ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ.
وَجَعَلَ مِنْهُ الْكُوفِيُّونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٥ \ ١١٢] .
وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٣ \ ١٣٩] ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٥ \ ٢٣] ، وَقَوْلَهُ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [٤٨ \ ٢٧] .
وَقَوْلَهُ ﷺ : وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ.
وَقَوْلَ الْفَرَزْدَقِ:
أَتَغْضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حَزَّتَا ... جِهَارًا وَلَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ
وَأَجَابَ الْبَصْرِيُّونَ عَنْ آيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، بِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، جِيءَ بِهِ لِلتَّهْيِيجِ، وَعَنْ آيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْحَدِيثُ بِأَنَّهُمَا تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، إِذَا أَخْبَرُوا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَنِ الْبَيْتِ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ إِقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبِّبِ، وَالْأَصْلُ: أَتَغْضَبُ إِنِ افْتَخَرَ مُفْتَخِرٌ بِحَزِّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ، إِذِ الِافْتِخَارُ بِذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ، وَمُسَبِّبًا عَنِ الْحَزِّ.
الثَّانِي: تَغْضَبُ إِنَّ تَبَيَّنَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَنَّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ حُزَّتَا.
وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَى إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى الْإِرْشَادُ إِلَى التَّذْكِيرِ بِالْأَهَمِّ، أَيْ ذَكِّرْ بِالْمُهِمِّ الَّذِي فِيهِ النَّفْعُ دُونَ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى ذَكِّرِ الْكُفَّارَ مَثَلًا بِالْأُصُولِ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ، لَا بِالْفُرُوعِ، لِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ دُونَ الْأُصُولِ، وَذَكِّرِ الْمُؤْمِنَ التَّارِكَ لِفَرْضٍ مَثَلًا بِذَلِكَ الْفَرْضِ الْمَتْرُوكِ لَا بِالْعَقَائِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ.
وَمِنْهَا أَنَّ «إِنْ» ، بِمَعْنَى: قَدْ وَهُوَ قَوْلُ قُطْرُبٍ.
стр. 257
وَمِنْهَا أَنَّهَا صِيغَةُ شَرْطٍ أُرِيدَ بِهَا ذَمُّ الْكُفَّارِ وَاسْتِبْعَادُ تَذَكُّرِهِمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ... وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، هُوَ بَقَاءُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ لِذِكْرِي تَكْرِيرًا تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ ظَنِّ الْفَائِدَةِ، أَمَّا إِذَا عَلِمَ الْفَائِدَةَ فَلَا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ هُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَسْعَى إِلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
لِمَا نَافِعٌ يَسْعَى اللَّبِيبُ فَلَا تَكُنْ ... لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ سَاعِيًا
وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلَكِنَّ الْخَفَاءَ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَإِيضَاحُهُ أَنْ يُقَالَ: بِأَيِّ وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ إِفَادَةِ الذِّكْرَى، حَتَّى يُبَاحَ تَرْكُهَا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَارَةً يَعْلَمُهُ بِإِعْلَامِ اللَّهِ بِهِ، كَمَا وَقَعَ فِي أَبِي لَهَبٍ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى فِيهِ: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ الْآيَةَ [١١١ \ ٣ - ٤] .
فَأَبُو لَهَبٍ هَذَا وَامْرَأَتُهُ لَا تَنْفَعُ فِيهِمَا الذِّكْرَى، لِأَنَّ الْقُرْءَانِ نَزَلَ بِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بَعْدَ تَكْرَارِ التَّذْكِيرِ لَهُمَا تَكْرَارًا تَقُومُ عَلَيْهِمَا بِهِ الْحُجَّةُ، فَلَا يَلْزَمُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَنْ يُذَكِّرَهُمَا بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى.
وَتَارَةً يَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ، بِحَيْثُ يُبْلِغُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَيَأْتِي بِالْمُعْجِزَاتِ الْوَاضِحَةِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ عَالِمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْكُفْرِ عِنَادًا وَلَجَاجًا، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجِبُ تَكْرِيرُ الذِّكْرَى لَهُ دَائِمًا، بَعْدَ أَنْ تُكَرَّرَ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا تَلْزَمُهُ بِهِ الْحُجَّةُ.
стр. 258
وَحَاصِلُ إِيضَاحِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الذِّكْرَى تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ حِكَمٍ:
الْأُولَى: خُرُوجُ فَاعِلِهَا مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِهَا.
الثَّانِيَةُ: رَجَاءُ النَّفْعِ لِمَنْ يُوعَظُ بِهَا، وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الْحِكْمَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [٧ \ ١٦٤] ، وَبَيَّنَ الْأَوْلَى مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [٥١ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [٤٢ \ ٤٨] ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيَّنَ الثَّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٥١] .
الثَّالِثَةُ: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ، وَبَيَّنَهَا تَعَالَى بِقَوْلِهِ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [٤ \ ١٦٥] وَبِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا الْآيَةَ [٢٠ \ ١٣٤] ، فَالنَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَّرَ الذِّكْرَى حَصَلَتِ الْحِكْمَةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ طَمَعٌ اسْتَمَرَّ عَلَى التَّذْكِيرِ وَإِلَّا لَمْ يُكَلَّفْ بِالدَّوَامِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا بَقَاءَ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى صَرْفِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا، وَأَنَّ مَعْنَاهَا: فَذَكِّرْ مُطْلَقًا إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ، لِأَنَّنَا نَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ كِتَابِ اللَّهِ عَنْ ظَوَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرَةِ مِنْهُ؟ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ لَهُ، وَإِلَى بَقَاءِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا.
جَنَحَ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: أَيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تَنْفَعُ التَّذْكِرَةُ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ الْأَدَبُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ، فَلَا يَضَعُهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تُبَلِّغُهُ عُقُولَهُمْ، إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ: حَدَّثَ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
تَنْبِيهٌ
هَذَا الْإِشْكَالُ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ دَلِيلِ
стр. 259
الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، كَأَبِي حَنِيفَةَ؟ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ لَا إِشْكَالَ فِيهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كَالْبَاقِلَّانِيِّ، فَتَكُونُ الْآيَةُ نَصَّتْ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ مَظِنَّةِ النَّفْعِ، وَسَكَتَتْ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَظِنَّةِ النَّفْعِ فَيُطْلَبُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، فَلَا تُعَارِضُ الْآيَةُ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى التَّذْكِيرِ مُطْلَقًا.
стр. 260
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [٦٩ \ ٣٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ الْآيَةَ [٨٨ \ ١٢] .
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [١٥ \ ٤٥] .
وَالْجَوَابُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [٥٤ \ ٥٤] ، مَعَ قَوْلِهِ: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ الْآيَةَ [٤٧ \ ١٥] .
فَالْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الْعُيُونُ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» وَغَيْرِهَا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْفَجْرَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا.
يُوهِمُ أَنَّهُ مَلَكٌ وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ «صَفًّا صَفًّا» : يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَلَكٍ وَاحِدٍ بَلْ صُفُوفٌ مِنْ جَمَاعَاتِ الْمَلَائِكَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: «وَالْمَلَكُ» ، مَعْنَاهُ: وَالْمَلَائِكَةُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [٦٩ \ ١٧] ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ الْآيَةَ [٢ \ ٢٩] .
стр. 261
سُورَةُ الْبَلَدِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يَتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِهَا أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [٩٥ \ ٣] .
الْأَوَّلُ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّ " لَا " هُنَا صِلَةٌ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهَا رُبَّمَا لَفَظَتْ " لَا " مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الْكَلَامِ وَتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: " مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِي [٢٠ \ ٩٢ - ٩٣] ، يَعْنِي أَنْ تَتْبَعَنِي، وَقَوْلِهِ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [٧ \ ١٢] ، أَيْ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ " ص ": مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ الْآيَةَ [٣٨] ، وَقَوْلُهُ: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ [٥٧ \ ٢٩] ، أَيْ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [٤ \ ٦٥] ، أَيْ فَوَرَبِّكَ، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
[٢١] ، أَيْ وَالسَّيِّئَةُ وَقَوْلُهُ: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [٢١ \ ٩٥] عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [٦ \ ١٠٩] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا [٦ \ ١٥١] ، عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْمَاضِيَةِ.
وَكَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَلَّا تَسْخَرَا ... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمِطَ الْقَفَنْدَرَا
يَعْنِي أَنْ تَسْخَرَ،
стр. 262
وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَتَلْحِينَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ ... وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ
يَعْنِي أَنْ أُحِبَّهُ وَ: لَا، زَائِدَةٌ.
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ قَاتِلُهْ
يَعْنِي أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ، وَ " لَا "، زَائِدَةٌ عَلَى خِلَافٍ فِي زِيَادَتِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ الْأَخِيرِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ " الْبُخْلِ " بِالْجَرِّ لِأَنَّ: لَا، عَلَيْهَا مُضَافٌ بِمَعْنَى لَفْظَةِ لَا، فَلَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى رِوَايَةِ الْجَرِّ.
وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيِّ ... لَا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنَّى أَفِرْ
يَعْنِي وَأَبِيكِ.
وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ لِزِيَادَةِ " لَا " فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْجَحْدِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ... وَالْأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
يَعْنِي وَعُمَرُ، وَ: لَا، صِلَةٌ.
وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ لِزِيَادَتِهَا قَوْلَ الْعَجَّاجِ:
فِي
بِئْرِ
لَا
حُورٍ
سَرَى
وَمَا
شَعَرْ
... بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرْ
فَالْحُورُ الْهَلَكَةُ يَعْنِي فِي بِئْرِ هَلَكَةٍ، وَ " لَا " صِلَةٌ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ.
وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ لِزِيَادَتِهَا قَوْلَ سَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ:
أَفَعَنْكَ لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ ... غَابَ تَسَنُّمُهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ
стр. 263
وَيُرْوَى أَفَمِنْكَ، وَتَشَيُّمُهُ بَدَلَ أَفَعَنْكَ، وَتَسَنُّمُهُ.
يَعْنِي أَعَنْكَ بَرْقٌ وَ " لَا "، صِلَةٌ.
وَمِنْ شَوَاهِدِ زِيَادَتِهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ ... وَكَادَ صَمِيمُ الْقَلْبِ لَا يُقَطَّعُ
يَعْنِي كَادَ يَتَقَطَّعُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ أَبِي عُبَيْدَةَ لِزِيَادَتِهَا بِقَوْلِ الشَّمَّاخِ:
أَعَائِشُ مَا لِقَوْمِكِ لَا أَرَاهُمْ ... يَضِيعُونَ الْهِجَانَ مَعَ الْمُضِيعِ
فَغَلَطٌ مِنْهُ لِأَنَّ: لَا، فِي بَيْتِ الشَّمَّاخِ هَذَا نَافِيَةٌ لَا زَائِدَةٌ وَمَقْصُودُهُ أَنَّهَا تَنْهَاهُ عَنْ حِفْظِ مَالِهِ مَعَ أَنَّ أَهْلَهَا يَحْفَظُونَ مَالَهُمْ، أَيْ لَا أَرَى قَوْمَكِ يُضَيِّعُونَ مَالَهُمْ، وَأَنْتِ تُعَاتِبِينَنِي فِي حِفْظِ مَالِي.
وَمَا ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ مِنْ أَنَّ لَفْظَةَ: لَا، لَا تَكُونُ صِلَةً إِلَّا فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْجَحْدِ، فَهُوَ أَغْلَبَنِي لَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِدَلِيلِ بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لَا جَحْدَ فِيهَا، كَهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقَوْلِ بَأَنَّ " لَا " فِيهَا صِلَةٌ، وَكَبَيْتِ سَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ.
وَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ زِيَادَةِ " لَا " فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ " لَا نَفْيٌ لِكَلَامِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَقَوْلُهُ: " أُقْسِمُ " إِثْبَاتٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْقِيَامَةِ ": وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [٧٥] ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ يَدُلَّا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْإِثْبَاتَ الْمُؤْتَنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ
стр. 264
بِقَوْلِهِ: " أُقْسِمُ "، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا حَرْفُ نَفْيٍ أَيْضًا، وَوَجْهُهُ أَنَّ إِنْشَاءَ الْقَسَمِ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ، فَهُوَ نَفْيٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُعَظَّمُ بِالْقَسَمِ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ عَظِيمٌ أَقْسَمَ بِهِ أَوَّلًا.
وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَصَاحِبُ رَوْحِ الْمَعَانِي، وَلَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ بُعْدٍ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّامَ لَامُ الِابْتِدَاءِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهَا، وَالْعَرَبُ رُبَّمَا أَشْبَعَتِ الْفَتْحَةَ بِأَلِفٍ وَالْكَسْرَةَ بِيَاءٍ وَالضَّمَّةَ بِوَاوٍ.
فَمِثَالُهُ فِي الْفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَقَّاصٍ الْحَارِثِيِّ:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لَمْ تَرَا قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيًا
فَالْأَصْلُ كَأَنْ لَمْ تَرَ، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ.
وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ... وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِي
فَالْأَصْلُ تَرَضَّهَا، لِأَنَّ الْفِعْلَ مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ.
وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ
فَالْأَصْلُ يَنْبُعُ يَعْنِي أَنَّ الْعَرَقَ يَنْبُعُ مِنْ عَظْمِ الذِّفْرَى مِنْ نَاقَتِهِ، فَأَشْبَعَ الْفَتْحَةَ فَصَارَ يَنْبَاعُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
قُلْتُ وَقَدْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ ... يَا نَاقَتِي مَا جُلْتِ مِنْ مَجَالِي
فَقَوْلُهُ: " الْكَلْكَالِ "، يَعْنِي الْكَلْكَلَ، وَلَيْسَ إِشْبَاعُ الْفَتْحَةِ فِي هَذِهِ الشَّوَاهِدِ
стр. 265
مِنْ ضَرُورَةِ
الشِّعْرِ، لِتَصْرِيحِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ بِأَنَّ إِشْبَاعَ الْحَرَكَةِ بِحَرْفٍ يُنَاسِبُهَا أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ مَسْمُوعٌ فِي النَّثْرِ كَقَوْلِهِمْ: كَلْكَالٌ، وَخَاتَامٌ، وَدَانَاقٌ، يَعْنُونَ: كَلْكَلًا وَخَاتَمًا وَدَانَقًا.
وَمِثْلُهُ فِي إِشْبَاعِ الضَّمَّةِ بِالْوَاوِ، وَقَوْلُهُمْ: بُرْقُوعٌ وَمُعْلُوقٌ، يَعْنُونَ: بُرْقُعًا وَمُعَلَّقًا.
وَمِثَالُ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ بِالْيَاءِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادٍ
فَالْأَصْلُ يَأْتِكَ لِمَكَانِ الْجَازِمِ، وَأَنْشَدَ لَهُ الْفَرَّاءُ:
لَا عَهْدَ لِي بِنِيضَالِ ... أَصْبَحْتُ كَالشَّنِّ الْبَالِ
وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنِّي بِفَتْخَاءِ الْجَنَاحَيْنِ لَقْوَةٍ ... عَلَى عَجَلٍ مِنِّي أُطَأْطِئُ شِيمَالِي
وَيُرْوَى: " صَيُودٍ مِنَ الْعِقْبَانِ طَأْطَأْنَ شِيمَالِي ".
وَيُرْوَى " دَفُوفٍ مِنَ الْعِقْبَانِ ". إلخ.
وَيُرْوَى " شِمْلَالِ " بَدَلَ شِيمَالِ "، وَعَلَيْهِ فَلَا شَاهِدَ فِي الْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ الْيَاءِ مَشْهُورَةٌ. وَمِثَالُ إِشْبَاعِ الضَّمَّةِ بِالْوَاوِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
هَجَوْتُ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتُ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُ وَلَمْ تَدَعِ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنَا ... يَوْمَ الْفِرَاقِ إِلَى إِخْوَانِنَا صُوَرُ
وَإِنَّنِي حَيْثُمَا يَثْنِي الْهَوَى بَصَرِي ... مِنْ حَيْثُمَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ
стр. 266
يَعْنِي فَأَنْظُرُ، وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
لَوْ أَنَّ عَمْرًا هَمَّ أَنْ يَرْقُودَا ... فَانْهَضْ فَشُدَّ الْمِئْزَرَ الْمَعْقُودَا
يَعْنِي " يَرْقُدَ "، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قِرَاءَةُ قُنْبُلٍ: " لَأُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ " بِلَامِ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْبَزِّيِّ وَالْحَسَنِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ.
يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ لَاصِقٌ بِالتُّرَابِ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَهُوَ أَشَدُّ فَقْرًا مِنْ مُطْلَقِ الْفَقِيرِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ الْآيَةَ [١٨ \ ٧٩] ، يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً عَامِلَةً لِلْإِيجَارِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ عَنْ كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ عِنْدَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ كَالشَّافِعِيِّ، فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْجَوَابَ أَنَّهُ يَقُولُ: الْمِسْكِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ لَا يَكْفِيهِ، فَإِذَا قُيِّدَ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَذَلِكَ يُعْلَمُ مِنَ الْقَيْدِ الزَّائِدِ لَا مِنْ مُطْلَقِ لَفْظِ الْمِسْكِينِ.
وَعَلَيْهِ، فَاللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَيَّدَ الْمِسْكِينَ بِكَوْنِهِ: ذَا مَتْرَبَةٍ، فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ لَانْصَرَفَ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ، فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ لَا يُعَارَضُ بِمَدْلُولِهِ حَالَةَ التَّقْيِيدِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْوَجُ مِنْ مُطْلَقِ الْفَقِيرِ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ فَيُجَابُ عَنْ آيَةِ الْكَهْفِ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: " مَسَاكِينَ "؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ضِعَافٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُدَافَعَةِ الظَّلَمَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ مِنْهُمْ زَمْنَى.
стр. 267
وَمِنْهَا أَنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهُمْ، بَلْ كَانُوا أُجَرَاءَ فِيهَا أَوْ أَنَّهَا عَارِيَةٌ وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ.
وَمِنْهَا أَنَّ اسْمَ الْمَسَاكِينِ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ تَرَحُّمًا لِضَعْفِهِمْ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا، وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ - مِنْ قِرَاءَةِ عَلِيٍّ ﵁ " لِمَسَّاكِينَ "، بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ تَصْحِيحٍ لَمَسَّاكٍ بِمَعْنَى الْمَلَّاحِ أَوْ دَابَّةِ الْمُسُوكِ الَّتِي هِيَ الْجُلُودُ، فَلَا يَخْفَى سُقُوطُهُ لِضَعْفِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَشُذُوذِهَا. وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ الْمُنْصِفِ أَنَّ مَجْمُوعَ الْآيَتَيْنِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمِسْكِينِ مُشَكِّكٌ لِتَفَاوُتِ أَفْرَادِهِ فَيَصْدُقُ بِمَنْ عِنْدَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ بِدَلِيلِ آيَةِ " الْكَهْفِ "، وَمَنْ هُوَ لَاصِقٌ بِالتُّرَابِ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ آيَةِ " الْبَلَدِ "،
كَاشْتِرَاكِ الشَّمْسِ وَالسِّرَاجِ فِي النُّورِ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا، وَاشْتِرَاكِ الثَّلْجِ وَالْعَاجِ فِي الْبَيَاضِ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا.
وَالْمُشَكِّكُ إِذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِوَصْفِ الْأَشَدِّيَّةِ انْصُرِفَ إِلَى مُطْلَقِهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْفَقِيرُ أَيْضًا قَدْ تُطْلِقُهُ الْعَرَبُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ بَعْضُ الْمَالِ، كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ رَاعِي نُمَيْرٍ:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فَسَمَّاهُ فَقِيرًا مَعَ أَنَّ عِنْدَهُ حَلُوبَةً قَدْرَ عِيَالِهِ.
стр. 268
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشَّمْسِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْفُجُورَ وَالتَّقْوَى فِي الْقَلْبِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فُجُورَ الْعَبْدِ وَتَقْوَاهُ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [٤١ \ ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى [٢ \ ١٦] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي ضَلَّ فِيهَا الْقَدَرِيَّةُ وَالْجَبْرِيَّةُ.
أَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَضَّلُوا بِالتَّفْرِيطِ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ عَمَلَ نَفْسِهِ اسْتِقْلَالًا مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْجَبْرِيَّةُ فَضَّلُوا بِالْإِفْرَاطِ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا عَمَلَ لَهُ أَصْلًا حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلَمْ يُفْرِطُوا وَلَمْ يُفَرِّطُوا، فَأَثْبَتُوا لِلْعَبْدِ أَفْعَالًا اخْتِيَارِيَّةً، وَمِنَ الضَّرُورِيِّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الْحَرَكَةَ الِاتِّعَاشِيَّةَ لَيْسَتْ كَالْحَرَكَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَأَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ خَالِقُ الْعَبْدِ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَتَأْثِيرُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَالْعَبْدُ وَجَمِيعُ أَفْعَالِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ مَعَ أَنَّ الْعَبْدَ يَفْعَلُ اخْتِيَارًا بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ اللَّتَيْنِ خَلَقَهُمَا اللَّهُ فِيهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا يُثَابُ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبُ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ جَبْرِيًّا نَاظَرَ سُنِّيًّا فَقَالَ الْجَبْرِيُّ: حُجَّتِي لِرَبِّي أَنْ أَقُولَ إِنِّي لَسْتُ مُسْتَقِلًّا بِعَمَلٍ، وَإِنِّي لَا بُدَّ أَنْ تَنْفُذَ فِيَّ مَشِيئَتُهُ وَإِرَادَتُهُ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ، فَأَنَا مَجْبُورٌ، فَكَيْفَ يُعَاقِبُنِي عَلَى أَمْرٍ لَا قُدْرَةَ لِي أَنْ أَحِيدَ عَنْهُ؟
стр. 269
فَإِنَّ السُّنِّيَّ يَقُولُ لَهُ: كُلُّ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَعْطَاهَا لِلْمُهْتَدِينَ أَعْطَاهَا لَكَ، جَعَلَ لَكَ سَمْعًا تَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرًا تُبْصِرُ بِهِ، وَعَقْلًا تَعْقِلُ بِهِ،
وَأَرْسَلَ لَكَ رَسُولًا، وَجَعَلَ لَكَ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا التَّوْفِيقُ وَهُوَ مِلْكُهُ الْمَحْضُ، إِنْ أُعْطَاهُ فَفَضْلٌ، وَإِنْ مَنَعَهُ فَعَدْلٌ.
كَمَا أَشَارَ لَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [٦ \ ١٤٩] ، يَعْنِي أَنَّ مِلْكَهُ لِلتَّوْفِيقِ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ عَلَى الْخَلْقِ، فَمَنْ أُعْطِيَهُ فَفَضْلٌ، وَمَنْ مُنِعَهُ فَعَدْلٌ.
وَلَمَّا تَنَاظَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفَرَائِينِيُّ مَعَ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ، قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: سُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الْفَحْشَاءِ، وَقَصْدُهُ أَنَّ الْمَعَاصِيَ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَى بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَشَاءَ الْقَبَائِحَ فِي زَعْمِهِمْ.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ.
فَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: أَتَرَاهُ يَخْلُقُهُ وَيُعَاقِبُنِي عَلَيْهِ؟
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَتَرَاكَ تَفْعَلُهُ جَبْرًا عَلَيْهِ؟ أَأَنْتَ الرَّبُّ وَهُوَ الْعَبْدُ؟
فَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَانِي إِلَى الْهُدَى وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى أَتَرَاهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ؟
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنْ كَانَ الَّذِي مَنَعَكَ مِنْهُ مِلْكًا لَكَ فَقَدْ أَسَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فَإِنْ أَعْطَاكَ فَفَضْلٌ، وَإِنْ مَنَعَكَ فَعَدْلٌ. فَبُهِتَ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَقَالَ الْحَاضِرُونَ: وَاللَّهِ مَا لِهَذَا جَوَابٌ.
وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَقَالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ حِمَارَةً سُرِقَتْ مِنِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ حِمَارَتَهُ سُرِقَتْ وَلَمْ تُرِدْ سَرِقَتَهَا فَارْدُدْهَا عَلَيْهِ،
стр. 270
فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: يَا هَذَا كُفَّ عَنِّي دُعَائَكَ الْخَبِيثَ، إِنْ كَانَتْ سُرِقَتْ وَلَمْ يُرِدْ سَرِقَتَهَا فَقَدْ يُرِيدُ رَدَّهَا وَلَا تُرَدُّ.
وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ إِشْكَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [٧٦] ، فَأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا مَشِيئَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَكُلُّ شَيْءٍ صَادِرٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَقَوْلِهِ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ بِأَنَّ مَعْنَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا أَنَّهُ بَيَّنَ لَهَا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَطَرِيقَ الشَّرِّ، فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ: وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 271
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ الْتَزَمَ عَلَى نَفْسِهِ الْهُدَى لِلْخَلْقِ مَعَ أَنَّهُ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ هُدَاهُ لِبَعْضِ النَّاسِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [٥ \ ١٠٨] .
وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [٢ \ ٢٥٨] .
وَقَوْلِهِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا الْآيَةَ [٣ \ ٨٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْجَوَابُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْهُدَى يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْءَانِ خَاصًّا وَعَامًّا، فَالْمُثْبَتُ الْعَامُّ وَالْمَنْفِيُّ الْخَاصُّ وَنَفْيُ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْنَا وَعَلَى طَاعَتِنَا هُوَ الْهُدَى لَا الضَّلَالُ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْهُدَى وَصَلَ إِلَى اللَّهِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ أَصْلًا.
стр. 272
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحَى
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ ضَالًّا قَبْلَ الْوَحْيِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [٣٠] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فُطِرَ عَلَى هَذَا الدِّينِ الْحَنِيفِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُهَوِّدْهُ أَبَوَاهُ وَلَمْ يُنَصِّرَاهُ وَلَمْ يُمَجِّسَاهُ، بَلْ لَمْ يَزَلْ بَاقِيًا عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ أَوَّلَ نُزُولِ الْوَحْيِ كَانَ وَهُوَ يَتَعَبَّدُ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَذَلِكَ التَّعَبُّدُ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ دَلِيلٌ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى الْفِطْرَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ضَالًّا فَهَدَى أَيْ غَافِلًا عَمَّا تَعْلَمُهُ الْآنَ مِنَ الشَّرَائِعِ وَأَسْرَارِ عُلُومِ الدِّينِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ بِالْفِطْرَةِ وَلَا بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا تُعْلَمُ بِالْوَحْيِ، فَهَدَاكَ إِلَى ذَلِكَ بِمَا أَوْحَى إِلَيْكَ، فَمَعْنَى الضَّلَالِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الذَّهَابُ عَنِ الْعِلْمِ.
وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى [٢ ٢٨٢] .
وَقَوْلُهُ: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [٢٠ \ ٥٢] ، وَقَوْلُهُ: قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [١٢ \ ٩٥] ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلًا أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ
وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [٤٢ \ ٥٢] ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ شَرَائِعُ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [١٢ \ ٣] ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[٤ \ ١١٣] ، وَقَوْلُهُ وَمَا كُنْتَ
стр. 273
تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [٢٨ \ ٨٦] .
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «ضَالًّا» ، ذَهَابُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَقِيلَ: ذَهَابُهُ فِي سَفَرِهِ إِلَى الشَّامِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَنِسْبَةُ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ أَسْلَمُ.
стр. 274
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التِّينِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ.
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [٩٠] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُوهِمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُنْكِرُ أَنَّ رَبَّهُ خَلَقَهُ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الْمَعَانِي مِنْ أَنَّ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنَ الْمُتَرَدِّدِ، وَالْإِنْكَارُ لَا يُؤَكَّدُ لَهُ الْكَلَامُ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ ابْتِدَائِيًّا، وَالْمُتَرَدِّدُ يَحْسُنُ التَّوْكِيدُ لَهُ بِمُؤَكِّدٍ وَاحِدٍ، وَيُسَمَّى طَلَبِيًّا، وَالْمُنْكِرُ يَجِبُ التَّوْكِيدُ لَهُ بِحَسَبِ إِنْكَارِهِ، وَيُسَمَّى إِنْكَارِيًّا.
وَاللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَكَّدَ إِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، بِأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، وَبِاللَّامِ، وَبِقَدْ، فَهِيَ سِتَّةُ تَأْكِيدَاتٍ، وَهَذَا التَّوْكِيدُ يُوهِمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُنْكِرٌ، لِأَنَّ رَبَّهُ خَلَقَهُ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخْرَى صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُهُمْ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [٤٣ \ ٨٧] .
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: هُوَ مَا حَرَّرَهُ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ مِنْ أَنَّ الْمُقِرَّ، إِذَا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الْإِنْكَارِ، جُعِلَ كَالْمُنْكِرِ، فَأُكِّدَ لَهُ الْخَبَرُ، كَقَوْلِ حَجْلِ بْنِ نَضْلَةَ:
جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ ... أَنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحْ
فَشَقِيقٌ لَا يُنْكِرُ أَنَّ فِي بَنِي عَمِّهِ رِمَاحًا، وَلَكِنَّ مَجِيئَهُ عَارِضًا رُمْحَهُ، أَيْ جَاعِلًا عَرْضَهُ جِهَتَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتِ إِمَارَةٍ، أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا رُمْحَ فِيهِمْ، فَأَكَّدَ لَهُ الْخَبَرَ،
стр. 275
فَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ أَمَارَةُ إِنْكَارِ الْإِيجَادِ
الْأَوَّلِ، لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِالثَّانِي، لِأَنَّ الْإِعَادَةَ أَيْسَرُ مِنَ الْبَدْءِ، فَأَكَّدَ لَهُمُ الْإِيجَادَ الْأَوَّلَ.
وَيُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [٩٥ \ ٧] ، أَيْ مَا يَحْمِلُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، بَعْدَ عِلْمِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَكَ أَوَّلًا، فَمَنْ أَوْجَدَكَ أَوَّلًا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُوجِدَكَ ثَانِيًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ الْآيَةَ [٣٦ \ ٧٩] ، وَقَالَ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ الْآيَةَ [٢١ \ ١٠٤] ، وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الْآيَةَ [٣٠ \ ٢٧] وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [٢٢ \ ٥] .
وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَلِذَا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ، فَقَدْ نَسِيَ إِيجَادَهُ الْأَوَّلَ، بِقَوْلِهِ: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [٣٦ \ ٧٨] ، وَبِقَوْلِهِ: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [١٩ \ ٦٦ - ٦٧] .
وَقَالَ الْبَعْضُ: مَعْنَى: فَمَا يُكَذِّبُكَ، فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَهُوَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا كَالْأَوَّلِ، فَظَهَرَتِ النُّكْتَةُ فِي جَعْلِ الِابْتِدَائِيِّ كَالْإِنْكَارِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَسَمَ شَامِلٌ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [٩٥ \ ٥] ، أَيْ إِلَى النَّارِ، وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالنَّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [٥٢ \ ١٤] .
وَهَذَا الْوَجْهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: أَسْفَلَ سَافِلِينَ أَصَحُّ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الْهَرَمُ، وَالرَّدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَوْنِ قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 276
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [٩٥ \ ٦] أَظْهَرَ فِي الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي، وَإِذَا كَانَ الْقَسَمُ شَامِلًا لِلْإِنْكَارِيِّ، فَلَا إِشْكَالًا لِأَنَّ التَّوْكِيدَ مُنْصَبٌّ عَلَى ذَلِكَ الْإِنْكَارِيِّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 277
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْعَلَقِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ الْآيَةَ.
أَسْنَدَ الْكَذِبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى نَاصِيَةِ هَذَا الْكَافِرِ، وَهِيَ مُقَدَّمُ شَعْرِ رَأْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ إِلَى غَيْرِ النَّاصِيَةِ كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [١٦ \ ١٠٥] .
وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ هُنَا أَطْلَقَ النَّاصِيَةَ، وَأَرَادَ صَاحِبَهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَفِي الْقُرْءَانِ، فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الْقُرْءَانِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [١١١] ، يَعْنِي أَبَا لَهَبٍ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [٣ \ ١٨٢] يَعْنِي بِمَا قَدَّمْتُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْعَرَبِ الرَّقِيبَ عَيْنًا، وَقَوْلُهُ: «خَاطِئَةٍ» ،، لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [٣٣ \ ٥] ، لِأَنَّ الْخَاطِئَ هُوَ فَاعِلُ الْخَطِيئَةِ أَوِ الْخِطْءِ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَكِلَاهُمَا الذَّنْبُ، كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [٧١ \ ٢٥] . وَقَوْلُهُ: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [١٧ \ ٣١] .
فَالْخَاطِئُ الْمُذْنِبُ عَمْدًا، وَالْمُخْطِئُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَهُوَ مَعْذُورٌ.
стр. 278
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْقَدْرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [٤٤ \ ٣] ، لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ مِنْ رَمَضَانَ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [٢ \ ١٨٥] ، فَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، تَرُدُّهُ هَذِهِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ.
وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 279
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ كَافِرًا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا يُجَازَى بِالْقَلِيلِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْعُمُومِ، أَمَّا مَا فَعَلَهُ الْكَافِرُ مِنَ الْخَيْرِ، فَالْآيَاتُ تُصَرِّحُ بِإِحْبَاطِهِ، كَقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١١ \ ١٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [٢٥ \ ٢٣] ، وَكَقَوْلِهِ: أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ الْآيَةَ [١٤ \ ١٨] وَقَوْلِهِ: أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ الْآيَةَ [٢٤ \ ٣٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا مَا عَمِلَهُ الْمُسْلِمُ مِنَ الشَّرِّ، فَقَدْ صَرَّحَتِ الْآيَاتُ بِعَدَمِ لُزُومِ مُؤَاخَذَتِهِ بِهِ، لِاحْتِمَالِ الْمَغْفِرَةِ أَوْ لِوَعْدِ اللَّهِ بِهَا. كَقَوْلِهِ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، [٤ \ ٤٨] وَقَوْلِهِ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [٤ \ ٣١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْآيَةَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَالْمَعْنَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، إِنْ لَمْ يُحْبِطْهُ الْكُفْرُ بِدَلِيلِ آيَاتِ إِحْبَاطِ الْكُفْرِ عَمَلَ الْكُفَّارِ: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، إِنْ لَمْ يَغْفِرْهُ اللَّهُ لَهُ بِدَلِيلِ آيَاتِ احْتِمَالِ الْغُفْرَانِ وَالْوَعْدِ بِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا، وَأَنَّ الْكَافِرَ يَرَى جَزَاءَ كُلِّ عَمَلِهِ الْحَسَنِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا الْآيَةَ [١١ \ ١٥] ، وَقَوْلُهُ:
وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا الْآيَةَ [٤٢ \ ٢٠] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [٢٤ \ ٣٩] وَالْمُؤْمِنُ يَرَى جَزَاءَ عَمَلِهِ السَّيِّئِ فِي الدُّنْيَا بِالْمَصَائِبِ
стр. 280
وَالْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ.
وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَجَمَاعَةٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ الْآيَةَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَرَاءٍ مَا عَمِلْتُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكْرٍ أَرَأَيْتَ مَا تَرَى فِي الدُّنْيَا مِمَّا تَكْرَهُ فَبِمَثَاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ - الْحَدِيثَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ أَيْضًا عَلَى عُمُومِهَا، وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى كُلَّ مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ الشَّرَّ وَيُثِيبُهُ بِالْخَيْرِ، وَالْكَافِرُ يَرَى كُلَّ مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَيُحْبِطُ مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَيُجَازِيهِ بِمَا فَعَلَ مِنَ الشَّرِّ.
стр. 281
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْعَادِيَاتِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ الْآيَةَ.
هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ شَاهِدٌ عَلَى كُنُودِ نَفْسِهِ، أَيْ مُبَالَغَتِهِ فِي الْكُفْرِ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [١٨ \ ١٠٤] ، وَقَوْلِهِ: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [٤٣ \ ٣٧] ، وَقَوْلِهِ: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [٣٩ \ ٤٧] .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ شَهَادَةَ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ كَنُودٌ، هِيَ شَهَادَةُ حَالِهِ بِظُهُورِ كُنُودِهِ، وَالْحَالُ رُبَّمَا تَكْفِي عَنِ الْمَقَالِ.
الثَّانِي: أَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [٦ \ ١٣٠] ، وَقَوْلُهُ: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [٦٧ \ ١١] ، وَقَوْلُهُ: قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [٣٩ \ ٧١] .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، رَاجِعٌ إِلَى رَبِّ الْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّ رُجُوعَهُ إِلَى الْإِنْسَانِ أَظْهَرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [١٠٠ \ ٨] .
وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 282
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْقَارِعَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَاوِيَةَ وَصْفٌ لَا عَلَمٌ لِلنَّارِ، إِذْ تَنْوِينُهَا يُنَافِي كَوْنَهَا اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، لِأَنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، يَلْزَمُ فِيهَا الْمَنْعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ [١٠١ \ ١٠ - ١١] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَاوِيَةَ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ.
اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِلْعُلَمَاءِ: اثْنَانِ مِنْهَا لَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِمَا، وَالثَّالِثُ: هُوَ الَّذِي فِيهِ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ.
أَمَّا اللَّذَانِ لَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِمَا، فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ أَيْ أُمُّ رَأْسِهِ هَاوِيَةٌ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، لِأَنَّهُ يُطْرَحُ فِيهَا مَنْكُوسًا رَأْسُهُ أَسْفَلَ وَرِجْلَاهُ أَعْلَى، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْكَلْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، عَائِدٌ إِلَى مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ، أَيْ أُمُّ رَأْسِهِ هَاوِيَةٌ فِي نَارٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ إِذَا دَعَوْا عَلَى الرَّجُلِ بِالْهَلَكَةِ، قَالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، لِأَنَّهُ إِذَا هَوَى، أَيْ سَقَطَ وَهَلَكَ، فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وَحُزْنًا، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الْغَنَوِيِّ:
هَوَتْ أُمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِيًا ... وَمَاذَا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ
وَهَذَا الْقَوْلُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ قَتَادَةَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: «هِيَهْ» لِلدَّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكَلَامُ، وَذَكَرَ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ
стр. 283
أَحْسَنُ، وَأَنَّ الطِّيبِيَّ قَالَ: إِنَّهُ أَظْهَرُ، وَقَالَ هُوَ: وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ.
الثَّالِثُ: الَّذِي فِيهِ الْإِشْكَالُ، أَنَّ الْمَعْنَى فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، أَيْ مَأْوَاهُ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ، وَبِضَمِّهِ هَاوِيَةٌ، وَهِيَ النَّارُ لِأَنَّ الْأُمَّ تُؤْوِي وَلَدَهَا وَتَضُمُّهُ، وَالنَّارُ تَضُمُّ هَذَا الْعَاصِيَ، وَتَكُونُ مَأْوَاهُ.
وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ أَنَّهُ نَكَّرَ الْهَاوِيَةَ فِي مَحَلِّ التَّعْرِيفِ لِأَجْلِ الْإِشْعَارِ بِخُرُوجِهِمْ عَنِ الْمَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّهْوِيلِ، ثُمَّ بَعْدَ إِبْهَامِهَا لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، قَرَّرَهَا بِوَصْفِهَا الْهَائِلِ بِقَوْلِهِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ يَدْخُلُ فِي حَدِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الْمَعْنَوِيِّ يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ التَّجْرِيدَ، فَحَدُّ التَّجْرِيدِ عِنْدَهُمْ هُوَ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ أَمْرٍ ذِي صِفَةٍ آخَرَ مِثْلَهُ فِيهَا مُبَالَغَةً فِي كَمَالِهَا فِيهِ، وَأَقْسَامُهُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ التَّجْرِيدُ فِيهِ بِحَرْفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لِي مِنْ فُلَانٍ صَدِيقٌ حَمِيمٌ، أَيْ بَلَغَ مِنَ الصَّدَاقَةِ حَدًّا صَحَّ مَعَهُ أَنْ يَسْتَخْلِصَ مِنْهُ آخَرَ مِثْلَهُ فِيهَا مُبَالَغَةً فِي كَمَالِهَا فِيهِ، وَقَوْلِهِمْ: لَئِنْ سَأَلْتَهُ لَتَسْأَلَنَّ بِهِ الْبَحْرَ، بَالَغَ فِي اتِّصَافِهِ بِالسَّمَاحَةِ، حَتَّى انْتَزَعَ مِنْهُ بَحْرًا فِي السَّمَاحَةِ، وَمِنَ التَّجْرِيدِ بِوَاسِطَةِ الْحَرْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ [٤١ \ ٢٨] ، وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، لِأَنَّ النَّارَ هِيَ دَارُ الْخُلْدِ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّهُ انْتَزَعَ مِنْهَا دَارًا أُخْرَى، وَجَعَلَهَا مُعَدَّةً فِي جَهَنَّمَ لِلْكُفَّارِ تَهْوِيلًا لِأَمْرِهَا، وَمُبَالَغَةً فِي اتِّصَافِهَا بِالشِّدَّةِ، وَمِنَ التَّجْرِيدِ مَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ الْحَرْفِ، نَحْوَ قَوْلِ قَتَادَةَ بْنِ سَلَمَةَ الْحَنَفِيِّ:
وَلَئِنْ بَقِيتُ لَأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَوْ يَمُوتُ كَرِيمُ
يَعْنِي نَفْسَهُ انْتَزَعَ مِنْ نَفْسِهِ كَرِيمًا مُبَالَغَةً فِي كَرَمِهِ، فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالنَّارُ سُمِّيَتِ الْهَاوِيَةَ لِغَايَةِ عُمْقِهَا، وَبُعْدِ مَهْوَاهَا،
стр. 284
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ دَاخِلَهَا يَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَخَصَّهَا الْبَعْضُ بِالْبَابِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا هَاوِيَةً أُخْرَى مِثْلَهَا فِي شِدَّةِ الْعُمْقِ، وَبُعْدِ الْمَهْوَى مُبَالَغَةً فِي عُمْقِهَا، وَبُعْدِ مَهْوَاهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْعَصْرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يَدُلُّ ظَاهِرُهَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ فِي خُسْرٍ، إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ إِفْرَادِ لَفْظَةِ الْإِنْسَانِ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ لَفْظًا.
قَوْلُهُ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [١٠٣ \ ٣] ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا وَاحِدًا.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: هُوَ أَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ يَصِيرُ الْمُفْرَدُ بِسَبَبِهِمَا صِيغَةَ عُمُومٍ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ أَيْ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لِدَلَالَةِ «أَلْ» الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
следующие страницы →