← Тафсир

Тафсир · id 18007

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (288 стр.). Показаны 281–288 · переход к 286.

стр. 281

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْعَادِيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ شَاهِدٌ عَلَى كُنُودِ نَفْسِهِ، أَيْ مُبَالَغَتِهِ فِي الْكُفْرِ. وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [١٨ \ ١٠٤] ، وَقَوْلِهِ: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [٤٣ \ ٣٧] ، وَقَوْلِهِ: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [٣٩ \ ٤٧] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ شَهَادَةَ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ كَنُودٌ، هِيَ شَهَادَةُ حَالِهِ بِظُهُورِ كُنُودِهِ، وَالْحَالُ رُبَّمَا تَكْفِي عَنِ الْمَقَالِ. الثَّانِي: أَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [٦ \ ١٣٠] ، وَقَوْلُهُ: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [٦٧ \ ١١] ، وَقَوْلُهُ: قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [٣٩ \ ٧١] . الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، رَاجِعٌ إِلَى رَبِّ الْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّ رُجُوعَهُ إِلَى الْإِنْسَانِ أَظْهَرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [١٠٠ \ ٨] . وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 282

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْقَارِعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَاوِيَةَ وَصْفٌ لَا عَلَمٌ لِلنَّارِ، إِذْ تَنْوِينُهَا يُنَافِي كَوْنَهَا اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، لِأَنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، يَلْزَمُ فِيهَا الْمَنْعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ [١٠١ \ ١٠ - ١١] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَاوِيَةَ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ. اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِلْعُلَمَاءِ: اثْنَانِ مِنْهَا لَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِمَا، وَالثَّالِثُ: هُوَ الَّذِي فِيهِ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ. أَمَّا اللَّذَانِ لَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِمَا، فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ أَيْ أُمُّ رَأْسِهِ هَاوِيَةٌ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، لِأَنَّهُ يُطْرَحُ فِيهَا مَنْكُوسًا رَأْسُهُ أَسْفَلَ وَرِجْلَاهُ أَعْلَى، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْكَلْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، عَائِدٌ إِلَى مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ، أَيْ أُمُّ رَأْسِهِ هَاوِيَةٌ فِي نَارٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ إِذَا دَعَوْا عَلَى الرَّجُلِ بِالْهَلَكَةِ، قَالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، لِأَنَّهُ إِذَا هَوَى، أَيْ سَقَطَ وَهَلَكَ، فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وَحُزْنًا، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الْغَنَوِيِّ: هَوَتْ أُمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِيًا ... وَمَاذَا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ وَهَذَا الْقَوْلُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ قَتَادَةَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: «هِيَهْ» لِلدَّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكَلَامُ، وَذَكَرَ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ

стр. 283

أَحْسَنُ، وَأَنَّ الطِّيبِيَّ قَالَ: إِنَّهُ أَظْهَرُ، وَقَالَ هُوَ: وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ. الثَّالِثُ: الَّذِي فِيهِ الْإِشْكَالُ، أَنَّ الْمَعْنَى فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، أَيْ مَأْوَاهُ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ، وَبِضَمِّهِ هَاوِيَةٌ، وَهِيَ النَّارُ لِأَنَّ الْأُمَّ تُؤْوِي وَلَدَهَا وَتَضُمُّهُ، وَالنَّارُ تَضُمُّ هَذَا الْعَاصِيَ، وَتَكُونُ مَأْوَاهُ. وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ أَنَّهُ نَكَّرَ الْهَاوِيَةَ فِي مَحَلِّ التَّعْرِيفِ لِأَجْلِ الْإِشْعَارِ بِخُرُوجِهِمْ عَنِ الْمَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّهْوِيلِ، ثُمَّ بَعْدَ إِبْهَامِهَا لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، قَرَّرَهَا بِوَصْفِهَا الْهَائِلِ بِقَوْلِهِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ يَدْخُلُ فِي حَدِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الْمَعْنَوِيِّ يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ التَّجْرِيدَ، فَحَدُّ التَّجْرِيدِ عِنْدَهُمْ هُوَ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ أَمْرٍ ذِي صِفَةٍ آخَرَ مِثْلَهُ فِيهَا مُبَالَغَةً فِي كَمَالِهَا فِيهِ، وَأَقْسَامُهُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ التَّجْرِيدُ فِيهِ بِحَرْفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لِي مِنْ فُلَانٍ صَدِيقٌ حَمِيمٌ، أَيْ بَلَغَ مِنَ الصَّدَاقَةِ حَدًّا صَحَّ مَعَهُ أَنْ يَسْتَخْلِصَ مِنْهُ آخَرَ مِثْلَهُ فِيهَا مُبَالَغَةً فِي كَمَالِهَا فِيهِ، وَقَوْلِهِمْ: لَئِنْ سَأَلْتَهُ لَتَسْأَلَنَّ بِهِ الْبَحْرَ، بَالَغَ فِي اتِّصَافِهِ بِالسَّمَاحَةِ، حَتَّى انْتَزَعَ مِنْهُ بَحْرًا فِي السَّمَاحَةِ، وَمِنَ التَّجْرِيدِ بِوَاسِطَةِ الْحَرْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ [٤١ \ ٢٨] ، وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، لِأَنَّ النَّارَ هِيَ دَارُ الْخُلْدِ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّهُ انْتَزَعَ مِنْهَا دَارًا أُخْرَى، وَجَعَلَهَا مُعَدَّةً فِي جَهَنَّمَ لِلْكُفَّارِ تَهْوِيلًا لِأَمْرِهَا، وَمُبَالَغَةً فِي اتِّصَافِهَا بِالشِّدَّةِ، وَمِنَ التَّجْرِيدِ مَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ الْحَرْفِ، نَحْوَ قَوْلِ قَتَادَةَ بْنِ سَلَمَةَ الْحَنَفِيِّ: وَلَئِنْ بَقِيتُ لَأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَوْ يَمُوتُ كَرِيمُ يَعْنِي نَفْسَهُ انْتَزَعَ مِنْ نَفْسِهِ كَرِيمًا مُبَالَغَةً فِي كَرَمِهِ، فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالنَّارُ سُمِّيَتِ الْهَاوِيَةَ لِغَايَةِ عُمْقِهَا، وَبُعْدِ مَهْوَاهَا،

стр. 284

فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ دَاخِلَهَا يَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَخَصَّهَا الْبَعْضُ بِالْبَابِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا هَاوِيَةً أُخْرَى مِثْلَهَا فِي شِدَّةِ الْعُمْقِ، وَبُعْدِ الْمَهْوَى مُبَالَغَةً فِي عُمْقِهَا، وَبُعْدِ مَهْوَاهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 285

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْعَصْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يَدُلُّ ظَاهِرُهَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ فِي خُسْرٍ، إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ إِفْرَادِ لَفْظَةِ الْإِنْسَانِ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ لَفْظًا. قَوْلُهُ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [١٠٣ \ ٣] ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا وَاحِدًا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: هُوَ أَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ يَصِيرُ الْمُفْرَدُ بِسَبَبِهِمَا صِيغَةَ عُمُومٍ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ أَيْ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لِدَلَالَةِ «أَلْ» الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 286

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْمَاعُونِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ يَتَوَهَّمُ مِنْهَا الْجَاهِلُ أَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ الْمُصَلِّينَ بِالْوَيْلِ، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ عَدَمَ الصَّلَاةِ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ سَقَرَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [٧٤ \ ٤٢ - ٤٣] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَهُوَ أَنَّ التَّوَعُّدَ بِالْوَيْلِ مُنْصَبٌّ عَلَى قَوْلِهِ: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ الْآيَةَ [١٠٧ \ ٥ - ٦] ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْجَوَابَ مَعَ ضَعْفِ الْإِشْكَالِ؛ وَظُهُورِ الْجَوَابِ عَنْهُ لِأَنَّ الزَّنَادِقَةَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ يَحْتَجُّونَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِظَالِمٍ تَارِكٍ لِلصَّلَاةِ: مَا لَكَ لَا تُصَلِّي؟ فَقَالَ لِأَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْوَيْلِ فِي قَوْلِهِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ بَعْدَهَا، فَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيمَا بَعْدَهَا فِيهَا كِفَايَةٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: دَعِ الْمَسَاجِدَ لِلْعِبَادِ تَسْكُنُهَا ... وَسِرْ إِلَى حَانَةِ الْخَمَّارِ يَسْقِينَا مَا قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلْأُولَى سَكِرُوا ... وَإِنَّمَا قَالَ وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَا فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى تَوَعَّدَ بِالْوَيْلِ الْمُصَلِّي الَّذِي هُوَ سَاهٍ عَنْ صَلَاتِهِ وَيُرَائِي فِيهَا، فَكَيْفَ بِالَّذِي لَا يُصَلِّي أَصْلًا، فَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لَهُ وَعَلَيْهِ لِعَائِنُ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا لَمْ يَتُبْ.

стр. 287

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْكَافِرُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ أَبَدًا مَعَ أَنَّهُ دَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ الْآيَةَ [٢٩ \ ٤٧] . وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ خِطَابٌ لِجِنْسِ الْكُفَّارِ وَإِنْ أَسْلَمُوا فِيمَا بَعْدُ فَهُوَ خِطَابٌ لَهُمْ مَا دَامُوا كُفَّارًا، فَإِذَا أَسْلَمُوا لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ مُؤْمِنُونَ لَا كَافِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مُنَافِقِينَ فَهُمْ كَافِرُونَ فِي الْبَاطِنِ فَيَتَنَاوَلُهُمُ الْخِطَابُ، وَاخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ. الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْآيَةَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَعَلَيْهِ فَهِيَ فِي خُصُوصِ الْأَشْقِيَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْآيَةَ [١٠ \ ٩٦] ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مِرَارًا.

стр. 288

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّاسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ وُصِفَ بِهِمَا هَذَا اللَّعِينُ الْخَبِيثُ مِنَ التَّنَافِي، لِأَنَّ الْوَسْوَاسَ كَثِيرُ الْوَسْوَسَةِ لِيُضِلَّ بِهَا النَّاسَ، وَالْخَنَّاسَ كَثِيرُ التَّأَخُّرِ وَالرُّجُوعِ عَنْ إِضْلَالِ النَّاسِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا، فَهُوَ وَسْوَاسٌ عِنْدَ غَفْلَةِ الْعَبْدِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، خَنَّاسٌ عِنْدَ ذِكْرِ الْعَبْدِ رَبَّهُ تَعَالَى، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ الْآيَةَ [٤٣ ٣٦] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ [١٦ \ ٩٩] . وَقَدْ تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَرَدْنَا جَمْعَهُ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَأَنْ يَجْعَلَ سَعْيَنَا خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، آمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.