← Тафсир

Тафсир · id 18007

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مُحْكَمًا وَمِنْهُ مُتَشَابِهًا. وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّهُ مُحْكَمٌ وَآيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّهُ مُتَشَابِهٌ، أَمَّا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى إِحْكَامِهِ كُلِّهِ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [١١ \ ١] ، وَأَمَّا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّهُ مُتَشَابِهٌ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [٣٩ \ ٢٣] ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ كُلِّهِ مُحْكَمًا، أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ أَيِ الْإِتْقَانِ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ وَإِعْجَازِهِ، أَخْبَارُهُ صِدْقٌ وَأَحْكَامُهُ عَدْلٌ، لَا تَعْتَرِيهِ وَصْمَةٌ وَلَا عَيْبٌ، لَا فِي الْأَلْفَاظِ وَلَا فِي الْمَعَانِي. وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُتَشَابِهًا، أَنَّ آيَاتِهِ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْحُسْنِ وَالصِّدْقِ، وَالْإِعْجَازِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ، وَمَعْنَى كَوْنِ بَعْضِهِ مُحْكَمًا وَبَعْضِهِ مُتَشَابِهًا، أَنَّ الْمُحْكَمَ مِنْهُ هُوَ وَاضِحُ الْمَعْنَى لِكُلِّ النَّاسِ كَقَوْلِهِ: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [١٧] ، وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [١٧ \ ٣٩] . وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا خَفِيَ عَلِمُهُ عَلَى غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [٣ \ ٧] ، عَاطِفَةٌ أَوْ هُوَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، كَمَعَانِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لَا عَاطِفَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ الْآيَةَ.

стр. 37

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُوهِمُ أَنَّ اتِّخَاذَ الْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا بَأْسَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [٤ \ ٨٩] ، وَكَقَوْلِهِ: لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ الْآيَةَ [٥ \ ٥٧] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: «مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» لَا مَفْهُومَ لَهُ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ لَهُ مَوَانِعُ تَمْنَعُ اعْتِبَارَهُ، مِنْهَا كَوْنُ تَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ مُوَافَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ وَالَوُا الْيَهُودَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ نَاهِيَةً عَنِ الصُّورَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّخْصِيصِ بِهَا، بَلْ مُوَالَاةُ الْكُفَّارِ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى أَنْ يُرْزُقَهُ الْوَلَدَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ الْآيَةَ [٣ \ ٤٠] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ مِنْ أَنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى، قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ لَيْسَ هَذَا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نِدَاءُ الشَّيْطَانِ فَدَاخَلَ زَكَرِيَّا الشَّكُّ فِي أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النَّاشِئِ عَنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلِذَا طَلَبَ الْآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً الْآيَةَ [٣ \ ٤١] .

стр. 38

الثَّانِي: أَنَّ اسْتِفْهَامَهُ اسْتِفْهَامُ اسْتِعْلَامٍ وَاسْتِخْبَارٍ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالْوَلَدِ مِنْ زَوْجِهِ الْعَجُوزِ أَمْ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ شَابَّةً أَوْ يَرُدُّهُمَا شَابَّيْنِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ اسْتِعْظَامٍ وَتَعَجُّبٍ مِنْ كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ بَعْضَ الْمَخْلُوقِينَ رُبَّمَا خَلَقَ بَعْضُهُمْ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا الْآيَةَ [٢٩ \ ١٧] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [٥٤ \ ٤٩] ، وَقَوْلِهِ: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [٣٩ \ ٦٢] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى خَلْقِ عِيسَى كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ هُوَ: أَخْذُهُ شَيْئًا مِنَ الطِّينِ وَجَعْلُهُ إِيَّاهُ عَلَى هَيْئَةِ - أَيْ صُورَةِ - الطَّيْرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْخَلْقَ الْحَقِيقِيَّ لِأَنَّ اللَّهَ مُتَفَرِّدٌ بِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقَوْلُهُ: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا: مَعْنَاهُ تَكْذِبُونَ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْآيَاتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِهَا وَفَاةُ عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [٤ \ ١٥٧] ، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ الْآيَةَ [٤ \ ١٥٩] . عَلَى مَا فَسَّرَهَا بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبُو مَالِكٍ وَالْحُسْنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ. . . . . . وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَدَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ، بِأَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: «قَبْلَ مَوْتِهِ» أَيْ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

стр. 39

وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: «مُتَوَفِّيكَ» لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ قَدْ مَضَى وَهُوَ مُتَوَفِّيهِ قَطْعًا يَوْمًا مَا، وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَدْ مَضَى، وَأَمَّا عَطْفُهُ: «وَرَافِعُكَ» إِلَى قَوْلِهِ: «مُتَوَفِّيكَ» ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِإِطْبَاقِ جُمْهُورِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَلَا الْجَمْعَ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ. وَقَدِ ادَّعَى السِّيرَافِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ إِجْمَاعَ النُّحَاةِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَزَاهُ الْأَكْثَرُ لِلْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الْحَقُّ. خِلَافًا لِمَا قَالَهُ قُطْرُبٌ وَالْفَرَّاءُ وَثَعْلَبٌ وَأَبُو عُمَرَ وَالزَّاهِدُ وَهُشَامٌ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِيهِ. وَقَدْ أَنْكَرَ السِّيرَافِيُّ ثُبُوتَ هَذَا الْقَوْلِ عَنِ الْفَرَّاءِ وَقَالَ: لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ وَلِيُّ الدِّينِ: أَنْكَرَ أَصْحَابُنَا نِسْبَةَ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى الشَّافِعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الضِّيَاءِ اللَّامِعِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : ابْدَأْ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ يَعْنِي الصَّفَا لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى اقْتِضَائِهَا التَّرْتِيبَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مَا قَالَهُ الْفِهْرِيُّ كَمَا ذَكَرَ عَنْهُ صَاحِبُ الضِّيَاءِ اللَّامِعِ وَهُوَ أَنَّهَا كَمَا أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَلَا الْمَعِيَّةَ فَكَذَلِكَ لَا تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُمَا، فَقَدْ يَكُونُ الْعَطْفُ بِهَا مَعَ قَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِالْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الْآيَةَ [٢ ١٥٨] . بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا مُرَتَّبًا كَقَوْلِ حَسَّانَ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا ... وَأَجَبْتُ عَنْهُ عَلَى رِوَايَةِ الْوَاوِ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْمَعِيَّةُ كَقَوْلِهِ: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [٢٩ \ ١٥] ، وَقَوْلِهِ: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [٧٥ \ ٩] ، وَلَكِنْ لَا تُحْمَلُ عَلَى التَّرْتِيبِ وَلَا عَلَى الْمَعِيَّةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى «مُتَوَفِّيكَ» أَيْ: مُنِيمُكَ «وَرَافِعُكَ إِلَيَّ» ،

стр. 40

أَيْ: فِي تِلْكَ النَّوْمَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ الْوَفَاةِ عَلَى النَّوْمِ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [٦ \ ٦٠] ، وَقَوْلِهِ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [٣٩ \ ٤٢] . وَعَزَا ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ لِلْأَكْثَرِينَ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَقَوْلِهِ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا. . . . . الْحَدِيثَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ «مُتَوَفِّيكَ» اسْمُ فَاعِلٍ تَوَفَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ وَحَازَهُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَوَفَّى فَلَانٌ دَيْنَهُ، إِذَا قَبَضَهُ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى «مُتَوَفِّيكَ» عَلَى هَذَا قَابِضُكَ مِنْهُمْ إِلَيَّ حَيًّا. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بِأَنَّهُ تَوَفَّاهُ سَاعَاتٍ أَوْ أَيَّامًا، ثُمَّ أَحْيَاهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْ تَصْدِيقِهَا وَتَكْذِيبِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا يَوْمًا مَا، لِأَنَّ نَفْيَ الْكَوْنِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الزَّمَنِ الْمَاضِي كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ الْآيَةَ [٢١ \ ١٥] . وَقَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الْآيَةَ [٦ - ٧٨] . وَمَنْ ظَنَّ رُبُوبِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [١٠ \ ٦٦] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 41

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنَاظِرٌ لَا نَاظِرٌ وَمَقْصُودُهُ التَّسْلِيمُ الْجَدَلِيُّ أَيْ: هَذَا رَبِّي عَلَى زَعْمِكُمُ الْبَاطِلِ، وَالْمُنَاظِرُ قَدْ يُسَلِّمُ الْمُقَدِّمَةَ الْبَاطِلَةَ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا لِيُفْحِمَ بِذَلِكَ خَصْمَهُ. فَلَوْ قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ: الْكَوْكَبُ مَخْلُوقٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَبًّا، لَقَالُوا لَهُ، كَذَبْتَ، بَلِ الْكَوْكَبُ رَبٌّ وَمِمَّا يَدُلُّ لِكَوْنِهِ مُنَاظِرًا لَا نَاظِرًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ [٦ \ ٨٠] . وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنَاظِرٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [٦ \ ٧٧] . لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّ الرُّسُلَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَإِظْهَارًا لِالْتِجَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ، كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [١٤ \ ٣٥] ، وَقَوْلِهِ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ الْآيَةَ [٢ \ ١٢٨] . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَهَذَا رَبِّي؟ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّ حَذْفَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ إِذَا دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهَا جَائِزٌ، وَهُوَ قِيَاسِيٌّ عِنْدَ الْأَخْفَشِ مَعَ أَمْ وَدُونَهَا ذَكَرَ الْجَوَابَ أَمْ لَا، فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ دُونَ أَمْ وَدُونَ ذِكْرِ الْجَوَابِ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ ... وَلَا لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ يَعْنِي أَوَ ذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ؟ وَقَوْلُ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدٌ: رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ يَعْنِي أَهُمْ هُمْ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَمَاعَةٍ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ دُونَ أَمْ مَعَ ذِكْرِ الْجَوَابِ، قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ: ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا ... عَدَدَ النَجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ يَعْنِي أَتُحِبُّهَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ

стр. 42

وَهُوَ مَعَ أَمْ كَثِيرٌ جِدًّا، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ التَّمِيمِيِّ وَأَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِذَلِكَ: لَعَمْرُكِ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيَا ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ يَعْنِي أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ؟ وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ: بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لِحَاسِبٌ ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ يَعْنِي أَبِسَبْعٍ، وَقَوْلُ الْأَخْطَلِ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالًا يَعْنِي أَكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ كَمَا نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْأَخْطَلِ هَذَا وَإِنْ خَالَفَ الْخَلِيلَ زَاعِمًا أَنَّ كَذَبَتْكَ صِيغَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَأَنَّ أَمْ بِمَعْنَى بَلْ، فَفِي الْبَيْتِ عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الْمَعْنَوِيِّ، يُسَمَّى بِالرُّجُوعِ عِنْدَ الْبَلَاغِيِّينَ. وَقَوْلُ الْخَنْسَاءِ: قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ ... أَمْ خَلَتْ إِذْ أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ تَعْنِي أَقَذًى بِعَيْنَيْكَ؟ وَقَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ الْأَنْصَارِيِّ: وَمَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ... لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ يَعْنِي أَلِغَيْرِكَ؟ وَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ يَعْنِي أَتَرُوحُ؟ .

стр. 43

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَرِينَةُ الِاسْتِفْهَامِ الْمَحْذُوفِ عُلُوُّ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ ظَنِّ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ وَشَهَادَةُ الْقُرْآنِ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تُشْبِهُ قِرَاءَةَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ) [٢ \ ٦] وَنَظِيرُهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [٢١] يَعْنِي أَفْهُمُ الْخَالِدُونَ؟ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا [٢٦ ٢٢] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [٩٠ \ ١١] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَيْهِمَا كَالْقَوْلِ بِإِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ يَقُولُ الْكُفَّارُ هَذَا رَبِّي، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ نَاظِرًا يَظُنُّ رُبُوبِيَّةَ الْكَوْكَبِ فَهُوَ ظَاهِرُ الضَّعْفِ، لِأَنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ تَرُدُّهُ كَقَوْلِهِ: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٣ \ ٦٧] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [١٦ \ ١٢٣] ، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [٢١ \ ٥١] . وَقَدْ بَيَّنَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ رَدَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِهَذِهِ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَأَمْثَالِهَا، وَالْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى مُقْتَضَاهَا كَقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ إِيمَانِهِمُ الْمُزْدَادِينَ كُفْرًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ إِذَا تَابُوا لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِلَنِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ أَنَّهُ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ كُلِّ تَائِبٍ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [٨ \ ٣٨] ، وَقَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [٤٢ \ ٢٥] ، وَقَوْلِهِ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ

стр. 44

قَبْلُ [٦ \ ١٥٨] . فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ إِتْيَانِ بَعْضِ الْآيَاتِ مَقْبُولَةٌ مِنْ كَلِّ تَائِبٍ، وَصَرَّحَ تَعَالَى بِدُخُولِ الْمُرْتَدِّينَ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مُبَاشَرَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ - إِلَى قَوْلِهِ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [٣ \ ٨٦ - ٨٩] . فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا رَاجِعٌ إِلَى الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ الْإِيمَانِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذَابِ وَاللَّعْنَةِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ الْآيَةَ [٢ \ ٢١٧] . لِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا، وَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَنَقَلَهُ عَنْ رُفَيْعٍ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ الْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أَصَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ فِي كُفْرِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي كُفْرِهِمْ حَتَّى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرِهِمْ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَوْبَتَهُمْ مَعَ بَقَائِهِمَا عَلَى ارْتِكَابِ الضَّلَالِ وَعَدَمُ قَبُولِهَا حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ. الثَّانِي: وَهُوَ أَقْرَبُهَا عِنْدِي، أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ يَعْنِي إِذْ تَابُوا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ هُوَ الَّذِي يُصِرُّ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ فَيَتُوبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [٤ ١٨] . فَجُعِلَ التَّائِبُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ عَلَى كُفْرِهِ سَوَاءً. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا الْآيَةَ [٤٠ \ ٨٥] . وَقَوْلِهِ فِي فِرْعَوْنَ: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [١٠ \ ٩١] . فَالْإِطْلَاقُ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُقَيَّدُ بِقَيْدِ تَأْخِيرِ التَّوْبَةِ

стр. 45

إِلَى حُضُورِ الْمَوْتِ لِوُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ فِي وَقْتِ نَفْعِهَا وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِي الَّذِي هُوَ التَّقْيِيدُ بِحُضُورِ الْمَوْتِ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالسُّدِّيِّ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أَيْ إِيمَانُهُمُ الْأَوَّلُ، لِبُطْلَانِهِ بِالرِّدَّةِ بَعْدَهُ، وَنَقْلٌ خَرَّجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ وَلَا يَخْفَى ضِعْفُ هَذَا الْقَوْلِ وَبُعْدُهُ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَتَّى تُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَيَدُلَّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [٤ \ ١٣٧] . فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ غُفْرَانِهِ لَهُمْ لِعَدَمِ تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ وَالْهُدَى. كَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [٤ \ ١٦٨] . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ الْآيَةَ [١٠ \ ٩٦] . وَنَظِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [٧٤ \ ٤٨] ، أَيْ لَا شَفَاعَةَ لَهُمْ أَصْلًا حَتَّى تَنْفَعَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ الْآيَةَ [٢٣ \ ١١٧] . لِأَنَّ الْإِلَهَ الْآخَرَ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ أَصْلًا، حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ أَوْ لَا يَقُومَ عَلَيْهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مِثْلُ هَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النُّظَّارِ، بِقَوْلِهِمُ السَّالِبَةُ لَا تَقْضِي بِوُجُودِ الْمَوْضُوعِ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ السَّالِبَةَ عِنْدَهُمْ صَادِقَةٌ فِي صُورَتَيْنِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا عَدَمُ اتِّصَافِ الْمَوْضُوعِ بِالْمَحْمُولِ وَعَدَمُ اتِّصَافِهِ بِهِ يَتَحَقَّقُ فِي صُورَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ مَوْجُودًا إِلَّا أَنَّ الْمَحْمُولَ مُنْتَفٍ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ الْإِنْسَانُ بِحَجَرٍ، فَالْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ وَالْحَجَرِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ.

стр. 46

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ مِنْ أَصْلِهِ مَعْدُومًا لِأَنَّهُ إِذَا عَدِمَ تَحَقَّقَ عَدَمُ اتِّصَافِهِ بِالْمَحْمُولِ الْمَوْجُودِيِّ، لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ كَقَوْلِكَ: لَا نَظِيرَ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ الَّذِي هُوَ النَّظِيرُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا مِنْ أَصْلِهِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ عَدَمُهُ تَحَقَّقَ انْتِفَاءُ اتِّصَافِهِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ ضَرُورَةً وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ الْعَوْدُ النُّبَاطِيُّ جَرْجَرَا لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى لَاحِبٍ لَا مَنَارَ لَهُ أَصْلًا حَتَّى يُهْتَدَى بِهِ. وَقَوْلُ الْآخَرِ: لَا تُفْزِعُ الْأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا ... وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ لِأَنَّهُ يَصِفُ فَلَاةً بِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا أَرَانِبُ وَلَا ضِبَابٌ حَتَّى تُفْزِعَ أَهْوَالُهَا الْأَرْنَبَ، أَوْ يَنْجَحِرَ فِيهَا الضَّبُّ أَيْ يَدْخُلُ الْجُحْرَ أَوْ يَتَّخِذُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ مَسْأَلَةَ أَنَّ السَّالِبَةَ لَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ فِي أُرْجُوزَتِي فِي الْمَنْطِقِ فِي مَبْحَثِ انْحِرَافِ السُّوَرِ، وَأَوْضَحْتُ فِيهَا أَيْضًا فِي مَبْحَثِ التَّحْصِيلِ وَالْعُدُولِ أَنَّ مِنَ الْمُوجِبَاتِ مَا لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ نَحْوَ: بَحْرٌ مِنْ زِئْبَقٍ مُمْكِنٌ، وَالْمُسْتَحِيلُ مَعْدُومٌ فَإِنَّهَا مُوجِبَتَانِ وَمَوْضُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْدُومٌ، وَحَرَّرْنَا هُنَاكَ التَّفْصِيلَ فِيمَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَوْ بَعْدَ تَكَرُّرِ الرِّدَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرَ، لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ [[لا في نفس المناط, والمتناظران قد يختلفان في تحقيق المناط]] (*) مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَصْلِ الْمَنَاطِ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْمَنَاطَ مَكَانُ النَّوْطِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ ﵁: وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ

стр. 47

وَالْمُرَادُ بِهِ مَكَانُ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ فَالْمَنَاطُ وَالْعِلَّةُ مُتَرَادِفَانِ اصْطِلَاحًا إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْمَنَاطِ فِي الْمَسْلَكِ الْخَامِسِ مِنْ مَسَالِكَ الْعِلَّةِ، الَّذِي هُوَ الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِحَالَةُ فَإِنَّهُ يُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْلَكِ التَّاسِعِ الَّذِي هُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ، فَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ بِمَسْلَكِ الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِحَالَةِ، وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ هُوَ تَصْفِيَةُ الْعِلَّةِ وَتَهْذِيبُهَا حَتَّى لَا يَخْرُجَ شَيْءٌ صَالِحٌ لَهَا وَلَا يَدْخُلَ شَيْءٌ غَيْرُ صَالِحٍ لَهَا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ وَهُوَ الْغَرَضُ هُنَا فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَقُولُ هُوَ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الْفَرْعِ. وَالثَّانِي: يَقُولُ: لَا وَمِثَالُهُ الِاخْتِلَافُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ هِيَ مُنَاطُ الْقَطْعِ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَنَاطُ فِي النَّبَّاشِ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَارِقٍ، بَلْ هُوَ آخِذُ مَالٍ عَارِضٍ لِلضَّيَاعِ كَالْمُلْتَقَطِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْقَائِلِينَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، أَنَّ أَفْعَالَهُ دَالَّةٌ عَلَى خُبْثِ نِيَّتِهِ وَفَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ تَائِبًا فِي الْبَاطِلِ تَوْبَةً نَصُوحًا فَهُمْ مُوَافِقُونَ عَلَى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَنَاطِ الْقَبُولَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنْ يَقُولُونَ أَفْعَالُ هَذَا الْخَبِيثِ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ أَعْنِي الْمُسْتَسِرَّ بِالْكُفْرِ، فَمِنْ قَائِلٍ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَمِنْ قَائِلٍ تُقْبَلُ وَمِنْ مُفَرِّقٍ بَيْنَ إِتْيَانِهِ تَائِبًا قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى نِفَاقِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي فُرُوعِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ يَرَوْنَ أَنَّ نِفَاقَهُ الْبَاطِلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَوْبَتَهُ تَقِيَّةٌ لَا حَقِيقَةٌ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا [٢ ١٦٠] . فَقَالُوا: الْإِصْلَاحُ شَرْطٌ وَالزِّنْدِيقُ لَا يُطَّلَعُ عَلَى إِصْلَاحِهِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَ الْإِقْلَاعَ لَمْ يَزَلْ فِي الْبَاطِنِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَدِلَّةَ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ مُطْلَقًا أَظْهَرُ وَأَقْوَى، كَقَوْلِهِ ﷺ لِأُسَامَةَ ﵁: هَلَّا شَقَقْتَ

стр. 48

عَنْ قَلْبِهِ، وَقَوْلِهِ لِلَّذِي سَارَّهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ: أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِهِمْ، وَقَوْلِهِ لِخَالِدٍ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِ الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَةَ: إِنِّي لِمَ أُومَرْ بِأَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ وَيَدُلُّكَ لِذَلِكَ أَيْضًا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ. وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ الْكَاذِبَةَ جُنَّةٌ لِلْمُنَافِقِينَ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [٥٨ \ ١٦] ، وَقَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ [٩ \ ٩٥] . وَقَوْلِهِ: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ الْآيَةَ [٩ \ ٥٦] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ قَتْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِابْنِ النَّوَّاحَةِ صَاحِبِ مُسَيْلِمَةَ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ فَقَتَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ ﷺ . فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ أَخَصُّ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ فِيهَا الْقَيْدَ بِالرِّدَّةِ وَازْدِيَادِ الْكُفْرِ، فَالَّذِي تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمُرْتَدِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْأَعَمِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْأَخَصِّ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَعَمِّ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْأَخَصِّ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكُفْرُ، إِذَا أَخْلَصَ فِي الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ، وَوَجْهُ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [٤ \ ٣٧] . ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ دَاخِلُونَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الْآيَةَ [٤ \ ١٣٨] . وَدَلَالَةُ الِاقْتِرَانِ وَإِنْ ضَعَّفَهَا الْأُصُولِيُّونَ فَقَدْ صَحَّحَتْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اعْتَضَدَتْ بِالْأَدِلَّةِ الْقَرِينَةُ عَلَيْهَا كَمَا هُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ

стр. 49

بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى دُخُولِهِمْ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ، بَلْ كَوْنُهَا فِي خُصُوصِهِمْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا حَقَّقَتْ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [٤ ١٤٥ - ١٤٧] . وَقَدْ كَانَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرَ ﵁ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [٩ \ ٦٥ - ٦٦] . فَتَابَ إِلَى اللَّهِ بِإِخْلَاصٍ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً الْآيَةَ [٩ \ ٦٦] ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، يَعْنُونَ الْأَحْكَامَ الدُّنْيَوِيَّةَ وَلَا يُخَالِفُونَ فِي أَنَّهُ إِذَا أَخْلَصَ التَّوْبَةَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَهَا مِنْهُ، لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى التَّشْدِيدِ الْبَالِغِ فِي تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [٦٤ \ ١٦] ، وَالْجَوَابُ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ آيَةَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. الثَّانِي: أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ بِهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 50

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنْصَارَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا أَنْ يَمُوتُوا مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ فَتْرَةِ، وَاللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١٧ ١٥] . وَيَقُولُ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ الْآيَةَ [٤ \ ١٦٥] ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى هَذِهِ الْحُجَّةَ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «طه» : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [٢٠ ١٣٤] . وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّهُ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَبْقَ عُذْرٌ لِأَحَدٍ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ. كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ الْآيَةَ [١١ \ ١٧] ، وَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ عِنْدَهُمْ بَقِيَّةً مِنْ إِنْذَارِ الرُّسُلِ الْمَاضِينَ، تَلْزَمُهُمْ بِهَا الْحُجَّةُ فَهُوَ جَوَابٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ [٣٦ ٦] . وَقَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْآيَةَ [٣٢ \ ٣] . وَقَوْلِهِ: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [٢٨ \ ٤٦] . وَقَوْلِهِ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ الْآيَةَ [٥ ١٩] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى. وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [٣٤ ٤٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِكَوْنِهِمْ أَذِلَّةً حَالَ نَصْرِهِ لَهُمْ بِبَدْرٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى وَصْفُهُ تَعَالَى لَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْعِزَّةَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [٦٣ \ ٨] ، وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْعِزَّةِ وَالذِّلَّةِ مِنَ التَّنَافِي وَالتَّضَادِّ.

стр. 51

وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى وَصْفِهِمْ بِالذِّلَّةِ هُوَ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ نَزَلَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ الْمُسْلِمِينَ وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ وَعِدَدُهُمْ مَعَ أَنَّ الْعِزَّةَ وَالذِّلَّةَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الذِّلَّةَ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَالْعِزَّةَ بِاعْتِبَارِ نَصْرِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ [٨ \ ٢٦] . وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [٣ \ ١٢٣] ، فَإِنَّ زَمَانَ الْحَالِ هُوَ زَمَانُ عَامِلِهَا، فَزَمَانُ النَّصْرِ هُوَ زَمَانُ كَوْنِهِمْ أَذِلَّةً، فَظَهَرَ أَنَّ وَصْفَ الذِّلَّةِ بِاعْتِبَارٍ، وَوَصْفَ النَّصْرِ وَالْعِزَّةِ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، فَانْفَكَّتِ الْجِهَةُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَدَدَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ إِلَى خَمْسَةِ آلَافٍ، وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْأَنْفَالِ» أَنَّ هَذَا الْمَدَدَ أَلْفٌ بِقَوْلِهِ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [٨ ٩] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ وَعَدَهُمْ بِأَلْفٍ أَوَّلًا ثُمَّ صَارَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ صَارَتْ خَمْسَةً، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ آيَةَ «الْأَنْفَالِ» لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى الْأَلْفِ بَلْ أَشَارَتْ إِلَى الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي «آلِ عِمْرَانَ» وَلَا سِيَّمَا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ: «بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدَفِينَ» [٨ \ ٩] ، بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ لِأَنَّ مَعْنَى «مُرْدَفِينَ» مَتْبُوعِينَ بِغَيْرِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَأَمَّا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَدَدَ الْمَذْكُورَ فِي «آلِ عِمْرَانَ» فِي يَوْمِ أُحُدٍ،

стр. 52

وَالْمَذْكُورَ فِي «الْأَنْفَالِ» فِي يَوْمِ بَدْرٍ، فَلَا إِشْكَالَ عَلَى قَوْلِهِ، إِلَّا فِي أَنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ لَمْ يَأْتِ فِيهَا مَدَدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ إِتْيَانَ الْمَدَدِ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ مَشْرُوطٌ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى فِي قَوْلِهِ: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ الْآيَةَ [٣ \ ١٢٥] ، وَلَمَّا لَمْ يَصْبِرُوا وَيَتَّقُوا لَمْ يَأْتِ الْمَدَدُ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالزُّهْرِيِّ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أَيْ غَمًّا عَلَى غَمٍّ يَعْنِي حُزْنًا عَلَى حُزْنٍ أَوْ أَثَابَكُمْ غَمًّا بِسَبَبِ غَمِّكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعِصْيَانِ أَمْرِهِ، وَالْمُنَاسِبُ لِهَذَا الْغَمِّ بِحَسَبِ مَا يَسْبِقُ الذِّهْنُ أَنْ يَقُولَ لِكَيْ تَحْزَنُوا. أَمَّا قَوْلُهُ: «لِكَيْلَا تَحْزَنُوا» فَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْغَمَّ سَبَبٌ لِلْحُزْنِ لَا لِعَدَمِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: «لِكَيْلَا تَحْزَنُوا» مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [٣ \ ١٥٢] ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى عَفَا عَنْكُمْ لِتَكُونَ حَلَاوَةُ عَفْوِهِ تُزِيلُ عَنْكُمْ مَا نَالَكُمْ مِنْ غَمِّ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، وَفَوْتِ الْغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ وَالْجَزَعِ مِنْ إِشَاعَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ، أَنَّهُ تَعَالَى غَمَّكُمْ هَذَا الْغَمَّ لِكَيْ تَتَمَرَّنُوا عَلَى نَوَائِبِ الدَّهْرِ، فَلَا يَحْصُلُ لَكُمُ الْحُزْنُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ مَنِ اعْتَادَ الْحَوَادِثَ لَا تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ «لَا» وَصْلَةٌ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى زِيَادَتِهَا بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [٩٠] ، وَقَوْلِهِ: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [٩٥ \ ٣] .

стр. 53

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النِّسَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ مُمْكِنٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ الْآيَةَ [٤ \ ١٢٩] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ مُمْكِنٌ هُوَ الْعَدْلُ فِي تَوْفِيَةِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْعَدْلَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ، لِأَنَّ هَذَا انْفِعَالٌ لَا فِعْلٌ فَلَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ الْبَشَرِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَانَ أَمْيَلَ بِالطَّبْعِ إِلَى إِحْدَى الزَّوْجَاتِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَعْدِلْ فِي الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ الْآيَةَ [٤ \ ١٢٩] . وَهَذَا الْجَمْعُ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ الْآيَةَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ آيَةَ: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمِيلُ إِلَيْهَا بِالطَّبْعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ، يَعْنِي الْقَلْبَ، انْتَهَى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ الْآيَةَ.

стр. 54

هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا تُجْلَدُ بَلْ تُحْبَسُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ إِلَى جَعْلِ اللَّهِ لَهَا سَبِيلًا. وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُحْبَسُ بَلْ تُجْلَدُ مِائَةً إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَجَاءَ فِي آيَةٍ مَنْسُوخَةِ التِّلَاوَةِ بَاقِيَةِ الْحُكْمِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً تُرْجَمُ. وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ حَبْسُ الزَّوَانِي فِي الْبُيُوتِ مَنْسُوخٌ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ (١) ، أَوْ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ يُنْتَهَى إِلَيْهَا هِيَ جَعْلُ اللَّهِ لَهُنَّ السَّبِيلَ، فَجَعَلَ اللَّهُ السَّبِيلَ بِالْحَدِّ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ أُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا بِعَقْدٍ أَمْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى جَوَازِ جَمْعِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «قَدْ أَفْلَحَ» وَسُورَةِ «سَأَلَ سَائِلٌ» : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [٢٣ \ ٥ - ٦] . فَقَوْلُهُ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ اسْمٌ مُثَنَّى مُحَلَّى بِأَلْ وَالْمُحَلَّى بِهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ كَمَا تَقَرَّرَ خَرَّجَهُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَقَوْلُهُ: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ اسْمٌ مَوْصُولٌ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَيْضًا. فَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ يَتَعَارَضَانِ بِحَسَبَ مَا يَظْهَرُ فِي صُورَةٍ هِيَ جَمْعُ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَيَدُلُّ عُمُومُ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَعُمُومُ: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ، كَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا أُخْرَى. وَحَاصِلُ تَحْرِيرِ الْجَوَابِ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُمَا لَا بُدَّ أَنْ يُخَصَّصَ عُمُومُ إِحْدَاهُمَا بِعُمُومِ الْأُخْرَى، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْعُمُومَيْنِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا يُقَدَّمُ وَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْآخَرِ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهِ فَعُمُومُ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، أَرْجَحُ مِنْ عُمُومِ: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ

стр. 55

مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ عُمُومَ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نَصٌّ فِي مَحَلِّ الْمُدْرَكِ الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ لِأَنَّ السُّورَةَ سُورَةُ «النِّسَاءِ» وَهِيَ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ تَحِلُّ مِنْهُنَّ وَمَنْ تَحْرُمُ، وَآيَةُ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لَمْ تُذْكَرْ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيمِ النِّسَاءِ وَلَا تَحْلِيلِهِنَّ، بَلْ ذَكَرَ اللَّهُ صِفَاتَ الْمُتَّقِينَ، فَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا حِفْظَ الْفَرْجِ، فَاسْتَطْرَدَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حِفْظُهُ عَنِ الزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَخْذَ الْأَحْكَامِ مِنْ مَظَانِّهَا أَوْلَى مِنْ أَخْذِهَا لَا مِنْ مَظَانِّهَا. الثَّانِي: أَنَّ آيَةَ: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لَيْسَتْ بَاقِيَةً عَلَى عُمُومِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْأُخْتَ مِنَ الرَّاضِعِ لَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إِجْمَاعًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عُمُومَ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ يُخَصِّصُهُ عُمُومُ: وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [٤ ٢٣] ، وَمَوْطُوءَةُ الْأَبِ لَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إِجْمَاعًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عُمُومَ: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ يُخَصِّصُهُ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ الْآيَةَ [٤ ٢٢] . وَالْأَصَحُّ عَنِ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَعَارُضِ الْعَامِّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مَعَ الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ هُوَ تَقْدِيمُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ عُمُومَ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ غَيْرُ وَارِدٍ فِي مَعْرِضِ مَدْحٍ وَلَا ذَمٍّ، وَعُمُومَ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ وَارِدٌ فِي مَعْرِضِ مَدْحِ الْمُتَّقِينَ. وَالْعَامُّ الْوَارِدُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ اخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي اعْتِبَارِ عُمُومِهِ، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ عُمُومَهُ مُعْتَبَرٌ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [٨٢ \ ١٣ - ١٤] ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ بَرٍّ مَعَ أَنَّهُ لِلْمَدْحِ، وَكُلَّ فَاجِرٍ مَعَ أَنَّهُ لِلذَّمِّ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ قَائِلًا: إِنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ لَا عُمُومَ لَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْحَثُّ فِي الْمَدْحِ وَالزَّجْرُ فِي الذَّمِّ. وَلِذَا لَمْ يَأْخُذِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ

стр. 56

تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [٩] ، فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِلذَّمِّ فَلَا تَعُمُّ عِنْدَهُ الْحُلِيَّ الْمُبَاحَ، فَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَا يَمْنَعُ اعْتِبَارَ عُمُومِهِ أَوْلَى مِنَ الْمُقْتَرِنِ بِمَا يَمْنَعُ اعْتِبَارَ عُمُومِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. الرَّابِعُ: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا الْمُعَارَضَةَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ فَالْأَصْلُ فِي الْفُرُوجِ التَّحْرِيمُ، حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ لَا مَعَارِضَ لَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ. الْخَامِسُ: أَنَّ الْعُمُومَ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ أَوْلَى مِنَ الْمُقْتَضِي لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّ تَرْكَ مُبَاحٍ أَهْوَنُ مِنِ ارْتِكَابِ حَرَامٍ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الْخَمْسَةُ الَّتِي بَيَّنَّا يُرَدُّ بِهَا اسْتِدْلَالُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى جَمْعِ الْأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَجُّ بِآيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [٤ \ ٢٤] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ أَيْضًا إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ. وَرُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ لِكُلِّ مَا قَبْلُهُ مِنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ جُمَلًا كَانَتْ أَوْ مُفْرِدَاتٍ هُوَ الْجَارِي عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ مَرَاقِي السُّعُودِ [الرَّجَزِ] : وَكُلُّ مَا يَكُونُ فِيهِ الْعَطْفُ ... مِنْ قَبْلِ الِاسْتِثْنَاءِ فَكُلًّا يَقِفُ دُونَ دَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ ذِي السَّمْعِ. خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ لَا يَرَى قَبُولَ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَلَوْ تَابَ وَأَصْلَحَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [٢٤ \ ٥] ، يَرْجِعُ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [٢٤ \ ٤] ، فَقَطْ أَيْ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا، فَقَدْ زَالَ فِسْقُهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَلَا يَقُولُ بِرُجُوعِهِ لِقَوْلِهِ: وَلَا تَقْبَلُوا

стр. 57

لَهُمْ شَهَادَةً إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ، بَلْ يَقُولُ: لَا تَقْبَلُوهَا لَهُمْ مُطْلَقًا لِاخْتِصَاصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَخِيرَةِ عِنْدَهُ. وَلَمْ يُخَالِفْ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ فِي قَوْلِهِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [٢٥ \ ٧٠] ، لِجَمِيعِ الْجُمَلِ قَبْلَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [٢٥ \ ٦٨] ، لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْجُمَلِ مَعْنَاهَا فِي الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [٢٥ \ ٦٨] ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ: «ذَلِكَ» شَامِلَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَى، فَبِرُجُوعِهِ لِلْأَخِيرَةِ رَجَعَ لِلْكُلِّ، فَظَهَرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُخَالِفْ فِيهَا أَصْلَهُ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ فِي الْأُصُولِ لَوْ قَالَ رَجُلٌ: هَذِهِ الدَّارُ حَبْسٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَبَنِي زُهْرَةَ وَبَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الْفَاسِقَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فَاسِقُ الْكُلِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ يَخْرُجُ فَاسِقُ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ. وَعَلَى هَذَا، فَاحْتِجَاجُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ جَارٍ عَلَى أُصُولِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَا حَقَّقَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْغَزَالِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْآمِدِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْآتِي بَعْدَ مُتَعَاطِفَاتٍ هُوَ الْوَقْفُ، وَأَنْ لَا يُحْكَمَ بِرُجُوعِهِ إِلَى الْجَمِيعِ وَلَا إِلَى الْأَخِيرَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ الْآيَةَ [٤ \ ٥٩] . وَإِذَا رَدَدْنَا هَذَا النِّزَاعَ إِلَى اللَّهِ وَجَدْنَا الْقُرْآنَ دَالًّا عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ، الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ هُوَ التَّحْقِيقُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [٤ \ ٩٢] ، فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِلدِّيَةِ فَهِيَ تَسْقُطُ بِتَصَدُّقِ مُسْتَحِقِّهَا بِهَا وَلَا يَرْجِعُ لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ تَصَدُّقَ مُسْتَحِقِّ الدِّيَةِ بِهَا لَا يُسْقِطُ

стр. 58

كَفَّارَةَ الْقَتْلِ خَطَأً، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [٢٤ ٤ - ٥] . فَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً لِأَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا تَابَ لَا تُسْقِطُ تَوْبَتُهُ حَدَّ الْقَذْفِ. وَمِنْهَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [٤ \ ٨٩ - ٩٥] . فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ لَا يَرْجِعُ قَوْلًا وَاحِدًا إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ الْجُمَلِ إِلَيْهِ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِذْ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَوْ وَصَلُوا إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، بَلِ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِلْأَخْذِ وَالْقَتْلِ فِي قَوْلِهِ: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ وَالْمَعْنَى فَخُذُوهُمْ بِالْأَسْرِ وَاقْتُلُوهُمْ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَلَيْسَ لَكُمْ أَخْذُهُمْ بِأَسْرٍ وَلَا قَتْلُهُمْ لِأَنَّ الْمِيثَاقَ الْكَائِنَ لِمَنْ وَصَلُوا إِلَيْهِمْ يَمْنَعُ مَنْ أَسْرِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، كَمَا اشْتَرَطَهُ هِلَالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيُّ فِي صُلْحِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيِّ وَفِي بَنِي جُذَيْمَةَ بْنِ عَامِرٍ. وَإِذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رُبَّمَا لَمْ يَرْجِعْ لِأَقْرَبِ الْجُمَلِ إِلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ فِي الطَّرَفِ الْأَعْلَى مِنَ الْإِعْجَازِ، تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي الرُّجُوعِ إِلَى غَيْرِهَا. وَمِنْهَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [٤ \ ٨٣] . فَالِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ رَاجِعًا لِلْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي يَلِيهَا أَعْنِي: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ لِأَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ كُلًّا وَلَمْ يَنْجُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَرْجِعِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَقِيلَ رَاجِعٌ

стр. 59

لِقَوْلِهِ: أَذَاعُوا بِهِ [٤ \ ٨٣] . وَقِيلَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [٤ \ ٨٣] ، وَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَا يَكُونُ نَصًّا فِي رُجُوعِهِ لِغَيْرِهَا، وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَا يَكُونُ نَصًّا فِي رُجُوعِهِ لِغَيْرِهَا وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهَا. وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ فِي مِلَّةِ آبَائِكُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَّا قَلِيلًا. كَمَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ كَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَزَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ وَأَضْرَابِهِمْ، وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا أَنَّ مَعْنَاهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ كُلًّا. قَالَ: وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْقِلَّةَ وَتُرِيدُ بِهَا الْعَدَمَ. وَاسْتَدَلَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ يَمْدَحُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ [الْمُتَقَارِبِ] : أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي ... قَلِيلُ الْمَثَالِبِ وَالْقَادِحَهْ يَعْنِي لَا مَثْلَبَةَ فِيهِ وَلَا قَادِحَةَ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: إِطْلَاقُ الْقِلَّةِ وَإِرَادَةُ الْعَدَمِ كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلٌ بِهَا الْأَصْوَاتُ إِلَّا بُغَامُهَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا صَوْتَ فِي تِلْكَ الْفَلَاةِ غَيْرَ بُغَامِ رَاحِلَتِهِ، وَقَوْلُ الْآخَرِ: فَمَا بَأْسُ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً ... قَلِيلًا لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ عَابَهَا يَعْنِي لَا عَابَ فِيهَا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فَلَا شَاهِدَ فِي الْآيَةِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ الَّذِي حَرَّرْنَا يُرَدُّ اسْتِدْلَالُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ أَيْضًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ.

стр. 60

هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَاءَ إِذَا زَنَيْنَ جُلِدْنَ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ زَانِيَةٍ تُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [٢٤ \ ٢] ، وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ «النُّورِ» ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَارَضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [٦] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا الْآيَةَ [٥ \ ٤٨] ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلَافًا مُبِينًا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا إِنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ شَرْعِنَا عَلَى نَسْخِهِ، لِأَنَّهُ مَا ذُكِرَ لَنَا فِي شَرْعِنَا إِلَّا لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ وَالْعَمَلِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا أَنَّ شَرَائِعَ الرُّسُلِ رُبَّمَا يُنْسَخُ فِي بَعْضِهَا حُكْمٌ كَانَ فِي غَيْرِهَا أَوْ يُزَادُ فِي بَعْضِهَا حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِهَا. فَالشِّرْعَةُ إِذَنْ إِمَّا بِزِيَادَةِ أَحْكَامٍ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً قَبْلُ وَإِمَّا بِنَسْخِ شَيْءٍ كَانَ مَشْرُوعًا قَبْلُ، فَتَكُونُ الْآيَةُ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ بِشَرْعِنَا أَنَّهُ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يُنْسَخْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْعِنَا لِأَنَّ زِيَادَةَ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلُ أَوْ نَسْخَ مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ كِلَاهُمَا لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ: أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا إِلَّا بِنَصٍّ مِنْ شَرْعِنَا أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنَا. فَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِسُنَنِ مَنْ قَبْلَنَا وَبِالْهُدَى فِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أُصُولُ الدِّينِ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ لَا الْفُرُوعُ الْعِلْمِيَّةُ بِدَلِيلِ

стр. 61

قَوْلِهِ تَعَالَى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا الْآيَةَ. وَلَكِنَّ هَذَا الْجَمْعَ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «ص» عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ السَّجْدَةَ فِي «ص» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ [٦ \ ٨٤] ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ مِنَ الْفُرُوعِ لَا مِنَ الْأُصُولِ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَهَا اقْتِدَاءٍ بِدَاوُدَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا شَافِيًا فِي رِحْلَتِي، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهَا هُنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى إِرْثِ الْحُلَفَاءِ مِنْ حُلَفَائِهِمْ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [٨ ٧٥] . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ الْآيَةَ. وَنَسْخُهَا لَهَا هُوَ الْحَقُّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الْقَوْلِ بِإِرْثِ الْحُلَفَاءِ الْيَوْمَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مَعْنَى: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ، أَيْ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَالنُّصْرَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَكْتُمُونَ مِنْ خَبَرِهِمْ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [٦ \ ٢٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [١٦ \ ٢٨] . وَقَوْلِهِ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا [٤٠] . وَوَجْهُ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا بَيَّنَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا سُئِلَ

стр. 62

عَنْ قَوْلِهِ تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وَهُوَ أَنَّ أَلْسِنَتَهُمْ تَقُولُ: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَكَتَمَ الْحَقَّ بِاعْتِبَارِ اللِّسَانِ وَعَدِمَهُ بِاعْتِبَارِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، وَهَذَا الْجَمْعُ يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [٣٦ ٦٥] . وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِتَعَدُّدِ الْأَمَاكِنِ فَيَكْتُمُونَ فِي وَقْتٍ وَلَا يَكْتُمُونَ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [٤ ٧٩] . وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ أَيْ مَطَرٌ وَخِصْبٌ وَأَرْزَاقٌ وَعَافِيَةٌ يَقُولُوا هَذَا أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أَيْ جَدْبٌ وَقَحْطٌ وَفَقْرٌ وَأَمْرَاضٌ، يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ مِنْ شُؤْمِكَ يَا مُحَمَّدُ وَشُؤْمِ مَا جِئْتَ بِهِ. قُلْ لَهُمْ: كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالْمَطَرِ وَالرِّزْقِ وَالْعَافِيَةِ، كَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ وَالْفَقْرِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْبَلَايَا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ اللَّهِ فِي فِرْعَوْنِ وَقَوْمِهِ مَعَ مُوسَى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [٧ ١٣١] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي قَوْمِ صَالِحٍ مَعَ صَالِحٍ: قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ الْآيَةَ [٢٧ \ ٤٧] ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ الْآيَةَ [٣٦ \ ١٨] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أَيْ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أَيْ مِنْ قِبَلِكَ وَمِنْ قِبَلِ

стр. 63

عَمَلِكَ أَنْتِ إِذْ لَا تُصِيبُ الْإِنْسَانَ سَيِّئَةٌ إِلَّا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [٤٢] . وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَحْرِيرُ الْمَقَامِ فِي قَضِيَّةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِمَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِي سُورَةِ «الشَّمْسِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [٩١ \ ٨] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَيَّدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّقَبَةَ الْمُعْتَقَةَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ خَطَأً بِالْإِيمَانِ، وَأَطْلَقَ الرَّقَبَةَ الَّتِي فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ عَنْ قَيْدِ الْإِيمَانِ، حَيْثُ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَلَمْ يَقُلْ: مُؤْمِنَةٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ تَعَارُضِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَحَاصِلُ تَحْرِيرِ الْمَقَامِ فِيهَا أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ لَهُمَا أَرْبَعُ حَالَاتٍ: الْأُولَى: أَنَّهُ يَتَّفِقُ حُكْمُهُمَا وَسَبَبُهُمَا كَآيَةِ الدَّمِ الَّتِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَحْمِلُونَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَالْحُكْمِ مَعًا، وَهُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ ثُمَّ يَحْذِفُونَ اتِّكَالًا عَلَى الْمُثْبَتِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ وَهُوَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ فَحَذَفَ رَاضُونَ لِدَلَالَةِ رَاضٍ عَلَيْهَا، وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُ ضَابِئِ بْنِ الْحَارَثِ الْبُرْجُمِيِّ: فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارًا بِهَا لَغَرِيبُ وقول عمرو بن أحمر الباهلي: رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْقِيَاسِ، وَقِيلَ بِالْعَقْلِ وَهُوَ أَضْعَفُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 64

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ يَتَّحِدَ الْحُكْمُ وَيَخْتَلِفَ السَّبَبُ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ مُتَّحِدٌ وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَالسَّبَبُ مُخْتَلِفٌ وَهُوَ قَتْلُ خَطَأٍ وَظِهَارٌ مَثَلًا، وَمِثْلُ هَذَا الْمُطْلَقِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلِذَا أَوْجَبُوا الْإِيمَانَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَيَدُلُّ لِحَمْلِ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، قَوْلُهُ ﷺ فِي قِصَّةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ عَنْهَا هَلْ هِيَ كَفَّارَةٌ أَوْ لَا، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ، قَالَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ: وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ ... مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: عَكْسُ هَذِهِ، وَهِيَ الِاتِّحَادُ فِي السَّبَبِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يُحْمَلُ فِيهَا الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَمِثَالُهُ صَوْمُ الظِّهَارِ وَإِطْعَامُهُ فَسَبَبُهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الظِّهَارُ، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ هَذَا صَوْمٌ وَهَذَا إِطْعَامٌ، وَأَحَدُهُمَا مُقَيَّدٌ بِالتَّتَابُعِ وَهُوَ الصَّوْمُ، وَالثَّانِي مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتَابُعِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ، فَلَا يُحْمَلُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ. وَالْقَائِلُونَ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَثَّلُوا لَهُ بِإِطْعَامِ الظِّهَارِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَاسَّا، مَعَ أَنَّ عِتْقَهُ وَصَوْمَهُ قُيِّدَا بِقَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [٥٨ \ ٣] ، فَيُحْمَلُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيَجِبُ كَوْنُ الْإِطْعَامِ قَبْلَ الْمَسِيسِ. وَمَثَّلَ لَهُ اللَّخْمِيُّ بِالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ حَيْثُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [٥ \ ٨٩] . وَأَطْلَقَ الْكُسْوَةَ عَنِ الْقَيْدِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: أَوْ كِسْوَتُهُمْ [٥ \ ٨٩] ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْكُسْوَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تَكْسُونَ أَهْلِيكُمْ. الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ مَعًا وَلَا حَمْلَ فِيهَا إِجْمَاعًا وَهُوَ وَاضِحٌ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُقَيَّدُ وَاحِدًا. أَمَّا إِذَا وَرَدَ مُقَيَّدَانِ بِقَيْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى كِلَيْهِمَا لِتَنَافِي قَيْدَيْهِمَا، وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الْآخَرِ

стр. 65

حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْأَقْرَبِ لَهُ مِنْهُمَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَيُقَيَّدُ بِقَيْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ لَهُ فَلَا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَبْقَى عَلَى إِطْلَاقِهِ لِاسْتِحَالَةِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ. مِثَالُ كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الْآخَرِ صَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتَابُعِ وَالتَّفْرِيقِ، مَعَ أَنَّ صَوْمَ الظِّهَارِ مُقَيَّدٌ بِالتَّتَابُعِ، وَصَوْمَ التَّمَتُّعِ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ، وَالْيَمِينُ أَقْرَبُ إِلَى الظِّهَارِ مِنَ التَّمَتُّعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ صَوْمُ كَفَّارَةٍ بِخِلَافِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، فَيُقَيَّدُ صَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِالتَّتَابُعِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَلَا يُقَيَّدُ بِالتَّفْرِيقِ الَّذِي فِي صَوْمِ التَّمَتُّعِ. وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» لَمْ تَثْبُتْ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ كَتْبِ «مُتَتَابِعَاتٍ» فِي الْمُصْحَفِ، وَمِثَالُ كَوْنِهِمَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الْآخَرِ صَوْمُ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِيهِ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [٢ \ ٨٤] ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتَابُعٍ وَلَا تَفْرِيقٍ مَعَ أَنَّهُ قَيَّدَ صَوْمَ الظِّهَارِ بِالتَّتَابُعِ وَصَوْمَ التَّمَتُّعِ بِالتَّفْرِيقِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إِلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنَ الْآخَرِ، فَلَا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَلْ يَبْقَى عَلَى الِاخْتِيَارِ إِنْ شَاءَ تَابَعَهُ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ وَأَنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [٤ \ ١١٦] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ - إِلَى قَوْلِهِ - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ الْآيَةَ [٢٥ ٧٠] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [٣٩ \ ٥٣] . وَقَوْلِهِ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ الْآيَةَ [٢٥ ٨٢] .

стр. 66

وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ أَوْجَهٌ مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا أَيْ إِذَا كَانَ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا لِأَنَّ مُسْتَحِلَّ ذَلِكَ كَافِرٌ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ وَكَانَا بِالْمَدِينَةِ فَوَجَدَ مِقْيَسٌ أَخَاهُ قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ وَلَمْ يَعْرِفْ قَاتِلَهُ، فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدِّيَةِ فَأَعْطَتْهَا لَهُ الْأَنْصَارُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَقَدْ أَرْسَلَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي فِهْرٍ، فَعَمَدَ مِقْيَسٌ إِلَى الْفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَهُ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَرَكِبَ جَمَلًا مِنَ الدِّيَةِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْبَقِيَّةَ، وَلَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا، وَهُوَ يَقُولُ فِي شِعْرٍ لَهُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرَاةَ ... بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ وَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَاضَّجَعْتُ مُوَسَّدًا ... وَكُنْتُ إِلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ وَمِقْيَسٌ هَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ : لَا أُؤَمِّنُهُ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَقُتِلَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَالْقَاتِلُ الَّذِي هُوَ كَمِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ الْمُسْتَحِلُّ لِلْقَتْلِ الْمُرْتَدُّ عَنِ الْإِسْلَامِ، لَا إِشْكَالَ فِي خُلُودِهِ فِي النَّارِ. وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا يُمَاثِلُ سَبَبُ نُزُولِهَا بِدَلِيلِ النُّصُوصِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُخَلَّدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي النَّارِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى: «فَجَزَاؤُهُ» أَنْ جُوزِيَ مَعَ إِمْكَانِ أَلَّا يُجَازَى إِذَا تَابَ أَوْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ يُرَجَّحُ بِعَمَلِهِ السَّيِّئِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ لِلتَّغْلِيظِ فِي الزَّجْرِ ذَكَرَ هَذَا الْوَجْهَ الْخَطِيبُ وَالْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، وَعَزَاهُ الْأَلُوسِيُّ لِبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ وَاسْتَدَلَّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [٣ \ ٩٧] ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ. وَبِقَوْلِهِ ﷺ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ لِلْمِقْدَادِ حِينَ سَأَلَهُ

стр. 67

عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ: لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ. وَهَذَا الْوَجْهُ مِنْ قَبِيلِ كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ، وَخُلُودٍ دُونَ خُلُودٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ أَنَّ مَعْنَى الْخُلُودِ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ، وَالْعَرَبُ رُبَّمَا تُطْلِقُ اسْمَ الْخُلُودِ عَلَى الْمُكْثِ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدَ مَا يَبِينُ كَلَامُهَا إِلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ، وَعَلَى التَّغْلِيظِ فِي الزَّجْرِ، حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا مُؤْمِنٌ عَاصٍ لَهُ تَوْبَةٌ، كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ الْآيَةَ وَادِّعَاءُ تَخْصِيصِهَا بِالْكُفَّارِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. وَقَدْ تَوَافَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَصَرَّحَ تَعَالَى بِأَنَّ الْقَاتِلَ أَخُو الْمَقْتُولِ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ الْآيَةَ [٢ \ ١٧٨] ، وَلَيْسَ أَخُو الْمُؤْمِنِ إِلَّا الْمُؤْمِنَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [٤٩ ٩] فَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَوْلَى بِالتَّخْفِيفِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْهَا الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.

стр. 68

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْمَائِدَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى إِبَاحَةِ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُطْلَقًا وَلَوْ سَمَّوْا عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ أَوْ سَكَتُوا وَلَمْ يُسَمُّوا اللَّهَ وَلَا غَيْرَهُ لِأَنَّ الْكُلَّ دَاخِلٌ فِي طَعَامِهِمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو أُمَامَةَ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَالْحُسْنُ وَمَكْحُولٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ. كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَدُخُولُ ذَبَائِحِهِمْ فِي طَعَامِهِمْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مَعَ أَنَّهُ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَعَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ أَيْضًا. أَمَّا الَّتِي دَلَّتْ عَلَى مَنْعِ أَكْلِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [٢ \ ١٧٣] فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» . وَقَوْلِهِ: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [٥ ٣] فِي الْمَائِدَةِ، وَالنَّحْلِ [١٦ \ ١٥] . وَقَوْلِهِ فِي «الْأَنْعَامِ» : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [٦ ١٤٥] . وَالْمُرَادُ بِالْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ. وَأَمَّا الَّتِي دَلَّتْ عَلَى مَنْعِ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَقَوْلِهِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْآيَةَ [٦ ١٢١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [٦ \ ١١٨ - ١١٩] ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْأَكْلِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ مِثْلِ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى مَبْحَثَيْنِ:

стр. 69

الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ عُمُومِ آيَةِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مَعَ عُمُومِ الْآيَاتِ الْمُحَرِّمَةِ لِمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيمَا إِذَا سَمَّى الْكِتَابِيُّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ، بِأَنْ أَهَلَّ بِهَا لِلصَّلِيبِ أَوْ عِيسَى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. الْمَبْحَثُ الثَّانِي: فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُسَمِّ الْكِتَابِيُّ اللَّهَ وَلَا غَيْرَهُ عَلَى ذَبِيحَتِهِ. أَمَّا الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فَحَاصِلُهُ أَنْ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ، تَنْفَرِدُ آيَةُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي الْخُبْزِ وَالْجُبْنِ مِنْ طَعَامِهِمْ مَثَلًا، وَتَنْفَرِدُ آيَةُ: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فِي ذَبْحِ الْوَثَنِيِّ لِوَثَنِهِ وَيَجْتَمِعَانِ فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ، كَالصَّلِيبِ أَوْ عِيسَى فَعُمُومُ قَوْلِهِ: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا، وَعُمُومُ قَوْلِهِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَقْتَضِي حَلِّيَّتَهَا. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَعَمَّيْنِ مِنْ وَجْهٍ يَتَعَارَضَانِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا يُقَدَّمُ وَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْآخَرِ. كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [٤ \ ٢٣] ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [٢٣ \ ٦] ، وَكَمَا أَشَارَ لَهُ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُ الْعُمُومُ مِنْ وَجْهٍ ظَهَرْ ... فَالْحُكْمُ بِالتَّرْجِيحِ حَتْمًا مُعْتَبِرْ فَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنِ الْعُمُومَيْنِ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى تَرْجِيحِ الْآيَاتِ الْمُحَرِّمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَرَبِيعَةَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَكَرَهُ النَّوَوِيِّ

стр. 70

فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ عُمُومَ آيَةِ التَّحْلِيلِ، بِأَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ. كَمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ عَلَى إِبَاحَةِ مَا أَهَلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّ عُمُومَ آيَاتِ الْمَنْعِ أَرْجِحُ وَأَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ. وَقَوْلُهُ ﷺ : وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ ﷺ : فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَمِنْهَا أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِذَا تَعَارَضَ مَعَ الْإِبَاحَةِ كَمَا هُنَا، فَالنَّهْيُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَالِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ تَرْكَ مُبَاحٍ أَهْوَنُ مِنِ ارْتِكَابِ حَرَامٍ. بَلْ صَرَّحَ جَمَاهِيرُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى نَهْيِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْدِيمِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَالدَّالُّ عَلَى الْأَمْرِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّالِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ الْمَدْلُولِ بِقَوْلِهِ: وَنَاقِلٌ وَمُثْبِتٌ وَالْآمِرُ ... بَعْدَ النَّوَاهِي ثُمَّ هَذَا الْآخَرُ عَلَى إِبَاحَةٍ إلخ. . . فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَالْآمِرُ بَعْدَ النَّوَاهِي» ، أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بَعْدَمَا دَلَّ عَلَى النَّهْيِ، فَالدَّالُّ عَلَى النَّهْيِ هُوَ الْمُقَدَّمُ وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ هَذَا الْآخَرُ عَلَى إِبَاحَةٍ» ، يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى الْأَمْرِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأَوَّلَ النَّهْيُ فَالْأَمْرُ فَالْإِبَاحَةُ، فَظَهَرَ تَقْدِيمُ النَّهْيِ عَمَّا أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى إِبَاحَةِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا حُرِّمَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَشَحْمِ الْجَوْفِ

стр. 71

مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْيَهُودِ، هَلْ يُبَاحُ لِلْمُسْلِمِ مِمَّا ذَبَحَهُ الْيَهُودِيُّ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَجَزَّأُ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَابْنِ الْقَاسْمِ وَأَشْهَبَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْجُمْهُورُ بِحُجَجٍ لَا يَنْهَضُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ قَالُوا: الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيمَا أَحَلَّتْهُ الْآيَةُ. فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْجُمْهُورُ بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ عَلَى أَخْذِهِ جِرَابًا مِنْ شَحْمِ الْيَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ أَيْ وَدَكٍ مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ، وَبِقِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي سَمَّتْهَا الْيَهُودِيَّةُ لَهُ ﷺ وَنَهَشَ مِنْ ذِرَاعِهَا وَمَاتَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ قَالُوا: إِنَّهُ ﷺ عَزَمَ عَلَى أَكْلِهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ هَلْ نَزَعُوا مِنْهَا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ مِنْ شَحْمِهَا أَوْ لَا. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ ... مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ. أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵄ فَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّصُّ عَلَى خُصُوصِ الشَّحْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، وَمُطْلَقُ الشَّحْمِ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ

стр. 72

بِعَظْمٍ [٦ ١٤٦] ، فَمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ أَعَمُّ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْأَعَمِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْأَخَصِّ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَعَمِّ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْأَخَصِّ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ. وَمِثْلُ رَدِّ هَذَا الِاحْتِجَاجِ بِمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْقَادِحُ فِي الدَّلِيلِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، وَأَشَارَ لَهُ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ قَدْحُهُ جَلَا ... وَهُوَ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مُسْجَلَا مِنْ مَانِعٍ أَنَّ الدَّلِيلَ اسْتَلْزَمَا ... لِمَا مِنَ الصُّوَرِ فِيهِ اخْتَصَمَا أَمَّا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ فَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَدِيعِ الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ ضَرْبَانِ مَعْرُوفَانِ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ، وَقَصَدْنَا هُنَا الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ بِالِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّ لَا الْبَيَانِيِّ، وَأَمَّا تَرْكُهُ ﷺ الِاسْتِفْصَالَ فِي شَاةِ الْيَهُودِيَّةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ ﷺ يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَحْمُ الْجَوْفِ وَلَا شَحْمُ الْحَوَايَا وَلَا الشَّحْمُ الْمُخْتَلِطُ بِعَظْمٍ، كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ فَلَا حَاجَةَ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ مَحْسُوسٍ حَاضِرٍ. وَأَجْرَى الْأَقْوَالِ عَلَى الْأُصُولِ فِي مِثْلِ الشَّحْمِ الْمَذْكُورِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ لِعَدَمِ دَلِيلِ جَازِمٍ عَلَى الْحِلِّ أَوِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ مَا يَعْتَقِدُ الشَّخْصُ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِ، وَالذَّكَاةُ لَا يَظْهَرُ تَجَزُّؤُهَا فَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ مُشْتَبِهٌ وَمَنْ تَرَكَ الشُّبَهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَأَمَّا الْمَبْحَثُ الثَّانِي وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْكِتَابِيُّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ اللَّهِ وَلَا اسْمَ غَيْرِهِ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ: أَحَدُهُمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لَهَا أَنَّهُ قَوِيٌّ، أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، فَمَبْحَثُ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ لَا شَيْءَ آخَرَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَعَلَيْهِ فَبَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَيْضًا عُمُومٌ

стр. 73

وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ تَنْفَرِدُ آيَةُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِيمَا ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ وَذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ فَهُوَ حَلَالٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَتَنْفَرِدُ آيَةُ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا ذَبَحَهُ وَثَنِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَا ذَبَحَهُ الْوَثَنِيُّ حَرَامٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَمَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ يَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَجْتَمِعَانِ فِيمَا ذَبَحَهُ كِتَابِيٌّ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهِ فَيُعَارِضَانِ فِيهِ. فَيَدُلُّ عُمُومُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَيَدُلُّ عُمُومُ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَيُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَاخْتُلِفَ فِي هَذَيْنِ الْعُمُومَيْنِ أَيْضًا أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ عُمُومِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الْآيَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَرْجِيحِ عُمُومِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ سَوَاءٌ ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا، لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ وَاللَّخْمِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ ذَبَحُوا عَلَى صَنَمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْقَوْلَ الْآخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا وَأَبِي ثَوْرِ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّ لِعُمُومِ كُلٍّ مِنَ الْآيَتَيْنِ مُرَجِّحًا، وَأَنَّ مُرَجِّحَ آيَةِ التَّحْلِيلِ أَقْوَى وَأَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ أَمَّا آيَةُ التَّحْلِيلِ فَيُرَجَّحُ عُمُومُهَا بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أَقَلُّ تَخْصِيصًا، وَآيَةُ التَّحْرِيمِ أَكْثَرُ تَخْصِيصًا، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ خَصَّصُوهَا بِمَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَخَصَّصَهَا الْجُمْهُورُ بِمَا تُرِكَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا قَائِلِينَ إِنَّ تَرْكَهَا نِسْيَانًا لَا أَثَرَ لَهُ وَآيَةُ التَّحْلِيلِ لَيْسَ فِيهَا

стр. 74

مِنَ التَّخْصِيصِ غَيْرَ صُورَةِ النِّزَاعِ إِلَّا تَخْصِيصٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْأَقَلَّ تَخْصِيصًا مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أَصْلًا مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَخَلَهُ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ. وَخَالَفَ فِيهِ السُّبْكِيُّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَبَيَّنَ صَاحِبُ نَشْرِ الْبُنُودِ فِي شَرْحِ مَرَاقِي السُّعُودِ فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْوِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: تَقْدِيمُ مَا خُصَّ عَلَى مَا لَمْ يَخُصْ ... وَعَكْسُهُ كُلٌّ أَتَى عَلَيْهِ نَصْ أَنَّ الْأَقَلَّ تَخَصُّصًا مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا، وَأَنَّ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَخَلَهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا السُّبْكِيُّ وَصَفِيُّ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ. وَالثَّانِي: مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَكْحُولٍ أَنَّ آيَةَ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ مُرَادَهُمْ بِالنَّسْخِ التَّخْصِيصُ، وَلَكِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ نَسْخٌ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا أَنَّ آيَةَ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَآيَةُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنَ «الْمَائِدَةِ» وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا آيَةُ التَّحْرِيمِ فَيُرَجَّحُ عُمُومُهَا بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ مُرَجِّحَاتِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لِأَنَّ كِلْتَاهُمَا دَلَّتْ عَلَى نَهْيٍ يَظْهَرُ تَعَارُضُهُ مَعَ إِبَاحَةٍ، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْكِتَابِيِّ لَهَا خَمْسُ حَالَاتٍ لَا سَادِسَةَ لَهَا: الْأُولَى: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ سَمَّى اللَّهَ عَلَيْهَا، وَفِي هَذِهِ تُؤْكَلُ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الشِّيعَةِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ.

стр. 75

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ النُّصُوصِ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ أَيْضًا لِدُخُولِهَا فِيمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ سَكَتَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ وَلَا غَيْرَهُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَالْبَعْضُ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ. الْخَامِسَةُ: أَنْ يُجْهَلَ الْأَمْرُ لِكَوْنِهِ ذُبِحَ حَالَةَ انْفِرَادِهِ فَتُؤْكَلُ عَلَى مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْحَقُّ إِنْ لَمْ يُعْرَفِ الْكِتَابِيُّ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَالَّذِي يَسُلُّ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ بِيَدِهِ، فَإِنْ عُرِفَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ لَمْ يُؤْكَلْ مَا غَابَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَيَجُوزُ أَكْلُهُ عِنْدَ الْبَعْضِ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: إِذَا عَايَنَاهُ يَسُلُّ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ بِيَدِهِ، قُلْنَا الْأَكْلُ مِنْهَا لِأَنَّهَا مَعَ طَعَامِهِ، وَاللَّهُ أَبَاحَ لَنَا طَعَامَهُ. وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ جَدِيرٌ بِالِاسْتِبْعَادِ، فَكَمَا أَنَّ نِسَاءَهُمْ يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ وَلَا تَجُوزُ مُجَامَعَتُهُنَّ فِي الْحَيْضِ، فَكَذَلِكَ طَعَامُهُمْ يَجُوزُ لَنَا مِنْ غَيْرِ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ، لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ ذَكَاةَ الْكِتَابِيِّ تَحِلُّ مُذَكَّاةً كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ. وَمَا وَعَدْنَا بِهِ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَلَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَرْجَحُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَهَا نِسْيَانًا أُكِلَتْ لِأَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ لَسَمَّى اللَّهَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ مَنْ حَرَّمَ ذَبِيحَةَ النَّاسِي فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ الْحُجَّةِ وَخَالَفَ الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ يَعْنِي بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ إِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ،
следующие страницы →