← Тафсир

Тафсир · id 18007

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (288 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْيَهُودِ، هَلْ يُبَاحُ لِلْمُسْلِمِ مِمَّا ذَبَحَهُ الْيَهُودِيُّ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَجَزَّأُ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَابْنِ الْقَاسْمِ وَأَشْهَبَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْجُمْهُورُ بِحُجَجٍ لَا يَنْهَضُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ قَالُوا: الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيمَا أَحَلَّتْهُ الْآيَةُ. فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْجُمْهُورُ بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ عَلَى أَخْذِهِ جِرَابًا مِنْ شَحْمِ الْيَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ أَيْ وَدَكٍ مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ، وَبِقِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي سَمَّتْهَا الْيَهُودِيَّةُ لَهُ ﷺ وَنَهَشَ مِنْ ذِرَاعِهَا وَمَاتَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ قَالُوا: إِنَّهُ ﷺ عَزَمَ عَلَى أَكْلِهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ هَلْ نَزَعُوا مِنْهَا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ مِنْ شَحْمِهَا أَوْ لَا. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ ... مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ. أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵄ فَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّصُّ عَلَى خُصُوصِ الشَّحْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، وَمُطْلَقُ الشَّحْمِ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ

стр. 72

بِعَظْمٍ [٦ ١٤٦] ، فَمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ أَعَمُّ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْأَعَمِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْأَخَصِّ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَعَمِّ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْأَخَصِّ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ. وَمِثْلُ رَدِّ هَذَا الِاحْتِجَاجِ بِمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْقَادِحُ فِي الدَّلِيلِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، وَأَشَارَ لَهُ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ قَدْحُهُ جَلَا ... وَهُوَ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مُسْجَلَا مِنْ مَانِعٍ أَنَّ الدَّلِيلَ اسْتَلْزَمَا ... لِمَا مِنَ الصُّوَرِ فِيهِ اخْتَصَمَا أَمَّا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ فَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَدِيعِ الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ ضَرْبَانِ مَعْرُوفَانِ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ، وَقَصَدْنَا هُنَا الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ بِالِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّ لَا الْبَيَانِيِّ، وَأَمَّا تَرْكُهُ ﷺ الِاسْتِفْصَالَ فِي شَاةِ الْيَهُودِيَّةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ ﷺ يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَحْمُ الْجَوْفِ وَلَا شَحْمُ الْحَوَايَا وَلَا الشَّحْمُ الْمُخْتَلِطُ بِعَظْمٍ، كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ فَلَا حَاجَةَ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ مَحْسُوسٍ حَاضِرٍ. وَأَجْرَى الْأَقْوَالِ عَلَى الْأُصُولِ فِي مِثْلِ الشَّحْمِ الْمَذْكُورِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ لِعَدَمِ دَلِيلِ جَازِمٍ عَلَى الْحِلِّ أَوِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ مَا يَعْتَقِدُ الشَّخْصُ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِ، وَالذَّكَاةُ لَا يَظْهَرُ تَجَزُّؤُهَا فَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ مُشْتَبِهٌ وَمَنْ تَرَكَ الشُّبَهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَأَمَّا الْمَبْحَثُ الثَّانِي وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْكِتَابِيُّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ اللَّهِ وَلَا اسْمَ غَيْرِهِ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ: أَحَدُهُمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لَهَا أَنَّهُ قَوِيٌّ، أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، فَمَبْحَثُ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ لَا شَيْءَ آخَرَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَعَلَيْهِ فَبَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَيْضًا عُمُومٌ

стр. 73

وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ تَنْفَرِدُ آيَةُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِيمَا ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ وَذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ فَهُوَ حَلَالٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَتَنْفَرِدُ آيَةُ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا ذَبَحَهُ وَثَنِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَا ذَبَحَهُ الْوَثَنِيُّ حَرَامٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَمَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ يَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَجْتَمِعَانِ فِيمَا ذَبَحَهُ كِتَابِيٌّ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهِ فَيُعَارِضَانِ فِيهِ. فَيَدُلُّ عُمُومُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَيَدُلُّ عُمُومُ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَيُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَاخْتُلِفَ فِي هَذَيْنِ الْعُمُومَيْنِ أَيْضًا أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ عُمُومِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الْآيَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَرْجِيحِ عُمُومِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ سَوَاءٌ ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا، لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ وَاللَّخْمِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ ذَبَحُوا عَلَى صَنَمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْقَوْلَ الْآخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا وَأَبِي ثَوْرِ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّ لِعُمُومِ كُلٍّ مِنَ الْآيَتَيْنِ مُرَجِّحًا، وَأَنَّ مُرَجِّحَ آيَةِ التَّحْلِيلِ أَقْوَى وَأَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ أَمَّا آيَةُ التَّحْلِيلِ فَيُرَجَّحُ عُمُومُهَا بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أَقَلُّ تَخْصِيصًا، وَآيَةُ التَّحْرِيمِ أَكْثَرُ تَخْصِيصًا، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ خَصَّصُوهَا بِمَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَخَصَّصَهَا الْجُمْهُورُ بِمَا تُرِكَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا قَائِلِينَ إِنَّ تَرْكَهَا نِسْيَانًا لَا أَثَرَ لَهُ وَآيَةُ التَّحْلِيلِ لَيْسَ فِيهَا

стр. 74

مِنَ التَّخْصِيصِ غَيْرَ صُورَةِ النِّزَاعِ إِلَّا تَخْصِيصٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْأَقَلَّ تَخْصِيصًا مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أَصْلًا مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَخَلَهُ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ. وَخَالَفَ فِيهِ السُّبْكِيُّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَبَيَّنَ صَاحِبُ نَشْرِ الْبُنُودِ فِي شَرْحِ مَرَاقِي السُّعُودِ فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْوِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: تَقْدِيمُ مَا خُصَّ عَلَى مَا لَمْ يَخُصْ ... وَعَكْسُهُ كُلٌّ أَتَى عَلَيْهِ نَصْ أَنَّ الْأَقَلَّ تَخَصُّصًا مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا، وَأَنَّ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَخَلَهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا السُّبْكِيُّ وَصَفِيُّ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ. وَالثَّانِي: مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَكْحُولٍ أَنَّ آيَةَ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ مُرَادَهُمْ بِالنَّسْخِ التَّخْصِيصُ، وَلَكِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ نَسْخٌ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا أَنَّ آيَةَ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَآيَةُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنَ «الْمَائِدَةِ» وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا آيَةُ التَّحْرِيمِ فَيُرَجَّحُ عُمُومُهَا بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ مُرَجِّحَاتِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لِأَنَّ كِلْتَاهُمَا دَلَّتْ عَلَى نَهْيٍ يَظْهَرُ تَعَارُضُهُ مَعَ إِبَاحَةٍ، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْكِتَابِيِّ لَهَا خَمْسُ حَالَاتٍ لَا سَادِسَةَ لَهَا: الْأُولَى: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ سَمَّى اللَّهَ عَلَيْهَا، وَفِي هَذِهِ تُؤْكَلُ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الشِّيعَةِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ.

стр. 75

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ النُّصُوصِ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ أَيْضًا لِدُخُولِهَا فِيمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ سَكَتَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ وَلَا غَيْرَهُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَالْبَعْضُ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ. الْخَامِسَةُ: أَنْ يُجْهَلَ الْأَمْرُ لِكَوْنِهِ ذُبِحَ حَالَةَ انْفِرَادِهِ فَتُؤْكَلُ عَلَى مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْحَقُّ إِنْ لَمْ يُعْرَفِ الْكِتَابِيُّ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَالَّذِي يَسُلُّ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ بِيَدِهِ، فَإِنْ عُرِفَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ لَمْ يُؤْكَلْ مَا غَابَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَيَجُوزُ أَكْلُهُ عِنْدَ الْبَعْضِ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: إِذَا عَايَنَاهُ يَسُلُّ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ بِيَدِهِ، قُلْنَا الْأَكْلُ مِنْهَا لِأَنَّهَا مَعَ طَعَامِهِ، وَاللَّهُ أَبَاحَ لَنَا طَعَامَهُ. وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ جَدِيرٌ بِالِاسْتِبْعَادِ، فَكَمَا أَنَّ نِسَاءَهُمْ يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ وَلَا تَجُوزُ مُجَامَعَتُهُنَّ فِي الْحَيْضِ، فَكَذَلِكَ طَعَامُهُمْ يَجُوزُ لَنَا مِنْ غَيْرِ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ، لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ ذَكَاةَ الْكِتَابِيِّ تَحِلُّ مُذَكَّاةً كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ. وَمَا وَعَدْنَا بِهِ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَلَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَرْجَحُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَهَا نِسْيَانًا أُكِلَتْ لِأَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ لَسَمَّى اللَّهَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ مَنْ حَرَّمَ ذَبِيحَةَ النَّاسِي فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ الْحُجَّةِ وَخَالَفَ الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ يَعْنِي بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ إِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ،

стр. 76

فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَلِيَأْكُلْهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزَرِيُّ، وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. كَمَا رَوَاهُ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ. وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبَعْضُ عَلَى أَكْلِ ذَبِيحَةِ النَّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى الْعُذْرِ بِالنِّسْيَانِ. وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبَعْضُ لِذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَضَعَّفَهُ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَرْوَانَ بْنَ سَالِمٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ تُؤْكَلُ وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُرَادُ بِهِ مَا أَهَّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا شَيْءَ آخَرَ، وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَا يُؤْكَلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَمْ يُنَفَّذْ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ. وَاسْتَغْرَبَ ابْنُ كَثِيرٍ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ قَائِلًا: إِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ مَعْرُوفٌ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَمْ يُسَمِّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ لَا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا. وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَرِهَا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَانًا وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَا يَعْتَبِرُ مُخَالَفَةَ الْوَاحِدِ أَوِ الِاثْنَيْنِ لِلْجُمْهُورِ فَيَعُدُّهُ إِجْمَاعًا مَعَ مُخَالَفَةِ الْوَاحِدِ أَوِ الِاثْنَيْنِ، وَلِذَلِكَ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَكْلِ

стр. 77

مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نِسْيَانًا مَعَ أَنَّهُ نَقَلَ خِلَافَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ. مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا ذَبَحَهُ أُهْلُ الْكِتَابِ لِصَنَمٍ، وَبَيْنَ مَا ذَبَحُوهُ لِعِيسَى أَوْ جِبْرِيلَ، أَوْ لِكَنَائِسِهِمْ، قَائِلِينَ: إِنَّ الْأَوَّلَ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ دُونَ الثَّانِي عِنْدَهُمْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [٥ ٣] . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَاطِلٌ بِشَهَادَةِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الذَّبِيحَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ عِبَادَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [١٠٨] . وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ الْآيَةَ [٦ ١٦٢] . فَمَنْ صَرَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ جَعَلَهُ شَرِيكًا مَعَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ الذَّبْحُ، سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ بِنَاءً أَوْ شَجَرًا أَوْ حَجَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَالِحٍ وَطَالِحٍ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا [٣ \ ٨٠] . ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ كَافِرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [٣ \ ٨٠] . وَقَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ [٣ \ ٧٩] . وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ [٣ ٦٤] ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَخَّصَ فِي أَكْلِ مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو سَلَمَةَ الْخَوْلَانِيُّ وَعُمَرُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَمَكْحُولٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ،

стр. 78

وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ. وَمِمَّنْ خَالَفَهُمْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ الْآيَةَ [٤ ٥٩] ، فَنَرُدُّ هَذَا النِّزَاعَ إِلَى اللَّهِ فَنَجِدُهُ حَرَّمَ مَا أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ اللَّهِ، يَدْخُلُ فِيهِ الْمَلَكَ وَالنَّبِيَّ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الصَّنَمُ وَالنُّصُبُ وَالشَّيْطَانُ وَقَدْ وَافَقُونَا فِي مَنْعِ مَا ذَبَحُوهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ، وَبَيْنَ الصَّنَمِ وَالنُّصُبِ، فَلَزِمَهُمُ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ لِقَوْلِهِ: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْحُكْمِ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ، لَا يُخَصَّصُ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إِلَّا التَّخْصِيصَ وَأُجِيبَ مِنْ قِبَلِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْبَعْضِ نَفْيُ احْتِمَالِ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْعَامِّ، فَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ سَوَاءٌ ذُكِرَا فِي نَصٍّ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [٢ \ ٢٣٨] أَوْ ذُكِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، كَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا الْحَدِيثَ. فَذِكْرُ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى الْأَوَّلُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَذِكْرُ إِهَابِ الشَّاةِ فِي الْأَخِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِإِهَابِ غَيْرِ الشَّاةِ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ. وَكَذَلِكَ رُجُوعُ ضَمِيرِ الْبَعْضِ لَا يُخَصِّصُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [٢ ٢٢٨] ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ [٢ \ ٢٢٨] ، وَهُوَ لِخُصُوصِ الرَّجْعِيَّاتِ مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ مَعَ أَنَّ

стр. 79

تَرَبُّصَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ عَامٌّ لِلْمُطَلَّقَاتِ مِنْ رَجْعِيَّاتٍ وَبَوَائِنَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ مُبَيِّنًا مَعَهُ أَيْضًا أَنَّ سَبَبَ الْوَاقِعَةِ لَا يُخَصِّصُهَا وَأَنَّ مَذْهَبَ الرَّاوِي لَا يُخَصِّصُ مَرْوِيَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَدَعْ ضَمِيرَ الْبَعْضِ وَالْأَسْبَابَا وَذِكْرَ مَا وَافَقَهُ مِنْ مُفْرَدِ ... وَمَذْهَبَ الرَّاوِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ التَّخْصِيصُ بِضَمِيرِ الْبَعْضِ، وَعَلَيْهِ فَتَرَبُّصُ الْبَوَائِنِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ مَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. أَمَّا عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ الْبَعْضِ فَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا أَبُو ثَوْرٍ، وَتَقَدَّمَ رَدُّ مَذْهَبِهِ. وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْآيَةَ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ فَإِنَّا نَجِدُ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَرْكِ مِثْلِ هَذَا الَّذِي تَعَارَضَتْ فِيهِ النُّصُوصُ بِقَوْلِهِ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَكَاةِ نَصَارَى الْعَرَبِ كَبَنِي تَغْلِبَ وَتَنُوخَ وَبَهْرَاءَ وَجُذَامَ وَلَخْمٍ وَعَامِلَةَ وَنَحْوِهِمْ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ لَا تُؤْكَلُ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا إِبَاحَةَ ذَكَاتِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي مُحْتَجًّا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ. وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: مَا نَصَارَى الْعَرَبِ بِأَهْلِ كِتَابٍ لَا تَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَلَا يُعْلَمُ هَلْ دَخَلُوا فِي دِينِ مَنْ بَدَّلَ مِنْهُمْ أَوْ فِي دِينِ مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ فَصَارُوا

стр. 80

كَالْمَجُوسِ لَمَّا أَشْكَلَ أَمْرُهُمْ فِي الْكِتَابِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبَائِحُهُمْ، ذَكَرَ هَذَا صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الشَّرْحِ قَائِلًا: إِنَّهُ حُجَّةُ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَنْعِ ذَبَائِحِهِمْ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ إِبَاحَةِ كُلِّ ذَكَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْيَوْمَ لِتَبْدِيلِهِمْ لَا سِيَّمَا فِيمَنْ عُرِفُوا مِنْهُمْ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَالنَّصَارَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذَبَائِحُ الْمَجُوسِ لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هِيَ حَرَامٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَالنَّخَعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَهُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ تَبَعًا وَإِلْحَاقًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الْكَلْبِيِّ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتُهِرَ عَنْهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ حَتَّى قَالَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَبُو ثَوْرٍ كَاسْمِهِ، يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ حَدِيثٍ رُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ لَمْ يُثْبَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَإِنَّمَا الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَلَوْ سَلِمَ صِحَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ فَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عَلَى أَنَّ طَعَامَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَحِلُّ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي الْحَاشِيَةِ الشَّيْخُ السَّيِّدُ مُحَمَّد رَشِيد رِضَا بِمَا نَصُّهُ فِيهِ: إِنَّ هَذَا مَفْهُومُ لَقَبٍ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الصَّوَابُ مَعَ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاعْتِرَاضُ الشَّيْخِ عَلَيْهِ سَهْوٌ مِنْهُ، لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

стр. 81

مَفْهُومُ عِلَّةٍ لَا مَفْهُومُ لَقَبٍ ، كَمَا ظَنَّهُ الشَّيْخُ لِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ مَا عَلِقَ فِيهِ الْحُكْمُ بِاسْمٍ جَامِدٍ سَوَاءٌ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ أَوِ اسْمَ عَيْنٍ أَوِ اسْمَ جَمْعٍ، وَضَابِطُهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ لِيُمْكِنَ الْإِسْنَادُ إِلَيْهِ فَقَطْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى صِفَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ. أَمَّا تَعْلِيقُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ إِبَاحَةُ طَعَامِهِمْ بِالْوَصْفِ بِإِيتَاءِ الْكِتَابِ فَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعِلَّتِهِ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِإِيتَاءِ الْكِتَابِ صَالِحٌ لِأَنَّ يَكُونَ مَنَاطَ الْحُكْمِ بِحِلِّيَّةِ طَعَامِهِمْ. وَقَدْ دَلَّ الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ الْمَعْرُوفُ بِالْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَنَاطَ حِلِّيَّةِ طَعَامِهِمْ هُوَ إِيتَاؤُهُمُ الْكِتَابَ، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمَنَاطُ لِحِلِّيَّةِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ، لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ بِحِلِّيَّةِ طَعَامِهِمْ وَنِسَائِهِمْ عَلَى إِيتَائِهِمُ الْكِتَابَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ لَمَا كَانَ فِي التَّخْصِيصِ بِإِيتَاءِ الْكِتَابِ فَائِدَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى وَصْفٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتَهُ لَكَانَ حَشْوًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ عِلَّتُهُ بِمَسْلَكِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ. قَالَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ فِي تَعْدَادِ صُوَرِ الْإِيمَاءِ: كَمَا إِذَا سَمِعَ وَصْفًا فَحَكَمْ ... وَذِكْرُهُ فِي الْحُكْمِ وَصْفًا قَدْ أَلَمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتُهُ لَمْ يُفِدِ ... وَمَنْعُهُ مِمَّا يُفِيتُ اسْتَفِدِ تَرْتِيبَهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَاتَّضَحْ إلخ. وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ: «اسْتَفِدِ تَرْتِيبَهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ: «وَذِكْرُهُ فِي الْحُكْمِ وَصْفًا إِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتُهُ لَمْ يُفِدِ» . وَمِمَّا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مَوْصُولٌ وَصِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ النَّحْوِ فِي الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الصِّفَةَ الصَّرِيحَةَ كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ الْوَاقِعَةَ صِلَةَ أَلْ بِمَثَابَةِ الْفِعْلِ مَعَ الْمَوْصُولِ، وَلِذَا عَمِلَ وَصْفُ الْمُقْتَرِنِ بِأَلِ الْمَوْصُولَةِ فِي الْمَاضِي لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُنْ صِلَةَ أَلْ فَفِي الْمُضِي ... وَغَيرِهِ إِعْمَالُهُ قَدِ ارْتُضِي

стр. 82

فَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ قُلْتَ وَطَعَامُ الْمُؤْتِينَ الْكِتَابَ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ مَفْهُومَ اسْمِ الْمَفْعُولِ مَفْهُومُ لَقَبٍ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرٍ هُوَ الْمُصْدَرُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّصِفُ بِهِ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا ذَكَرُوا فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ. فَظَهَرَ أَنَّ إِيتَاءَ الْكِتَابِ صِفَةٌ خَاصَّةٌ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهِيَ الْعِلَّةُ فِي إِبَاحَةِ طَعَامِهِمْ وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ، فَادِّعَاءُ أَنَّهَا مَفْهُومُ لَقَبٍ سَهْوٌ ظَاهِرٌ. وَظَهَرَ مِنَ التَّحْقِيقِ أَنَّ الْمَفْهُومَ فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مَفْهُومُ عِلَّةٍ وَمَفْهُومُ الْعِلَّةِ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ، فَالصِّفَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعِلَّةِ وَإِيضَاحُهُ كَمَا بَيَّنَهُ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ مُكَمِّلَةً لِلْعِلَّةِ لَا عِلَّةً تَامَّةً كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ فَإِنَّ عِلَّتَهُ لَيْسَتِ السَّوْمَ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَتْ فِي الْوُحُوشِ لِأَنَّهَا سَائِمَةٌ وَلَكِنَّ الْعِلَّةَ مِلْكُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى وَهِيَ مَعَ السَّوْمِ أَتَمُّ مِنْهَا مَعَ الْعَلْفِ وَهَذَا عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ. وَظَهَرَ أَنَّ مَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْمَفْهُومَ بِنَوْعَيْهِ مِنْ مُخَصَّصَاتِ الْعُمُومِ، أَمَّا تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَمِمَّنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ: الْآمِدِيُّ وَالسُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، وَدَلِيلُ جَوَازِهِ أَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا. وَمِثَالُهُ تَخْصِيصُ حَدِيثِ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ أَيْ يُحِلُّ الْعِرْضَ بِقَوْلِهِ مَطَلَنِي وَالْعُقُوبَةَ بِالْحَبْسِ فَإِنَّهُ مُخَصَّصٌ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ الَّذِي هُوَ الْفَحْوَى فِي قَوْلِهِ: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [١٧ ٢٣] ، لِأَنَّ فَحْوَاهُ تَحْرِيمُ أَذَاهُمَا فَلَا يُحْبَسُ الْوَالِدُ بِدَيْنِ الْوَلَدِ. وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَرْجَحُ مِنْهُ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ وَهُوَ التَّخْصِيصُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ. وَحُجَّةُ

стр. 83

هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ بِالْمَنْطُوقِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِ مَنْطُوقٌ خَاصٌّ لَا مَا هُوَ مِنْ إِفْرَادِ الْعَامِّ، فَالْمَفْهُومُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا. وَاعْتَمَدَ التَّخْصِيصَ بِهِ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ فِي قَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْخَاصِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُخَصِّصَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ: وَاعْتَبَرَ الْإِجْمَاعَ جُلُّ النَّاسِ ... وَقِسْمِي الْمَفْهُومِ كَالْقِيَاسِ وَمِثَالُ التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ ﷺ : فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ الَّذِي يَشْمَلُ عُمُومُهُ السَّائِمَةَ وَالْمَعْلُوفَةَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ، وَهُمْ أَكْثُرْ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ لَا زَكَاةَ فِيهَا، فَيُخَصَّصُ بِذَلِكَ عُمُومُ: فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا صَادَهُ الْكِتَابِيُّ بِالْجَوَارِحِ وَالسِّلَاحِ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِ، لِأَنَّ الْعَقْرَ ذَكَاةُ الصَّيْدِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ وَاضِحَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَخَالَفَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فَفَرَّقَا بَيْنَ ذَبْحِ الْكِتَابِيِّ وَصَيْدِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ [٥ \ ٩٤] ، لِأَنَّهُ خَصَّ الصَّيْدَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَرِمَاحِهِمْ دُونَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ لَا يَنْهَضُ عَلَى الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ وَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَشْهَبُ وَابْنُ هَارُونَ وَابْنُ يُونُسَ وَالْبَاجِيُّ وَاللَّخْمِيُّ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُوَازَنَةِ كَرَاهَتُهُ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ.

стр. 84

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَذَبَائِحِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ [٥ \ ٤٩] . وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى وَأَنِ احْكُمْ أَيْ إِذَا حَكَمْتَ بَيْنَهُمْ، فَاحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَعَلَيْهِ فَالْأُولَى مُحْكَمَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [١٦ ١٠٥] . وَقَوْلِهِ: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [٢٤ \ ٤] ، أَيْ فَالْكَافِرُونَ أَحْرَى بِرَدِّ شَهَادَتِهِمْ. وَقَوْلِهِ: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [٦٥ ٢] . وَقَوْلِهِ: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ الْآيَةَ [٢ ٢٨٢] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْكَافِرِينَ عَلَى الْإِيصَاءِ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، مَنْسُوخٌ بِآيَاتِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ، وَالَّذِي يَقُولُ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِمَا يَقُولُ هِيَ مُحْكَمَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ غَيْرِهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ مَعْرُوفٌ وَوَجْهُ الْجَوَابِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرٌ.

стр. 85

وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [٥ \ ٩٥] ، أَيْ مِنْ قَبِيلَةِ الْمُوصِي، وَقَوْلِهِ: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَةِ الْمُوصِي مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ. وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ غَيْرِكُمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْكُمْ أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَعَلَيْهِ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ هَذِهِ الْآيَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا يَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى أُمَمِهِمْ. وَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [٤ \ ٤١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ [١٦ \ ٨٩] . وَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: لَا شَكَّ أَنَّهُ حَسَنٌ، أَنَّ الْمَعْنَى: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا عِلْمَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، فَلَا عِلْمَ لَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِكَ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَنَحْنُ وَإِنْ عَرَفْنَا مَنْ أَجَابَنَا فَإِنَّمَا نَعْرِفُ الظَّوَاهِرَ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِالْبَوَاطِنِ، وَأَنْتَ الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَمَا تُخْفِي الضَّمَائِرُ فَعِلْمُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِكَ كَلَا عِلْمٍ. الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا عِلْمَ لَنَا لِمَا اعْتَرَاهُمْ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَشَهِدُوا عَلَى أُمَمِهِمْ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَضْعَفُهَا، أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَاذَا أُجِبْتُمْ، مَاذَا

стр. 86

عَمِلُوا بَعْدَكُمْ؟ وَمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكُمْ؟ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا. ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ هَذَا الْقَوْلَ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [٤ \ ١٤٥] ، وَقَوْلِهِ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [٤٠ \ ٤٦] . وَالْجَوَابُ: أَنَّ آيَةَ: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ وَآيَةَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي أَسْفَلِ دَرَكَاتِ النَّارِ فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَشَدُّ عَذَابًا مِنَ الْآخَرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ الْآيَةَ، فَيُجَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِـ: الْعَالَمِينَ عَالَمُو زَمَانِهِمْ وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [٢ \ ١٤٧] ، كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي: مَا قَالَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَذَابُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي هُوَ - مَسْخُهُمْ خَنَازِيرَ، وَلَكِنْ يَدُلُّ لِأَنَّهُ عَذَابُ الْآخِرَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ وَآلُ فِرْعَوْنَ» . وَهَذَا الْإِشْكَالُ فِي أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِهَا، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ خَافُوا مِنَ الْوَعِيدِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نُزُولِهَا فَلَمْ تَنْزِلْ فَلَا إِشْكَالَ. وَلَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي مُنَزِّلُهَا [٥ \ ١٥] يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِنُزُولِهَا لَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى.

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَنْعَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الْكَافِرِينَ وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [١٠] . وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [٤٧ \ ١١] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مَوْلَى الْكَافِرِينَ أَنَّهُ مَالِكُهُمُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِمَا شَاءَ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ، أَيْ وِلَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالنَّصْرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: رُدُّوا وَقَوْلِهِ: مَوْلَاهُمُ عَائِدٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ أَصْلًا، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ جَالَسَ الْخَائِضِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِالِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَالَسَهُمْ كَانَ مِثْلَهُمْ فِي الْإِثْمِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا - إِلَى قَوْلِهِ - إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [٤ \ ١٤٠] ، اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [٦] ، وَجْهَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مُجَالَسَةُ الْكُفَّارِ عِنْدَ خَوْضِهِمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ مِنْ حِسَابِ الْكُفَّارِ مِنْ شَيْءٍ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا إِشْكَالَ

стр. 88

فِي الْآيَةِ أَصْلًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مَا يَقَعُ مِنَ الْكُفَّارِ مِنَ الْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللَّهِ فِي مُجَالَسَتِهِمْ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَذَا التَّرْخِيصُ فِي مُجَالَسَةِ الْكُفَّارِ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِلضَّرُورَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ. وَمِمَّنْ قَالَ بِالنَّسْخِ فِيهِ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمْ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، فَظَهَرَ أَنْ لَا إِشْكَالَ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [٦] ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ إِذَا اجْتَنَبُوا مَجَالِسَهُمْ سَلِمُوا مِنَ الْإِثْمِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بِاتِّقَاءِ مُجَالَسَتِهِمْ عِنْدَ الْخَوْضِ فِي الْآيَاتِ لَا يُسْقِطُ وُجُوبَ تَذْكِيرِهِمْ وَوَعْظِهِمْ وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اللَّهَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَالْمَعْنَى أَنَّ التَّرْخِيصَ فِي الْمُجَالَسَةِ لَا يُسْقِطُ التَّذْكِيرَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الْخَوْضَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِالْبَاطِلِ إِذَا وَقَعَتْ مِنْكُمُ الذِّكْرَى لَهُمْ، وَأَمَّا جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْمُتَّقِينَ فَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا. يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْجَاهِلُ أَنَّ إِنْذَارَهُ ﷺ مَخْصُوصٌ بِأُمِّ الْقُرَى وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا دُونَ الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ حَوْلَهَا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الشُّورَى» وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ [٤٢ \ ٧] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تُصَرِّحُ بِعُمُومِ إِنْذَارِهِ ﷺ لِجَمِيعِ النَّاسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [٢٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [٦ \ ١٩] ، وَقَوْلِهِ: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [٧ \ ١٥٨] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً

стр. 89

لِلنَّاسِ الْآيَةَ [٣٤ ٢٨] . وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ حَوْلَهَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَرْضِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ حَوْلَهَا لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْقَرِيبَ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ حَرَّمَهَا اللَّهُ كَجَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَثَلًا، فَإِنَّ الْآيَاتِ الْأُخَرَ نَصَّتْ عَلَى الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. وَذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا أَبُو ثَوْرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَاضِحًا بِأَدِلَّتِهِ فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» . فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [٢٦ \ ٢١٤] ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِنْذَارِ غَيْرِهِمْ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ [٦ ١٤١] ، أَثْبَتَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ التَّشَابُهَ لِلزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ وَنَفَاهُ عَنْهُمَا. وَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ قَتَادَةُ ﵀ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى مُتَشَابِهًا وَرَقُهَا مُخْتَلِفًا طَعْمُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [٧٥ \ ٢٢ - ٢٣] ، وَكَقَوْلِهِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [١٠ \ ٢٦] ، فَالْحُسْنَى: الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [٥٠ \ ٣٥] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٨٣ \ ١٥] ، يُفْهَمُ مِنْ دَلِيلِ خِطَابِهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا

стр. 90

مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ. وَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أَيْ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ فِي الْآخِرَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى مِنَ الْأَوَّلِ. الثَّالِثُ: وَهُوَ الْحَقُّ، أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِدْرَاكُ الْمُشْعِرُ بِالْإِحَاطَةِ بِالْكُنْهِ، أَمَّا مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى نَفْيِهِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَحَاصِلٌ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ الْإِدْرَاكَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَأَيْتُ الشَّيْءَ وَمَا أَدْرَكْتُهُ، فَمَعْنَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لَا تُحِيطُ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُهُ الْخَلْقُ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ نَفْيَ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ، فَانْتِفَاءُ الْإِدْرَاكِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُدْرِكُ كُنْهَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْوَجْهِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ. فَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ إِمْكَانِ الْإِحَاطَةِ مُطْلَقًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى بِالْأَبْصَارِ جَائِزَةٌ عَقْلًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أَنْ يُرَى عَقْلًا، وَيَدُلَّ لِجَوَازِهَا عَقْلًا قَوْلُ مُوسَى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [٧ \ ١٤٣] ، لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ الْجَائِزَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَقْلًا. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَوَاقِعَةٌ فِي الْآخِرَةِ مُمْتَنِعَةٌ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ

стр. 91

فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا وَالْأَحَادِيثُ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَوَاتِرَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الْآيَةَ. لَا يُعَارِضُ آيَاتِ السَّيْفِ لِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا كَوْنُ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ غَيْرَ بَاقٍ بَقَاءً لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَبَدًا وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [١١ ١٠٦ - ١٠٧] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [٧٨ ٢٣] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَذَابَهُمْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [٤ \ ٥٧] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ عَدَمَ خُلُودِهِ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ. وَقَدْ ثَبَتَ فَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ النَّارِ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَهُمْ أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي سِنَانٍ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَغَايَةُ «مَا» فِي هَذَا الْقَوْلِ إِطْلَاقُ «مَا» وَإِرَادَةُ مَنْ وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [٤ ٣] الثَّانِي: أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا اللَّهُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ بَعْثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَاسْتِقْرَارِهِمْ فِي مَصِيرِهِمْ قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِيهِ إِجْمَالٌ وَقَدْ جَاءَتِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةً بِأَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا، وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ خُلُودٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ، وَالظُّهُورُ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ فَالظَّاهِرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُجْمَلِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.

стр. 92

وَمِنْهَا أَنْ «إِلَّا» فِي سُورَةِ «هُودٍ» بِمَعْنَى: سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى مُدَّةِ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّارِ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ زَمَانٌ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا يَلْبَثُونَ أَحْقَابًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا تَأْكُلُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي لَا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى الطَّبَقَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِعْمَالُ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْجَمْعِ إِذَا أَمْكَنَ، أَمَّا مَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَنَّ النَّارَ تَفْنَى وَيَنْقَطِعُ الْعَذَابُ عَنْ أَهْلِهَا، فَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّتِهِ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْمَقَامَ لَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى خَمْسِ حَالَاتٍ بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ، وَغَيْرُهَا رَاجِعٌ إِلَيْهَا. الْأُولَى: أَنْ يُقَالَ بِفَنَاءِ النَّارِ، وَأَنَّ اسْتِرَاحَتَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ بِسَبَبِ فَنَائِهَا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ مَاتُوا وَهِيَ بَاقِيَةٌ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ بَاقُونَ فِيهَا إِلَّا أَنَّ الْعَذَابَ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ. وَذَهَابُ الْعَذَابِ رَأْسًا وَاسْتِحَالَتُهُ لِذَا لَمْ نَذْكُرْهُمَا مِنَ الْأَقْسَامِ، لِأَنَّا نُقِيمُ الْبُرْهَانَ عَلَى نَفْيِ تَخْفِيفِ الْعَذَابِ، وَنَفْيُ تَخْفِيفِهِ يَلْزَمُهُ نَفْيُ ذَهَابِهِ وَاسْتِحَالَتُهُ لِذَا فَاكْتَفَيْنَا بِهِ لِدَلَالَةِ نَفْيِهِ عَلَى نَفْيِهِمَا، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ يَدُلُّ الْقُرْآنُ عَلَى بُطْلَانِهِ. أَمَّا فَنَاؤُهَا فَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ

стр. 93

سَعِيرًا [١٧ \ ٩٧] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [١١ \ ١٠٧] ، فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَخُلُودِ أَهْلِ النَّارِ وَبَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [١١ \ ١٠٨] ، وَبِقَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [٣٨ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [١٦ \ ٩٦] . وَبَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ فِي خُلُودِ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِ: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا. فَمَنْ يَقُولُ إِنَّ لِلنَّارِ خَبْوَةً لَيْسَ بَعْدَهَا زِيَادَةُ سَعِيرٍ، رُدَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكْرَارِ الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا الْآيَةَ [٤ ٥٦] . وَأَمَّا مَوْتُهُمْ فَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [٣٥ \ ٣٦] ، وَقَوْلِهِ: لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا [٢٠] ، وَقَوْلِهِ: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [١٤ \ ١٧] ، وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَوْتَ يُجَاءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَجٍ فَيُذْبَحُ، وَإِذَا ذُبِحَ الْمَوْتُ حَصَلَ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا مَوْتَ، كَمَا قَالَ ﷺ : وَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ. وَأَمَّا إِخْرَاجُهُمْ مِنْهَا فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [٢ \ ١٦٧] ، وَبِقَوْلِهِ: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [٣٢ ٢٠] ، وَبِقَوْلِهِ: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [٥ \ ٣٧] . وَأَمَّا تَخْفِيفُ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [٣٥ \ ١٣] ، وَقَوْلِهِ: فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [٧٨] ، وَقَوْلِهِ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [٤٣] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [٢٥ \ ٦٥] ، وَقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [٢٥ \ ٧٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [١٦ \ ٨٥] . وَقَوْلِهِ: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [٥ \ ٣٧] ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا وَقَوْلَهُ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ كِلَاهُمَا فِعْلٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَحَرْفُ النَّفْيِ بِنَفْيِ الْمَصْدَرِ الْكَامِنِ فِي الْفِعْلِ فَهُوَ فِي

стр. 94

مَعْنَى لَا تَخْفِيفَ لِلْعَذَابِ عَنْهُمْ، وَلَا تَفْتِيرَ لَهُ، وَالْقَوْلُ بِفَنَائِهَا يَلْزَمُهُ تَخْفِيفُ الْعَذَابَ وَتَفْتِيرُهُ الْمَنْفِيَّانِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بَلْ يَلْزَمُهُ ذَهَابُهُمَا رَأْسًا، كَمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفْيُ مُلَازَمَةِ الْعَذَابِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا وَقَوْلِهِ: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا وَإِقَامَتِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ. فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَاتِ عَدَمُ فَنَاءِ النَّارِ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بِعَدَمِ فَنَائِهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ فَنَاءَهَا لِأَنَّهُ وَعِيدٌ، وَإِخْلَافُ الْوَعِيدِ مِنَ الْحَسَنِ لَا مِنَ الْقَبِيحِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعِيدَهُ، وَأَنَّ الشَّاعِرَ قَالَ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي فَالظَّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَوَازُ أَلَّا يَدْخُلَ النَّارَ كَافِرٌ، لِأَنَّ الْخَبَرَ بِذَلِكَ وَعِيدٌ، وَإِخْلَافُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا بَأْسَ بِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِحَقِّ وَعِيدِهِ عَلَى مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ حَيْثُ قَالَ: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [٥٠ \ ١٤] . وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَسْلَكِ النَّصِّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِمْ: سَهَا فَسَجَدَ، أَيْ سَجَدَ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، وَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَيْ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، فَقَوْلُهُ: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ أَيْ وَجَبَ وُقُوعُ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ لِعِلَّةِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ [٣٨ \ ١٤] . وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُبَدَّلُ فِيمَا أَوْعَدَ بِهِ أَهْلَ النَّارِ حَيْثُ قَالَ \ ٤٧ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٥٠ \ ٢٨ - ٢٩] . وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ

стр. 95

تَعَالَى: وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [٣١ \ ٣٣] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [٥٢ \ ٧] ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي يَجُوزُ إِخْلَافُهُ وَعِيدُ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [٤ \ ٤٨] . فَإِذَا تَبَيَّنَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ بُطْلَانُ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ تَعَيَّنَ الْقِسْمُ الْخَامِسُ الَّذِي هُوَ خُلُودُهُمْ فِيهَا أَبَدًا بِلَا انْقِطَاعٍ وَلَا تَخْفِيفٍ بِالتَّقْسِيمِ وَالسَّبْرِ الصَّحِيحِ. وَلَا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ خُبْثُهُمُ الطَّبِيعِيُّ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ دَائِمًا لَا يَزُولُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ خُبْثَهُمْ لَا يَزُولُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ الْآيَةَ [٨ \ ٢٣] . فَقَوْلُهُ: خَيْرًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَهِيَ تَعُمُّ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ مَا فِي وَقْتٍ مَا لَعَلِمَهُ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [٦ ٢٨] ، وُعَوْدُهُمْ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، لَا يُسْتَغْرَبُ بَعْدَهُ عَوْدُهُمْ بَعْدَ مُبَاشَرَةِ الْعَذَابِ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْعَذَابِ عِيَانًا كَالْوُقُوعِ فِيهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٥٠ \ ٢٢] ، وَقَالَ: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا الْآيَةَ [١٩ ٣٨] . وَعَذَابُ الْكُفَّارِ لِلْإِهَانَةِ وَالِانْتِقَامِ لَا لِلتَّطْهِيرِ وَالتَّمْحِيصِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [٢ \ ١٧٤] ، وَبِقَوْلِهِ: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [٣ \ ١٧٨] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ. هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالُوهُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ كَلَامُ صِدْقٍ لَا شَكَّ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُحَرِّمْهُ كَالْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [٦ \ ١٠٧] وَقَالَ: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [٣٢ \ ١٣] ، وَقَالَ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [٦ \ ٣٥] ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالَهُ الْكُفَّارُ حَقًّا فَمَا وَجْهُ تَكْذِيبِهِ تَعَالَى

стр. 96

لَهُمْ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [٦ \ ١٤٨] ، وَنَظِيرُ هَذَا الْإِشْكَالِ بِعَيْنِهِ فِي سُورَةِ «الزُّخْرُفِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [٤٣ \ ٢٠] . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ الْكُفَّارُ كَلَامُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهِ بَاطِلٌ فَتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهُمْ وَاقِعٌ عَلَى بَاطِلِهِمُ الَّذِي قَصَدُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ الْحَقِّ وَإِيضَاحُهُ: أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانَ كُفْرُهُمْ وَعِصْيَانُهُمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَعَدَمُ مَنْعِهِ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِفِعْلِهِمْ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِكُفْرِهِمْ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [٣٩ \ ٧] ، فَالْكُفَّارُ زَعَمُوا أَنَّ الْإِرَادَةَ الْكَوْنِيَّةَ يَلْزَمُهَا الرِّضَا، وَهُوَ زَعْمٌ بَاطِلٌ بَلِ اللَّهُ يُرِيدُ بِإِرَادَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ مَا لَا يَرْضَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [٢ \ ٧] ، مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَالَّذِي يُلَازِمُ الرِّضَى حَقًّا إِنَّمَا هُوَ الْإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ حَرَّمَهُ رَبُّهُمْ عَلَيْهِمْ، فَيُوهِمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [٦ \ ١٥١] ، أَنَّ الْإِحْسَانَ بِالْوَالِدَيْنِ وَعَدَمَ الشِّرْكِ حَرَامٌ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ كَلَامٌ كَثِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَبُحُوثٌ وَمُنَاقَشَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا تَتَّسِعُ هَذِهِ الْعُجَالَةُ لِاسْتِيعَابِهَا، مِنْهَا أَنَّهَا صِلَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَمِنْهَا أَنَّهَا بِمَعْنَى أُبَيِّنُهُ لَكُمْ لِئَلَّا تُشْرِكُوا. وَمَنْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ مُسْتَحِلًّا فَهُوَ مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [٦ ١٢١] . وَمِنْهَا أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَرَّمَ رَبُّكُمْ وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا: اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّ مَعْمُولَهُ

стр. 97

مِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ تِلْكَ الْوُجُوهِ عِنْدَنَا هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لِأَنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، مُضَمَّنٌ مَعْنَى مَا وَصَّاكُمْ رَبُّكُمْ بِهِ تَرْكًا وَفِعْلًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى هَذَا لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ هَذَا الْإِشْكَالَ وَبَيَّنَ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [٦ \ ١٥١] ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَصَّاكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا، وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الرَّاجِزِ: حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى عَبْدًا ... أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُكَلِّمُ أَحَدًا وَمِنْ أَقْرَبِ الْوُجُوهِ بَعْدَ هَذَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى: يُبَيِّنُهُ لَكُمْ لِئَلَّا تُشْرِكُوا. وَالثَّانِي: أَنَّ «أَنْ» مِنْ قَوْلِهِ: أَلَّا تُشْرِكُوا مُفَسِّرَةٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْقَدْحُ فِيهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [٦ \ ١٥٣] ، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَعَطْفُهُ عَلَيْهِ يُنَافِي التَّفْسِيرَ مَدْفُوعٌ بِعَدَمِ تَعْيِينِ الْعَطْفِ لِاحْتِمَالِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلِأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ أَصْلًا.

стр. 98

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَعْرَافِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ جَمِيعَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٥ \ ٩٢ - ٩٣] ، وَقَوْلُهُ: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [٣٧ \ ٢٤] ، وَقَوْلُهُ: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [٢٨ \ ٦٥] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ [٥٥ \ ٣٩] ، وَكَقَوْلِهِ: وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [٢٨ \ ٧٨] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَوْجَهُهَا لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ السُّؤَالَ قِسْمَانِ: سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَأَدَاتُهُ غَالِبًا: لِمَ، وَسُؤَالُ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ وَأَدَاتُهُ غَالِبًا: هَلْ، فَالْمُثْبَتُ هُوَ سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، وَالْمَنْفِيُّ هُوَ سُؤَالُ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ، وَجْهُ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا أَنَّ سُؤَالَهُ لَهُمُ الْمَنْصُوصُ فِي كُلِّهِ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ [٣٧ ٢٤ - ٢٥] ، وَقَوْلِهِ: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ [٥٢ \ ١٥] ، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [٣٩ \ ٧١] ، وَكَقَوْلِهِ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [٦٧ \ ٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَسُؤَالُ اللَّهِ لِلرُّسُلِ: مَاذَا أُجِبْتُمْ [٥ \ ١٠٩] لِتَوْبِيخِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ كَسُؤَالِ الْمَوْءُودَةِ: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [٨١ \ ٩] لِتَوْبِيخِ قَاتِلِهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فِي الْقِيَامَةِ مَوَاقِفَ مُتَعَدِّدَةً، فَفِي بَعْضِهَا يَسْأَلُونَ، وَفِي بَعْضِهَا لَا يَسْأَلُونَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ مِنْ أَنَّ إِثْبَاتَ السُّؤَالِ مَحْمُولٌ

стр. 99

عَلَى السُّؤَالِ عَنِ التَّوْحِيدِ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَعَدَمَ السُّؤَالِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ الْإِقْرَارُ بِالنُّبُوَّاتِ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [٢٨ \ ٦٥] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ. فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: مَنَعَكَ مَعَ لَا النَّافِيَةِ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ فِي الظَّاهِرِ لِقَوْلِهِ: مَنَعَكَ بِحَسَبِ مَا يَسْبِقُ إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، هُوَ حَذْفُ لَا فَيَقُولُ: مَا مَنَعَكَ أَنَّ تَسْجُدَ دُونَ أَلَّا تَسْجُدَ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ: مِنْ أَقْرَبِهَا هُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ أَنَّ بِالْكَلَامِ حَذْفًا دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَأَحْوَجَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ. وَمِنْ أَجْوِبَتِهِمْ أَنَّ «لَا» صِلَةٌ وَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «ص» مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ الْآيَةَ [٣٨] ، وَقَدْ وَعَدْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ نُبَيِّنُ الْقَوْلَ بِزِيَادَةِ «لَا» مَعَ شَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [٩٠] ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [٩٥ \ ٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ آيَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا الْآيَةَ [١٧ \ ١٦] . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَظْهَرُهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا أَيْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَفَسَقُوا، أَيْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ أَصْلًا.

стр. 100

الوجه الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا أَمْرٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ لَا أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، أَيْ قَدَرْنَا عَلَيْهِمُ الْفِسْقَ بِمَشِيئَتِنَا، وَالْأَمْرُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [٢ ٦٥] ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٣٦ \ ٨٢] ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ دِينِيٌّ فَظَهَرَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمَنْفِيَّ غَيْرَ الْأَمْرِ الْمُثْبَتِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا: أَيْ كَثَّرْنَاهُمْ حَتَّى بَطِرُوا النِّعْمَةَ فَفَسَقُوا، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ ﵁: خَيْرُ مَالِ امْرِئٍ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ فَقَوْلُهُ: «مَأْمُورَةٌ» أَيْ كَثِيرَةُ النَّسْلِ، وَهِيَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ الْآيَةَ. وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [٩ \ ٦٧] ، وَقَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [٢٠ \ ١٢٦] ، وَقَوْلِهِ: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ الْآيَةَ [٤٥ ٣٤] ، لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [٢٠ \ ٥٢] ، وَقَوْلَهُ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [١٩ \ ٦٤] ؛ لِأَنَّ مَعْنَى: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ وَنَحْوُهُ، أَيْ نَتْرُكُهُمْ فِي الْعَذَابِ مَحْرُومِينَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى شَبَهِ الْعَصَا بِالثُّعْبَانِ وَهُوَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْكَبِيرِ مِنَ الْحَيَّاتِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ الْآيَةَ [٢٧ \ ١٠] ، لِأَنَّ الْجَانَّ هُوَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالثُّعْبَانِ فِي عِظَمِ خِلْقَتِهَا، وَبِالْجَانِّ فِي اهْتِزَازِهَا وَخِفَّتِهَا وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهَا، فَهِيَ جَامِعَةٌ بَيْنَ الْعِظَمِ، وَخِفَّةِ الْحَرَكَةِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ.

стр. 101

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَنْفَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنْ وَجَلَ الْقُلُوبِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافَ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [١٣ \ ٢٨] . فَالْمُنَافَاةُ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَوَجَلِ الْقُلُوبِ ظَاهِرَةٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ تَكُونُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْوَجَلُ يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ الزَّيْغِ وَالذَّهَابِ عَنِ الْهُدَى، كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [٣٩ \ ٢٣] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا الْآيَةَ [١٣ \ ٨] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [٢٣ \ ٦٠] . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِجَابَةَ لِلرَّسُولِ الَّتِي هِيَ طَاعَتُهُ لَا تَجِبُ إِلَّا إِذَا دَعَانَا لِمَا يُحْيِينَا، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [٦٠ \ ١٢] . وَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، قَوْلُهُ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٥٩ \ ٧] ، وَقَوْلُهُ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ الْآيَةَ [٣ \ ٣١] . وَقَوْلُهُ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [٤ \ ٨٠] . وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ الْجَمْعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّ آيَاتِ الْإِطْلَاقِ مُبَيِّنَةٌ أَنَّهُ ﷺ لَا يَدْعُونَا إِلَّا لِمَا يُحْيِينَا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ

стр. 102

فِي قَوْلِهِ: إِذَا دَعَاكُمْ، مُتَوَفِّرٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [٥٣ \ ٣ - ٤] . وَالْحَاصِلُ أَنَّ آيَةَ: إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، مُبَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَا طَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ يَدْعُو إِلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الْأُخَرَ بَيَّنَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَدْعُو أَبَدًا إِلَّا إِلَى ذَلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُفَّارِ مَكَّةَ أَمَانَيْنَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بِسَبَبِهِمَا: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ ﷺ فِيهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً وَنَبِيُّهُمْ فِيهِمْ. وَالثَّانِي: اسْتِغْفَارُهُمُ اللَّهَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [٨] ، يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ نَقَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّ الْأَمَانَيْنَ مُنْتَفِيَانِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مُهَاجِرًا وَاسْتِغْفَارُهُمْ مَعْدُومٌ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ. فَجُمْلَةُ الْحَالِ أُرِيدَ بِهَا أَنَّ الْعَذَابَ لَا يَنْزِلُ بِهِمْ فِي حَالَةِ اسْتِغْفَارِهِمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا وَلَا فِي حَالَةِ وُجُودِ نَبِيِّهِمْ فِيهِمْ، لَكِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا لِكُفْرِهِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ لِعَامِلِهَا وَصْفٌ لِصَاحِبِهَا، فَالِاسْتِغْفَارُ مَثَلًا قَيْدٌ فِي نَفْيِ الْعَذَابِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا بِالْقَيْدِ، فَتَقْرِيرُ الْمَعْنَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا، وَبَعْدَ انْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ عَذَّبَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ [٣٢ \ ٢١] . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: «يَسْتَغْفِرُونَ» اسْتِغْفَارُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ

стр. 103

بِمَكَّةَ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ ﷺ كَانَ اسْتِغْفَارُ الْمُؤْمِنِينَ سَبَبًا لِرَفْعِ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ عَنِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَعْجِلِينَ لِلْعَذَابِ بِقَوْلِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ الْآيَةَ [٨] . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ أَسْنَدَ الِاسْتِغْفَارَ إِلَى مَجْمُوعِ أَهْلِ مَكَّةَ الصَّادِقِ بِخُصُوصِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، وَنَظِيرُ الْآيَةِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ [٧ \ ٧٧] ، وَمَعَ أَنَّ الْعَاقِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [٥٤ \ ٢٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [٧١ \ ١٥ - ١٦] ، أَيْ جَعَلَ الْقَمَرَ فِي مَجْمُوعِهِنَّ الصَّادِقِ بِخُصُوصِ السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا الْقَمَرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِي كُلِّ سَمَاءٍ قَمَرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [٦ \ ١٣٠] ، أَيْ مِنْ مَجْمُوعِكُمُ الصَّادِقِ بِخُصُوصِ الْإِنْسِ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَيْسَ مِنَ الْجِنِّ رُسُلٌ. وَأَمَّا تَمْثِيلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِإِطْلَاقِ الْمَجْمُوعِ مُرَادًا بَعْضُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [٥٥ \ ٢٢] ، زَاعِمِينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مِنْهُمَا» أَيْ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا الصَّادِقِ بِخُصُوصِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ، لِأَنَّ الْعَذْبَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ لُؤْلُؤٌ وَلَا مَرْجَانٌ، فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. فَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى بِاسْتِخْرَاجِ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ كِلَيْهِمَا حَيْثُ قَالَ: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [٣٥ \ ١٢] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ كُلٍّ، نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِرَادَةِ الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ مَعًا، وَقَوْلُهُ: حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا هِيَ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْعَذَابُ الدُّنْيَوِيُّ يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِاسْتِغْفَارِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَائِنِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [٨] . أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانَ اسْتِغْفَارُهُمْ سَبَبًا لِدَفْعِ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ، فَبَعْدَ خُرُوجِهِمْ عَذَّبَ اللَّهُ أَهْلَ مَكَّةَ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ حَتَّى فَتَحَ مَكَّةَ، وَيَدُلُّ

стр. 104

لِكَوْنِهِ تَعَالَى يَدْفَعُ الْعَذَابَ الدُّنْيَوِيَّ عَنِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَا وَقَعَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [٤٨ \ ٢٥] . فَقَوْلُهُ: لَوْ تَزَيَّلُوا أَيْ لَوْ تَزَيَّلَ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَعَذَّبْنَا الْكُفَّارَ بِتَسْلِيطِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّا رَفَعْنَا عَنِ الْكُفَّارِ هَذَا الْعَذَابَ الدُّنْيَوِيَّ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ الْآيَةَ. وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي مَالِكٍ وَابْنِ أَبْزَى، وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ لَمَّا قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً الْآيَةَ [٨] . أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَقِيَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وَيَعْبُدُونَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمَّا خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [٨] ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَهُمْ يَدْفَعُ عَنْهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا كَقَوْلِهِ: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [٩ \ ١٤] . الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ كُفَّارُ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ فَوَجْهُ الْجَمِيعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرُدُّ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الدُّنْيَوِيَّ بِسَبَبِ اسْتِغْفَارِهِمْ، أَمَّا عَذَابُ الْآخِرَةِ فَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ فَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، أَيْ فِي الدُّنْيَا فِي حَالَةِ اسْتِغْفَارِهِمْ، وَقَوْلُهُ: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أَيْ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ كَانُوا كُفَّارًا فِي الدُّنْيَا. وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَعَمَلُ الْكَافِرُ يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا فَسَّرَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [٢٤ \ ٣٩] ، أَيْ أَثَابَهُ مِنْ عَمَلِهِ الطَّيِّبِ فِي الدُّنْيَا،

стр. 105

وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا الْآيَةَ [١١ ١٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [٩] ، وَقَوْلِهِ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [٢٥ \ ٢٣] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ عَمَلِ الْكَافِرِ مِنْ أَصْلِهِ، كَمَا أَوْضَحَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [٢ \ ٢١٧] ، فَجَعَلَ كِلْتَا الدَّارَيْنِ ظَرْفًا لِبُطْلَانِ أَعْمَالِهِمْ وَاضْمِحْلَالِهَا، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ فِي سُورَةِ «هُودٍ» . الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ يُسْلِمُونَ، أَيْ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُسْلِمُ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ كُفْرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، فِي الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقَاوَةُ كَأَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالْقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ الْآيَةَ، خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ بِعَدَمِ تَعْذِيبِهِ لَهُمْ فِي حَالَةِ اسْتِغْفَارِهِمْ، وَالْخَبَرُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ شَرْعًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَظْهَرُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلَانِ. مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الْآيَةَ [٨ \ ٦٥] . ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُصَابَرَةُ عَشَرَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الْآيَةَ [٨ \ ٦٦] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْسُوخٌ بِالثَّانِي، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الْآيَةَ [٨ \ ٦٦] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 106

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَا وَلَايَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُهَاجِرَ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى يُفْهَمُ مِنْهَا خِلَافُ ذَلِكَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [٩ \ ٧١] . فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَايَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ. وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَلَايَةَ الْمَنْفِيَّةَ فِي قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ هِيَ وَلَايَةُ الْمِيرَاثِ، أَيْ مَا لَكُمْ شَيْءٌ مِنْ مِيرَاثِهِمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْمُؤَاخَاةِ الَّتِي جَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ مَاتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرِثَهُ أَخُوهُ الْأَنْصَارِيُّ دُونَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ الْآيَةَ [٨] . وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَبُو حَيَّانَ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْوَلَايَةُ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَلَايَةُ النَّصْرِ وَالْمُؤَازَرَةِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّعَاضُدِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا أُصِيبَ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى. وَهَذِهِ الْوَلَايَةُ لَمْ تُقْصَدْ بِالنَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِهِ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ يَلِيهِ: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ الْآيَةَ [٨] ، فَأَثْبَتَ وَلَايَةَ النَّصْرِ بَيْنَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَايَةَ الْمَنْفِيَّةَ غَيْرُ وَلَايَةِ النَّصْرِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْوَلَايَةَ الْمَنْفِيَّةَ غَيْرَ الْمُثْبَتَةِ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ. الثَّانِي: هُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يَعْنِي

стр. 107

لَا نَصِيبَ لَكُمْ فِي الْمَغَانِمِ وَلَا فِي خُمُسِهَا إِلَّا فِيمَا حَضَرْتُمْ فِيهِ الْقِتَالَ، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَنَاوُلِ الْآيَةِ لِلْجَمِيعِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهَا نَفْيَ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ، وَنَفْيَ الْقَسْمِ لَهُمْ فِي الْغَنَائِمِ وَالْخُمُسِ.

стр. 108

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ بَرَاءَةٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَشْهَرُ الْمُهْلَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [٩] ، لَا الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الَّتِي هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَاسْتَظْهَرَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ كَثِيرٍ لِدَلَالَةِ سِيَاقِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَلِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِابْنِ جَرِيرٍ. وَعَلَيْهِ فَالْآيَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمَعْرُوفَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَشْهَرِ الْإِمْهَالِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقِتَالِ فِيهَا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [٩ \ ٣٦] . وَالْجَوَابُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ (*) مَنْسُوخٌ بِعُمُومِ آيَاتِ السَّيْفِ وَمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ النَّسْخِ يَقُولُ: هُوَ مُخَصِّصٌ لَهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّحِيحَ كَوْنُهَا مَنْسُوخَةً،

стр. 109

كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حِصَارِ ثَقِيفٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، الَّذِي هُوَ ذُو الْقَعْدَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى هَوَازِنَ فِي شَوَّالٍ، فَلَمَّا كَسَرَهُمْ وَاسْتَفَاءَ أَمْوَالَهُمْ وَرَجَعَ فَلُّهُمْ لَجَأُوا إِلَى الطَّائِفِ، فَعَمَدَ إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَفْتَحْهَا، فَثَبَتَ أَنَّهُ حَاصَرَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وَقَوْلِهِ: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [٥] ، وَقَوْلِهِ: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ الْآيَةَ [٢ \ ١٩٤] . وَالْمَنْسُوخُ مِنْ هَذِهِ وَمِنْ قَوْلِهِ: أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، هُوَ تَحْرِيمُ الشَّهْرِ فِي الْأُولَى وَالْأَشْهُرِ فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ دُونَ مَا تَضَمَّنَتَاهُ مِنَ الْخَبَرِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ شَرْعًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا التَّنْصِيصُ الصَّرِيحُ عَلَى أَنَّ كُفَّارَ أَهْلِ الْكِتَابِ مُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيهِمْ: سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ وُجُوهَ شِرْكِهِمْ،

стр. 110

بِجَعْلِهِمُ الْأَوْلَادَ لِلَّهِ وَاتِّخَاذِهِمُ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [٤ \ ٤٨] ، لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُفَّارَ أَهْلِ الْكِتَابِ دَاخِلُونَ فِيهَا. وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ الْآيَةَ [٩٨] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ الْآيَةَ [٩٨ \ ٦] وَقَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ١٠٥] ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ وَجْهَ الْجَمْعِ أَنَّ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ الْمُقْتَضِي لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ أَنْوَاعٌ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّصِفُونَ بِبَعْضِهَا وَغَيْرُ مُتَّصِفِينَ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنْهَا، أَمَّا الْبَعْضُ الَّذِي هُمْ غَيْرُ مُتَّصِفِينَ بِهِ فَهُوَ مَا اتَّصَفَ بِهِ كُفَّارُ مَكَّةَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ صَرِيحًا، وَلِذَا عَطَفَهُمْ عَلَيْهِمْ لِاتِّصَافِ كُفَّارِ مَكَّةَ بِمَا لَمْ يَصِفْ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهَذِهِ الْمُغَايَرَةُ هِيَ الَّتِي سَوَّغَتِ الْعَطْفَ، فَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْكِتَابِ مُشْرِكِينَ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ طَاعَةُ الشَّيْطَانِ وَالْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، فَإِنَّ مُطِيعَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ صَوَابٌ فَهُوَ عَابِدُ الشَّيْطَانِ مُشْرِكٌ بِعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ الْمُخَلِّدَ فِي النَّارِ، كَمَا بَيَّنَتْهُ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ كَقَوْلِهِ: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [٤ \ ١١٧] ، فَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا. . . صَحَّ. . . مَعْنَاهُ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا شَيْطَانًا لِأَنَّ عِبَادَتَهُمْ لِلشَّيْطَانِ طَاعَتُهُمِ لَهُ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ الْآيَةَ [٣٦ \ ٦٠] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [١٩ \ ٤٤] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ الْآيَةَ [٣٤ \ ٤١] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ الْآيَةَ [٦ ١٣٧] ، فَكُلُّ هَذَا الْكُفْرِ بِشِرْكِ الطَّاعَةِ فِي
следующие страницы →