وأما الأثر فيه:
(١٨٧) فما حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، عن حماد بن زَيْدٍ، وجَرِير بن حازِم، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَليَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أتَى بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُم، فَبلغَ ذَلك ابنَ عَبَّاسٍ? فقال: أَمَّا أَنَا فَلَو كُنْتُ لَقَتَلْتُهُم؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ :
«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ». ولَمَا حَرَّقْتُهُم؛ لِنَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ :
«لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ» (١).-زاد سليمانُ في حديثِ جَرِيرٍ- فَبَلَغَ عَليًّا ما قال ابنُ عَبَّاسٍ ﵃، فقال: «وَيْحَ ابنِ أُمِّ الفَضْلِ! إنه لَغَوَّاصٌ عَلَى الهَنَاتِ» (٢).
قال أبو سعيد: فَرأَيْنَا هؤلاءِ الجهمية أَفَحَش زَنْدَقَةٍ، وأَظْهَر كُفْرًا، وأقبح تأويلا لكتاب الله وَرَدَّ صِفَاتِهِ- فيما بلغنا- عَن هؤلاءِ الزنادقة الذين قَتَلَهُم عَلِيٌّ ﵇ وحَرَّقَهُم.
فَمَضَتِ السُّنةُ مِن عَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ? فِي قَتْلِ الزنادقة؛ لِمَا أَنها كُفْرٌ عندهما، وأنهم عندهما ممن بَدَّلَ دِينَ اللهِ، وتَأَوَّلا في ذلك قَولَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يجبُ على رَجلٍ قَتْلٌ في قول يقوله، حتَّى يكونَ قَوْلُه ذلك كفرًا، لا يجب فيما دون الكفر قَتْلٌ، إلا عُقُوبَة فقط، فذاك الكِتَابُ في إكفارهم، وهذا الأَثَرُ.
ونُكفرهُم أيضًا بكفر مشهور؛ وهو تكذيبهم بنص الكتابِ، أخبرَ
اللهُ
стр. 177
تبارك وتعالى أَنَّ القرآنَ كلامه، وادَّعت الجهمية أنه خَلْقُه، وأخبر الله ﵎ أَنَّه كَلَّمَ موسَى تَكليمًا (١)، وقال هؤلاء لم يُكَلِّمْهُ اللهُ بنفسه، ولم يسمع موسى نَفْسَ كلامِ اللهِ، إنما سمع كلامًا خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم؛ دعَا مخلوقٌ مُوسَى إلى ربوبيته فقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] فقال له موسى -في دعواهم-: صدقت، ثم أَتَى فِرْعَوْنَ يَدعُوهُ أن يجيبَ إلى ربوبيةِ مَخْلُوقٍ، كما أجاب موسى-في دعواهم- فما فَرْقُ بين موسى وفرعونَ في مذهبهم في الكفر؟ إذًا فَأَيُّ كُفْرٍ بِأَوْضَح (٢) مِن هَذَا؟!.
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] وقال هؤلاء: ما قال لشيءٍ قَط قَولا وكلامًا كُن فكان، ولا يقوله أبدًا، ولم يخرج منه كلامٌ قط، ولا يخرج، ولا هُو يَقْدِرُ على الكَلامِ -في دعواهم- فَالصَّنَمُ -في دعواهم- والرَّحمَنُ بمنزلةٍ واحدةٍ في الكلام، فَأَيُّ كُفْرٍ بأوضح من هذا؟!.
وقال الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] و ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
قال هؤلاء: ليس لله يَد، وما خلق آدمَ بيديه، إنما يَدَاهُ نِعْمَتَاهُ ورِزْقَاهُ، فادَّعوا في يدي الله أَوْحَشَ مما ادَّعَتْه اليَهُودُ ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقالت الجهمية: يد الله مخلوقة؛ لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذاك محالٌ في كلام العرب، فضلا أن يكون كفرًا؛ لأنه يستحيلُ أَنْ يُقال: خلق
стр. 178
آدم بنعمته ويستحيل أن [يقال] (١) في قول الله ﵎: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، بنعمتك الخير؛ لأن الخيرَ نَفْسَه، هو النِّعَمُ نَفْسُهَا، ومستحيلٌ أن يقال في قول الله : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ نعمةُ اللهِ فوق أيديهم، وإنما ذكرنا ها هنا اليد، مع ذكر الأيدي في المبايعة بالأيدي فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، ويستحيل أن يقال ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] نعمتاه، فكأن ليس له إلا نعمتان مبسوطتان، لا تُحْصَى نِعَمُهُ ولا تُسْتَدْرَك، فلذلك قلنا: إن هذا التأويل؛ محالٌ من الكَلامِ فضلاً أن يكون كفرًا.
ونكفرهم أيضا بالمشهور مِنْ كفرهم، أنهم لا يُثْبِتُونَ لله ﵎ وجهًا ولا سمعًا ولا بصرًا ولا عِلْمًا ولا كلامًا ولا صِفَةً، إلا بِتَأْويِلِ ضُلاَّلٍ افْتَضَحُوا وتَبَيَّنَتْ عَوَرَاتُهُم، يقولون: سمعُهُ، وبَصَرُهُ، وعِلْمُهُ، وكَلاَمُهُ؛ بمعنًى واحدٍ، وهو بنفسه في كل مكان، وفي كل بيت مغلق، وصُنْدُوقٍ مُقْفَل، قد أحاطتْ بِهِ -في دعواهُم- حِيطَانُها وَأَغْلاقُهَا وأَقْفَالهُا، فإِلَى اللهِ نَبْرَأُ مِن إلهٍ هِذِه صِفَتُهُ، وهَذَا أيضًا مَذْهَبٌ واضِحٌ في إِكْفَارِهِم.
ونُكَفِّرُهُم أيضًا؛ أنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بِأَيْنَ الله، واللهُ قد وصَفَ نَفْسَه بأين، ووصفه به الرَّسُولُ ﷺ .
فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] و ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] و ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]،ونحو هذا، فهذا كُلُّه وصفٌ بِأَيْنَ.
стр. 179
ووصَفَه رسولُ اللهِ ﷺ بأين، فقال للأمة السوداء: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة» (١).
والجَهميةُ تَكْفُرُ بِهِ، وهذا أيضًا مِن واضِحِ كُفْرِهِم، والقُرآنُ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِالرَّدِّ عَليهم، وهم يعلمون ذلك أو بعضهم، ولكن يُكَابِرونَ، ويُغَالِطُونَ الضُّعفاءَ، وقد علموا أنه ليس مِنْ حُجَّةٍ أَنْقَضُ لِدعوَاهُم مِنَ القُرآنِ، غيرَ أَنهم لا يجدون إلى رَفْعِ الأصلِ سَبيلا؛ مخافةَ القَتْلِ والفَضيحة، وهم عند أنفسهم، بما وصَفَ اللهُ بِهِ فِيه نَفْسَهُ، جَاحِدونَ، قَدْ نَاظَرْنَا بَعضَ كُبَرائِهِم، وسمعنَا ذلك مِنْهُم مَنصوصًا مُفَسَّرًا.
ويقصدون أيضًا بعبادتهم إِلَى إِلَهٍ تحتَ الأَرضِ السُّفْلى، وعلى ظَهْرِ الأرضِ العُلْيَا، ودون السماء السابعة العُليَا، وإِلَهُ المُصَلِّينَ مِنَ المؤمنينَ الذين يَقْصِدُونَ إليه بعبادتهم؛ الرَّحمن الذي فوق السماء السابعة العُليَا، وعلى عرشه العظيمِ استوى، وله الأسماءُ الحُسْنَى، تبارك اسمه وتعالى، فَأَيُّ كُفْرٍ أوضحَ مما حَكَيْنَاهُ عَنْهُم، من سُوءِ مذاهبهم، ما زاد مَانِي، وشمعلةُ (٢)؛ الزنديقان.
قال أبو سعيد: فقالَ لي المُنَاظِرُ الذي ناظرنِي: أَرَدتُ إِرَادة مَنصوصة في إِكفارِ الجهمية باسمهم، وهذا الذي رَوَيت عن علي ﵁؛ في الزنادقة!
فقلت: الزنادقةُ والجهميةُ أَمرُهما واحِدٌ، ويرجعانِ إلى معنَى واحد، ومرادٍ واحد، وليس قَوْمٌ أشبه بقوم منهم، بعضهم ببعض، وإنما يُشَبَّهُ كُلُّ
стр. 180
صِنْفٍ وجِنْسٍ بجنسهم وصِنْفِهِم، فقد كان يَنْزِلُ بعضُ القُرآنِ خاصًا في شيءٍ فَيكونُ عامًا في مِثْلِهِ، وما أَشْبَهَهُ، فلم يَظْهَرْ جَهْمٌ وأَصحَابُ جَهْمٍ في زمنِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وكِبَارِ التَّابعين؛ فَيُروى عَنْهُم فِيهَا أَثَرٌ منصوص مُسمَّى، ولو كانوا بَيْن أَظْهُرِهِم مظهرين آرَاءَهُم لَقُتِلُوا كما قَتَلَ عَلِيٌ ﵁ الزنادقة التِي ظَهَرتْ في عصره، ولَقُتِلوا كما قُتِلَ أَهلُ الرِّدَّة، ألا ترى أَنَّ الجَعْدَ بنَ دِرْهَم أظهرَ بعضَ رأيِهِ في زَمنِ خَالد القَسْرِي، فزعم أن الله ﵎ لم يَتَّخِذْ إِبراهيمَ خَليلاً، ولم يُكَلِّم موسى تكليمًا، فَذَبحهُ خالدٌ بِوَاسِط يَومَ الأَضْحَى على رُؤوسِ مَن حَضَرهُ من المسلمين، لم يَعِبْه به عَائِبٌ، ولم يَطْعَنْ عَليه طَاعِنٌ، بل استحسنوا ذلك مِنْ فِعْلِهِ وصَوَّبُوه، وكذلك لو ظَهَر هؤلاءِ في زَمَنِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وكبارِ التابعين، ما كان سَبِيلُهُم عند القَوْمِ إِلا القَتْل، كسبيل أهلِ الزندقة، وكما قَتَلَ عليٌ ﵁ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُم في عَصْرِهِ، وأَحْرَقَهُ، وظَهَرَ بَعْضُهُم بالمدينةِ في عهد سَعد بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ ﵁؛ فأشاروا عَلَى والِي المدينة يومئذ بِقَتْلِه.
ويكفي العَاقِل مِن الحُجَجِ في إكفارهم ما تَأَوَّلنَا فيه من كتاب الله، وَرَوَيْنَا فيه عَنْ عَليٍّ وابنِ عَبَّاس?،ومَا فَسَّرنا مِنْ واضِحِ كُفرِهِم وفُحْشِ مَذَاهِبِهِم شيئًا شَيئًا، فَأَمَّا إِذْ أَبَيْتُم أَن تَقْبَلُوا إلا المنصوصَ فيهم، المقصودَ بها إليهم بِجُلاهم وأسمائهم، فسنروي ذلك عن بعض من ظهر ذلك بين أَظْهُرِهِم من العلماء.
(١٨٨) حدثَنِي محمدُ بنُ المُعْتَمِر السَّجِسْتَانِيُّ أبو سَهْلٍ -وكان مِنْ أَوثَقِ ... أَهلِ سَجِسْتَان وأَصْدَقِهِم-، عن زُهَيْر بنِ نُعَيم البَابِي، أَنَّهُ سَمِعَ سَلاَّمَ ابنَ أَبِي
قال أبو سعيد:
(١٩٣) وحُدِّثْتُ عن سُفْيانَ الثَّوْري، عن حمَّاد بنِ أَبِي سُليمان، أنهُ كَفَّرَ مَنْ زَعَم أَنَّ القرآنَ مخلوق (١).
(١٩٤) وسمعتُ يحيَى بنَ يحيَى يَقُولُ: القُرآنُ كَلامُ اللهِ، مَنْ شَكَّ فيه أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مخلوقٌ؛ فهو كَافِرٌ (٢).
(١٩٥) وسمعتُ الرَّبيعَ بنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ، يُكَفِّرُ الجهميةَ.
قال أبو سعيد: فَهؤلاءِ الذين أَكْفَرُوهُم في آخِرِ الزَّمَان، وعليُّ بنُ أَبِي طَالبٍ، وابنُ عَبَّاسٍ? في أَوْلِ الزَّمانِ، وأَنْزَلاهُم مَنْزِلةَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاسْتَحَقُّوا القَتْلَ بِتَبْدِيلِهِ.
(١٩٦) حدثنا الحِمَّانِيُّ، حدثنا إِبرَاهِيمُ بنُ مَنصورٍ العَلاَّف -وأَثْنَى عَليه هُو وَمَنْ حَضَرَ المجلِسَ خيرًا- قال: لمَّا كَانَ أَيَّام المحنة فَأُخْرِجَ النَّفَرُ إلى المأمون، فَامْتُحِنُوا وَرُدُّوا؛ لَقِيتُ أَعْرابيًّا فقال لِي: أَلا أُحَدِّثُكَ عَجَبًا، قلت: ما ذَاَكَ؟ قال: رَأَيْتُ في المَنَامِ كَأَنَّ نَفَرًا؛ ثَلاثِينَ أو أَكْثَر، جِيءَ بهم مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ، فَنَظَرتُ إِليهم، فَإِذَا بُطُونهم مُشَقَّقَة ليسَ في أَجوافِهِم شَيءٌ، فقيل: هَؤلاءِ الذين كَفَرُوا بِالقُرآنِ، والأَعَرَابِيُّ لا يَدرِي مَا المِحْنَة، ومَا سَبَبهم.
стр. 183
(١٩٧) حدَّثَنا الزَّهْرانِي أَبُو الرَّبِيع قال: كَانَ مِنْ هَؤلاءِ الجهمية رَجَلٌ وَكَانَ الذي يَظْهَرُ مِنْ رَأْيِهِ التَّرَفُّضُ، وانتِحَالُ حُبِّ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَال رَجَلٌ ممن يخَالِطُهُ ويَعْرِفُ مَذْهَبَهُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُم لا تَرْجِعُون إلى دِينِ الإسلامِ ولا تَعْتَقِدُونَهُ، فما الذي سَنَّنَكُم (١)
عَلَى التَّرَفُّضِ وانْتِحَالِ حُبِّ عَلِيٍّ؟ قَال: إذًا أَصْدُقُكَ، إِنَّا إِنْ أَظْهَرْنَا رَأْيَنَا الذي نعتقده؛ رُمِينَا بِالكُفْرِ والزندقة، وقد وجدنا أقوامًا ينتحلونَ حُبَّ عَلِيٍّ ويُظهِرونَه، ثم يَقَعُونَ بمن شَاءُوا، ويعتقدون ما شَاءوا، ويقولون ما شاءوا، فَنُسِبُوا بذلك إِلَى التَّرَفضِ والتَّشَيُّعِ، فلم نَر لمذهبنا أمرًا أَلْطَفَ مِنَ انتحَالِ حُبِّ هَذا الرَّجُل، ثم نقولُ ما شِئْنا، ونعتقدُ ما شئنا، ونَقَعُ بمن شِئْنا، فَلأَنْ يُقَالُ لنَا رَافِضَة أو شِيعَة أَحَبُ إِلينَا مِنْ أَن يُقال زَنَادِقة كُفَّار، ومَا عَلِيٌّ عندنا أَحْسَنَ حالاً مِن غَيرِهِ، ممن نَقَعُ بهم.
قال أبو سعيد ﵀: وصَدَقَ هَذَا الرجُلُ فيما عَبَّر عَنْ نَفسهِ، ولم يُرَاوِغ، وقد استبان ذلك من بعض كُبَرائِهِم وبُصَرائِهم أنهم يستَتِرونَ بالتَّشيُّع يجعلونه تَشْبِيثًا لكلامهم وخَبْطِهِم، وسُلَّمًا وذَرِيعَةً لاصطيادِ الضُّعفاءِ وأَهْلِ الغَفْلَةِ، ثم يَبْذُرُونَ بَيْن ظَهْرَانَي خُطَبِهِم بَذْرَ كُفْرِهِم وزندقَتِهم؛ لِيكونَ أَنجعُ في
стр. 184
قُلوبِ الجُهَّالِ، وَأَبْلغُ فيهم، ولَئِنْ كَانَ أَهلُ الجهل في شَكٍّ مِنْ أَمرِهِم، إنَّ أهلَ العِلْمِ مِنْهُم لَعَلى يَقِين، ولا حَوْلَ ولا قَوَّةَ إلا بِاللهِ.
* * *
стр. 185
بَابُ قَتْلِ الزَّنَادِقَةِ والجَهْمِيَّةِ واسْتِتَابَتِهِم مِنْ كُفْرِهِمْ
(١٩٨) حدثنا يحيَى بنُ عَبْدِ الحميدِ الحِمَّانِيُّ، أَنِّ أَبَا بِكرِ بنِ عَيَّاش حَدثَهُم، عَن أَبِي حَصِين، عن سُوَيْد بنِ غَفَلَةَ، «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ زَنَادِقَةً، ثم أَحْرَقَهُم، ثم قال: صَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ» (١).
(١٩٩) حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، عن حمادُ بنُ زَيْدٍ، وجَرِيرُ بنُ حازِم، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَليا ﵁، أتَى بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُم، فَبلغَ ذَلك ابنَ عَبَّاس ?، فقال: أَمَّا أَنَا فَلَو كُنْتُ، لَقَتَلْتُهُم؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولَمَا حَرَّقْتُهُم؛ لِنَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ : قال رسول الله ﷺ :
«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ»، وقال: «لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»، -وزاد سليمانُ في حديثِ جَرِيرٍ-قال فَبَلَغَ عَليًّا ما قال ابنُ عَبَّاسٍ?، فقال: «وَيْحَ ابنِ أُمِّ الفَضْلِ! إنه لَغَوَّاصٌ عَلَى الهَنَاتِ» (٢).
قال أبو سعيد ﵀: فَالجَهْمِيَّةُ عندنا زَنَادِقَة مِنْ أَخْبَثِ الزَّنَادِقة، نَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا مِنْ كُفْرِهِم، فَإِنْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ تُرِكُوا وإِنْ لم يُظْهِرُونَنَا (٣) تُرِكُوا،
стр. 186
وإِنْ شَهَّدتَ عَليهم بذلك شُهُودَ فَأَنْكَرُوا، ولم يتوبوا؛ قُتِلُوا، كذلك بَلَغَنَا عنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ سَنَّ في الزَّنَادِقَة.
(٢٠٠) حدثناه يحيَى بنُ يحيَى، أخبرنا هُشَيْمٌ، عن إِسماعِيلَ بنِ سَالمٍ، عن أَبِي إِدْرِيسَ قال: أُتِيَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالبٍ بِقَوْمٍ مِنَ الزنادقة، فَأنكَرُوا، فَقَامَتْ عليهمُ البَيِّنَةُ؛ فَقَتَلَهُم [....] (١) هَذَا قَد اسْتَتَبْتُهُ فَاعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ (٢).
(٢٠١) وحَدَّثنا القَاسِمُ بنُ محمد البَغْدَادِيُّ، حدثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ محمدِ بنِ حَبِيب بن أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِيِه، عَنْ جَدِّهِ حَبِيب بنِ أَبِي حبيب قال: خَطَبَنا خَالِدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ بِوَاسِط يَوْمَ الأَضْحَى، فقال: «أَيُّهَا النَّاس! ارْجِعُوا فَضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكُم، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بنِ دِرْهَم؛ إِنَّه زَعَمَ أَنَّ اللهَ ﵎ لم يَتَّخِذْ إِبراهِيمَ خَليلاً، ولم يُكَلَّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا سبحانه وتعالى عَمَّا يَقُولُ الجعدُ بنُ دِرْهَم عُلوًّا كَبِيرًا، ثم نَزَلَ فَذَبحَهُ» (٣).
(٢٠٢) حدثنا هِشَامُ بنُ منصور البَغْدَادِي المَكْفُوف (٤) [حدثنا] (٥) أحمدُ بنُ سُليمان البُاهِلِيُّ، حدثنا خَلَفُ بنُ خَلِيفَةَ الأَشْجَعِيُّ قال: «أُتِيَ خَالدُ بنُ عبد الله القَسْرِي بِرَجُلٍ قد عَارَضَ القُرآنَ، فَقَالَ: قَالَ اللهُ في كتابه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر:١،٣]،
стр. 187
وقُلتُ أنا ما هو أحسن منه: إِنَّا أعطيناكَ الجماهر، فَصَلِّ لربَّكَ وجَاهِر ولا تُطِعْ كُلَّ سَافِهٍ وَكَافِر، فَضَربَ خَالِدٌ عُنقَهُ وصَلَبَهُ، فَمَرَّ بِهِ خَلَفُ بنُ خَلِيفَةَ وهو مَصْلُوب، فَضَربَ بِيَدِه عَلَى خَشَبَتِهِ فقال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ العَمُودَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُود، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لا تَعُود» (١).
(٢٠٣) حدثَّنا مُوسى بنُ إسماعيلَ قال: قُلتُ لإبراهيمَ بنَ سَعد: ما تقولُ في الزَّنَادِقَة، تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُم؟ قال: لا، قلتُ: فَبِم تقول ذلك؟ قال: كان عَلَيْنا وَالٍ بالمدينة، فَقَتَلَ منهم رَجُلاً ولم يَسْتَتِبْه، فسُقِط في يَدِهِ، فَبَعَثَ إلى أَبِي (٢)، فقال له أَبِي: لا يَهِيدَنَّكَ (٣)؛ فإنه قول الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال السيف ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] قال: السَّيف، فقال: سنته القتل (٤).
(٢٠٤) وسمعتُ الرَّبيعَ بنَ نَافِعٍ أبو (٥) تَوبةَ الحَلَبِيَّ يقول: نَاظَرتُ أَحمدَ بنَ حَنْبَلٍ في قَتْلِ هَؤلاءِ الجَهْمَيَّة، فَقَالَ: يُسْتَتَابُونَ، فَقُلتُ له: أَمَّا خُطَبَاؤُهُم؛ فلا يستتابون، وتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُم (٦).
стр. 188
(٢٠٥) حدثنا يحيَى بنُ بُكَيْرٍ المِصْريُّ، حدثنا مَالِكُ بنُ أَنَس، عن زَيدِ بنِ أَسْلَم، أن النَّبِي ﷺ قال:
«مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (١).
قَالَ مَالِكٌ: «معنَى حَديثِ النَّبِي ﷺ فيما نَرَى -والله أعلم-؛ أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِن الإسلامِ إلى غَيرهِ مِثْل الزنادقة وأَشبَاهِهَا، فإن أولئك يُقْتَلون، ولا يُسْتتابون؛ لأنه لا تُعرفُ تَوْبَتُهُم، وأنهم قد كانوا يُسِرُّونَ الكُفرَ، ويُعلنُون بالإسلام، فلا أَرَى أَن يُستتابَ هَؤلاءِ، ولا يُقْبَلَ قَولُهُم، وأَمَّا مَن خَرَجَ مِنَ الإِسلامِ إلى غَيرِهِ، وأَظْهَر ذَلكَ؛ فإِنَّه يُستَتَاب، فإن تاب وإِلا قُتِل، وذلك أنه لو كان قومٌ (٢) كانوا على ذلك، رَأَيتُ أن يُدْعَوْا إلى الإسلامِ ويُسْتَتَابُوا، فإن تَابُوا قُبِلَ ذلك منهم، وإن لم يتوبوا؛ قُتِلُوا.
قال مالك: ولم يُعْنَ بهذا الحديث مَنْ خَرَجَ مِنَ اليهودية إلى النصرانية، ولا من النَّصرانية إلى اليهودية، إنما عُنِى بذلك؛ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإسلامِ إلى غَيْرِهِ فيما نرى، والله أعلم» (٣).
قال أبو سعيد ﵀: فَأيُّ كُفْرٍ أعظم مِنْ كفر قَومٍ رَأَى فُقهاءُ المدينة؛ مِثْلُ سَعدِ بنِ إبراهيم، ومَالِكِ بنِ أَنس أنهم يُقتلون، ولا يُستَتَابُون إِعْظَامًا لِكُفْرِهِم، والمرتد عندهم يُسْتَتَابُ ويُقْبَلُ رُجُوعُه، فكانت الزندقةُ أكْبر في أَنْفُسِهِم مِن الارتِداد، ومن كُفْرِ اليَهود والنصارى، ولذلك قال ابنُ المُباركِ: لأَنْ أَحْكِي كَلامَ اليَهودِ والنَّصَارَى أَحب إِلي مِنْ أَحْكِي كلامَ الجَهْمِيَّة.
стр. 189
(٢٠٦) حدثناه الحَسَنُ بن الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، عن علي بن شَقِيقٍ، عن ابن المبارك (١).
قال أبو سعيد: وَصَدقَ ابنُ المباركِ، إن مِنْ كلامِهِم ما هُو أَوْحَشُ مِنْ كلامِ اليَهودِ والنصارى، فلذلك رَأى أَهلُ المدينةِ أن يُقْتَلُوا ولا يُستتابوا، ولذلك قال أَبو تَوْبَةَ لأحمد بن حنبل?: أمَّا خُطباؤُهُم فلا يستتابون وتُضربُ أَعنَاقُهُم؛ لأنَّ الخُطباءَ اعْتَقَدُوهُ دِيْنًا في أنفسهم على بَصرٍ مِنهم بِسُوءِ مَذَاهِبِهم، وأظهروا الإسلام تَعَوُّذًا، وجُنَّةً مِنَ القَتْلِ، ولا تَكَاد تَرى البصيرَ مِنْهُم بمذهبه يَرجِعُ عَن رَأْيِهِ.
قال أبو سعيد: وذَهَبْتُ يومًا أَحْكِي لِيَحْيَى بنِ يحيَى كلامَ الجهمية لأَستخرجَ مِنهُ نَقْضًا عَليِهم، وفي مجلسه يومئذ الحُسَينُ بنُ عِيسَى البِسْطَامِي، وأَحمدُ بنُ يونسَ القَاضِي، ومحمدُ بنُ رَافع، وأبو قُدامَةَ السَّرْخَسِي فيما أحسب، وغيرهم من المشايخ، فَزَبَرَنِي بِغَضَبٍ، وقال: اسْكُتْ، وأَنْكَرَ عَلَيَّ المشايخُ الذين في مجلسه اسْتِعْظَامًا أَن أَحْكِي كلامَ الجَهْمِيَّة، وتَشْنِيعًا عَليهم، فَكَيْفَ بمن يحكِي عَنْهُم دِيَانَةً، ثم قال لي يَحْيَى: القُرآنُ كَلامُ اللهِ، مَنْ شَكَّ فِيه أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مخلوقٌ؛ فَهو كَافِرٌ.
(٢٠٧) حَدَّثنا يُوسفُ بنُ يَحيَى البُوَيْطِيُّ، عن محمد بنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِي في الزنديق قال: يُقْبَلُ قَولُهُ إِذَا رَجَع، ولا يُقْتَل، واحْتَجَّ فيهم بـ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [المنافقون: ١]، فَأَمَره اللهُ أن يَدَع قَتْلَهُم لِمَا يُظْهِرونَ مِنَ الإِسلامِ، وكذلك الزنديق، إذا أظهرَ الإسلامَ كان في هذا الوقتِ مُسْلِمًا،
стр. 190
والمسلم غَيرُ مُبَدِّل، قال رسول الله ﷺ : ألا شَقَقتَ عن قَلْبِهِ.
قال أبو سعيد ﵀: وأنا أقولُ كما قَال الشَّافِعِيُّ؛ أن تُقْبَلَ علانِيَتُهُم إذَا اتخذوهَا جُنَّةً لهم مِنَ القَتلِ، أَسَرُّوا في أنفسهم ما أَسَرُّوا، فلا يُقْتَلوا، كما أن المنافقين اتخذوا أَيمانَهُم جُنَّة، فلم يُؤمر بقتلهم.
والزنديق عندنا شَرٌّ مِنَ المنافِق، فَلَرُبَما كان المنافقُ جاحدًا بِالرسول والإسلام، مُقِرًّا بالله مُثْبِتًا لربوبيته في نفسه، والزنديقُ مُعَطِّل لله جَاحِدٌ بالرسل والكُتُبِ، وما يُعرفُ في الإسلامِ زنادقة غير هؤلاء الجهمية، وأَيُّ زَندقةٍ بأظهر ممن يَنْتَحِل الإسلام في الظاهر وفي الباطن يُضَاهِي قولَه في القرآن قَوْلَ مُشْرِكِي قُريش الذين رَدُّوا على الله ورسوله فقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، و ... ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال:٣١]، و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] كَمَا قَالت الجهميةُ سواء، إن هذا إلا مخلوق، ولهم في ذلك أيضًا أَئِمَّةُ سُوءٍ أَقْدَم مِن مُشركي قريش، وهم عَادٌ قَوم هُود، الذين قالوا لنبيهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨]، فَأَيُّ فَرْقٍ بين الجهمية وبينهم، حَتَّى نَجْبُنَ عن قَتْلِهِم وإِكْفَارِهِم.
ولو لم يكن عندنا حجةٌ في قَتْلِهِم وإِكفَارِهِم إلا قَولُ حمادِ بنِ زَيدٍ وسَلاَّمِ بنِ أَبِي مُطيع، وابنِ المباركِ، ووكِيع، ويزيدَ بنِ هَارون، وأَبِي تَوْبَةَ، ويحيَى بن يحيَى، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، ونُظَرائِهِم -رحمة الله عليهم أجمعين- لجبُنَّا عن قَتلِهِم وإِكفَارِهِم بِقَوْلِ هؤلاءِ حتَّى نَسْتَبرئَ ذلك عَمَّن هو أعلم منهم وأقدم، ولَكنَّا نُكَفِّرُهُم بما تأوَّلْنَا فيهم من كتاب الله ، وروينا فيهم من السُّنة، وبما حكينا عنهم من الكفر الواضح المشهور، الذي يَعقلُهُ أكثرُ العَوَامِ، وبما ضَاهُوا مُشركي الأُممِ قَبْلَهُم بقولهم في القرآن، فضلاً على ما رَدُّوا على الله ورسوله من
стр. 191
تعطيلِ صفاتِهِ وإِنكارِ وَحْدَانِيَتِهِ ومعرفةِ مَكانه واستوائِهِ على عرشه، بتأويلِ ضلالٍ، به هَتَكَ اللهُ سِتْرَهُم وأَبدَى سَوْءَتهم وعَبَّر (١) عن ضمائرهم، كلما أرادوا به احتجاجًا ازدادت مَذَاهِبُهُم اعْوِجَاجًا، وازداد أهلُ السُّنَّةِ بمخالفتهم ابتهاجًا، ولما يُخْفُونَ مِنْ خَفَايَا زَنَدَقَتِهِم اسْتِخْرَاجًا.
واللهُ الموفِّقُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العَلِيِّ العَظيم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنَا محمدٍ، وعَلَى جميعِ الأَنبياءِ المرسَلِينَ (٢).
[آخر كتاب الرد على الجهمية، فُرِغَ مِنْ نَسْخِهِ في شَهْرِ رَجَب الفَرْد، سَنَةَ خَمْسٍ وثَلاَثِينَ وسَبْعُمَائَةٍ بمدرسةِ الحَافِظ ضِياءِ الدِّين -رحمه الله تعالى-، بِسَفْحِ قَاسْيُون ظَاهِر دِمَشْق، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلى السُّنَّةِ، وتَوَفَّنَا عَليْهَا، آمين!!] (٣).
* * *