← Акыда

Акыда · id 18089

الرد على الجهمية للدارمي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (191 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(١٣٩) حدثنا عليُّ بن المَدِينِي، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بَشِير بن الفَاكِه الأنصاري ثم السُّلَمِي قال: سمعتُ طَلْحَةَ بِن خِرَاش بن الصِّمَّة الأنصاري ثم السُّلمي يقول: سمعتُ جَابِرَ بن عبد الله يقول، نظر إِلَيَّ رسولُ الله ﷺ فقال: «يا جابر! مالي أراك مُهتَمًّا؟ قال قلت: يا رسول الله اسْتُشْهِدَ أَبِي، وتَركَ دَيْنًا عليه، وعِيَالاً، فقال: ألا أُخْبِرُكَ، ما كَلَّمَ اللهُ أحدًا قَط إلا مِنْ وراءِ حِجَاب، وكَلَّمَ [أَبَاكَ] (١) كِفَاحًا، فقال: يا عَبْدِ! تَمَنَّ عليَّ أُعْطِك، قال: يا رب تُحْيِني فَأُقْتَلْ فِيكَ الثانية، فقال الرب ﵎: إنه سَبَقَ مِنِّي أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ مَنْ ورائي. قال: فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] حتى أنفذ الآية» (٢). (١٤٠) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ يعني ابن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَقِيَ آدمُ مُوسَى، فقال مُوسَى: أنت آدمُ الذي خَلَقَكَ اللهُ بيدِهِ ونَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، وأَسْجَدَ لك مَلائِكَتَهُ، ثم فَعَلْتَ ما فعلت،

стр. 142

فَأَخْرَجْتَ ذُرِّيَتَكَ من الجنة، فقال آدمُ يا موسى! أنت موسى الذي اصطفاكَ اللهُ برسالاته، وكَلَّمَكَ وقَرَّبَكَ نَجِيًّا وآتاك التوراةَ، فَبِكَمْ تجده كَتَبَ عليَّ العَمَلَ الذي عَمِلْتُ قبل أن يَخْلُقَنِي؟ قال: بأربعين سنة، قال: فبم تَلُومُنِي يا موسى؟! قال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (١). (١٤١) حدثناه أبو سَلَمَةَ، حدثنا حَمَّادٌ، عن عَمَّار بن أبي عمار قال: سمعتُ أبا هريرةَ ﵁ يحدث عن النبي ﷺ ، وحُمَيْد، عن الحسنِ، عن جُنْدُبٍ عن النبي ﷺ قال: «لَقِيَ آدمُ موسى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ إلا أنه (٢):وكَلَّمَكَ، وآتَاكَ التَّوراةَ وقَرَّبَكَ نَجِيًّا، قال: نعم، قال: فأنا أقدمُ أَمِ الذِّكر؟ قال: الذِّكْرُ. قال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدمُ موسى، ثلاثًا» (٣)

стр. 143

(١٤٢) حدثناه أبو سَلَمةَ، حدثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، حدثنا أبو هَارُونَ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وزاد فيه: «أَنْ يَا مُوسَى أَرَأَيْتَ مَا عَلِمَ اللهُ أَنَّه سَيكُون، بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُون؟» (١). (١٤٣) حدثناه عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرِيرٌ، عن الأعمش، عن أبي صَالِحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 144

«احْتَجَّ آدمُ ومُوسى ﵇، فقال مُوسَى: يا آدمُ أنتَ الذي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فيكَ من رُوحِهِ، فقال له قَولًا كَبيرًا لا أحفظه، أَغْوَيْتَ النَّاسَ، وأَخْرَجْتَهُم مِنَ الجنةِ، فقال آدمُ: يا موسى أنتَ الذي اصطفاكَ اللهُ برسالاتِهِ، وكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا، تَلُومُنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلاً قد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأرضَ، قال: فقال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدمُ مُوسَى» (١). (١٤٤) حدثنا الأَصْبغُ بنُ الفَرَجِ المصري قال: أخبرني ابنُ وَهْبٍ، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ موسى قال: يا رب! أَرِنَا آدمَ الذي أخْرَجَنا ونَفْسَهُ من الجنةِ، فأراه اللهُ آدمَ فقال: أنتَ أَبُونا آدم؟ فقال: نعم. قال: الذي نَفَخَ فِيكَ مِنْ روحه، وعَلَّمَكَ الأسماءَ كُلَّها، وأمر الملائكة، فسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا من الجنةِ ونَفْسَك؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال أنت نَبِيُّ بَنِي إِسرائِيل؟ قال: نعم. قال: وأنت الذي كلَّمَكَ الله من وراء الحجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت في كتاب الله أن ذلك كان في كتابٍ قَبْلَ أن أُخْلَقَ؟ قال: بلى. قال فبم تَلُومُنِي؟ على شيءٍ سَبَقَ -من الله القضاء فيه قَبْلُ (٢)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ عند ذلك: فَحَجَّ آدمُ موسى، صَلواتُ اللهِ عَلَيْهِما» (٣).

стр. 145

(١٤٥) حدثنا إِسْحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، أخبرنا أبو نَعَامَةَ العَدَوِيُّ، حدثنا أبو هُنَيْدَةَ البَرَاءُ بنُ نَوْفَلٍ، عن وَالاَن العدوي، عن حُذَيْفَةَ، عن أبي بكر الصديق ﵁، في حديث الشفاعة قال: قال رسول الله ﷺ : «فَيَأْتُونَ إِبرَاهِيمَ، فيقول: ليس ذَلِكُم عندي، فانْطَلِقُوا إلى موسى؛ فَإِنَّ اللهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فيقول موسى: ليس ذَلِكُم عِنْدِي» (١). (١٤٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الغَفَّارِ بنُ دَاوُدَ الحَرَّانِيُّ أبو صالح، حدثنا ابنُ لَهِيْعَةَ، حدثنا الحَارِثُ بنُ يَزِيدَ، عنْ عَلِيِّ بنِ رَبَاحٍ، عن رَجُلٍ سمع عُبَادَةَ بنَ الصَّامِت يقول: إن النَّبِي ﷺ خَرَجَ فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أتانِي فقال: أُخْرُجْ فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللهِ التِي أَنْعَمَ بها عَلَيْكَ، فَبَشَّرَنِي بَعَشْرٍ لم يُؤْتَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي؛ بَعَثَنِي إلى النَّاسِ جميعًا، وأَمَرنِي أن أُنْذِرَ الجِنَّ، ولَقَّانِي كَلاَمَهُ وأنا أُمِّيٌّ، قد أُوتِي داودُ الزَّبُورَ، وموسى الأَلْوَاحَ، وعيسى الإنجيلَ» (٢). (١٤٧) حدثنا عبدُ اللهِ بن صَالِحٍ المِصْرِيُّ، أن مُعَاوِيَةَ بن صالح حدَّثَهُ،

стр. 146

عن أبي بكرٍ يعني ابن أبي مَرْيَم، عن عَطِيَّةَ وهو ابنِ قَيْسٍ، أَنَّ النبِيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ كَلاَمٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِن كَلاَمِهِ، مَا رَدَّ العِبَادُ إِلَى اللهِ كلامًا أَحَبَّ إليه مِنْ كَلاَمِهِ» (١). (١٤٨) حدثنا سَلاَّمُ بنُ سُلَيْمَان المَدَائِنِي، حدثنا المَسْعُودِيُّ، عن أَبِي عُمَرَ، عن عُبَيْدِ بنِ الحَسْحَاس، عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو في المسجد، فَجَلَسْتُ إليه، فَقُلْتُ: أَيُّ الأنبياءِ كان أولاً؟ قال: «آدمُ، قُلْتُ: ونَبِيًّا كان؟ قال؟ نعم، نَبِيًّا مُكَلَّمًا» (٢). (١٤٩) حدثنا الرَّبِيعُ بنُ نَافِعٍ، حدثنا مُعَاويةُ -يعني ابن سَلاَّم-، عن زيد -وهو ابن سلام- أنه سمع أبا سَلاَّم يقول: حدثني أبو أُمَامةَ، أَنَّ رَجُلاً أتى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يا نَبِيَّ الله! أَنَبِيًّا كان آَدَمُ؟ قال: «نَعَم مُكَلَّمًا، قال: كَمْ بَيْنَه وبَيْنَ نُوح؟ قال: عَشْرَةُ قُرُون» (٣).

стр. 147

(١٥٠) حدثنا عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، أخبرنا سُفْيانُ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ -مولى آل طلحة-، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عباس، عن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ بنِ أَبِي ضِرَارٍ، أن النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَخَرَجَ وهِيَ في المسجدِ، ثم رَجَعَ بَعدمَا تَعَالَى النَّهارُ، فقال: «مَا زِلْتِ في مَجْلِسِكِ هذا مُنْذُ خَرَجْتُ بَعد، قُلْتُ: نعم، فقال: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَّ بِكَلِمَاتِك وَزَنَتْهُنَّ؛ سُبْحَانَ اللهِ وبحمدهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١). (١٥١) حدثنا نُعَيمُ بنُ حماد، حدثنا ابنُ المباركِ، أخبرنا يُونُس، عن الزُّهْرِي قال: أخبرني سَعِيدُ بنُ المسَيَّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ

стр. 148

قال: «يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ يومَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثم يقول: أَنا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟» (١). (١٥٢) حدثنا أبو عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عن عَلِيِّ بنِ مُدْرِك، عن أَبِي زُرْعَةَ بنِ عَمرو بنِ جَرَيرٍ، عن خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عن أبِي ذَرٍّ ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامةِ، ولا يُزَكِّيهِم، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِم، ولهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، قال قلت: مَنْ هُمْ؟ خَابُوا وخَسِرُوا! قال: فَأَعَادَها ثَلاثًا، فقلت: مَنْ هُم؟ خَابُوا وخَسِرُوا! قال: المُسْبِلُ، والمَنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ أو الفَاجِرِ» (٢). (١٥٣) حدثنا محبُوبُ بنُ موسى الأَنْطَاكِيُّ، أخبرنا أبو إِسْحَاقَ، عن أبِي حماد -يعني الحنفي، قال أبو إسحاق: وكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَهْلِ زَمَانِهِ-، عن ابنِ عَقِيل-وهو عبد الله بن محمد بن عَقِيل- قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عِبْدِ اللهِ ? قال: صَلَّى رَسْولُ اللهِ ﷺ على الشُّهَدَاءِ كُلِّهِم يَوْمَ أُحُدٍ، فَرَجَعْتُ وأنا مُثْقَلٌ، قَدْ تَرَكَ أَبِي عَلَيَّ دَيْنًا وَعِيَالاً، فَلَمَّا كان عندَ اللَّيلِ أَرْسَلَ إِلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «يا جابر! إِنَّ اللهَ قَدْ أَحْيَا أَبَاكَ، وكَلَّمَهُ، قال قُلْتُ: وكَلَّمَهُ كَلامًا؟ فَقَالَ

стр. 149

قال: وَكَلَّمَهُ كَلاَمًا، فقال له: تَمَنَّ، قَالَ: أَتَمَنَّى أَنْ تَرْدَّ رُوحِي، وتَنْشُرَ خَلْقِي كما كان، وتُرْجِعَنِي إلى نَبِيِّكَ؛ فَأُقَاتِل في سَبِيلِكَ فَأُقْتَل مَرَّةً أُخْرَى» (١). (١٥٤) حدثنا عُثمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن أبِي الزَّعْرَاء قال: قال عمر ﵁: «إن هذا القرآنَ كَلاَمُ اللهِ، فَلا أَعْرِفَنَّكُم مَا عَطَفْتُمُوهُ على أَهْوَائِكُم إِلاَّ أَنْ يَكْفُرَ بِهِ عَبْدٌ (٢) عَمْدَ عَيْنٍ» (٣).

стр. 150

(١٥٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ، عن عَطَاء بنِ السَّائِب، عن أبِي الأَحْوَص، عن ابن مسعود ﵁ قال: «هَدْىٌ وكَلاَمٌ؛ فَخَيْرُ الكَلاَمِ كَلاَمُ اللهِ، وأَحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ » (١). (١٥٦) حدثنا يحيَى بنُ سُليمانَ الجُعْفِي أبو سَعِيد، حدثنا أحمدُ بنُ بَشيرٍ، حدثنا مُجَالِدٌ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مَسْرُوقٍ، أَنَّ عبدَ اللهِ قال: «القُرْآنُ كلامُ اللهِ، فَمَنْ قَالَ فِيهِ، فَلْيَعْلَم ما يَقُولُ، فَإِنمَا يَقُولُ عَلَى اللهِ» (٢). (١٥٧) حدثنا أحمدُ بنُ صَالحٍ المِصريُّ، حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرنِي يُونُسُ، عن ابنِ شِهَابٍ قال: أخبرنِي عَلِيُّ بنُ حُسَيْنٍ، أن ابن عباس قال: أَخْبَرَنِي

стр. 151

رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي ﷺ من الأنصار؛ أنهم بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ : «مَاذَا كُنْتُم تَقُولُون في الجَاهِلِيَّةِ إذا رُمِيَ بمثلِ هذا؟ قَالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ، ومَاتَ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : فَإِنها لا يُرْمَى بها لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ حَيَاةِ أَحَدٍ، ولَكِنَّمَا رَبُّنَا إِذَا قَضَى أَمرًا؛ سَبَّحَ حَمَلةُ العَرْشِ، ثُمَّ يُسَبِّحُ أَهْلُ السَّماءِ الذين يَلُونَهُم، ثم يسبح الذين يلونهم، حتَّى بَلغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّماءِ الدُّنْيَا، ثم قال [الذين] (١) يَلُونَ حملة العَرْشِ: ما قال رَبُّكُم؟ فَيُخْبِرُونَهُم بِتَسْبِيحِ أَهْلِ السَّماواتِ، حتَّى يَبْلُغَ الخَبَرُ أَهْلَ هذهِ السماءِ الدنيا، يَتَخَطَّفُ الجِنُّ السَّمْعَ، فيذهبون به إلى أَوْلِيَائِهم، فَإِذَا جَاءُوا به على وجهه؛ فَهو حَقٌّ، وَلَكِنَّهُم يَرْقُونَ فِيِهِ -يعني يقذفون (٢) -» (٣). (١٥٨) حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ العَبْدِيُّ، حدثنا ابنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سُلَيمانَ الأَعْمَشِ، عن أبِي الضُّحَى، عن مَسْروق، عن عبدِ اللهِ ﵁ قال: ... «إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحي؛ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاواتِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السَّلْسِلَة على الصَّفْوَان. قال: فَيَفْزَعُونَ، يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعةِ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]» (٤).

стр. 152

(١٥٩) حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحمِيد، عن يَزِيدَ بنِ أَبِي زِيادٍ، عن عبد الله بن الحَارِث، عن ابن عباس ? قال: «إِنَّ الله إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْي سَمِعُوا مِثْلَ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلَى الصَّفْوَان، فَخَرُّوا سُجَّدًا، ... فَـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]، ثم يَنْزِلُ الشَّيطانُ إِلَى الأَرْضِ فَيَزِيدُ فيها سَبْعِينَ كَذِبَة» (١). (١٦٠) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَريرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلالِ بنِ يَسَافٍ، عن فَرْوَةَ بنِ نَوْفَل قال: كُنْتُ جَارًا لخَبَّابٍ ﵁، فَخَرجْنَا مَعَهُ يومًا إِلَى الجُمُعَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فقال: «يَا هَنَاهُ! (٢) تَقَرَّبْ إِلَى الله ما اسْتَطَعْتَ فَإِنَّكَ لَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِ» (٣).

стр. 153

(١٦١) حدثنا عبد الله بن صالح قال: حَدَثنِي اللَّيْثُ قال: حدثنِي يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ قال: أَخبَرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ، عن حَدِيثِ عَائِشَةَ حين قاَلَ لهَا أَهلُ الإفْكِ مَا قَالوا فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ، وبَعْضُ حَديثِهِم يُصَدِّقُ بَعْضًا، وإن كان بَعْضُهُم أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ في نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسْولُ اللهِ ﷺ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بهَا» (١). (١٦٢) حدثنا نُعَيْمُ بنُ حمَّادٍ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن طارق بن مُحَاسِن (٢)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبِي ﷺ أُتِيَ بِلَدِيغٍ، فَقَالَ: «لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لمَ تَضُرُّهُ» (٣).

стр. 154

(١٦٣) حدثنا الجُرْجُسِي يَزِيدُ بنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حدثنا بَقِيَّةٌ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزُّهرِي، عن طَارِق بنِ مُخَاشِن، عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أُتِيَ رسولُ اللهِ ﷺ بِلَدِيغٍ، لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فقال: «لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ؛ لَمْ يُلْدَغْ، أَو لم تَضُرُّهُ» (١). (١٦٤) حدثنا مُوسى بنُ إِسماعِيلَ، حدثنا حمَّادٌ، عن محمد بن إِسحاقَ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أن رسول الله ﷺ كان يُعَلِّمَهُم مِنَ الفَزَعِ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ، ومِنْ شَرِّ عِبَادِهِ، ومِنْ همَزَاتِ الشَّياطِينَ، وأن يَحْضُرُونَ» (٢).

стр. 155

(١٦٥) حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدَّثَنا جَرِيرٌ، عن محمدِ بنِ إِسْحَاقَ، بإسناده، إلا أَنَّهُ قال: «مِنْ غَضَبِهِ وعِقَابِهِ وشَرِّ عِبَادِهِ» (١). (١٦٦) حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُور بن المُعْتَمِر، عن المِنْهَالِ بنِ عمرٍو، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابن عَبَّاسٍ ? قال: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعَوِّذُ حَسَنًا وَحُسَيْنًا: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، وكان يَقولُ: كان أَبُوكُمَا يُعَوِّذُ بها إِسمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» (٢). (١٦٧) حدثنا هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، حدثنا محمدُ بنُ شُعَيْبٍ، عن عُثْمَانَ بن أَبِي العَاتِكَة، عن عَلِيِّ بنِ يَزِيدَ، عن القَاسِم، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن أَبِي ذَرٍّ ? قال: قُلْتُ: أَيُّ النَّبِيِّينَ أَولاً يا رسول الله؟ قال: «آَدَمُ، قُلْتُ: أَوَ نَبِيًّا كان؟ قَالَ نعم، مُكَلَّمًا، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ وَكَلَّمَهُ قِبَلاً، فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]» (٣).

стр. 156

(١٦٨) حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ، أخبرنا [أبو] (١) مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن خَيْثَمَةَ، عن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» (٢). (١٦٩) حدثنا أبو عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عن عَلِيِّ بنِ مُدْرِك، عن أَبِي زُرْعَةَ بنِ عَمرو بنِ جَرَيرٍ، عن خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عن أبِي ذَرٍّ ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ثَلاَثَةٌ؛ لا يُكَلِّمُهُم اللهُ يومَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِم، ولهم عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ المُسْبِلُ، والمَنَّانُ والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِب، أو الفَاجِر» (٣). (١٧٠) حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِر الحِزَامِيُّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا عبدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ أَبو أُوَيْسٍ، عن قَرْثَع (٤) الغَطَفَانِي، عن عُقْبَةَ بنِ بَشِير بنِ المُغِيرَة بنِ بَشِيرٍ

стр. 157

الأَسَدِيِّ قال: «سألتُ محمدَ بنَ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ الهاشميَّ قال: قلت: يا أبا جعفر! مَنْ أَوْلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ؟ قال: إِسماعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ النَّبِيُّ، وهو يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَة، قُلتُ: فَمَا كانَ كَلامُ النَّاسِ قَبْلَ ذَلِك؟ قال: العَبْرَانِيَّة، قلتُ: فما كان كلامُ اللهِ الذي أَنْزَلَهُ على رُسُلِهِ وَعِبَادِهِ ذَلِكَ الزَّمَان؟ قال: العَبْرَانِيَّةُ» (١). (١٧١) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي اليَمَانِ، قلت: أَخْبَرَكُم شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرنِي أبو بِكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ الحَارِث بنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ جَرْمُ (٢) بنُ جَابرِ الخَثْعَمِيُّ، أنه سمع كَعْبَ الأَحْبَارِ يَقُولُ: «لمَّا كَلَّمَ اللهُ موسى بالألسنة كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ، طَفِقَ موسَى يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! مَا أَفْقَهُ هذا، حَتَّى إذا كَلَّمَهُ آَخِر الأَلْسِنَةِ بِلسَانِهِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ، يَعنِي بمثل لِسَانِ موسى، وبمثل صَوْتِ مُوسَى» (٣). (١٧٢) حدثنا محمدُ بنُ عُثمَانَ التَنُّوخيُّ أبو الجُمَاهِر، حدثنا سَعِيدُ بنُ

стр. 158

بَشِيرٍ، عن قَتَادَةَ، «في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بالقُرآنِ ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ أَعَزَّهُ اللهُ؛ لأنَّهُ كَلامُهُ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وهُو إِبْلِيسُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْهُ حقًّا، أو يَزِيدَ فِيِهِ بَاطِلاً» (١). قال أبو سعيد ﵀: فَهَذِه الأحاديثُ قد رُوِيَتْ وأَكْثَرُ منها ما يُشْبِهُهَا، كُلُّهَا موافِقَةٌ لكتاب الله، في الإيمان بكلام الله، ولولا ما اخْتَرعَ هؤلاءِ الزَّائِغة من هذه الأُغْلُوطَاتِ والمعانِي، يَرُدُّونَ بها صِفَاتِ اللهِ، ويُبَدِّلُونَ بها كَلاَمَه؛ لكَانَ مَا ذَكَرَ اللهُ من ذلك في كتابه كَافِيًا لجميع الأمة، مَعَ أَنَّهُ كَمِلٌ (٢) شَافٍ، إلا لمتأولِ ضَلاَلٍ، أو مُتَّبِع رِيبَةٍ، فحين رَأَيْنَا ذلك أَلَّفْنَا هذه الآثار عن رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والتابعين مِنْ بَعْدِهِم؛ لِيَعْلَمَ مَنْ بَقِيَ مِنْ النَّاسِ أَنَّ [مَنْ] (٣) مَضَى مِنَ الأُمَّةِ لم يَزالوا يقولون في ذلك كما قال الله ، لا يَعْرِفُونَ له تَأْوِيلا غَيْرَ مَا يُتْلَى مِنْ ظاهره أنه كلامُ الرَّحمنِ ﵎، حتَّى نَبَغَ هؤلاءِ الذين اقتربوا (٤) لرد كتاب الله ، وتَعْطِيلِ كَلامِهِ وصفاته المقدسة بهذه

стр. 159

الأغلوطات، التِي لو ظَهَرَتْ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ وأصحابه؛ ما كان سَبِيلُ مَنْ يُظْهِرُهَا بَيْنَهُم إلا كسبيلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، أَولُهَا هذه الكلمة الملعونة، التِي فارقوا بها جميعَ أهلِ الصلاة فقالوا: كلامُ اللهِ مخلوقٌ، والحُجَجُ عليهم، مِنْ رَدِّ ما أَتَوْا به، ما ذكرنا من كتاب الله، وَرَوَيْنَا مِن آثارِ رسولِ الله ﷺ ، فَمَنْ بَعْدَهُ. ثم عليهم حججٌ كثيرةٌ من الكلام والنظر، لا نُحِبُّ ذِكْرَ كَثِيرٍ منها تخوفًا (١) أن لا تحتملها قُلُوبُ ضُعفَاءِ النَّاسِ، ولكن يَكْفِي مَنْ نَظَرَ فيما ذكرنا من كتاب الله وروينا من هذه الآثار؛ أَنْ يَعْلَمَ أنَّ مخالفةَ هؤلاء لِلأُمةِ قَديمًا وحَدِيثًا، فيقول لهم: وجَدنا اللهَ تعالى، ورسوله ﷺ ، والأمةَ بَعدَهُ؛ سَمُّوهُ كلامَ اللهِ، وزعمتم أنتم أنه خَلْقُ اللهِ، فكفى بهذا مخالفة لله ولرسوله ولِلْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ. أَوَ آثارٌ تُوَافِيهِ (٢)؟ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، أو أَثَرٍ عَنْ رسولِ الله ﷺ ، أو أَحَدٍ من أهل العلم، أنه مخلوق، ولنْ تأتوا به أبدًا، وكيف تَأثُرُونَ الكُفْرَ عن رسول الله ﷺ وأصحاب رسول الله ﷺ وأهل الإسلام بعدهم؟! فَذَهبَ بَعْضُهُم يحتج بتفاسيرٍ مقلوبة، وبمعانٍ لا أصلَ لها مِنْ كِتَابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا إِجماعٍ، إلا الكفر يَقِينًا. قُلتُ لبعضهم: دَعُوا هذه الأغلوطات، التِي نحنُ بها أَعْلَمُ مِنْكُم، ولن يُنْزِلَكُم اللهُ من كتابه بالمنزلةِ التِي يُعْتَمَدُ فيها على تَفْسِيرِكُم، أو يُقْبلُ فيها شيءٌ من آرائكم، وقد أتيناكم به مَنْصُوصًا عن الله، وعن رسوله، وعن الأمة بأجمعها؛ أنه كلامُ اللهِ حقًّا، فَهَاتُوا عن أَحَدٍ مِنهُم منصوصًا، أَنَّهُ خَلْقُ اللهِ كما

стр. 160

ادَّعَيْتُم، وإلا فَأَنْتُم المفَارِقُونَ لجماعةِ المسلمينَ قديمًا وحديثًا، الملحِدُونَ في آيات الله، المُفْتَرونَ على اللهِ، وعَلَى كِتَابِهِ، ورسولِهِ، ولَنْ تَأتُوا عن أَحدٍ مِنْهُم. أَرَأَيْتُم قَوْلَكُم إنه مخلوق، فَمَا بَدْءُ خَلْقِهِ؟ قَالَ اللهُ لَهُ: كُنْ؛ فَكَانَ كلامًا قَائِمًا بنفسه بِلا مُتَكَلِّم به، فقد عَلِمَ النَّاسُ -إلا من شاء الله منهم- أن الله لم يَخْلُقْ كَلامًا يُرَى ويُسْمَعُ بلا متكلم به، فَلابُد أن تقولوا في دعواكم: اللهُ المُتَكَلِّمُ بالقرآن، فَأَضَفْتُمُوهُ إلى الله، فهذا أَجْوَرُ الجَوْرِ، وأَكْذَبُ الكَذِبِ؛ أَنْ تُضِيفُوا كَلاَمَ المَخْلُوقِ إلى الخَالِقِ، ولو لم يَكُنْ كُفْرًا، كان كَذِبًا لا شك فيه، فكيف وهو كُفْرٌ لا شَكَّ فيه، لا يحقُّ لمخلوقٍ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، ويدعو الخَلْقَ إلى عِبَادَتِهِ، فيقول ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ [طه: ٤١ - ٤٢] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]. قَد عَلِمَ الخَلْقُ -إلا مَنْ أَضَلَّهُ الله- أنه لا حَقَّ لأَحَدٍ أن يَقولَ هذَا، وما أَشْبَهَهُ، غَيْرُ الخَالِقِ، بَلِ القَائِلُ بِهِ والدَّاعِي إِلَى عِبَادَتِهِ -غَيْرُ اللهِ- كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ، الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤] والمجيبُ لهُ، والمؤمِنُ بِدَعْوَاه، أَكْفَرُ وأَكْذَبُ. وإن قُلتُم إنه تَكَلَّمَ بِهِ مخلوقٌ، فَأَضَفْنَاهُ إلى الله؛ لأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُم بِصِفَاتِهِم وكلامهم لله، فهذا المُحَالُ الذي ليسَ ورَاءه محال، فَضْلاً على أن يكون كُفْرًا؛

стр. 161

لأن الله لم يَنْسِبْ شَيْئًا من الكلامِ كُلِّهِ إلى نفسه أنه كَلاَمُهُ غَيْرَ القُرآنِ، وما أنزل على رسله، فإن قَد تَمَّ كَلاَمُكُم ولزمتموه؛ لَزِمَكُم أنْ تُسَمُّوا شِعرًا، وجميعِ الغِنَاءِ والنَّوْحِ وكَلاَمِ السِّبَاعِ والطَّيْرِ والبَهَائِم؛ كلامَ اللهِ، فهذا ما لا يختلفُ المُصَلُّونَ في بُطُولِهِ واستِحَالَتِهِ، فَمَا فَضْلُ القرآنِ إذًا عِنْدَكُم علَى الغِناءِ والنوحِ والشعرِ، إِذْ كَانَ كُلُّه -في دعواكم- كَلامَ اللهِ؟! فكيف خُصَّ القُرآنُ بِأَنَّهُ كلام الله، ونُسِبَ كُلُّ كلامٍ سِوَاهُ إلى قَائِلِه، فَكَفَى بِقَوْمٍ ضَلالاً؛ أن يَدَّعُوا دَعْوَى لا يَشُكُّونَ (١) الموحِّدُونَ في بطوله واستحالته. ومما يزيدُ دعواكُم تكذيبًا واستحالةً، ويزيدُ المؤمنينَ بِكلامِ الله إيمانًا وتصديقًا؛ أن الله قد مَيَّزَ بَيْنَ مَنْ كَلَّمَ مِنْ رُسُلِهِ (٢) وبين مَنْ لم يُكَلِّم، ومَنْ يُكَلِّمُ مِنْ خَلْقِهِ في الآخرة، ومَنْ لم يُكَلِّم، فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فَمَيَّزَ بين من اختصَّهُ بكلامِهِ، وبين مَنْ لم يُكَلِّمْهُ، ثم سَمَّى ممن كَلَّمَ؛ موسى فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، فلو لم يكلمه بنفسه إِلا عَلى تَأْوِيلِ ما ادَّعَيْتُم، فما فَضْلُ ما ذَكَرَ اللهُ مِنْ تَكْلِيمِهِ إِيَّاهُ على غيره ممن لم يكلمه؟! إِذْ كُلُّ الرُّسُلِ في تكليم الله إياهم مثل موسى، وكُلٌّ عندكم لم يسمع كلام الله. فهذا محالٌ مِنَ الحُجَجِ، فضلا أن يكون ردًّا لكلام الله، وتكذيبًا لكتابه،

стр. 162

ولم يقل ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، إلا وأن حالتيهما مختلفتان في تكليم الله إياهم، فمما يزيد ذلك تحقيقًا قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] يعنى يوم القيامة. ففي هذا بَيَانٌ بَيِّنٌ أنه لا يُعَاقِبُ قومًا يومَ القيامةِ بِصَرْفِ كَلامِهِ عَنْهُم، إلا وأَنَّهُ مُثِيبٌ بِتَكْلِيمِهِ قَوْمًا آخَرينَ. ثم قد مَيَّزَ رسولُ الله ﷺ من يُكَلِّمُهُ الله يوم القيامة، وبين من لا يكلمه، فمن ذلك ما روينا في هذا الباب عن عَدِيِّ بنِ حَاتم عن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة». والحديث الآخر ما روينا عن أَبِي ذَرٍّ ﵁ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة». ففي هذين الحديثين أيضًا بيان بَيِّن على نفس كلام الله ، أنه يُكَلِّمُ أقوامًا، ولا يُكَلِّمُ آخرين، ولو كان كما ادَّعيتُم؛ كان المُثابُ بكلامِ الله، والمُعَاقَبُ بهِ المصروف عنه سواءٌ عندكم، ألا ترى أن أبا ذَرٍّ سَأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ عن آدمَ صلوات الله عليه، أَنَبِيًّا كان؟ قال: نعم مُكَلَّمًا، فهذا يُنْبِئُكَ أَنَّهُ أرادَ نَفْسَ كلامِ الله، لا كلام من سِواه. ولو كان مُكَلَّمًا بكلامِ المخلوقِينَ في دعواكم، لم يكن فيه كَبِيرُ فَضِيلةٍ لآدمَ على غيره من الخلق؛ لأن عَامَّةَ الخَلْقِ يُكَلِّمُ بَعْضُهُم بَعضًا فهم مُكَلَّمُونَ، فما فضلُ آدم في هذا عندكم على من سواه من ذريته؟! وقد قال ﵎: ... ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. * * *

стр. 163

بَابُ الاحْتِجَاجِ لِلْقُرآنِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ قال أبو سعيد ﵀: فَمِنْ ذَلِكَ؛ ما أَخْبَرَ اللهُ تعالى في كتابِهِ عن زَعِيمِ هؤلاءِ الأَكْبرِ وإِمَامِهِم الأَكْفَرِ، الذي ادَّعَى أولاً أَنَّهُ مخلوقٌ؛ وهو الوحيد، واسمهُ الوليد بن المُغِيرَة، فَأَخبرَ اللهُ عن الكافِر دعواه فيه، ثم أَنكرَ عَليهِ دَعْواه، وردَّها عليه، وَوَعَده النَّارَ؛ أَنِ ادَّعَى أَنَّ قَولَ اللهِ قَوْلُ البَشَرِ. وقوله: إِنْ هذا إلا قَولُ البَشَرِ، وقَولُ هؤلاءِ الجَهْمِيَّةِ: هو مخلوق؛ واحِدٌ، لا فَرْقَ بينهُمَا، فَبِئْسَ التَّابِعُ وبِئْسَ المَتْبُوعُ. قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦]، يَعنِي أنه ليس بقولِ البَشَرِ كمَا ادَّعى الوَلِيدُ، ولَكِنَّهُ قَوْلُ اللهِ . (١٧٣) فَحَدَّثنا أبو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدَّثَنا ابنُ نُمَيْرٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ المُهَاجِر قال: سمعتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَن مُجَاهِدٍ في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ قال: «ذلك الوليدُ بنُ المغيرة المَخْزُومِيُّ، والمالُ الممدود؛ أَلْفُ دِينَار، والبَنِينُ الشهود؛ عَشْرَةُ بنين، قال: فلم يَزَلِ النُقْصَانُ في ماله، وَوَلَدِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بما تَكلم حَتَّى مَات» (١).

стр. 164

قال أبو سعيد: وكَذلِكَ صار لأتباعه (١) الذين تَلَقَّفُوا منه هذه الكلمة، خِزي وتَبَاب في كُلِّ شيءٍ مِنْ أَمرِهِم. ومما يُحْتَجُّ به أيضًا عليهم من كتاب الله ؛ قول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] تثبيتًا أنهم لا يفعلونه أبدًا. وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]. ففي هذا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّ القُرآنَ خَرجَ مِنَ الخَالِقِ، لا مِنَ المخلوقينَ، وأَنَّهُ كلامُ الخَالِقِ لا كَلامَ المخلوقينَ، ولو كانَ كلام المخلوقين ومنهم؛ لقدر المخلوقُ الآخَر أن يَأتِي بمثله، أو بأحسن منه؛ لأنه لم يتكلم مخلوقٌ بحقٍّ وباطلٍ من الشِّعرِ، أو الخُطَبِ، أو المواعِظِ، أو من كلام الحِكْمَةِ، أو غَيْرِ ذلك، إلا وقد أَتَى بمثلهِ أو بأحسن منه نُظَرَاؤُهُ ممَّنْ هُم في عصره، أو ممن بَعْدَهُ. فهذا قد ثَبَّتَ اللهُ عليه الشَّهادة أنه لا يَأْتِي بمثله جِنٌّ ولا إِنْسٌ؛ لأنه منه،

стр. 165

وصَدَق اللهُ وبَلَّغَ رَسولُهُ، لم يَأْتُوا بمثله مُنْذُ مائَتَيّ وخمسين سنة، ولا يأتون بمثله إلى خمسين ألف سنة، فكيف يَفْعَلُونَهُ؟! وقد قال الله لن يفعلوا، و ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] فلا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. ففي هذا بيانٌ بيِّنٌ أنه كلامُ الخالقِ نفسه، وأنه غَيْرُ مخلوقٍ. ومما نحتجُّ به عليهم أنه غَيْرُ مخلُوقٍ، مِنْ قَوْلِ رسولِ الله ﷺ : فَضْلُ القُرآنِ على سَائِرِ الكَلاَمِ؛ كَفَضْلِ اللهِ على خَلْقِهِ. (١٧٤) حدثنا به شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ العَبْدِيُّ الكُوفِيُّ، حدثنا محمد بن الحسن بن أبِي يزيدَ الهَمْدانِيُّ، عن عمرِو بنِ قَيْسٍ، عن عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ القرآنِ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَائِلِينَ، وفَضْلُ كَلامِ اللهِ على سَائِرِ الكَلامِ؛ كَفَضْلِ اللهِ على خَلْقِهِ» (١). (١٧٥) حدثناه عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ البصريُّ، حدثنا مُعَلَّى بن أسد، حدثنا محمد بن سَوَاءٍ، حدثنا سعيد بن أبِي عَرُوبَةَ، عن أَشْعَثَ الحُدَّانِيِّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «فَضْلُ القُرآنِ على سَائِرِ الكلامِ، كَفَضْلِ الرَّحْمَنِ على سَائِرِ خَلْقِهِ» (٢). (١٧٦) وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ حميدٍ الرَّازِيُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ سُلَيْمَانَ الرَّازيُّ، حدثنا الجَرَّاحُ بنُ الضَّحَّاك الكِنْدِيُّ، عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن أَبِي عبد

стр. 166

الرَّحمنِ، عن عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ» (١). قال أبو عبد الرحمن: «فَهَذَا الذِي أَجْلَسَنِي هذا المجلس، وَفَضْلُ القُرآنِ على سَائِر الكَلامِ؛ كَفَضْلِ الخَالِقِ عَلى المَخْلُوقِ، وذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ» (٢). قال أبو سعيد: ففي هذه الأحاديث بَيَانٌ أَنَّ القرآنَ غَيرُ مخلوق؛ لأنه ليس شَيءٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ من التَّفَاوُتِ في فضل ما بينهما، كما بَيْن اللهِ وبَيْن خَلْقِهِ في الفضل؛ لأن فَضْلَ مَا بَيْن المخلوقين يُسْتَدْرَكُ، ولا يُسْتَدرَك فَضْلُ اللهِ على خلقه، ولا يحصيه أحد.

стр. 167

وكذلك فَضْلُ كَلامِهِ على كلامِ المخلوقين، ولو كان كلامًا مخلوقًا؛ لم يكن فَضل ما بينه وبين سائِرِ الكلام كفَضلِ اللهِ على خلقِهِ، ولا كَعُشْرِ عُشْرِ جُزءٍ من أَلفِ أَلف جُزء، ولا قريبًا ولا قريبًا، فَافْهَمُوُه، فإنه ليس كمثله شيء، فليس كَكَلامِهِ كَلامٌ، ولن يُؤْتَى بمثلهِ أبدًا. (١٧٧) حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي مَريمَ المِصْرِيُّ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن خالد بن يزيد، عن سَعِيد بنِ أَبِي هِلال، عن ثَابِت بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص? قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَرْجِعَ القُرآنُ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ، له دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يقول يا رب! مِنْكَ خَرَجْتُ، وإِلَيْكَ أَعُودُ، أُتْلَى ولا يُعْمَلُ بِي، أُتلى ولا يُعمل بِي» (١). (١٧٨) سَمِعْتُ إِسحاقَ بنَ إِبراهيمَ الحَنْظَلِيَّ، يقول: قال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: قال عمرُو بنُ دِينَارٍ: «أَدْرَكتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ دُونهم مُنذُ سَبْعِينَ سنة، يقولون: اللهُ الخَالِقُ ومَا سِواهُ مخلوق، والقُرآنُ كلامُ اللهِ، مِنْهُ خَرجَ وإِليْهِ يَعُودُ» (٢). (١٧٩) حدثنا عَلِيُّ بنُ المَدِينِيُّ، حدثنا مُوسى بنُ دَاوُدَ، حدثنا مَعْبَدُ -قال: قال عَليٌّ: وهو ابنُ رَاشِدٍ-، عن مُعَاِويَةَ بنِ عَمَّارٍ قال: قيل لجَعْفَر بنِ محمدٍ:

стр. 168

القُرآنُ خَالِقٌ أو مخلوق؟ قال: «ليس بخَالِقٍ ولاَ مخلُوق، ولَكِنَّهُ كلامُ اللهِ» (١). (١٨٠) حدثنا محمدُ بنُ مَنْصُورٍ الذي يُقالُ له الطُّوسِيُ من أهل بغداد وكان ثقة قال: حَدثنِي عَليُّ بنُ مَضَّاءٍ مولى خالد القَسْرِي قال: سمعت ابنَ المُبَارَكِ بِالمِصِّيصَةِ سأله رِجالٌ عنِ القُرآنِ؟ فقال: «هو كَلامُ اللهِ، غَيْرَ مخلُوقٍ» (٢). (١٨١) وحدثنا محمدُ بنُ منصورٍ قال: حدثنِي عَلِيُّ بنُ المَضاءِ قال: سمعت بَقِيَّةَ بنَ الوَلِيدِ يَقول: «القُرآنُ كَلامُ اللهِ غَيْرُ مخلُوقٍ» (٣). (١٨٢) وحدثنا محمدُ بنُ منصور، حدثنا عَليُّ بنُ المضاء قال: سمعتُ عِيسَى بنَ يُونُسَ يقول: «القُرآنُ كَلامُ اللهِ غَيْرُ مخلُوقٍ» (٤). (١٨٣) حدثنا محمدُ بنُ مَنْصُور، حدثنا عَلِيٌّ (٥) قال: سمعت القَاسِمَ

стр. 169

الجَزَرِيَّ يَقُول: «القرآن كلامٌ (١) غير مخلوق» (٢). (١٨٤) حدثنا محمد بن منصور، حدثنا علي بن المضاء، حدثنا هِشَامُ بنُ بَهْرَامَ قال: سمعتُ المُعَافَى بنَ عِمْرَانَ يقول: «القُرآنُ كَلامُ اللهِ غَيْرُ مخلُوقٍ» قَالَ هِشَامٌ: وأَنَا أَقُولُ كَمَا قَال المُعَافَى، قَالَ عَلِيٌّ: وأنا أَقولُ كما قال هِشَام، قَال محمدُ بنُ منصور: وأنا كما قَالوا، خمسينَ مَرَّة (٣). قال أبو سعيد: وأَنَا أقولُ كما قالوا سَبعيِنَ مَرة، قال القُرَشِي (٤): وأنا أقول كما قالوا. قَال الأَزْدِي (٥): وأنا أقولُ كما قَالوُا عَدَدَ أَياَّمِ الدَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِه، وَبِه أَلْقَى اللهَ ورسولَه ﷺ . قاَلَ أَبو رَوْحٍ (٦): وأنا أقول بِعَدد مَنْ يُبْصِرُ ومَنْ لا يُبْصِر. وقَال شَيْخُنَا أبو عبد الله (٧): وأنا أَقولُ بِعَدد جميعِ الخَلائِقِ. (١٨٥) سَمِعْتُ محمدَ بنَ مَنصُورٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في المنام- حِدثَان ما اسْتُخْلِفَ جَعْفَرُ- (٨) فَقُلْتُ له: إِنَّ ناسًا يقولون: القُرآنُ مخلوقٌ، فقال بِوَجْهِهِ

стр. 170

هكذا، كَأَنَّه أَعْرَضَ، فقلتُ: أَلَيْسَ كلام اللهِ غير مخلوق؟ قال: نعم، ثم قُلْتُ لَه مَرةً أُخرى، فَقَالَ: نَعَم (١). (١٨٦) حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ المِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يحْيَى بنُ أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي جَعْفَر، عَنْ رَجُلٍ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ مِصْرَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرِو بنِ العَاص، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «القُرآنُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ السَّماواتِ والأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ» (٢). قال أبو سعيد: فهذا يُنْبِئُك أنه نَفْسَ كَلامِ اللهِ، وأنه غير مخلوق؛ لأن اللهَ لم يَخْلُقْ كَلامًا إلا عَلَى لِسَانِ مخلوق، فلو كان القرآنُ مخلوقًا -كما يَزْعُم هؤلاءِ المُعَطِّلُون- كان إذًا مِنْ كلامِ المَخْلُوقِين، وكُلُّ هذهِ الرِّوايات والحكايات والشواهد والدلائل، قد جاءت وأكثر منها؛ في أنهُ غَيْرُ مخلوقٍ، ثم إِحَاطَةُ عِلْمِ العُلَمَاءِ وعقولِ العُقَلاءِ بِأَنَّ كلامَ الخَالِقِ لا يَكُونُ مخلوقًا أبدًا، إِذًا كان فِي دَعْوَاهُم قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الكَلامَ مَنْقُوصًا مُضطرًا إِلَى الكلامِ، حتَّى خَلَقَهُ، وكَمُلَتْ رُبُوبِيَّتُهُ وتمَّتْ وَحْدَانِيَتُهُ بمخلوقٍ -في دعواهم-!!! * * *

стр. 171

بَابُ الاحْتِجَاجِ عَلَى الوَاقِفَةِ قال أبو سعيد ﵀: ثُمَّ إِنَّ ناسًا ممن كتبُوا العِلمَ بِزَعْمِهِم وادَّعُوا مَعْرِفَتَهُ، وقَفُوا في القُرآنِ، فقالوا: لا نقولُ مخلوقٌ هو، ولا غير مخلوق، ومَعَ وُقُوفِهِم هذا لم يَرضُوا حتَّى ادَّعَوا أنهم يَنْسِبُونَ إِلَى البِدعَةِ مَنْ خَالَفَهُم، فقال بِأَحد هذين القولين. فَقُلْنا لهذه العِصَابة: أَمَّا قَولُكُم مُبتدعٌ؛ فَظُلْمٌ وحَيْفٌ في دَعواكُم حتَّى تَفْهَمُوا الأَمْرَ وتَعقِلُوُه؛ لأنكُم جَهِلْتُم أَيَّ الفَريقينِ أَصَابُوا السُّنةَ والحقَّ، فيكونُ مَنْ خَالفَهُم مُبتدعةٌ عِندَكُم، والبِدعةُ أمرُها شَديدٌ، والمنسوب إليها سيء الحالِ بين أَظْهُرِ المسلمينَ، فلا تَعْجَلُوا بالبدعة حتَّى تستيقنوا وتعلموا أَحَقًّا قال أحدُ الفَرِيقَينِ أم بَاطِلاً؟ وكيف تستعجلون أن تَنْسِبُوا إلى البدعة أقوامًا في قَوْلٍ قَالُوهُ، ولا تَدْرُونَ أنهم أَصَابُوا الحقَّ في قولهم ذلك أم أَخْطَئُوهُ؟! ولا يُمْكِنُكُم في مذهبِكُم أن تَقُولوا لواحدٍ مِنَ الفَرِيقينِ: لم تُصِبِ الحقَّ بقولك، وليس كما قلت. فَمَنْ أَسْفَهَ في مَذهَبِهِ وأَجَهَلَ ممن يَنْسِب إِلَى البِدْعةِ أقوامًا، يَقولُ لا نَدْرِي، أهو كما قالوا أم ليس كذلك، ولا يَأمنُ في مذهبه أنْ يَكُونَ أَحَدُ الفَريقينِ أَصَابُوا الحقَّ والسُّنةَ، فَسَمَّاهُم مُبتدعة، ولا يأمن في دَعواهُ أَنَّ الحَقَّ بَاطِلاً والسُّنةَ بِدعة!! هذا ضَلالٌ بَيِّنٌ وجَهْلٌ غَير صَغِير. وأَمَّا قَولُكُم: لا ندري مخلوقٌ هُو أم غَيْرُ مخلوقٍ، فإن كان ذلك مِنكُم قِلَّةُ عِلْمٍ به وفَهْمٍ، فإنَّ بيننا وبينكم فيه؛ النَّظَرَ بما يَدُلُّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ وتحتمل العقول. وجَدْنَا الأَشياءَ كُلَّها شَيْئَيْن: الخَالِقُ بجميع صفاته، والمخلوقين بجميع

стр. 172

صِفَاتهِم، فالخَالِقُ بجميع صفاته؛ غَيْرُ مخلوق، والمخلوقُ بجميع صفاته؛ مخلوق، فانظروا في هذا القرآن، فإن كان عندكم صفة المخلوقين؛ فلا ينبغي أن تَشُكُّوا في المخلوقينَ وفي كلامِهِم وصفاتهم؛ أنها مخلوقَةٌ كلها لا شك فيها، فَيَلْزَمُكُم في دعواكم حِيَنِئذٍ أن تقولوا كما قالت الجهمية، فلتستريحوا مِنَ القَالِ والقِيلَ فيه، وتغيروا عن ضمائركم، وإن كان عندكم هو صفةُ الخَالِقِ وكَلامِهِ حقًّا، ومنه خَرَجَ، فلا ينبغي لِمُصَلٍّ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَشُكَّ في شيءٍ مِنْ صِفاتِ الله وكلامِهِ الذي خَرَجَ منه؛ أنَّه غَيْرُ مخلوقٍ. هذا واضح لا لَبْسَ فيه، إلا على من جَهِلَ العِلْمَ مِثَالِكُم، ومَا فَرْقُ بينكم وبين من قال هو مخلوق؟ إلا يسير، يَزعمُ أُولئِك أنه كلامُ اللهِ مَضَافٌ إليه مخلوق، وزَعمْتُم أنتم أَنَّهُ كلامُ اللهِ، ولا تَدْرُونَ مخلوقٌ هُو أو غير مخلوق، فإذا لم تدروا؛ لم تَأْمَنُوا في مَذهبِكُم أَن يكونَ أولئِك الذين قالوا مخلوق، قد أَصابُوا مِنْ قَولِكُم، فكيف تَنْسِبُونهم إلى البِدعَةِ وأنتم في شَكٍّ مِنْ أَمْرِهِم، فلا يجوزُ لِرَجُلٍ أن يَنْسُبَ رَجُلاً إلى بِدعةٍ بِقولٍ، أو فِعْلٍ، حتَّى يَسْتَيقِنَ أنَّ قَوْلَهُ ذَلك وفِعْلَهُ بَاطِلٌ لَيْسَ كما يقول، فَلِذَلك قُلْنَا: إِنَّ فَرْقَ ما بينكم يسير؛ لأنَّ أُولئِك ادَّعوا أنه مخلوق، وزُعَمتُم أنتم؛ أنه كلامُ اللهِ، ومَنْ زَعَمَ أنه غير مخلوق فقد ابتدع وضَلَّ -في دعواكم- فإن كان الذي يَزْعُم أنه غيرُ مخلوقٍ مبتدعًا عندكم لا تَشُكُّونَ فيه أنه لَمَخْلُوقٌ عندكم حقًا لا شك فيه، ولكن تَسْتَتِرونَ مِن الافتضاحِ به، مخافةَ التَّشْنِيع، وجَعلتُم أَنْفُسَكُم جُنَّةً ودَلَسَةً للجهمية عند الناس، تُصَوِّبُونَ آراءَهُم، وتُحَسِّنُونَ أَمْرَهُم، وتَنْسِبُونَ إلَى البِدْعَةِ مَنْ خَالَفَهُم. والحُجَّةُ على هذه العصابة أيضًا؛ جميع ما احتججنا به، من كتاب الله في تحقيقِ كلامِ اللهِ، ومَا رَوَيْنَا فِيِه مِنْ آثارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَنْ بَعْدَهُ؛ أن القُرآنَ

стр. 173

نَفْس كلامِ اللهِ، وأنه غيرُ مخلُوقٍ، فهي كُلُّهَا دَاخِلَةٌ عليهم كما تَدْخُلُ على الجهمية؛ لأن كُلَّ مَنْ آمنَ بِاللهِ وصَدَّقه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وفي قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] فَأيقنَ بأنَّهُ كَلامُهُ حقًا كما سماه أَصدقُ القَائِلينَ؛ لَزِمَهُ الإيمان بأنَّه غير مخلوق؛ لأن الله ﵎ لم يجعل كلامًا مخلوقًا لنفسه صِفَةً وكلامًا، ولم يُضِفْ إلَى نَفسِهِ كلامَ غَيْرِهِ لأَنَّهُ أَصدقُ القائلينَ. ولا يُقَاسُ كلامُ اللهِ بِبَيْتِ اللهِ وعبدِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ ورَوْحِ اللهِ؛ لأن الخَلْقَ ليس مِنَ اللهِ ولا مِنْ صِفَاتِهِ، وكَلامُهُ صِفَتُهُ ومِنْهُ خَرَجَ، فلا يُضَافُ إلى اللهِ مِنَ الكَلامِ إِلاَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ، ولو جَازَ أن يُنْسَبَ كلامُ مخلوقٍ إلى اللهِ، فَيَكُون للهِ كلامًا وصِفَهً كما يُضَافُ إليه بَيْتُ اللهِ وعبدُ اللهِ، لجاز أن تَقُول: كُلُّ مَا يُتَكَلَّمُ به آناءَ الليلِ والنَّهارِ، مِنْ حَقٍّ أو بَاطِلٍ أو شِعْرٍ أو غِنَاءٍ أو نَوْحٍ؛ كَلامُ اللهِ، فَمَا فَضْلُ القُرآنِ -في هذا القِياسِ- على سَائِرِ كَلامِ المَخْلُوقِينَ، إِنْ [كان] (١) كُلُّهُ يُنْسَبُ إِلَى اللهِ، ويُقَامُ للهِ صِفَةً وكلامًا -في دعواكم- فَهَذَا ضَلالٌ بَيِّنٌ مَعَ أَنَّا قَد كُفِيَنا مَؤُنَةَ النَّظَرِ، بما في كتاب الله مِنَ البيانِ، وفي الأثَرِ مِنَ البُرهَانِ، واللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم. قال أبو سعيد ﵀: احْتَجَجْنَا بهذه الحُجَجِ وما أشبهها على بعضِ هؤلاءِ الواقِفَةِ، وكان من أَكبِر احتجاجِهِم علينا في ذلك أَنْ قَالُوا: إِنَّ ناسًا مِن مَشْيَخَةِ رُواةِ الحَدِيثِ الذين عَرفناهم عن قِلَّةِ البصرِ بمذاهبِ الجهمية؛ سُئِلُوا عن القُرآنِ؟ فقالوا: لا نقول فيه بِأَحَدِ القَوْلَين، وأَمْسَكُوا عنه، إذ لم يَتَوَجَّهُوا لمرادِ القَوْمِ، لأنها كانت أُغْلُوطَةٌ وَقَعَت في مَسَامِعِهِم، لم يعرفوا تَأْوِيلَهَا، ولم

стр. 174

يُبْتَلُوا بها قبل ذلك، فَكَفُّوا عن الجوابِ فيه، وأمسكُوا، فحين وقعتْ في مسامعِ غيرهِم -من أهل البَصَرِ بهم وبِكَلامِهِم ومُرَادِهِم ممن جَالسُوهُم ونَاظَرُوهُم وسمعوا قُبْحَ كَلامِهِم، مِثْلَ مَنْ سمَّيْنَا، مِثْل؛ جَعفرِ بنِ محمد بن علي بن الحسين، وابنِ المباركِ، وعِيسَى بنِ يُونَسَ، والقَاسِمِ الجَزَرِي، وبَقِيَّةَ بنِ الوليد، والمُعَافَى بنِ عِمران، ونُظَرَائِهِم من أهلِ البَصَرِ بِكلامِ الجهمية-؛ لم يَشُكُّوا أنها كَلِمَةُ كُفْرٍ، وأَنَّ القُرآنَ نَفْس كَلامِ اللهِ كَمَا قال الله ﵎، وأنه غير مخلوق، إِذْ رَدَّ اللهُ على الوحيدِ قَوْلَهُ: إِنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ، وَأَصْلاَهُ عَلَيْهِ سَقَر، فَصَرَّحُوا به على عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ؛ أنه غيرُ مخلوقٍ والحُجَّةُ بالعارفِ بالشيءِ لا بالغافل عنه، القَلِيلِ البَصَرِ به، فَتَعَلَّقَ هؤلاءِ فيه بِإِمْسَاكِ أَهلِ البَصَرِ، ولم يَلْتَفِتُوا إلى قولِ مَنِ اسْتَنبَطَهُ وعَرَفَ أَصْلَهُ. فقلنا لهم: إِنْ يَكُ جُبْنُ هَؤُلاءِ الذينَ احْتَجَجْتُم (١) بهم مِن قِلَّةِ بَصَرٍ، فَقَد اجْتَرَأَ هَؤلاءِ وصَرَّحُوا بِبَصرٍ، وكانُوا مِنْ أَعْلامِ النَّاسِ، وأَهْلِ البَصرِ بأُصُولِ الدِّيِنِ وفُرُوعِهِ، حَتَّى أَكْفَرُوا مَنْ قال: «مخلوق» غَيرُ شَاكِّينَ فِي كُفْرِهِم، ولا مُرْتَابِينَ فِيهِم. * * *

стр. 175

بَابُ الاحْتِجَاجِ فِي إِكْفَارِ الجَهْمِيَّةِ قال أبو سعيد ﵀: نَاظَرَنِي رَجُلٌ بِبَغْداد، مُنَافِحًا عن هؤلاءِ الجهمية فَقَال لِي: بأيةِ حُجَّةٍ تُكَفِّرُونَ هؤلاءِ الجَهمية، وقَدْ نُهِىَ عَنْ إِكْفارِ أَهْلِ القِبْلَةِ؟ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ تُكَفِّرُونَهُم؟ أَم بِأَثَرٍ، أَمْ بِإجماعٍ؟ فقلت: ما الجَهْمِيَّةُ عِندنَا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، ومَا نُكَفِّرُهُم إلا بِكتابٍ مَسْطُورٍ، وأَثَرٍ مَأْثُورٍ، وكُفْرٍ مَشْهُورٍ. أما الكتابُ؛ فما أخبرَ اللهُ عن مُشرِكِي قُريش، مِنْ تكذيبهم بالقرآن، فكان مِنْ أَشَد ما أخبر عنهم من التكذيب؛ أنهم قالوا: هو مخلوقٌ، كما قالتِ الجهمية سواء، قال الوحيد وهو الوليدُ بنُ المُغِيْرَةَ المخْزُومِيُّ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] وهذا قَولُ جَهْم، إن هذا إلا مخلوق، وكذلك قَولُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ. وقَوْلُ مَنْ قَال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤]، و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، معناهم في جميع ذلك ومعنَى جَهم في قوله؛ يَرجِعَانِ إلى أَنَّهُ مخلوق، ليس بينهما فيه مِنَ البَوْنِ كَغَرْزِ إِبْرَةٍ، ولا كَقِيسِ شَعْرَةٍ، فَبِهَذا نُكَفِّرُهُم، كما أكفر الله به أَئِمَّتَهُم من قُرَيْشٍ، وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦] إِذْ قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]؛ لأنَّ كُلَّ إِفْكٍ، وتَقَوُّلٍ، وسِحْرٍ، واخْتِلاَقٍ، وقولِ البَشَرِ كُله لا شَكَّ في شيءٍ منه أنه مخلوق، فاتَّفَقَ مِنَ الكُفْرِ -بَيْنَ الوليد بن المغيرة، وجهم بن صفوان- الكَلِمة، والمراد في القرآن أنه مخلوق، فهذا الكِتَابُ النَّاطِقُ في إِكْفَارِهِم.

стр. 176

وأما الأثر فيه: (١٨٧) فما حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، عن حماد بن زَيْدٍ، وجَرِير بن حازِم، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَليَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أتَى بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُم، فَبلغَ ذَلك ابنَ عَبَّاسٍ? فقال: أَمَّا أَنَا فَلَو كُنْتُ لَقَتَلْتُهُم؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ». ولَمَا حَرَّقْتُهُم؛ لِنَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ» (١).-زاد سليمانُ في حديثِ جَرِيرٍ- فَبَلَغَ عَليًّا ما قال ابنُ عَبَّاسٍ ﵃، فقال: «وَيْحَ ابنِ أُمِّ الفَضْلِ! إنه لَغَوَّاصٌ عَلَى الهَنَاتِ» (٢). قال أبو سعيد: فَرأَيْنَا هؤلاءِ الجهمية أَفَحَش زَنْدَقَةٍ، وأَظْهَر كُفْرًا، وأقبح تأويلا لكتاب الله وَرَدَّ صِفَاتِهِ- فيما بلغنا- عَن هؤلاءِ الزنادقة الذين قَتَلَهُم عَلِيٌّ ﵇ وحَرَّقَهُم. فَمَضَتِ السُّنةُ مِن عَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ? فِي قَتْلِ الزنادقة؛ لِمَا أَنها كُفْرٌ عندهما، وأنهم عندهما ممن بَدَّلَ دِينَ اللهِ، وتَأَوَّلا في ذلك قَولَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يجبُ على رَجلٍ قَتْلٌ في قول يقوله، حتَّى يكونَ قَوْلُه ذلك كفرًا، لا يجب فيما دون الكفر قَتْلٌ، إلا عُقُوبَة فقط، فذاك الكِتَابُ في إكفارهم، وهذا الأَثَرُ. ونُكفرهُم أيضًا بكفر مشهور؛ وهو تكذيبهم بنص الكتابِ، أخبرَ اللهُ

стр. 177

تبارك وتعالى أَنَّ القرآنَ كلامه، وادَّعت الجهمية أنه خَلْقُه، وأخبر الله ﵎ أَنَّه كَلَّمَ موسَى تَكليمًا (١)، وقال هؤلاء لم يُكَلِّمْهُ اللهُ بنفسه، ولم يسمع موسى نَفْسَ كلامِ اللهِ، إنما سمع كلامًا خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم؛ دعَا مخلوقٌ مُوسَى إلى ربوبيته فقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] فقال له موسى -في دعواهم-: صدقت، ثم أَتَى فِرْعَوْنَ يَدعُوهُ أن يجيبَ إلى ربوبيةِ مَخْلُوقٍ، كما أجاب موسى-في دعواهم- فما فَرْقُ بين موسى وفرعونَ في مذهبهم في الكفر؟ إذًا فَأَيُّ كُفْرٍ بِأَوْضَح (٢) مِن هَذَا؟!. وقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] وقال هؤلاء: ما قال لشيءٍ قَط قَولا وكلامًا كُن فكان، ولا يقوله أبدًا، ولم يخرج منه كلامٌ قط، ولا يخرج، ولا هُو يَقْدِرُ على الكَلامِ -في دعواهم- فَالصَّنَمُ -في دعواهم- والرَّحمَنُ بمنزلةٍ واحدةٍ في الكلام، فَأَيُّ كُفْرٍ بأوضح من هذا؟!. وقال الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] و ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. قال هؤلاء: ليس لله يَد، وما خلق آدمَ بيديه، إنما يَدَاهُ نِعْمَتَاهُ ورِزْقَاهُ، فادَّعوا في يدي الله أَوْحَشَ مما ادَّعَتْه اليَهُودُ ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقالت الجهمية: يد الله مخلوقة؛ لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذاك محالٌ في كلام العرب، فضلا أن يكون كفرًا؛ لأنه يستحيلُ أَنْ يُقال: خلق

стр. 178

آدم بنعمته ويستحيل أن [يقال] (١) في قول الله ﵎: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، بنعمتك الخير؛ لأن الخيرَ نَفْسَه، هو النِّعَمُ نَفْسُهَا، ومستحيلٌ أن يقال في قول الله : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ نعمةُ اللهِ فوق أيديهم، وإنما ذكرنا ها هنا اليد، مع ذكر الأيدي في المبايعة بالأيدي فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، ويستحيل أن يقال ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] نعمتاه، فكأن ليس له إلا نعمتان مبسوطتان، لا تُحْصَى نِعَمُهُ ولا تُسْتَدْرَك، فلذلك قلنا: إن هذا التأويل؛ محالٌ من الكَلامِ فضلاً أن يكون كفرًا. ونكفرهم أيضا بالمشهور مِنْ كفرهم، أنهم لا يُثْبِتُونَ لله ﵎ وجهًا ولا سمعًا ولا بصرًا ولا عِلْمًا ولا كلامًا ولا صِفَةً، إلا بِتَأْويِلِ ضُلاَّلٍ افْتَضَحُوا وتَبَيَّنَتْ عَوَرَاتُهُم، يقولون: سمعُهُ، وبَصَرُهُ، وعِلْمُهُ، وكَلاَمُهُ؛ بمعنًى واحدٍ، وهو بنفسه في كل مكان، وفي كل بيت مغلق، وصُنْدُوقٍ مُقْفَل، قد أحاطتْ بِهِ -في دعواهُم- حِيطَانُها وَأَغْلاقُهَا وأَقْفَالهُا، فإِلَى اللهِ نَبْرَأُ مِن إلهٍ هِذِه صِفَتُهُ، وهَذَا أيضًا مَذْهَبٌ واضِحٌ في إِكْفَارِهِم. ونُكَفِّرُهُم أيضًا؛ أنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بِأَيْنَ الله، واللهُ قد وصَفَ نَفْسَه بأين، ووصفه به الرَّسُولُ ﷺ . فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] و ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] و ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]،ونحو هذا، فهذا كُلُّه وصفٌ بِأَيْنَ.

стр. 179

ووصَفَه رسولُ اللهِ ﷺ بأين، فقال للأمة السوداء: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة» (١). والجَهميةُ تَكْفُرُ بِهِ، وهذا أيضًا مِن واضِحِ كُفْرِهِم، والقُرآنُ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِالرَّدِّ عَليهم، وهم يعلمون ذلك أو بعضهم، ولكن يُكَابِرونَ، ويُغَالِطُونَ الضُّعفاءَ، وقد علموا أنه ليس مِنْ حُجَّةٍ أَنْقَضُ لِدعوَاهُم مِنَ القُرآنِ، غيرَ أَنهم لا يجدون إلى رَفْعِ الأصلِ سَبيلا؛ مخافةَ القَتْلِ والفَضيحة، وهم عند أنفسهم، بما وصَفَ اللهُ بِهِ فِيه نَفْسَهُ، جَاحِدونَ، قَدْ نَاظَرْنَا بَعضَ كُبَرائِهِم، وسمعنَا ذلك مِنْهُم مَنصوصًا مُفَسَّرًا. ويقصدون أيضًا بعبادتهم إِلَى إِلَهٍ تحتَ الأَرضِ السُّفْلى، وعلى ظَهْرِ الأرضِ العُلْيَا، ودون السماء السابعة العُليَا، وإِلَهُ المُصَلِّينَ مِنَ المؤمنينَ الذين يَقْصِدُونَ إليه بعبادتهم؛ الرَّحمن الذي فوق السماء السابعة العُليَا، وعلى عرشه العظيمِ استوى، وله الأسماءُ الحُسْنَى، تبارك اسمه وتعالى، فَأَيُّ كُفْرٍ أوضحَ مما حَكَيْنَاهُ عَنْهُم، من سُوءِ مذاهبهم، ما زاد مَانِي، وشمعلةُ (٢)؛ الزنديقان. قال أبو سعيد: فقالَ لي المُنَاظِرُ الذي ناظرنِي: أَرَدتُ إِرَادة مَنصوصة في إِكفارِ الجهمية باسمهم، وهذا الذي رَوَيت عن علي ﵁؛ في الزنادقة! فقلت: الزنادقةُ والجهميةُ أَمرُهما واحِدٌ، ويرجعانِ إلى معنَى واحد، ومرادٍ واحد، وليس قَوْمٌ أشبه بقوم منهم، بعضهم ببعض، وإنما يُشَبَّهُ كُلُّ

стр. 180

صِنْفٍ وجِنْسٍ بجنسهم وصِنْفِهِم، فقد كان يَنْزِلُ بعضُ القُرآنِ خاصًا في شيءٍ فَيكونُ عامًا في مِثْلِهِ، وما أَشْبَهَهُ، فلم يَظْهَرْ جَهْمٌ وأَصحَابُ جَهْمٍ في زمنِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وكِبَارِ التَّابعين؛ فَيُروى عَنْهُم فِيهَا أَثَرٌ منصوص مُسمَّى، ولو كانوا بَيْن أَظْهُرِهِم مظهرين آرَاءَهُم لَقُتِلُوا كما قَتَلَ عَلِيٌ ﵁ الزنادقة التِي ظَهَرتْ في عصره، ولَقُتِلوا كما قُتِلَ أَهلُ الرِّدَّة، ألا ترى أَنَّ الجَعْدَ بنَ دِرْهَم أظهرَ بعضَ رأيِهِ في زَمنِ خَالد القَسْرِي، فزعم أن الله ﵎ لم يَتَّخِذْ إِبراهيمَ خَليلاً، ولم يُكَلِّم موسى تكليمًا، فَذَبحهُ خالدٌ بِوَاسِط يَومَ الأَضْحَى على رُؤوسِ مَن حَضَرهُ من المسلمين، لم يَعِبْه به عَائِبٌ، ولم يَطْعَنْ عَليه طَاعِنٌ، بل استحسنوا ذلك مِنْ فِعْلِهِ وصَوَّبُوه، وكذلك لو ظَهَر هؤلاءِ في زَمَنِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وكبارِ التابعين، ما كان سَبِيلُهُم عند القَوْمِ إِلا القَتْل، كسبيل أهلِ الزندقة، وكما قَتَلَ عليٌ ﵁ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُم في عَصْرِهِ، وأَحْرَقَهُ، وظَهَرَ بَعْضُهُم بالمدينةِ في عهد سَعد بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ ﵁؛ فأشاروا عَلَى والِي المدينة يومئذ بِقَتْلِه. ويكفي العَاقِل مِن الحُجَجِ في إكفارهم ما تَأَوَّلنَا فيه من كتاب الله، وَرَوَيْنَا فيه عَنْ عَليٍّ وابنِ عَبَّاس?،ومَا فَسَّرنا مِنْ واضِحِ كُفرِهِم وفُحْشِ مَذَاهِبِهِم شيئًا شَيئًا، فَأَمَّا إِذْ أَبَيْتُم أَن تَقْبَلُوا إلا المنصوصَ فيهم، المقصودَ بها إليهم بِجُلاهم وأسمائهم، فسنروي ذلك عن بعض من ظهر ذلك بين أَظْهُرِهِم من العلماء. (١٨٨) حدثَنِي محمدُ بنُ المُعْتَمِر السَّجِسْتَانِيُّ أبو سَهْلٍ -وكان مِنْ أَوثَقِ ... أَهلِ سَجِسْتَان وأَصْدَقِهِم-، عن زُهَيْر بنِ نُعَيم البَابِي، أَنَّهُ سَمِعَ سَلاَّمَ ابنَ أَبِي
следующие страницы →