← Акыда

Акыда · id 18089

الرد على الجهمية للدارمي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (191 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال أبو سعيد: من يُقَدِّر قَدْرَ هذه الحُجُب التي احْتَجَبَ الجَبَّارُ بها، ومن يَعْلمُ كَيْفَ هي غَيرُ الذي أَحَاطَ بِكلِّ شيءٍ عِلمًا، وأَحْصَى كُلَّ شيءٍ عددًا. ففي هذا أيضًا دَلِيلٌ أنَّهُ بائِنٌ من خَلْقِهِ، مُحْتَجِبٌ عنهم، لا يَسْتَطِيعُ جِبْرِيلُ -مع قُرْبِهِ إِلَيْهِ- الدُّنوَّ مِنْ تِلْكَ الحُجُبِ، وليس كما يقول هؤلاء الزائغة: إنه معهم في كل مكان، ولو كان كذلك ما كان للحُجُبِ هُناكَ معنى؛ لأَنَّ الذي هو في كل مكان، لا يَحْتَجِبُ بِشَيءٍ مِنْ شَيءٍ، فَكَيْفَ يَحْتَجِبُ مَنْ هو خَارِجُ الحِجَابِ كما هو مِنْ وَرَائِهِ! فليس لقول الله ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] عند القوم مِصْدَاق، والآثارُ التي جَاءَتْ عن رسُولِ الله ﷺ في نزولِ الربِّ ﵎ تَدُلُّ على أن الله فوق السماواتِ على عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. * * *

стр. 72

بَابُ النُّزُولِ قال أبو سعيد ﵀: فَمِمَّا يُعتَبَرُ به من كتاب الله في النزول، ويُحْتَجُّ به على مَن أَنكَرَهُ؛ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. وهذا يومُ القيامةِ، إذا نزل الله لِيَحكُمَ بين العباد، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٥ - ٢٦]. فالذي يَقْدِرُ على النزول يوم القيامة من السماوات كلِّهَا لِيَفْصِلَ بين عباده؛ قَادِرٌ أن ينزلَ كلَّ ليلةٍ من سماء إلى سماء، فإن رَدُّوا قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ في النزول، فماذا يصنعون بقول الله ﵎؟ (٥٧) حدثنا عمرو بن عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، أخبرنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي إسحاق، عن الأَغَرِّ أبي مُسْلِمٍ، قال: أَشْهَدُ على أبي سعيد، وأبي هريرة ?، أنهما شَهِدَا على رسول الله ﷺ ، أنه قال: «إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حتَّى إذا ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، هَبَطَ فقال: مَنْ تَائِبٌ، فَيُتَابُ عليه؟ من دَاعٍ فُيُسْتَجَابُ له؟ مَنْ مُسْتَغفِرٌ مِنْ ذَنبٍ؟ مَنْ سَائِلٌ فَيُعْطَى؟» (١).

стр. 73

(٥٨) حدثنا يحيى بن بُكَيرٍ المصري، حدثنا مَالِكٌ وهو ابن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَتنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السماء الدُّنيا، حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الآخر؛ فيقول: من يدعوني أستجيبُ له، من يسألُنِي فَأُعْطِيَهُ، ومن يستغفرني فأغفر له» (١). قال أبو سعيد: وزادني فيه أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، بإسناده (٢). قال: وقال هِشَامٌ الدَّسْتُوائِي، عن يحيى وهو [ابن أبي كثير] (٣)، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يَسَارٍ، أن رِفَاعةَ الجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثا الليل يتنزل الله إلى سماء فيقول لا أسأل عن عبادي أحدا غيري من يستغفرني أغفر له من يدعوني أستجيب له ومن [يسألني] أعطيه حتى ينفجر الصبح» (٤).

стр. 74

(٥٩) حدثنا سعيدُ بنُ الحَكَمِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ المصري، أخبرنا الليث يعنِي ابن سعد، قال: حدثني زِيَادةُ بن محمد، عن محمد بن كعب القُرَظِي، عن فَضَالةَ بن عُبَيْد، عن أبي الدَّرْدَاءِ ?، عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ في ثلاث ساعات من الليل، يَفْتَحُ الذِّكْرَ، في الساعة الأولى [مِنْهُنَّ ينظر في الكتاب الذي] (١) لم يَرَهُ غيرُهُ، فيمحو ما يشاء ويُثْبِتُ ما يشاء، ثم يَنْزِلُ في الساعة الثانية إلى جَنَّةِ عَدْنٍ، وهي دارُهُ التي لم تَرَها عينٌ، ولم تَخْطُر على قلب بَشَرٍ، وهي مَسْكَنُهُ، ولا يسكنُها معه من بني آدم غيرُ ثلاث: النبيين والصديقين والشهداء، ثم يقول طُوبَى لمن دخلك، ثم يَنْزِل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته فَتَنْتَفِضُ، فيقولُ قومي بعزتِي، ثم يَطْلُعُ إلى عباده فيقول: هل من مُسْتَغفِرٍ أَغفِرُ له، وهل من داعٍ أُجِيبُ، حتى تكون صلاةُ الفجرِ، ولذلك يقول ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] يَشْهَدُهُ اللهُ، وملائكةُ الليلِ والنهارِ» (٢). (٦٠) حدثنا حَفْصُ بن عُمرَ النَّمَرِيُّ أبو عمر الحَوْضِي، حدثنا هشام وهو الدَّسْتُوَائِي، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بَقِيَ أو قال مَضَى ثُلُثُ الليلِ؛ يَنْزِلُ اللهُ إلى سماء الدُّنيا، فيقول: مَنْ

стр. 75

يَدعُونِي فأستجيبُ له، من يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقْهُ، من يسألني فَأُعطِيَهُ، من يستكشفُ الضُّرَّ أكشفه عنه، حتَّى ينفجر الصبح» (١). (٦١) حدثنا عمرو بن عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، أخبرنا خالد يعنِي ابن عبد الله، عن الهَجَرِي، عن [أبي] الأحْوَص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يفتحُ أبوابَ السماءِ في ثُلُثِ الليلِ، فَيَهبِطُ إلى السَّماءِ الدنيا، فَيَبْسُطُ يديه، فيقول: ألا عبدٌ يسألُنِي فأعطيه، إلى طلوع الفجر» (٢). (٦٢) حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يُوسُفَ الحرَّانِيُّ أبو الأَصْبَغ، قال: حدثني محمد يعني ابن سَلَمَةَ الحرَّاني، عن محمد بن إِسحاق، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن عطاء مَوْلى أُمِّ صُبَيَّةَ، عن أبي هُرَيرةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْلا أنْ أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتهُمْ بِالسَّوَاكِ عند كُلِّ صَلاة، ولأَخَّرْتُ العِشَاءَ الآخرة حتى يَذْهَبَ ثُلُثُ الليلِ، فإنه إذا ذَهَبَ ثُلُثُ الليلِ الأول؛ هَبَطَ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فلا يزال بها حتى يَطْلَعَ الفَجْرُ، يَقُولُ قَائِلٌ ألا من سَائلٍ فَيُعْطَى، ألا مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ ألا مِنْ مَرِيضٍ فَيُسْتَشْفَى ألا من مُذْنِبٍ

стр. 76

يَسْتَغْفِرُ فَيُغْفَرُ له» (١). (٦٣) حدثنا عمرو بنُ محمد النَّاقِدُ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بإسناده نحوه (٢). (٦٤) قال عمرو: وحدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْراهِيمَ، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إِسْحَاقَ قال: وحدثني عمي عبد الرحمن بنِ يَسَارٍ، عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي رَافِع، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ بمثل حديث أبي هريرة ﵁ (٣).

стр. 77

(٦٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عَوَانَةَ، عن طارق، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباس ?، قال: «إن الله يُمْهِلُ حتى إذا مضى ثُلُثُ الليلِ؛ هَبَطَ إلى سماء الدنيا، ثم قال: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائِلٍ يُعْطَى؟» (١). (٦٦) حدثنا الزَّهْرَانِيُّ أبو الرَّبِيعِ، حدثنا حَمَّادٌ يعني ابن زيد، عن عمرو بن دِينارٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قال: «إذا مضى ثلث الليل، أو بَقِيَ نِصْفٌ؛ يَنْزِلُ الله إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟» (٢). * * *

стр. 78

بَابُ النُّزولِ لَيْلةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (٦٧) حدثنا الأَصْبَغُ بن الفَرَجِ الِمصْرِيُّ، قال أخبرني ابنُ وَهْبٍ، عن عمرو بن الحَارِثِ، عن عبدِ المَلِكِ، عن مُصْعَبِ بنِ أبي ذِئْبٍ (١)، عن القَاسِمِ بنِ محمد بن أبي بكر، عن أبيه، أو عن عَمِّهِ، عن جَدِّهِ أبي بَكْرٍ ﵁، أن النبيَّ ﷺ قال: «يَنْزِلُ ربُّنَا ﵎ ليلةَ النِّصفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ فيغفر لِكُلِّ نَفْسٍ، إلا مُشْرِكٍ بالله، ومُشَاحِن» (٢). * * *

стр. 79

بَابُ النُّزُولِ يَوْمَ عَرَفَة (٦٨) حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سَلَمَةَ، وعَليُّ بنُ عُثمانَ اللاَّحِقِيُّ قالا: حدثنا أَبُو عَوَانَةَ، عن مُغِيرةَ، عن عَاصِمِ بنِ أبي النَّجُودِ قال: قَالتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: «نِعْمَ اليومُ يَوْم عَرَفَة؛ يَنْزِلُ فيه رَبُّ العِزَّةِ إلى السماء الدنيا يوم عَرَفَةَ» (١). * * *

стр. 80

بَابُ نُزُولِ الرَّبِّ ﵎ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلْحِسَابِ (٦٩) حدَّثَنا نُعَيْمُ بْنُ حمَّادٍ، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يَزِيد الَّليْثِي، عن أبي هُرَيرةَ ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيقول: من كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتْبَعْهُ، وساق الحديث، إلى قوله: وتَبْقَى هذه الأُمَّةُ، فيقولون: هذا مَكَانُنَا حتى يأتينا رَبُّنَا، فإذا جاء رَبُّنَا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا رَبُّكُم، فيقولون: أنت رَبُّنَا، فَيَتْبَعُونَهُ، وساق نُعَيْمٌ الحديثَ إلى آخره» (١). (٧٠) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ وهو ابن سلمة، عن ثَابِتٍ وحُمَيْدٍ وعلي بن زيدٍ، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: «يَأْتِينَا رَبُّنا يومَ القِيَامةِ ونحن على مِكانٍ رَفِيعٍ، فَيَتَجلَّى لنا ضَاحِكًا» (٢). (٧١) حدثنا نُعَيْمُ بنُ حماد، حدثنا ابن المُبَارَك، أخبرنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عن أبي نَضْرَةَ، عن ابن عباس ?، قال: «يُنَادِي مُنَادٍ [بين يَدي الساعة، أتتكم السَّاعةُ، حتى يَسمعَهَا كُلُّ حيٍّ ومَيِّتٍ، قال فينادي المنادي] (٣) لمن المُلْكُ اليوم؟ لله الوَاحِدِ القَهَّار» (٤).

стр. 81

(٧٢) حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ المِصْرِيُّ، قال: حدثني ابْنُ لَهِيْعَةَ، عن يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن سِنَان بن سَعْدٍ، عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: ... «وتلا هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: يُبَدِّلُها اللهُ يومَ القِيامةِ بِأَرضٍ من فِضَّة، لم يُعْمَل عليها الخَطَايَا، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الجَبَّارُ ﵎» (١). (٧٣) حدثنا مُوسَى بنُ إِسماعِيلَ، حد ثنا حمَّادٌ وهو ابنُ سَلَمَةَ، عن علي بن زيد، عن يُوسُفَ بنِ مِهْرَان، عن ابن عباس ?، في هذه الآية ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥] قال: «يَنْزِلُ أَهلُ سماءِ الدُّنيا، وهم أكثر من أهل الأرض ومن الجِن والإنس، فيقول أهلُ الأرضِ: أفيكم رَبُّنا؟ فيقولون لا وسيأتي، ثم تَشَقَّقُ السَّماءُ الثانية، وساق أبو سلمة الحديث إلى السماء السابعة، قال فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيقولون لا وسيأتي، ثم يأتي الربُّ ﵎ في الكُرُوبِيِّين، وهم أكثر من أهل السماوات والأرض» (٢). (٧٤) حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حدثنا أبو عَوَانَةَ، حدثنا الأَجْلَحُ، حدثنا الضَّحَّاكُ بنُ مُزَاحِمٍ قال: «إن الله يأمرُ السماءَ يومَ القيامةِ فَتَنْشَقُّ بمن

стр. 82

فيها، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ويأمر السماء الثانية، حتى ذكر سَبْعَ سماوات، فيكونون سبعة صفوف قد أحاطوا بالناس، قال: ثم يَنْزِلُ اللهُ في بهائِهِ وَجَمَالِه ومعه ما شاء من الملائكة، على مَجْنَبَتِهِ اليُسْرى جهنم، فإذا رآها النَّاسُ تَلَظَّى سمعوا زَفِيرَهَا وشَهِيقَهَا، نَدَّ النَّاسُ في الأرضِ فلا يأتون قُطْرًا من أقطارها، إلا وجدوا سبعةَ صُفُوفٍ من الملائكة، وذلك قوله ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر: ٣٢]، يقول يَنِدُّ النَّاسُ، فيقول الله ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، وذلك قوله ﴿... إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٦ - ١٧]، قال: قُلْتُ له: مَا أَرْجَاؤُهَا؟ قال: حَافَّتُهَا» (١). * * *

стр. 83

بَابُ نُزُولِ اللهِ لأَهْلِ الجَنَّةِ (٧٥) حدثنا هِشَامُ بْنُ خَالِد الدِّمَشْقِي، وكان ثقة، حدثنا محمد بن شُعَيْب وهو ابن شَابُور، أخبرنا عُمَرُ بنُ عبدِ اللهِ مولى غَفْرَةَ قال: سمعتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «أَتاني جِبريلُ وفي يَدِهِ كهيئة المِرْآةِ البَيْضاءِ، وفيها نُكْتَةٌ سوداء، قلت: ما هذه يا جبريل؟ قال هذه الجُمُعَةُ، بَعَثَ بها إليك رَبُّكَ تكونُ عِيدًا لك ولأُمَّتِك مِنْ بعدِك، قلت: وما لنا فيها؟ قال لكم فيها خيرٌ كَثِير، أنتم الآخِرون السَّابِقون يوم القيامة، وفيها ساعةٌ لا يُوافِقُهَا عبدٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاه، قلت: ما هذه النُكْتَةُ السوداء؟ قال هذه الساعة، تكون يوم الجمعة، وهو سَيَّدُ الأيامِ، ونحن نُسَمِّيهِ عندنا؛ يَوْمُ المَزِيدِ، قلت: وما المَزِيدُ يا جبريل؟ قال ذلك بأن رَبَّكَ اتخذ في الجنةِ واديًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فإذا كان يومُ الجُمُعَةِ من أيام الآخِرة؛ هَبَطَ الرَّبُّ ﵎ عن عَرْشِهِ إلى كُرْسِيِّه، وحَفَّ الكُرسِيَّ بمنابرَ من نورٍ، فَيَجْلِسُ عليها النَّبيوُن، وحفَّ المنَابِرَ بكراسيَ من ذَهَبٍ، فيجلسُ عليها الصِّديقُون والشُّهداءُ، ويَهْبِطُ أهلُ الغُرَفِ من غُرَفِهِم، فَيَجْلِسُونَ على كُثْبَانِ المِسْكِ لا يَرَوْنَ لأهل المنابر والكراسي عليهم فضلاً في المجلس، ثم يَتَبَدَّى لهم ذو الجلال والإكرامِ، فيقول: سَلُونِي، فيقولون بِأَجمَعِهِم: نسألُكَ الرِّضَا فَيُشْهِدُهُم على الرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي نُهْيَةُ كلِّ عبدٍ مِنْهُم، ثم يُسْعَى عليهم بما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ثم يرتفع الربُّ عن كرسيه إلى عرشه، ويرتفعُ أهلُ الغُرَفِ إلى غرفهم، وهي غُرْفَةٌ من لؤلؤة بيضاء، أو زَبَرْجَدَةٍ خضراء، أو ياقوتةٍ حمراء ليس فيها فَصَمٌ ولا وصَمٌ، مُطَّرِدَةٌ أَنهَارُهَا، مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا ثمارُها، فيها أزواجُهَا وخَدَمُهَا ومَسَاكِنُها، فليس

стр. 84

أهلُ الجنةِ إلى شيءٍ أَشْوَقَ مِنهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا قُربًا مِن اللهِ ورِضْوَانًا» (١). (٧٦) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن عثمان بن أبي حميد، عن أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل في كَفِّه كالمرآةِ البيضاء، فيها كالنكتة السوداء فقلت: ما هذا الذي في يدك؟ قال الجمعة، قلت: وما الجمعة؟ قال لكم فيها خير، وهو عندنا سيد الأيام، ونحن نسميه يوم القيامة المزيد، قلتُ: ولم ذاك؟ قال: لأن الربَّ ﵎ اتخذ في الجنة واديًا أَفْيَحَ من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة؛ يَنْزِلُ على كرسيه من عِلِّيِّين، أو نزل من عِلِّيين على كرسيه، ثم حَفَّ الكرسي بمنابرَ من ذهبٍ مُكَلَّلَةٌ بالجوهر، ثم يجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك المنابرَ، ثم يَنْزِلُ أهلُ الغُرَفِ حتى يجلسوا على ذلك الكَثِيبِ، ثم يَتَجَلَّى لهم

стр. 85

رَبُّهُم، فيقول: أنا الذي صَدَقْتُكُم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا مَحِلُّ كرامتي، فسلوني، وساق عثمان بن أبي شيبة الحديث، إلى قوله: وذلك مِقْدَارُ مُنْصَرَفِهِم من الجمعة، ثم يرتفع إلى عرشه عن كرسيه، ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، أو النبيون والشهداء والصديقون، ويرجع أهلُ الغُرفِ إلى غُرَفِهِم» (١). (٧٧) حدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال حدثني حَرْمَلَةُ بن عمران، عن سليمان بن حُمَيْدٍ قال: سمعت محمد بن كَعْبٍ القُرَظِي يحدث (٢) عمر بن عبد العزيز قال: «فإذا فَرَغَ الله من أهل الجنة والنار؛ أَقْبَلَ الله في ظُلَلٍ من الغَمَام والملائكة، فَسَلَّمَ على أهل الجنة في أولِ درجةٍ فَيَرُدُّونَ ﵇، قال القُرَظِي: وهذا في القرآن ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فيقول: سَلُونِي، قال: ففعل ذلك بهم في دَرَجِهِم حتى يستوي في مجلسه، ثم يأتيهم التُّحف من الله تحمله (٣) الملائكة إليهم» (٤).

стр. 86

قال أبو سعيد: فهذه الأحاديث قد جاءت كُلُّها وأكثرُ منها في نزولِ الربِّ ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهلَ الفقهِ والبصرِ من مشايخنا، لا يُنْكِرُها منهم أحدٌ، ولا يمتنعُ من روايتها، حتى ظَهَرتْ هذه العِصَابَةُ؛ فعارضت آثار رسول الله ﷺ ، بِرَدِّ، وتَشَمَّرُوا لِدَفْعِهَا بِجِدٍ. فقالوا: كيف نزوله هذا؟ قلنا: لم نُكَلَّف معرفة كيفيةِ نزولِهِ في ديننا، ولا تَعْقِلُهُ قلوبُنا، وليس كمثله شيءٌ من خلقه؛ فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن يَنْزل بقدرته ولُطْفِ ربوبيته كيف يشاء، فالكَيْفُ منه غَيرُ مَعقُولٍ، والإيمانُ بقولِ رسول الله ﷺ في نزوله واجبٌ، ولا يُسْأَلُ الربُّ عما يفعل كيف يفعل، وهم يُسْأَلُون؛ لأنه القادر على ما يشاءُ أن يفعله كيف يشاء، وإنما يُقال لفعل المخلوق الضعيف -الذي لا قدرةَ له إلا ما أقدره الله تعالى عليه-: كيف يصنع، وكيف قدر؟ ولو قد آمنتم باستواء الربِّ على عرشه وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءًا إذ خلقها -كإيمان المصلين به- لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءًا، فكما قَدَرَ على الأُولى منهما كيف يشاء؛ فكذلك يَقْدِرُ على الأخرى كيف يشاء، وليس قولُ رسولِ الله ﷺ في نزوله بأعجب من قول الله ﵎ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ومن قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.

стр. 87

فهذا الناطق من قول الله ، وذاك المحفوظ من قول رسول الله ﷺ بأخبار ليس عليها غُبَار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين؛ لَزِمَكُم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، وإلا فَصَرِّحُوا بما تُضْمِرُون، ودعوا هذه الأُغْلُوطَات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئِن كان أهلُ الجهل في شكٍ من أَمرِكُم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين. قال: فقال قائِلٌ منهم: معنى إتيانه في ظُلَلٍ من الغَمَامِ، ومجيئه والمَلَكُ صفًا صفًّا، كمعنى كذا وكذا. قلت: هذا التكذيب بالآية صُرَاحًا، تلك معناها بَيِّنٌ للأمة لا اختلاف بيننا وبينكم وبين المسلمين في معناها المفهوم المعقول عند جميع المسلمين، فأما مجيئه يوم القيامة وإتيانه في ظُلَلٍ من الغَمامِ والملائكة، فلا اختلاف بين الأمة أنه إنما يأتيهم يومئذ كذلك لمحاسبتهم، وليصدع بين خلقه، ويقررهم بأعمالهم، ويجزيهم بها، ولينصف المظلوم منهم من الظالم، لا يتولى ذلك أحدٌ غيره، تبارك اسمه وتعالى جَدُّهُ، فمن لم يؤمن بذلك؛ لم يؤمن بيوم الحساب. ولكن إن كنتم محقِّين في تأويلكم هذا، وما ادَّعيتم من باطلكم ولستم كذلك؛ فأتوا بحديث يُقُوِّي مَذْهَبَكُم فيه عن رسول الله ﷺ ، أو بتفسير تأثرونه صحيحًا عن أحد من الصحابة أو التابعين، كما أتيناكم به عنهم نحن لمذهبنا، وإلا فمتى نزلت الجهمية من العلم بكتاب الله وبتفسيره المنزلة التي يجب على الناس قبول قولهم فيه، وترك ما يؤثر من خلافهم عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه وعن التابعين بعدهم. هذا حدث كبير في الإسلام، وظُلْمٌ عظيم، أن يَتْبَعَ تَفْسِيرَكُم كِتَابُ اللهِ بلا أثر، ويَتْرُكَ المأثورَ فيه الصحيح من قول رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين

стр. 88

لهم بإحسان ?. ومَتَى ما قَدَرْتُم أن تجامعوا أهلَ العلمِ في مجالسِهِم، أو تَنْتَحِلُوا شَيئًا من العلم في آَبَادِ الدَّهْرِ -إلا مُنَافَقَةً واستتارًا- حتى تتقلدوا اليوم من تفسير كتاب الله ما كان يَتَوقَّى أَوْضَحَ منه أَصحَابُ رسولِ الله ﷺ ؟ لقد عدوتم طَوْرَكُم، وأَنْزَلتُم أنفَسَكُم المنزلةَ التِي بَعَّدَكُم الله منها، ثم المسلمون، ولو لم يوجد فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه خبرًا (١) ولا أثرًا؛ لم تكونوا مُؤْتَمَنِينَ على كتاب الله وتفسيره، أن يَلْتَفِتَ إلى شيءٍ من أقاويلِكم، أو يَعْتَمِدَ على شيءٍ من تَفْسِيرِكم كِتَابُ اللهِ، لما ظَهَرَ للأمة من إِلحادِكُم، فكيف إذا هم خالفوكم؟! قال أبو سعيد ﵀: ومما يَرُدُّ هذا ويُبطِلُهُ قولُه تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، فهذا مما يحقق دعوانا، ويبطل دعواكم التي تَخَرَّصْتُمُوهَا عَدْوًا بغير علم في إتيان الله تعالى ومجيئه يوم القيامة والمَلَكُ صفًا صفًا، فإن أَبَيتُم إلا لزومًا لتفسيركم هذا ومخالفة لما احتججنا به من كتاب الله، وآثار رسول الله ﷺ ، وأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنه ليس لكم من الرُّسُوخِ في العلم، والمعرفة بالكتاب والسنة ما يعتمد فيه على تفسيركم، لو قد أصبتم الحق، فكيف إذا أنتم أخطأتموه! ولكن بيننا وبينكم حجةٌ واضحةٌ يَعْقِلُهَا من شاء الله من النساء والولدان.

стр. 89

ألستم تعلمون أَنَّا قد أتيناكم بهذه الروايات عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه، والتابعين، منصوصة صحيحة عنهم، أن الله ﵎ يَنْزِلُ كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا؟ وقد علمتم يقينًا أنَّا لم نخترع هذه الروايات ولم نفتعلها، بل رَوَيْنَاهَا عن الأئمة الهادية الذين نقلوا أصولَ الدِّين وفروعه إلى الأنام، وكانت مُستَفِيضَةٌ في أيديهم، يتنافسون فيها، ويتزيَّنُونَ بروايتها، ويحتجون بها على من خالفها. قد علمتم ذلك ورويتموه (١) كما رويناها إن شاء الله؛ فائتوا ببعضها أنه لا ينزل، منصوصًا، كما روينا عنهم النزول منصوصًا، حتى يكون بعض ما تأتون به ضِدًّا لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدْفَع إِجماعُ الأمةِ وما ثبت عنهم في النزول منصوصًا، بلا ضِدٍّ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نُظَرائِهم، ولم يُدْفَع شيءٌ بلا شيء؛ لأن أقاويلَهُم ورواياتِهم شيءٌ لازمٌ، وأصلٌ منيعٌ، وأقاويلَكُم رِيحٌ، ليست بشيء، ولا يَلْزَمُ أحدًا منها شيء، إلا أن تأتوا فيها بِأَثَرٍ ثابتٍ مستفيضٍ في الأمة، كاستفاضةِ ما رَوَيْنَا عنهم، ولن تأتوا به أبدًا، هذا واضحٌ بَيِّنٌ، يَعْقِلُهُ كثيرٌ من ضعفاء الرجال والنساء، وتَعْقِلُونَهُ أنتم -إن شاء الله-؛ فإنه ليس لكم من الغفلة كُلُّ ما لا تعلمون (٢). إن هذه الحُجَجَ آخذةٌ بحلُوقِكُم، غير أنكم تقصدون قصدَ شَيءٍ، لا ينقاد إلا بدفع هذه الحُجَجِ والآثَارِ كُلِّها. تزعمون أن إلهكم الذي كنتم تعبدون منكم في كل مكان، واقعٌ على كلِّ

стр. 90

شيءٍ، لا حَدَّ له، ولا منتهى عندكم، ولا يخلو منه شيءٌ مكانٌ (١) بزعمكم. ثم قلتم: إنما يُوصَفُ بالنزول من هو في مكان دون مكان، فأما من هو في كل مكان فكيف ينزل إلى مكان. قلنا: هذه صِفَةٌ خلاف صفةِ ربِّ العالمين، ولا نعرف بهذه الصفةِ شيئًا إلا هذا الهواء الداخلُ في كلِّ مكان، النَّازلُ على كلِّ شيءٍ، فإن لم يكن ذلك إلهكم الذي تعبدون، فقد غلبكم عن عبادة الله رأسًا، وصِرتُم في عبادة ما تعبدون أسوأ منزلة من عبادة الأوثان، وعبادة الشمس والقمر؛ لأن كلَّ صِنْفٍ منهم عبدَ شيئًا هو عند الخَلق شيء، وعبدتم أنتم شيئًا هو عند الخلق لا شيء؛ لأن الكلمةَ قد اتفقت من الخلق كلِّهم أن الشيءَ لا يكونُ إلا بحدٍّ وصفةٍ، وأن لا شيء، ليس له حدٌّ ولا صفةٌ؛ فلذلك قلتم لا حدَّ له، وقد أَكْذَبَكُم الله تعالى، فسمَّى نفسه أكبر الأشياء وأعظم الأشياء وخَلاَّق الأشياء قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فهو سمى نفسَهُ أكبر الأشياء، وأعظم الأشياء، وخلاق الأشياء، وله حَدٌّ، وهو يعلمه لا غيره. (٧٨) حدثنا الحسنُ بن الصبَّاحِ البزَّارُ البَغداديُّ، حدثنا عليُّ بنُ الحسنِ بن شقيقٍ، عن ابن المبارك؛ أنه سُئِلَ، بم نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ «قال: بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة، على العرش، بائِنٌ من خلقه، قال قلت: بِحَدٍّ قال: فبأي شيء» (٢).

стр. 91

قال أبو سعيد ﵀: والحُجَّةُ لقول ابن المبارك؛ قول الله ﵎ ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] فلماذا يحفون حول العرش، إلا لأن الله فوقه، ولو كان في كل مكان لحفُّوا بالأمكنة كلِّها، لا بالعرش دونها، ففي هذا بيانٌ بَيِّنٌ للحَدِّ، وأن الله فوق العرش، والملائكة حوله، حافون يسبحون، ويقدسونه ويحمل عرشه بَعْضُهُم، قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧]. قال أبو سعيد ﵀: فَسَمِعْتُ محتجًا يحتج عنهم في إنكارهم الحدَّ والنُّزولَ، وفي قولهم هو في كل مكان، بحديث أربعة أملاك التَقَوا، أحدهم جاء من المشرق، والآخر من المغرب، والثالث من السماء، والرابع من الأرض، فقالوا أربعتهم: جئنا من عند الله. فقلت: إِنَّ أفلسَ الناسِ من الحديث، وأَفْقَرَهُم فيه، الذي لا يجدُ من الحديثِ ما يَدفَعُ بِهِ تلك الأحاديث الصحيحة المشهورة في تلك الأبواب، إلا هذا الحديث، وهو أيضًا من الحديث أَفْلَسَ؛ لأن هذا الحديث لو صَحَّ كان عليه، لا له. فالحمد لله؛ إذ ألجأتهم الضرورةُ إلى هذا وما أشبهه؛ لأنهم لو وجدوا حديثًا منصوصًا في دعواهم؛ لاحتجوا به، لا بهذا، ولكن حين أيسوا من ذلك، وأعياهم طَلَبُه؛ تعلقوا بهذا الحديث المشتبه على جُهَّال الناس لِيُرَوِّجُوا بسببه عليهم أُغْلُوطَةً، وسنبين لهم ما اشتبه عليهم من هذا الحديث إن شاء الله؛ حتى يعلموا أنه عليهم لا لهم. قلنا: هذا الحديثُ لو صَحَّ؛ لكان معناه مَفهُومًا معقولًا، لا لَبْسَ له أنهم جاءُوا كُلُّهم من عِنْدِ اللهِ كما قَالوا؛ لأَنَّ اللهَ تعالى على عَرشِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ،

стр. 92

وسماواتُهُ فوقَ أرضِهِ كالقُبَّةِ، وكما وَصَفَ رَسُولُ الله ﷺ ، فهو يُنْزِلُ ملائِكةً مِنْ عنده بالمشرقِ، وملائكةً بالمغربِ، وملائِكةً إلى تُخُومِ الأرضِ للأمرِ مِنْ أُمُورِهِ، ولِرَحْمَتِهِ، ولِعَذابِهِ، ولِمَا يَشَاءُ مِن أموره، فلو أَنْزَلَ أَحَدَ هَؤلاءِ الأربعةِ بالمشرقِ، والثَّاني بِالمغربِ، والثالثَ أَنزلَهُ مِنَ السماءِ إلى تُخُومِ الأرضِ للأمر من أموره، ثُمَّ عَرَجُوا منها والْتَقَوْا جَمِيعًا في مُلْتَقَى مِنَ الأَرضِ مَع رَابِعٍ نَزَلَ مِنْ مُلتقَاهُم مِنَ السَّماءِ، فَسُئِلوا جَميعًا مِنْ أَيْنَ جَاءُوا؟ فَقَالُوا جَميعًا: جئْنَا من عِنْدِ الله، لكان المعنَى فِيه صَحِيحًا على مَذْهَبِنَا، لا على مَذْهَبِكُم؛ لأنَّ كُلاًّ بَعَثَهُم الله تعالى مِنَ السماءِ، وكُلًّا نَزَلوا من عنده في مَواطِنَ مخُتلفة، ولو نَزَلَ مائةُ ألفَ مَلَكٍ في مائةِ ألفَ مكانٍ من الأَرضِ؛ لجاءُوا من عند الله، وإنما قِيلَ من عند الله؛ لأنَّ اللهَ ﵎ فَوْقَ السماءِ، والملائِكةَ في السَّماواتِ، وبَعْضَهُم حَافُّونَ بِعَرْشِهِ، فَهُمْ أَقْرَبُ إِلى عَرشِ الرَّحْمَنِ مِن أهل الأرض، ومما يُبَيِّنُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. ففي هذه الآية بيانٌ لتحقيق ما ادَّعَيْنَا لِلْحَدِّ؛ فإنه فوق العرش بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، ولإِبطال دَعْوَى الذين ادَّعوا أن اللهَ في كُلِّ مكانٍ، لأنه لو كان في كل مكان؛ مَا كَانَ لِخُصوصِ الملائكة أنهم عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ مَعْنَى، بَلْ كَانَت الملائكةُ والجِنُّ والإِنْسُ، وسَائِرُ الخَلْقِ كُلُّهم عند ربك في دَعْوَاهُم بِمَنْزِلَةٍ واحِدَةٍ، إِذْ لَو كَانَ في كل مكان؛ إذًا لذهب معنى قَوْلِهِ لا يستكبرون عن عبادته ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ؛ لأن أكثر أهل الأرض من الجن والإنس من يستكبر عن عبادته ولا يسجد له، ولكن خَصَّ الله بهذه الصفة الملائكة الذين هم عنده في السماوات، فَأَوْطَئُوا بهذه الآية وأَقْرَعُوا بها رُؤُوسَهُم عند دعواهم أن الله في كل مكان، فإنها آخذةٌ بِحُلُوقِهِم، لا مَفَرَّ لهم

стр. 93

منها، إلا بِجُحُودٍ. فإن أقروا أنهم من الملائكة الذين عنده دون سِوَاهُم، فقد أصابوا ما أَرَادَ اللهُ، ونَقَضُوا قَوْلَهُم: أَنَّ اللهَ في كل مكان، وأقروا له بِالْحَدِّ، وأَنَّه فوقَ السَّمَاواتِ، والمَلائِكةَ عِنْدَهُ لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون، وإن لم يقروا به، كانوا بذلك جاحدين لتَنْزيِلِ الله تعالى، ويَلْزَمُهُم في دعواهم أن يشهدوا لجميع عبدةِ الأوثان وعبدةِ الشمسِ والقمرِ والجنِّ والإنسِ وكفرةِ أهلِ الكتابين والمجوس، أنهم كلهم عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون؛ لأن الله تعالى قد أخبر أن الذين عنده كذلك صفاتهم، فإن يكن الخلق كلهم في دعواهم عنده، وهو عندهم، وكُلٌّ يُسَبِّحُ له ويسجد له ولا يستكبر عن عبادته، ومن قال هذا؛ فقد كفر بكتاب الله، وجَحَدَ بآياتِ اللهِ؛ لأن الله تعالى وصف الملائكة الذين عنده بهذه الصفة، ووصف كُفَّارَ الجِنِّ والإنس وعَبَدَةِ الأَوْثَانِ بالعُتُوِّ والاسْتِكْبَارِ عن عبادته والنُّفُورِ عَنْ طَاعَتِهِ. قال تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]، فافهموا هذه الآية؛ فإنها قاطعةٌ لِحُجَجِهِم. * * *

стр. 94

بَابُ الرُّؤْيَةِ قال أبو سعيد ﵀: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]،وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففون: ١٥ - ١٧] ففي هذا دليلٌ أن الكُفَّارَ كُلَّهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عَزَّ وعلا، وأن أهلَ الجنةِ غير محجوبين عنه. قال رسول الله ﷺ : «أَيُّما والدٌ جَحَدَ وَلَدَهُ؛ احْتَجَبَ اللهُ منه، وَفَضَحَهُ على رُؤوسِ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ». (٧٩) حدثناه يحيى الحِمَّانِيُّ، حدثنا عبد العزيز يعني الدَّرَاوَرْدِي، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن يونس، سمع المَقْبُريَّ يحدث قال: حدثني أبو هريرة، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقوله (١). قال أبو سعيد: ففي هذا الحديث دليلٌ أنه إذا احتجب عن بعضهم لم يحتجب من بعض، وقال رسول الله: سَتَرَوْنَ ربَّكُم كما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَلَمْ يَدَعْ لمتأول فيه مَقَالًا. (٨٠) حدثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، حدثنا أبو شهاب وهو الحَنَّاط، قال: أخبرني إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جَرِيرٍ قال: كُنَّا

стр. 95

جلوسًا عند رسول الله ﷺ ، فرفع رأسه إلى السماء ليلةَ البَدْرِ، فَنَظَرَ إلى القَمَرِ فقال: «أَمَا إِنَّكم سَتَرَوْنَ ربَّكم عَيَانًا كمَا ترون هذا، لا تُضَامُون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا» (١) (٨١) حدثنا بنحوه ابنُ المَديِنِي، عن سُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، عن النبي ﷺ (٢). قال علي بن المديني: هي عندنا صلاة العصر وصلاة الصبح إن شاء الله تعالى. قال: حدثنا به سِتَّةٌ عن إسماعيل؛ سفيانُ وهُشَيْمٌ ووَكِيعٌ والمُعْتَمِرُ وغَيرُهُم، قال عليٌّ: لا يكون الإسناد أَجْوَدَ مِنْ ذَا. (٨٢) حدثنا محمد بن عبد الله الخُزَاعيُّ أبو عبد الله البصري، وأبو سَلَمَةَ، واللفظُ لفظ محمدٍ، قالا: حدثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيْبٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: «إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجَنَّةَ ودخل أهلُ النَّارِ النَّارَ؛ نادى منادٍ! يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يُريدُ أن يُنْجِزْكُمُوهُ، قال: فيقال ما هو؟ ألم يُبَيِّض

стр. 96

وجُوهَنَا، ويُثَقِّل موازيننا، وأدخلنا الجنةَ، وأجارنا من النار، قال فَيُكْشَفُ الحِجَابُ، فيتجلَّى لهم ﵎، قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده ما أعطاهم شيئًا هو أحب إليهم، ولا أقر لأعْيُنِهِم من النظر إلى وجه الله ﵎» (١). (٨٣) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا يَعْلَى بن عطاء، عن وَكِيعِ بنِ حُدُسٍ، عن أبي رَزِين العُقَيْليِّ قال: قلت يا رسول الله: أَكُلُّنَا يرى ربَّهُ يوم القيامة؟ وما آيَةُ ذلك في خَلْقِهِ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا رَزِيِن! أليس كلكم يرى القمر مُخْلِيًا به؟ قلتُ بَلَى، قال فالله أعظم» (٢). (٨٤) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، حدثنا إبراهيم وهو ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللَّيْثِي، عن أبي هريرة ﵁، قال: قَال النَّاسُ يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تُضَارُّونَ في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال فهل تضارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فكذلك تَرَوْنَ ربَّكُم يوم القيامة، إن الله يجمعُ النَّاسَ يوم القيامة، فيقول: من كان يَعْبُدُ شيئًا فليتبعه، فيتبعُ من كان يَعبدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، ومن كان يعبدُ القمرَ القمرَ،

стр. 97

ومن كان يعبدُ الطواغِيتَ الطواغيتَ، وتَبقَى هذه الأمةُ، فيها منافقوها. وساق الحديث إلى قوله: هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنَا عرفناه، فَيَأتِيهمُ اللهُ في الصورة التِّي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه». قال عطاء بن يزيد في آخر الحديث: قال أبو سعيد يعني الخُدْرِيُّ وهو مع أبي هريرة ?حين حدَّثَ بهذا الحديث لا يَرُدُّ عليه شيئًا من حديثه، حتى إذا قال: ذَلِكَ لهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قال أبو سعيد: أشهد لحفظته من رسول الله ﷺ ؛ ذلك له وعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ (١). (٨٥) حدثنا نُعَيم بن حماد، حدثنا ابنُ المباركِ، حدثنا مَعْمَرُ، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري ?، عن النبي ﷺ ، بنحوه (٢). (٨٦) وحدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال: حدثني الليثُ قال: حدثني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تُضَارون في الشمس في الظَّهيرة صَحْوًا ليس فيها سَحابٌ؟ قال: قلنا لا، قال رسول الله ﷺ : فهل تُضَارون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البَدْرِ صحوًا ليس

стр. 98

فيها سحاب؟ قال: فقلنا لا، فقال رسول الله ﷺ : فما تُضارون في رؤيتِهِ يوم القيامة، إلا كَهيئةِ ما تضارون في رؤيةِ أحدِهِمَا» (١). (٨٧) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ يعني ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القُرَشي، أنَّهُ كان عندَ عمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ، فأتَاهُ أبو بُرْدَةَ بنُ أبِي موسى الأَشْعَري ﵁، فقضى له حوائِجَه، فلمَّا قَضَى (٢) رَجَعَ، فقالَ عُمَرُ: أَذْكُرُ الشَّيخَ، فقال له عمر: ما ردَّك ألم تُقْض (٣) حَوَائِجُكَ؟ قال بلى، ولكن ذكرتُ حديثًا حَدَّثناهُ أبو موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: «يجمعُ اللهُ الأُمَمَ يومَ القيامةِ في صعيدٍ واحد، فإذا بدا له أن يَصْدَعَ بَيْن خَلْقِهِ؛ مَثَّلَ لِكُلِّ قومٍ ما كانوا يعبدون، فَيُدْرِجُونَهُم حتى يُقْحِمُوهُم النار، ثم يأتينا ربُّنا ونحن في مكان، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المؤمنون، فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربَّنا، فيقولُ: مِنْ أين تعلمون أنه ربُّكُم؟ فيقولون: حدَّثَتْنَا الرسلُ، أو جاءتنا، أو ما أشبه معناه، فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تَرَوْهُ؟ فيقولون: نعم، إِنَّه لا عِدْلَ له، فَيَتَجَلَّى لنا ضاحِكًا، ثم يقول ﵎: أبشروا معشر المسلمين! فإنه ليس منكم أحدٌ إلا قد جَعَلْتُ مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيًا، فقال عمرُ لأبي بردة: والله لَقَد سَمِعْتَ أبا موسى يحدثُ بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ قال نعم» (٤).

стр. 99

(٨٨) حدثنا إِسْحَاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، حدثنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، حدثنا أبو نَعَامَةَ العَدَوِيُّ قال: حدثنا أبو هُنَيْدَةَ البَرَاءُ بنُ نَوْفَل، عن وَالاَن العدوي، عن حُذيفةَ، عن أبي بكر الصديق ﵁، في حديث الشفاعة قال: قال رسول الله ﷺ :وساق إسحاقُ الحديثَ إلى قولهِ: «فَيَخِرُّ ساجدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، فيقولُ اللهُ ﵎: يا محمد! ارفع رأسَكَ، وقُل يُسْمَعُ، واشْفَعْ تُشَفَّعُ، فَيرفَعُ رَأْسَهُ، فإذا نَظَرَ إلى ربهِ؛ خَرَّ ساجدًا قَدْرَ جمعة أخرى» (١). (٨٩) حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الحِمْصِيُّ، حدثنا بَقِيَّةُ، حدثنا بَحِيرٌ وهو ابن سعد، عن خَالِدٍ وهو ابن مَعْدَان، عن عمرو بن الأسود، عن جُنَادَةَ بنِ أَبِي أُمَيَّةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُم، عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِت ﵁، أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ:

стр. 100

«إِنَّكُم لَنْ تَرَوْا رَبَّكُم حتَّى تمُوتُوا» (١). (٩٠) حدثنا نُعيمُ بنُ حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، أن رجلا من أهل العلم أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: «تُمَدُّ الأرضُ يومَ القيامةِ مَدَّ الأَديمِ، فأكونُ أولَ مَن أُدْعَى فَأَخِرُّ سَاجِدًا حتى يأذنَ اللهُ لي بِرَفْعِ رأسي، فأرفعُ، ثم أقومُ وجبريلُ عن يمينِ الرَّحمنِ، لم ير الرَّحْمَنَ تَبَاركَ اسمُهُ قبل ذلك» (٢). (٩١) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمادُ يعني ابن سلمة، عن عَلِيِّ بنِ زَيدٍ، عن أَبِي نَضْرَةَ قال: خَطَبَنَا ابنُ عبَّاسٍ على هذا المِنْبَرِ بِالبَصْرَةِ فقال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ما نَبِيٌّ إلا له دعوةٌ تَعَجَّلَهَا في الدنيا، وإنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي

стр. 101

يومَ القيامةِ، وأنا سَيَّدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأولُ من تنشقُّ عنه الأرضُ ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخر، وآدمُ ومَنْ دونه تحت لوائي ولا فخر، قال رسول الله ﷺ : فيطول ذلك اليومُ على النَّاسِ فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدمَ أبِي البشرِ فليشفع لنا إلى ربِّنا، وساقَ الحديثَ إلى قوله: فآتِي بابَ الجنَّةِ؛ فآخذُ بحلقةِ البَابِ، فأَقْرَعُ البابَ؛ فَيُقَالُ: مَنْ أنت؟ فأقول: أنا محمد، فَيُفْتَحُ البَابُ، فآتي ربِّي وهو على كُرْسِيِّهِ أو على سريره، فَيَتَجَلَّى لي ربِّي؛ فأخر له ساجدًا» (١). وساق أبو سَلَمَةَ الحديثَ بطوله إلى آخره. (٩٢) حدثنا عبدُ الغَفَّار بنُ داودَ الحرَّانِيُّ أبو صالح، حدثنا ابن لَهِيْعَةَ، عن أبي الزُّبَيْرِ قال: سألتُ جابرًا ﵁ عن الوُرُودِ، فأخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحنُ يومَ القيامةِ على كومٍ فوقَ النَّاسِ، فَتُدْعَى الأُمَمُ بأوثانها، وما كانت تعبد، الأولُ فالأول، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: تنتظرُ ربَّنا، فيقول: أنا ربُّكُم، فيقولون حتى نَنْظُرُ إليك، فيتجَلَّى لهم يَضْحَكُ، فَيَتْبَعُونَهُ» (٢).

стр. 102

(٩٣) حدثنا هشامُ بنُ خالدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حدثنا محمدُ بن شُعَيْبٍ وهو ابن شابور، حدثنا عُمَرُ بنُ عبدِ اللهِ مولى غفرة قال: سمعت أنسَ بن مالكٍ ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «أَتاني جِبريلُ وفي يَدِهِ كهيئة المِرْآةِ البَيْضاءِ، وفيها نُكْتَةٌ سوداء، قلت: ما هذه يا جبريل؟ قال هذه الجُمُعَةُ، بَعَثَ بها إليك رَبُّكَ تكونُ عِيدًا لك ولأُمَّتِك مِنْ بعدِك، قلت: وما لنا فيها؟ قال لكم فيها خيرٌ كَثِير، أنتم الآخِرون السَّابِقون يوم القيامة، وفيها ساعةٌ لا يُوافِقُهَا عبدٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاه. قلت: ما هذه النُكْتَةُ السوداء؟ قال هذه الساعة، تكون يوم الجمعة، وهو سَيَّدُ الأيامِ، ونحن نُسَمِّيهِ عندنا؛ يَوْمُ المَزِيدِ، قلت: وما المَزِيدُ يا جبريل؟ قال ذلك بأن رَبَّكَ اتخذ في الجنةِ واديًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فإذا كان يومُ الجُمُعَةِ من أيام الآخِرة؛ هَبَطَ الرَّبُّ ﵎ عن عَرْشِهِ إلى كُرْسِيِّه، وحَفَّ الكُرسِيَّ بمنابرَ من نورٍ، فَيَجْلِسُ عليها النَّبيوُن، وحفَّ المنَابِرَ بكراسيَ من ذَهَبٍ، [فيجلسُ] (١) عليها الصِّديقُون والشُّهداءُ، ويَهْبِطُ أهلُ الغُرَفِ من غُرَفِهِم، فَيَجْلِسُونَ على كُثْبَانِ المِسْكِ لا يَرَوْنَ لأهل المنابر والكراسي عليهم فضلاً في المجلس، ثم يَتَبَدَّى لهم ذو الجلال والإكرامِ، فيقول: سَلُونِي، فيقولون بِأَجمَعِهِم: نسألُكَ الرِّضَا فَيُشْهِدُهُم على الرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي نُهْيَةُ كلِّ عبدٍ مِنْهُم، ثم يُسْعَى عليهم بما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ثم يرتفع الربُّ عن كرسيه إلى عرشه، ويرتفعُ أهلُ الغُرَفِ إلى غرفهم، وهي غُرْفَةٌ من لؤلؤة بيضاء، أو زَبَرْجَدَةٍ خضراء، أو ياقوتةٍ حمراء ليس

стр. 103

فيها فَصَمٌ ولا وصَمٌ، مُطَّرِدَةٌ أَنهَارُهَا، مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا ثمارُها، فيها أزواجُهَا وخَدَمُهَا ومَسَاكِنُها، فليس أهلُ الجنةِ إلى شيءٍ أَشْوَقَ مِنهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا قُربًا مِن اللهِ ورِضْوَانًا» (١). (٩٤) حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ?، أن رسول الله ﷺ قام للناس فَأَثْنَى على اللهِ بما هو أَهْلُهُ، ثم ذَكَرَ الدَّجَالَ فقال: «لا أدري، أَتُدْرِكُونَهُ، ما من نَبِيٍّ إلا وقد أَنْذَرَهُ قومَهُ، لقد أنذره نوحٌ قومَهُ، ولكني أقول لكم قولا لم يَقُلْهُ نَبِيٌّ لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور، قال الزهري وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال يوم حذر الناس: إنه مكتوبٌ بين عينيه كافر، يَقْرَأُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَه، أو يَقْرأُهُ كُلُّ مؤمنٍ، وقال تَعْلَمُنَّ أنه لن يرى أَحَدُكُم ربَّه حتَّى يموت» (٢). (٩٥) حدثنا سُلَيمانُ بن حَرْبٍ، حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاء بن السَّائِب، عن أبيه، أن عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ ﵁ صَلَّى بأصحابهِ صلاةً أوجَزَ فيها، فقيل له خَفَّفْتَ، فقال: أما إِنِّي قد دعوتُ فيها بدعاءٍ سمعته من رسول الله ﷺ ، ومضى، فَتَبِعَهُ رجلٌ فسأله عن الدعاء، ثم رجع إلى القوم فأخبرهم، فقال: «اللهم إني أسألُكَ، بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ على الخَلْقِ أَحْيِنِي، ما عَلِمْتَ الحياةَ خيرًا لي، وتَوَفَّنِي إذا كانت الوفَاةُ خيرًا لي، وأسألك خَشْيَتَكَ في

стр. 104

الغيبِ والشَّهَادَةِ، وأسألك كَلِمَةَ الحقِّ في الغَضَبِ والرِّضَا، وأسألك القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنَى، وأسألك نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسألك قُرَّةَ عَيْنٍ لا تنقطعُ، وأسألك الرِّضَا بعد القَضَاءِ، وأَسْأَلُكَ بَرْدَ العَيْشِ بعد الموتِ، وأسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، وأسألُكَ الشوقَ إلى لِقَائِك، في غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهم زَيِّنَّا بزينةِ الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتَدِينَ» (١). (٩٦) حدثنا أحمدُ بن يُونُسَ، حدثنا أبو شِهَابٍ وهو الحنَّاطُ قال: أخبرني خالد بن دِينَارٍ النِّيلِيُّ، عن حماد بن جعفر، عن ابن عمر ?، قال: «ألا أخبرُكَ بأسفلِ أهلِ الجنةِ»، وساق أحمدُ الحديثَ بطولِهِ، قال: «حتَّى إذا بلغ النَّعِيمُ مِنْهُم كُلَّ مَبْلَغٍ، وظَنُّوا أن لا نَعِيمَ أفضلَ منه، تَجَلَّى لهم الربُّ، فنظروا إلى وَجْهِ الرَّحمَنِ». قال أحمد: قلت لأبي [شهاب] (٢) حديث خالد بن دينار هذا في ذكر الجنة، رَفَعَهُ؟ قال نعم (٣). (٩٧) حدثنا يحيى الحِمَّانِي، وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا شَرِيكٌ، عن

стр. 105

أبي إسحاق، عن سعيد بن نِمْرَان، عن أبي بكر الصديق ﵁، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: النَّظَرُ إلى وَجْهِ اللهِ (١). (٩٨) حدثنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا وَكِيعٌ، عَن سُفْيَانَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن مُسْلِمِ بنِ يَزِيدَ، عن حُذَيْفَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: النَّظَرُ إِلى وَجْهِ اللهِ (٢). (٩٩) حدثنا يحيى الحِمَّانِيُّ، وسُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالا: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الحُسْنَى؛ الجنة، والزيادة؛ النظر إلى وجه الله ، لا يصيبهم بعد النظر إليه قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ» (٣).

стр. 106

(١٠٠) حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن جُوَيْبِر، عن الضَّحَّاك ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «النظر إلى وجه الله » (١). (١٠١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا فُضَيْلٌ يعني ابن عِيَاضٍ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الزيادة؛ النظر إلى وجه ربهم » (٢). (١٠٢) حدثنا يحيى الحماني، حدثنا وَكِيعٌ، عن أبي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ، عن أبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عن أبي موسى ﵁ قال: «الزِّيَادَةُ؛ النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرَّبِّ» (٣).

стр. 107

(١٠٣) حدثنا محمد بن المِنْهَال البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيْعٍ، عن سليمان التَّيْمي، عن أسلم، عن أبي مُرَيَّةَ، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رآهم أبو موسى وهم ينظرون إلى الهلال، فقال: كَيْفَ رَبُّكُم إذا رأيتموه جَهْرَةً؟ (١) (١٠٤) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن عطاء بن السَّائِب، عن أبيه، عن عمار بن ياسر ﵁، أنه كان يقول في دعائه: ... «الَّلهُمَّ إِني أَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ، وشَوْقًا إلى لِقَائِكَ» (٢). (١٠٥) حدثنا شَيْخٌ من أهل بغداد، حدثنا شَرِيكٌ، عن عثمان أبي اليقظان (٣)، عن أنس بن مالك ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: «يَتَجَلَّى لهم كُلَّ جُمُعَةٍ» (٤). (١٠٦) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن جُوَيْبِرَ، عن الضحاك قال: «إن الملائكة إذا أخذوا بأصوات من تحميد وتقديس وثناء على

стр. 108

الله ، فليس شيء أطرب منه ليس (١) النظر إلى الله» (٢). (١٠٧) حدثنا محمدُ بنُ منصورٍ الذي يُقالُ له الطُّوسِي من أهل بغداد، حدثنا عَليُّ بنُ شَقِيقٍ، أخبرنا حُسَيْنُ بنُ واقِدٍ، عن يَزِيدَ النحوي، عن عكرمة، «﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: ينظرون إلى الله نَظَرًا» (٣). (١٠٨) حدثنا الزَّهْرَانِيُّ أبو الربيع، حدثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب قال: «ما نَظَرَ اللهُ إلى الجنةِ إلا قال: طِيبِي لأهلك، فزادت طِيبًا على ما كانت، وما مَرَّ يومٌ كان لهم عيدًا في الدنيا؛ إلا يخرجون في مقداره في رياض الجنة، ويبرز لهم الربٌّ ينظرون إليه، وتُسْفِي عليهم الريحُ بالطِّيبِ والمسكِ، فلا يسألون ربهم شيئًا إلا أعطاهم، فيرجعون إلى أَهْلِيهِم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحُسْنِ والجمال سَبعينَ ضِعْفًا» (٤). (١٠٩) حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، قال: كَتَبَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ إلى بَعضِ أُمرَاءِ الأَجْنادِ أما بعد: «فإني أُوصِيكَ بتقوى الله، وطاعتِهِ، والتَّمَسُّكِ بأمره،

стр. 109

والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واسْتَحْفَظَكَ من كتابه، فإن بتقوى الله؛ نجا أولياؤُهُ من سخطه، وبها يَحِقُّ لهم ولايته، وبها وافقوا أنبياءَهُ، وبها نُضِّرَت وُجُوهُهُم، ونظروا إلى خالقِهِم» (١). قال أبو سعيد ﵀: فهذه الأحاديث كلها وأكثر منها قد رويت في الرؤية، على تصديقِهَا، والإيمانِ بها، أدركنا أهلَ الفِقهِ والبَصَرِ من مشايخنا، ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يَرْوُونهَا، ويؤمنون بها، لا يستنكرونها، ولا يُنْكِرُونها، ومن أنكرها من أهل الزَّيْغِ؛ نسبوه إلى الضلال، بل كان من أكبر رجائِهم، وأجزل ثواب الله في أنفسهم؛ النَّظَرُ إلى وجه خالقهم، حتى ما يَعْدِلُونَ به شيئًا من نعيم الجنةِ. وقد كَلَّمتُ بعضَ أولئك المُعطِّلة وحدثته ببعض هذه الأحاديث، وكان ممن يَتَزَيَّنُ بالحديثِ في الظاهر، ويدَّعِي مَعْرِفَتُهَا، فأنكر بعضًا وردَّ ردًّا عنيفًا. قلت: قد صَحَّت الآثارُ عن رسول الله ﷺ فَمَنْ بعده من أهل العلم، وكِتَابُ الله الناطق به، فإذا اجتمع الكتابُ وقولُ الرسولِ وإجماعُ الأُمةِ؛ لم يَبْق لِمُتَأَوِّلٍ عندها تَأَوُّلٌ، إلا لمكابرٍ، أو جاحدٍ، أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففون: ١٥] ولم يقل للكفار محجوبون، إلا وأن المؤمنين لا يُحْجَبُون عنه، فإن كان المؤمنون عندكم محجوبين عن الله كالكفار؛ فَأَيُّ تَوْبِيخٍ للكفار في هذه الآية، إذا كانوا هم والمؤمنون جميعًا عن الله يومئذ محجوبون؟! وأَمَّا قولُ الرسولِ ﷺ ؛ فقوله: لا تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في

стр. 110

رؤية الشمس والقمر في الصحو، ثم ما رَوَيْنَا عن هذه الجماعة من أصحاب محمد ﷺ ، والتابعين، فهل عندكم ما رد ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة؟ فَاحْتَجَّ بحديث أبي ذَرٍّ عن النبي ﷺ ، نُورٌ أَنَّى أراه، فقلت: هذا في الدنيا، وكِلاهُما قد قاله رسولُ الله ﷺ ، وتفسيرهما بَيَّنٌ في الحديثين جميعًا، فقالت عائشة ﵂: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على اللهِ الفِرْيَة، وتَلَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. (١١٠) حدثناه عمرو بن عون، عن هشيم، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة (١). قال أبو سعيد: وأنتم وجميعُ الأُمَّةِ تقول به، إنه لم ير ولا يُرَى في الدنيا، فأما في الآخرة، فما أكبر نعيم أهل الجنة إلا النظر إلى وجهه، والخَيْبَةُ لمن حُرِمَه، وما تعجبون من أن كان الله ولا شيء من خلقه، ثم خَلَق الخَلْقَ، ثم استوى على عرشه فوق سماواته، واحتجب من خلقه بِحُجُب النَّارِ والظُّلْمةِ كما جاءت به الآثار، ثم أرسل إليهم رُسُلَه يُعَرِّفُهُم نَفْسَه بصفاته المقَدَّس، لِيَبْلُوا بِذلك إيمانهم، أَيُّهُم يؤمن به، ويعرفه بالغيب ولم يره، وإنما يجزى العباد على إيمانهم بالله بالغيب؛ لأن الله لو تَبَدَّى لخلقه، وتجلى لهم في الدنيا، لم يكن لإيمان الغَيْبِ هناك معنى، كما أنه لم يكفر به عندها كافر، ولا عصاه عاصٍ، ولكنه احتجب عنهم في الدنيا، ودعاهم إلى الإيمان به بالغيب، وإلى معرفته، والإقرار
следующие страницы →