← Акыда

Акыда · id 18089

الرد على الجهمية للدارمي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (191 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(١٠٠) حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن جُوَيْبِر، عن الضَّحَّاك ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «النظر إلى وجه الله » (١). (١٠١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا فُضَيْلٌ يعني ابن عِيَاضٍ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الزيادة؛ النظر إلى وجه ربهم » (٢). (١٠٢) حدثنا يحيى الحماني، حدثنا وَكِيعٌ، عن أبي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ، عن أبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عن أبي موسى ﵁ قال: «الزِّيَادَةُ؛ النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرَّبِّ» (٣).

стр. 107

(١٠٣) حدثنا محمد بن المِنْهَال البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيْعٍ، عن سليمان التَّيْمي، عن أسلم، عن أبي مُرَيَّةَ، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رآهم أبو موسى وهم ينظرون إلى الهلال، فقال: كَيْفَ رَبُّكُم إذا رأيتموه جَهْرَةً؟ (١) (١٠٤) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن عطاء بن السَّائِب، عن أبيه، عن عمار بن ياسر ﵁، أنه كان يقول في دعائه: ... «الَّلهُمَّ إِني أَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ، وشَوْقًا إلى لِقَائِكَ» (٢). (١٠٥) حدثنا شَيْخٌ من أهل بغداد، حدثنا شَرِيكٌ، عن عثمان أبي اليقظان (٣)، عن أنس بن مالك ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: «يَتَجَلَّى لهم كُلَّ جُمُعَةٍ» (٤). (١٠٦) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن جُوَيْبِرَ، عن الضحاك قال: «إن الملائكة إذا أخذوا بأصوات من تحميد وتقديس وثناء على

стр. 108

الله ، فليس شيء أطرب منه ليس (١) النظر إلى الله» (٢). (١٠٧) حدثنا محمدُ بنُ منصورٍ الذي يُقالُ له الطُّوسِي من أهل بغداد، حدثنا عَليُّ بنُ شَقِيقٍ، أخبرنا حُسَيْنُ بنُ واقِدٍ، عن يَزِيدَ النحوي، عن عكرمة، «﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: ينظرون إلى الله نَظَرًا» (٣). (١٠٨) حدثنا الزَّهْرَانِيُّ أبو الربيع، حدثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب قال: «ما نَظَرَ اللهُ إلى الجنةِ إلا قال: طِيبِي لأهلك، فزادت طِيبًا على ما كانت، وما مَرَّ يومٌ كان لهم عيدًا في الدنيا؛ إلا يخرجون في مقداره في رياض الجنة، ويبرز لهم الربٌّ ينظرون إليه، وتُسْفِي عليهم الريحُ بالطِّيبِ والمسكِ، فلا يسألون ربهم شيئًا إلا أعطاهم، فيرجعون إلى أَهْلِيهِم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحُسْنِ والجمال سَبعينَ ضِعْفًا» (٤). (١٠٩) حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، قال: كَتَبَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ إلى بَعضِ أُمرَاءِ الأَجْنادِ أما بعد: «فإني أُوصِيكَ بتقوى الله، وطاعتِهِ، والتَّمَسُّكِ بأمره،

стр. 109

والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واسْتَحْفَظَكَ من كتابه، فإن بتقوى الله؛ نجا أولياؤُهُ من سخطه، وبها يَحِقُّ لهم ولايته، وبها وافقوا أنبياءَهُ، وبها نُضِّرَت وُجُوهُهُم، ونظروا إلى خالقِهِم» (١). قال أبو سعيد ﵀: فهذه الأحاديث كلها وأكثر منها قد رويت في الرؤية، على تصديقِهَا، والإيمانِ بها، أدركنا أهلَ الفِقهِ والبَصَرِ من مشايخنا، ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يَرْوُونهَا، ويؤمنون بها، لا يستنكرونها، ولا يُنْكِرُونها، ومن أنكرها من أهل الزَّيْغِ؛ نسبوه إلى الضلال، بل كان من أكبر رجائِهم، وأجزل ثواب الله في أنفسهم؛ النَّظَرُ إلى وجه خالقهم، حتى ما يَعْدِلُونَ به شيئًا من نعيم الجنةِ. وقد كَلَّمتُ بعضَ أولئك المُعطِّلة وحدثته ببعض هذه الأحاديث، وكان ممن يَتَزَيَّنُ بالحديثِ في الظاهر، ويدَّعِي مَعْرِفَتُهَا، فأنكر بعضًا وردَّ ردًّا عنيفًا. قلت: قد صَحَّت الآثارُ عن رسول الله ﷺ فَمَنْ بعده من أهل العلم، وكِتَابُ الله الناطق به، فإذا اجتمع الكتابُ وقولُ الرسولِ وإجماعُ الأُمةِ؛ لم يَبْق لِمُتَأَوِّلٍ عندها تَأَوُّلٌ، إلا لمكابرٍ، أو جاحدٍ، أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففون: ١٥] ولم يقل للكفار محجوبون، إلا وأن المؤمنين لا يُحْجَبُون عنه، فإن كان المؤمنون عندكم محجوبين عن الله كالكفار؛ فَأَيُّ تَوْبِيخٍ للكفار في هذه الآية، إذا كانوا هم والمؤمنون جميعًا عن الله يومئذ محجوبون؟! وأَمَّا قولُ الرسولِ ﷺ ؛ فقوله: لا تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في

стр. 110

رؤية الشمس والقمر في الصحو، ثم ما رَوَيْنَا عن هذه الجماعة من أصحاب محمد ﷺ ، والتابعين، فهل عندكم ما رد ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة؟ فَاحْتَجَّ بحديث أبي ذَرٍّ عن النبي ﷺ ، نُورٌ أَنَّى أراه، فقلت: هذا في الدنيا، وكِلاهُما قد قاله رسولُ الله ﷺ ، وتفسيرهما بَيَّنٌ في الحديثين جميعًا، فقالت عائشة ﵂: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على اللهِ الفِرْيَة، وتَلَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. (١١٠) حدثناه عمرو بن عون، عن هشيم، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة (١). قال أبو سعيد: وأنتم وجميعُ الأُمَّةِ تقول به، إنه لم ير ولا يُرَى في الدنيا، فأما في الآخرة، فما أكبر نعيم أهل الجنة إلا النظر إلى وجهه، والخَيْبَةُ لمن حُرِمَه، وما تعجبون من أن كان الله ولا شيء من خلقه، ثم خَلَق الخَلْقَ، ثم استوى على عرشه فوق سماواته، واحتجب من خلقه بِحُجُب النَّارِ والظُّلْمةِ كما جاءت به الآثار، ثم أرسل إليهم رُسُلَه يُعَرِّفُهُم نَفْسَه بصفاته المقَدَّس، لِيَبْلُوا بِذلك إيمانهم، أَيُّهُم يؤمن به، ويعرفه بالغيب ولم يره، وإنما يجزى العباد على إيمانهم بالله بالغيب؛ لأن الله لو تَبَدَّى لخلقه، وتجلى لهم في الدنيا، لم يكن لإيمان الغَيْبِ هناك معنى، كما أنه لم يكفر به عندها كافر، ولا عصاه عاصٍ، ولكنه احتجب عنهم في الدنيا، ودعاهم إلى الإيمان به بالغيب، وإلى معرفته، والإقرار

стр. 111

بربوبيته؛ ليؤمن به من قد سبقت له منه السعادة، ويحق القول على الكافرين، ولو قد تجلى لهم لآمن به من في الأرض كلهم جميعًا بغير رسل، ولا كُتُبٍ، ولا دُعاة، ولم يعصوه طرفةَ عين، فإذا كان يوم القيامة، تجلى لمن آمن به، وصدَّق رسله وكتبه، وآمن برؤيته، وأقرَّ بصفاته التِي وصف بها نفسه حتى يروه عيانًا، مَثُوبة منهم لهم، وإكرامًا، ليزدادوا -بالنظر إلى من عبدوه بالغيب- نَعيمًا وبرؤيته فرحًا واغتباطًا، ولم يُحْرَمُوا رؤيتَه في الدنيا والآخرة جميعًا، وحجب عنه الكفار يومئِذٍ، إذ حُرِمُوا رؤيتَه كما حُرِمُوهَا في الدنيا؛ ليزدادوا حسرةً وثُبُورًا. فَاحْتَجَّ مُحْتَجٌ منهم بقول الله تعالى لموسى ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قلنا: هذا لنا عليكم لا لكم، إنما قال لن تراني في الدنيا؛ لأن بَصَر موسى من الأبصارِ التي كتب الله عليها الفناء في الدنيا، فلا تحتمل (١) النظر إلى نور البقاء، فإذا كان يومُ القيامةِ رُكِّبَتِ الأبصارُ والأسماعُ للبقاء، فاحتملت النظر إلى الله بما طَوَّقَها الله، ألا ترى أنه يقول ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، ولو قد شاء لاستقر الجبلُ ورآه موسى، ولكن سَبَقتْ منه الكَلِمة، أن لا يَراهُ أحدٌ في الدنيا؛ فلذلك قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، فأما في الآخرة، فإن الله تعالى يُنْشِئُ خلقَهُ فَيُرَكِّبُ أَسماعَهُم وأَبْصَارَهُم للبقاء، فيراه أولياؤُه جَهرًا كما قال رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: إنا لا نقبل هذه الآثار ولا نحتج بها، قلت: أجل ولا كتاب الله تقبلون، أرأيتم إن لم تقبلوها، أَتَشُكُّونَ أَنها مَرْويَّةٌ عن السَّلفِ مَأْثُورةٌ

стр. 112

عنهم، مستفيضةٌ فيهم، يَتَوَارَثُونها عن أعلام الناس وفُقَهَائِهِم قَرنًا بعد قرن؟ قالوا: نعم. قلنا: فحسبنا إقراركم بها عليكم حجة، لدعوانا أنها مشهورة مروية تداولتها العلماء والفقهاء، فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كَذَّبَتْها الآثارُ كُلُّهَا، فلا تقدرون أن تأتوا فيها بخبر ولا أثر، وقد علمتم إن شاء الله أنه لا يَسْتَدرِكُ سُنَنَ رسولِ الله ﷺ وأصحابهِ وأحكامِهم وقضاياهُم، إلا بهذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك، والنهج الذي دَرَجَ عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله ، منها يقتسمون (١) العلم وبها يقضون، وبها يُقِيمُون، وعليها يعتمدون، وبها يتزينون، يرثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم الغائب، احتجاجًا بها، واحتسابًا في أدائها إلى من لم يسمعها، يسمونها السُّنَنَ والآثار والفقه والعلم، ويضربون في طلبها شرقَ الأرضِ وغربها، يُحِلُّونَ بها حلالَ اللهِ ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحقِّ والباطل، والسُّنَنِ والبِدَعِ، ويستدلون بها على تفسير القرآن، ومعانيه، وأحكامه، ويَعْرِفُونَ بها ضَلالةَ مَنْ ضَلَّ عن الهُدَى، فمن رغب عنها؛ فإنما يَرْغَبُ عن آثارِ السَّلَفِ، وهَدْيِهِم ويريد مخالفتهم؛ لِيَتَّخِذَ دينَه هواه، وليتأول كتابَ اللهِ برأيه خلاف ما عنى الله به. فإن كنتم من المؤمنين، وعلى منهاج أَسْلاَفِهِم؛ فاقْتَبِسُوا العلم من آثارهم، واقتبسوا الهدى في سبيله، وارضوا بهذه الآثار إمامًا كما رضي بها القومُ لأنفسهم إمامًا، فَلَعَمْرِي ما أنتم أَعْلَمُ بكتابِ الله منهم، ولا مثلهم، ولا يمكن الاقتداء بهم إلا باتباع هذه الآثار على ما ترون، فمن لم يقبلها؛ فإنه يريد أن يتبع

стр. 113

غير سبيل المؤمنين، وقال الله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ ... (١) [النساء: ١١٥]. فقال قائل منهم: لا، بل نقول بالمعقول. قلنا: هاهنا ضللتم عن سواء السبيل، ووقعتم في تِيِهٍ لا مخرجَ لكم منه؛ لأن المعقول ليس لشيءٍ واحدٍ موصوفٌ بحدود عند جميع الناس، فَيُقْتَصَرُ عليه، ولو كان كذلك؛ كان راحة للناس، ولقلنا به، ولم نعد، ولم يكن الله ﵎ قال: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون: ٥٣] فوجدنا المعقول عند كل حزب ما هم عليه، والمجهول عندهم ما خالفهم، فوجدنا فِرَقَكُم معشر الجهمية في المعقول مختلفين، كُلُّ فرقةٍ منكم تَدَّعي أن المعقول عندها ما تدعو إليه، والمجهول ما خالفها، فحين رأينا المعقول اختلف منا ومنكم ومن جميع أهل الأهواء ولم نقف له على حد بَيِّنٍ في كل شيء؛ رأينا أرشدَ الوجوهِ وأهداها أن نَرُدَّ المعقولات كُلَّهَا إلى أمر رسول الله ﷺ وإلى المعقولِ عند أصحابه المستفيض بين أَظْهُرِهِم؛ لأن الوحيَ كان يَنْزِلُ بين أَظهرهم، فكانوا أعلم بتأويله مِنَّا ومنكم، وكانوا مؤتلفين في أصول الدين لم يفترقوا فيه، ولم يظهر فيهم البدع، والأهواء الحائدة عن الطريق، فالمعقول عندنا ما وافق هَدْيَهُم، والمجهول ما خالفهم، ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقتهم، إلا هذه الآثار، وقد انسلختم منها وانتفيتم منها بزعمكم، فَأَنَّى تهتدون؟ واحتج محتج منهم بقول مجاهد: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: تنتظر ثواب ربها. قلنا: نعم تنتظرُ ثوابَ ربِّهَا، ولا ثواب أعظم من النظر إلى وجهه ﵎.

стр. 114

فإن أَبَيْتُم إلا تَعَلُّقًا بحديثِ مجاهد هذا، واحتجاجًا به دون ما سواه من الآثار؛ فهذا آيةُ شُذُوذِكُم عن الحق، واتباعكم الباطل؛ لأن دعواكم هذه لو صَحَّت عن مجاهد على المعنى الذي تذهبون إليه؛ كان مَدْحُوضً (١) القَوْلُ إِليه، مع هذه الآثار التي قد صَحَّتْ فيه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وأصحابه، وجماعة التابعين. أَوَلَسْتُمْ قد زَعَمْتُم أنكم لا تَقْبَلُونَ هذه الآثارَ، ولا تَحْتَجُّونَ بها، فكيف تحتجون بالأثرِ عن مُجاهد إِذْ وَجَدتُّم سبيلًا إلى التَّعَلُّق به لباطلكم على غير بَيَانٍ؟ وتَركْتُم آثَارَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأصحابه، والتَّابعين؛ إِذْ خَالَفَتْ مَذْهَبَكُم، فَأمَّا إذ أقررتم بِقَبُولِ الأَثرِ عن مجاهد، فقد حَكَمْتُم على أَنْفُسِكُم بقبولِ آثارِ رسولِ الله ﷺ ، وأصحابه، والتابعين بعدهم؛ لأنكم لم تسمعوا هذا عن مجاهد، بل تَأْثُرُونَه عنه بإسناد، وتَأْثُرُونَ بأسانيد مثلها، أو أَجْوَدَ منها عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وعن أصحابه، والتابعين، ما هو خلافه عندكم، فكيف أَلْزَمْتُم أَنفسكم اتِّبَاعَ المُشْتَبَهِ مِنَ آثارِ مُجَاهِدٍ وَحْدِهِ، وتَركْتُم الصَّحِيحَ المنصوص من آثارِ رسول الله ﷺ وأصحابه، ونُظَرَاءِ مجاهد من التابعين؟ إلا مِنْ رِيبةٍ وشُذُوذٍ عَن الحَقِّ. إن الذي يُريدُ الشذوذَ عن الحق يتبعُ الشَّاذَ من قول العلماء، ويتعلق بِزلاتهم، والذي يَؤُمُّ الحقَّ في نفسه، يتبعُ المشهورَ من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فَهُمَا آيتان بَيِّنَتَان يُسْتَدَلُّ بهما على اتباع الرَّجُلِ، وعلى ابتداعه. * * *

стр. 115

بَابُ ذِكْرِ عِلْمِ اللهِ ﵎ (١١١) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، حدثنا ابن أبي حازم يعني عبد العزيز، عن العلاء بن عبد الرحمن الحُرَقِيِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «سَبَقَ عِلْمُ اللهِ في خَلْقِهِ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى ذَلِك» (١). (١١٢) حدثنا نُعيم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا الأَوْزَاعِي قال: أخبرني رَبيعةُ بنُ يَزيدَ، عن عبد الله بن الدَّيْلَمِي، عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ » (٢). قال أبو سعيد: وما لنا نرى أن يَبْلُغَ غَدًا قومٌ في تَعْطِيلِ صفاتِ الله ما بَلَغَ بهذه العِصَابَةِ عَدلهم في تَعْطِيلِهَا، حَتَّى أنكروا سَابِقِ عِلْمِ اللهِ في خَلْقِهِ، وما الخَلْقُ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا. ثم قالوا: ما نقول إن الله من فوق عرشه، يعلمُ ما في الأرض، ولكن عِلْمُ اللهِ هو اللهُ -بزعمهم- واللهُ -بزعمهم- في كل مكان ليس له عِلْمٌ، به يعلم، ولا هو يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، ولا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ، إنما سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وعِلْمُهُ -بزعمهم- شيءٌ واحدٌ، فلا السَّمْعُ عندهم غَيْرَ البَصَرِ، ولا البَصرُ غَيْرَ السَّمْعِ، ولا العِلمُ

стр. 116

غيرَ البَصَرِ، هو كله -بزعمهم- سَمْعٌ وبَصَرٌ وعِلْمٌ، وهو بكليته في كل مكان إن عَلِمَ؛ بِكُلِّهِ، وإِنْ سَمِعَ؛ سَمِعَ بِكُلِّهِ، وإنْ رَأى؛- رَأَى بِكُلِّهِ. ويزعمون أن علمَ اللهِ بمنزلةِ النَّظرِ والمشاهدة، لا يعلم بالشيءِ حتَّى يكون، فإذا كان الشيء عَلِمَ به عِلْمَ كينُونَتِهِ، لا بِعِلْمٍ لم يَزَلْ في نفسه قبل كينونته، ولكن إذا حدث الشَّيءُ؛ كان هو عند الشيءِ، ومعه الشيء بنفسه، فإن أراد ذلك الشيءَ؛ كان هو يَدُلُّ الشيءَ -بزعمهم- من مكانه، فَذَلِكَ إحاطة عِلْمِ اللهِ بالأشياء عندهم، لا أن يكون عَلِمَ بشيءٍ منها في نفسه قبل كينونته، فتبارك ربُّ العالمينَ وتَعَالى عمَّا يَصِفُونَ. هذا هو الردُّ لكتابِ اللهِ، والجحودُ لآياتِ الله، وصاحبُ هذا المذهب؛ يُخْرِجُهُ مَذْهَبُهُ إلى مَذْهَبِ الزَّنْدَقَةِ، حَتَّى لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسَابِ؛ لأَنَّ الذي لا يُقِرُّ بالعِلْمِ السَّابِق بالأشياء قبل أن تكون، يَلْزَمُهُ في مَذْهَبِهِ أَنْ لا يؤمنُ بِيَومِ الِحسابِ وبقيامِ السَّاعةِ والبَعْثِ والثَّوابِ والعِقَابِ؛ لأن العِبَادَ إِنَّما لَزِمَهُم الإيمانُ بها لإخبار الله بأن الساعةَ آتيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأن الله يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأنه مُحَاسِبُهُم يومَ الحِسَابِ، مُثِيُبُهم ومُعَاقِبُهُم. فإذا كان الله -بزعمهم- لا يعلمُ بالشَّيءِ حتى يكون، وكيف (١) عَلِمَ -في مذهبهم- بقيام الساعة، والبعث؟! ولم تقم الساعةُ بعد، ولا تقوم إلا بعد فناءِ الخلقِ، وارتفاعِ الدُّنيَا. فإن أَقَرُّوا لله بِعِلمِ قِيَامِ السَّاعَةِ والبَعْثِ والحساب؛ لَزِمَهُم أن يُقِرُّوا له بعلم كُلِّ شَيءٍ دُونَها، فإن أنكروا عِلْمَ اللهِ بما دونها؛ لَزِمَهُم الإنكار بها

стр. 117

وبقيامها وبالبعث والحساب؛ لأن عِلْمَهُ بِالسَّاعَةِ، كَعِلْمِهِ بِالخَلْقِ، وأَعْمَالِهم سواء، لا يزيد ولا ينقص، فمن لم يؤمن بأحدهما؛ لزمه أن لا يؤمن بالآخر، وهي من أوضحِ الحُجَجِ وأَشَدِّها على مَنْ رَدَّ العلم وأنكره. واعلموا أن الله لم يَزَلْ عَالِماً بِالْخَلْقِ وأَعْمَالِهم قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم، ولا يَزَالُ بِهِم عَالِماً لم يَزْدَدْ في عِلْمِهِ بِكَيْنُونَةِ الخَلْقِ خَرْدَلَةً واحدةً، ولا أقلَّ منها ولا أكثر، ولكن خَلَقَ الخَلْقَ على ما كان في نفسه قبل أن يَخْلُقَهُم، ومن عنده بدأ العِلْمُ، وهو عَلَّمَ الخلقَ ما لم يعلموا، فقال ﵎: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥] وقال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] فبلغنا في تفسيره عن مجاهد قال: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ المعصيةَ، وخَلَقَهُ لها. (١١٣) حدثناه نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، حدثنا ابنُ المباركِ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ (١). قال أبو سعيد: ولَعَمْرِي ما عَلِمَتِ الملائِكَةُ بِسَفْكِ الدِّماء، والفساد غَيْبًا من قِبَلِ أَنْفُسِهِم، ولَكِنْ عَلَّمَهُم ذلك عَلاَّمُ الغُيُوبِ قَبْلَ أن يقولوا، ولذلك ادَّعَوا مَعْرِفَتَهُ.

стр. 118

وقال أيضًا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣] فأخبر الله ﵎ أنه هو الذي عَلَّمَ آدمَ والملائكة العِلمَ من غَيْرِ أن يعلموا شيئًا منه، وأَقَرَّتِ الملائِكةُ بذلك وردَّت العِلْمَ كُلَّهُ إلى من بدأ منه فقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ فهل عَلَّمَهُم إِلا مَا قَد عَلِمَهُ قبل ذلك؟! وقال فيما أنزله على رسوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢] ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣] ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧] قال: ما لم تحدث به نفسك. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩] فأخبر اللهُ سبحانه أنه كان العَالِمُ قَبْلَ كُلِّ أحدٍ، ومنه بدأ العِلمُ، قال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣]. وقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] جاءه العلم من الله، وهو القرآن، ثم أخبر بعلمه السابق في عباده قبل أن يعلموا، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ الآية [الجاثية: ٢٣]. وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ

стр. 119

وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣]. وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية [المزمل ٢٠]. وما أشبه هذا من كتاب الله كثير، ولو لم يكن منها في كتابِ اللهِ إلا حَرْفٌ واحدٌ لاكْتُفِىَ به حجةٌ بالِغَةٌ، فكيف والكتابُ كُلُّه ينطق بنصه يستغنى فيه بالتنزيل عن التفسير، وتعرفه العامة والخاصة. فلم تزل عليه الأُمَّةُ، إلى أن نَبَغَتْ هذه النابغة بين أظهر المسلمين، فأعظموا في الله القول، وسبوه بأقبح السِّبَابِ وجَهَّلُوُهُ، ونَفَوا عنه صفاته التي بها يُعرف صِفَةً صفة، حتى نَفَوا عنه العِلْمَ الأول السابق، والكلام، والسمع والبصر، والأمرَ كُلَّهُ، ثم جعلوه كَلاَ شَيْءٍ. فقالوا في الجملة: ما نعرف إلهاً غير هذا الذي في كل مكان، فإذا باد شيءٌ صار مكانه، فنظرنا في صفة معبودِهِم هذا، فلم نجد بهذه الصفة شيئًا غير هذا الهواء القائِمُ على كلِّ شيءٍ، الداخِلُ في كلِّ مكانٍ، فمن قصد بعبادته إلى إلهٍ بهذه الصفة؛ فإنما يعبدُ غيرَ اللهِ، وليس مَعْبُودُهُ ذاك بإله -كُفْرَانَهُ لا غُفْرَانَهُ-. فاحذروا هؤلاء القوم على أنفسكم، وأهليكم، وأولادكم؛ أن يفتنوكم أو يكفروا صدوركم بالمغاليط والأضاليل، التِي تشتبه على جُهَّالِكُم فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].

стр. 120

فإن جَحَدَ منهم جَاحِدٌ وانْتَفَى مِنْ بَعْضِ ما حَكَيْنَا عَنْهُم، فلا تُصَدِّقُوهُم، فإنه دِينُهُم الذي يَعْتَقِدُونَهُ في أنفسهم، لا يَجْحَدُ ذَلِكَ مِنهُم إلا مُتَعَوِّذٌ مُسْتَتِرٌ، أو جاهلٌ بمذاهبهم لا يَتَوَجَّهُ بشيء منها، فقد اعترف لنا بذلك بعضُ كُبَرائِهم أو بما يشبه معناه، وأسندوا بعض ذلك إلى بعضِ المُضِلِّين من أشياخهم، فإلى اللهِ اشْكُوا رَأْيًا هذا تَأْوِيلُهُ، وقَوْمًا هذا إِبْطَالهُم لِعِلْمِ رَبِّنَا. واللهِ لقد عَلِمَتِ الملائِكَةُ بما عَلَّمَهُمُ اللهُ ما هو كائنٌ من بني آدم من الفساد، وسَفْكِ الدِّمَاءِ قَبْلَ أن يُخْلَقُوا، فكيف خَالِقُهُم الذي عَلَّمَهُم ذلك؟ فقالوا: ... ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ووصف الله هذه الأمة في التوراة والإنجيل قبل أن يُخْلَقُوا بصفاتهم، فكيف وصفهم من غير علم له بهم؟ فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]. فَهَلْ كَانَ هَذا الوَصْفُ مِنَ اللهِ والإِخْبَارُ عَنْهُم، إلا لِعِلْمِهِ السَّابِق فيهم، فما قَدَرُوا أَنْ يَتَعدَّوا هذه الصفات ولا يَقْصُرُوا عن شيء مما وصفهم الله به قبل

стр. 121

أن يكونوا، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فكتب ذلك بعلم قبل أن يرثوها. وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء: ٤] قضى عليهم في الكتاب الإفساد في الأرض قبل أن يفسدوا، وقوله وقضينا، قال مجاهد: كتبنا. (١١٤) كذلك حدثنا نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد (١). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] سبقت لهم الحسنى من الله قبل أن يُخْلَقُوا، لِعِلْمِ الله فيهم فما استطاعوا أن يَتَعَدَّوا شيئًا عَلِمَهُ الله فيهم. وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وأخبر عن أَعْمَالِ قومٍ قَبْلَ أن يَعْمَلُوهَا، قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨] فأخبر الله تعالى بِتَمْتِيعِهِم، ومَسِّ العذابِ إِيَاهُم قَبْلَ أن يُخْلَقُوا. قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] روي في بعض التفسير؛ أنهم الأعاجم، أخبر الله بدخولهم في الإسلام قبل أن يدخلوا. وقال لأهل بدر حين أخذوا الفداء من المشركين: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨] يقول: لولا ما سبق

стр. 122

لأهل بدر من السعادة؛ لمسهم العذابُ، في أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، فلم يقدر أهلُ بَدْرٍ أن لا يأخذوه، ولو حرصوا على تركه. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال: ... ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٥ - ١٦]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]، فسبقت لهم منه الرحمة قبل أن يخلقوا، والدعاء لمن سبقهم قبل أن يدعوا. وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ [الدخان: ٢٣ - ٢٤] فأخبر الله باتِّبَاعِهِم، وإغراقهم قبل أن يكون. وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] فأخبر باختلافهم قبل أن يختلفوا. وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨]. وقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)

стр. 123

وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣] ولكن، عَلِمَ منهم غيرَ ذلك؛ فصاروا إلى ما عَلِمَ منهم. وأخبر بعلمه في قوم، فقال: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [يس: ١٠]. وأخبر عن قوم آخرين فقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ [المؤمنون: ٧٥]. فَمَنْ آمن بِكتابِ اللهِ وصَدَّقَ رُسُلَ اللهِ؛ اكتفى ببعض ما ذكرنا في علم الله السابق في الخلق، وأعمالهم قبل أن يعملوها، ومن يُحْصِي ما في كتاب الله، وفي آثار رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والتابعين، في إثبات علم الله له والإقرار به، ويكفي في معرفة ذلك أَقَلُّ مما جمعنا، ولكن جمعناها لِيَتَدَبَّرَهَا أهلُ العُقُولِ والأَفْهَامِ؛ فيعرفوا ضلالة هؤلاء الذين أَخْرَجُوا اللهَ من العِلْمِ ونفوه عنه، وجعلوه في العلم والمعرفة كالخلق سواء، فقالوا: كما لا يَعْلَمُ الخَلْقُ بالشيءِ قبل أن يكون، فكذلك الله -بزعمهم- لا يعلمُ قَبْلَ أن يكون، فما فَضْلُ علاَّمِ الغُيُوبِ الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى على المخلوق الذي لا يعلمُ شيئًا، إلا ما عَلَّمَهُ اللهُ. وهذا المذهب الذي ادعوه في علم الله قد وافقهم على بعضه بعضُ المُعْتَزِلةِ؛ لأنه لا يبقى مذهبُ الفريقينِ جميعًا إلا بِرَدِّ عِلْمِ الله، فكفى به ضلالاً، ولأنهم متى ما أقروا بعلم سابق؛ خُصِمُوا، كذلك قال عمر بن عبد العزيز. (١١٥) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، عن ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، عن زيد بن رُفَيْعٍ الجَزَرِي، عن عُمرَ بنِ عبد العَزِيزِ قال: «مَنْ أَقَرَّ بِالعِلمِ فَقَدْ خُصِم» (١).

стр. 124

قال أبو سعيد ﵀: فتأويلُ قَولِهِم ومَذْهَبِهِم أنه كُلَّمَا حدث لله خَلْقٌ، حَدَثَ له علمٌ بِكَينُونَتِه، عِلْمٌ لم يَكُنْ عَلِمَهُ، ففي تأويلهم هذا، كان اللهُ ولا علم له -بزعمهم- حتى جاءَ الخَلْقُ فَأَفَادُوهُ عِلمًا، فكلما حَدَثَ خَلْقٌ حدث لله علمٌ -بزعمهم- فهو بما كان -بزعمهم- عَالِمٌ، وبما لم يكن غيرُ عالمٍ حتى يكون، فتعالى الله عما يصفون. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤] وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾ [الملك: ٢٦] وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال: ... ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢]. فَكَيفَ يَحْدُثُ للهِ عِلْمٌ بكينونةِ الخَلْقِ، وعلى عِلْمِهِ السابق فِيهِم خُلِقُوا، وبما كتب عليهم في أُمِّ الكتابِ يعملون لا يزيدون مثقالَ حبَّةٍ ولا ينقصون. قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣] وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤] وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣] وقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢] وقال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي

стр. 125

كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. وقال: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فهل كتب هذه الأشياء قبل كينونتها إلا للعلم بها قبل أن تكون. (١١٦) حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم المصري، أخبرنا الليثُ وهو ابن سعد، حدثني عبد الله بن حَيَّان قال: حدثني عبدُ الوهَّابِ بنُ بُخْتٍ أو ثَعْلَبَةٍ الخَثْعَمِيُّ، عن أبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ قال: «أيها الناس لا يَشْتَبِهُ عليكم بأن اللهَ عَلِمَ عِلْمًا وخَلَقَ خَلْقًا، فإن كان العِلْمُ قبل الخَلْقِ، فالخَلْقُ يَتْبَعُ العِلْمَ، وإن كان الخَلْقُ قَبْلَ العِلْمِ، فالعِلْمُ يَتْبَعُ الخَلْقَ» (١). (١١٧) قال ابنُ أبي مريم، وأخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن عبد الله بن حيان، عن عبد الوهاب بن بخت، عن أبي أمامة، مثله (٢). قال أبو سعيد: فَادَّعَتْ هذه العِصَابةُ أنَّ الخَلْقَ قبل العلم، والعلم يتبع الخلق، فَأَيُّ ضَلاَلٍ أَبْيَن من هذا، وقال رسول الله ﷺ : إن أَوَّلَ شيءٍ خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فقال له: اكتُبْ، فَكَتَبَ كُلَّ شيءٍ يكون. قال أبو سعيد ﵀: فلم يَدْر واللهِ القَلَمُ بما يجري، حَتَّى أجراه اللهُ بِعِلْمِهِ، وعَلَّمَهُ ما يَكْتُب مما يكون قبل أن يكون. وقال رسول الله ﷺ : كَتَبَ اللهُ مَقَاديرَ أهلِ السَّماواتِ والأرضِ قَبْلَ أن يَخْلُقَهُم بخمسينَ ألفَ سَنةِ، فهل كتب ذلك إلا بما علم؟! فما موضعُ كتابِ

стр. 126

هذا، إن لم يَكُن عَلِمَهُ في دعواهم، ثم الأحاديثُ عن رسول الله ﷺ فيما يشبه هذا، وعن أصحابه، جُمْلَةٌ كثيرة، أكثر من أن يحصيها كتابُنَا هذا، وسنأتي منها ببعض ما حضر إن شاء الله، مع أَنَّا نَعْلَمُ أنهم يُكَذِّبُونَ بأحاديث رسول الله ﷺ ، ولا يؤمنون بها، ولكن خَيْرٌ منهم وأطيب وأفضل وأعلم مِنَ النَّاسِ من يؤمنُ بها فَيَتَّقِيهِم. (١١٨) حدثنا نعيم بن حماد، وأحمد بن جَمِيل، أن ابن المبارك أخبرهم، أخبرنا رَبَاحُ بنُ زَيْدٍ، عن [عُمَرَ] (١) بنِ حَبِيبٍ، عن القاسِم بن أبِي بَزَّةَ، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباس ?، أنه كان يُحَدِّثُ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن أولَ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ القَلَمَ، فَأَمرهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيءٍ يَكُونُ» (٢). (١١٩) حدثنا عبد الله بن صالح المِصْرِي قال: حدثني الليث يعني ابن سعد، عن أبي هَانِئ حُمَيِد بنِ هَانئ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو? قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شيءٍ قَبْلَ أن يَخْلُقَ السماواتِ، والأرضَ بخمسينَ ألفَ سَنَةٍ» (٣). (١٢٠) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حدثنا بِشْرُ بن نُمَيْرٍ، عن القَاسِم، عن أبي أُمَامَةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 127

«خَلَقَ اللهُ الخلقَ، وقضى القَضِيَّة، وأخذ ميثاقَ النبيين، وعرشُهُ على الماء، فأخذ أهلَ اليمينِ بيمينه، وأَخذَ أهلَ الشِّمالِ بيده الأخرى، وكِلْتَا يدي الرحمن يمين، وقال: يا أصحاب اليمين! قالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم قال: يا أصحاب الشمال! قالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فَخَلَطَ بَعْضَهُم بِبَعضٍ، فقال قائل: ربِّ لم خَلَطت بيننا؟ قال: ﴿لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى قوله ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثُم رَدَّهُم في صُلْبِ آدمَ، قال: وقال رسول الله ﷺ : خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، وأهلُ الجنة أَهلُها، وأهلُ النَّارِ أَهْلُها، فقال قائل: يا نبي الله! ما الأعمال؟ قال أن يعملَ كُلُّ قَوْمٍ لمنزلتهم، فقال عُمَرُ إذًا نجتهد، قال: وسُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الأعمال، فقيل يا رسول الله! أرأيت الأعمال، أهو شيءٌ يُؤْتَنَفُ، أو فُرِغَ مِنْهَا؟ قال بل فُرِغَ منها» (١). (١٢١) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّاد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المَسْعُودِي، عن عَليِّ بنِ بَذِيمَةَ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْر، عن ابن عباس ?، في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: «خَلَقَ اللهُ آدمَ، فَأَخَذَ ميثَاقَهُ؛ أَنَّهُ ربُّهُ، وكَتَبَ أَجَلَه، ورِزْقَهُ، ومصائِبَهُ، وأَخْرِجَ ولدَهُ من ظَهْرِهِ كهيئة الذَّرِّ، فأخذ مَوَاثِيقَهُم، أَنَّهُ رَبُّهُم، وكَتَبَ آجَالهم وأرزاقهم ومصائبهم» (٢).

стр. 128

(١٢٢) حدثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، حدثنا سُفْيان، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن عبد الأَعْلَى، عن عَبْدِ اللهِ بنِ الحَارِثِ، قال: خَطَبَ عمرُ بنُ الخطاب ﵁ قال: «إن الله خَلَقَ أهلَ الجنَّةِ، وما هم عَامِلُون، وخَلَقَ أهلَ النَّارِ وما هم عَامِلُونَ، فقال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه» (١). (١٢٣) حدثنا عَمرُو بنُ عَوْن الوَاسِطِيُّ، أخبرنا أبو عَوَانَةَ، عن أبِي بَشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْر، عن ابن عباس ?، أن النبي ﷺ سُئِلَ عن أطفال المشركين؟ فقال: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، إِذْ خَلَقَهُم» (٢). (١٢٤) حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن أَيُّوبَ، عن الزُّهْري، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، مثله (٣). (١٢٥) حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالد وهو الحذاء، عن عبد الله بن شَقِيقٍ، عن [ابن] أبي الجَدْعَاء، قال: قال رجل: يا رسول الله! مَتَى

стр. 129

كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قال: «وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» (١). (١٢٦) قرأت على أبي اليَمَان، أَنَّ أبا بكر بن أبي مريم الغَسَّانِي حدثه، عن سعيد بن سُوَيْدٍ، عن عِرْبَاض بن سَارِيَة السُّلَمِي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنِّي عند اللهِ في أُمِّ الكِتَابِ، لخاتَمَ النَّبِيِّينَ، وإِنَّ آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ» (٢).

стр. 130

(١٢٧) حدثنا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، حدثنا ابْنُ المُبَارَكِ، أخبرنا حَيْوَةُ بنُ شَرَيْحٍ، قال: أخبرني أبو هَانِئ الخَوْلانِيُّ، أنه سمع أبا عبدَ الرَّحمَنِ الحُبُلِّي يقول: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بن العاص يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «قَدَّرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ» (١). (١٢٨) حدثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ المِصْرِيُّ قال: أخبرني الليثُ بنُ سَعْدٍ قال: حدثنِي أبو قَبِيلٍ، عن شُفَيِّ بنِ مَاتِعٍ الأَصْبَحِي، عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: «أَتَدْرُونَ ما هذان الكِتَابان؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال للأيمن منهما؛ هذا كتابٌ مِنْ ربِّ العالمينَ بأسماء أهلِ الجنةِ، وأسماءِ آبائهم وقَبَائِلِهم، أجمل على آخرهم فلا يُزَادُ فيهم، ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا، وقال للذي في يده اليُسْرى؛

стр. 131

وهذا كتابٌ بأسماء أهلِ النَّارِ، وأسماءِ آبائِهِم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا يُنقص منهم أبدًا، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فَلأيِّ شيءٍ يُعْمَل إن كان هذا الأَمرُ قد فُرِغ منه، فقال رسول الله ﷺ : سَدِّدُوا وقاربوا فإن أصحاب (١) الجنةِ يُخْتَمُ له بعمل أهل الجنة، وإِنْ عَمِلَ أَيَّمَا عمل، وإن أصحاب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أيما عمل، ثم قَبَضَ يَدَيْهِ وقال: فَرَغَ رَبُّكُم من العباد، ثم قال بيده اليُمْنَى، فَنَبَذَ بها فقال، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ [الشورى: ٧]، ونَبَذَ بالأخرى وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾» (٢). قال أبو سعيد: فهؤلاء قد كَتَبَهُم الله بأسمائهم التي كان في علمه أن يسميهم بها آبَاؤُهُم وأُمَّهَاتُهُم، قبل أن يخلقهم، فما قَدَرَ الآباءُ لتلك الأسماءِ تَبديلاً، ولا استطاع إِبليسُ لمَنْ هَدَى اللهُ منهم تَضْلَيلاً. وسئُلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن أطفال المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، فَردَّ أَمْرَهُم إلى سابقِ عِلْمِ اللهِ فِيهِم قبل أن يُخْلَقُوا، وقبل أن يَعملوا. وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].

стр. 132

وقال رسول الله ﷺ : «يُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَي المَوْلُودِ ما هو لاقٍ قَبْلَ أن يُولَد، حَتَّى النَّكْبَةَ يُنْكَبُها». (١٢٩) حدثنا أحمد بن صالح المصري، حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرني يُونُس، عن ابن شِهَابٍ، أن عبد الرحمن بن هُنَيْدَةَ حَدَّثَهُ، أن عبدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أرادَ اللهُ أن يَخْلُقَ النَّسَمَةَ قال مَلَكُ الأرحامِ مُعْرِضًا: يا رب! أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللهُ أَمْرَهُ، ثم يقول يا رب! شَقِيٌّ أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يُكْتَبُ بين عينيه ما هو لاقٍ، حَتَّى النَّكْبةَ يُنْكَبُهَا» (١). (١٣٠) حدثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ (٢)، أخبرنا سُفْيانُ الثَّوْريُّ، عَن الأَعْمَشِ، حدثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قال: حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ ﵁ قال: حَدثنا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «إن أَحَدَكُم يُجْمَعُ (٣) في بَطنِ أمِّهِ أربعينَ ليلةً، ثم يكونُ عَلَقَةً مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَةً مثل ذلك، ثم يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤمَرُ بأربعِ كَلِمَاتٍ فيقول: اكتُبْ

стр. 133

عَمَلَهُ وأَجَلَهُ ورِزْقَهُ وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، فإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتَّى ما يكون بينه وبين الجنةِ إلا ذِرَاعٌ؛ فَيَغْلِبُ عليه الكِتَابُ الذي سَبَقَ، فَيُخْتَمُ بِعَمَلِ أهلِ النَّارِ؛ فَيَدْخُلَ النَّارَ، وإن الرجلَ ليعمل بعمل أهل النَّار، حتَّى ما يكون بينه وبين النَّارِ إلا ذِرَاعٌ؛ فَيَغْلِبُ عليه الكِتَابُ الذي سَبَقَ، فَيُخْتَمُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ؛ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ» (١). (١٣١) حدثناه أبو عمر الحَوْضِي، حدثنا شَعْبَةُ، عن سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: ذكر نحوه، قال: «فَيُكْتَبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ، وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، ثم يُنْفَخُ فيه الرُّوحَ» (٢). (١٣٢) حدثنا عثمان بن أبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن منصور، عن سعد بن عُبَيدةَ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي، عن عَليٍّ ﵁ قال: كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، قال: فأتانا رسول الله ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا معه، ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخصَرَتِهِ، ثم قال: «ما مِنْكُم مِنْ أحدٍ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَد كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجنة أو النار، وإلا قد كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أو سَعِيدَةٌ، قال: فقال رجلٌ: يا رسول الله! أفلا نَتَّكِلُ على كِتَابِ رَبِّنَا، ونَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كان مِنَّا من أهل السَّعادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهلِ السَّعادَةِ، ومن كان من أهل الشَّقَاوةِ، فسيصيرُ إلى عمل أهل الشقاوة،

стр. 134

قال: اعملوا، أما أهلُ السَّعادةِ، فَيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ السَّعادةِ، وأما أهلُ الشَّقَاوةِ فَيُيَسَّرُونَ لعملِ الشَّقَاوَةِ، ثم قرأ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إلى قوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾» (١). (١٣٣) حدثنا نُعَيم بنُ حمَّاد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا شُعْبَةُ بنُ الحجَّاج قال: أخبرني عَاصِمُ بنُ عبيد الله قال: سمعتُ سالمَ بن عبد الله قال: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ عمرَ بنَ الخطاب ﵁ يقول: «سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ فقلتُ: أرأيتَ ما يُعمَلُ، أَفِي أَمرٍ قد فُرِغَ منه، أَمْ أَمْر مُبْتَدَع أو مُبْتَدَأ؟ فقال: فيما قد فُرِغَ منه، فقال عمر: أفلا نَتَّكِلُ؟ فقال: اعْمَلْ يَا ابنَ الخَطَّاب؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أَمَّا مَنْ كان أهلُ (٢) السَّعَادَةِ؛ فهو يَعملُ للسعادة، وأَمَّا من كان مِنْ أَهْلِ الشَّقاءِ؛ فهو يَعْمَلُ للشَّقاءِ» (٣). قال أبو سعيد ﵀: ومَن فَرَغَ مِنْهُ إِلا مَنْ قد عَلِمَهُ قَبْلَ أن يكون؟ ومَنْ يَسَّرَهُم لما خَلَقَهُم له، إلا من قد عَلِمَ ما هم عاملونَ قَبْلَ أن يخلقهم؟

стр. 135

فَسُبحانَ من لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أن يكونَ كذلك غَيْرُهُ، وتعالَى عُلُوًا كبيرًا. فَيُقَالُ لمن ردَّ ما ذكرنا من كتاب الله، وهذه الأخبار، ولم يُقِر لله بِعِلْمٍ سابق: أرأيت الله يعلمُ أن الساعةَ آتيةٌ؟ فإن قال: لا؛ فقد فار (١) قوله وكَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ على نبيه ﷺ وكَذَّبَ بِالبَعْثِ، وأخبرك أَنَّهُ نَفْسُهُ لا يُؤمنُ بقيامِ السَّاعَةِ. وإن قال يَعْلَمُ اللهُ أنَّ الساعةَ آتيةٌ؛ فقد أَقَرَّ بِكُلِّ العلم، شاء أو أَبَى، ويقال له أيضًا: أَعَلِمَ اللهُ قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ أنه خالقهم؟ فإن قال لا؛ فقد كفر بالله العظيم، وإن قال بلى؛ فقد أَقَرَّ بالعِلْمِ السَّابِقِ، وانْتَقَضَ عليه مذهبه في رَدِّ عِلْمِ اللهِ، وهو منتقض عليه -على زعمه-. * * *

стр. 136

بَابُ الإِيمَانِ بِكَلاَمِ اللهِ ﵎ قال أبو سعيد: فالله المُتَكَلِّمُ أَوْلاً وآَخِرًا، لم يَزَلْ لَهُ الكَلامُ إِذْ لا مُتَكَلِّمٌ غَيْرُهُ، ولا يَزَالُ له الكَلاَمُ إِذْ لاَ يَبْقَى مُتَكَلِّمٌ غَيْرُهُ. فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] أنا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأرضِ؟ فلا يُنكِرُ كلامَ اللهِ إلا مَنْ يُرِيدُ إِبْطَالَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وكيف يعجز عن الكلام من عَلَّمَ العِبَادَ الكَلامَ، وأَنْطَقَ الأَنَام؟! قال الله في كتابه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] فهذا لا يحتمل تأويلا غير نفس الكلام، وقال لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥]. وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]. وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]. وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات: ١٧١]، ... وقال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. قال عُبَيدُ بنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ في تفسيرها قال: قال آدم لربه وذكر خطيئته: رَبِّ أَشَيءٌ كَتَبْتَهُ عليَّ قَبْلَ أن تخلُقَنِي، أَمْ شيءٌ ابْتَدَعْتُهُ؟ فقال: بل شيءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ، قال: فكما كَتَبْتَهُ عليَّ، فَاغْفِرْهُ لي، قال: فَهَؤُلاءِ الكَلِمات التِي قال الله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].

стр. 137

(١٣٤) حدثناه محمدُ بنُ كَثِير، أخبرنا سُفْيَانُ يعني الثَّوْرِي، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ قال: حدثني مَنْ سمع عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يقوله (١). قال أبو سعيد: فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عن آدم؟ فقال: كان نبيًا مُكَلَّمًا (٢). وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] وقال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل، فقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩]، وقال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ [الأعراف: ١٤٨]. قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا؛ تحقيقُ كلامِ الله وتثبيته نصًّا بِلا تأويلٍ، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام؛ بيانٌ بَيِّنٌ أن الله غير عاجزٍ عنه، وأنه مُتَكَلِّمٌ وقَائِلٌ؛ لأنه لم يكن يَعِيبُ العِجْلَ بشيءٍ هو موجود به. وقال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٣] الآية إلى قوله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٦٧]، فلم يعب إبراهيمُ أَصْنَامَهُم، وآلهَتَهُم التِي يَعْبُدُونَ بِالعَجْزِ عن الكلام، إِلاَّ وأَنَّ إِلَهَهُ مُتَكَلِّمٌ قَائِلٌ.

стр. 138

ففيما ذكرنا من ذلك بيانٌ بَيِّنٌ لمن آمن بكتاب الله، وصَدَّقَ بما أَنْزَلَ الله، وقال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. وصَدَقَ، وبَلَّغَ رسولُ اللهِ ﷺ ، لو جُمِعَ مِيَاهُ بُحُورِ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، وعُيُونِها، وقُطِّعَتْ أَشْجَارُهَا أَقْلامًا، لَنَفِدَتْ المياهُ وانْكَسَرَتِ الأَقْلامُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ اللهِ؛ لأن المِيَاهَ والأَشْجَارَ مَخْلُوقَةٌ، وقد كَتَبَ اللهُ عَلَيْهَا الفَنَاءَ عند [انتهاءِ] (١) مُدَّتِهَا. واللهُ حيٌّ لا يموت، ولا يفنَى كلامُهُ، ولا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا بعد الخَلْقِ كما لم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا قَبْلَهُم، فلا يُنْفِدُ المَخْلُوقُ الفَانِي كَلامَ الخَالِقِ البَاقِي الذي لا انقطاع له في الدنيا والآخرة. ولو كان على ما يذهب إليه هؤلاء الجهمية، أنه كلامٌ مخلوقٌ أُضِيفَ إلى الله، وأن الله لم يَتَكَلَّمْ بِشَيءٍ قَط، ولا يتكلم بشيء قط، ولا يتكلم، لَنَفِدَ كُلُّ مخلوقٍ من الكلام قبل أن يَنفدَ ماءُ بحرٍ واحدٍ مِنَ البُحُورِ؛ لأنه لو جُمِعَ كَلاَمُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِم من الجنِّ والإِنْسِ والملائكةِ والطَّيرِ والبَهَائِمِ كُلِّهَا، وجَمِيعُ أَعْمَالِهِم، لِكَتْبٍ بماءِ بحرٍ واحدٍ من البحور، لكُتِب كلُّ ذلك ونِفدَ (٢) قبل أن يَنْفَدَ ماءُ بحرٍ واحِدٍ، ولا عُشْرُ عُشْرِ بَحْرٍ واحدٍ، ولكِنَّهُ كلامٌ لا انقطاع له، فلا يَنْفَدُ ما يَفْنَى (٣)، ويَنْقَطِعُ مَا يَبْقَى!

стр. 139

ثم الأحاديثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِهِ والتَّابِعينَ فَمَنْ بَعْدَهُم جَمَّةٌ كثيرةٌ مُتَظَاهِرَةٌ بتحقيقِ كلامِ الله وتثبيته، وسنأتي منها ببعض ما حَضَرَ إن شاء الله. (١٣٥) حدثنا محمد بن كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، أخبرنا إِسْرِائِيلُ، عن عُثمانَ بن المُغِيرَةِ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابر بن عبد الله ? قال: كان رسول الله ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ على النَّاسِ بِالمَوقِفِ فيقول: «ألا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَومِهِ، فإنَّ قُرَيْشًا قد مَنعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلِماتِ ربِّي» (١). (١٣٦) حدثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ الكوفيُّ، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني (٢) عن عمرو بن قَيْسٍ، عن عَطِيَّةَ، عن أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ القُرآنِ عن ذِكْرِي ومَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلينَ، وفَضْلُ كلامِ اللهِ على سَائِرِ الكَلاَمِ، كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ» (٣).

стр. 140

(١٣٧) حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أَشْعَثَ الحُدَّانِيِّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ؛ أن رسول الله ﷺ قال: «إَنَّ فَضْلَ كَلاَمِ اللهِ على سَائِرِ الكلامِ، كفضلِ اللهِ على سَائِرِ خَلْقِهِ» (١). (١٣٨) حدثناه عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ البصريُّ، حدثنا مُعَلَّى بن أسد، حدثنا محمد بن سَوَاءٍ، حدثنا سعيد بن أبِي عَرُوبَةَ، عن أَشْعَثَ الحُدَّانِيِّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «فَضْلُ القُرآنِ على سَائِرِ الكلامِ، كَفَضْلِ الرَّحْمَنِ على سَائِرِ خَلْقِهِ» (٢).

стр. 141

(١٣٩) حدثنا عليُّ بن المَدِينِي، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بَشِير بن الفَاكِه الأنصاري ثم السُّلَمِي قال: سمعتُ طَلْحَةَ بِن خِرَاش بن الصِّمَّة الأنصاري ثم السُّلمي يقول: سمعتُ جَابِرَ بن عبد الله يقول، نظر إِلَيَّ رسولُ الله ﷺ فقال: «يا جابر! مالي أراك مُهتَمًّا؟ قال قلت: يا رسول الله اسْتُشْهِدَ أَبِي، وتَركَ دَيْنًا عليه، وعِيَالاً، فقال: ألا أُخْبِرُكَ، ما كَلَّمَ اللهُ أحدًا قَط إلا مِنْ وراءِ حِجَاب، وكَلَّمَ [أَبَاكَ] (١) كِفَاحًا، فقال: يا عَبْدِ! تَمَنَّ عليَّ أُعْطِك، قال: يا رب تُحْيِني فَأُقْتَلْ فِيكَ الثانية، فقال الرب ﵎: إنه سَبَقَ مِنِّي أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ مَنْ ورائي. قال: فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] حتى أنفذ الآية» (٢). (١٤٠) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ يعني ابن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَقِيَ آدمُ مُوسَى، فقال مُوسَى: أنت آدمُ الذي خَلَقَكَ اللهُ بيدِهِ ونَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، وأَسْجَدَ لك مَلائِكَتَهُ، ثم فَعَلْتَ ما فعلت،

стр. 142

فَأَخْرَجْتَ ذُرِّيَتَكَ من الجنة، فقال آدمُ يا موسى! أنت موسى الذي اصطفاكَ اللهُ برسالاته، وكَلَّمَكَ وقَرَّبَكَ نَجِيًّا وآتاك التوراةَ، فَبِكَمْ تجده كَتَبَ عليَّ العَمَلَ الذي عَمِلْتُ قبل أن يَخْلُقَنِي؟ قال: بأربعين سنة، قال: فبم تَلُومُنِي يا موسى؟! قال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (١). (١٤١) حدثناه أبو سَلَمَةَ، حدثنا حَمَّادٌ، عن عَمَّار بن أبي عمار قال: سمعتُ أبا هريرةَ ﵁ يحدث عن النبي ﷺ ، وحُمَيْد، عن الحسنِ، عن جُنْدُبٍ عن النبي ﷺ قال: «لَقِيَ آدمُ موسى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ إلا أنه (٢):وكَلَّمَكَ، وآتَاكَ التَّوراةَ وقَرَّبَكَ نَجِيًّا، قال: نعم، قال: فأنا أقدمُ أَمِ الذِّكر؟ قال: الذِّكْرُ. قال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدمُ موسى، ثلاثًا» (٣)

стр. 143

(١٤٢) حدثناه أبو سَلَمةَ، حدثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، حدثنا أبو هَارُونَ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وزاد فيه: «أَنْ يَا مُوسَى أَرَأَيْتَ مَا عَلِمَ اللهُ أَنَّه سَيكُون، بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُون؟» (١). (١٤٣) حدثناه عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرِيرٌ، عن الأعمش، عن أبي صَالِحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 144

«احْتَجَّ آدمُ ومُوسى ﵇، فقال مُوسَى: يا آدمُ أنتَ الذي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فيكَ من رُوحِهِ، فقال له قَولًا كَبيرًا لا أحفظه، أَغْوَيْتَ النَّاسَ، وأَخْرَجْتَهُم مِنَ الجنةِ، فقال آدمُ: يا موسى أنتَ الذي اصطفاكَ اللهُ برسالاتِهِ، وكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا، تَلُومُنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلاً قد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأرضَ، قال: فقال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدمُ مُوسَى» (١). (١٤٤) حدثنا الأَصْبغُ بنُ الفَرَجِ المصري قال: أخبرني ابنُ وَهْبٍ، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ موسى قال: يا رب! أَرِنَا آدمَ الذي أخْرَجَنا ونَفْسَهُ من الجنةِ، فأراه اللهُ آدمَ فقال: أنتَ أَبُونا آدم؟ فقال: نعم. قال: الذي نَفَخَ فِيكَ مِنْ روحه، وعَلَّمَكَ الأسماءَ كُلَّها، وأمر الملائكة، فسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا من الجنةِ ونَفْسَك؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال أنت نَبِيُّ بَنِي إِسرائِيل؟ قال: نعم. قال: وأنت الذي كلَّمَكَ الله من وراء الحجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت في كتاب الله أن ذلك كان في كتابٍ قَبْلَ أن أُخْلَقَ؟ قال: بلى. قال فبم تَلُومُنِي؟ على شيءٍ سَبَقَ -من الله القضاء فيه قَبْلُ (٢)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ عند ذلك: فَحَجَّ آدمُ موسى، صَلواتُ اللهِ عَلَيْهِما» (٣).

стр. 145

(١٤٥) حدثنا إِسْحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، أخبرنا أبو نَعَامَةَ العَدَوِيُّ، حدثنا أبو هُنَيْدَةَ البَرَاءُ بنُ نَوْفَلٍ، عن وَالاَن العدوي، عن حُذَيْفَةَ، عن أبي بكر الصديق ﵁، في حديث الشفاعة قال: قال رسول الله ﷺ : «فَيَأْتُونَ إِبرَاهِيمَ، فيقول: ليس ذَلِكُم عندي، فانْطَلِقُوا إلى موسى؛ فَإِنَّ اللهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فيقول موسى: ليس ذَلِكُم عِنْدِي» (١). (١٤٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الغَفَّارِ بنُ دَاوُدَ الحَرَّانِيُّ أبو صالح، حدثنا ابنُ لَهِيْعَةَ، حدثنا الحَارِثُ بنُ يَزِيدَ، عنْ عَلِيِّ بنِ رَبَاحٍ، عن رَجُلٍ سمع عُبَادَةَ بنَ الصَّامِت يقول: إن النَّبِي ﷺ خَرَجَ فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أتانِي فقال: أُخْرُجْ فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللهِ التِي أَنْعَمَ بها عَلَيْكَ، فَبَشَّرَنِي بَعَشْرٍ لم يُؤْتَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي؛ بَعَثَنِي إلى النَّاسِ جميعًا، وأَمَرنِي أن أُنْذِرَ الجِنَّ، ولَقَّانِي كَلاَمَهُ وأنا أُمِّيٌّ، قد أُوتِي داودُ الزَّبُورَ، وموسى الأَلْوَاحَ، وعيسى الإنجيلَ» (٢). (١٤٧) حدثنا عبدُ اللهِ بن صَالِحٍ المِصْرِيُّ، أن مُعَاوِيَةَ بن صالح حدَّثَهُ،
следующие страницы →