← Акыда

Акыда · id 18091

نقض الدارمي على المريسي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (354 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَيُكِذِّبَ دَعْوَاهُ. (١٠٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عام وَبَيْنَ كُلِّ سَمَائَيْن مَسِيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ، وَالله فَوْقَ العَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» (١). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ ابْن مَسْعُود كَيفَ مَيَّزَ بَيْنَ العَرْشِ وَالكُرْسِيِّ، وَبَيْنَ السَّمَاوَاتِ فَمَا دُونَهَا الَّتِي هِيَ أَعْلَى الخَلَائِقِ فِي دَعْوَاكَ وَسَمَّيْتَهَا عَرْشًا دُونَ عَرْشِ الرَّحْمَن الذي هُوَ العَرْشُ عَلَى أَلْسُنِ العَالَمِينَ. (١٠٦) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ -وَهُوَ المُكْتِبُ-، ثَنَا مُجَاهِدٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ [٢٩/ظ] بْنُ عُمَرَ: «خَلَقَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاء بِيَدِهِ: العَرْشَ، وَالقَلَمَ، وَعَدْن، وَآدَمَ، ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الخَلْقِ كُنْ فَكَانَ» (٢). تَكْذِيبًا لِمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِذْ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ خُصُوصًا ثُمَّ قَالَ لِمَا هُوَ أَعْلَى الخَلَائِقِ عِنْدَكَ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، فإِذَا كَانَ العَرْشُ فِي دَعْوَاكَ ودعوى إِمَامِكَ: السَّمَاوَاتِ، فَمَا بَالُ حَمَلَةِ العَرْشِ وَمَا يُصْنَعُ بِهِمْ فِي رَفْعِ السَّمَاوَاتِ، وَقَدْ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢]. فَفِي مَعْرِفَةِ النَّاسِ لِحَمَلَةِ العَرْشِ، واسْتِفَاضَتِهِ فِيهِم وعَلَى أَلْسِنَتِهِم تَكْذِيبُ دَعْوَاكَ، وَدَعْوَى صَاحِبِكَ، ثُمَّ مَا رُوِيَ فِيهِمْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ سَنَذْكُرُ مِنْهَا بَعْضَ مَا حَضَرَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 177

(١٠٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا الوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِب ﵁ قَالَ: كُنْتُ بِالبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ السَّمَاوَاتِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ قَالَ: «وَفَوْقَ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ مَا بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَلَى ظُهُورهمْ العَرْش، أَسْفَله، وَأَعلاهُ ما بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اللهُ فَوقَ ذَلِك» (١). (١٠٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ الزُّبَيْر أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الله الفِهْرِيِّ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نُورُ السَّمَاوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ، وَإِنَّ مِقْدَارَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ عِنْدَهُ؛ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ بِالأَمْسِ أَوَّلَ النَّهَارِ، اليَوْمَ، فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، فَيَطَّلِعُ فِيهَا عَلَى مَا يَكْرَهُ، فَيُغْضِبَهُ ذَلِكَ، فَأَوَّلُ مَنْ يَعْلَمُ بِغَضَبِهِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، يَجِدُونَهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، فَيُسَبِّحُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وَسُرَادِقَاتُ العَرْشِ وَالمَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَسَائِرُ المَلَائِكَةِ» (٢).

стр. 178

(١٠٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بن زيد، عَن يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لِحَمَلَةِ العَرْشِ قُرُونٌ لَهَا كُعُوبٌ كَكُعُوبِ القَنَا، مابَيْنَ أَخْمَصِ أَحَدِهِمْ إِلَى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ كَعْبِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ مسيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ رُكْبَتِهِ إِلَى أَرْنَبَتِهِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ أَرْنَبَتِهِ إِلَى تُرْقُوَتِهِ مَسيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ تُرْقُوَتِهِ إِلَى مَوْضِعِ القُرْطِ خَمْسمِائَة عَام» (١). (١١٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «حَمَلَةُ العَرْشِ؛ مِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الإِنْسَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ النِّسْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الأَسَدِ» (٢).

стр. 179

(١١١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولي، [٣٠/و] [ثنا إسرائيل] (١) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالعَرْشُ عَلَى مِنْكَبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ أَنْتَ، أَوْ حَيْثُ تَكُونُ» (٢). (١١٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الله الرَّقِّيُّ أَبُو الحَسَنِ السُّكَّريُّ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]. قَالَ: «ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى صُورَةِ الأَوْعَالِ» (٣). (١١٣) حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى البَغْدَادِيُّ، ثَنَا الهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّان بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: «حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، أَقْدَامُهُمْ فِي الأَرْض وَرُؤُوسُهُم قَدْ جَاوَزَتِ السَّمَاءَ، وَقُرُونُهُمْ مِثْلُ طُولِهِم عَلَيْهَا العَرْش» (٤).

стр. 180

(١١٤) حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الحَرَّانِيُّ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فَقَالَ: «إِنَّ الله رَفَعَنِي يَوْمَ القِيَامَةِ فِي أَعلَى غُرْفَةٍ من جَنَّاتِ النَّعِيمِ، لَيْسَ فَوْقِي إِلَّا حَمَلَةُ العَرْشِ» (١). وَفِي العَرْشِ وَحَمَلَةِ العَرْشِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ اخْتَصَرْنَا مِنْهَا هَذِهِ الأَحَادِيثَ، لِيَعْلَمَ مَنْ نَظَرَ فِيهَا مُخَالَفَتَكُم رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَالتَّابِعِينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُؤْمِنْ بِهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَقَدْ آمَنَ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ وَأَطْيَبُ. وَاعْلَمُوا يَقِينًا أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ أَلْزَمُ لَهُمْ وَأَصَحُّ عِنْدَ الله مِمَّا يَرْوِي المَرِيسِيُّ وَابْنُ الثَّلْجِيِّ، مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَتُرَّهَاتِهِمُ الَّتِي لَا تَنْقَاسُ فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ من لُغَات العَرَب والعَجَمِ. * * *

стр. 181

وَادَّعَيْتَ أَيْضًا عَلَى قَوْمٍ أَعْلَمَ بِالله وَبِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنْكَ وَمِنْ أَصْحَابِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عِلْمُ الله غَيْرُهُ، وَالعِلْمُ بِمَعْزِلٍ مِنْهُ، العَالِمُ فِي السَّمَاء وَالعِلْم فِي الأرض مِنْهُ بِمَعْزِلٍ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ البَاهِتِ: مِثْلُ هَذَا لَا يَتَفَوَّهُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَهُ عَلَى مَعْنًى لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ أَمْثَالُكَ, يَقُولُونَ: العَالِمُ بِكَمَالِهِ وَبِجَمِيع عِلْمِهِ فَوقَ عَرْشه، وَعِلْمُهُ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ الَّذِي فِي نَفْسِهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، عَلَى بُعْدِ مَسَافَةِ مَا بَيْنَهُنَّ, فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِلْمَهُ فِي الأَرْضِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، لَا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الزُّورِ، أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِلْمَ الله مَنْزُوعٌ مِنْهُ مُجَسَّمٌ فِي الأَرْضِ، إِذًا هُمْ فِي الجَهْلِ وَالضَّلَالِ مِثْلُكَ وَمِثْلُ أَئِمَّتِكَ المَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ. وَادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ الله مِنْ صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ وَالكَلَامُ هُوَ الفِعْلُ بِزَعْمِكَ، وَزَعْمِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مِنَ الذَّاتِ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: أَمَّا مَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ مِنْ ذَلِكَ فَسَنُبَيِّنُهُ لَكَ، وَإِنْ جَهِلْتَ، غَيْرَ أَنَّكَ تَرَدَّدْتَ وَرَاوَغْتَ وَوَالَسْتَ وَدَالَسْتَ، تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، كَيْفَ تُصَرِّحُ بِالقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؟ فَلَمْ تَزَلْ عَنْكَ وَدُونَكَ تَلَجْلَجُ بِهَا فِي صَدْرِكَ، حَتَّى صَرَختَ [٣٠/ظ] بِهَا فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِعْلٌ، وَالفِعْلُ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ وَلَا شَكَّ فِيهِ. وَأَمَّا دَعْوَاكَ عَلَيْنَا أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ الله مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِنَّا نَقُولُ عَلَانِيَةً غَيْرَ سِرٍّ، وَهُوَ الحَقُّ المُبِينُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مَخْلُوقًا، وَكُلُّ كَلَامٍ صِفَةُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ بِهِ، خَالِقٍ أَوْ مَخْلُوقٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ بِهِ مِنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ سَائِرُ الصِّفَاتِ، مِنَ اليَدِ وَالوَجْهِ وَالنَّفْسِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الصِّفَاتِ

стр. 182

الَّتِي إِذَا بَانَتْ مِنَ المَوْصُوفِ وَاسْتَبَانَ مَكَانُهَا مِنْهُ؛ قَامَ البَائِنُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّكَ تَرَى المُتَكَلِّمَ مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ نَهَارَهُ أَجْمَعَ، وَكَلَامُهُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَصْفًا لَا يَنْقُصُ مِنْ كَلَامِهِ شَيْءٌ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ، كَأَنَّهُ مَتَى شَاءَ عَادَ فِي مِثْلِهِ مِنَ الكَلَامِ، وَلَا الكَلَامُ يَقُومُ بِعَيْنِهِ جِسْمًا يُرَى وَيُنْظَرُ إِلَيْهِ دُونَهُ وَيَنْشُرُ كَلامَهُ فِي الآفَاقِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، فَيُنْسَبُ إِلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، كَمَا يُنْسَبُ اليَوْمَ أَشْعَارُ الشُّعَرَاءِ فَيُقَالُ: شِعْرُ لَبِيدٍ، والأَعْشَى، وَلَوْ قَطَعْتَ يَدَهُ لَاسْتَبَانَ مَوْضِعُ قَطْعِهِ مِنْهُ واسْتِبِانَ المَقْطُوعُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الكَلَامَ لَهُ حَالٌ خِلَافُ حَالِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الأُخَرِ، لَا يُقَاسُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُشَكُّ فِيهَا أَنَّهَا صِفَةُ المُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ خَرَجَ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: كَلَامُ اللهِ فِعْلُهُ، فَقَدْ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَادَّعَيْتَ أَنَّ أَفَاعِيلَ اللهِ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، وَالكَلَامُ أَحَدُ أَفَاعِيلِهِ عِنْدَكَ، فَقُلْتَ فِيهِ قَوْلًا أَفْحَشَ مِمَّا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ. زَعَمَ المريسيُّ أَنَّهُ مَجْعُولٌ، وكُلُّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتَ أَنْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مَفْعُولٌ، وَأَنْتُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِنْكُمَا الألفَاظُ فَإِنَّ المَعْنَى فِيهِ مِنْكُمَا مُتَّفِقٌ، كَمَا اتَّفَقَ القَوْلُ مِنْ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المُشْرِكِ المَخْزُومِيِّ أَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، وَكَذَا الَّذِي قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، فَزَعَمَ إِمَامُكَ أَنَّهُ مَجْعُولٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ فَاتَّفَقَتِ المَعَانِي، وَاخْتَلَفَتِ الألفَاظُ مِنْكُمَا جَمِيعًا وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الجَهْلِ مِنْ مُرَادِكُمْ فِي شكّ؛ إِن أَهْلَ العِلْمِ مِنْكُمْ لَعَلَى يَقِينٍ. فَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللهِ لِمَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ أَنْ صَرَّحْتَ بِالمَخْلُوقِ بَعْدَ تَسَتُّرٍ وَانْقِبَاضٍ مِنْهُ، مَخَافَةَ الفَضِيحَةِ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِهَا، فَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَذْهَبِكَ لِيَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ زَلَّاتِكَ، ويجتنبوا أَخَوَاتِهَا مِنْ سَقَطَاتِكَ، ثُمَّ صَرَّحْتَ بِهَا

стр. 183

ثَانِيَةً فِي آخِرِ كِتَابِكَ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ جَاءَ بِالكُفْرِ عَيَانًا. أَو لم تَزْعُمْ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا: أَنَّ مَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِرٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَافِر عِنْدَكَ، إِنَّ الَّذِي يَقُولُ: مَخْلُوق مُؤْمِنٌ مُوَفَّقٌ، مُصِيبٌ في دَعْوَاكَ فَلِمَ تَنْسبُهُ إلى البِدْعَةِ، وهو في دَعْوَاكَ مُوَفَّقٌ مُصِيبٌ، وَلَكِنَّكَ مَوَّهْتَ بِالأَوَّلِ؛ لِئَلَّا يَفْطِنَ الجُهَّالُ مِنْكَ الأُخْرَى، وَقَدْ صَرَّحْتَ وَأَوْضَحْتَ وَأَفْصَحْتَ بِهِ حَتَّى لَمْ تَدَعْ لِمُتَأَوِّلٍ عَلَيْكَ مَوْضِعَ شُبْهَة. * * *

стр. 184

وَصَرَّحْتَ أَيْضًا بِمَذْهَبٍ كَبِيرٍ فَاحِشٍ مِنْ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ فَقُلْتَ: إِذَا قَالُوا لَنَا: أَيْنَ الله؟ فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِالأَيْنِيَّةِ بِحُلُولِ المَكَانِ، إِذا قِيلَ: أَيْنَ هُوَ؟ قِيلَ: عَلَى العَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ. فَيُقَالُ لَكَ، [٣١/و] أَيُّهَا المُعَارِضُ: مَا أَبْقَيْتَ غَايَةً فِي نَفْي اسْتِوَاءِ اللهِ عَلَى العَرْشِ وَاسْتِوَائِهِ إِلَى السَّمَاءِ، إِذْ قُلْتَ: لَا نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى العَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ بِالأَيْنِيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ الله، وَيَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ فِي الأَرْضِ، وَمَنْ قَصَدَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ فِي الأَرْضِ كَانَ كَعَابِدِ وَثَنٍ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى العَرْشِ، وَالأَوْثَانُ فِي الأَرْضِ، كَمَا قَالَ لِجِبْرِيلَ ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ٢٠ - ٢١]، فَفِي قَوْلِهِ «ثَمَّ» دَلِيلٌ عَلَى البَيْنُونَةِ وَالحَدِّ بِقَوْلِهِ: «ثَمَّ» لَا هَاهُنَا فِي الكُنفِ وَالمَرَاحِيضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ. وَإِنْ أَبَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنْ تُؤَيِّنَ اللهَ تَعَالَى وَتُقِرَّ بِهِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، دُونَ مَا سِوَاهُ، فَلَا ضَيْرَ عَلَى مَنْ أَيَّنَهُ؛ إِذْ رَسُولُهُ وَنَبِيُّهُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ أَيَّنَهُ فَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: «أَيْنَ الله؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». وَكَذَلِكَ أَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ. (١١٥) حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ قَالَ: اللهمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْض وَاحِد أَعْبُدُكَ» (١).

стр. 185

(١١٦) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ العَطَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للْأمة السَّوْدَاء: «أَيْن اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (١). فَمَا نَصْنَعُ بِقَوْلِكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ وَقَوْلِ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ يُنْبَذَ فِي الحُشِّ. وَالقُرْآنُ يُصَدِّقُ مَا قَالَا، وَيُحَقِّقُهُ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، إِذْ يَقُولُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وَ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٣ - ٤]، و ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،و ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ القُرْآنِ.

стр. 186

وَزَعَمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّكَ لَا تَصِفُ اللهَ بِحُلُولٍ فِي الأَمَاكِنِ، فَلَوْ شَعرْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، أَنَّكَ وَصَفْتَهُ بِأَقْبَحَ حُلُول فِي الأَمَاكِن أَفْحَش مِمَّا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ؛ لِأَنَّا قد أَيَّنَّا لَهُ مَكَانًا وَاحِدًا: أَعْلَى مَكَانٍ، وَأْطَهَرَ مَكَانٍ وَأَشْرَفَ مَكَانٍ؛ عَرْشِهِ العَظِيمِ المُقَدَّسِ المَجِيدِ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ العُلْيَا، حَيْثُ لَيْسَ مَعَهُ هُنَاكَ إِنْسٌ، وَلَا جَانٌّ، وَلَا بِجَنْبِهِ حُشٌّ، وَلَا مِرْحَاضٌ، وَلَا شَيْطَانٌ. وَزَعَمْتَ أَنْتَ وَالمُضِلُّونَ مِنْ زُعَمَائِكَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ وَمِرْحَاضٍ، وَبِجَنْبِ كُلِّ إِنْسِيٍّ وَجَانٍّ، أَفَأَنْتُمْ تُشَبِّهُونَهُ بِالحُلُولِ فِي الأَمَاكِنِ، أَمْ نَحْنُ؟ هَذَا وَاضِحٌ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَدَعْوَاكُمْ، صَرَّحْتَ بِهَا أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَكِنَّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، ثُمَّ تَنْقُضُهُ عَلَى نَفسِك وَأَنت لا تَشْعُرُ بِهِ حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقِكَ. والحَمد لله الَّذِي أَعَانَنَا عَلَيْكَ بِالنِّسْيَانِ، وكَثْرَةِ الهَذَيَان. ثمَّ ذَهَبْتَ تُنْكِرُ النُّزُولَ، وَتَدْفَعُهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الأَبَاطِيلِ، وَالأَضَالِيلِ [٣١/ظ] مِنْ كَلَامِ المَرِيسِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنَ الجَهْمِيَّةِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَيْرِ خَبَرٍ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُهُ، وَقَلَّ حَدِيثٌ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْقَضَ لِدَعْوَاكُم مِن [أَنَّ] الله فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِنْ حَدِيثِ النُّزُولِ؛ لَما أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَان، فَكَيْفَ يَنْزِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مَنْ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟! فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ المُعَارِضِ لِدَفْعِ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ فِي النُّزُولِ؛ حِكَايَةٌ حَكَاهَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ لَعَلَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: نُزُولُهُ: أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَهَا. فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا المُعَارِضُ، أَمَّا لَفْظُ رَسُولِ الله ﷺ فَيَنْقُضُ مَا حَكَيْتَ عَنْ

стр. 187

أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ قَالَهُ فَالحَدِيثُ يُكَذِّبُهُ وَيُبْطِلُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الحَدِيثِ: «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ، نَزَلَ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأُجِيب؟ هَل من مُسْتَغْفِر أغفرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ» وَقَدْ جِئْنَا بِالحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ (١). فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا حَكَيْتَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَادَّعَيْتَهُ أَنْتَ أَيْضًا أَنَّهُ: أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَسُلْطَانُهُ، مَا كَانَ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذَا وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى اسْتِغْفَارِهِ وَسُؤَالِهِ دُونَ الله، وَلَا المَلَائِكَة يَدعُوا النَّاسَ إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَإِلَى المَغْفِرَةِ مِنْهَا لَهُمْ، وَإِلَى إِعْطَاءِ السُّؤَّالِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى وَلِيَ ذَلِكَ، دُونَ من سِوَاهُ. وَأُخْرَى؛ أَنَّ أَمْرَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ دَائِبًا يُنَزَّلُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ لَا يَفْتُرُ، وَلَا يَنْقَطِعُ، فَمَا بَالُ ثُلُثِ اللَّيْلِ خُصَّ بِنُزُولِهِ وَرَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ مِنْ بَيْنِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ حَتَّى وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِذَلِكَ وَقْتًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ الفَجْرُ»، فَفِي دَعْوَاكَ تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ عَلَى النَّاسِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِذَا انْفَجَرَ الفَجْرُ رُفِعَتْ فِي دَعْوَاكَ. هَذَا وَاللهِ تَفْسِيرٌ مُحَالٌ، وَتَأْوِيلُ ضَلَالٍ، يَشْهَدُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الحَدِيثِ بِالإِبْطَالِ. وَأَمَّا مَا رَوَيْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ عَنِ المَرِيسِيِّ: أَنَّ اللهَ بِكُلِّ مَكَانٍ عَن ابْن عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «لَا تَقُلْ: الله حَيْثُ كَانَ، فَإِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ». وَعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، مِثْلَهُ.

стр. 188

فَتَأْوِيلُ هَذَا أَيُّهَا المُعَارِضُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا: أَنَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ بِكُلِّ مَكَانٍ بِالعِلْمِ بِهِ، وَمَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى، وَأَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى، لَا عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِمَّا بَيْنَ الخَلْقِ فِي الأَرْضِ وَالأَمْكِنَةِ، وَبِجَنْبِ كُلِّ مُصَلٍّ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، فَهُوَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَعَ مَنْ بِالمَشْرِقِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ بِالمَغْرِبِ، وَمَعَ مَنْ فِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ هُوَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ خَلْقِهِ. وَالعَجَبُ مِنْكَ وَمِنْ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ إِذْ يَحْتَجُّ فِي ضَلَالِهِ بِالتَّمْوِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنِ أَبِي البَخْتَرِيِّ وَيَدَعُ المَنْصُوصَ المُفَسَّرَ [٣٢/و] عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالعَرْشِ خِلَافَ مَا مَوَّهَ مِنْ كِتَابِ الله، وَرِوَايَةِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي النُّزُولِ، وَفِي أَنَّ الله تَعَالَى فِي السَّمَاءِ دون الأَرْض. هذا إلى الِابْتِدَاعِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الِاتِّبَاعِ، وَإِلَى الجَهْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى العَدْلِ، غَيْرَ أَنَّ المُصِيبَ يَتَعَلَّقُ مِنَ الآثَارِ بِكُلِّ وَاضِحٍ مَشْهُورٍ، وَالمُرِيبَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُتَشَابِهٍ مَغْمُورٍ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا النُّزُولِ، ثُمَّ قُلْتَ: وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نُزُولَهُ، أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ كَمَا تَرَوْنَ أن القُرْآنَ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَافِعًا مُشَفَّعًا، وَمَاحِلًا مُصَدِّقًا، فَقَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَوَابُهُ. فَإِنْ جَازَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي القُرْآنِ جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَقَدْ قِسْتَ بِغَيْرِ أَصْلٍ، وَلَا مِثَالٍ؛ لِأَنَّ العُلَمَاءَ قَدْ

стр. 189

عَلِمُوا أَنَّ القُرْآنَ كَلَامٌ. وَالكَلَامُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا قَائِمًا حَتَّى تُقِيمَهُ الأَلْسُن وَيَسْتَلِينَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى المَجِيءِ، وَالتَّحَرُّكِ، وَالنُّزُولِ بِغَيْرِ مُنَزِّلٍ وَلَا مُحَرِّكٍ، إِلَّا أَن يُؤْتَى بِهِ وَيُنْزَّلَ. واللهُ تَعَالَى حَيٌّ قَيُّومٌ، مَلِكٌ عَظِيمٌ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فِي عِزِّهِ وبَهَائِهِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ، وَيَنْزِلُ بِلَا مُنْزِلٍ، ويَرْتَفِعُ بِلَا رَافِعٍ، وَيفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِغَيْر اسْتِعَانَةٍ بِأحَدٍ، وَلَا حَاجَةَ فِيمَا يَفْعَلُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا يُقَاسُ الحَيُّ القَيُّومُ الفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ بِالكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمٌ حَتَّى تُقِيمَهُ الأَلْسُنُ، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إِرَادَةٌ، وَلَا يَسْتَبِينُ إِلَّا بِقِرَاءَةِ القُرَّاءِ. أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ نُزُولُهُ: أَمْرَهُ وَرَحْمَتَهُ، فَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي دَعْوَاكَ لَا يَنْزِلُ إِلَى الأَرْضِ حَيْثُ مُسْتَقَرُّ العِبَادِ، مِمَّنْ يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَيُجِيبَ وَيُعْطِيَ، فَمَا بَالُهَا تَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا تَجُوزُهَا؟ وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ تَبْقَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ إِلَى انْفِجَارِ الفَجْرِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ بِزَعْمِكَ؟ وَمَا بَالُهُ إِذْ الله بِزَعْمِكَ فِي الأَرْضِ، فَإِذَا اسْتَرْحَمَه عِبَادُهُ واسْتَغْفَرُوُه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، بَعَّدَ عَنْهُمْ رَحْمَتَهُ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا مَسِيرَةَ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَلَا يُغَشِّيهِمْ إِيَّاهَا وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الأَرْضِ بِزَعْمِكَ؟ إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ نُزُولَهُ تَقْرِيبُ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ كَقَوْلِهِ الآخَرِ: «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا؛ تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا؛ تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعًا». فَقلت: هَذَا تَقَرُّبٌ بِالرَّحْمَةِ. فَفِي دَعْوَاكَ فِي تَفْسِيرِ النُّزُولِ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَبَاعَدَ هُوَ عَنْهُ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ العِبَادُ إِلَى الله اقْتِرَابًا تَبَاعَدَ هُوَ بِرَحْمَتِهِ عَنْهُمْ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ بِزَعْمِكَ.

стр. 190

لَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا الجَاهِلُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى ضَلَالٍ، وَالحَدِيثُ نَفْسُهُ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَيُكَذِّبُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْيَظُ حَدِيثٍ لِلْجَهْمِيَّةِ، وَأَنْقَضُ شَيْءٍ لِدَعْوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي الأَرْضِ، كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَنْ هُوَ تَحْتَهَا فِي الأَرْضِ؟ وَجَمِيعُ الأَمَاكِنِ مِنْهَا، وَنَفْسُ [٣٢/ظ] الحَدِيثِ نَاقِضٌ لِدَعْوَاهُمْ، وَقَاطِعٌ لِحُجَجِهِم. وَأُخْرَى، أَنَّهُ قَدْ عَقِلَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ وَرَأْيٍ أَنَّ القَوْلَ لَا يتَحَوَّلُ صُورَة لَهَا لِسَانٌ وَفَمٌ، يَنْطِقُ وَيَشْفَعُ، فَحِينَ اتَّفَقَتِ المَعْرِفَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ فَيُصَوِّرُهُ اللهُ بِقُدْرَتِهِ صُورَةَ رَجُلٍ يُبَشِّرُ بِهِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ القُرْآنُ صُورَةً كَصُورَةِ الإِنْسَانِ لَمْ يَتَشَعَّبْ أَكْثَرَ مِنْ ألفِ ألفِ صُورَةٍ، فَيَأْتِيَ أَكثرُ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ شَافِعًا، وماحِلًا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الوَاحِدَةَ إِذَا هِيَ أَتَت وَاحِدًا زَالَتْ عَنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا مَعْقُولٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ. وَهَذَا كَحَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهَالِ، عَن زَاذَان، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ تَأْتِيهِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ فِي صُورَة رجل فِي أَحْسَنَ هَيْئَةٍ، وَأَحْسَنَ لِبَاسٍ، وَأَطْيَبَ رِيحٍ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ كَانَ، فَكَذَلِكَ تَرَانِي حَسَنًا، وَكَانَ طَيِّبًا، فَكَذَلِكَ تَرَانِي طَيِّبًا وَكَذَلِكَ العَمَلُ السَّيئ يَأْتِي صَاحِبَهُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِك، ويُبَشِّره بِعَذَاب الله». وَإِنَّمَا عَمَلُهُما الصَّلَاةُ، والزَّكاةُ، وَالصِّيَامُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَمَلُ الآخَرِ الزِّنَا، وَالرِّبَا، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ المَعَاصِي قَدِ اضْمَحَلَّتْ وَذَهَبَتْ فِي الدُّنْيَا، فَيُصَوِّرُ اللهُ بِقُدْرَتِهِ لِلْمُؤْمِنِ وَالفَاجِرِ ثَوَابَهَا وَعِقَابَهَا يُبَشِّرُ بِهِمَا إِكْرَامًا لِلْمُؤْمِنِ وَحَسْرَةً عَلَى الكَافِرِ.

стр. 191

وَهَذَا المَعْنَى أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، قَدْ عَلِمْتُمُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ الله لَكِنْ تُغَالِطُونَ وَتُدَلِّسُونَ، وَعَلَيْكُمْ أَوْزَارُكُمْ وَأَوْزَارُ مَنْ تُضِلُّونَ. ثُمَّ أَكَّدَ المُعَارِضُ دَعْوَاهُ فِي أَنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِقِيَاسٍ ضَلَّ بِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل. فَقَالَ: أَلا ترى أَن مَنْ صَعَدَ الجَبَلَ لَا يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ تَعَالى. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ المُدَّعِي مَا لَا عِلْمَ لَهُ: مَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّ رَأْسَ الجَبَلِ لَيْسَ بِأَقْرَبَ إِلَى الله تَعَالَى مِنْ أَسْفَلِهِ؟ لِأَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِأَنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ رَأْسَ الجَبَلِ أَقْرَبُ إِلَى الله مِنْ أَسْفَلِهِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ أَقْرَبُ إِلَى عَرْشِ الله تَعَالَى مِنَ السَّادِسَةِ، وَالسَّادِسَةَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الخَامِسَةِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى الأَرْضِ. كَذَلِكَ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: «رَأْسُ المَنَارَةِ أَقْرَبُ إِلَى الله مِنْ أَسْفَلِهِ». وَصَدَقَ ابْنُ المُبَارَكِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إِلَى السَّمَاءِ أَقْرَبُ؛ كَانَ إِلَى اللهِ أَقْرَب. وَقُرْبُ اللهِ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ أَقْصَاهُم وأَدْنَاهُم وَاحِد، لَا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَبَعْضُ الخَلْقِ أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ عَلَى نَحْوِ مَا فَسَّرْنَا مِنْ أَمْرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قُرْبُ المَلَائِكَةِ مِنَ الله، فَحَمَلَةُ العَرْشِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ المَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَالعَرْشُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَقُرْبُ الله إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ. هَذَا مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ أَنَّ فَوْقَ العَرْشِ إِلَهًا؛ وَلِذَلِكَ سَمَّى المَلَائِكَةَ المُقَرَّبِون وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، [٣٣/و] فَلَوْ كَانَ اللهُ فِي

стр. 192

الأَرْضِ كَمَا ادَّعَتِ الجَهْمِيَّةُ مَا كَانَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مَعْنًى، إِذْ كُلُّ الخَلْقِ عِنْدَهُ وَمَعَهُ فِي الأَرْضِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، وَمُطِيعُهُمْ وَعَاصِيهِمْ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الأَرْضِ مَنْ لَا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ. وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ، لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَلَا يَسْجُدُ لَهُ، وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ. فَأَيُّ منقبة إِذًا فِيهِ لِلْمَلَائِكَةِ؛ إِذْ كُلُّ الخَلْقِ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ فِي مَعْنَاهُمْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ المُعَارِضُ هَذَا المَذْهَب تَفْسِيرًا أَشْنَعَ من هَذا، دَفْعًا بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ فِي السَّمَاء. فَيُقَال: يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاء، على أَنَّهُ مُدَبِّرُهَا وَمُتْقِنُهَا، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ فِي صَلَاتِهِ وَعَمَلِهِ، وَتَدْبِيرِ مَعِيشَتِهِ، ولَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهَا وَفِي جَوْفِهَا، وَفِي نَفْسِ المَعِيشَةِ بِالحَقِيقَةِ وَلَكِنْ بِالمَجَازِ عَلَى دَعْوَاهُ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: قَدْ قُلْنَا لَكَ: إِنَّكَ تَهْذِي وَلَا تَدْرِي، تَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ تَنْقُضُهُ عَلَى نَفْسِكَ، أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّ الله تَعَالَى فِي السَّمَاءِ، وَفِي الأَرْضِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعِي هَاهُنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْهُ إِلَّا تَدْبِيرُهُ وَإِتْقَانُهُ، كَتَدْبِيرِ الرَّجُلِ فِي مَعِيشَتِهِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا؟. وَمَا أَوْلَاكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنْ تَعَضَّ عَلَى لِسَانِكَ، وَلَا تَحْتَجَّ بِشَيْءٍ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَقُودَهُ، أَوْ تَتَخَلَّصَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ حَتَّى تَنْقُضَهُ عَلَى نَفْسِكَ بِنَفْسِ كَلَامِكَ، وَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ؛ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الكَلَامَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَيْكَ بَعْضُ النَّاسِ بِبَعْضِ النَّصرَةِ فِي العِلْمِ، مَا اشْتَغَلْنَا بِالرَّدِّ عَلَى مثلك؛ لِسَخَافَةِ كَلَامِكَ، وَرَثَاثَةِ حُجَجِكَ، وَلَكِنَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ جَهَالَتِكَ ضَرَرًا عَلَى الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُبَيِّنَ لَهُمْ عَوْرَةَ كَلَامِكَ، وَضَعْفَ احْتِجَاجِكَ؛ كَيْ يَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ

стр. 193

رَأْيِكَ، وَقَدْ فَضَحْنَاكَ فِي ذَلِكَ، وَلَوِ اسْتَقْصَيْنَا عَلَيْكَ فِي الِاحْتِجَاج، لَطَالَ به الكِتَابُ، غَيْرَ أَنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نُفَسِّرَ مِنْهَا قَلِيلًا يَدُلُّ عَلَى كَثِيرٍ. وَلَوْلَا أَنَّكَ بَدَأْتَنَا بِالخَوْضِ فِيهِ وَفِي إِذَاعَةِ كَلَامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، المُلْحِدِ فِي تَوْحِيدِ الله تَعَالَى، المُعَطِّلِ لِصِفَاتِ الله، المُفْتَري على الله؛ لم نَعْرِضْ لِشَيءٍ من هَذَا، ومَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيَانٍ أَوْ بُرْهَانٍ، يَكُونُ بِبَلْدِةٍ يَنْتَشِرُ فِيهَا كَلَامُ المَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ ثمَّ لَا ينْقُضُه. ثُمَّ عَادَ المُعَارِضُ إِلَى مَذْهَبِهِ الأَوَّلِ نَاقِضًا عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا تَأَوَّلَ فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى، فَاحْتَجَّ بِبَعْضِ كَلَامِ جَهْمٍ، وَالمَرِيسِيِّ، فَقَالَ: إِنْ قَالُوا لَكَ: أَيْنَ الله؟ فَالجَوَابُ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ حُلُولًا فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَفِي مَكَانٍ يَعْقِلُهُ المَخْلُوقُونَ فَهُوَ المُتَعَالِي عَن ذَلِك؛ لِأَنَّهُ عَلَى العَرْشِ، وبِكُلِّ مَكَانٍ، ولا يُوصَفُ بِأَيْنَ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: أَمَّا قَوْلُكَ: كَالمَخْلُوقِ، فَهَذِهِ كُلْفَةٌ مِنْكَ وَتَلْبِيسٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ. وَلَكِنَّهُ بِمَكَانٍ يَعْقِلُهُ المَخْلُوقُونَ المُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله، وَهُوَ عَلَى العَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، دُونَ مَا سِوَاهَا مِنَ الأَمْكِنَةِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَبِمَنْ هُوَ فِي [٣٣/ظ] كُلِّ مَكَانٍ، مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنْ بِالله، وَلَمْ يَدْرِ مَنْ يَعْبُدُ، وَمَنْ يُوَحِّدُ. مَعَ أَنَّكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَقْرَرْتَ بِأَنَّكَ تَعْقِلُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّكَ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ سَمَاءٍ وَمِنْ أَرْضٍ. وَأمَا اشْتِرَاطُكَ عَلَى مَنْ سَأَلَكَ: أَيْنَ الله؟ فَتَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ، لَمْ يشْتَرِط ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ عَلَى أَحَدٍ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الله؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِين سَأَلَ الأَمَةَ السَّوْدَاء «أَيْنَ الله؟» لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 194

كَمَا اشْتَرَطْتَ أَنْتَ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ حُلُولًا كَحُلُولِ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قَالَتْ: «فِي السَّمَاءِ»، فَاكَتْفَى مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ لَهَا: كَيْفَ كَيْنُونَتُهُ فِي السَّمَاءِ، وَكَيْفَ حُلُولُهُ فِيهَا؟ وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ. فَهَذَا أَصْلُ كَلَام جَهْمٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ وَالمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، فَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ العِبَادَ أَيْنَ اللهُ، وَأَيْنَ مَكَانُهُ، وَأَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ؛ لَمْ يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». (١١٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ؛ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» (١). فَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِأَيْنَ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ لِلْجَارِيَةِ «أَيْنَ اللهُ» فَيُغَالِطُهَا فِي شَيْءٍ لَا يُؤَيَّنُ، وَحِينَ قَالَتْ: «هُوَ فِي السَّمَاءِ»، لَوْ قَدْ أَخْطَأَتْ فِيهِ لَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا وَعَلَّمَهَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى إِيمَانِهَا بِمَعْرِفَتِهَا أَنَّ الله فِي السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.

стр. 195

(١١٨) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ الشَّقِيقِيُّ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ المُبَارَكِ بِأَيِّ شَيْءٍ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى العَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ». قُلْتُ: بِحَدٍّ؟ قَالَ: بِحَدٍّ (١). فَهَذَا القُرْآنُ يَنْطِقُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِأَيْنَ، وَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ وَصَفَهُ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ. فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ -غَيْرَ المَرِيسِيِّ- أَنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ؟ فَأَخْبِرْنَا بِهِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ المُفْتَرِي عَلَى الله، الجَاهِل بِهِ، وبِمَكَانِهِ. ثمَّ نَقَضَّتَ عَلَى نَفْسِكَ دَعْوَاكَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرُهَا، كَمَا يَكُونُ الرَّجُلُ فِي عِمَارَةِ دَارِهِ خَارِجًا مِنْهَا، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا، فَتَرَكْتَ المَذْهَبَ الأَوَّلَ، ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَخِيرًا فَقُلْتَ: هُوَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، تَحْتَجُّ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ تَنْسَاهُ، حَتَّى تَنْقُضَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ؟!. وَسَنَذْكُرُ فِي إِبْطَالِ حُجَجِكَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَخْبَارًا صَحِيحَةً يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ وَفَّقَهُ الله تَعَالَى عَلَى إلحَادِكَ فِيهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى. (١١٩) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ- عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ [٣٤/و] السَّمَاءِ» (٢).

стр. 196

(١٢٠) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ المصْرِيّ، أَبَنَا اللَّيْثُ، عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا، أَوِ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ، وَاغْفِرْ لَنَا حَوْبَنَا، وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ، وَرَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ عَلَى هَذَا الوَجَعِ» فَيَبْرَأَ (١). أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا المُعَارِضُ رَسُولَ الله ﷺ كَيْفَ حَدَّهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ بِقَوْلِهِ: «رَبُّنَا الَّذِي فِي السَّمَاء»، وَكَذَلِكَ رُويَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁. (١٢١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ

стр. 197

الخَطَّابِ ﵁: «وَيْلٌ لِدَيَّانِ الأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ» (١). (١٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَن ابْن شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِعُمَرَ ﵁: «وَيْلٌ لِسُلْطَانِ الأَرْضِ مِنْ سُلْطَانِ السَّمَاءِ» قَالَ عُمَرُ: «إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ»، قَالَ كَعْبٌ: «إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ». فَكَبَّرَ عُمَرُ وَخَرَّ سَاجِدًا (٢). فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ لِلْحَدِّ، وَأَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْض؛ لِأَنه هُنَاكَ عَلَى العَرْشِ دُونَ مَا سواهُ من الأَمْكِنَة. (١٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وسَمَاوَاتُهُ فَوْقَ أَرْضِهِ مِثْلُ القُبَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ» (٣). (١٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: «أَيُّهَا

стр. 198

النَّاسُ، إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ إِلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّ إِلَهَكُمْ لَمْ يَمُتْ». ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. حَتَّى خَتَمَ الآيَةَ (١). (١٢٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين كُلِّ سَمَائين مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين السَّمَاء السَّابِعَة وَبَين الكُرْسِيّ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ إِلَى المَاءِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ وَالله فَوْقَ العَرْشِ [٣٤/ظ]، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» (٢). (١٢٦) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا زُهَيْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ- ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ بْنُ خُثَيْمٍ، ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ حَدَّثهُ ذَكْوَانُ حَاجِبُ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَ لَهَا: «كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، وَأَنْزَلَ الله بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ الله يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللهِ، إِلَّا وَهِي تتلى فِيهِ آَنَاءَ الَّليْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» (٣).

стр. 199

(١٢٧) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّاد، ثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَبَنا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانيِّ قَالَ: ثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ يَتْبَعُ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ وَيَسْمَعُ مِنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَهُ، فَلَقِيَ نَوْفًا، فَقَالَ نَوْفٌ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اللهَ قَالَ لمَلَائكَته: ادْعُوا لِي عبَادي، قَالُوا: يا ربُّ! فَكَيْفَ وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ دُونَهُمْ، وَالعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله؛ فَقَدْ اسْتَجَابُوا» (١). (١٢٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل أَبُو سَلَمَةَ، ثَنَا أَبُو هِلَالٍ، ثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: قَالتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: يَا ربُّ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ، وَنَحْنُ فِي الأَرْضِ، فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْرِفَ رِضَاكَ وَغَضَبَكَ؟ قَالَ: «إِذَا رَضِيتُ عَنْكُمُ؛ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ خِيَارَكُمْ، وَإِذَا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ؛ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ» (٢). فَهَذَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَصَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَخِيَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ وَالتَّابِعِينَ، حَتَّى بَني إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ قَدْ قَالُوا بِخِلَافِ مَذْهَبِكَ فِي أَن الله فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَذَا بَابٌ طَوِيلٌ، وَالآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ يَكْفِي العَاقِل من ذكرنَا من ذَلِك. * * *

стр. 200

ثُمَّ رَأَيْنَاكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ بَعْدَمَا فَرَغْتَ مِنْ إِظْهَارِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ، تَقَلَّدْتَ كَلَامَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ الَّذِي كَانَ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ التَّجَهُّمِ بَعْدَمَا لَمْ تَدَعْ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنْ كَبِيرِ حُجَّةٍ إِلَّا قُمْتَ بِهَا، وَأَظْهَرْتَهَا، وَزَيَّنْتَهَا فِي أَعْيُنِ الجُهَّالِ وَدَعَوْتَهُمْ إِلَيْهَا، وَبَعْدَمَا صَرَّحْتَ بِأَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِكَ هَذَا، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَهُوَ عِنْدَكَ كَافِرٌ، وَأَنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِزَعْمِكَ. ثُمَّ أَنْشَأْتَ طَاعِنًا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَسَطَّرْتَ فِيهِ الأَسَاطِيرَ، وَأَكْثَرْتَ مِنَ المَنَاكِيرِ، وغَلَطت فِي كَثِيرٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ فِي القُرْآنِ إِنَّهُ «مَخْلُوقٌ»، «غير مَخْلُوقٍ»: بِدْعَةٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ، فَحَكَمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَلَى نَفْسِكَ بِالبِدْعَةِ، وَشَهِدْتَ بِهَا على نَفْسِكَ، لَما أَنَّكَ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ: كَلَامُ الله غَيْرُ الله، وَهُوَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَالأَفَاعِيلُ بِزَعْمِكَ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، فَحَكَمْتَ على نَفْسِكَ بِمَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ. فَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ فَقَدْ صَدَقْتَ. وَأَنْتَ، [٣٥/و] المُخَالِفُ لَهُمْ؛ لَما أَنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِيهِ الخَوْضَ، وَجَمَعْتَ عَلَى نَفْسِكَ كثيرًا مِنَ النَّقْضِ، فَمِثْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ كَرَاهِيَةِ الخَوْضِ فِيهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِلْخَوَارِجِ حِينَ قَالُوا: «لَا حُكْمَ إِلَّا لله» فَقَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ». فَقَدْ خُضْتَ فِيهَا أَيُّهَا المُعَارِضُ بِأَقْبَحِ خَوْضٍ، وَضَرَبْتَ لَهُ أَمْثَالَ السُّوءِ، وَصَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ، كَمَا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ: مَجْعُولٌ، وَكُلُّ مَجْعُولٍ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.

стр. 201

وَيْحَكَ! إِنَّمَا كَرِهَ السَّلَفُ الخَوْضَ فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَهْلُ البِدَعِ وَالضَّلَالِ وَأَغْمَارُ الجُهَّالِ مَا تَأَوَّلْتَ فِيهِ أَنْتَ وَإِمَامُكَ المَرِيسِيُّ. فَحِينَ تَأَوَّلْتُمْ فِيهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللهُ، وَعَطَّلْتُمْ صِفَاتِ اللهِ؛ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ بَيَانٌ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْكُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ. وَلَمْ يَكْرَهِ السَّلَفُ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ؛ جَهَالَةً بِأَنَّ كَلَامَ الخَالِقِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا جَهَالَةً أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، حَتَّى لَوْ قَدِ ادَّعَى مُدَّعٍ فِي زَمَانِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ مَا كَانَ سَبيلُهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا القَتْلَ، كَمَا هَمَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِصُبَيْغٍ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ إِذْ تَعَمَّقَ فِي السُّؤَالِ عَنِ القُرْآنِ، فِيمَا كَانَ أَيْسَرَ مِنْ كَلَامِكُمْ هَذَا، فَلَمَّا لَمْ يَجْتَرِئْ كَافِرٌ أَوْ مُتَعَوِّذٌ بِالإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ فِي عَصْرِهِمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَكَلَّفُوا لِنَقْضِ كُفْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَين أَظْهُرِهِم فَيكون سَبَبًا لِإِظْهَارِهِ، إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ كَلِمَة كُفْرٍ تَكَلَّمَ بِهَا بَدْءًا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، مِنْهُمُ الوَحِيدُ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]. وَمِنْهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَقَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ﴾ [الأنفال: ٣١]، كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ البَشَرِ مَخْلُوقٌ لَا شكّ فِيهِ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥] كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، فَأنْكر عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: فَقَالَ لِلْوَحِيدِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦] لَمَّا قَالَ (١): ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، وَقَالَ لِلَّذِي قَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال: ٣١]:

стр. 202

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]، وَلنْ يَفْعَلُوا. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الكُفْرُ بَعْدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَارِسًا طَامِسًا، لما قَدْ طَمَسَهُ اللهُ بِتَنْزِيلِهِ، حَتَّى مَضَى النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ بِالبَصْرَةِ، وَجَهْمٌ بِخُرَاسَانَ فَقَتَلَهُمَا الله بِشَرِّ قِتْلَةٍ، وَفَطِنَ النَّاسُ لِكُفْرِهِمَا، حَتَّى كَانَ سَبِيلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي الإِسْلَامِ؛ القَتْلَ صَبْرًا، حَتَّى كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِذَلِكَ الزَّنَادِقَةَ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ طَامِسًا دَارِسًا حَتَّى دَرَجَ العُلَمَاءُ، وَقَلَّتِ الفُقَهَاءُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ مِنْ أَبْنَاءِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ فَخَاضُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَظْهَرُوا طَرَفًا مِنْهُ، وَجَانَبَهُمْ أَهْلُ الدِّينِ وَالوَرَعِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، حَتَّى هَمَّ بِهِمْ وَبِعُقُوبَتِهِمْ قَاضِي القُضَاة يَوْمَئِذٍ أَبُو يُوسُفَ، حَتَّى فَرَّ [٣٥/ظ]، مِنْهُ المَرِيسِيُّ إِمَامُكَ وَلَحِقَ بِالبَصْرَةِ، بِزَعْمِكَ، وبِرِوَايَتِك عَنهُ، فَلم يَزَالُوا أَذِلَّةً مَقْمُوعِينَ، لَا يُقْبَلُ لَهُمْ قَوْلٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ لَهُمْ إِلَى رَأْيٍ، حَتَّى رَكَنُوا إِلَى بَعْضِ السَّلَاطِينِ الَّذِينَ لَمْ يُجَالِسُوا العُلَمَاءَ، وَلَمْ يُزَاحِمُوا الفُقَهَاءَ؛ فَاخْتَدَعُوهُمْ بِهَذِهِ المِحْنَةِ المَلْعُونَةِ حَتَّى أَكْرَهُوا النَّاسَ عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ. فَلَمْ تَزَلِ الجَهْمِيَّةُ سَنَوَاتٍ يَرْكَبُونَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِقُوَّةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ المُحَادِّ لله وَلِرَسُولِهِ، حَتَّى اسْتُخْلِفَ المُتَوَكِّلُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- فَطَمَسَ اللهُ بِهِ آثَارَهُمْ، وَقَمَعَ بِهِ أنْصَارَهُمْ، حَتَّى اسْتَقَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ الأُولَى، وَالمِنْهَاجِ الأَوَّلِ. وَاحْتَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِقَادِ التَّجَهُّمِ حِيلَةً لِتَرْوِيجِ ضَلَالَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الإِفْصَاحُ بِهِ؛ مَخَافَةَ القَتْلِ وَالفَضِيحَةِ وَالعُقُوبَةِ مِنَ

стр. 203

الخَلِيفَةِ المُنكِرُ لذَلِك، فاسْتَتَرُوا بِالوَقْفِ مِنْ مَحْضِ التَّجَهُّمِ، إِذْ لم يكن يَجُوزُ مِنْ إِظْهَارِهِ مَعَ المُتَوَكِّلِ ما كان يَجُوزُ لَهُمْ مَعَ مَنْ قَبْلَهُ. فَانْتَدَبُوا طَاعِنِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التجهم ودَانَ بِأَنَّ كَلَامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَانْتَدَبَ هَؤُلَاءِ الوَاقِفَةُ مُنَافِحِينَ عَنِ الجَهْمِيَّةِ، مُحْتَجِّينَ لِمَذَاهِبِهِمْ بِالتَّمْوِيهِ وَالتَّدْلِيسِ، مُنْتَفِينَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ كَلَامِ الجَهْمِيَّةِ، مُتَابِعِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ في البَاطِنِ، مُمَوِّهِينَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالسُّفَهَاءِ بِمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ أَيهَا المُعَارِضُ: أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ، وَأَبَا مُعَاوِيَةَ، وَبَعْضَ نُظَرَائِهِمْ كَرِهُوا الخَوْضَ فِي المَخْلُوقِ وَغَيْرِ المَخْلُوقِ. فَقُلْنَا لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ (١): إِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الخَوْضَ مِنْ هَؤُلَاءِ المَشَايِخِ -إِنْ صَحَّتْ عَنْهُم رِوَايَتُكَ- لمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُوضُ فِيهِ إِلَّا شِرْذِمَةٌ أَذِلَّةٌ سِرًّا بِمُنَاجَاةٍ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا العَامَّةُ مُتَمَسِّكُونَ مِنْهُمْ بالسُّنَن الأُولَى، والأَمْرِ الأَوَّلِ. فَكَرِهَ القَوْمُ الخَوْضَ فِيهِ؛ إِذْ لم يَكُنْ يُخَاضُ فِيهَا عَلَانِيَةً، وَقَدْ أَصَابُوا فِي تَرْكِ الخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يُعْلَنْ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَدَعَوُا العَامَّةَ إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ، وَادَّعَوْا أَن كَلَامَ اللهِ مَخْلُوقٌ، أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَنْ غَبَرَ مِنَ العُلَمَاءِ وَبَقِيَ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَكَذَّبُوهُمْ وَكَفَّرُوهُمْ وَحَذَّرُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ، وَفَسَّرُوا مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَكَانَ هَذَا مِنَ الجَهْمِيَّةِ خَوْضًا فِيمَا نُهُوا عَنهُ، وَمن أَصْحَابنَا إِنْكَارًا لِلْكُفْرِ البَيِّن، وَمُنَافَحَةً عَنِ اللهِ كَيْلَا يُسَبَّ وَتُعَطَّلَ صِفَاتُهُ، وَذَبًّا عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ

стр. 204

كَيْلَا يَضِلُّوا بِمِحْنَتِهِمْ هَذِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا ضِدَّهَا مِنَ الحُجَجِ الَّتِي تَنْقُضُ دَعْوَاهُمْ وَتُبْطِلُ حُجَجَهُمْ. (١٢٩) فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ يَقُول: «لَا تُجَالِسُوا الجَهْمِيَّةَ، وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ، كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ» (١). وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الجَهْمِيَّةِ». فَحِينَ خَاضَتِ الجَهْمِيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَأَظْهَرُوهُ وَادَّعَوْا أَنَّ كَلَامَ الله مَخْلُوقٌ، وأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤]، مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ. (١٣٠) حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ (٢). [٣٦/و] فَكَرِهَ ابْنُ المُبَارَكِ حِكَايَةَ كَلَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنُوهُ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَعَابَهُمْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: «كُنَّا نَرَى السُّكُوتَ عَنْ هَذَا قَبْلَ أَن يَخُوضَ فِيهِ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أَظْهَرُوُه لم نَجِدْ بُدًّا مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِم». ولَمْ يَقُلْ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ مَتَى مَا أَظْهَرَتِ الجَهْمِيَّةُ مِحْنَتَهُمْ وَأَذَاعُوا كُفْرَهُمْ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَأَمْسِكُوا عَنِ الإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسْتَمِرَّ فِي النَّاسِ كُفْرُهُمْ، وَتَدْرُسَ سُنَنُ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَلَكِنْ قَالُوا:

стр. 205

أَمْسِكُوا عَنِ الخَوْضِ فِيهِ مَا لَمْ يُنَصِّبِ القَوْمُ الكُفْرَ إِمَامًا، فَإِذَا نَصَّبُوهُ إِمَامًا فَمَنْ يَعْقِلُ تَدْلِيسَهُمْ وَتَمْوِيهَهُمْ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ بِبَعْضِ مَنْ نَاقَضَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ وَضَلَالَهُمْ. فَالمُبْتَدِعُ الضَّالُّ مِنَ الحِزْبَيْنِ مَنْ نَصَّبَ رَأْيَ جَهْمٍ إِمَامًا، وأَذَاعَهُ فِي النَّاسِ بَدْءًا، وَالمُتَّبِعُ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَاقَضَهُ. فَمَنْ أَجْرَى النَّاقِضَ لِلْبِدْعَةِ وَالرّاَدَّ لِلْكُفْرِ مَجْرَى مَنْ شَرَعَهَا؛ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ. وَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ وَيُقْبَلَ. أَوَ طَمِعْتُمْ مَعْشَرَ الجَهْمِيَّةِ وَالوَاقِفَةِ أَنْ تُنَصِّبُوا الكُفْرَ للنَّاس إِمَامًا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ. وَيَسْكُتُوا أَهْلُ السُّنَّةِ عَنِ الإِنْكَارِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يَتَرَوَّجَ عَلَى النَّاسِ ضَلَالُكُمْ بِمَا حَكَيْتُمْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ-إِنْ صَدَقَتْ دَعْوَاكُمْ- حَتَّى تَضْمَحِلَّ مَذَاهِبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْتَفِيضَ مَذَاهِبُ الجَهْمِيَّةِ فِي العَامَّةِ؟ لَقَدْ أَسَأْتُمْ بِأَهْلِ السُّنَّةِ الظَّنَّ، وَنَسَبْتُمُوهُمْ إِلَى العَجْزِ وَالوَهَنِ. وَإِنْ يَكُ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ جَبُنُوا عَنِ الخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ فِي عَصْرِهِمْ، فَقَدْ جَسَرَ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ؛ مِثْلَ ابْنِ المُبَارَكِ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ، لَمْ يَقُمْ لَكَ بِهِ حُجَّةٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ نَسْمَعْهُ؛ لِأَنَّهُ المَعْرُوف فِي دِينِهِ، المَأْبُونُ فِي رِوَايَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ بِذَلِكَ فَسَمِّ رَجُلًا صَالِحًا رَضِيَ بِالثَّلْجِيِّ فِي الفُتْيَا وَالرِّوَايَةِ إِمَامًا، أَوْ رَضِيَ بِهِ فِي السُّنَّةِ نِظَامًا، أَوْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا، أَوْ حَمِدَ لَهُ مَذْهَبًا. فَإِنْ كُنْتَ مُحْتَجًّا بِحَقٍّ فَعَلَيْكَ بِغَيْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِ، كَمَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَأَئِمَّتِهِمْ. وَلَكِنَّ الغَرِقَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ عُودٍ.

стр. 206

وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَإِنْ صَحَّ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ الثَّلْجِيِّ، فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ أَجِلَّةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، فَيُنَصَّبُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُنَاقِضُ الجَهْمِيَّةَ، وَيَرُدُّ المُحْدَثَاتِ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوق، فَبِجَهْدِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُقِيمَ حَدِيثَهُ فِي العُلَمَاءِ حَتَّى يَتَفَرَّعَ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ العُلَمَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِأَبِي يُوسُفَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ كَلَامَ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا تَحْتَجُّ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا رَوَيْتَ عَنِ المَرِيِسيِّ من ضَلَالَاتِهِ، وَقَدْ رَوَيْتَ، [٣٦/ظ] عَنْ أَبِي يُوسُف أَنه هَمَّ بِعُقُوبَتِهِ وَأَخْذِهِ فِيهَا، حَتَّى فَرَّ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَى البَصْرَةِ. فَإِنْ كُنْتَ مُحْتَجًّا عَلَيْنَا بِأَبِي يُوسُفَ، فَهُوَ عَلَيْكَ أَحَجُّ، لَمَا أَنَّكَ بِهِ أَعْجَبُ وبِإِمَامَتِهِ أرْضَى مِمَّن يَزْعُمُ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَمْ يُؤْمِنْ بَعْدُ بِأَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ الله؛ لِأَنَّهُ لَوْ آمَنَ بِأَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ الله لَعَلِمَ يَقِينًا أَنَّ الكَلَامَ صِفَةُ المُتَكَلِّمِ، وَاللهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِنْ طَلَبْتُمْ مِنَّا فِيهِ آثَارًا مَأْثُورَةً مُسْنَدَةً مَنْصُوصَةً فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ؛ فَقَدْ أَخْبَرْنَاكُم أَنَّهُ كُفْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيُرْوَى عَنْهُمْ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ كُفْرٌ مَعْقُولٌ، تَكَلَّمَ بِهِ مُشْرِكُوا قُرَيْشٍ عِنْدَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، فَأَنْكَرَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ طُمِسَ حَتَّى ظَهَرَ فِي العَصْرِ الَّذِي أَنْبَأْنَاكُمْ بِهِ، فِي عَصْرِ جَهْمٍ وَالجَعْدِ ثُمَّ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، فَرَوَيْنَا لَكُمْ عَمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَخَالَفَهُمْ فِيهِ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، مِثْلِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاحِ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، وَبَقِيَّةَ بْنِ الوَلِيدِ، وَغَيْرِهِمْ.

стр. 207

وَهَذَا كُفْرٌ مَعْقُولٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَثَرٍ وَلَا خَبَرٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى أَنَّ مُلْكَ اللهِ وَسُلْطَانَهُ، وَقُدْرَتَهُ، وَعِلْمَهُ، وَمَشِيئَتَهُ، وَإِرَادَتَهُ، وَوَجْهَهُ، وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَيْهِ، أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا مَخْلُوقٌ. قِيلَ لَهُ: كَفَرْتَ وَكَذَبْتَ، بَلْ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِنْ طَلَبْتَ مِنَّا فِي شَيْء مِنْها أَثَرًا مَنْصُوصًا بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ مُرِيبٌ كَافِرٌ، وَمَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ حَتَّى يَطْلُبَ فِيهَا الآثَارَ؟! وَكَذَلِكَ كَلَامُ الله مِثْلُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ سَوَاءً، غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَا يَشْتَبه إِلَّا على مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا عَقْلَ. وَأُخْرَى: أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٍ لَا شَكَّ فِيهِ، فَاللهُ بِزَعْمِكُمْ كَانَ بِلَا كَلَامٍ، حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا، ثُمَّ انْتَحَلَهُ اضْطِرَارًا إِلَى كَلَامِ غَيْرِهِ، فَتَمَّتْ بِهِ رُبُوبِيَّتُهُ، وَوَحْدَانِيَّتُهُ، وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بِزَعْمِكُمْ. فَمَنْ يَحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا المَعْقُول إِلَى أَثَرٍ؟! وَأُخْرَى: أَنَّ الكَلَامَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا يُرَى ويُحَسُّ إِلَّا بِلِسَانِ مُتَكَّلِمٍ بِهِ، فَالكَلَامُ مِنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ صِفَتُهُمَا، فَالخَالِقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَالمَخْلُوقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ مَخْلُوقٌ، وَلَا شَكَّ فِيهِ. فَلْينْظُر هَذَا الشَّاكُّ فِي القُرْآنِ، فَإِنْ كَان اللهُ المُتَكَلِّم بِهِ عِنْدَهُ، فَلَا يَشُكَّنَّ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَخْلُوقٍ مِنَ الكَلَامِ، وَلَمْ يُضْطَرَّ إِلَى شَيْء مَخْلُوق قَطُّ مِنَ الكَلَامِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ حَاجَة. وَإِن ابْتَدَعَهُ مَخْلُوقٌ أَضَافَهُ إِلَى الله تَعَالَى. فَلَا يَشُكَّنَّ هَذَا الشَّاكُّ فِي صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ وَكَلَامِهِمْ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُلَّهَا، وَأَنَّ مُبْتَدِعَهَا وَالمُتَكَلِّمَ بِهَا مِنَ المَخْلُوقِينَ كَافِرٌ إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، و ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢].

стр. 208

قَائِلُ هَذَا القَوْلِ غَيْرَ الله كَافِرٌ، مِثْلُ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ هُوَ الله؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ الله؛ فَقَدْ أَصَابَ، [٣٧/و] وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَقَدْ جَهِلَ وَكَفَرَ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَمْ تَدَعْ مِنْ صَرِيحِ المَخْلُوقِ شَيْئًا، إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ غَيْرُ الله فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: غير مَخْلُوق فقد جَهِلَ. لَمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ الله، فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَهُّ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللهِ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَلَا يُقَالُ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِنَّ القُرْآنَ هُوَ اللهُ فَيَسْتَحِيل، وَلَا هُوَ غَيْرُ الله فَيُلْزِمَ القَائِلَ به أَنَّهُ مَخْلُوق، وَلَكِن يُقَال: كلَامًا للهِ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِهِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاته، وَأَنَّ اللهَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَا شَكَّ فِيهِ. فَافْهَمْ وَمَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ الله، أَوْ غَيْرُ الله. فَإِنْ قَالَ: رَجُلٌ: هُوَ الله، أَكْفَرْتَهُ. وَإِنْ قَالَ: غَيْرُ الله قُلْتَ لَهُ: أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَصَوَّبْتَ مَذْهَبِي؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللهِ مَخْلُوقٌ. فَيُقَالُ لَكَ: أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ، وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: القُرْآنُ هُوَ الله أَوْ غَيْرُ الله، كَمَا لَا يُقَالُ: عِلْمُ الله هُوَ الله، وَقُدْرَةُ الله هِيَ الله، وَكَذَلِكَ عِزَّتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ وَقُدْرَتُهُ، لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْهَا: هُوَ الله بِعَيْنِهِ وَكَمَالِهِ، وَلَا غَيْرُ الله، وَلَكِنَّهَا صِفَاتٌ مِنْ صِفَاتِهِ، غَيْرُ مَخْلُوق وَكَذَلِكَ الكَلَامُ، فَافْهَمْ. وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِهِ وَزُعَمَائِهِ قَالَ: إِن كَلَامَ اللهِ مُضَافٌ إِلَيْهِ كَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رُوحُ اللهِ، وَبَيْتُ الله، وَهَذَا مِنْ قَدِيمِ حُجَجِ

стр. 209

الجَهْمِيَّةِ، وَلَيْسَ من حُجَجِ الوَاقِفِيَّةِ. فَلْيَكْشِفِ المُعَارِضُ عَنِ اسْمِ هَذَا العَالِمِ الَّذِي قَالَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْشِفُهُ إِلَّا عَنْ جَهْمِيٍّ خَبِيثٍ. وَإِنَّهُ لَا يُقَاسُ رُوحُ اللهِ، وَبَيْتُ اللهِ، وَعَبْدُ اللهِ، المُجَسَّمَاتُ المَخْلُوقَاتُ القَائِمَاتُ المُسْتَقِلَّاتُ بِأَنْفُسِهِنَّ اللَّائي كُنَّ بِكَلَامِ الله وَأَمْرِهِ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنَ الله، كَكَلَامِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا المَخْلُوقَ قَائِمٌ بِنَفسِهِ وعَيْنِهِ، وحِلْيَتِهِ وَجِسْمِهِ، لا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ اللهِ. وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ مِنْها لله صِفَةً. وَالقُرْآنُ كَلَامُهُ الَّذِي مِنْهُ خَرَجَ وَبِهِ تَكَلَّمَ، لَمْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ جِسْمًا غَيْرَ الله، قَائِمًا يُحِسُّ أَوْ يُحَسُّ حِينَ تُقِيمُهُ القَرَأَةُ (١) والأَلْسُنُ، فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ القَرَأَةُ خَفِيَ فَلَمْ يُحَسَّ مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ عَيْنٌ إِلَّا أَنْ يُبَيَّنَ بِكِتَابٍ يُكْتَبُ، فَبَيْنَ رُوحِ الله وَبَيْتِ الله وَعَبْدِ الله، وَالقُرْآنِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ كَلَامِ الله الخَارِجِ مِنْ ذَاتِهِ بَوْنٌ بَعِيدٌ. فَكَيْفَ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ كَلَامَ الوَاقِفَةِ بَدْءًا، ثُمَّ فَرَعْتَ مِنْهُ إِلَى أَفْحَشِ كَلَامِ الجَهْمِيَّةِ: أَنَّهُ كَعَبْدِ الله، وَبَيْتِ الله، ثُمَّ إِدْخَالِ الحُجَجِ عَلَى تَعْطِيل ما سِوَاهَا مِنَ الصِّفَاتِ؟ إِنَّمَا تَقُولُ الوَاقِفَةُ: إِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ الله، وَلَا تَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ تَعْرِضُونَ لِهَذِهِ الحُجَجِ الَّتِي عَرَضْتَ لَهَا وَاحْتَجَجْتَ بِهَا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّكَ تُشِيرُ بِالوَقْفِ، مُنَافِحٌ عَنِ التَّجَهُّمِ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِهِ فِي غَيْرِ مَكَانٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَشْبِيهُكَ إِيَّاهُ بِبَيْتِ الله أَوْ عَبْدِ الله، وَبِقَوْلِكَ: إِنَّهُ غَيْرُ الله،

стр. 210

وَإِنَّهُ مَفْعُولٌ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَكَ، لاكْتَفَيْنَا بهذَا دُونَ مَا سِوَاهُ. ثُمَّ تَعَلَّقْتَ بَعْدَهُ بِالوُقُوفِ مُسْتَتِرًا بِهِ عَنِ التَّجَهُّمِ، تَتَقَدَّمُ إِلَى، [٣٧/ظ] هَؤُلَاءِ بِرِجْلٍ وَتَتَأَخَّرُ عَنْهُمْ بِأُخْرَى، فَمَرَّةً تَحْتَجُّ بِحُجَجِ الوَاقِفَةِ، وَمَرَّةً بِحُجَجِ الجَهْمِيَّةِ، كَأَنَّكَ تُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ وَتُخَاطِبُهُمْ. وَكَذَلِكَ تَأَوَّلْتَ فِي العَرْشِ كَمَا تَأَوَّلَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَكَنَيْتَ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِكَ وَزُعَمَائِكَ وَلَمْ تُصَرِّحْ بِاسْمِهِ: أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، تُرِي مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ أَنَّ هَذَا الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ هَذَا التَّفْسِيرَ أَحَدُ العُلَمَاءِ، وَلَا يَدْرِي مَنْ حَوْلَكَ أَنَّهُ أَحَدُ السُّفَهَاءِ، وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ تَفْسِيرَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ، وَبَيَّنَّا لَكَ فِيهِ اسْتِحَالَةَ هَذَا المَذْهَبِ وَبُعْدَهُ مِنَ الحَقِّ وَالمَعْقُولِ. فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِ هَذَا المُفَسِّرِ حَتَّى نَعْرِفَهُ، أَمِنَ العُلَمَاءِ هُوَ أَمْ مِنَ السُّفَهَاءِ؟ فَإِنَّكَ لَا تَأْثُرُهُ إِلَّا عَنِ المَرِيسِيِّ، أَوْ عَنْ مَنْ هُوَ أَخْبَثُ مِنْهُ. وَالعَجَبُ مِنَ المَرِيسِيِّ صَاحِبِ هَذَا المَذْهَبِ، أَنَّهُ يَدَّعِي تَوْحِيدَ الله بِمِثْلِ هَذَا المَذْهَبِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَقَدْ عَطَّلَ جَمِيعَ صِفَات الوَاحِدِ الأَحَدِ، فَادَّعَى فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ أَنَّ وَاجِدَهُ الَّذِي يُوَحِّدُهُ إِلَهٌ مُجَدَّعٌ، مَنْقُوصٌ، مُشَوَّهٌ، مُثَبَّجٌ (١) مَقْصُوصٌ، لَا تَتِمُّ وَحْدَانِيَّتُهُ إِلَّا بِمَخْلُوقٍ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ مَخْلُوقٍ: مِنَ الكَلَامِ وَالعِلْمِ وَالِاسْمِ.

стр. 211

وَيْلَكَ! إِنَّمَا المُوَحِّدُ الصَّادِقُ فِي تَوْحِيدِهِ الَّذِي يُوَحِّدُ اللهَ بِكَمَالِهِ، وَبِجَمِيعِ صِفَاتِهِ فِي عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَقَبْضِهِ وَبَسْطِهِ وَهُبُوطِهِ وَارْتِفَاعِهِ، الغَنِيَّ عَن جميع خَلْقِهِ بجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ النَّفْسِ وَالوَجْهِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَاليَدَيْنِ وَالعِلْمِ وَالكَلَامِ، وَالقُدْرَةِ وَالمَشِيئَةِ وَالسُّلْطَانِ، القَابِضَ البَاسِطَ، المُعِزَّ المُذِلَّ، الحَيَّ القَيُّومَ، الفَعَّالَ لِمَا يَشَاءُ. هَذَا إِلَى التَّوْحِيدِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا الَّذِي يُوَحِّدُ إِلَهًا مُخَدَّجًا مَنْقُوصًا مَقْصُوصًا، لَوْ كَانَ عَبْدًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يكن يُسَاوِي تَمْرَتَيْن؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِينَ؟ تَعَالَى اللهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ بِبَعْضِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ حُجَجِ الوَاقِفَةِ فَقَالُوا: أَتَقُولُونَ: يَا رَبُّ -القُرْآن- افْعَلْ بِنَا كَذَا، وَكَذَا؟ أَمْ يُصَلِّي أَحَدٌ لِلْقُرْآنِ كَمَا يُصَلِّي للهِ؟ يَعْنِي أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ. فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الحَائِرِ، الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ: إِنَّهُ لَا يُصَلَّى لِلْقُرْآنِ وَلَكِنْ يُصَلَّى بِهِ للهِ الوَاحِدِ، الَّذِي هَذَا القُرْآنُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، لَا يُخَصُّ بِالصَّلَاةِ قُرْآنٌ وَلَا غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَعِزَّهُ وَجَلَالَهُ لَا يُصَلَّي لِشَيْءٍ مِنْهَا مَقْصُودًا بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا وَحْدَهَا، وَلَكِنْ يُصَلَّي لِلْوَاحِدِ الأَحَدِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ العِلْمِ، وَالكَلَامِ، وَالمُلْكِ وَالقُدْرَة وَغَيرهَا، فَاعْقِلْهُ، وَأَنَّى لَكَ العَقْلُ مَعَ هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَالخُرَافَاتِ؟! أَرَأَيْتَكَ إِنْ عَرَّضْتَ بِالقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَما أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا رَبَّ القُرْآنِ، فَجَعَلْتَهُ مَخْلُوقًا بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات:١٨٠]،أَفَتَحْكُمُ عَلَى عِزَّةِ الله بِقَوْلِهِ: ... ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ كَمَا حَكَمْتَ عَلَى القُرْآنِ؟

стр. 212

وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يَقُولُ: ذِي العِزَّةِ. وَكَذَلِكَ ذُو الكَلَامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]. [٣٨/و] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِقَادِ هَذَا المُعَارِضِ رَأْيَ الجَهْمِيَّةِ لَا رَأْيَ الوَاقِفَةِ أَنَّ ذَبَّهُ وَمُنَافَحَتَهُ وَاحْتِجَاجَهُ عَنْ غَيْرِ الوَاقِفَةِ، وَأَنَّهُ أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ الإِنْكَارَ عَلَى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: عَلَى مَنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَمْوِيهًا بِهِ وَدُنُوًّا بِهِ إِلَى العَامَّةِ، ثُمَّ لَمْ يُكْثِرِ الطَّعْنَ عَلَى مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، كَمَا أَطْنَبَ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، حَتَّى جَاوَزَ فِيهِمُ الحَدَّ وَالمِقْدَارَ، فَنَسَبَهُمْ فِيهِ إِلَى الكُفْرِ البَيِّنِ وَالبِدْعَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالضَّلَالَةِ وَالجَهْلِ، وَقِلَّةِ العِلْمِ وَالتَّمْيِيز، وَسُوءِ الدِّيَانَةِ، وَسُوءِ مُرَاقَبَةِ الله، وَأَنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: «غَيْرُ مَخْلُوقٍ» مُطِيعُونَ لِلشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ، مُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بالكفْر أَنْ قَالُوا: القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَلَمْ يَنْسِبْ مَنْ قَالَ: «مخْلُوقٌ» إِلَى جُزْءٍ مِنْ ألفِ جُزْءٍ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ طَعْنِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ رِوَايَاتِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ -وَلَمْ يَسْمَعْهُ بِزَعْمِهِ مِنَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ- أَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ من يَقُول القُرْآن مَخْلُوقٍ. فَلَوْ سَمِعَ هَذَا المُعَارِضُ مِنْ أَبِي يُوسُفَ نَفْسِهِ لَمْ تَقُمْ لَهُ بِهِ حُجَّةٌ، وَجَرَّ إِلَى أَبِي يُوسُفَ بِهَا فَضِيحَةً. فَاجْتِهَادُ هَذَا المُعَارِضِ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصَفْحِهِ عَمَّنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ، فَهَذَا يَدُلُّ مِنْهُ عَلَى أَسْوَأ الرِّيبَةِ، وَأَقْبَحِ الظِّنَّةِ وَأَنَّ ألْبَهُ (١)، وَمَيْلَهُ إِلَى مَنْ يَصْفَحُ عَنْهُ.

стр. 213

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ظِنَّتِهِ أَنَّ احْتِجَاجَهُ فِيهِ بِالمَقْذُوفِينَ المُتَّهَمِينَ فِي دِينِ الله تَعَالَى مِثْلِ المَرِيسِيِّ، والُّلؤْلُؤِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ. فَأَيْنَ هُوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ وَمَعْمَرٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَنُظَرَائِهِمْ؟ وَأَيْنَ هُوَ عَمَّنْ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِ، مِثْلِ ابْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنِيّ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَنُظَرَائِهِمْ إِنْ كَانَ مُتَّبِعًا مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ؟ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي مَذْهَبِهِ حِكَايَةً وَلَا رِوَايَة، وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بالمَغْمُورِين المَغْمُوزِين، إِذْ لم يُمْكنهُ التَّعْلُّق بِهَؤُلَاءِ المَشْهُورِينَ، كَيْمَا يُرَوِّجُ ضَلَالَهُ عَلَى النَّاسِ بِأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ لَا قَبُولَ لَهُمْ وَلَا عَدَالَةَ عِنْدَ أَهْلِ الإِسْلَامِ. ثُمَّ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَفْحَشَ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ فِي نَفْيِ الكَلَامِ عَنِ الله تَعَالَى، لَمَا ادَّعَيْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ نَسَبَ الكَلَامَ إِلَى الجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، فَشَبَّهْتَ اللهَ تعالى في كَلامِهِ بالجِبَالِ، والشَّجَرِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى الكَلَامِ وَلَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ يَجْعَلُونَ اللهَ الحَيَّ القَيُّومَ المُتَكَلِّمَ بالكلَام، السَّمِيعَ البَصِيرَ، القَابِضَ البَاسِطَ، كَالمَدَرِ والِحجِارَة، والجِبَالِ، والتِّلَالِ الصُّم البُكْمِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا كَلَامٌ وَلَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ. فَقَالَ: كَمَا يَجَوزُ عِنْدَنَا فِي المَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الكَلَامُ إِلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الصُّمِّ، يَجُوزُ فِي المَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الكَلَامُ إِلَى الله تَعَالَى، من غير أَن يَقْدِرَ اللهُ عَلَى الكَلَامِ فِي دَعْوَاهُمْ، إِلَّا كَقُدْرَةِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالكُفْرِ البَيِّنِ مِنْ هَذَا المَذْهَبِ؟، بَلْ هُوَ الكُفْرُ صُرَاحًا: أَنْ يَكُونَ مَنْزِلَةُ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى [٣٨/ظ] عِنْدهم، كَكَلام الجبَال، والشَجَرِ والحَجَرِ، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ

стр. 214

وَالأَشْيَاءِ المَخْلُوقَةِ البَيِّنَةِ. هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ، وَلَا هُوَ عَنْ مَذَاهِبِ الإِسْلَامِ، وَلَا يَحْتَاجُ، إِلَى نَقِيضِهِ مِنَ الكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا نَقِيضُهَا مِنْ نَفْسِ كَلَامِ المُعَارِضِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ كَلَامَ الله، وَالقُرْآنَ مُضَافٌ إِلَى الله؛ كَبَيْتِ الله، وَكَرُوحِ الله، وكَعَبْدِ الله، أَوْ شَبَّهَهُ بِكَلَامِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَخْلُوق اخْتَلَقَهُ فِي ... -دَعْوَاهُ- بَشَرٌ كَذَّابٌ، كَمَا قَالَ الوَحِيدُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] لما أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ لِنَفْسِهِ كَلَامَهُ يَدْعُو إِلَى اللهِ، وَإِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ اللهُ عِنْدَكُمْ فَهُوَ كَلَامُ نَفْسِهِ بِحَقِيقَة مِنْهُ وَمِنْهُ خَرَجَ، وَلَا يَجْهَلُ ذُو عَقْلٍ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الله كَلَامٌ مَخْلُوقٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ عِنْدَكُمْ غَيْرَ الله، ثُمَّ أَضَافَهُ كَذِبًا وَزُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى الله، فَهَذَا المُتَكَلِّمُ بِهِ المُضِيفُ إِلَى الله كَذَّابٌ مُفْتَرٍ كَافِرٌ، بِالله إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]، أويقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، أَوْ يَقُولُ لِمُوسَى ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢].فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ هَذَا، أَوْ قَالَهُ غَيْرُ الله؛ فَهُوَ كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]، لَا يَسْتَحِقُّ قَائِلُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ قُرْآنًا يُضَافُ إِلَى الله وَيُقَامُ بِهِ دِينُ الله. هذا أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَضْوَأُ مِنْهَا إِلَّا عِنْدَ كُلِّ مُدَلِّسٍ. وَلَوْ لَمْ يُذِعْ هَذَا المُعَارِضُ هَذَا الكَلَامَ، وَلَمْ يَنْشُرْهُ فِي النَّاسِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمُنَاقَضَتِهِ وَإِدْخَالٍ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّا لَمْ نَقْصِدْ بِالنَّقْضِ إِلَيْهِ، وَلَكِن إِلَى ضُعَفَاءِ مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهَذَا المَذْهَبِ. سَمِعُوا بِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعُوا ضِدَّ كَلَامِهِ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاحْتِجَاجِهِمْ، فَيَضِلُّونَ بِهِ، إِذْ لَا يَهْتَدُونَ بِضِدِّهِ وَمَا يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ.

стр. 215

فَلَوْ أَنَّهُ أَلَّفَ لَهُمْ كُتُبًا فِي مَعَالِمِ دِينِهِمْ مِنْ نَحْوِ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا؛ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَأَسْلَمَ لِدِينِهِ وَأَنْفَعَ لِمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ المُسْلِمِينَ. غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّهُ اضطَمَرَ هَذَا الرَّأْيَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَجِيشُ فِي صَدْرِهِ، ولَا يُمْكِنُهُ كَظْمُهُ حَتَّى هَمَّ بِإِظْهَارِهِ فِيمَا بَلَغَنِي مرَّة، فَأَنْكَرَهَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهَا وفُقَهَاؤُهَا وَاسْتَتَابُوهُ مِنْهَا فَتَابَ، وَعَاهَدَهُمْ أَنْ لَا يَعُودَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ عِيلَ صَبْرُهُ بَعْدَ وَفَاةِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ حَتَّى عَرَّفَ بِمَا [في] صَدرَهُ فَافْتُضِحَ وَفَضَحَ أَئِمَّتَهُ، وَضَلَّ وَأَضَلَّ وَجَهِلَ فَلَمْ يَعْقِلْ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُعْجَبٌ بِالإِصَابَةِ غَافِلٌ عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الإِثْمِ وَالعَارِ وَالنَّقْصِ مِنْ كِتَابِ الله وَآثَارِ رَسُولِ الله ﷺ وَمَذَاهِبِ الصَّالِحِينَ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ، لَكَانَ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَكَانَ يَسْتَتِرُ مِنَ الِافْتِضَاحِ بِهِ حَتَّى أَنْطَقَ اللهُ بِلِسَانِهُ وَصَرَّحَ بِالمَخْلُوقِ أَيْضًا فِي كَلَامٍ مُمَوَّهٍ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، مَكْشُوفٍ عِنْدَ الفُقَهَاءِ. فَادَّعَى أَيْضًا أَنَّ كَلَامَ الله يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَأَنَّ أَفَاعِيلَهُ زَائِلَةٌ عَنْهُ. وَكُلُّ زَائِلٍ عَنِ الله مَخْلُوقٌ فِي دَعْوَاهُ. فَلَمْ يَزَلْ يَعِيبُ عَنْ هَذَا القَوْلِ، [٣٩/و] وَيُلَجْلِجُ بِهِ فِي صَدره حَتَّى صَرَّحَ بِهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ بِالبِلَادِ مَنْ يَفْطِنُ لِمَذْهَبِهِ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ فِعْلُ اللهِ الزَّائِلُ عنه؛ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ: كَلَامُ الله؛ لِأَنَّ القَوْلَ غَيْرُ الفِعْلِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالمَفْعُولَاتُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِالمَخْلُوقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَعْدَمَا عَابَ مَنْ قَالَهُ، وَرَجَعَ عَيْبُهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. أرأيتك أَيهَا المعَارض إِذْ ادَّعَيْتَ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُزَادُ على أَنْ يُقَالَ: كَلَامُ اللهِ ثُمَّ يَسْكُتُ عَمَّا وَرَاءَ
следующие страницы →