← Акыда

Акыда · id 18091

نقض الدارمي على المريسي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (354 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَيْلَكَ! إِنَّمَا المُوَحِّدُ الصَّادِقُ فِي تَوْحِيدِهِ الَّذِي يُوَحِّدُ اللهَ بِكَمَالِهِ، وَبِجَمِيعِ صِفَاتِهِ فِي عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَقَبْضِهِ وَبَسْطِهِ وَهُبُوطِهِ وَارْتِفَاعِهِ، الغَنِيَّ عَن جميع خَلْقِهِ بجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ النَّفْسِ وَالوَجْهِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَاليَدَيْنِ وَالعِلْمِ وَالكَلَامِ، وَالقُدْرَةِ وَالمَشِيئَةِ وَالسُّلْطَانِ، القَابِضَ البَاسِطَ، المُعِزَّ المُذِلَّ، الحَيَّ القَيُّومَ، الفَعَّالَ لِمَا يَشَاءُ. هَذَا إِلَى التَّوْحِيدِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا الَّذِي يُوَحِّدُ إِلَهًا مُخَدَّجًا مَنْقُوصًا مَقْصُوصًا، لَوْ كَانَ عَبْدًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يكن يُسَاوِي تَمْرَتَيْن؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِينَ؟ تَعَالَى اللهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ بِبَعْضِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ حُجَجِ الوَاقِفَةِ فَقَالُوا: أَتَقُولُونَ: يَا رَبُّ -القُرْآن- افْعَلْ بِنَا كَذَا، وَكَذَا؟ أَمْ يُصَلِّي أَحَدٌ لِلْقُرْآنِ كَمَا يُصَلِّي للهِ؟ يَعْنِي أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ. فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الحَائِرِ، الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ: إِنَّهُ لَا يُصَلَّى لِلْقُرْآنِ وَلَكِنْ يُصَلَّى بِهِ للهِ الوَاحِدِ، الَّذِي هَذَا القُرْآنُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، لَا يُخَصُّ بِالصَّلَاةِ قُرْآنٌ وَلَا غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَعِزَّهُ وَجَلَالَهُ لَا يُصَلَّي لِشَيْءٍ مِنْهَا مَقْصُودًا بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا وَحْدَهَا، وَلَكِنْ يُصَلَّي لِلْوَاحِدِ الأَحَدِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ العِلْمِ، وَالكَلَامِ، وَالمُلْكِ وَالقُدْرَة وَغَيرهَا، فَاعْقِلْهُ، وَأَنَّى لَكَ العَقْلُ مَعَ هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَالخُرَافَاتِ؟! أَرَأَيْتَكَ إِنْ عَرَّضْتَ بِالقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَما أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا رَبَّ القُرْآنِ، فَجَعَلْتَهُ مَخْلُوقًا بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات:١٨٠]،أَفَتَحْكُمُ عَلَى عِزَّةِ الله بِقَوْلِهِ: ... ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ كَمَا حَكَمْتَ عَلَى القُرْآنِ؟

стр. 212

وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يَقُولُ: ذِي العِزَّةِ. وَكَذَلِكَ ذُو الكَلَامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]. [٣٨/و] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِقَادِ هَذَا المُعَارِضِ رَأْيَ الجَهْمِيَّةِ لَا رَأْيَ الوَاقِفَةِ أَنَّ ذَبَّهُ وَمُنَافَحَتَهُ وَاحْتِجَاجَهُ عَنْ غَيْرِ الوَاقِفَةِ، وَأَنَّهُ أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ الإِنْكَارَ عَلَى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: عَلَى مَنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَمْوِيهًا بِهِ وَدُنُوًّا بِهِ إِلَى العَامَّةِ، ثُمَّ لَمْ يُكْثِرِ الطَّعْنَ عَلَى مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، كَمَا أَطْنَبَ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، حَتَّى جَاوَزَ فِيهِمُ الحَدَّ وَالمِقْدَارَ، فَنَسَبَهُمْ فِيهِ إِلَى الكُفْرِ البَيِّنِ وَالبِدْعَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالضَّلَالَةِ وَالجَهْلِ، وَقِلَّةِ العِلْمِ وَالتَّمْيِيز، وَسُوءِ الدِّيَانَةِ، وَسُوءِ مُرَاقَبَةِ الله، وَأَنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: «غَيْرُ مَخْلُوقٍ» مُطِيعُونَ لِلشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ، مُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بالكفْر أَنْ قَالُوا: القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَلَمْ يَنْسِبْ مَنْ قَالَ: «مخْلُوقٌ» إِلَى جُزْءٍ مِنْ ألفِ جُزْءٍ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ طَعْنِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ رِوَايَاتِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ -وَلَمْ يَسْمَعْهُ بِزَعْمِهِ مِنَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ- أَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ من يَقُول القُرْآن مَخْلُوقٍ. فَلَوْ سَمِعَ هَذَا المُعَارِضُ مِنْ أَبِي يُوسُفَ نَفْسِهِ لَمْ تَقُمْ لَهُ بِهِ حُجَّةٌ، وَجَرَّ إِلَى أَبِي يُوسُفَ بِهَا فَضِيحَةً. فَاجْتِهَادُ هَذَا المُعَارِضِ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصَفْحِهِ عَمَّنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ، فَهَذَا يَدُلُّ مِنْهُ عَلَى أَسْوَأ الرِّيبَةِ، وَأَقْبَحِ الظِّنَّةِ وَأَنَّ ألْبَهُ (١)، وَمَيْلَهُ إِلَى مَنْ يَصْفَحُ عَنْهُ.

стр. 213

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ظِنَّتِهِ أَنَّ احْتِجَاجَهُ فِيهِ بِالمَقْذُوفِينَ المُتَّهَمِينَ فِي دِينِ الله تَعَالَى مِثْلِ المَرِيسِيِّ، والُّلؤْلُؤِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ. فَأَيْنَ هُوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ وَمَعْمَرٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَنُظَرَائِهِمْ؟ وَأَيْنَ هُوَ عَمَّنْ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِ، مِثْلِ ابْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنِيّ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَنُظَرَائِهِمْ إِنْ كَانَ مُتَّبِعًا مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ؟ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي مَذْهَبِهِ حِكَايَةً وَلَا رِوَايَة، وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بالمَغْمُورِين المَغْمُوزِين، إِذْ لم يُمْكنهُ التَّعْلُّق بِهَؤُلَاءِ المَشْهُورِينَ، كَيْمَا يُرَوِّجُ ضَلَالَهُ عَلَى النَّاسِ بِأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ لَا قَبُولَ لَهُمْ وَلَا عَدَالَةَ عِنْدَ أَهْلِ الإِسْلَامِ. ثُمَّ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَفْحَشَ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ فِي نَفْيِ الكَلَامِ عَنِ الله تَعَالَى، لَمَا ادَّعَيْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ نَسَبَ الكَلَامَ إِلَى الجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، فَشَبَّهْتَ اللهَ تعالى في كَلامِهِ بالجِبَالِ، والشَّجَرِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى الكَلَامِ وَلَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ يَجْعَلُونَ اللهَ الحَيَّ القَيُّومَ المُتَكَلِّمَ بالكلَام، السَّمِيعَ البَصِيرَ، القَابِضَ البَاسِطَ، كَالمَدَرِ والِحجِارَة، والجِبَالِ، والتِّلَالِ الصُّم البُكْمِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا كَلَامٌ وَلَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ. فَقَالَ: كَمَا يَجَوزُ عِنْدَنَا فِي المَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الكَلَامُ إِلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الصُّمِّ، يَجُوزُ فِي المَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الكَلَامُ إِلَى الله تَعَالَى، من غير أَن يَقْدِرَ اللهُ عَلَى الكَلَامِ فِي دَعْوَاهُمْ، إِلَّا كَقُدْرَةِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالكُفْرِ البَيِّنِ مِنْ هَذَا المَذْهَبِ؟، بَلْ هُوَ الكُفْرُ صُرَاحًا: أَنْ يَكُونَ مَنْزِلَةُ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى [٣٨/ظ] عِنْدهم، كَكَلام الجبَال، والشَجَرِ والحَجَرِ، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ

стр. 214

وَالأَشْيَاءِ المَخْلُوقَةِ البَيِّنَةِ. هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ، وَلَا هُوَ عَنْ مَذَاهِبِ الإِسْلَامِ، وَلَا يَحْتَاجُ، إِلَى نَقِيضِهِ مِنَ الكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا نَقِيضُهَا مِنْ نَفْسِ كَلَامِ المُعَارِضِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ كَلَامَ الله، وَالقُرْآنَ مُضَافٌ إِلَى الله؛ كَبَيْتِ الله، وَكَرُوحِ الله، وكَعَبْدِ الله، أَوْ شَبَّهَهُ بِكَلَامِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَخْلُوق اخْتَلَقَهُ فِي ... -دَعْوَاهُ- بَشَرٌ كَذَّابٌ، كَمَا قَالَ الوَحِيدُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] لما أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ لِنَفْسِهِ كَلَامَهُ يَدْعُو إِلَى اللهِ، وَإِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ اللهُ عِنْدَكُمْ فَهُوَ كَلَامُ نَفْسِهِ بِحَقِيقَة مِنْهُ وَمِنْهُ خَرَجَ، وَلَا يَجْهَلُ ذُو عَقْلٍ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الله كَلَامٌ مَخْلُوقٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ عِنْدَكُمْ غَيْرَ الله، ثُمَّ أَضَافَهُ كَذِبًا وَزُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى الله، فَهَذَا المُتَكَلِّمُ بِهِ المُضِيفُ إِلَى الله كَذَّابٌ مُفْتَرٍ كَافِرٌ، بِالله إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]، أويقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، أَوْ يَقُولُ لِمُوسَى ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢].فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ هَذَا، أَوْ قَالَهُ غَيْرُ الله؛ فَهُوَ كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]، لَا يَسْتَحِقُّ قَائِلُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ قُرْآنًا يُضَافُ إِلَى الله وَيُقَامُ بِهِ دِينُ الله. هذا أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَضْوَأُ مِنْهَا إِلَّا عِنْدَ كُلِّ مُدَلِّسٍ. وَلَوْ لَمْ يُذِعْ هَذَا المُعَارِضُ هَذَا الكَلَامَ، وَلَمْ يَنْشُرْهُ فِي النَّاسِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمُنَاقَضَتِهِ وَإِدْخَالٍ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّا لَمْ نَقْصِدْ بِالنَّقْضِ إِلَيْهِ، وَلَكِن إِلَى ضُعَفَاءِ مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهَذَا المَذْهَبِ. سَمِعُوا بِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعُوا ضِدَّ كَلَامِهِ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاحْتِجَاجِهِمْ، فَيَضِلُّونَ بِهِ، إِذْ لَا يَهْتَدُونَ بِضِدِّهِ وَمَا يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ.

стр. 215

فَلَوْ أَنَّهُ أَلَّفَ لَهُمْ كُتُبًا فِي مَعَالِمِ دِينِهِمْ مِنْ نَحْوِ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا؛ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَأَسْلَمَ لِدِينِهِ وَأَنْفَعَ لِمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ المُسْلِمِينَ. غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّهُ اضطَمَرَ هَذَا الرَّأْيَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَجِيشُ فِي صَدْرِهِ، ولَا يُمْكِنُهُ كَظْمُهُ حَتَّى هَمَّ بِإِظْهَارِهِ فِيمَا بَلَغَنِي مرَّة، فَأَنْكَرَهَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهَا وفُقَهَاؤُهَا وَاسْتَتَابُوهُ مِنْهَا فَتَابَ، وَعَاهَدَهُمْ أَنْ لَا يَعُودَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ عِيلَ صَبْرُهُ بَعْدَ وَفَاةِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ حَتَّى عَرَّفَ بِمَا [في] صَدرَهُ فَافْتُضِحَ وَفَضَحَ أَئِمَّتَهُ، وَضَلَّ وَأَضَلَّ وَجَهِلَ فَلَمْ يَعْقِلْ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُعْجَبٌ بِالإِصَابَةِ غَافِلٌ عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الإِثْمِ وَالعَارِ وَالنَّقْصِ مِنْ كِتَابِ الله وَآثَارِ رَسُولِ الله ﷺ وَمَذَاهِبِ الصَّالِحِينَ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ، لَكَانَ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَكَانَ يَسْتَتِرُ مِنَ الِافْتِضَاحِ بِهِ حَتَّى أَنْطَقَ اللهُ بِلِسَانِهُ وَصَرَّحَ بِالمَخْلُوقِ أَيْضًا فِي كَلَامٍ مُمَوَّهٍ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، مَكْشُوفٍ عِنْدَ الفُقَهَاءِ. فَادَّعَى أَيْضًا أَنَّ كَلَامَ الله يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَأَنَّ أَفَاعِيلَهُ زَائِلَةٌ عَنْهُ. وَكُلُّ زَائِلٍ عَنِ الله مَخْلُوقٌ فِي دَعْوَاهُ. فَلَمْ يَزَلْ يَعِيبُ عَنْ هَذَا القَوْلِ، [٣٩/و] وَيُلَجْلِجُ بِهِ فِي صَدره حَتَّى صَرَّحَ بِهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ بِالبِلَادِ مَنْ يَفْطِنُ لِمَذْهَبِهِ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ فِعْلُ اللهِ الزَّائِلُ عنه؛ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ: كَلَامُ الله؛ لِأَنَّ القَوْلَ غَيْرُ الفِعْلِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالمَفْعُولَاتُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِالمَخْلُوقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَعْدَمَا عَابَ مَنْ قَالَهُ، وَرَجَعَ عَيْبُهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. أرأيتك أَيهَا المعَارض إِذْ ادَّعَيْتَ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُزَادُ على أَنْ يُقَالَ: كَلَامُ اللهِ ثُمَّ يَسْكُتُ عَمَّا وَرَاءَ

стр. 216

ذَلِكَ لَمَا أَنَّهُ لَمْ يُخَضْ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَمَنْ خَاضَ فِيهِ كَانَ بِزَعْمِكَ مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، فَكَيْفَ تَرَكْتَ فِيهِ قَوْلَ الله تَعَالَى وَمِنْهَاجَ السَّلَفِ، وَرَجَعْتَ عَنْ كَلَامِ الله فَجَعَلْتَهُ فِعْلًا لَهُ مَخْلُوقًا؟ أوَ مَا تَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ مَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ؟ لقد ارْتَطَمْتَ فِيمَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ، وَصَرَّحْتَ بِالمَخْلُوقِ بَعْدَمَا نَسَبْتَ إِلَى البِدْعَةِ مَنْ قَالَهَا، وَبُؤْتَ بِمَا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، وَتابَعْتَ جَهْمًا وَالمَرِيسِيَّ فِي دَعْوَاهُمَا، زَعَمَ هَذَانِ أَنَّهُ مَجْعُولٌ وَزَعَمْتَ أَنْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَكِلَا المَعْنَيَيْنِ سَوَاءٌ. وَقَدْ كَانَ رَأْسُ حُجَجِ المَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَأَوْثَقُهَا فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى تَأَوَّلُوا فِيهَا عَلَى الله مِنْ كِتَابِهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ. فَقَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ١ - ٣] و ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فَادَّعَوْا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ إِلَّا وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَخْلُوقٌ، فَضَلُّوا بِهَذَا التَّأْوِيل عَن سَوَاء السَّبِيلِ وَجَهِلُوا فِيهِ مَذَاهِبَ أَهْلِ الفِقْهِ وَالبَصَرِ بِالعَرَبِيَّةِ. فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللهُ سَلَبَ مِنْكُمْ مَعْرِفَةَ الكِتَابِ وَالعِلْمِ بِهِ وَبِمَعَانِيهِ، وَبِمَعْرِفَةِ لُغَاتِ العَرَبِ، حَتَّى ادَّعَيْتُمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُقَالُ: «جَعَلْناهُ» فَهُوَ خَلَقْنَاهُ. أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الجَهَلَةُ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، أَهُوَ خَلَقْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ؟ وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]-لَا إِلَهَ إِلَّا الله- أَهُوَ خَلَقَهَا؟

стр. 217

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، و ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، أَهُوَ خَلَقَ (١) لَهُ مَخْرَجًا؟ أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] أَهُوَ خَلَقْنَا؟ أَمْ قَوْلُهُ: و ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢] أم قَوْله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ [الحشر: ١٠]، أم قَوْلُهُ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] أَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ لَا تَخْلُقْنَا، بِعَدَما خَلْقِهِمْ مَرَّةً؟ أم قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤] أَيَقُولُ اخْلُقْ لي. أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] أَيِ اخْلُقْنَا؟! أَمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]،أَيَجُوزُ أَنْ يُقَال: وخَالِقُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟! أَمْ قَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٥] أَهُوَ اخْلُقْنِي، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟. أَمْ [٣٩/ظ] قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: جَعَلَكَ الله بِخَيْرٍ؟ وَكُلُّ مَا عَدَدْنَا مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَمَا يُشْبِهُهَا مِمَّا لَمْ يُعَدَّدْ، يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصْرِفَ جَعَلْنَا مِنْهَا إِلَى خَلَقْنَا. وأَشَدُّها اسْتِحَالَة: مَا ادَّعَيْتُم عَلَى الله تَعَالَى فِي

стр. 218

قَوْله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَنَّهُ خَلَقْنَاهُ، فَلَمْ تَفْقَهُوا مَعْنَاهُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِكُمْ بِالعَرَبِيَّةِ. وَيْلكُمْ! إِنَّمَا الكَلَامُ لله بَدْءًا وَأَخِيرًا، وَهُوَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا: إِنْ شَاءَ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ شَاءَ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَإِن شَاءَ بالسُّرْيَانيَّة، فَقَالَ: جعلت هَذَا القُرْآنَ مِنْ كَلَامِي عَرَبِيًّا، وَجَعَلْتُ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيل مِنْ كَلَامِي عِبْرَانِيًّا؛ لَمَا أَنَّهُ أَرْسَلَ كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ: فَجَعَلَ كَلَامَهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَهُ كَلَامًا لِكُلِّ قَوْمٍ بِلُغَاتِهِمْ فِي أَلْسِنَتِهِم. فَقَوْلُهُ: «جَعَلْنَاهُ» صَرَفْنَاهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَة أُخْرَى لَيْسَ أَنَّا خَلَقْنَاهُ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ فِي دَعْوَاكُمْ، فَهُوَ مَعَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. يَقُولُ: تَسْتَنِيرُ بِهِ القُلُوبُ وَتَنْشَرِحُ لَهُ، لَا أَنَّهُ نُورٌ مَخْلُوقٌ، لَهُ ضَوْءٌ قَائِمٌ، يُرَى بِالأَعْيُنِ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالكَوَاكِبِ. فَافْهَمْهُ، وَلَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ. وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِصَاحِبِهِ». فَقَالَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: إِنْ قُلْتُمْ بِهَذَا الحَدِيثِ كَانَ نَقْضًا لِمَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَاءَى شَيْءٌ فِي صُورَةٍ، إِلَّا وَذَلِكَ المُتَرَائِي وَالمُتَكَلِّمُ فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ مَخْلُوقٌ. فَقَدْ فَسَّرْنَا هَذَا لِهَذَا المُعْجَبِ بِجَهَالَتِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا، أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ الله لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ، وَلَا جِسْمٌ، وَلَا يَتَحَوَّلُ صُورَةً أَبَدًا، لَهُ فَمٌ وَلِسَانٌ ينْطِقُ بِهِ ويَشْفَعُ، قد عَقِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ. فَلَمَّا كَانَ المَعْقُولُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ يُصَوِّرُهُ الله فِي أَعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، جَزَاءً لَهُمْ عَن القُرْآن الَّذِي قَرَءُوُه.

стр. 219

وَاتَّبَعُوا مَا فِيهِ، لِيُبَشِّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ وَنَفْسُ القُرْآنِ كَلَامٌ غَيْرُ مُجَسَّم فِي كُل أَحْوَاله، إِنَّمَا يُحَسُّ بِهِ إِذَا قُرِئَ، فَإِذا زَالَت عَنهُ القَرَأَةُ؛ لم يُوقَفْ لَهُ على جِسْمٍ وَلَا صُورَةٍ، إِلَّا أَنْ يُرْسَمَ بِكِتَابٍ. هَذَا مَعْقُولٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ. قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ -إِنْ شَاءَ الله- وَلَكِنَّكُمْ تُغَالِطُونَ، وَالعُلَمَاءُ بِمُغَالَطَتِكُمْ عَالمون وَلِضَلَالَتِكُمْ مُبْطِلُونَ. وَيَكْفِي العَاقِلَ أَقَلُّ مِمَّا بَيَّنَّا وشَرَحْنَا مِنْ مَذَاهِبِكُم، غَيْرَ أَنَّ فِي تَكْرِيرِ البَيَانِ شِفَاءٌ لما فِي الصُّدُور. وَأما دَعْوَاكَ أَيهَا المعَارِضُ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنَ السَّلَفِ فِي القُرْآنِ قَوْلٌ وَلَا خَوْضٌ، أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٌ, فَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ الله عَنْهُمْ مَا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ، وَسَنَحْكِيهِ لَكَ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَعْلَى وَأَعْلَمَ مِمَّنْ حَكَيْتَ عَنْهُمْ مَذْهَبَكَ؛ نَحْوَ المَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِي، ونُظَرائِهِم. (١٣١) حَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا مَعْبَدٌ قَالَ عَليٌّ:-وَهُوَ ابْنُ رَاشِدٍ- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: القُرْآنُ خَالِقٌ هو، أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: «لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوق، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللهِ» (١). (١٣٢) وَسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيَّ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَدْرَكْتُ، [٤٠/و] أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ دُونَهُمْ مُنْذُ

стр. 220

سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: «اللهُ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَالقُرْآنُ كَلَامُ الله، مِنْهُ خرجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ» (١). (١٣٣) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ -مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ مَوْلَى خَالِدٍ القَسْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارك بِالمِصِّيصَةِ -وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ القُرْآنِ- قَالَ: «وَهُوَ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (٢). (١٣٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (٣). (١٣٥) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن مَنْصُورٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ الجَزَرِيَّ يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (٤). (١٣٦) حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ

стр. 221

بهْرَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ المُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (١). قَالَ هِشَامٌ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ المُعَافَى» قَالَ عَلِيٌّ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ هِشَامٌ»، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ خَمْسِينَ مَرَّةً»، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا»، قَالَ الصَّرَّامُ (٢): «وَأَنَا أَقُول كَمَا قَالُوا» قَالَ رُوَاةُ الصَّرَّامِ: «وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا»، وَقَالَ لَنَا إِسْحَاقُ (٣): «وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا». فَكُلُّ هَؤُلَاءِ قد قَالُوا: «إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، وَلَيْسُوا بِدُونِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَرهُوا الخَوْض فِيهِ فَيَقُولُوا: «هو غَيْرُ مَخْلُوق» مِثْل أبي أُسَامَةَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ- إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهِمْ دَعْوَاكَ-. وَأَخَسُّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَعْلَى مِنَ المَرِيسِيِّ، واللُّؤْلُؤِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ، وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، حَتَّى لَقَدْ أَكْفَرَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ القَتْلَ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ بِذَلِكَ؛ إِلَّا وَأَنَّ قَوْلَهُمْ في ذلك كَانَ عِنْدَهُمْ كُفْرًا. (١٣٧) حَدَّثَنِي يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ زَنَادِقَةً، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ

стр. 222

وَرَسُولُهُ» (١). فَالجَهْمِيَّةُ عِنْدَنَا أَخْبَثُ الزَّنَادِقَةِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ قَوْلِهِمْ إِلَى التَّعْطِيلِ كَمَذْهَبِ الزَّنَادِقَةِ سَوَاءٌ. (١٣٨) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَعْمَرِيُّ البَغْدَادِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله القَسْرِيُّ بِوَاسِطَ يَوْمَ أَضْحَى فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ! فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا». ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ (٢).

стр. 223

(١٣٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ بنَ سَعْدٍ: مَا تَقُولُ فِي الزَّنَادِقَةِ تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَاك؟ قَالَ: كَانَ عَلَيْنَا وَالٍ بِالمَدِينَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ فَبَعَثَ إِلَى أبي (١)، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهِيدَنَّكَ فَإِنَّهُ قَوْلُ اللهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] قَالَ: السَّيْفُ سُنَّةُ القَتْلِ (٢). (١٤٠) وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَا تَرَى فِي قَتْلِ هَؤُلَاءِ [٤٠/ظ] الجَهْمِيَّةِ؟ قَالَ يُسْتَتَابُونَ، فَقُلْتُ: لَا، أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا، يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ (٣). (١٤١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر المصْرِيُّ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (٤). قَالَ مَالِكٌ: وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا -فِيمَا نَرَى وَالله أَعْلَمُ- أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَأَشْبَاهِهِا، فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقْتَلُونَ، وَلَا يُسْتَتَابُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ رَوِيَّتُهُم (٥)، وَأَنَّهُ قَدْ كَانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ بِالإِسْلَامِ، فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ (٦).

стр. 224

(١٤٢) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى البُوَيْطِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِي الزِّنْدِيقِ: «يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ وَلَا يُقْتَلُ» (١). (١٤٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُعْتَمِرِ السِّجِسْتَانِيُّ -وَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَهْلِ سِجِسْتَانَ وَأَصْدَقِهِمْ- عَنْ زُهَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ البَابِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ سَلَّامَ بن أبي مُطِيع يَقُول: «الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ» (٢). (١٤٤) قَالَ: وَسَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ -وَذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ عَنْ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ- فَقَالَ: «ذَاكَ كَافِرٌ» (٣). (١٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، ثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾: مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ (٤). (١٤٦) وَسَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الأَنْطَاكِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا يُكَفِّرُ الجَهْمِيَّةَ (٥). (١٤٧) وَكَتَبَ إِليَّ عَلِيُّ بْنِ خَشْرَمٍ: أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ كَانَ لَا يَعُدُّ الجَهْمِيَّةَ فِي عِدَادِ المُسْلِمِينَ (٦). (١٤٨) وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ

стр. 225

زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ» (١). فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَأَنْزَلَاهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاسْتحقَّ بِتَبْدِيلِهِ القَتْل. (١٤٩) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَحَرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَمَا حَرَقْتُهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وَقَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله» (٢). فَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ المَشْهُورِينَ فِي إِكْفَارِ الجَهْمِيَّةِ وَقَتْلِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِمْ: «القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، أَن هَذِه الرِّوَايَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَ أَثَرًا عِنْدَهُ؛ لَما أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: «الأَثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ، وَمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِأَثَرٍ». فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: فَكَيْفَ جَعَلْتَ أَنْتَ أَثَرًا مَا رَوَيْتَ فِي رَدِّ مَذْهَبِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَالمَرِيسِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ، وَالثَّلْجِيِّ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَبَقِيَّةَ بن الوَلِيد، وَابْن المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، ونُظَرَائِهِم أثرًا عنْدك؛ فَأَبْعَدَ مِنَ الأَثَرِ مَا احْتَجَجْتَ فِي رَدِّهِ عَنِ المَرِيسِيِّ، وَالثَّلْجِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ

стр. 226

وَنُظَرَائِهِمْ. فَكَيْفَ أَقَمْتَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ المُتَّهَمِينَ لِنَفْسِكَ أَثَرًا، وَلَا تُقِيمُ، [٤١/و] أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ المُتَمَيِّزِينَ لَنَا أَثَرًا؟ مَعَ أَنَّ أبا يُوسُفَ إِنْ قَالَ: «لَيْسَتْ أَقَاوِيلُ التَّابِعِينَ بِأَثَرٍ»؛ فَقَدْ أَخْطَأَ. إِنَّمَا يُقَالُ: لَيْسَ اخْتِلَافُ التَّابِعِينَ سُنَّةً لَازِمَةً، كَسُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَثَرًا، فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَقَاوِيلُهُمْ ألزَمُ لِلنَّاسِ مِنْ أَقَاوِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى التَّابِعِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠] فَشهد بِاتِّبَاع الصَّحَابَةِ، وَاسْتِيجَابِ الرُّضْوَانِ مِنَ الله تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَاجْتَمَعَتِ الكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثُرُونَ عَنْهُمْ بِالأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثُرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ ألزَمَ لهم مِنْ آرَاءِ مَنْ بَعْدَهُمْ، لِلِاسْم الذِي اسْتَحَقُّوا مِنَ اللهِ تَعَالَى، ومِنْ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ الذِينَ سَمُّوهُم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . حَتَّى لَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: «وَلَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ» فَقَالَ: «رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» (١). فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَن التَّابِعين أَثَرًا، فَبِئْسَ مَا أَثْنَى عَلَى زَعِيمِهِ وَإِمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ، إِذْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ عَامَّةَ فُتْيَاهُ بِغَيْرِ أَثَرٍ؛ لِأَنَّ عِظَمَ مَا أَفْتَى وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، مِمَّا رَوَاهُ عَن حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِغَيْرِ أَثَرٍ، وَعَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَبِعَهُ فِي فُتْيَاهُ مِنْ

стр. 227

غَيْرِ نَظَرٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا روى عَن التَّابِعين آَثَارٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَكُمْ، فَكَيْفَ سَمَّيْتَ رَأْيَ إِبْرَاهِيمَ: آثَارَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَإِنَّمَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ. كَذَبْتُمْ إِذًا فِيمَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَثَرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَكُمْ. فَتَفَهَّمْ أَيُّهَا المُعَارِضُ ثُمَّ تَكَلَّمْ، وَلَا تَنْطِقَنَّ بِمَا لَا تَعْلَمُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تُحْسِنُ فَتَعَلَّمْ، وَلَا تُرْسِلْ مِنْ رَأْسِكَ ما يَأْخُذُ مِنْكَ بِالكَظْمِ، فَيَنْقُضَ عَلَيْكَ وَتُطَلَّمَ (١) وَتُعَدَّ فِي عِدَادِ مَنْ لَا يَفْهَم. * * *

стр. 228

بَابُ الحثِّ عَلَى طَلَبِ الحَدِيثِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الحَدِيثُ والذبِّ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَفَضْلِ هِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ. وادَّعَى المُعَارِضُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلَهُ: إِنَّ الأَثَرَ مَا رُوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ ﵃ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَنْشَأَ طاعنًا على الآثَار. وروى عَنْ أَبِي يُوسُفَ الآثَارَ تَصُدُّ النَّاسَ عَنْ طَلَبِهَا وَتُزَهِّدُهُمْ فِيهَا، بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ يُرَى مَنْ بَيْنِ ظَهْرَيْهِ أَنَّهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ مُصِيبٌ. فَكَانَ مِمَّا تَأَوَّلَ فِي رَدِّهَا أَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَيَفْشُو الحَدِيثُ عَنِّي، فَمَا وَافَقَ مِنْهَا القُرْآنَ فَهُوَ [٤١/ظ] عَنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عني». فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَقَدْ تَأَوَّلْتَ حَدِيثَ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «سَيَفْشُو الحَدِيثُ عَنِّي» عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَتَدَاوَلُهُ الحُفَّاظُ مِنَ النَّاسِ وَالصَّادِقُ، وَالكَاذِبُ، وَالمُتْقِنُ، وَالمُغَفَّلُ، وَصَدَقَ رَسُولُ الله ﷺ . قَدْ تَبَيَّنَ مَا قَالَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَلِذَلِكَ يَنْتَقِدُهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِهَا، فَيَسْتَعْمِلُونَ فِيهَا رِوَايَةَ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ، وَيَدْفَعُونَ رِوَايَةَ الغُفَلَاءِ النَّاسِينَ، وَيُزِيِّفُونَ مِنْهَا مَا رَوَى الكذَّابون، وَلَيْسَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ الِاخْتِيَارُ مِنْهَا، وَلَا كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَى القُرْآنِ، فَيَعْرِفَ مَا وَافَقَهُ مِنْهَا مِمَّا خَالَفَهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الفُقَهَاءِ، العُلَمَاءِ الجَهَابِذَةِ النُّقَّادِ لَهَا، العَارِفِينَ بِطُرُقِهَا وَمَخَارِجِهَا، خِلَافَ المَرِيسِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ وَالثَّلْجِيِّ، وَنُظَرَائِهِمُ المُنْسَلِخِينَ مِنْهَا، وَمِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَمِمَّا يُصَدِّقُهَا مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى. فَقَدْ أَخَذْنَا بِمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَلَمْ نَقْبَلْ مِنْهَا إِلَّا مَا رَوَى الفُقَهَاءُ

стр. 229

الحفَّاظ المُتْقِنُونَ، مِثْلُ: مَعْمَرٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَزَائِدَةَ، وَشَرِيكٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِرِوَايَتِهَا وَمَعْرِفَتِهَا وَالتَّفَقُّهِ فِيهَا خِلَافَ تَفَقُّهِ المَرِيسِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، فَما تَدَاوَلَ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ وَنُظَرَاؤُهُمْ عَلَى القَبُولِ قَبِلْنَاه، وَمَا رَدُّوهُ رَدَدْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ تَرَكْنَاهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ وَمَعَانِيهِ، وَأَبْصَرَ بِمَا وَافَقَهُ مِنْهَا مِمَّا خَالَفَهُ مِنَ المَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَاعْتَمَدْنَا عَلَى رِوَايَاتِهِمْ، وَقَبِلْنَا مَا قَبِلُوا، وَزَيَّفْنَا مِنْهَا مَا رَوَى الجَاهِلُونَ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا المُعَارِضِ، مِثْلِ المَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، فَأَخَذْنَا نَحْنُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنه، وَتَرَكْتَهُ أَنْتَ لِأَنَّكَ احْتَجَجْتَ فِي رَدِّ مَا رَوَى هَؤُلَاءِ الأَعْلَامُ المَشْهُورُونَ، العَالِمُونَ مَا وَافَقَ مِنْهَا كِتَابَ الله مِمَّا خَالَفَهُ، بِأَقَاوِيلِ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةِ المَغْمُورِينَ وَالشَّاهِدُ عَلَيْكَ بِمَا أَقُولُ كِتَابُكَ هَذَا الَّذِي ألَّفْتَه عَلَى نَفْسِكَ، لَا عَلَى غَيْرك. وَاحْتَجَجْتَ أَيْضًا فِي رَدِّ آثَارِ رَسُولِ الله ﷺ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا رَأْسُ الآثَارِ وَألزَمُهَا للنَّاس بكذب ادَّعَيْتَهُ، زَعَمْتَ أَنَّهُ صَحَّ عِنْدَكَ أَنَّهُ لَمْ تُكْتَبِ الآثَارُ، وَأَحَادِيثُ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ ﵁، فَكَثُرَتِ الأَحَادِيثُ وَكَثُرَ الطَّعْنُ عَلَى مَنْ رَوَاهَا. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: دَعْوَاكَ هَذِهِ كَذِبٌ، لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الصِّدْقِ، فَمِنْ أَيْنَ صَحَّ عِنْدَكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ لم تَكُنْ تُكْتَب عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ؟ وَمَنْ أَنْبَأَكَ بِهَذَا؟ فَهَلُمَّ إِسْنَادَهُ، وَإِلَّا فَإِنَّكَ مِنَ المُسْرِفِينَ عَلَى نَفْسِكَ، القَائِلِينَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ، فَقَدْ صحَّ عِنْدَنَا أَنَّهَا كُتِبَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَالخُلَفَاء بَعْدَهُ. كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁[٤٢/و] مِنْهَا صحيفَة، وَهُوَ أَحَدُ الخُلَفَاء مِنْ

стр. 230

رَسُولِ اللهِ فَقَرَنَهَا بِسَيْفِهِ، فِيهَا أَمْرُ الجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإِبِلِ، وَفِيهَا «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَو آوى مُحدثا فعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَإِذَا فِيهَا «المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» وَإِذَا فِيهَا «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ». رَوَاهُ الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَن عَليٍّ (١). فَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَدْ جِئْنَاكَ بِهِ فِي خِلَافِ دَعْوَاكَ، فَعَمَّنْ رَوَيْتَ الحَدِيثَ الَّذِي ادَّعَيْتَ أَنَّهُ صَحَّ عِنْدَكَ؟ فَأَظْهِرْهُ حَتَّى نَعْرِفَهُ كَمَا عَرَفْنَا هَذَا. (١٥٠) حَدَّثَنَا الحِمَّانِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَة، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْريِّ، عَن مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة قَالَ: جَاءَتْ سُعَاةُ عُثْمَانَ إِلَى عَلِيٍّ يَشْكُونَهُ، فَقَالَ لِي: «خُذْ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ، فَإِنَّ فِيهَا سُنَنَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَاذْهَبْ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، وَأَتَيْتُ بِهَا عَلِيًّا وَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ضَعْهَا مَكَانَهَا» (٢). فَهَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ أَحَدُ الخُلَفَاءِ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَتَبَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ. فَمِنْ أَيْنَ صَحَّ عِنْدَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَب الحَدِيثُ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ، وأَسْنِدْهُ كَمَا أَسْنَدْنَا لَكَ، وَإِلَّا فَلِمَ

стр. 231

تَدَّعِي مَا لَا تَعْقِلُهُ، وَلَا تَفْهَمُه؟ فَيَسْمَعُ بِهِ مِنْكَ سَامِعٌ مِنِ الجُهَّالِ يَحْسَبُ أَنَّكَ مُصِيبٌ فِي دَعْوَاكَ، وَأَنْتَ فِيهَا مُبْطِلٌ وَإِنَّمَا قَالَ عُثْمَانُ: «لَا حَاجَةَ لَنَا فِي الصَّحِيفَةِ» عَلَى مَعْنَى أَنَّا نُحْسِنُهَا وَنَعْرِفُ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيفَةِ. ثُمَّ كَتَبَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، فَأكْثَرَ، واسْتَأْذَنَهُ فِي الكِتَابِ عَنهُ فَأَذِنَ لَهُ. (١٥١) حَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سمعتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَأَنَا كُنْتُ لَا أَكْتُبُ» (١). (١٥٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُولُ: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ أَحْفَظَ لِحَدِيثِهِ إِلَّا عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كان يَكْتُبُ، وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ، فَكَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ، وَيَعِي بِقَلْبِهِ، وَكُنْتُ أَنَا أَعِي بِقَلْبِي» (٢).

стр. 232

وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (١٥٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: أَخَذْتُ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَنَسٍ كِتَابًا، زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لِأَنَسٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ الله ﷺ ، حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، وَكَتَبَ لَهُ: «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا فَرِيضَةُ [٤٢/ظ] الصَّدَقَةِ» ... وَسَاقَ أَبُو سَلمَة الحَدِيث بطوله (١). (١٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّدَقَاتِ نُسْخَةَ كِتَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا ... وَسَاقَهُ أَبُو صَالِحٍ بِطُولِهِ (٢). (١٥٥) حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ بِكِتَابٍ، فِيهِ الفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، والديَّات، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (٣). (١٥٦) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الله ابْن أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: فِي

стр. 233

خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ ... وسَاق نعيم الحَدِيثَ بِطُولِهِ (١). فَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَالخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃، قَدْ صَحَّ أَنَّهُ كُتِبَت الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ فِي عَصْرِهِمْ وَزَمَانِهِمْ، قَدْ أَسْنَدْنَا لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِلَيْهِمْ، فَمِنْ أَيْنَ صَحَّ عِنْدَكَ مَا ادَّعَيْتَ: أَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ؛ فَكَثُرَتِ الأَحَادِيثُ بَعْدَهُ وَكَثُرَ الطَّعْنُ عَلَى رُوَاتِهَا، وَمَنْ طَعَنَ عَلَى الثِّقَاتِ مِنْ رُوَاةِ الأَحَادِيثِ عِنْدَ مَقْتَلِ عُثْمَان؟! وَأَمَّا أَهْلُ الظِّنَّة، وَالغَفْلَةِ فِيهَا فَلَمْ يَزَالُوا مَطْعُونين عَلَيْهِمْ، لَيْسَ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَنُظَرَائُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ المَطْعُونُونَ عَلَيْهِم فِيهَا. حَتَّى ادَّعَيْتَ فِي ذَلِكَ كَذِبًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْذَبُ

стр. 234

المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ». وَهَذَا مَكْذُوبٌ عَلَى عُمَرَ. فَإِنْ تَكُ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ؛ فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِ مَنْ رَوَاهُ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ عَنْ ثِقَةٍ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَرْمِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ بِالكَذِبِ عَنْ غَيْر صِحَةٍ ولا ثَبْتٍ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا تسبُّوا أَصْحَابِي» (١) و «أحفظوني فِي أَصْحَابِي» (٢) و «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي» (٣) و «مَنْ سبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ» (٤). فَأَيُّ سَبٍّ لِصَاحِبِ رَسُولِ الله ﷺ أَعْظَمُ مِنْ تَكْذِيبِهِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟! وَإِنَّهُ لَمِنْ أَصْدَقِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَحْفَظِهِمْ عَنْهُ وَأَرْوَاهُمْ لِنَوَاسِخِ أَحَادِيثِهِ، وَالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِهِ: لِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ من ثَلَاثِ سِنِينَ، بَعْدَمَا أَحْكَمَ الله لِرَسُولِهِ ﷺ أَكْثَرَ أَمْرِ الحُدُودِ وَالفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ. وَكَيْفَ يَتَّهِمُهُ عُمَرُ بِالكَذِبِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الأَعْمَالِ النَّفِيسَةِ، وَيُوَلِّيهِ الوِلَايَاتِ؟ وَلَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ كَمَا ادَّعى المُعَارِضُ؛ لَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يَأْتَمِنُهُ عَلَى أُمُورِ المُسْلِمِينَ، وَيُوَلِّيهِ أَعْمَالَهُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى دَعَاهُ

стр. 235

آخِر ذَلِكَ إِلَى العَمَلِ فَأبى عَلَيْهِ. (١٥٧) حَدَّثَنَاه مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي [٤٣/و] هِلَالٍ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ عُمَرَ ﵁ (١). ثُمَّ عَرَفَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَثَبَّتُوهُ فِي ذَلِكَ، مِنْهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمَا. وَرَوَى عَنهُ غير وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ آثَارًا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاس، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵄. وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ عِدَادِ الكذَّابين -كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِ- لَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلُّونَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ. ثُمَّ قَدْ رَوَى عَنْهُ مِنْ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَبَصْرَةَ وَالكُوفَةِ وَالشَّامِ وَاليَمَنِ، عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُرْوَةُ بن الزبير، وَعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بن عتبَة، وَعَطَاء، وَطَاوُوسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الشَّام، وَمن لَا يُحصَونَ مِنْ هَذِهِ الكُورِ. وَقَدْ رَوَوُا الكَثِيرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَاسْتَعْمَلُوا رِوَايَتَهُ، وَلَوْ عَرَفُوا مِنْهُ مَا ادَّعَى المُعَارِضُ؛ مَا حَدَّثُوا المُسْلِمِينَ عَنْ أَكْذَبِ المُحَدِّثِينَ.

стр. 236

فَاتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، وَاسْتَغْفِرْهُ مِمَّا ادَّعَيْتَ عَلَى صَاحِبِ رَسُولِ الله ﷺ المَعْرُوفِ بِخَلَافِ مَا رَمَيْتَهُ، وَلَو كَانَ لَكَ سُلْطَانٌ صَارِمٌ يَغْضَبُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ؛ لَأَوْجَعَ بَطْنَكَ وَظَهْرَكَ، وأثَّر فِي شَعْرِكَ وبَشَرِكَ، حَتَّى لَا تَعُودَ تَسُبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ ، ولا تَرْمِيهِم بِالكَذِبِ مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ. (١٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو الأَصْبَغِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرَّانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلمَة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله ﵁ قَالَ: «وَالله مَا أَشُكُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ؛ كُنَّا نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا عَنَاءٌ وَبُيُوتَاتٌ، وَكُنَّا إِنَّمَا نَأْتِي رسَوُلَ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَكَانَ مِسْكِينًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ، وَإِنَّمَا يَدُهُ مَعَ يد رَسُولِ الله ﷺ ، يَأْكُلُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ، فَوَالله مَا نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَلَا نَجِدُ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ مَا لَمْ يَقُل» (١). (١٥٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة قال: «وَالله إِنَّا لَنِعْرِفُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَجْبُنُ وَيَجْتَرِئُ» (٢).

стр. 237

(١٦٠) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُ فَقَالَ: «لَمْ يكن يَشْغَلنِي عَنْ رَسُولِ الله ﷺ غَرْسُ الوَدِيِّ، وَلَا سَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، إِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَكلَة يُطْعِمُنِيهَا أو كَلِمَةً يُعَلِّمُنِيهَا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْتَ ألزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ ، وَأَعْلَمنَا بحَديثه» (١). (١٦١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، [٤٣/ظ] عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَر المُزَكِّي، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْروٍ، عَن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ على الحَدِيث، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَل نَفْسِهِ» (٢). أَفَلَا يُراقِبُ امْرُؤٌ رَبَّهُ، فَيَكُفَّ لِسَانَهُ وَلَا يُكَذِّبَ رَجُلًا أَحْفَظَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَيَرْمِيَهُ بَالكَذِبِ عنْ غَيْرِ ثَبْتٍ وَلَا صِحَّةٍ، وَكَيْفَ يَصِحُّ عِنْدَ هَذَا المُعَارِضِ كَذِبُهُ، وَقَدْ ثَبَّتَهُ مِثْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، وَعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ؟، لَو عَضَّ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى حَجَرٍ، أَوْ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تحْرِقَ لِسَانَهُ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِمَّا تَأَوَّلَ عَلَى صَاحِبِ رَسُولِ الله ﷺ .

стр. 238

وادَّعى المُعَارِضُ أيضًا أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصَّلْتِ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَيْتٌ يُسَمَّى بَيْتُ الحِكْمَةِ، فَمَنْ وَجَدَ حَدِيثًا ألقَاهُ فِيهِ ثُمَّ رُويَت بَعْدَهُ. فَهَذِهِ حِكَايَةٌ لَمْ نَعْرِفْهَا وَلَمْ نَجِدْهَا فِي الرِّوَايَاتِ، فَلَا تَدْرِي عَمَّنْ رَوَاهَا أَبُو الصَّلْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ عَنْ ثِقَةٍ، فَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مَعْرُوفًا بِقِلَّةِ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، ولو شاء لَأَكْثَرَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي ذَلِكَ وَيَتَقَدَّمُ إِلَى النَّاسِ يَنْهَاهُمْ عَنِ الإِكْثَارِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى إِن كَانَ لَيَقُولُ: «اتَّقُوا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، إِلَّا مَا كَانَ يُذْكَرُ مِنْهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يُخوِّف النَّاسَ فِي اللهِ». (١٦٢) حَدَّثَنَا ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ... وَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ (١). وَهَذَا طَعْنٌ كَثِيرٌ مِنَ المُعَارِضِ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ النَّاسِ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَيَجْعَلُهَا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَوِ استحلَّ مُعَاوِيَةُ هَذَا المَذْهَبَ؛ لَافْتَعَلَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَنَحَلَهَا رَسُولَ الله ﷺ ، فَكَانَ يُقْبَلُ مِنْهُ، لِمَا أَنَّهُ عُرِفَ بِصُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ يُنْحِلُهُ قَوْلَ غَيره مِنْ عَوَامِّ النَّاس. ويَدُلُّك قِلَّةُ رِوَايَة مُعَاويةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَانَ كَاتِبُهُ- عَلَى تَكْذِيبِ مَا رَوَيْتَ عَنْ أبي الصَّلْت. فَإنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَاكْشِفْ عَنْ إِسْنَادِهِ فَإِنَّكَ لا تُسْنِدُهُ إِلَى ثِقَةٍ. وَكَذَلِكَ ادَّعَيْتَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص، وكَانَ مِنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ رِوَايةً عَنْهُ، مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَصَابَ يَوْمَ اليَرْمُوكِ زَامِلَتَيْنِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الكِتَابِ فَكَانَ يَرْوِيهَا لِلنَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَانَ يُقال لَهُ: أَلا

стр. 239

تَحَدِّثُنَا عَن الزَّامِلَتَيْنِ. وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! إِنْ كَانَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو أَصَابَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الكِتَابِ يَوْمَ اليَرْمُوكِ، فَقَدْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَمِينًا عِنْدَ الأُمَّةِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أن لَا يَجْعَلَ مَا وَجَدَ فِي الزَّامِلَتَيْنِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَكِنْ كَانَ يَحْكِي عَنِ الزَّامِلَتَيْنِ مَا وَجَدَ فِيهِمَا، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا سَمِعَ مِنْهُ، لَا يُحِيلُ ذَاكَ عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا عَلَى ذَاكَ، كَمَا [٤٤/و] تأوَّلتَ عَلَيْهِ بِجَهْلِكَ، وَاللهُ سَائِلُكَ عَنْهُ. فَأَقْصِرْ أَيُّهَا الرَّجُلُ مِنْ طَعْنِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فِي الرِّوَايَاتِ فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عِنْدَ الأُمَّةِ فِي مَوْضِعِ الجَرْحِ كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ -وَلَيْسُوا كَذَلِكَ-؛ مَا كَانَتْ لَكَ حُجَّةٌ عَلَى أَلْفٍ سِوَاهُمْ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ لَا تَجِدُ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا يَغِيظُكَ. وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الفُقَهَاءِ أَنَّ شَهَادَاتِ العُدُولِ إِذَا شَهِدَ مَعَهُمْ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَا يَسْقُطُ. وَلَا يُجْعَلُ مَثَلُ السَّوْءِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ وَكُلُّهُمْ بِحَمْدِ الله عُدُولٌ، يُؤْتَمَنُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَالمَجْرُوحُ مَنْ جَرَحَهُمْ، وَلَا يُزَيَّفُ مِائَةُ أَلْف حَدِيثٍ مَشْهُورَةً مَحْفُوظَةً مَأْثُورَةً عَنِ الثِّقَاتِ إِذْ وُجِدَ فِيهَا مِائَةُ حَدِيثٍ مُنْكَرَةً، وَلا يُجْرَحُ أَلْفُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الإِتْقَانِ وَالحِفْظِ فِي الرِّوَايَةِ، إِذْ وُجِدَ فِيهِمْ عِشْرُونَ رَجُلًا يُنْسَبُونَ إِلَى الغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ وَقِلَّةِ الإِتْقَانِ. فَارْبَحِ العَنَاءَ فِيمَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ شِفَاءٌ، وَكَمَا لَا يُبَهْرَجُ مِائَةُ دِينَارٍ إِذَا وُجِدَ دِينَارَانِ زَائِفَانِ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ بِالجَرْحِ إِذْ وُجِدَ فِيهِمْ مَجْرُوحَان، وَلَكِن نُزَيِّفُ الزَّائِفَ مِنْهَا وَنُرَوِّجُ المُنْتَقَدَةَ.

стр. 240

فَمَا تَصْنَعُ بِهَذِهِ العَمَايَاتِ وَالأُغْلُوطَاتِ الَّتِي لَا تُجْدِي عَلَيْكَ شَيْئًا؟ فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ طَلَبُ العِلْمِ وَالآثَارِ بِخُرَافَاتِكَ هَذِهِ، وَلَوْ كَانَ المَذْهَبُ فِيهِ مَا تَأَوَّلْتَ؛ لَحَرُمَ طَلَبُ العِلْمِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَكَانَ يَدُلُّ قَوْلُ رَسُولِ الله ﷺ : «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»: أَنَّ تَرْكَهُ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: «تَضَعُ المَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يطْلب»: أَنَّهَا تَضَعُهُمَا سَخَطًا بِمَا يَطْلُبُ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: «يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ العِلْمِ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الحُوتُ فِي البَحْرِ»: أَنَّهَا تَلْعَنُهُ وَتَدْعُو عَلَيْهِ. فَيَنْقَلِبُ فِي دَعْوَاكَ مَعَانِي الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ، وَالمَعْرُوفِ إِلَى المُنْكَرِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَعْنِ بِطَلَبِ العِلْمِ عَمَايَاتِ أَصْحَابِ الكَلَامِ وَأَهْلِ المَقَايِيسِ، وَلَكِنْ عَنَى بِهِ مَا يُؤْثَرُ عَنْهُ. أوَ لَيْسَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَنَّ الزَّنَادِقَةَ قَدْ وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ دَلَّسُوهَا عَلَى المُحَدِّثِينَ؟ فَدُونَكَ أَيُّهَا النَّاقِدُ البَصِيرُ الفَارِسُ النِّحْرِيرُ فَأَوْجِدْونَا مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَلِمَ تُهَجِّنُ العِلْمَ وَالدِّينَ فِي أَعْيُنِ الجُهَّالِ بِخُرَافَاتِكَ هَذِهِ؟ لِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ دِينُ الله بَعْدَ القُرْآنِ، وَأَصْلُ كُلِّ فِقْهٍ، فَمَنْ طَعَنَ فِيهِ؛ فَإِنَّمَا يَطْعُنُ فِي دِينِ الله تَعَالَى. أَو لم تَسْمَعْ قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ حَدِيثَهُ أَصْلَ الفَقْهِ؛ فَقَالَ: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فرُبَّ حَامل فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ». فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ أَصْلَ الفَقْهِ كُلِّهِ بَعْدَ القُرْآنِ حَدِيثَهُ الَّذِي تَدْفَعُهُ أَنْتَ وَإِمَامُكَ المَرِيسِيُّ.

стр. 241

(١٦٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَن ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ» (١). فَمَا ظَنُّكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِذَا لَقِيتَ [٤٤/ظ] اللهَ تَعَالَى، وَقَدْ طَعَنْتَ فِي دِينِهِ، ثُمَّ لَمْ تَقْنَعْ بِجَرْحِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فِي الرِّوَايَاتِ، حَتَّى تَعَرَّضْتَ فِي التَّابِعِينَ فَقُلْتَ: أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِغُلَامِهِ: «انْظُرْ أَلَّا تَكْذِبَ عَلَيَّ كَمَا كَذَبَ عِكْرِمَةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ»، تُوهِمُ مَنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ هَذَا فِي مِثْلِ عِكْرِمَةَ، فَقَدْ بَطُلَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا، وَيُظَنُّ بِرُوَاتِهَا كُلِّهَا مَا ظَنَّ ابْنُ عُمَرَ بِعِكْرِمَةَ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: إِنْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجَوِّزُ توَهُّمَ عَلَى عِكْرِمَةَ -فِي دَعْوَاكَ-، فَمَا لَكَ رَاحَةٌ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يَغِيظُكَ مِمَّن لَا تَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، مِثْلِ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ (٢) وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَنُظَرَائِهِمْ، وَالعَجَبُ مِنْكَ إِذْ تَطْعَنُ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا يُبْطِلُ دَعْوَاكَ، وَتَحْتَجُّ لِإِقَامَةِ دَعْوَاكَ بِرِوَايَةِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الخَوْلَانِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الَّذِي لَا يُدْرَى منْ هُمْ، وَعَنِ الكَلْبِيِّ، عَن أبي صَالح، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الأَسَانِيدِ الَّتِي أَجْتمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى تَرْكِهَا.

стр. 242

فَكُلَّمَا وَافَقَ مِنْ ذَلِك رَأْيَكَ -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا- صَارَ عِنْدَكَ فِي حَدِّ القَبُولِ، وَمَا خَالَفَ رَأْيَكَ مِنْهَا صَارَ مَتْرُوكًا عِنْدَكَ، وَإِنْ كَانَ عنْد الفُقَهَاء في حَدِّ القَبُولِ. هَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وجَوْرٌ جَسِيمٌ. وَادَّعَيْتَ أَيْضًا فِي دَفْعِ آثَارِ رَسُولِ الله ﷺ ضُحْكَةً لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا عَاقِلٌ مِنَ الأُمَّةِ، وَلَا جَاهِلٌ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا تَقُومُ الحُجَّةُ مِنَ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا كُلَّ حَدِيثٍ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ كَذِبٌ لَطُلِّقَت امْرَأَتُهُ (١). ثُمَّ قُلْتَ: وَلَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِهَذِهِ اليَمِينِ عَلَى حَدِيثٍ لِرَسُولِ الله ﷺ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَذِبٌ مَا طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ النَّاقِضُ عَلَى نَفْسِهِ: قَدْ أَبْطَلْتَ بِدَعْوَاكَ هَذِهِ جَمِيعَ الآثَارِ الَّتِي تُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا احْتَجَجْتَ مِنْهَا لِضَلَالَتِكَ وَمَا لم تَحْتَجَّ، وَلَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يُلْتَفَتُ إِلَى تَأْوِيلِهِ، لَقَدْ سَنَنْتَ لِلنَّاسِ سُنَّةً، وَحَدَدْتَ لَهُمْ فِي الأَخْبَارِ حَدًّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِثْلَهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ قَبْلَكَ، وَلَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُخْتَارٍ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي دَعْوَاكَ أَلَّا يَخْتَارَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى يَبْدَأَ بِاليَمِينِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَيَحْلِفَ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ صِدْقٌ أَوْ كَذِبٌ البَتَّةَ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا طُلِّقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ اسْتَعْمَلَهُ، وَإِنْ لَمْ تُطَلَّقْ تَرَكَهُ. وَيْلَكَ! إِنَّ العُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَخْتَارُونَ هَذِه الآثَار وَيَسْتَعْمِلُونَهَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَصَحِّهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَه البَتَّةَ، وَعَلَى أَضْعَفِهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْهُ البَتَّةَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْلُونَ الجَهْدَ فِي الأَخْبَارِ الأَحْفَظِ منها، والأَمْثَل فَالْأَمْثَل مِنْ رُوَاتِهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَيَرَوْنَ أَنَّ

стр. 243

الأَيْمَانَ الَّتِي ألزَمْتَهُمْ فِيهَا بِطَلَاقِ نِسَائِهِمْ مَرْفُوعَةٌ عَنْهُمْ حَتَّى ابْتَدَعْتَهَا أَنْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَكَ إِلَيْهَا مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ. فَفِي دَعْوَاكَ يَجِبُ عَلَى القُضَاةِ وَالحُكَّامِ أَنْ لَا يَحْكُمُوا بِشَهَادَةِ العُدُولِ [٤٥/و] عِنْدَهُمْ إِلَّا بِشَيْءٍ يُمَكِّنُ القَاضِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّ الشَّاهِدَ بِهِ قَدْ صَدَقَ، أَوْ أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا كَذِبٌ لَمْ تُطَلَّقِ امْرَأَتُهُ. وَيْحَكَ! مَنْ سَبَقَكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي اتِّباع الرِّوَايَاتِ وَاخْتِيَارِ مَا يَجِبُ مِنْهَا؟ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى القَاضِي أَنْ يَفْحَصَ عَنِ الشُّهُودِ وَيَحْتَاطَ؛ فَمَنْ عُدِّلَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ، -وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي شَهَادَتِهِ فِي عِلْمِ اللهِ بَعْدَمَا لَمْ يَطَّلِعِ القَاضِي مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ-، وتُرَد شَهَادَةُ المَجْرُوحِ -وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي شَهَادَتِهِ فِي عِلْمِ الله بَعْدَمَا لَمْ يَطَّلِعِ القَاضِي عَلَى صِدْقِهِ-، وَكَذَلِكَ المَذْهَبُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الآثَارِ وَقَبُولِهَا مِنْ رُوَاتِهَا، لَا مَا تَأَوَّلْتَ أَنْتَ فِيهَا مِنْ هَذِهِ السُّخْرِيَةِ بِنَفْسِكَ وَالضَّحِكِ. وادَّعى المُعَارِضُ: أَنَّ مِنَ الأَحَاديِثِ الَّتِي تُروَى عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً مُسْتَشْنَعَةً جِدًّا، لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا، فألَّف مِنْهَا أَحَادِيثَ بَعْضُهَا مَوْضُوعَةٌ، وَبَعْضُهَا مَرْوِيَّةٌ تُرْوَى، وَتَوَقَّفَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى تَفْسِيرِهَا، يُوهِمُ مَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الأَغْمَارِ أَنَّ آثَارَ رَسُولِ الله ﷺ كُلَّهَا -مَا رُوِيَ مِنْهَا مِمَّا يَغِيظُ الجَهْمِيَّةَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ، وَالصِّفَاتِ الَّتِي رَوَاهَا العُلَمَاءُ المُتْقِنُونَ وَرَأَوْهَا حَقًّا-، سَبِيلُهَا سَبِيلُ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا، وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا بَعْدَمَا أقرَّ أَنَّهَا مُنْكَرَاتٌ مُسْتَشْنَعَةٌ، يُفَسِّرُهَا وَيَطْلُبُ لَهَا مَخَارِجَ يَدْعُو إِلَى صَوَابِ التَّأْوِيلِ فِي دَعْوَاهُ. وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! وَمَا يَدْعُوكَ إِلَى تَفْسِيرِ أَحَادِيثَ زَعَمْتَ أَنَّهَا مُسْتَشْنَعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا عِنْدَكَ، وَلَا يَجُوزُ التحدث بِهَا؟! فَلَوْ دَفَعْتَهَا بِعِلَلِهَا

стр. 244

وَشَنَعِهَا عِنْدَكَ، كَانَ أَوْلَى بِكَ مِنْ أَنْ تَسْتَنْكِرَهَا وَتُكَذِّبَ بِهَا، ثُمَّ تُفَسِّرُهَا ثَانِيَةً كَالمُثْبِتِ لَهَا عَلَى وُجُوهٍ وَمَعَانٍ مِنَ المُحَالِ وَالضَّلَالِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ. فَادَّعَيْتَ أَنَّ مِنْ تِلْكَ المُنْكَرَاتِ؛ مَا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «خَلَقَ الله المَلَائِكَةَ مِنْ نُورِ الذِّرَاعَيْنِ وَالصَّدْرِ، قُلْتَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ شعر الذراعين، والصدر» (١). فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: إِذَا كَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَكَ مِنَ المُنْكَرَاتِ الَّتِي تَتْرُكُ مِنْ أَجْلِهِ جُلَّ الرِّوَايَاتِ، فلِم فَسَّرْتَهُ كَأَنَّكَ تُثْبِتُهُ؟ فَقُلْتَ: تَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا مُحْتَمَلٌ عَلَى مَا يُقَالُ فِي أَسْمَاءِ النُّجُومِ الَّذِي يُسَمَّى مِنْهَا الذِّرَاعُ وَالجَبْهَةُ. وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! اسْتَنْكَرْتَ الحَدِيثَ، وَتَفْسِيرُكَ أَنْكَرُ مِنْهُ!! أَخَلَقَ الله المَلَائِكَةَ مِنْ نُورِ النُّجُومِ، وَشُعُورِهَا الَّتِي يُسمى الذِّرَاع وَالجَبْهَة، أَمْ لِلنُّجُومِ شُعُورٌ فَيُخْلَقُ مِنْهَا المَلَائِكَةُ؟ لَقَدْ أَغْرَبْتَ بِهَذَا التَّفْسِير عَلَى جَمِيعِ

стр. 245

المُفَسِّرِينَ، وَأَنْدَرْتَ، وَكِدْتَ أَنْ تَقْلِبَ العَرَبِيَّةَ ظَهْرَهَا لِبَطْنِهَا إِنْ جَازَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ المُسْتَحِيلَاتُ: أَنَّ الله خَلَقَ المَلَائِكَةَ مِنْ شُعُورِ النُّجُومِ الَّذي تُسَمِّي ذِرَاعًا. وَاحْتَجَجْتَ فِي رَدِّ آثَارِ رَسُولِ الله ﷺ وَكَرَاهِيَةِ طَلَبِهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِجَمْعِهَا، بِحِكَايَةٍ حَكَيْتَهَا عَنْ سُفْيَانَ [٤٥/ظ] الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ عِدَدِ المَوْتِ». وَبِقَوْلِ شُعْبَةَ: «إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَن الصَّلَاة، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟»، وَبِقَوْلِ ابْنِ المُبَارَكِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي رِحْلَتِي فِي الحَدِيثِ». فَتَوَهَّمْتَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا طَعْنٌ فِي الآثَارِ وَكَرَاهِيَةٌ مِنْهُم لجمعها وَاسْتِعْمَالِهَا، وَقَدْ أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الحِكَايَاتِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ الآثَارَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا طَلَبَهُ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ، وَلَكِنْ خَافُوا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَالَطَ ذَلِكَ بَعْضُ الرِّيَاءِ وَالعُجْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُمْ إِذَا جَمَعُوهَا وَكَتَبُوهَا لَمْ يَقُومُوا بِالعَمَلِ بِهَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَيَصِيرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا أَزْرَوْا فِيمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ بِأَنْفِسِهِمْ لَا بِالعِلْمِ وَالأَحَادِيثِ، كَمَا تَفْعُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ مِنْ سَيِّئِ الأَعْمَالِ -كَمَا ادَّعيت عَلَيْهِمْ- مَا صَنَّفُوهَا وَنَقَلُوهَا إِلَى الأَنَامِ، وَلَا دَعَوْهُمْ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا وَالأَخْذِ بِهَا، فَيُشْرِكُوهُمْ فِي إِثْم مَا وَقَعُوا فِيهِ، وَمَنْ يَظُنُّ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ بَعْدَ الَّذِي رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حدِّثوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ» (١)، وَقَالَ: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَبَلَّغَهَا غَيْرَهُ» (٢)، وَقَوْلَهُ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغَائِب» (٣)،

стр. 246

وَقَوْلَهُ: «طَلْبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (١)، وَقَوْلَهُ: «مَا سَلَكَ رجلٌ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهَا عِلْمًا إِلَّا سهَّل اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» (٢)، وَقَوْلَهُ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ؛ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ» (٣). وَهِيَ هَذِهِ الآثَارُ، وَهِيَ أُصُولُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ بَعْدَ القُرْآنِ، فَمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي حضَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى طَلَبِهَا وَإِبْلَاغِهَا وَأَدَائِهَا إِلَى مَنْ يَسْمَعُهَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا حكيت عَن سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَابْنِ المُبَارَكِ عَلَى خِلَافِ مَا تَأَوَّلْتَهُ. وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَالَ القَوْمُ هَذَا تَخَوُّفًا عَلَى أَنْفِسِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أُوتُوا مِنْهُ الكَثِيرَ فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِاتِّبَاعِهِ كَمَا يَجِبُ، وَلَمْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ العُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؛ مِنَ السَّكِينَةِ وَالوَقَارِ وَالوَرَعِ وَالعِبَادَةِ، وَلَمْ يَتَأَدَّبُوا بِأَحْسَنِ آدَابِهِمْ. فَقَدْ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «طَلَبْنَا العِلْمَ فَأَصَبْنَا مِنْهُ شَيْئًا، فَطَلَبْنَا الأَدَبَ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا». وَكَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: «زَيَّنَ العِلْمَ حِلْمُ أَهْلِهِ». وَكَمَا قَالَ ابْن سِيرِين: «ذهب العِلْمُ وَبَقِيَ مِنْهُ غُبَّرَاتٌ فِي أَوْعِيَةِ سُوءٍ». وَكَانَ تَخَوُّفُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالحِكَايَاتِ الَّتِي حَكَيْتَهَا عَنْهُمْ، أنهم عَسَى أَنْ لَمْ يُرْزَقُوا هَذِهِ الآدَابَ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ العِلْمُ، حَتَّى يَخْلُصَ لِوَجْهِ الله تَعَالَى، فكَانَ

стр. 247

ذَلِكَ مِنْهُمْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَإِجْلَالًا لَهُ، لَا اسْتِخْفَافًا بِهِ وَتَعْرِيضًا لِإِبْطَالِهِ، كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ. (١٦٤) وَسَمِعْتُ الطَّيَالِيسِيَّ أَبَا الوَلِيدِ، أَنَّهُ سمع ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: «طَلَبْتُ هَذَا العِلْمَ يَوْمَ طَلَبْتُهُ لِغَيْرِ الله، فَأَعْقَبَنِي منه مَا تَرَوْنَ» (١). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: يقول: لَمْ أَعْرِفْ لِنَفْسِي يَوْمَ طَلَبْتُهُ تِلْكَ النِّيَّةَ الخَالِصَةَ، فَأَعْقَبَنِي مِنْهُ أَنِّي اشْتَغَلْتُ بِتَحْدِيثِ النَّاسِ بِهِ، لَا بِالعَمَلِ بِهِ، وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالعِبَادَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْال عَنْ شَيْءٍ». أَيْ: [٤٦/و] لِمَا أَنَّ الَّذِي سَألتُ عَنْهُ صَارَ عَلَيَّ حُجَّةً. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ أَيْضًا: «إِنَّا لَسْنَا بِفُقَهَاء، وَلَكنَّا رُوَاةُ الحَدِيثِ». وَكَمَا قَالَ الحَسَنُ: «هَلْ رَأَيْتَ فقهيًا قَطُّ؟ إِنَّمَا الفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الآخِرَةِ، لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، بِنَشْرِ حُكْمِ الله، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ حَمِدَ الله، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ الله». فَتَخَوَّفَ القَوْمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَهْلَهُ، وَمَا زَادَهُمْ تَخَوُّفُهُمْ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ إِلَّا حُبًّا وعِظمًا، وَلِلْعِلْمِ تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا؛ إِذْ خَافُوا أَنْ لَا يَكُونُوا مِنْ صَالحِي أَوْعِيَتِهِ. وَرَوَى المُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الحَسَنِ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ فِيمَا مَضَى، وفِيمَا بَقِي مُؤمِنًا ازْدَادَ إحساناً إِلَّا ازْدَادَ شَفَقَةً، وَلَا مَضَى مُنَافِقٌ وَلَا بَقِيَ ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ بِالله غِرَّةً».

стр. 248

(١٦٥) حَدَّثَنَاه سَعْدَوَيْه، عَن المُبَارَكِ بنِ فَضَالَةَ، عَنِ الحَسَنِ (١). وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ الأَوَّلِ بِحَدِيثٍ مُسْتَنْكَرٍ تَعَجَّبَ الجُهَّالُ مِنْهُ، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّ مَا رَوَى أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ المَشْهُورَةِ مِمَّا يُنْقَضُ بِهَا عَلَى الجَهْمِيَّةِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الله تَعَالَى مُسْتَنْكَرٌ مَجْهُولٌ مَهْجُورٌ مِثْلُ هَذَا الحَدِيثِ. فَزعم أَن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، رَوَى عَنْ أَبِي المُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ الله، مِمَّ رَبُّنَا؟ فَقَالَ: «مِنْ مَاءٍ مَرُورٍ، لَا مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ، خَلَقَ خَيْلًا فَأَجْرَاهَا، فَعَرَقَتْ فَخَلَقَ نَفسَهُ مِنْ ذَلِك العرَق» (٢). فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَوْ كَانَ لَكَ فَهْمٌ وَعَقْلٌ لَمْ تَكُنْ تُذِيعُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ عِنْد العَلمَاء، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ حَمَّادٍ إِلَّا كُلُّ مَقْرُوفٍ فِي دِينِهِ، فَيَظُنُّ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْكَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، فَيُضَلُّ بِهِ أَوْ يَضِلُّ، وَهَذَا الحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَلَمَةَ، وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ إِلَى المُعَارِضِ؟ وَمِمَّا يَسْتَنْكِرُ هَذَا الحَدِيثَ أَنَّهُ مُحَالُ المَعْنَى، بَلْ هُوَ كُفْرٌ لَا يَنْقَادُ وَلَا يَنْقَاسُ، فَكَيْفَ خَلَقَ الخَيْلَ الَّتِي عَرَقَتْ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ فِي دَعْوَاكَ؟. وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! إِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ الله مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ مَنْ قَالَ: نَفْسَهُ؟ لَا جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا! عَمَّا تُورِدُ عَلَى قُلُوبِ الجُهَّالِ، مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَيْهِ، فَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ عَنْ حَمَّاد؟ وَمِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَسَمِّه لَنَا نَعْرِفْهُ، فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ إِلَّا أَنَّ اللهَ

стр. 249

الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ كَانَ هَذَا العَرَقُ قَبْلَهُ، حَتَّى خَلَقَ مِنْهُ نَفسَه؟ وَهَذَا الحَدِيثُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِهِ؛ فَإِنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ. ثُمَّ لَمْ تَرْض بِمَا قُلْتَ وَرَوَيْتَ مِمَّا تُشَنِّعُهُ، حَتَّى ادَّعَيْتَ لَهُ تَفْسِيرًا عَنْ إِمَامِكَ الثَّلْجِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيثَ أنْ يَكُونَ الكُفَّارُ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ الله وَذَلِكَ أَنَّ كُبَرَاءَهُمْ وَأَحْبَارَهُمْ كَانُوا عِنْدَهُمْ كَالأَرْبَابِ، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الجَاهِلِ: وَيْلَكَ! يَخْلُقُ اللهُ أُولَئِكَ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ عَرَقِ الخَيْلِ الَّذِي أَجْرَى، وَفِي الحَدِيثِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ لَا مِنْ أَرْضٍ ولَا مِنْ سَمَاءٍ، فَهَلْ شَكَّ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آَدَم أَنَّ اللهَ خَلَقَ [٤٦/ظ] آدَمَ مِنَ الأَرْضِ، وَذُرِّيَّتَهُ من نَسْله؟. أَو لم يعْلَمْ -أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ- رَسُولُ الله ﷺ مِمَّا خَلَقَ اللهُ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله؟ أَو لم يَدْرِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، حَتَّى يَقُولَ: خَلَقَهُمُ اللهُ مِنْ عَرَقِ الخَيْلِ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَمَاءٍ؟ لَقَدْ ضَلَّ هَذَا الثَّلْجِيُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَضَلَّ بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَلَوْ فَسَّرَ هَذَا صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغِ الحِنْثَ؛ مَا زَادَ عَلَى هَذَا جَهْلًا وَاسْتِحَالَةً، هُوَ كُفْرٌ أَضَافَهُ هَذَا الثَّلْجِيُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . وَيْلَكَ! نَحْنُ نَدْفَعُ الحَدِيثَ وَنَسْتَنْكِرُهُ، وَأَنْتَ تَسْتَشْنِعُهُ، ثُمَّ تُثْبِتُهُ وَتُفَسِّرُهُ وَتَلْتَمِسُ لَهُ المَخَارِجَ، كَيْ تَصُونَهُ، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الحَدِيثُ مُنْكَرًا، فَتَفْسِيرُكَ لَهُ أَنْكَرُ. وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا فِي دَفْعِ آثَارِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَتَقْلِيدِ رُوَاتِهَا مِنَ العُلَمَاءِ بِحِكَايَةٍ حَكَاهَا عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المَرِيسِيِّ، كَانَ يَحْكِيهَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ،

стр. 250

فَقَالَ مُعْجَبًا بِسُؤَالِهِ: سَأَلتُ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ عَن التَّقْلِيد فِي العِلْمِ، فَقَالَ: حَرَامٌ مُحَرَّمٌ لِلْعُلَمَاءِ، حَتَّى يَعْرِفَ هَذَا العَالِمُ أَصْلَهُ، وَمَعْرِفَتَهُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا التَّقْلِيدُ لِلْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. وَافْتَخَرَ المُعَارِضُ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذَا كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْهَا الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْهَا جَهْمِيًّا جَاهِلًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، إِنْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ خَطَؤُهُ، وَإِنْ أَصَابَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِإِصَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ المَأْبُونُ فِي دِينِ الله المُتَّهَمُ عَلَى كِتَابِ الله، الطَّاعِنُ في سُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَكَيْفَ تَسْتَفْتِي المَرِيسِيَّ، وَقَدْ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ هَمَّ بِأَخْذِهِ، وَتَنْكِيلِهِ فِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى فَرَّ مِنْهُ إِلَى البَصْرَةِ؟ فَإِنْ يَكُنْ مَا قَالَ بِشْرٌ حَقًّا فَبُؤْسًا لَكَ ولأَصْحَابِكَ الَّذينَ قَلَّدْتُمْ دِينَكُمْ أَبَا حَنِيفَةَ، وَأَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ فِي أَكْثَرِ مَا تُفْتُونَ مِمَّا لَا تَقَعُونَ مِنْ أَكْثَرِهِ عَلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. غَيْرَ أنَّا نَقُولُ: إِنَّ عَلَى العَالِمِ بِاخْتِلَافِ العُلَمَاءِ، أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَفْحَصَ عَنْ أَصْلِ المَسْأَلَةِ، حَتَّى يَعْقِلَهَا بِجَهْدِهِ مَا أَطَاقَ، فَإِذَا أَعْيَاهُ أَنْ يَعْقِلَهَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَرَأْيُ مَنْ قَبْلَهَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ رَأْيِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: «أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُم لَابُدَّ فَاعِلِينَ، فَالأَمْوَاتَ، فَإِنَّ الحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ» (١). وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا: «مَنْ عُرِضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ، فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ الله، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ الله، فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ الله، فَفِيمَا
следующие страницы →