← Акыда

Акыда · id 18091

نقض الدارمي على المريسي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (354 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الصفحة الأولى من الكتاب

стр. 37

الصفحة الأخيرة من الكتاب

стр. 38

نَقْضُ الإِمَامِ أَبِي سَعِيِدٍ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيِدٍ عَلَى المَرِيْسِيِّ الْجَهْمِيِّ العَنِيدِ فِيْمَا افْتَرَىَ عَلَى اللهِ مِنَ التَّوْحِيدِ تَصْنيفُ أَبِي سَعِيدٍ عُثمَانَ بن سعِيدٍ الدَّارمِيِّ المتوفى سنة ٢٨٠ هـ حَقَّقَهُ وضَبَطَ نَصَّهُ أَبوُ عَاصِم الشَّوَامِيُّ الأَثرِي

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِرَحْمَتِكَ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الأَحْنَفِ قَالَ: أبنا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ القَرَّابُ الحَافِظ قَالَ: أبنا أَبُو بكر بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ المُزَكِّي قَالَ: أبنا أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّرَّامُ قَالَ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ قَالَ: الحَمْدُ لِلهِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ، وَلَهُ الحَمْدُ فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَعَلَى مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ رَبِّنَا وَعَلِيهِ السَّلَام. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَارَضَ مَذَاهِبَنَا فِي الإِنْكَارِ عَلَى الجَهْمِيَّةِ مِمَّنْ بَين ظَهْرَيْكُمْ مُعَارِضٌ، وَانْتَدَبَ لَنَا مِنْهُمْ مُنَاقضٌ يَنْقُضُ مَا رَوَيْنَا فِيهِمْ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ بِتَفَاسِيرِ المُضِلِّ المَرِيسِيِّ؛ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الجَهْمِيِّ. فَكَانَ مِنْ صُنْعِ الله لَنَا فِي ذَلِكَ؛ اعْتِمَادُ هَذَا المُعَارِضِ عَلَى كَلَام بِشْرٍ؛ إِذْ كَانَ مَشْهُور عِنْدَ العَامَّةِ بِأَقْبَح الذِّكْرِ، مُفْتَضَحًا بِضَلَالَاتِهِ فِي كُلِّ مِصْرٍ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَنَا عَلَى المُعَارِضِ عِنْدَ الخَلْقِ، وَأَنْجَعَ فِي قُلُوبِهِمْ لِقَبُولِ الحَقِّ، وَمَوَاضِعِ الصِّدْقِ. وَلَوْ قَدْ كَنَّى فِيهَا عَنْ بِشْرٍ، كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَنْفُذَ عَلَيْهِمْ بَعْضُه فِي خَفَاءٍ وَفي سِتْرٍ، وَلَمْ يَفْطِنْ لَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا كُلُّ مَنْ تَبَصَّرَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَفْصَحَ بِاسْمِ المَرِيسِيِّ وَصَرَّحَ، وَحَقَّقَ عَلَى نَفسه به الظَّنَّ وَصَحَّحَ، وَلَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ وَلَا لأهل بِلَاده وَلم يَنْصَحْ، فَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الخَيْبَةِ وَالحِرْمَانِ، وَفَضْحِهِ فِي الكُوَرِ وَالبُلْدَانِ؛ أَنْ يَكُونَ إِمَامَهُ فِي تَوْحِيدِ الله تَعَالَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ المَرِيسِيُّ، المُلْحِدُ فِي أَسْمَاءِ الله، المُفْتَرِي، المُعَطِّلُ لِصِفَاتِ رَبِّهِ، الجَهْمَيُّ.

стр. 40

أَنْشَأَ هَذَا المُعَارِضُ يَحْكِي فِي كِتَابٍ لَهُ عَنِ المَرِيسِيِّ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ وَشَنِيعِ المَقَالِ وَالحُجَجِ المِحَالِ، مَا لَمْ يَكُنْ بِكُلِّ ذَلِكَ نَعْرِفُهُ، وَنَصِفُهُ فِيهِ بِرَثَاثَةِ مُنَاقَضَةِ الحُجَجِ، مَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ أَنْ يَصِفَهُ، فَتَجَافَيْنَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُنَاقَضَةِ المُعَارِضِ، وَقَصَدْنَا قَصْدَ المَرِيسِيِّ العَاثِرِ فِي قَوْلِهِ الدَّاحِضِ، لما أَنَّهُ أَمْكَنُ فِي الحِجَاجِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لِغَوْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ من الكَلَام المُدَلَّسِ المَنْقُوضِ، وَالكُفْرِ الوَاضِحِ المَرْفُوضِ. وَكَيْفَ يَهْتَدِي بِشْرٌ لِلتَّوْحِيدِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَكَانَ وَاجِدِهِ، وَلَا هُوَ بِزَعْمِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِوَاجِدِهِ، فَهُوَ إِلَى التَّعْطِيلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَوَاجِدُهُ بِالمَعْدُومِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالمَوْجُودِ، وَسَنُعَبِّرُ لَكُمْ عَنْهُ مِنْ نَفْسِ كَلَامِهِ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالجُحُودِ، بِعَوْنِ المَلِكِ المَجِيدِ الفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ. وَلَوْلَا مَا بَدَأَكُمْ هَذَا المُعَارِضُ بِإِذَاعَةِ ضَلَالَاتِ المَرِيسِيِّ، وَبَثِّهَا فِيكُمْ، مَا اشْتَغَلْنَا بِذِكْرِ كَلَامِهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَعْلَقَ بَعْضُ كَلَامِهِ بِقُلُوبِ بَعْضِ الجُهَّالِ، فَيُلْقِيهِمْ فِي شَكٍّ مِنْ خَالِقِهِمْ وَفِي ضَلَالٍ، أَوْ أَنْ يَدعُوهُم إِلَى تَأْوِيلِهِ المُحَالِ؛ لِأَنَّ جُلَّ كَلَامِهِ تَنَقُّصٌ، وَوَقِيعَةٌ فِي الرَّبِّ، وَاسْتِخْفَافٌ بِجَلَالِهِ وَسَبٌّ، وَفِي التَّنَازُعِ فِيهِ يُتَخَوَّفُ الكُفْرُ وَيُرْهَبُ. وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ ﵁[٢/و]: «لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أحكي كَلَام الجَهْمِية». (١) حَدثنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ (١).

стр. 41

فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَرِهْنَا الخَوْضَ فِيهِ، وَإِذَاعَةَ نَقَائِضِهِ (١) حَتَّى أَذَاعَهَا المُعَارِضُ فِيكُمْ، وَبَثَّهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَخَشِينَا أَلَّا يَسَعَنَا إِلَّا الإِنْكَارُ عَلَى مَنْ بَثَّهَا، وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، مُنَافَحَةً عَنِ الله، وَتَثْبِيتًا لِصِفَاتِهِ العُلَى وَلِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى، وَدعَاءًا إِلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى، وَمُحَامَاةً عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ، وَأَهْلِ الغَفْلَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصبيان أَن يضلوا بهَا، ويَفْتَتِنُوا؛ إِذْ بَثَّهَا فِيهِمْ رَجُلٌ كَانَ يُشِيرُ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ فِقْهٍ وَبَصَرٍ، وَلَا يَفْطنُون لِعَثَرَاتِهِ إِذْ هُوَ عَثَرَ، فَيَكُونُوا مِنْ أَخَوَاتِهَا مِنْهُ على حَذَرٍ. (٢) وقد كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ (٢) أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ (٣) يَقُولُ: «لَا تُجَالِسُوا الجَهْمِيَّةَ، وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ؛ كَيْ يَعْرِفُوهُمْ، فَيَحْذَرُوهُمْ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: افْتَتَحَ هَذَا المُعَارِضُ كِتَابَهُ بِكَلَامِ نَفْسِهِ مُثَنِّيًا بِكَلَام المَرِيسِيِّ، مُدَلِّسًا عَلَى النَّاسِ بِمَا يَهمُ أَنْ يَحْكِيَ وَيُرِي مَنْ قِبَلَهُ مِنَ الجُهَّالِ وَمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الأَغْمَارِ، أَنَّ مَذَاهِبَ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ؛ كَبَعْضِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الإِيمَانِ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّشَيُّعِ وَالقَدَرِ، وَنَحْوِهَا؛ كَيْ لَا ينفرُوا مِنْ مَذَاهِبِ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهِمْ مِنْ كَلَامِ الشِّيعَةِ والمُرْجِئَةِ والقَدَرِيَّةِ. وَقَدْ أَخْطَأَ المُعَارِضُ مَحَجَّةَ السَّبِيلِ، وَغَلَطَ غَلَطًا كَثِيرًا فِي التَّأْوِيلِ، لما أَنَّ هَذِهِ الفِرَقَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ العُلَمَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ، وَالمَرِيسِيُّ وَجَهْمٌ وأصحابُهم؛ لَمْ يَشُك أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي إِكْفَارِهِمْ.

стр. 42

(٣) سَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الأَنْطَاكِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا يُكَفِّرُ الجَهْمِيَّةَ (١). (٤) وَكَتَبَ إِلَيَّ عَلِيٌّ بْنِ خَشْرَمٍ، أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ كَانَ يُخْرِجُ الجَهْمِيَّةَ مِنْ عِدَادِ المُسْلِمِينَ (٢). (٥) وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى، (٣) وَأَبَا تَوْبَةَ، (٤) وَعلي بن المَدِينِيِّ: (٥) يُكَفِّرُونَ الجَهْمِيَّةَ، وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ. فَلَا يَقِيسُ الكُفْرَ بِبَعْضِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الفِرَقِ إِلَّا امْرُؤٌ جَهِلَ العِلْمَ وَلَمْ يُوَفَّقْ فِيهِ لِفَهْمٍ. فَادَّعَى المُعَارِضُ: أَنَّ النَّاسَ تَكَلَّمُوا فِي الإِيمَانِ، وَفِي التَّشَيُّعِ، وَالقَدَرِ وَنَحْوِهُ، وَلَا يجوزُ لأَحَدٍ أَنْ يتَأولَ فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ، إِذْ جَمِيعُ خَلْقِ الله يُدْرِكُ بِالحَوَاسِّ الخَمْسِ: اللَّمْسِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَالبَصَرِ بِالعَيْنِ، وَالسَّمْعِ، وَالله -بِزَعْمِ المُعَارِضِ- لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الخَمْسِ.

стр. 43

فَقُلْنَا لِهَذَا المُعَارِضِ، الَّذِي لَا يَدْرِي كَيْفَ يُنَاقِضُ: أَمَّا قَوْلُكَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ، فَقَدْ صَدَقْتَ، وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الأُمَّةِ وَصَوَابُهُ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ جَاءَ بِهَا مُخْلِصًا دَخَلَ الجَنَّةَ» و «أُمِرْتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله». مَنْ قَالَهَا فَقَدْ وَحَّدَ اللهَ. وَكَذَلِكَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، [٢/ظ] لَبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ (١). فَهَذَا تَأْوِيلُ التَّوْحِيدِ، وَصَوَابُهُ عِنْدَ الأُمَّةِ. فَمَنْ أَدْخَلَ الحَوَاسَّ الخَمْسَ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي صَوَابِ التَّأْوِيلِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ وَمَنْ عَدَّهَا؟ فَأَشِرْ إِلَيْهِ. غَيْر مَا ادَّعَيْتُم فِيه مِنَ الكَذِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ، ولمن تَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ الصَّوَابَ لَقَدْ تَأَوَّلْتَ أَنْتَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ؛ إِذِ ادَّعَيْتَ أَنَّ الله لَا يُدْرَكُ، وَلَمْ يُدْرَكْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الحَوَاسِّ الخَمْسِ، إِذْ هُوَ -فِي دَعْوَاكَ- لَا شَيْءٌ، وَاللهُ مُكَذِّبٌ مَنِ ادَّعَى هَذِهِ

стр. 44

الدَّعْوَى فِي كِتَابِهِ، إِذْ يَقُولُ : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤]، و ... ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فَأَخْبَرَ الله فِي كِتَابِهِ أَنَّ مُوسَى أدْرك مِنْهُ الكَلَامَ بِسَمْعِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الحَوَاسِّ عِنْدَكَ وَعِنْدَنَا، وَيُدْرَكُ فِي الآخِرَةِ بِالنّظرِ إِلَيْهِ بالأَعْيُن، وهِيَ الحَاسَّةُ الثَّانِيَةُ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وَكَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ جَهْرًا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ». وَرَوَى عَنْهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ الله لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ». (٧) حَدَّثَنَاهُ عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١). فَذَاكَ النَّاطِقُ مِنْ قَوْلِ الله، وَهَذَا الصَّحِيحُ المَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ فَأَيُّ حَوَاسٍّ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ المُعَارِضَ مَنْ تَأَوَّلَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ. * * *

стр. 45

بَابُ الإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ الله تَعَالَى وَأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ ثُمَّ اعْتَرَضَ المُعَارِضُ أَسْمَاءَ اللهِ المُقَدَّسَةَ فَذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهَا مَذْهَبَ إِمَامِهِ المَرِيسِيِّ. فَادَّعَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ غَيْرُ اللهِ، وَأَنَّهَا مُسْتَعَارةٌ مخلوقةٌ كَمَا أَنه قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ بِلَا اسْمٍ، فَتَسْمِيَتُهُ لَا تَزِيدُ فِي الشَّخْصِ، وَلَا تَنْقُصُ. يَعْنِي أَنَّ الله كَانَ مَجْهُولًا كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ، لَا يَهْتَدِي لِاسْمِهِ، وَلَا يَدْرِى مَا هُوَ، حَتَّى خَلَقَ الخَلْقَ فَابْتَدَعُوا لَهُ أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ، فَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ اسْمٌ قَبْلَ الخَلْقِ. وَمَنِ ادَّعَى هَذَا التَّأْوِيلَ؛ فَقَدْ نَسَبَ اللهَ تَعَالَى إِلَى العَجْزِ، وَالوَهَنِ وَالضَّرُورَةِ، وَالحَاجَةِ إِلَى الخَلْقِ؛ لِأَنَّ المُسْتَعِيرَ مُحْتَاجٌ مُضْطَرٌّ، وَالمُعِيرُ أَبَدًا أَعْلَى مِنْهُ وَأَغْنَى. فَفِي هَذِهِ الدَّعْوَى اسْتِجْهَالُ الخَالِقِ؛ إِذْ كَانَ بِزَعْمِهِ هَملًا لَا يُدْرَى مَا اسْمُهُ وَمَا هُوَ وَمَا صِفَتُهُ وَالله المُتَعَالِي عَنْ هَذَا الوَصْف المُنَزَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ هِيَ تَحْقِيقُ صِفَاتِهِ، سَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: عَبَدْتُ اللهَ، أَوْ عَبَدْتُ الرَّحْمَنَ، أَوِ الرَّحِيمَ، أَوِ المَلِكَ العَزِيزَ الحَكِيمَ، وَسَوَاءٌ عَلَى الرَّجُلِ قَالَ: كَفَرْتُ بِالله، أَوْ قَالَ: [٣/و] كفرت بالرحمن الرَّحِيم، أَو بالخالق العَزِيزِ الحَكِيمِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: عَبْدُ الله، أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَوْ عَبْدُ العَزِيزِ، أَوْ عَبْدُ المَجِيدِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: يَا اللهُ يا رحمنُ، أَو يا رحيمُ، أَو يا مَلِكُ يَا عَزِيزُ يَا جَبَّارُ، بِأَيِّ اسْمٍ دَعَوْتَهُ مِنْ هَذِهِ الأَسْمَاءِ، أَوْ أَضَفْتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا تَدْعُو اللهَ نَفْسَهُ، مَنْ شَكَّ فِيهِ فَقَدْ كَفَرَ. وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: رَبِّيَ اللهُ، أَوْ رَبِّيَ الرَّحْمَنُ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:١]،وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب:٤٢]

стр. 46

كَذَلِكَ قَالَ فِي الِاسْمِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، كَمَا يُسَبِّحُ الله، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا مُسْتَعَارًا غَيْرَ اللهِ، لَمْ يَأْمُرِ اللهُ أَنْ يُسَبَّحَ مَخْلُوقٌ غَيْرُهُ. وَقَالَ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ٢٤]. ثُمَّ ذَكَرَ الآلِهَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ بِأَسْمَائِهَا المُسْتَعَارَةِ المَخْلُوقَةِ فَقَالَ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم: ٢٣]، وَكَذَلِكَ قَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ حِينَ: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، فَقَالَ لَهُمْ يَنْهَاهُمْ: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [الأعراف: ٧١]، يَعْنِي: أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى لَمْ تَزَلْ، كَمَا لَمْ يَزَلِ اللهُ، وَأَنَّهَا بِخِلَافِ هَذِهِ الأَسْمَاءِ المَخْلُوقَةِ الَّتِي أَعَارُوهَا لِلْأَصْنَامِ وَالآلِهَةِ الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَسْمَاءُ اللهِ بِخِلَافِهَا، فَأَيُّ تَوْبِيخٍ لِأَسْمَاءِ الآلِهَةِ المَخْلُوقَةِ؛ إِذْ كَانَت أسماءُهَا وَأَسْمَاءُ اللهِ مَخْلُوقَةً مُسْتَعَارَةً عِنْدَكُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكُلُّهَا مِنْ تَسْمِيَةِ العِبَادِ وَمِنْ تَسْمِيَةِ آبَائِهِمْ بِزَعْمِكُمْ؟! فَفِي دَعْوَى هَذَا المُعَارِضِ أَنَّ الخَلْقَ عَرَّفُوا اللهَ إِلَى عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ ابْتَدَعُوهَا، لَا أَنَّ اللهَ عَرَّفَهُمْ بِهَا نَفْسَهُ، فَأَيُّ تَأْوِيلٍ أَوْحَشَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ مِنْ أَنْ يَتَأَوَّلَ رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ، أَوْ بَيْتٍ، أَوْ شَجَرَة، أَو بهيمة، لَمْ يُشْتَقَّ لِشَيْءٍ مِنْهَا اسْمٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ مَا هُوَ، حَتَّى عَرَّفَهُ الخَلْقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟! وَلَا تُقَاسُ أَسْمَاءُ اللهِ بِأَسْمَاءِ الخَلْقِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الخَلْقِ مَخْلُوقَةٌ مُسْتَعَارَةٌ، وَلَيْسَت أَسْمَاءَهُم نَفْسُ صِفَاتِهِمْ، بَلْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لِصِفَاتِهِمْ. وَأَسْمَاءُ الله صِفَاتُهُ، لَيْسَ شَيْءٌ منها مُخَالِفٌ لِصِفَاتِهِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُخَالِفٌ لِلْأَسْمَاءِ (١).

стр. 47

فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ، أَوْ مُسْتَعَارَةٌ فَقَدْ كَفَرَ وَفَجَرَ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: اللهُ؛ فَهُوَ اللهُ، وَإِذَا قُلْتَ: الرَّحْمَنُ؛ فَهُوَ الرَّحْمَنُ، وَهُوَ اللهُ وَإِذَا قُلْتَ: الرَّحِيمُ؛ فَهُوَ كَذَلِك، وَإِذا قلت: حَكِيمٌ، عليم، حَمِيدٌ، مَجِيدٌ، جَبَّارٌ، مُتَكَبِّرٌ، قاهرٌ، قَادرٌ؛ فَهُوَ كَذَلِك وَهُوَ اللهُ سَوَاء، لَا يُخَالِفُ اسْمٌ لَهُ صِفَتَهُ وَلَا صِفَتُهُ اسْمًا. وَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ حَكِيمًا، وَهُوَ جَاهِلٌ، وَحَكَمًا، وَهُوَ ظَالِمٌ، وَعَزِيزًا، وَهُوَ حَقِيرٌ، وَكَرِيمًا، وَهُوَ لَئِيمٌ، وصالحًا، وَهُوَ طالح، وَسَعِيدًا، وَهُوَ شَقِيٌّ، وَمَحْمُودًا، وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَحَبِيبًا، وَهُوَ بَغِيضٌ، وَأَسَدًا، وَحِمَارًا، وَكَلْبًا، وَجريًا، وَكُلَيْبًا، وَهِرًّا، وَحَنْظَلَةَ، وَعَلْقَمَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَاللهُ ﵎ اسْمُهُ كَأَسْمَائِهِ سَوَاءٌ، لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وَلَا يَزَالُ، لَمْ تَحْدُثْ لَهُ صِفَتُهُ، وَلَا اسْمٌ لَمْ يَكُ [٣/ظ] كَذَلِكَ قَبْلَ الخَلْقِ، كَانَ خَالِقًا قَبْلَ المَخْلُوقِينَ، وَرَازِقًا قَبْلَ المَرْزُوقِينَ، وَعَالِمًا قبل المَعْلُومِينَ، وسَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ أَصْوَاتَ المَخْلُوقِينَ، وَبَصِيرًا قَبْلَ أَنْ يَرَى أَعْيَانَهُمْ مَخْلُوقَةً. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]، فقَالَ مَرَّةً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وَقَالَ مَرَّةً: اللهُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد. ولو كان كَمَا ادَّعَى المُعَارِضُ وَإِمَامُهُ المَرِيسِيُّ، لَكَانَ الخَالِقُ وَالمخْلُوقُ اسْتَوَيَا جَمِيعًا على العَرْش، إِذ كَانَت أسماؤه مخلوقة عِنْدهم؛ إذ كان الله في دعواهم في حد المجهول أكثر منه في حد المعروف؛ لِأَنَّ لِحُدُوثِ الخَلْقِ حَدًّا

стр. 48

وَوَقْتًا، وَلَيْسَ لِأَزَلِيَّةِ اللهِ حَدٌّ وَلَا وَقْتٌ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ. ثُمَّ احْتَجَّ المُعَارِضُ لِتَرْوِيجِ مَذْهَبِهِ هذا بِأَقْبَحِ قِيَاسٍ؛ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَتَبْتَ اسْمًا فِي رُقْعَةٍ ثُمَّ احْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ، أَلَيْسَ إِنَّمَا تَحْتَرِقُ الرُّقْعَةُ وَلَا تَضُرُّ النَّارُ الاسْمَ شَيْئًا؟ فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَخْرُجُ من رَأسه: إِنَّ الرُّقْعَةَ وَكِتَابَةَ الِاسْمِ لَيْسَ كَنَفْسِ الِاسْمِ، إِذَا احْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ احْتَرَقَ الخَطُّ وَبَقِيَ اسْمُ اللهِ لَهُ وَعَلَى لِسَانِ الكَاتِبِ، كَمَا لَمْ يَزَلْ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ، لَمْ تُنْقِصِ النَّارُ مِنَ الِاسْمِ وَلَا مِمَّنْ لَهُ الِاسْمُ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَسْمَاءُ المَخْلُوقِينَ، لَمْ تُنْقِصِ النَّارُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ وَلَا مِنْ أَجْسَامِهِمْ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبْتَ «الله» بِهِجَائِهِ فِي رُقْعَةٍ لَاحْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ وَكَانَ اللهُ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ صُوِّرَ رَجُلٌ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ ألقِيَتْ فِي النَّارِ، لَاحْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ، وَلَمْ تُضَرُّ الصُّورَةُ (١) شَيْئًا. وَكَذَلِكَ القُرْآنُ، لَوِ احْتَرَقَتِ المَصَاحِفُ كُلُّهَا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ نَفْسِ القُرْآنِ حَرْفٌ وَاحِدٌ, وَكَذَلِكَ لَوِ احْتَرَقَتِ القَرَأَةُ كُلُّهُمْ، أَوْ قُتِلُوا، أَوْ مَاتُوا، لَبَقِيَ القُرْآنُ بِكَمَالِهِ كَمَا كَانَ، لَمْ يُنْتَقَصْ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ عِنْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ بِكَمَالِهِ غَيْر مَنْقُوصٍ. وَقَدْ كَانَ لِإِمَامِهِ المَرِيسِيِّ فِي أَسْمَاءِ اللهِ مَذْهَبٌ كَمَذْهَبِهِ فِي القُرْآنِ. كَانَ القُرْآنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا مِنْ قَوْلِ البَشَرِ، لَمْ يَتَكَلَّمِ اللهُ بِحَرْفٍ مِنْهُ فِي دَعْوَاهُ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ اللهِ عِنْدَهُ مِنَ ابْتِدَاعِ البَشَرِ مِنْ غير أَن يَقُول الله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] بِزَعْمِهِ قَطُّ.

стр. 49

وَزَعَمَ أَنِّي مَتَى اعْتَرَفْتُ بِأَنَّ الله تَكَلَّمَ بِأَنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ؛ لَزِمَنِي أَنْ أَقُولَ: تَكَلَّمَ اللهُ بِالقُرْآنِ. وَلَوِ اعْتَرَفْنَا بِذَلِكَ لَانْكَسَرَ عَلَيْنَا مَذْهَبُنَا فِي القُرْآنِ. وَقَدْ كَسَرَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَلَى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] لَا يَسْتَحِقُّ مَخْلُوقٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا. فَإِن فعل ذَلِكَ كَانَ كَافِرًا؛ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. فَهَذَا الَّذِي ادَّعَوْا فِي أَسْمَاءِ اللهِ؛ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الجَهْمِية الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا مِحَنَهُم وأَسَّسُوا بِهَا ضَلَالَتَهُمْ، غَالَطُوا بِهَا الأَغْمَارَ وَالسُّفَهَاءَ، وَهَمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُغَالِطُونَ بِهَا الفُقَهَاءَ، وَلَئِنْ كَانَ السُّفَهَاءُ [٤/و] فِي غَلَطٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، إِنَّ الفُقَهَاءَ مِنْهُم لَعَلَى يَقِين. أَرَأَيْتُمْ قَوْلَكُمْ: إِنَّ أَسْمَاءَ اللهِ مَخْلُوقَةٌ. فَمَنْ خَلَقَهَا؟ أَوْ كَيْفَ خَلَقَهَا؟ أَجَعَلَهَا أَجْسَامًا وَصُوَرًا تَشْغَلُ أَعْيَانُهَا أَمْكِنَةً دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟ أَمْ مَوْضِعًا دُونَهُ فِي الهَوَاءِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَهَا أَجْسَامٌ دُونَهُ، فَهَذَا مَا تَنْفِيهِ عُقُولُ العُقَلَاءِ. وَإِنْ قُلْتُمْ: خَلَقَهَا عَلَى ألسِنَةِ العِبَادِ، فَدَعَوْهُ بِهَا، وَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ مَا ادَّعَيْنَا عَلَيْكُمْ: إِنَّ اللهَ بِزَعْمِكُمْ كَانَ مَجْهُولًا لَا اسْمَ لَهُ حَتَّى حَدَثَ الخَلْقُ فَأَحْدَثُوا أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ. وَهَذَا هُوَ الإلحادُ بِاللهِ وَفِي أَسْمَائِهِ، وَالتَّكْذِيبُ بِهَا. قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] كَمَا نُضِيفُهُ إِلَى اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ لَقِيلَ: الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ المُسَمَّى الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وَكَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٢ - ٣]، وَكَمَا قَالَ:

стр. 50

﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، كَذَلِكَ قَالَ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ٢]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]. ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل: ٦]، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَكُلُّهَا هِيَ اللَهُ، وَاللهُ هُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهِ، كالعزيز، الحَكِيم، الجَبَّارِ، المُتَكَبِّرِ، كَذَلِكَ رَوَى زَعِيمُكُمُ الأَوْسَطُ يَعْقُوبُ أَبُو يُوسُفَ (١) عَنِ الشَّعْبِيِّ، إِنْ قَنَعْتُمْ بِرِوَايَتِهِ. (٨) حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو يُوسُفَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ (٢) قَالَ: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ هُوَ الله» (٣). (٩) حَدثنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِد، أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ حَيَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ هُوَ اللهُ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الأَسْمَاءِ كُلِّهَا» (٤).

стр. 51

أَفَلَا يَسْتَحِي عَبْدٌ مِنْ خَالِقِهِ، وَمِنْ خَلْقِ رَبِّهِ؛ فَيَدَّعِي أَنَّ «اللهَ» اسْمٌ مَخْلُوقٌ مُسْتَعَارٌ! (١٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بن أبي طَلْحَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١]؛ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ» (١). وَقَدْ رُوِيَ لَنَا فِي تَفْسِيرِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (١١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَافٌ مِنْ كَرِيمٍ، وَعَيْنٌ مِنْ عَلِيمٍ، وياء من حَكِيمٍ، وَهَا مِنْ هَادٍ، وَصَادٌ من صدوق» (٢).

стр. 52

وَحَتَّى إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُجْمِلُهَا فَيَقُولُ: «يَا كَهَيَعصَ! اغْفِرْ لِي» كَمَا يَقُولُ: «يَا الله اغْفِرْ لِي». (١٢) حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عَبْدِ المُؤمن المُقْري، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ أَنَّهَا سَمِعَتْ عليًّا يَقُول: «يَا كهيعص اغفر لي» (١). فَمَنْ خَلَقَ ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١] فِي دَعْوَاكُمْ؟ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا قَبْلَ اللهِ؟ وَمَنِ اهْتَدَى لَهَا غَيْرَ اللهِ؟ وَكَمَا قَالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] كَذَلِكَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : «أَنَا الرَّحْمَنُ». (١٣) حَدَّثَنَاهُ مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ [٤/ظ]

стр. 53

رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» (١). فَيَقُولُ اللهُ: أَنَا شَقَقْتُ لَهَا من اسْمِي، وَادَّعت الجَهْمِيةُ المُكَذِّبِينَ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ أَنَّهُمْ أَعَارُوهُ الِاسْمَ الَّذِي شَقَّهَا مِنْهُ! ومن أَيْنَ عَلِمَ الخَلْقُ أَسْمَاءَ الخَالِقِ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ آدَمُ وَلَا المَلَائِكَةُ أَسْمَاءَ المَخْلُوقِينَ، حَتَّى عَلَّمَهُمُ اللهُ مِنْ عِنْده، وَكَانَ بَدْءُ عِلْمِهَا مِنْهُ فَقَالَ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]. وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا وَحَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». (١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «للهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعين اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِد، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ؛ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَهُوَ وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ» (٢).

стр. 54

(١٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الوَلِيدُ بن مُسلم، ثَنَا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَج، عَن قَتَادَة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لِلهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أحصاها كُلَّهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (١). قَالَ هِشَامٌ: وَحَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: كُلُّهَا فِي القُرْآن: «هُوَ الله الذي لَا إِلَه إلا هُوَ الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ القُدُّوسُ، السَّلَامُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبَّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخَالِقُ، البَارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفَّارُ، القَهَّارُ، الوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الفَتَّاحُ، العَلِيمُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الخَافِضُ، الرَّافِعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللَّطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الحَفِيظُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، المُحْصِي، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الوَاسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المَجِيدُ، البَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الحَقُّ، الوَكِيلُ، القَوِيُّ، المَتِينُ، الوَلِيُّ، الحَمِيدُ، المُبْدِئُ، المُعِيدُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، المَاجِدُ، الوَاجدُ، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، القَادِرُ،

стр. 55

المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، البَاطِنُ، الوَالِي، المُتَعَالِي، البَرُّ، التَّوَّابُ، المُنْتَقِمُ، العَفوُّ، الرَّؤُوفُ، مَالِكُ المُلْكِ، ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، المُقْسِطُ، الجَامِعُ، المُعْطِي، المَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الهَادِي، البَدِيعُ، الغَنِيُّ، البَاقِي، الوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» (١).

стр. 56

فَهَذِهِ كُلُّهَا، أَسْمَاءُ اللهِ، لَمْ تَزَلْ لَهُ كَمَا لم يَزَلْ، بِأَيِّهَا دَعْوَتَ فَإِنَّمَا تَدْعُو اللهَ نَفْسَهُ. وَفِي أَسْمَاءِ اللهِ حُجَجٌ وَآثَارٌ أكثر مِمَّا ذَكَرْنَا، تَرَكْنَاهَا؛ مَخَافَة التطَّوِيل، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ [٥/و] بَيَانٌ بَيِّنٌ، وَدِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِلحَادِ هَؤُلَاءِ المُلْحِدِينَ فِي أَسْمَائِهِ، المُبْتَدِعِينَ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، قَاتَلَهُمُ اللهُ! أَنَّى يَخْرُصُونَ، وَعَزَّ رَبُّنَا وَجَلَّ عَمَّا غَمَصُوهُ، وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا تَنَقَّصُوهُ، وَهُوَ المُنْتَقِمُ مِنْهُمْ فِيمَا افْتَرَضُوهُ. وَأَيُّ تَأْوِيلٍ أَوْحَشَ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ أَنَّ الله كَانَ وَلَا اسْمَ لَهُ؟! مَا مُدَّعِي هَذَا بِمُؤْمِنٍ، وَلَنْ يَدْخُلَ الإِيمَانُ قَلْبَ رَجُلٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ إِلَهًا وَاحِدًا، بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ، وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ، لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَمَا لَمْ تَزَلْ وَحْدَانِيَّتُهُ ﵎. * * *

стр. 57

بَابٌ وَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ اللهَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَوَاسِّ الخَمْسِ، وَهِيَ فِي دَعْوَاهُ: اللَّمْسُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَالبَصَرُ بِالعَيْنِ، وَالسَّمْعُ، وَاحْتَجَّ لِدَعْوَاهُ بِحَدِيثٍ مُفْتَعَلٍ مَكْذُوبٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ مُفْتَعَلٌ. فَأَوَّلُ شَوَاهِدِهِ: أَنَّهُ رَوَاهُ المُعَارِضُ عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المرِيسِيِّ المُتَّهَمِ فِي تَوْحِيدِ الله، المُكَذِّبِ بِصِفَاتِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ قَوْمٍ لَا يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُعْرَفُونَ، رَوَاهُ المرِيسِيُّ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الخَوْلَانِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن مَيْمُون، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَمن أبي شِهَابٍ الخَوْلَانِيُّ، وَمَنْ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ؛ فَيُحْكَمُ بِرِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى رِوَايَةِ قَوْمٍ أَجِلَّةٍ مَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، قَدْ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ؟! فَمِنْ ذَلِكَ: (١٦) مَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بن سَلمَة، عَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «آتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بَابَ الجَنَّةِ، فَيُفْتَحُ لِي، فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ -أَوْ سَرِيرِهِ- فَيَتَجَلَّى لِي، فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا» (١).

стр. 58

فَهَذَا أَحَدُ الحَوَاسِّ، وَهُوَ النَّظَرُ بِالعَيْنِ وَالتَّجَلِّي، رَوَاهُ هَؤُلَاءِ المشهورون عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى رَغْمِ بشر. ومن ذَلِك: (١٧) مَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبَة، عَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «إِذْ تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْيِ، سَمِعُوا لَهُ مِثْلَ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلَى الصَّفْوَانِ» (١). وَهَذَا الحَوَاسُّ الثَّانِي، بِأَسْمَاعِ المَلَائِكَةِ عَلَى رَغْمِ بِشْرٍ وَرِوَايَةِ بِشْرٍ, فَمَا تُغْنِي عَنْ بِشْرٍ رِوَايَتُهُ عَن هَؤُلَاءِ المغمورين إِذَا مَا كَذَّبَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ المَشْهُورِينَ مَعَ تَكْذِيبِ الله إِيَّاهُ قَبْلُ، وَفِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] و ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وَقَالَ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، فَأَخْبَرَ الله تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ أسَمِعَ مُوسَى نَفْسَ كَلَامِهِ، وَسَيُكَلِّمُ مَنْ يَشَاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَرَاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَيَانًا بِأَعْيُنِهِمْ، كما قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحسُّ المَلَائِكَةُ بِكَلَامِهِ عِنْدَ نُزُولِ وَحْيِهِ حتى يُصْعَقُوا مِنْ شِدَّةِ حَوَاسِّهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ،

стр. 59

وَابْنُ مَسْعُودٍ (١) وَتَأَوَّلَا فِيهِ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]. فَهَلْ مِنْ حَوَاسٍّ أَقْوَى مِنَ السَّمْعِ وَالنَّظَرِ؟. فَمَنْ يَلْتَفِتُ إِلَى بِشْرٍ وَتَفْسِيرِ بِشْرٍ، وَيَتْرُكُ النَّاطِقَ مِنْ [٥/ظ] كِتَابِ اللهِ، وَالمَأْثُورِ مِنْ قَول رَسُول اللهِ، إِلَّا كُلُّ مَخْبُولٍ مَخذُول. ثُمَّ طَعَنَ المُعَارِضُ فِي رُؤْيَةِ الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَرُدَّهُ بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ وَبِقِيَاسِ مُحَالٍ، فَقَالَ: لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ فَتَسْتَوْصِفَهُ. فَنَظَرْنَا إِلَى مَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وَرُوِيَ فِيهِ أَقَاوِيلُ مُسْنَدَةٌ، وَغَيْرُ مُسندَة، فلابد مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ. فَيَزْعُمُ المُعَارِضُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَن أبي حنيفَة: «أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَمَا يَشَاءُ أَنْ يَرَوْهُ». فَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ صِفَات هَذِهِ الأَحَادِيثِ كُلِّهَا، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، -يَعْنِي المَرِيسِيَّ ونظرائه الَّذِينَ قَالُوا: لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ-، أَنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَرَى يَوْمَئِذٍ آيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: رَآهُ يَعْنِي أَفْعَالَهُ، وَأُمُورَهُ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ الله فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ [آل عمران: ١٤٣]، فَالمَوْتُ لَا يُرَى وَهُوَ مَحْسُوسٌ، إِنَّمَا يُدْرَكُ عَمَلُ المَوْتِ، فَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَرَادَ هَذَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنَّا بِالله، وَبِمَا أَرَادَ مِنْ هَذِهِ المَعَانِي، وَوَكَلْنَا تَفْسِيرَهَا وَصِفَتَهَا إِلَى الله.

стр. 60

فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ، الَّذِي لَا يدْرِي ما يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ، وَيَنْقُضُ آخِرُ كَلَامِهِ أَوَّلَهُ: أَلَيْسَ قَدِ ادَّعَيْتَ فِي أَوَّلِ كَلَامِكَ أَنَّهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، أَنَّهُ يَرَى آيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: رَآهُ. ثُمَّ قُلْتَ فِي آخِرِ كَلَامِكَ: فَقَدْ وَكَلْنَا تَفْسِيرَهَا إِلَى الله، أَفَلَا وَكَّلْتَ التَّفْسِيرَ إِلَى الله قَبْلَ أَنْ تُفَسِّرَهُ؟. وَزَعَمْتَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ كلامك أَنه لابد مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعْتَ عَنْ قَوْلِكَ فَقُلْتَ: لَا، بَلْ نَكِلُهُ إِلَى الله، فَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ يَحْجُرُ عَلَيْكَ الكَلَامَ! وَالعَجَبُ مِنْ جَاهِلٍ فَسَّرَ لَهُ رَسُول الله ﷺ تَفْسِيرَ الرُّؤْيَةِ مَشْرُوحًا مُخلَّصًا ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ كَانَ كَمَا فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ آمَنَّا بِالله. وَلَوْ قُلْتَ: أَيُّهَا المُعَارِضُ: آمَنَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ وَفَسَّرَهُ، كَانَ أَوْلَى بِكَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: آمَنَّا بِمَا فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا تَدْرِي قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ؟. وَهَلْ تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ في تفسير الرُّؤْيَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالمَرِيسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ المُتَأَوِّلِينَ مَوْضِعَ تَأَوُّلٍ، إِلَّا وَقَدْ فَسَّرَهُ وَأَوْضَحَهُ بِأَسَانِيدَ أَجْوَدَ مِنْ عُمَرَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ. رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (١).

стр. 61

وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّ أَنْ تَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَلَا يحْتَمل عندك أَنْ يَكُونَ [٦/و] كمَا فَسَّرَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ﷺ : يَرَاهُ أَهْلُ الجَنَّةِ كَمَا يَشَاءُ، كَمَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -إِنْ كَانَ قَالَهُ- وَلَكِنْ قَالَ: «كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ» فَالتَّفْسِيرُ مَقْرُونٌ بِالحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ. فَمَنِ اضْطَرَّ النَّاسَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِلَى الأَخْذِ بِالمُبْهَمِ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ -إِنْ كَانَ قَالَهُ- مَعَ تَرْكِ قَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ المَنْصُوصِ المُفَسَّرِ؟ هَذَا إِذًا ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَجَوْرٌ جَسِيمٌ. وَأما قولك: وَلَمْ تَرَهُ عَيْنٌ فَتَسْتَوْصِفَهُ. فَلَوِ احْتَجَّ بِهَذَا صَبِيٌّ صَغِيرٌ؛ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا قُلْتَ: جَهَالَةً. أَفَرَأَى أَهْلَ (١) الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا فِيهِمَا بِعَيْنِهِ فَيَسْتَوْصِفَهُ؟! وَهَلْ يَصِفُهُمَا وَيَصِفُ مَا فِيهِمَا إِلَّا بِمَا وَصَفَهُمَا الله فِي كِتَابِهِ: أَنَّ فِي الجَنَّةِ حُورًا عِينًا، وَطَعَامًا وَشَرَابًا، وأنهارًا، وَنَخْلًا، ورمانًا، وشجرًا، وقصورًا مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَلِبَاسًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، وَحِريرًا وَمَا أَشْبَهَهَا. وَكَذَلِكَ النَّارُ فِيهَا أَنْكَالٌ وَقُيُودٌ وَمَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَغْلَالٌ، وَسَلَاسِلُ، وَحَمِيمٌ، وَزَقُّومٌ. أَفَتَصِفُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ أَيُّهَا المُعَارِضُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَمَّنْ رَآهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ عَمَّا

стр. 62

أَخْبَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ ؟ وَكَذَلِكَ تَصِفُ رُؤْيَةَ اللهِ وَتُفَسِّرُهَا عَنِ اللهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، وَإِنْ لَمْ ترَهُ عَيْنٌ تَسْتَوْصِفُهُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «تَرَوْنَ رَبَّكُمُ الله جَهْرًا يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ». فَأَخَذْنَا هَذَا الوَصْفَ عَنِ الله وَعَنْ رَسُولِهِ، كَمَا أَخَذْنَا صِفَةَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ نَرَ شَيْئًا مِنْهُمَا بِأَعْيُنِنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا عَنْهُمَا مَنْ رَآهُمَا بعَيْنَيْه. فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا المُعَارِضُ كَلَامَكَ ثُمَّ تكلم، فلوا احْتَجَّ بِمَا احْتَجَجْتَ بِهِ صَبِيٌّ لم يبلغ الحِنْثَ؛ ما زَادَ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -إِنْ صَدَقَتْ عَنْهُ رِوَايَتُكَ- أَنَّهُ ذَهَبَ فِي الرُّؤْيَةِ إِلَى أَنْ يَرَوْا لِآيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأُمُورِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَآهُ, وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ الصِّبْيَانِ، لما أَنَّ آيَاتِهِ وَأُمُورَهُ وأَفْعَالَهُ مَرْئِيَّةٌ مَنْظُورٌ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ، فَمَا مَعْنَى تَوْقِيتِهَا وَتَحْدِيدِهَا وَتَفْسِيرِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ جَهِلَ، وَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتَ، وَرَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ دُونَ الأَيَّامِ. فَفِي دَعْوَاكَ: يَجُوزُ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ، لما أَنَّهُمْ يَرَوْنَ كُلَّ سَاعَةٍ، وَكُلَّ لَيْلَةٍ، وَكُلَّ يَوْمٍ أُمُورَهُ وَآيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَقَدْ بَطُلَ فِي دَعْوَاكَ قَوْله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ لِأَنَّ الأَبْصَارَ كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ تُدْرِكُ أُمُورَهُ وَآيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا قبلَ الآخِرَةِ، فَأَنْكَرْتُمْ عَلَيْنَا رُؤْيَتَهُ فِي الآخِرَةِ وَأَقْرَرْتُمْ بِرُؤْيَةِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، لِمَا أَنَّهُمْ جَمِيعًا [٦/ظ] لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ أُمُورَه وآيَاتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فخالفتم بِسُلُوكِ هَذِهِ المحجَّةِ جَمِيعَ العَالَمِينَ، وَرَدَدْتُمْ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ إِذا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ رُؤْيَتَهُ: يَعْنِي إِدْرَاكَ

стр. 63

آيَاتِهِ وَأُمُورِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ رُؤْيَةَ الله كَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ [آل عمران: ١٤٣]، فَلَوْ قَدْ عَقَلْتَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ وَفِيمَ أُنْزِلَتْ؛ لَكَانَ احْتِجَاجُكَ إِقْرَارًا بِرُؤْيَةِ اللهِ عَيَانًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ كَانَتْ رُؤْيَةَ عَيَانٍ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ رُؤْيَةُ القَتْلِ وَالقِتَالِ، فَقَدْ رَأَوْهُ بِأَعْيُنِهِمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَلَمْ يَصْبِرُوا لَهُ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي قَوْمٍ غَابُوا عَنْ مَشْهَدِ بَدْرٍ فَقَالُوا: «لَئِنْ أَرَانَا الله قِتَالًا لَيَرَيَنَّ مَا نَصْنَعُ، وَلَنُقَاتِلَنَّ». فَأَرَاهُمُ الله القِتَالَ عَيَانًا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِأَعْيُنِهِمْ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ الله، وَلَمْ يَصْبِرُوا لِلْقِتَالِ، فَعَفَا الله عَنْهُمْ، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ [آل عمران: ١٤٣]. فَكَانَ هَذَا رُؤْيَةَ عَيَانٍ لَا رُؤْيَةَ خَفَاءٍ. (١٨) حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «تَغَيَّبَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ: تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، لَأنْ أَرَانِي اللهُ قتالًا؛ لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ» (١). (١٩) حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] قَالَ: «كَانَ أُنَاسٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَرَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا» (٢).

стр. 64

فَهَذِهِ رُؤْيَةُ عَيَانٍ، لَا رُؤْيَةُ خَفَاءٍ. فَإِنْ أَنْكَرْتَ مَا قُلْنَا، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ المَوْتَ يُرَى فِي الآخِرَةِ». قَالَ: «يُؤْتَى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ» (١). وَلَوْلَا كَثْرَةُ مَا يُسْتَنكرُ الحَقَّ وَيَرُدُّهُ بِالجَهَالَةِ لَمْ نَشْتَغِلْ بِكُلِّ هَذِهِ المُنَازَعَةِ فِي الرُّؤْيَةِ؛ لما أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ فَسَّرَها تَفْسِيرًا لَمْ يَدَعْ لِمُتَأَوِّلٍ فِيهَا مَقَالًا، إِلَّا أَنْ يُكَابِرَ رَجُلٌ غَيْرَ الحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُهُ. إِذْ سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «هَلْ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ صَحْوًا؟ فَكَذَلِكَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَته». (٢٠) حدّثنَاهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). (٢١) وحدثناه نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يزيد اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٣).

стр. 65

(٢٢) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، [عن زيد بن أسلم] (١)، عَنْ عَطَاءِ بن يسَار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). (٢٣) وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ الحَنَّاطِ، [٧/و] عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بن أبي حَازِم، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٣). (٢٤) وَحدثنَا عَليُّ بنُ المَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ (٤). قَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: لَا يَكُونُ مِنَ الإِسْنَادِ شَيْءٌ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا (٥).

стр. 66

وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ بَابًا كَبِيرًا فِي الكتاب الأول بأسانيدها (١). فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا وَلَمْ يَرْجُهَا كَانَ مِنَ المَحْجُوبِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، مِنَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففون: ١٥]؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: «مَنْ كَذَّبَ بِفَضِيلَةٍ لَمْ يَنَلْهَا» وَقَدْ كَذَّبَتِ الجَهْمِيَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ. (٢٥) وَكَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ (٢) قَالَ: «من نَازع فِي حَدِيث الرُّؤْيَة؛ ظَهَرَ أَنَّهُ جَهْمِيٌّ». * * *

стр. 67

بَابُ النُّزُولِ وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ الله يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ من دَاع». (٢٦) حدّثنَاهُ القَعْنَبِيُّ، وَابْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن الأَغَر، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر فَيَقُول: من يدعني أستجيب لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (١). (٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الحَوْضِيُّ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رِفَاعَةَ الجُهَنِي: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ -أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ- يَنْزِلُ الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، فَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَهُ؟ مَنْ يَدْعُنِي أَسْتَجِبْ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي أُعْطِهِ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفجْر» (٢).

стр. 68

وَهَذا بَابٌ طَوِيلٌ قَدْ جَمَعْنَاهُ فِي الكِتَابِ الأَوَّلِ (١). فَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ اللهَ لَا يَنْزِلُ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَهُوَ عَلَى العَرْشِ بِكُلِّ مَكَانٍ، مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ؛ لِأَنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ، وَالقَيُّومُ -بِزَعْمِهِ- مَنْ لَا يَزُولُ. فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ بَيَانٌ، وَلَا لِمَذْهَبِهِ بُرْهَانٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ يَنْزِلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَوَقْتٍ وَأَوَانٍ، فَمَا بَالُ النَّبِيِّ ﷺ يَحُدُّ لِنُزُولِهِ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ؟ وَيُوَقِّتُ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرَهُ أَوِ الأَسْحَارَ؟ أَفَبِأَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ يَدْعُو العِبَادَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ؟ أَوْ يَقْدِرُ الأَمْرُ وَالرَّحْمَةُ أَنْ يَتَكَلَّمَا دُونَهُ؛ فَيَقُولَا: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَ؟! هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فأعفر لَهُ؟! هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَ؟! فَإِنْ قَرَّرْتَ مَذْهَبَكَ لَزِمَكَ أَنْ تَدَّعِي أَن الرَّحْمَة وَالأَمْرَ اللَّذَيْنِ يَدْعُوَانِ إِلَى الإِجَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِكَلَامِهِمَا دُونَ الله. هَذَا مُحَالٌ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، فَكَيْفَ عَنْدَ الفُقَهَاءِ؟! وَقَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ تُكَابِرُونَ. وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ يَنْزِلَانِ مِنْ عِنْدِهِ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَا يَمْكُثَانِ إِلَّا إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يُرْفَعَانِ [٧/ظ]؛ لِأَنَّ رِفَاعَةَ يَرْوِيهِ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: «حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ». وَقَدْ عَلِمْتُمْ -إِنْ شَاءَ الله- أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ. * * *

стр. 69

وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ تَفْسِيرَ «القَيُّومِ» الَّذِي لَا يَزُولُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَتَحَرَّكُ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْكَ هَذَا التَّفْسِيرُ إِلَّا بِأَثَرٍ صَحِيحٍ، مَأْثُورٍ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَوِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ الحَيَّ القَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويَهْبِطُ ويَرْتَفِعُ إِذا شَاءَ، ويَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكَ. كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ (١).

стр. 70

وَمَنْ يَلْتَفِتُ إِلَى تَفْسِيرِكَ وَتَفْسِيرِ صَاحِبِكَ مَعَ تَفْسِير نَبِي الرَّحْمَة وَرَسُول رب العِزَّة؛ إِذَا فَسَّرَ نُزُولَهُ مَشْرُوحًا مَنْصُوصًا، وَوَقَّتَ لِنُزُولِهِ وَقْتًا مَخْصُوصًا، لم يَدَعْ لَكَ، وَلَا لِأَصْحَابِكَ فِيهِ لَبْسًا، وَلَا عَوِيصًا؟ ثُمَّ أَجْمَلَ المُعَارِضُ مَا يُنْكِرُ الجَهْمِيَّةُ مِنْ صِفَاتِ الله وَذَواتِهِ المُسَمَّاةِ فِي كِتَابِهِ وَفِي آثَارِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَعَدَّ مِنْهَا بِضْعًا وَثَلَاثِينَ صِفَةً، نسقًا وَاحِدًا، يَحْكُمُ عَلَيْهَا وَيُفَسِّرُهَا بِمَا حَكَمَ المَرِيسِيُّ وَفَسَّرَهَا، وَتَأَوَّلَهَا حَرْفًا حَرْفًا، خِلَافَ مَا عَنَى الله، وَخِلَافَ مَا تَأَوَّلَهَا الفُقَهَاءُ الصَّالِحُونَ، لَا يَعْتَمِدُ فِي أَكْثَرِهَا إِلَّا عَلَى المَرِيسِيِّ، فَبَدَأَ مِنْهَا بِالوَجْهِ، ثُمَّ بِالسَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَالغَضَبِ، وَالرِّضَا، وَالحُبِّ، وَالبُغْضِ، وَالفَرَحِ، وَالكُرْهِ، وَالضَّحِكِ، وَالعَجَبِ، وَالسَّخَطِ، وَالإِرَادَةِ، وَالمَشِيئَةِ، وَالأَصَابِعِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، و ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، و ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وَ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] و ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وَقَوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وَ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]، و ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وَ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] وَقَوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وَ ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وَ

стр. 71

﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]،وَ ﴿اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. عَمِدَ المُعَارِضُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالآيَاتِ فَنَسَّقَهَا، وَنَظَمَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، كَمَا نَظَمَهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ثُمَّ فَرَّقَهَا أَبْوَابًا فِي كِتَابِهِ، وَتَلَطَّفَ بِرَدِّهَا بِالتَّأْوِيلِ، كَتَلَطُّفِ الجَهْمِيَّةِ، مُعْتَمِدًا، فِيهَا عَلَى تَفَاسِيرِ الزَّائِغِ الجَهْمِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، مُسْتَتِرًا عِنْدَ الجُهَّالِ بِالتَّشْنِيعِ بِهَا عَلَى قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَيُصَدِّقُونَ الله وَرَسُولَهُ فِيهَا بِغَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا بِمِثَالٍ. فَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ المُؤْمِنِينَ بِهَا يُكَيِّفُونَهَا وَيُشَبِّهُونَهَا بِذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ العُلَمَاءَ بِزَعْمِهِ قَالُوا: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اجْتِهَادُ رَأْيٍ لِتُدْرَك كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ، أَوْ يُشَبَّهُ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا هُوَ فِي الخَلْقِ مَوْجُود. قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ لما أَنَّ الله تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ [٨/و]، كَكَيْفِيَّتِهِ شَيْءٌ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْنَا لِهَذَا المُعَارِضِ المُدَلِّسِ بِالتَّشْنِيعِ. أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَشْبِيهَهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الخَلْقِ خَطَأٌ. فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ خَطَأٌ كَمَا قُلْتَ، بَلْ هُوَ عِنْدَنَا كُفْرٌ وَنَحْنُ لِكَيْفِيَّتِهَا، وَتَشْبِيهِهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الخَلْقِ أَشَّدُ اتِّقَاءً (١) مِنْكُمْ، غَيْرَ أَنَّا كَمَا لَا نُشَبِّهُهَا، وَلَا نُكَيِّفُهَا، لَا نَكْفُرُ بِهَا، وَلَا نُكَذِّبُ، وَلَا نُبْطِلُهَا بِتَأْوِيلِ الضُّلَّالِ، كَمَا أَبْطَلَهَا إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ فِي أَمَاكِنَ مِنْ كِتَابِكَ، سَنُبَيِّنُهَا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا مِمَّنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الأَغْمَارِ إِنْ شَاءَ الله.

стр. 72

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي تَكْيِيفِ صِفَاتِ الرَّبِّ، فَإِنَّا لَا نُجِيزُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ، الَّتِي نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا، وَتُسْمَعُ فِي آذَانِنَا، فَكَيْفَ فِي صِفَاتِ الله الَّتِي لَمْ تَرَهَا العُيُونُ، وَقَصُرَتْ عَنْهَا الظُّنُونُ؟ غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ فِيهَا كَمَا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا لله كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ السَّمْعُ مِنْهُ غَيْرَ البَصَرِ، وَلَا الوَجْهُ مِنْهُ غَيْرَ اليَدِ، وَلَا اليَدُ مِنْهُ غَيْرَ النَّفْسِ، وَأَنَّ الرَّحْمَنَ لَيْسَ يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ، سَمْعًا مِنْ بَصَرٍ، وَلا بَصَرًا مِنْ سَمْعٍ، وَلَا وَجْهًا مِنْ يَدَيْنِ، وَلَا يَدَيْنِ مِنْ وَجْهٍ. هُوَ -بِزَعْمِكُمْ- سَمْعٌ وَبَصَرٌ، وَوَجْهٌ، وَأَعْلَى وَأَسْفَلُ، وَيَدٌ وَنَفْسٌ، وَعِلْمٌ وَمَشِيئَةٌ، وَإِرَادَةٌ، مِثْلُ خَلْقِ الأَرَضِينَ، وَالسَّمَاءِ، والجبَال، وَالتِّلَالِ، وَالهَوَاءِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لِشَيْءٍ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالذَّوَاتِ، وَلَا يُوقَفُ لَهَا مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ، فَالله المُتَعَالِي عندنَا أَن يكون كَذَلِك. فَقَدْ مَيَّزَ الله فِي كِتَابِهِ السَّمْعَ مِنَ البَصَرِ فَقَالَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] و ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥]، وَقَالَ ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] فَفَرَّقَ بَيْنَ الكَلَامِ وَالنَّظَرِ دُونَ السَّمْعِ، فَقَالَ عِنْدَ السَّمْعِ وَالصَّوْتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١] وَ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وَلَمْ يَقُلْ: قَدْ رَأَى الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا. وَقَالَ فِي مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ إنه ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩] وَقَالَ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وَلَمْ يَقُلْ: يَسْمَعُ اللهُ تَقَلُّبَكَ، وَيَسْمَعُ عَمَلَكَ، فَلَمْ يَذْكُرِ الرُّؤْيَةَ فِيمَا يُسْمَعُ، وَلَا السَّمَاعَ فِيمَا يُرَى. لِما أَنَّهُمَا عِنْدَهُ خِلَافُ مَا عِنْدَكُمْ.

стр. 73

وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣ - ١٤]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]، وَلَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: عَلَى سَمْعِي. فَكَمَا نَحْنُ لَا نُكَيِّفُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، لَا نُكَذِّبُ بِهَا كَتَكْذِيبِكُمْ، وَلَا نُفَسِّرُهَا؛ كَبَاطِلِ تَفْسِيرِكُم. * * *

стр. 74

بَابُ الحَدِّ وَالعَرْشِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لله حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ. وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ جَهْمٌ جَمِيعَ ضَلَالَاتِهِ، وَاشْتَقَّ مِنْهَا أُغْلُوطَاتِهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ سَبَقَ جَهْمًا إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ. فَقَالَ [٨/ظ] لَهُ قَائِلٌ مِمَّنْ يُحَاوِرُهُ: قَدْ عَلِمْتُ مُرَادَكَ بِهَا أَيُّهَا الأعجمي، وتعني أَن الله لَا شَيْءٌ؛ لأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُم عَلِمُوا أَنَّه لَيْسَ شَيءٌ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ إِلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ وَصِفَةٌ، وَأَنَّ لَا شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا صِفَةٌ, فَالشَّيْءُ أَبَدًا مَوْصُوفٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ. وَقَوْلُكَ: لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَالله تَعَالَى لَهُ حَدٌّ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُه، وَلَا يجوزُ لأَحَدٍ أَن يتَوَهَّم لحدِّه غايةً فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالحَدِّ ويَكِلُ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ، ولِمَكَانِهِ أَيْضًا حَدٌّ، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ. وَسُئِلَ ابْنُ المُبَارَكِ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ عَلَى العَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. قِيلَ: بِحَدٍّ؟ قَالَ: بِحَدّ». (٢٨) حدّثنَاهُ الحَسَنُ بْنُ الصَّباح البَزَّارُ، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ (١). فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ للهِ حَدٌّ فَقَدْ رَدَّ القُرْآنَ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الله حَدَّ مَكَانَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾

стр. 75

[طه: ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، و ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ على الحَدِّ. وَمَنْ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِتَنْزِيلِ الله، وَجَحَدَ آيَاتِ الله. وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ»، وَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: «أَيْنَ الله؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». فَقَوْلُ رَسُولِ الله ﷺ : «إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّ الله فِي السَّمَاءِ؛ لم تَكُنْ مُؤمِنَة، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الرَّقَبَة إِلَّا مَنْ يُحِدُّ اللهَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ. (٢٩) فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ البَغْدَادِيُّ الأَصَمُّ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ شَبِيبِ ابْن شيبَة، عَنْ الحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ لِأَبِيهِ: «يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا؟ قَالَ سَبْعَةً، سِتَّة فِي الأَرْض، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ، قَالَ فَأَيُّهُمْ تَعُدُّهُ لِرَغْبَتِكَ وَلِرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ» (١).
следующие страницы →